Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ تفسير سورة يونس - والإحسان على أقسام كذلك النعمة، ونِعَمُ اللَّهِ أكثر من أَنْ تخصّى. ويقال الفضل ما أتاح لهم من الخيرات، والرحمة ما أزاحَ عنهم من الآفات. ويقال فضل الله ما أكرمهم من إجراء الطاعات، ورحمته مَا عَصَمَهم به من ارتكاب الزَّلات. ويقال فضل الله دوام التوفيق ورحمته تمام التحقيق. ويقال فضل الله ما يُخصُّ به أهل الطاعات من صنوف إحسانه، ورحمته يخصُّ به أهلَ الزلَّات من وجوه غفرانه. ويقال فضل الله الرؤية، ورحمته إبقاؤهم في حالة الرؤية . ويقال فضل الله المعرفة في البداية، ورحمته المغفرةُ في النهاية . ويقال فضل الله أَنْ أَقَامَكَ بشهود الطلب، ورحمته أن أشهدك حقَّه بحكم البيان إلى أنْ تراه غداً بكشف العيان. قوله جلّ ذكره: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ﴾ أي بما أَهَّلَهم له، لا بما يتكلَّفون من حَرَكاتهم وسَكَنَاتهم، أو يَصِلُونَ إليه بنوعٍ من تكلفهم وتعملهم. ﴿هُوَ خَيْرٌ مِمَا يَجْمَعُونَ﴾: أي ما تُتْحَفُونَ به من الأحوال الزاكية خيرٌ مِمَّا تجمعون من الأموال الوافية. ويقال الذي لَكَ منه - في سابق القسمة - خيرٌ مما تتكلّفُه من صنوف الطاعة والخدمة . قوله جلّ ذكره: ﴿قُلْ أَرَءَيْتُم ◌َّا أَنزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ زِزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلَلَا قُلْ ءَللَّهُ أَذِبَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَّونَ﴾ . يعَنْفُهم ويُقَرُّعهُم (١) على ما ابتدعوه من التحليل والتحريم، ويُظْهِر كذبهم فيما تقوَّلُوه من نسبتهم ذلك إلى إذن وشرع. قوله جل ذكره: ﴿وَمَا ◌َنُّ ◌َلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَّمَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾ . هذا على جهة التهويل والتعظيم لما أسلفوه من الكذب. ثم قال: ﴿إِنَ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ في إمهال مَنْ أجْرَم، والعصمةِ لِمَنْ لم يُخرِمْ. قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَا تَكُنُ فِي شَأَنٍ وَمَا نَتْلُواْ مِنْهُ مِنْ قُرْءَانٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيَةٍ وَمَا يَعْزُّبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِثْقَالٍ ذَرَّقْ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِ السَّمَاءِ وَلَّ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلَّ أَكْبَرَ إِلَّا فِ كِتَبٍ مُّبِينٍ﴾ . (١) قرّعه: عنّفه وأوجعه باللوم والعتاب. ٢٢ تفسير سورة يونس خَوَّفَهم بما عرفّهم من اطلاعه عليهم في جميع أحوالهم، ورؤية ما سيفعلونه من فنون أعمالهم. والعلْمَ بأنه يراهم يوجِبُ استحياءهم منه، وهذه حال المراقبة، والعبد إذا عَلمَ أن مولاه يراه استحي منه، وتَركَ متابعة هواه، ولا يحُوِّم حَوْلَ ما نهاه، وفي معناه أنشدوا: كأنَّ رقيباً منك حَالٍّ بمهجتي إذا رُمْتُ تسهيلاً عليَّ تَصعَّبَا وأنشدوا: تعاتبني فيها وأنت مقيم أُعَاتِبُ عَنْكَ النَّفُسَ في كلُّ خَصْلَةٍ ﴿وما يعزُبُ عن ربك من مثقال ذرة﴾: وكيف يخفى ذلك عليه، أو يتقاصر علمه عنه، وهو منشئُه وموجِدُه؟ وبعض أحكامه الجائزة مخصصة، وإنما قال: ﴿إِلَّا فِى كِتَبٍ مُبِينٍ﴾: ردَّهم إلى كتابته ذلك عليهم - لعدم اكتفائهم في الامتناع عمَّا نُهُوا عنه - برؤيته وعلمه . قوله جلّ ذكره: ﴿أَلَّ إِنَّ أَوْلِيَآءَ اللَّهِ لَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ﴾ . الوليُّ على وزن فعيل مبالغة من الفاعل، وهو مَنْ تَوَالَت طاعاته، من غير أن يتخللها عصيان . ويجوز أن يكون فعيل بمعنى مفعول كجريح وقتيل بمعنى مجروح ومقتول؛ فيكون الوليُّ مَنْ يتوالى عليه إحسانُ الله وأفضاله، ويكون بمعنى كونه محفوظاً في عامة أحواله من المحن. وأشدُ المحن ارتكابُ المعاصي فيعصمه الحقُّ - سبحانه - على دوام أوقاته من الزلَّات. وكما أن النبيَّ لا يكون إلا معصوماً فالوليُّ لا يكون إلا محفوظاً. والفَرْقُ بين المحفوظ والمعصوم أن المعصوم لا يُلِمُّ بِذَنْبِ الْبَتَّةَ، والمحفوظُ قد تحصُل منه هَنَات، وقد يكون له - في الندرة - زَلَّاتٌ، ولكن لا يكون له إصرار: ﴿أولئك الذين يتوبون من قريبٍ﴾ [النساء: ١٧]. قوله جلّ ذكره: ﴿أَّ إِنَّ أَوْلِيَآءَ اللَّهِ لَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ . حسنٌ ما قيل إنه ﴿لا خوف عليهم﴾: في الدنيا، ﴿ولا هم يحزنون﴾: في العاقبة. ولكن الأولى أَنْ يقال إن الخواص منهم لا خوفٌ عليهم في الحال - لأنَّ حقيقةَ الخوفِ توقّع محذورٍ فيَّ المستقبل، أو ترقُب محبوب يزول في المستأنف .. وهم بِحُكْمٍ الوقت؛ ليس لهم تطلّعُ إلى المستقبل. والحزن هو أن تنالهم حُزُونة في الحال، وهَم في رَوْحِ الرضا بكل ما يجري فلا تكون لهم حزونة الوقت. فالوليُّ لا خوفٌ عليه في الوقتَ، ولا له حزن بحال، فهو بحكم الوقت. ٢٣ تفسير سورة يونس ولا يكون وليَّاً إلا إذا كان موفّقاً لجميع ما يلزمه من الطاعات، معصوماً بكل وجه عن جميع الزلات. وكلُّ خَصْلَةٍ حميدة يمكن أن يُعْتَبَرَ بها فيقال هي صفة الأولياء. ويقال الوليُّ مَنْ فيه هذه الخصلة. ويقال الوليُّ من لا يُقَصِّر في حقِّ الحق، ولا يؤخّر القيام بحق الخَلق؛ يطيع لا الخوف عقاب، ولا على ملاحظةٍ حسن مآب، أو تطلع لعاجلٍ اقتراب، ويقضي لكلِ أحدٍ حقاً يراه واجباً، ولا يقتضي من أحدٍ حقاً له، ولا ينتقم، ولا ينتصف ولا يشمت ولا يحقد، ولا يقلد أحداً مِنّةً، ولا يرى لنفسه ولا لما يعمله قَدْراً ولا قيمة. قوله جلّ ذكره: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾ . هذه صفة الأولياء؛ آمنوا في الحال، واتقوا الشّرْكَ في المآل. ويقال ﴿َامَنُواْ﴾ أي قاموا بقلوبهم من حيث المعارف. ﴿وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾: استقاموا بنفوسهم بأداء الوظائف . ويقال ((آمنوا)) بتلقي التعريف. ((واتقوا)): بالتقوى عن المحرمات بالتكليف. قوله جلّ ذكره: ﴿لَهُمُ الْبُتْرَى فِى الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِّ لَا نَبْدِيلَ لِكَلِمَتِ اللَّهَّ ذَلِكَ هُوَ اُلْفَوَّزُ اَلْعَظِيمُ﴾. القيام بالأمر يدل على الصحة؛ فإِذا قاموا بما أُمِروا به، واستقاموا بِتَرْكِ ما زُجروا عنه بَشَّرَتْهُم الشريعة بالخروج عن عهدة الإلزام، وبشّرتهم الحقيقة باستجياب الإكرام، بما كوشِفوا به من الإعلام .. وهذه هي البشرى في عاجلهم. وأما البُشرى في آجِلِهم: فالحقُّ - سبحانه - يتولَّى ذَلك التعريف، قال تعالى: ﴿يُبَشِرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَنٍ﴾ [التوبة: ٢١]. ويقال البشارة العُظْمَى ما يجدون في قلوبهم مِنْ ظَفَرِهم بنفوسهم بسقوط مآربهم، وأيُّ مُلْكِ أتمُّ من سقوط المآرب، والرضا بالكائن؟ هذه هي النعمة العظمى، ووجدان هذه الحالة هو البشرئ الكبرى. ويقال الفرق بين هذه البشارة التي لهم وبين البشارة التي للخلق أنَّ للخلق عِدَةٌ بالجميل، والذي له نَقْدٌ ومحصول. قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَا يَحْزُنِكَ قَوْلُهُمُ إِنَّ أَلْمِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًاً هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ . العبدُ ما دام متفرقاً يضيقُ صدرُه ويستوحش قلبُه بما يسمع ويشهد من الأغيارِ والكفارِ ما تَتَقدَّسُ عنه صفةُ الحقّ، فإِنْ صار عارفاً زالَتْ عنه تلك الصفة لتحققه بأنَّ الحقَّ سبخانه وراء كلّ طاعةٍ وزَلَّةٍ، فلا له - سبحانه - من هذا استيحاش، ولا بذلك استئناس. ٢٤ تفسير سورة يومس ثم يتحقق العارفُ بأنَّ المُجَرِيَ لطاعةِ أربابِ الوفاق - اللَّهُ، والمُنْشِىءُ لأحوال أهل الشّقاقِ - اللَّهُ. لا يبالي الحقُّ بما يجري ولا يبالي العبدُ بشهود ما يجري، كما قيل: بنو حقّ قضوا بالحقّ صِرْفا فَنِعْتُ الخَلْقِ فيهم مستعار قوله جلّ ذكره: ﴿أَلَّ، إِنَ لِلَّهِ مَن فِي السَّمَوَتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِّ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءُ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾. لله مَنْ في السموات ومَنْ في الأرضِ مِلْكاً، ويبدي عليهم ما يريد، حكما جَزْماً؛ فلا لقبوله عِلَّة، ولا موجِبَ لردِّه زَلَّة، كلا ... إنها أحكامٌ سابقة، لم تُوجِبْها أجرامٌ لاحقة، ولا طاعاتٌ وعباداتْ صادقة. قوله جلّ ذكره: ﴿هُوَ أَلَّذِى جَعَلَ لَكُ اَلَتْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًّاً إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ . الليلُ لأهل الغفلة بُعْدّ وغيبة، ولأهل الندم توبة وأوبة(١)، وللمحبين زُلْفَةٌ وقربة؛ فالليل بصورته غير مُؤْنِسٍ، لكنه وقت القربة لأهل الوصلة كما قيل: تُخَبِر أن المانوية تكذب (٢) وكم لظلام الليلِ عندي من يَدٍ قوله جلّ ذكره: ﴿قَالُواْ أَتَّخَذَ اَللَّهُ وَلَدَّأْ سُبْحَئِنٌَّ هُوَ الْفَنِىِّ لَهُ مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِي الْأَرْضَِّ إِنْ عِندَكُم مِّن سُلْطَانٍ بِهَذَأْ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ . الوَلَدُ بعض الوالد، والصمدية تَجِلُّ عن البعضية، فَتَزَّهَ الله نَفْسَه عن ذلك بقوله ﴿سبحانه﴾ . ثم إنه لم يعجِّلْ لهم العقوبة - مع قبيح قالتهم ومع قدرته على ذلك - تنبيهاً على طريق الحكمة لعباده. ولا تجوز في وصفه الولادة لِتَوَحُّده، فلا قسيمَ له، ولا يجوز في نعته التبني أيضاً لِتَفَرُّدِه وأنه لا شبيه له. قوله: ﴿هُوَ أَلْغَنِىُّ﴾: الغِنَى نَفْيُ الحاجة، وشهوةُ المباشرةِ حاجة، ويتعالى عنها سبحانه . (١) الأوبة: المرة من الأوب. والأوب: العادة أو الجهة والناحية. (٢) المانوية: أتباع ماني بن فاتن وهو رجل ظهر في زمن سابور بن أردشير بعد عيسى عليه السلام وادعى النبوة وأحدث ديناً بين المجوسية والنصرانية، وكان يقول بنبوة المسيح عليه السلام، ولا يقول بنبوة موسى عليه السلام، وقال: إن العالم مصنوع من النور والظلمة وأنهما لم يزالا قديمين حساسين سميعين بصيرين. المانوية مذهب تأثر بالبوذية والغنوصية، كما أخذ عن الزرداشتية قضت النصرانية على هذا المذهب حوالي ٥٠٠ م. (صبح الأعشى ٢٩٨/١٣). ٢٥ تفسير سورة يونس قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾. ليس لهم بما هم فيه استمتاع، إنما هو أيامٌ قليلة ثم تتبعها آلامٌ طويلة، فلا قَدَمٌ لهم بعد ذلك تُرْفَع، ولا نَدَمٌ ينفع . قوله جلّ ذكره: ﴿﴿ وَثَلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوجِ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ، يَقَوْمِ إِن كَانَ كَبْرَ عَلَيْكُرُ مَّقَامِى وَتَذْكِيرِى بِشَايَتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُواْ أَمْرَّكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ أَقْضُوّأْ إِلَىَّ وَلَا نُظِرُونِ﴾ . أنزل الله هذه الآية على وجه التسلية لنبيه - وَ ل﴿ه - لِمَا كان يمسُّه من مقاساة الشُدَّة من قومه، فإنَّ أيامَ نوح - وإنْ طالَت - فما لَبِثَتْ كثيراً إلا وقد زالت، كما قيل: إذا هي نابت لم تكن خلدا وأخسَن شيءٍ في النوائب أنها ثم بيَّنَ أنه كان يتوكل على ربِّه مهما فعلوا. ولم يحتشم عبدٌ - ما وَثِقَ بربِّه - منْ كلْ ما نَزَلَ به. ثم إن نوحاً - عليه السلام - قال: ((إني توكلت على الله))(١) وهذا عين التفرقة، وقال لنبيَّهِ وَله: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ حَسْبُكَ اَللَّهُ﴾ [الأنفال: ٦٤] وهذا عين الجمع فبانت المزية وظهرت الخصوصية . قوله جلّ ذكره: ﴿فَإِنْ تَوَلَيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِينَ﴾ . إذا كان عملِه لله ثُم يَطْذُبْ الأَجْرَ عليه من غير الله، وهكذا سنَّته في جميع أولياء الله . قوله جلّ ذكره: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَجَيَّتَهُ وَمَن ◌َّعَهُ فِىِ الْفُلْكِ وَجَعَلْنَهُمْ خَلَيْفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِشَايَيْنَا فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْنُذَّرِينَ﴾ . أغرق قومَه بأمواج القَطْرة، وفي الحقيقة أغرقهم بأمواج الأحكام والقدرة، وحفظ نوحاً - عليه السلام - وقومه في السفينة، وفي الحقيقة نَجَّاهم في سفينة السلامة. وكان نوح في سابق حكمه من المحروسين، وكان قومُه في قديم قضائه من جملة المُغْرَقين، فَجرَتْ الأحوال على ما جَرَتْ به القسمةُ في الأزل. قوله جلّ ذكره: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُّلَا إِلَى قَوْمِهِمْ لَجَآءُوهُمْ بِالْبَِّنَتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِم ◌ُوسَى وَهَرُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِهِ، بِثَايَِنَا فَأَسْتَكْبَرُوا وَكَانُواْ قَوْمًا تُجْرِمِينَ﴾ . (١) أخرجه أبو داود (أدب ١٠٣)، والترمذي (دعاء ٣٤)، وابن ماجه (دعاء ١٨)، وأحمد بن حنبل ١/ ٦،٦٦، ٣٠٦. ٢٦ تفسير سورة يونس قصَّ عليه - صلوات الله عليه وسلامه - أنباء الأولين، وشرح له جميع أحوال الغابرين، ثم فَضَّلَه على كافتهم أجمعين، فكانوا نجوماً وهو البدر، وكانوا أنهاراً وهو البحر، ثم به انتظم ◌ِقْدُهم، وبنورِهِ أَشْرَقَ نهارُهم، وبظهوره خُتِم عددُهم، كما قيل: حيَّاغدٌ والتفت الأمسُ يومٌ وحَسْبُ الدهرِ من أَجْلِه قوله جلّ ذكره: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ . ما زَادَهم الحقُّ سبحانه بياناً إلا ازدادوا طغياناً، وذلك أنه تعالى أجرى سُنَّه في المردودين عن معرفته أنه لا يزيد في الحجج هدى إلا ويزيد في قلوبهم عَمَى، ثم خفى عليهم قصود النبيين صلوات الله عليهم أجمعين(١). ﴿يُرِدُ أَنْ يُخْرِحَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِخْرِهِ، فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ [الشعراء: ٣٥]: نظروا من حيث كانوا لم يعرفوا طعماً غير ما ذاقوا، وكذا صفةُ مَنْ أَقصتْه السوابقُ، وردَّته المشيئة . قوله جلّ ذكره: ﴿قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِئَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابََّنَا وَتَكُونَ لَكُمَاَ اَلْكِبْرِيَاءُ فِ الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَّكُمَا بِمُؤْمِينَ﴾ . ركنوا إلى تقليد آبائهم فيما عليه كانوا، واستحبُّوا استدامة ما عليه كانوا ... فلحقهم شؤمُ العقيدة وسوءُ الطريقة حتى توهموا أن الأنبياء عليهم السلام إنما دَعَوْهم إلى الله لتكونَ لهم الكبرياءُ على عباد الله، ولم يعلموا أنهم إنما دَعَوْهم إلى الله بأمر الله . قوله جلّ ذكره: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ أَنْتُونِ بِكُلِّ سَحِرٍ عَلِيمٍ﴾ . لما استعان في استدفاع ما استقبله بغير الله لم يلبث إلا يسيراً حتى تَبَرَّأَ منهم وتَوَعدَّهم بقوله: لأفعلنَّ ولأصنعنَّ، وكذلك قصارى كل حجة وولاية إذا كانت في غير الله فإنها تؤول إلى العداوة والبغضة، قال تعالى: ﴿اَلْأَخِلَّاءُ يَوْمَيٍِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ [الزخرف: ٦٧]. قوله جلّ ذكره: ﴿فَلَّا جَآءَ السَحَرَةُ قَالَ لَهُم مُوسَىَ أَلْقُواْ مَآ أَنْتُم مُّلْقُونَ فَلَمَّا أَلْقَوْ قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُم بِ السّحْرِّ إِنَّ اللَّهَ سَيُّبْطِلُهُ: إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ ﴾. أَمَرَهُم أمراً يُظْهِرُ به بُطْلانَهم ليُدخِلَ الحقَّ على ما أتوا به من التمويه، فلذلك قال موسى عليه السلام: ((إن الله سيبطله))؛ فلمَّا التقمت عصا موسى - جميع ما جاءوا به من حِبَالِهم وعِصِيُّهم - حين. قَلَبَها اللَّهُ حيَّةً .. عَلِمُوا أنَّ اللَّهَ أبطل تلك الأعيان وأفناها . (١) الآية (٧٧) لم ترد. ٢٧ تفسير سورة يونس قوله جلّ ذكره: ﴿وَتُحِقُّ اَللَّهُ أَلْحَقَّ بِكَلِمَتِهِ، وَلَوْ كَرِهَ اَلْمُجْرِمُونَ﴾ . من جملة ما أَحقّه أن السَّحَرَةَ كان عندهم أنهم يَنْصُرون فرعون ويجيبونه فكانوا يُقْسِمون بِعِزَّته حيث قالوا ((بِعِزَّةِ فرعون إنا لنحن الغالبون)) وقال الحقُّ - سبحانه: بعزتي إنكم لمغلوبون، فكان على ما قال تعالى: دون ما قالوه، وفي معناه قالوا: وتَعَمَّدْتُها بِسَهْم فطاشا کم رمتني بِأُسْھُم صائباتٍ قوله جلّ ذكره: ﴿فَمَآ ءَامَنَ لِمُوسَىّ إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ، عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَيْهِمْ أَن يَقْيِنَهُمَّ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَ إِنَّهُ لَمِنَ اٌلْمُسْرِفِينَ﴾ . أهلُ الحقيقة في كل وقتٍ قَليلٌ عَدَدُهم، كبيرٌ عند الله خَطَّرُهم. قوله جلّ ذكره: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَقَوْم إِن كُمْ ءَامَنُمْ بِلَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكُواْ إِن كُمْ مُسْلِمِينَ﴾ . بَيَّن أن الإيمان ليس من حيث الأقوال .. بل لا بد فيه من صدق الأحوال قصداً. وحقيقةُ التوكل تَوَسُّلٌ تقديمُه مُتَصِلٌ، ثم يعلم أنه بفضله - سبحانه - تَحْصَلُ نجاتُه، لا بما يأتي به من التكلّف - هذه هي حقيقة التوكل(١). قوله جلّ ذكره: ﴿فَقَالُواْ عَلَى الَّهِ تَوَكَّنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةٌ لِلْقَوْمِ اَلَِّمِينَ﴾ . تبرأنا مما مِنَّا مِنَ الحوْل والمُنَّة، وتحققنا بما منك من الطول والمِنَّة. فلا تجعلنا عرضةً لسهام أحكامك في عقوبتك بانتقامك، وارحما بلطفك وإكرامك، ونجِّنا مِمَّنْ غَضِبْتَ عليهم فَأَذْلِلْتَهمَ، وبِكَيِّ فراقك وسَمْتَهُم (٢) . قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَى وَأَخِهِ أَنْ تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُونًا وَأَجْعَلُواْ بُتَكُمْ قِبْلَةُ وَقِيمُواْ الصَّلَوَةُ وَبَشْرِ الْمُؤْمِينَ﴾. مَهْدْ إليهم لعبادتنا مَحَالَّ وهي نفوسهم، ولمعارفنا منازِلَ وهي قلوبهم، ولمحبتنا مواضعَ وهي أرواحهم، ولمشاهدتنا معاهِدَ وهي أسرارهم؛ فنفوس العابدين بيوت الخدمة، وقلوب العارفين أوطان الحشمة، وأرواح المهيمين مشاهد المحبة، وأسار الموحدين منازل الهيبة . قوله جلّ ذكره: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَاْ إِنَّكَ ءَاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَهُ زِينَهُ وَأَمْوَلَا فِى الْحَيَّوَةِ الدُّ رَيَّنَا لِعِلُواْ عَن سَِلِكْ رَبَّنَا أَلْمِسْ عَى أَمْوَلِهِمْ وَأَشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُواْ حَّى يَرَوَأْ الْعَذَابَ اَلْأَلِيمَ﴾ (١) انظر حديث القشيري عن التوكل بالرسالة ص ١٦٢. (٢) الآية (٨٦) لم ترد. ٢٨ تفسير سورة يونس لما يَيْس من إجابتهم حين دعاهم إلى الله دعا عليهم بإِنزال السُّخطةَ وإذاقة الفرقة. ومن المعلوم أنّ الأنبياء - عليهم السلام - مِنْ حقهم العصمة، فإذا دعا موسى عليهم بمثل هذه الجملة لم