Indexed OCR Text
Pages 1-20
تُفْسَيْرُ الْقُشيرى المسَتّى لطَايُفْ الإِشَارَاتِ تأليفه إِمَامُبِيّ القَّاسِعَبْ الكرِثْ بُ تَوازنُ بنُ عَبْدُ الملكُ القشِيِ النَّسَابِوُِّ الشّافِعِى المتوفى ٤٦٥ منه. وضعَ حَوَاشِيُهُ وَعَّ عَلَيْه عَبْدُ اللّطيفُ حسَن عَبْدُ الرّحمن الجزء الثّاني المحتوى: أوّل سُورٌ يُونس - آخِرِسُورةِ العَنْكَبُوتُ DKI دار الكتب العلمية. أسسها محمد علي بيضون سنة 1971 بيروت - لبنان دار الكتب العلمية أسسها محمد علي بيضون سنة 1971 C بيروت - لبنان Copyright All rights reserved Tous droits réservés DKI جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة لدار الكتب العلمية بيروت - لبنان ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب كاملاً أو مجزّاً أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو برمجته على أسطوانات ضوئية إلا بموافقة الناشر خطياً. Exclusive rights by Dar Al-Kotob Al-Ilmiyah Beirut - Lebanon No part of this publication may be translated, reproduced, distributed in any form or by any means, or stored in a data base or retrieval system, without the prior written permission of the publisher. Tous droits exclusivement réservés à c Dar Al-Kotob Al-Ilmiyah Beyrouth - Liban Toute représentation, édition, traduction ou reproduction même partielle, par tous procédés, en tous pays, faite sans autorisation préalable signée par l'éditeur est illicite et exposerait le contrevenant à des poursuites judiciaires. الطبعة الثانية ٢٠٠٧ م - ١٤٢٨ هـ دار الكتب العلمية أسسها محمد علي بيضون سنة 1971 بيروت - لبنان Mohammad Ali Baydoun Publications Dar Al-Kotob Al-Ilmiyah عرمون ، القبة مبنى دار الكتب العلمية هاتف: ٥٨٠٤٨١٠/١١/١٢ ٩٦١+ فاكس: ٨١٣ ٨٠٤ ٥ ٩٦١ + ص. ب: ٩٤٢٤ - ١١ بيروت - لبنان رياض الصلح -بيروت ٢٢٩٠ ١١٠٧ Aramoun, al-Quebbah, Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Bldg. Tel : +961 5 804 810/11/12 Fax:+961 5 804813 P.o.Box: 11-9424 Beirut-lebanon Riyad al-Soloh Beirut 1107 2290 http://www.al-ilmiyah.com sales @al-ilmiyah.com info@al-ilmiyah.com baydoun@al-ilmiyah.com Title: Tafsir al-Qušayri "Latā'fal-'išārāt" (The exegesis of the Holy coran) classification: Exegesis of the coran Author: Abdul-Karīm ben Hawāzin al-Qušayri Editor: Abdul-Latif Hasan Abdul-Rahman Publisher: Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Pages: 1408 (3volumes) Year: 2007 Printed in: Lebanon Edition: 21 الكتاب: تفسير القشيري المسمى: لطائف الإشارات التصنيف: تفسير قرآن المؤلف: الإمام عبد الكريم بن هوازن القشيري المحقق: عبد اللطيف حسن عبد الرحمن الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت عدد الصفحات: 1408 (3 أجزاء) سنة الطباعة: 2007 بلد الطباعة: لبنان الطبعة: الثانية ISBN 2-7451-2837-X (10 dig) ISBN 978-2-7451-2837 -9 (13 dig) 90000 - --- 9 782745 128379 سورة يونس عليه السلام كلمةٌ سماعُها يوجِب شِفَاءَ كلٌّ عابد، وضياءَ كِلُ قاصد، وعزاء كلٌّ فاقد، وبلَاءَ كلٌّ واجد، وهُدُوَّ كلْ خائف، وسُلُوَّ كل عارف. وأَمَانَ كل تائب، وبيانَ كلِّ طالب. قلوبُ العارفين لا تفرح إلا بسماع بسم الله، وكروبُ الخائفين لا تبرح إلا عند سماع بسم الله . قوله جلّ ذكره: ﴿الَّرَّ تِلْكَ ءَايَتُ الْكِتَبِ الْحَكِيمِ﴾ . الألف مفتاح اسم ((الله))، واللام مفتاح اسم ((اللطيف)) والراء مفتاح اسم ((الرحيم)). أقسم بهذه الأسماء إن هذه الكتابَ هو الموعودُ لكم يوم الميثاق. والإشارة فيه أنا حققنًا لكم الميعاد، وأَطْلنا لكم عِنان الوداد ... وانقضى زمانُ الميعاد، فالعَصَاةُ مُلْقَاة، والأيامُ بالسرور مُتَلَقَّة، فبادِروا إلى شُرْبٍ كاساتِ المحابُ، واستقيموا على نَّهْجِ الأحباب. قوله جلّ ذكره: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَاً إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنَذِرِ النَّاسَ﴾ . تعجبوا من ثلاثة أشياء: من جواز البعث بعد الموت، ومن إرسال الرسل إلى الخَلْق، ثم من تخصيص محمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة مِنْ بين الخلق. ولو عرفوا كمال مُلْكِه لم يُنْكِروا جواز البعث، ولو علموا كمالَ ملكه لم يجحدوا إرسالَ الرَّسل إلى الخلق، ولو عرفوا أنَّ له أنْ يفعل ما يريد لم يتعجبوا من تخصيص محمد - وَ * - بالنبوة مِنْ بين الخَلْق، ولكنْ سُدَّتْ بصائرُهم فتاهوا في أودية الحيرة، وعَثَرُوا - من الضلالةِ - في كل وَهْدَةٍ. وكان الأستاذ أبو علي الدَّقاق - رحمه الله - يقول: جَوَّزُوا أن يكون المنحوتُ من الخشبِ والمعمولُ من الصخر إلهاً معبوداً، وتعجبوا أن يكون مثلُ محمد - مَ﴿ه ـ في جلالةٍ قَذَّرِه رسولاً ..!! هذا هو الضلال البعيد. قوله جلّ ذكره: ﴿وَ بَشِيرِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَيِّهِمْ﴾ . وهو ما قدَّموه لأنفسهم من طاعاتٍ أخلصوا فيها، وفنونِ عباداتٍ صَدَقُوا في القيام بقضائها . ٣ ٤ تفسير سورة يونس ويقال هو ما قَّدم الحقُّ لهم يومَ القيامة، مع مقتضى العناية بشأنهم، وما حَكّمَ لهم من فنونِ إحسانه بهم، وصنوفٍ ما أفردهم به من امتنانهم. ويقال: ﴿قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَيِّهِمُ﴾: هو ما رفعوه من أقدامهم في بدايتهم في زمان إرادتهم، فإنّ لأَقْدام المريدين المرفوعةِ لأَجْلِ اللَّهِ حُرْمَةٌ عند الله، ولأيامِهم الخاليةِ في حالٍ ترذُّدِهم، وليالَيهم الماضية في طلبه وهم في حُرْقَةٍ تحيّرهم .. مقاديرَ عند الله . وقيل : رَيْبُ الزمان فإني لست أنساكا مَنْ يَنْسَ داراً قد تخونها وقيل : عندي كما هي عقدها لم يُخللِ تلك العهودُ تشدُّها لِتَحُلَّها قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ رَبَّكُ اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِى سِنَّةٍ أَيَّامٍ ثُمَّ أَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِرُ الْأَمَّرِّ مَا مِن شَفِيعِ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّعَكُمْ فَأَعْبُدُوَةُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾. ٠ لا يحتاج فِعْله إلى مُدّةٍ، وكيف ذلك ومن جملة أفعاله الزمان والمدة؟ فَخَلَقَ السموات والأرض في ستة أيام، وتلك الأيام أيضاً من جملة ما خَلَقَ الله سبحانه وتعالى . ﴿ُمَّ أَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ أي تَوَحَّدَ بجلال الكبرياء بوصف الملكوت. وملوكنا إذا أرادوا التجلِّي والظهورَ للحَشّم والرعية برزوا لهم على سرير مُلْكِهم في ألوان مشاهدهم. فأخبر الحقُّ - سبحانَه ــ بما يَقْرُب من فَهْم الخلْقِ ما ألقى إليهم من هذه الجملة: استوى على العرش، ومعناه اتصافه بعز الصمدية وجلال الأحدية، وانفراده بنعت الجبروت وعلاء الربوبية، تقدَّس الجبَّارُ عن الأقطار، والمعبودُ عن الحدود. ﴿يُدَبِرُ الْأَمْرِّ ﴾: أي الحادثاتُ صادرةٌ عن تقديره، وحاصلةٌ بتدبيره، فلا شريكَ يعضده، وما قضى فلا أحد يردّه. ﴿مَا مِن شَفِيع إلَّا مِنْ بَعْدٍ إِذْنِّهِ﴾: هو الذي يُنْطِقُ مَنْ يخاطبه، وهو الذي يخلق ما يشاء على من يشاء إذا التمس يُطالِيهُ. ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾: تعريف وقوله: ﴿فَأَعْبُدُوهُ﴾: تكليف؛ فحصولُ التعريف بتحقيقه، والوصولُ إلى ما وَرَدَ به التكليف بتوفيقه. قوله جلّ ذكره: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِئُكُمْ جَمِيعًاً وَعْدَ الَّهِ حَقّأْ إِنَّهُ يَبْدَؤُّا الْخُلْقَ ثُمَّ يُعِيدُمُ لِيَجْرِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعِلُواْ الصَّالِحَتِ بَالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُونَ﴾. الرجوع يقتضي ابتداء الأرواح قبل حصولها في الأشباح، فإن لها في مواطن تفسير سورة يونس التسبيح والتقديس إقامة، والغائب إذا رجع إلى وطنه من سفره فلقدومه أثر عند مُحبِّيه وذويه، كما قيل : أيا قداماً من سَفْرةِ الهجر مرحباً أناديك لا أنساك ما هبّت الصَّبا ويقال المطيع إذا رجع إلى الله فله الزُّلفى، والثواب والحسنى. والعاصي إذا رجع إلى ربِّه فَبنَعْتِ الإفلاس وخسران الطريق؛ فيتلقى لِياس الغفران، وحُلَّةَ الصفح والأمان، فرحمةُ مولاه خيرٌ له من نُسْكِه وتقواه. قوله: ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾: موعودُ المطيع الفراديسُ العُلَى، وموعودُ العاصي الرحمة والرِّضى. والجنَّةُ لُطْفُ الحقُّ والرَّحمةُ وصفُ الحق؟ فاللُّطفُ فِعْلٌ لم يكن ثم حصل، والنَّعْتُ لم يزل. قوله: ﴿ إِنَّهُ يَبْدَؤُّأ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾: مَنْ كان له في جميع عمره نَفَسٌ على وصفٍ ما ابتدأَ الحقُّ سبحانه به ففي الإشارة: تكون لذلك إعادة، وأنشدوا: كلَّ نَهْرِ فيه ماءٌ قد جَرَى فإِليه الماءُ يوماً سيعودُ قوله جل ذكره: ﴿هُوَ أَلَّذِى جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءُ وَالْقَمَرُ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِنَعْلَمُواْ عَدَدَ اَلْسِنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقّ يُفَصِلُ اَلَيَتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ . أنوار العقول نجومٌ وهي للشياطين رجوم، وللعلوم أقمار وهي أنوار واستبصار، وللمعارف شموس ولها على أسرار العارفين طلوع، كما قيل: إنَّ شمسَ النهار تَغْرُبُ بالليل وشمسُ القلوب ليست تَغِيبُ وكما أَنَّ في السماء كوكبين شمساً وقمراً؛ الشمسُ أبداً بضيائها، والقمرُ في الزيادة والنقصان؛ يُسْتَرُ بمحاقه ثم يكمل حتى يصير بدراً بنعت إشراقه، ثم يأخذ في النقص إلا أَنْ لا يبقى شيءٌ منه لتمام امتحاقه، ثم يعود جديداً، وكل ليلة يجد مزيداً، فإذا صار بدراً تماماً، لم يَجِدْ أكثر من ليلةٍ لكَمَالِه مقاماً، ثم يأخذ في النقصان إلى أن يَخْفَى شَخْصُه ويتِمَّ نَقْصُه . كذلك مِنَ النَّاسِ مَنْ هو مُتَرَدِّدٌ بين قَبْضِه وبَسْطِه، وصَحْوِهِ ومَحْوِه، وذهابه وإيابه؛ لا فَنَاءَ فيستريح، ولا بقاءَ له دوامٌ صحيحٌ، وقيل: كَبَّلوني فأوثقوا المِسْمَار! كلَّما قُلْتُ قد دنا حَلُّ قيدي قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ فِ اخْئِلَفِ اَلَّْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِ السَّمَوَةِ وَالْأَرْضِ لَآَيَتٍ لِّقَوْبِ يَتَّقُونَ﴾ . اخْتُصَّ النهارُ بضيائه، وانفرد الليلُ بظلمائه، من غير استيجابٍ لذلك، ومن غير استحقاق عقاب لهذا، وفي هذا دليلٌ على أَنَّ الردّ والقبولَ، والمَنْعَ والوصولَ، ليست ٦ تفسير سورة يونس معلولةٌ بسببٍ، ولا حاصلةً بأمرٍ مُكْتَسَبٍ؛ كلَّا .. إنها إرادةٌ ومَشِيئَةٌ، وحُكُمْ وقضية. النهارُ وقتُ حضورِ أهلِ الغفلة في أوطان كَسْبِهم، ووقتُ أربابِ القربة والوصلة لانفرادهم بشهود ربِّهم، قال قائلهم: وهذا الذي نعنيه ليس يغيبُ هو الشمس، إلا أنَّ للشمسِ غَيبةٌ والليلُ لأحدٍ شخصين: أَمَّا للمُحِبُّ فَوَقْتُ النَّجوى، وأَمّا للعاصي فَبَثُ الشكوى . قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآَنَا وَرَضُواْ بِالْحَيَوْقِ الدُّنْيَا وَاَلْمَنُواْ بِهَا وَلَّذِينَ هُمْ عَنْ ءَايَئِنَا غَفِلُونٌ أُوْلَئِكَ مَأْوَنَّهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ . أنكروا جوازَ الروّية فَلَمْ يرجوها، والمؤمِنون آمنوا بِجَوَازِ الرؤية فأَمَّلُوها . ويقال: لا يرجون لقاءه لأنهم لم يشتاقوا إليه، ولم يشتاقوا إليه لأنهم لم يُحبُّوه لأنهم لم يعرفوه، ولم يعرفوه لأنهم لم يطلبوه ولن يطلبوه لأنه أراد ألَّا يطلبوه، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنَهَى﴾ [النجم: ٤٢]. ويقال لو أراد أن يطلبوه لطلبوه، ولو طلبوا لعرفوا، ولو عرفوا لأحبُّوا، ولو أحبُّوا لاشتاقوا، ولو اشتاقوا لرجوا، ولو رجعوا لأمَّلوا لقاءَه، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَنَيْنَا كُلَّ نَفْسِ هُدَنهَا﴾ [السجدة: ١٣]. قوله تعالى: ﴿وَرَضُواْ بِالْخَيَّوَةِ الدُّنْيَا وَأَلْمَأَنُواْ بِهَا﴾: أصحابُ الدنيا رضوا بالحياة الدنيا فَحُرِمُوا الجنةَ، والزُّهَّادُ والعُبَّادُ رَكَنُوا إلى الجنة ورضوا بها فبقوا عن الوصلة، وقد عَلِمَ كلُّ أناسٍ معشْرَبهم، ولكلّ أحدٍ مقامٌ. ويقال إذا كانوا لا يرجون لقاءَه فمأواهم العذابُ والفرقة، فدليلُ الخطاب أن الذي يرجو لقاءَه رآه، ومالُه ومنتهاه الوصلةُ وَاللقاء والزُّلْفة. قوله جل ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ يَهْدِيهِمْ رَبُهُم بِمَنِهِمْ تَجْرِى مِن تَحْيِهِمُ الْأَنْهَدُرُ فِي جَنَّتِ النَّعِيمِ﴾ . كما هداهم اليومَ إلى معرفته من غير ذريعة يهديهم غداً إلى جنته ومثوبته من غير نصيرٍ من المخلوقين ولا وسيلة. ويقال أَمَّا المطيعون فنورهم يسعى بين أيديهم وهم على مراكب طاعاتهم، والملائكةُ تتلقَّاهم والحقُّ، قال تعالى: ﴿ يَوَمَ تَخْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [مريم: ٨٥] نحشرهم، والعاصون يَبْقَوْن منفردين متفرقين، لا يقف لهم العابدون، ويتطوحون في مطاحات(١) القيامة. (١) المطاح والمطاحة: المسلك الوعر المُهلك (ج) مطاوح. ٧ تفسير سورة يونس والحقُّ - سبحانه - يقول لهم: عِبَادي، إنَّ أصحابَ الجنة - اليومَ - في شُغلِ عنكم، إنهم في الثواب لا يتفرَّغون إليكم، وأصحابُ النار من شدة العذابِ لا يرقبون لكم معاشِرَ المساكين ... كيف أنتم إِنْ كان أشكالكم وأصحابُكم سبقوكم؟ وواحدٌ متهم لا یھدیکم فأنا أهديكم. لأني إنْ عاملتُكم بما تستوجِبُون ... فأين الكرمُ بحقنا إذا كنا في الجفاء مِثْلَهم وهجرناكم كما هجروكم؟ قوله جلّ ذكره: ﴿دَعْوَئِهُمْ فِهَا سُبْحَتَكَ الَّهُمَّ وَغَيِّئُهُمْ فِيهَا سَلَْ وَءَاخِرُ دَعْوَنَهُمْ أَنِ اْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾. قالتُهم الثناءُ على الله، وذلك في حال لقائهم. وتحيتهم في تلك الحالة من الله: ((سلام عليكم)) ﴿وَءَاخِرُ دَعْوَنَهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: والحمد ها هنا بمعنى المدح والثناء، فيثنون عليه ويحمدونه بحمدٍ أبديٌّ سرمديٍّ، والحقُّ - سبحانه - يُحَيِيِّهم بسلامٍ أزلي وكلام أبدي، وهو عزيزٌ صمديٍّ ومجيدٌ أحديٍّ. قوله جلّ ذكره: ﴿﴿ وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمَّ فَتَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرَجُونَ لِقَنَا فِ مُغْيَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ . أي لو أجبناهم إذا دعوا على أنفسهم عند غيظهم وضَجَرِهم لعَجَّلنا إهلاكَهم، ولكن تَحَمَّلْنَا ألا نُجِيبَهم، وبرحمتنا عليهم لا نسمع منهم دعاءَهم. وربما يشكو العبدُ بأنّ الربَّ لا يجيب دُعاءَه، ولو عَلِمَ أنه تَرَكَ إجابَتَهُ لُطْفاً منه وأَنَّ في ذلك بلاءً لو أجابه، كما قيل: بلا تجزم ولا معنى أُنَاسُ أعرضوا عنَّا فهلًا أحسنوا الظنّا أساءوا ظنَّهم فينا قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذَا مَسَ آلْإِنسَانَ أَلُُّّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ، أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَيِمًا فَلَمَا كَشَفْنَا عَنْهُ مُرَّمُ مَزَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍ مَّسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