يكن ذلك إلا بإذن من قِبَل الله تعالى في الحقيقة . قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ قَدْ أُجِبَتِ ذَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا نَتَّعَنِ سَِلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ . الاستقامةُ في الدعاء تَرْكُ الاستعجال في حصول المقصود، ولا يَسْقُطُ الاستعجالُ من القلب إلا بوجدان السكينة فيه، ولا تكون تلك السكينة إلا بِحُسْن الرضاء بجميع ما يبدو من الغيب. ويقال ينبغي للعبد أن يستقلَّ بالله ما أمكنه فعند هذا يقلُّ دعاؤه. ثم إذا دعاه بإشارة من الغيب - في جوازه - فالواجب ألا يستعجل، وأن يكون ساكِنَ الجأشِ. ويقال من شرط الدعاء صِدْقُ الافتقار في الابتداء، ثم حُسْنُ الانتظار في الانتهاء، وكمال هذا الرضاء بجريان الأقدار بما يبدو من المسار والمضار. ويقال الاستقامة في الدعاء سقوط التقاضي على الغيب، والخمود عن الاستعجال بحُسْنِ الثقة، وجميل الظَّن. ويقال في الآية تنبيه على أنَّ للأمورِ آجالاً معلومة، فإذا جاء الوقت فلا تأخير للمقسوم في الوقت المعلوم. قوله جلّ ذكره: ﴿﴿ وَجَزْنَا بِبَنِىّ إِسْرَوِيلَ الْبَحْرَ فَأَنبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًّا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ ءَامَنْتُ أَنَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا الَّذِىّ ءَامَنَتْ بِ، بَنُواْ إِسْرَغِلَ وَأَنَّأْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. حَمَلَتْ العِزَّةُ فِرعونَ على تَقَخُم البحر على إثرهم، فلمَّا تحقَّقَ الهلاكُ حَمَلَتْه ضرورةُ الحيلةِ على الاستعاذة، فلم ينفعه ذلك لفوات وقت الاختيار. ويقال لما شهد صَوْلَةَ التقدير أفاق من سُكْرِ الغلطة، لكن: ((بعد شهود البَاسْ لا ينفع التخاشعُ والابتئاس)). قوله جلّ ذكره: ﴿ءَالْتَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ . أَبْعَدَ طولِ الإمهال، والاصرار على ذميم الأفعال، والرَّكْضٍ في ميدان الاغترار، وانقضاء وقت الاعتذار؟! هيهات! لقد استوجَبْتَ أن تُرَدَّ في وجهك، فلا لِعُذْرِك قَبُولٌ، ولا لَكَ إلى ما ترومه وصولٌ. قوله جلّ ذكره: ﴿فَلَّوْمَ نُنَجِيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءَايَةٌ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ ءَايَئِنَا لَغَفِلُونَ﴾ . ٢٩ تفسير سورة يونس لَتُشْهِرَنَّ تعذيبَكَ، ونُظْهِرَنَّ - لِمَنْ استبصر - تأديبَك، لِتكونَ لِمَنْ خَلْفَكَ عِبْرة، وتزدادَ حين أَفَقْتَ أَسَفاً وحسرةٌ. قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَقَدْ بَوَأْنَا بَنِىّ إِسْرَّهِيلَ مُبَوََّ صِدْقٍ وَرَزَقْنَهُم مِّنَ اْلَّيِّبَتِ فَمَا أَخْتَلَفُواْ خَّى ◌َآءَ هُمُ الْعِّ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَّمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ . أذْلَلْنَا لهم الأيامَ، وأكثرنا لديهم الإنعامَ، وأكرمنا لهم المقامَ، وأتَحْنًا لهم فنونَ الحسناتِ، وأدَمْنَا لهم جميع الخيراتِ ... فلمَّا قابلوا النعمة بالكفران، وأصَرُّوا على البَغْي والعدوان أذقناهم سوء العذاب، وسَدَذنا عليهم أبوابَ ما فتحنا لهم من التكريم والإِيَجاب، وذلك جزاءْ مَنْ حَادَ عن طريق الوِفاق، وجَنَحَ إلى جانب الشِّقاق. قوله جلّ ذكره: ﴿فَإِنِ كُنْتَ فِى شَكٍ مِّعَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَسْتَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْحِكِتَبَ مِن ◌َبْلِكَّ لَقَدْ جَآءَكَ الْحَقُّ مِن زَبِكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ . ما شكَّ - مَّ﴿ - فيما عليه أُنْزِل، ولا عن أحدٍ منهم ساءَل، وإنما هذا الخطابُ على جهة التهويل، والمقصودُ منه تنبيهُ القوم على ملازمة نهج السبيل. ويقال صفةُ أهل الخصوص ملاحظةُ أنفسِهم وأحوالهم بعين الاستصغار. ويقال فإِنْ تَنَزَّلْتَ منزلةَ أهلِ الأدب في تَرْكِ الملاحظات فَسَلْ عَمَّن أرسلنَا قَبْلَكَ فهل بَلَّغْنَا أحداً منزلتك؟ وهل خَصَّصْنَا أحداً بمثل تخصيصكَ؟ قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِعَايَتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَسِرِينَ﴾ . ما كان منهياً عنه، وكان قبيحاً فبالشرع كان قبيحاً، فلا بدّ من ورود الأمر به حتى تكون منه طاعة وعبادة. وإنما لم يَجُزْ في صفته ـ وَل﴿ ـ التكذيبُ بآياتِ الله؛ لأنه نُهِيَ عنه لا لكونه قبيحاً بالعقل حتى يقال كيف نُهِيَ عنه وكان ذلك بعيداً منه؟ قوله جل ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَيْكَ لَا يُؤْمِنُونٌ﴾ . فالأعداء (١) حَقَّتْ عليهم كلمةٌ بالعقاب، والأولياء حقت عليهم كلمةٌ بالثوابِ؛ فالكلمة أزليَّة، والأحكام سابقة، والأفعال في المستأنف على ممر الأوقات على موجب القضية لاحقة، فالذين نصيبهم من القسمة الشِقْوةُ لا يؤمِنون وإن شاهدوا كل دلالة، وعاينوا كل معجزة . قوله جلّ ذكره: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةُ ءَامَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَنْتُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّاَ ءَامَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِرْىِ فِى الْحَيَوِ الذُّنْيَا وَمَتَعْنَهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ . قومُ يونس تداركتْهم الرحمةُ الأزليةُ فيما أجرى عليهم من توفيقِ التضرع، (١) الآية (٩٧) لم ترد. ٣٠ تفسير سورة يونس فكَشَفَ عنهم العذابَ، وصَرَفَ عنهم ما أظلَّ عليهم من العقوبة بعد ما عاينوا من تلك الأبواب؛ فبرحمته وصلوا إلى تضرعهم، لا بتضرعهم وصلوا إلى رحمته. قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَمَنَ مَن فِ الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًاْ أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ . كيف يعتصي عليه سبحانه مرادٌ - والذي يبقي شيءٌ عن مراده ساهٍ أو مغلوبٌ؟ والذي يستحق جلالَ العِزَّةِ لا يفوته مطلوب . قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَا كَانَ لِنَّفْسِ أَن تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللّهِ وَيَجْعَلُ الرَّحْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ . لا يمكن حَمْل الإذن في هذه الآية إلا على معنى المشيئة؛ لأنه للكافة بالإيمان، والذي هو مأمورٌ بالشيء لا يقال إنه غير مأذون فيه. ولا يجوز حملُ هذه الآية على معنى أنه لا يُؤْمِنُ أحدٌ إلا إذا ألجأه الحقُّ إلى الإيمان واضطره - لأنَّ موجِبَ ذلك ألا يكون أحدٌ في العَالَم مؤمناً بالاختيار، وذلك خطأ، فدلَّ على أنه أراد به إلا أن يشاءَ اللَّهُ أنْ يُؤْمِنَ هو طوعاً. ولا يجوز بمقتضى هذا أنه يريد من أحدٍ أن يؤمِن طوعاً ثم لا يؤمِن؛ لأنه يُبْطِلُ فائدةَ الآية، فَصَحَّ قولُ أهل السُّنَّة بأنَّ ما شاءَ اللَّه كان وما لم يشأ لم یکن. قوله جلّ ذكره: ﴿قُلِ أَنْظُرُواْ مَذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِّ وَمَا تُغْنِىِ الْآَيَتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ﴾ . الأدلة - وإِنْ كانت ظاهرة - فما تغْنِي إذا كانت البصائرُ مسدودةً، كما أن الشموسَ - وإن كانت طالعة - فما تُغْنِي إذا كانت الأبصار عن الإدراك بالعمى مردودة، كما قيل : إذا استوَتْ عنده الأنوارُ والظُّلَمُ؟ وما انتفاعُ أخي الدنيا بمقلته قوله جلّ ذكره: ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْ مِن قَبْلِهِمَّ قُلْ فَأَنَظِرُوّا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾. تَمَنِّي ألطافِ أنوارِ الحقيقةِ تَعَنِّ في تسويل، واستنادٌ إلى غير تحصيل، وتمادٍ في تضليل . قوله جلّ ذكره: ﴿ثُمَّ نُنَجِى رَّسُلَنَا وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. حروف الصفات يقوم بعضها مقام بعض فقوله تعالى: ﴿عَلَيْنَا﴾ ها هنا معناها ((منَّا))، فلا شيء يجب على الله لكونه إلهاً مَلِكاً، فيجب الشيءُ من الله - لصدقه - ولا یجب علیه - لِعِزَّتِه . ١ ٣١ تفسير سورة يونس وكما لا يجوز أن يَدْخُلَ نبيٍّ من الأنبياء - عليهم السلام - في النار لا يجوز أن يُخَلَّدَ واحدٌ من المؤمنين في النار لأنه أخبر أنه يُنَجِّي الرسلَ والمؤمنين جميعاً . قوله جلّ ذكره: ﴿قُلْ بَأَيُّهَا النَّاسُ إِن كُمْ فِ شٍَّ مِّن دِينِ فَلَّ أَعْبُدُ أَلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ اَلَّذِى يَتَوَفَّكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُنَ مِنَ الْمُؤْمِينَ﴾. إن كنتم في غطاء الرَّيْبِ فأنا في ضياءٍ مِنَ الغيبِ، إِنْ كنتم في ظلمة الجهل فأنا في شموس الوَضْلٍ، إن كنتم في سدفة الضَّلالة فأنا في خلعة الرسالة وعلى أنوار الدلالة . ويقال قد تميزنا على مفرق الطريق: فأنتم وقعتم في وهدة العِوَجِ، وأنّا ثابتٌ على سَوَاءُ النَّهَجِ. قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَنْ أَفِرْ وَجْهَكَ لِلِّيْنِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ . أي أَخْلِصَ قلبَك للدّين، وجَرَّدْ قلبَكَ عن إثبات كلٌّ ما لَحِقَه قهرُ التكوين، وكنْ مائلاً عن الزيغ والبدع، داخِلاً في جُمْلَةِ مَنْ أخلص في الحقيقة . قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ الَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكٌّ فَإِنِ فَعَلْتَ فَإنّكَ إِذَا مِنَ اُلِّلِينَ﴾. لا تعبدْ ما لا تنفعكَ عِبَادتُه ولا تَضُرُّك عبادتُه، وتلك صفة كل ما يعبد من دون الله. واستعانة الخلق بالخَلْقِ تمحيقٌ للوقتِ بلا طائلٍ؛ فَمَنْ لا يَمْلكُ لَنْفِسه ضَرَّاً ولا نَفْعَاً كيف يستعين به مَنْ هو في مثل حاله؟ وإذا انضاف الضعيفُ إلى الضعيف ازدادَ الضعفُ . قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اَللَّهُ بِضُرٍ فَلَ كَاشِفَ لَّهُهُ إِلَّا هُوَّ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَآَذَ لِفَضْلِهِ، يُصِيبُ بِهِ، مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾. كما تفرَّد بإبداع الضُرِّ واختراعه فلا شريكَ يُعَضِّدُه .. كذلك توحَّدَ بكشف الضُرِّ وصَرْفِهِ فَلا نصيرَ يُنْجِدُه. ويقال هوَنَ على المؤمِنِ الضُرَّ بقوله: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اَللَّهُ بِضُرٍ﴾ حيث أضافه إلى نفسه، والحنظلُ يُسْتَلدُّ مِنْ كفِّ مَنْ تحبه. وفَرَّقَ بين الضُرِّ والخير بإضافة الضرِّ إليه فقال: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍ﴾ ولم يقل: وإنْ يُرِذِكَ بضرٍ - وإنْ كان ذلك الضرُّ صادراً عن إرادته - وفي ذلك من حيث اللفظ دقّة . ويقال: عَذُبَ الضرّ حيث كان نفعه؛ فلمَّا أوجب مقاساة الضُّرِّ من الحرَبَ أبدل مكانَه السرورَ والطَّرَب. ٣٢ تفسير سورة يونس قوله جلّ ذكره: ﴿قُلْ وَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ الْحَقُّ مِن زَّيِّكُمْ فَمَنِ أَهْتَدَىْ فَإِنَّمَا يَدِى لِنَفْسِةِ، وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ . مَنْ استبصر رَبِحَ رُشْدَ نفسِه، ومَنْ ضلَّ فقد زاغ عن قَصْدِه؛ فهذا بلاءٌ اكتسب، وذلك ضياء وشِفاء اجتلب . قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَتَّعْ مَا يُوحَّ إِلَيْكَ وَأَصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْمَكِمِينَ﴾. قِفْ عند جريان أحكامنا، وانسلِخْ عن مرادِك بالكلية، ليُجْرِيَ عليك ما يريد، والله أعلم بالصواب. السورة التى يذكر فيها هود عليه السلام هذه كلمة استولت على عقولٍ قوم فَبَصَّرتْها، وعلى قلوب آخرين فَجَّردَتْها، فالتي بَصَّرَتْها فبنور برهانه، والتي جَرَّدتها فبقهر سلطانه .. فعالِمْ سَلَكَ سبيلَ بحثه واستدلاله فَسَكَنَ لمَّا طلعت نجومُ عقله تحت ظلال إقباله، وعارِفٌ تعرَّضَ إلى وصاله فطاح لمَّا لاحت لَمعَةٌ ممنٍ تقدَّس بالإعلام باستحقاق جلاله. قوله جلّ ذكره: ﴿الَّرِ كِتَبُّ أُعْكِمَتْ ءَنُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن ◌َّدُنْ حَكِرٍ خِيْرٍ﴾ . الألف إشارة إلى انفراده بالربوبية . واللام إشارة إلى لُطْفِه بأهل التوحيد. والراء إشارة إلى رحمته بكافة البَرِيَّةِ . وهي في معنى القَسَم: أي أقسم بانفرادي بالربوبية ولطفي بمن عَرَفَني بالأحدية، ورحمتي على كافة البرية - إنَّ هذا الكتابَ أُحْكِمَتْ آيَاتُه. ومعنى ﴿أُعْكِمَتْ ءَايَنُهُ﴾: أي حُفِظَتْ عن التبديل والتغيير، ثم فُصِّلَتْ ببيان نعوتِ الحقُّ فيما يتصف به من جلال الصمدية، وتعبَّد به الخلقُ من أحكام العبودية، ثم ما لاح القلوب الموحّدين والمحبين من لطائف القربة، في عاجِلِهم البُشْرى بما وَعَدَهم به من عزيز لقائه في آجِلهم، وخصائصهم التي امتازوا بها عَمَّنْ سواهَم. قوله جلّ ذكره: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوْ إِلَّا اللَّهَّ إِنَّتِى لَكُ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ . أي فصلَتْ آياتُه بألا تعبدوا إلا الله. ويقال معناه في هذا الكتاب ألا تعبدوا إلا الله، إني لكم منه ((نذيرٌ)) مبينٌ بالفرقة، ((وبشيرٌ)) بدوام الوصلة، (فالفرقة بل في عاجله واحداً). قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَنِ أَسْتَغْفِرُواْ رَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوَّا إِلَيْهِ﴾ . استغفروا رَبّكم أولاً ثم توبوا إليه بعده. والاستغفار طلب المغفرة، يعني قبل أن تتوبوا اطلبوا منه المغفرة بحسن النَّظرة، ٣٣ : ٣٤ تفسير سورة هود وحَمْل الرجاء والثقة بأنه لا يُخَلِّد العاصِيَ في النار، فلا محالةَ يُخْرِجُه منها .. فابْتّدئِوا باستغفاركم، ثم توبوا بِتَرْكِ أوزاركم، والتَّقِّي عن إصراركم. ويقال استغفروا في الحال مما سلف، ثم إنْ الْمَمْتُم بزِلَّةٍ أخرى فتوبوا. ويقال استغفروا في الحال ثم لا تعودوا إلى ارتكاب الزلة فاستديموا التوبة - إلى مآلِكم - مما أسلفتم من قبيح أعمالكم. ويقال ﴿أُسْتَغْفِرُواْ﴾: الاستغفار هو التوبة، والتنقي من جميع الذنوب، ثم (توبوا)) منْ تَوَهُّم أنكم تُجَابُون بتوبتكم، بل اعلموا أنه يُجِيبكم بِكَرَمِه لا بأعمالكم. ويقال ((الاستغفار)): طَلبُ حظوظكم مِنْ عَفونا .. فإذا فعلْتُم هذا فتوبوا عن طلب كل حظ ونصيب، وارجعوا إلينا، واكتفوا بنا، راضين بما تحوزونه من التجاوز عنکم أو غير ذلك مما يخرجکم به. قوله جلّ ذكره: ﴿ إِلَيْهِ يُعَنِعَّكُمْ مَّنَعَا حَسَنَا إِلَّ أَجَلٍ مُسَنَّى﴾ . أي نُعَيِّشكم عيشاً طيباً حسناً مباركاً. ويقال هو إعطاء الكفاية مع زوال الحرص. ويقال هو القناعة بالموجود. ويقال هو ألا يخرجَه إلى مخلوق، ولا يجعل لأحد عليه مِنَّةً لا سيما للئيم. ويقال هو أن يوفقه لاصطناع المعروف إلى المستحقين. ويقال هو أن تُقْضَى على يديه حوائج الناس. ويقال هو ألا يُلِمَّ في حال شبابه بِزَلَّةٍ، وألا يتصفَ بأنه عن الله في غفلة. ويقال هو أن يكون راضياً بما يجري عليه من نَوْعَي العسر واليسر. قوله جلّ ذكره: ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِى فَضْلٍ فَضْلَّ وَإِن تَوَلَّوْ فَإِّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ کِیرٍ﴾ . مَنْ زادتْ حسناتُه على سيئاتِه أعطاه جزاءً ما فَضَلَ له من الطاعات، ومن زادت سيئاته على حسناته كافأه بما يستوجبه من زيادة السيئات ... هذا بيان التفسير. ويقال مَنْ فَضَّلَه بحسن توفيقه أوصله إِلى ما يستوجبه من لطفه ويزيده .. ويقال هو أن يستر عليه فضلَه حتى لا يلاحظ حالَه ومقامه، بل ينظر إلى نفسه، وما منه ومَا لَه .. بِعَيْن الاستحقار والاستصغار. ويقال هو أن يرقيه عن التعريج في أوطان البشرية إلى طاعات شهود الأحدية، ويُنقيّه عن ( ..... ) (١) البشرية، والْتكدر بما يبدو من مفاجآت التقدير. (١) بياض في الأصل. ٣٥ تفسير سورة هود ويقال هو ألا يُوحِشَه شيء بما يجري في الوقت. ويقال هو أن يُحَقِّقَ له ما تسمو إليه هِمَّتُه، ويُبَلِّغَه فوق ما يستوجبه محلَّه. قوله جلّ ذكره: ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِمَكُّنْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ غِيرُ﴾ . تنقطع الدعاوى عند الرجوع إلى الله، وتنتفي الظنونُ، ويحصل اليأسُ مِنْ غير الله بكل وجه، ويبقى العبدُ بنعتِ الاضطرار، والحقُّ يُجْرِي عليه ما سَبَقَتْ به القسمة من أنواع الأقدار. قوله جلّ ذكره: ﴿أَلَّ إِنَّهُمْ يَثْنُنَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُبُِونَ وَمَا يُعْلِنُونَّ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. أي يسترون ما تنطوي عليه عقائدهم، ويُضْمِرون للرسول - عليه السلام - وللمؤمنين خِلافَ ما يُظْهِرون، والحقُّ - سبحانه - مُطَّلِعٌ على قلوبهم، ويعلم خفايا صدورِهم، فتلبيسُهم لا يُغْني عنهم من الله شيئاً، وكان الله - سبحانه - يُطْلِعُ رسولَه - عليه السلام ــ على ما أخْفَوْه إمَّا بتعريفِ الوحي، أو بإشهادٍ لِقُوَّةِ نورٍ، وكذلك المؤمنون كانوا مخصوصين بالفراسة، فكل مؤمن له بِقَدْرِ حاله من الله هداية، قال وَّة: ((اتقوا فراسةَ المؤمن فإن المؤمن ينظر بنور الله))(١) ولقد قال قائلهم. كلُّ ما في الفؤاد للعين بادٍ أَبِعَيْنِي أَرَاكَ أَمْ بفؤادي؟ قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَا مِن دَآبَةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى الَّهِ رِزْقُهَا﴾ . أراح القلوبَ من حيرة التقسيم، والأفكارَ من نَصَبِ التفكير في باب الرزق حيث قال: ﴿إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ فَسَكَنَتْ القلوبُ لمَّا تَحَقَّقَتْ أَنَّ الرزقَ على الله. ويقال إذا كان الرزق على الله فصاحبُ الحانوتِ في غَلَطٍ من حسبانه. ثم إن اللَّهَ سبحانه بيَّن أَنَّ الرزقَ الذي ((عليه)) ما حالُه فقال: ﴿وَفِ اَلَّمَاءِ رِزْقُكُمْ﴾ [الذاريات: ٢٢]، وما كان في السماءِ لا يوجد في السوق، ولا في التَّطواف في الغرب والشرق. ويقال الأرزاق مختلفة فَرِزْقُ كل حيوانٍ على ما يليق بصفته . (١) أخرجه الترمذي في (السنن ٣١٢٧)، وأبو حنيفة في (المسند ١٨٩/١)، وأبو نعيم في (حلية الأولياء ٩٤/٤، ١١٨/٦)، والطبراني في (المعجم الكبير ١٢١/٨)، (البغوي ٣١/١٤)، وابن كثير في (التفسير ٤٧٩/١، ٤٦١/٤)، والزبيدي في (إتحاف السادة المتقين ٥٤٤/٦، ٢٥٩/٧)، وابن حجر في (فتح الباري ٣٨٨/١٢)، والمتقي الهندي في (كنز العمال ٣٠٧٣٠) وابن حجر في (لسان الميزان ١١٥٤/٥)، وصاحب (ميزان الاعتدال ٨٠٩٨)، والشوكاني في (الفوائد المجموعة ٢٤٣)، وابن عراق في (تنزيه الشريعة ٣٠٥/٢)، والعجلوني في (كشف الخفاء ٤٢/١)، والسيوطي في (الدر المنثور ١٠٣/٤)، والعقيلي في (الضعفاء ١٢٩/٤). ٣٦ تفسير سورة هود ويقال للنفوس رزقٌ هو غذاءٌ طريقُه الخُلقُ، وللقلوب رزق وهو ضياءٌ مُوجِدُهُ الحق . ويقال لم يقل ما يشتهيه أو مقدار ما يكفيه بل هو موكولٌ إلى مشيئته؛ فَمِنْ مُوَسَّعٍ عليه ومِنْ مُقَتَّرٍ . قوله جلّ ذكره: ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلِّ فِي كِتَبٍ تُبِينٍ﴾ . قيل أراد به به أصلابَ الآباءِ وأرحامَ الأمهات، أو الدنيا والآخرة. ويقال مُسْتَقَرُّ المريدِ ببابٍ شيخِه كمستقرٌ الصبيّ بباب والديه. ويقال مستقر العابدين المساجد، ومستقر العارفين المَشَاهد، فالمساجِدُ مستقرُّ نفوسِ العابدين، والمشاهِدُ مُسْتَقَرُّ قلوب العارفين . ويقال مستقرُّ المحب رأسُ سِكَّةٍ محبوبِه لعلَّه يشهده عند عبوره. ويقال المساجِدُ للعابدين مستقرُّ القَدَم، والمشاهِدُ للعارفين مستقرُّ الهِمَم، والفقراء مستقرهم سُدَّةُ الكَرَم. ويقال الكلُّ له مثوىً ومستقر، أما الموحّد فإنه لا مأوى له ولا مستقر ولا مثوى ولا منزل. ويقال النفوس مستودَعُ التوفيق من الله، والقلوبُ مستودعُ التحقيق من قِبَلِ الله. ويقال القلوبُ مستودعُ المعرفة؛ فالمعرفة وديعة فيها. والأرواح مستودع المحبة فالمحابُ ودائع فيها. والأسرار مستودع المشاهدات فالمشاهدات ودائع فيها. قوله جلّ ذكره: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِى سِنَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ . وأَخْسَنُ الأعمالِ موافقةُ الأمرِ، ولم يَقُلْ أكثر عملاً. ويقال أحسن الأعمال ما كان صاحبُه أشدَّ إخلاصاً فيه. ويقال أحسنهم عملاً أبعدُهم عن ملاحظة أعماله. ويقال أحسن الأعمال ما ينظر إليه صاحبه بعين الاستصغار. ويقال أحسن الأعمال ما لا يطلبُ صاحبُه عليه ◌ِوَضاً. ويقال أحسن الأعمال ما غابَ عنه صاحبه لاستغراقه فى شهود المعبود. قوله: ﴿لِيَبْلُكُمْ﴾ الابتلاءُ مِنْ قِبَلِه تعريفُ الملائكة حالَ من يبتليه في الشكر عند اليُسْر والصبر عند العُسر. قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَيِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَّبْعُوتُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَآ إلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾. استبعدوا النَّشْرَ لِتَقاصُرِ علومهم عن التحقُّق بكمال قدرة الحق، ولو عرفوا ذلك ٣٧ تفسير سورة هود لأيقنوا أن البعث ليس بمعتاصٍ في الإيجاد ولا يمستحيل في التقدير. قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَيْنْ أَخَرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَ أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ لَيْقُولُونَ مَا يَحْبِسُهُ: أَلَا يَوْمَ بَأْنِهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِم ◌َّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِمُونَ﴾ . يقول: إنْ أَمْهَلْنَا، وأخَرَّنا عليهم العذابَ لا يَرْعَوُون، بل يستعجلون العقوبة. ولئن عَجَّلْنا لهم العقوبةَ لا يتوبون ولا يستغفرون ... استولى عليهم الجهلُ في الحاليْن، وعَمِيَتْ بصائرُهم عن شهودِ التقدير والإيمان بالغيب في النوعين. ويوم يأتيهم العذابُ فلا مناصَ ولا منجاةً ولا مراحَ لهم منه . قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَيِنْ أَذَقْنَا الْإِنِسَنَ مِنَّا رَحْمَةُ ثُمَّ نَزَعْنَهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَتُوسُ ڪَفُورُ﴾ . تَكَذُّرُ ما صفا من النِّعم، وتَغيِّرُ ما أُتيح من الإحسان والمِئَن حالٌ معهودةٌ وخُمَّة عامة، فلا أحدَ إلا وله منها خِطَّه(١) فَمْنْ لم يرجع بالتأسُّفِ قلبه، ولم يتضاعفْ في كل نَفَسِ تَلَهفُّهُ وكَرْبُه ففي ديوان النسيان، وأثبت اسمه في جملة أهل الهجران. ومن استمسك بعروة التضرع، واعتكف بعقوة التذلل، احتسى كاساتِ الحسرة عُلَلاً بعد نهل طاعته للحق بنعت الرحمة، وجَدَّدَ له ما اندرس من أحوال القربة، وأطْلَعَ عليه شمسَ الإقبال بعد الأفول والغيبة، كما قيل. تَقَشَعَ غيمُ الهجرِ عن قمر الحبِّ وأشرق نورُ الصبح في ظلمة الغيب وليس للأحوال الدنيوية خَطَرٌ في التحقيق، ولا يُعدُّ زوالُها وتكدُرها من جملة المحن عند أرباب التحصيل، لكنَّ المحنة الكبرى والرزيةَ العظمى ذبولُ غصنٍ الوصال؛ وتكدرُ مشرب القرب، وأفولُ شوارق الأَنْسِ، ورَمَدُ بصائر أرباب الشهود ... فعند ذلك تقوم قيامتُهم، وهناك تُسْكَبُ العَبَراتُ. ويقال إِذا نَعَقَ في ساحاتِ هؤلاء غرابُ البيْن ارتفع إلى السماء نُوَاحُ أسرارهم بالويل، ومن جملة ما يبثون ن نحيبهم ما قلتُ : ولقد عَهِذْنا أن يُبَاحَ عِثَّاقُه قولاً لَمِنْ سَلَبَ الفؤادَ فراقُه هَلَّا رحمتم مَنْ دنا إزهاقُه؟ بَعُدَ الفراقِ ... فبالذي هو بيننا ـنَّا بالصبابةِ - لا يَضيق نِطاقُه عهدي بمن جحد الهوی أزمان گـ ضاق البسيطة حين دام فراقُه والآن مُذْ بَخِلَ الزمانُ بوصلنا (١) الخُطّة: الحال والأمر والخطب، والخِطّة: الأرض تنزل من غير أن ينزلها نازل قبل ذلك وقد خطها لنفسه خطاً واختطها وهو أن يعلّم عليها علامة بالخط ليُعلم أنه قد احتازها ليبنيها داراً. (لسان العرب ٢٨٨/٧ - ٢٩٠). ٣٨ سـ تفسير سورة هود تحنو على قمر يدوم محاقُّه؟ هل تُرتَجى من وصلع عِزْك رجعةٌ أنَّى له أن يعودَّ شروقَه؟ إن كان ذاك كما تروم فأخبِروا قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَيْنْ أَذَقْتَهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّآءَ مَسَتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِىَّ إِنَّهُ نَفَرٌ فَخُورُ﴾ . إذا كشفنا الضُرَّ عنهم رحمةً مِنَّا عادوا إلى تهتكهم بدلاً من أن يتقربوا إلينا، وأساءوا بخلع عذارهم بدل أن يقوموا بشكرنا، وكلما أتَخْنًا لهم من إمهالنا أَمِنو! المكرنا، ولم يخافوا أن نأخذَهم فجأة بقهرنا . قوله جلّ ذكره: ﴿إِلَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ أُوْلَكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾. الإنسان في الآية السابقة اسم جنس. وإلا للاستثناء منه، وقيل بمعنى ((لكن))، يريد إذا أذقناهم نعمة بعد الشدة بطروا، إلا المؤمنين فإنهم بخلاف ذلك، أي لكنَّ الذين آمنوا بخلاف ذلك، فإنهم لصبرهم على ما به أَمِروا، وعما عنه زُجِروا، ولمعانقتهم للطاعات ومفارقتهم الزَّلات .. فلهم مغفرة وأجر، مغفرة لعصيانهم، وأجرّ على إحسانهم. والفريقان لا يستويان، قال قائلهم. أَحْبَابُنا شَتَّان وافٍ وناقِصٌ ولا يستوي قطّ مُحبُّ وباغض قوله جلّ ذكره: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارُِ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾. اقترحوا عليه أن يأتي بكتابٍ ليس فيه سَبُّ آلهتهم، وبيَّن الله - سبحانه - له ألا يتركَ تبليغ ما أُنزِل عليه. لأَجْلِ كراهتهم، ولا يُبَدِّلَ ما يُوحَى إليه . قوله جلّ ذكره: ﴿وَضَبِقٌ بِهِ، صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُواْ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَفُ أَوْ جَآءَ مَعَهُرٍ مَلَكُ إِنَّمَآ أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلُ﴾ . وهذا على وجه الاستبعاد؛ أي لا يكون منك تركُ ما أُوحِيَ إليك، ولا يضيق صَدرُك بما يبدو من الغيب .. ومَنْ شرحِ الله بالتوحيد صدرَه، ونوَّر بشهود التقدير سِرَّه - متى يلحقه ضيقُ صدْرٍ أو استكراهُ أَمْرٍ؟ ثم قال: ﴿إِنَّمَآ أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلُ﴾: أي أنت بِالإرسالِ منكُوبٌ، وأحكامُ التقدير عليكَ مُجْرَاةٌ. قوله جلّ ذكره: ﴿أَمْ يَقُولُونَ أَقْتَرَنْهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ، مُفْتَرَتٍ وَأَدْعُواْ مَنِ أَسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَدِّقِينَ﴾ . في الآية بيانٌ أنَّ المكلَّفَ مُزَاحُ العِلَّةِ لِمَا أُقِيمَ له من البرهانِ وَأُهْلَ له من -- - ٣٩ تفسير سورة هود التحقيق. وأَنَّ الإيمانَ بالواسطة - صلى الله عليه وسلم وآله - واجِبٌ لِما خُصَّ به من المعجزات التي أوضحها الكتابُ المُنَزَّلُ والقرآنُ المُفَصَّلُ الذي عجز الكفار عن معارضته . قوله جلّ ذكره: ﴿فَإِلَّْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوٌّ فَهَلْ أَنْتُم مُّسْلِمُونَ﴾ . يعني فإن لم يستجيبوا لكم يعني إلى الإتيان بمثله ــ وهم أهل بلاغة - فتحققوا أنه من قِبَلِ الله، وليس على سنة التحقيق ( ..... ) (١) إنما العمى في بصائر من ضلُوا عن الحقّ، وتاهوا في سدفة الحيرة. قوله جلّ ذكره: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَوةَ الذُّنْيَا وَزِينَهَا نُوَفِّ إِلَتِهِمْ أَعْمَلَهُمْ فِهَا وَهُمْ فِهَا لَا يُخَسُونَ﴾ . مَنْ قَنَع منهم بدنيا الدناءةُ صِفَتُها وَسَّعْنَا عليه في الاستمتاع بأيام فيها، ولكن عَقِبَ اكتمالِها سيرى زوالَها، ويذوق بعد عسلِها حَنْظَلَها. قوله جلّ ذكره: ﴿أُوْلَيْكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِ الْآَخِرَةِ إِلَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيَهَا وَبَطِلُ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ . أولئك الذين خَابَتْ آمالُهُم، وظهرت لهم - بخلاف ما احتسبوا - آلامُهم، حَبِطَتْ أعمالُهم، وحاق بهم سوء حالهم. قوله جلّ ذكره: ﴿أَفََّّنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن زَِّهِ، وَبَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِن قَبْلِهِ. كِنَبُ مُوسَىَ إِمَامًا وَرَحْمَةٌ أُوْلَكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ، وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ، مِنَ الْأَخْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِى مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّيِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ . فيه إضمار ومعناه أفمن كان على بينة كمن ليس على بينة .. لا يستويان. والبيّنةُ لأقوامٍ برهانُ العِلْم، ولآخرين بيانُ الأمر بالقطع والجزم؛ يُشْهْدِهم الحقُّ ما لا يطلع عليه غيّرهم، كما قلت: )(١) ) ليلى من وجهك شمس الضحا ونحن من وجهك في الضوء والشاهد فالناس في الظلمة من ليلهم فالذي يتولاه فهو مشاهِدٌ، وفي الخبر «أولياءُ الله الذين إذا أرادوا ذكر الله .... )(٢) (١) بياض في الأصل. (٢) أخرجه الألباني في (السلسلة الصحيحة ١٧٣٣). ٤٠ تفسير سورة هود قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءٌ لَأَرْنَكَّهُمْ فَلَعَرَفْنَهُمْ بِسِيمَهُمْ﴾ [محمد: ٣٠]. قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَنْ أَظْلَهُ مِتَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ . مَنْ ادَّعى على الله حالاً لم يكن متحققاً بها فقد افترى على الله كذباً، واستوجب المقت، وعقوبته أَلَّا يُرْزَق بركةً في أحواله، ثم إنه يكشف للشهداء عيوبه، فيفضحه بين الخلق، والشهداءُ قلوبُ الأولياء، ومَنْ شهدت القلوبُ عليه بالردٌ فهو غيرُ مقبولٍ عند الحقِّ. قوله جلّ ذكره: ﴿اُلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ... ) الآية. هذا من جملة صفات المفترين على الله الكذب، ومِنْ صدهم عن السبيل أن يُظهِروا من أنفسهم أحوالاً تُخِلُّ بأحكام الشريعة، ولا يَرَوْن ذلك كبيرةً في الطريقة، ويُوهِمون المُسْتَضْعفين من أهل الاعتراض عليهم أنَّ لهم في ذلك رخصة، فَيضِلُون ويُضِلُّون. ومن جملة صدهم عن السبيل تغريرهم بالناس، وإيقاعهم في الغَلَطِ، ويرتفقون بشيءٍ مما في أيديهم من حطام الدنيا، ولا يَسْتَحُون منْ أَخْذِ شيءٍ لا يستوجبونه بأي وجه حقٌّ، ويُدَاهِنُون في دين الله . قوله جلّ ذكره: ﴿أُوْلَكَ لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِينَ فِ اَلْأَرْضِ ... ) الآية. مَنْ هذه(١) صفتهم لا يربحون في تجارتهم، ولا يلحقون غايةً طلبوها؛ فيبقون عن الحق، ولا يبارك لهم فيما اعتاضوا من صحبة الخلق. خَسِرَتْ صِفْقَتُهُمْ، وبَارَتْ بضاعتُهم، لَقُوا الهوان، وذاقوا اليأس والحرمان. قوله جلّ ذكره: ﴿لَا جَرَمَ أَّهُمْ فِي الْآَخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾ . لا محالةَ أنهم في الآخرة أشدُّ خسراناً، وأوفر - من الخيرات - نقصاناً. قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعِلُواْ الصَّلِحَتِ وَأَخْبَنُوا﴾ . الإخباتُ التخشع لله بالقلب بدوام الانكسار، ومن علامته الذبول تحت جريان المقادير بدوام الاستغاثة بالسر. قوله جلّ ذكره: ﴿مَثَلُ اٌلْفَرِيِقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالأَصَمّ ... وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعَّ ... ﴾ الآية. مثلُ الكافر في كفره كالأعمى والأصم، ومَثَلُ المؤمن في إيمانه كالسميع والبصير - هذا بيان التفسير. والإشارة فيه أن الأعمى مَنْ عَمِيَ عن الإبصار بِسِرُه، والأصمُّ الذي طَرِش بسَمْع (١) الآية (٢١) لم ترد.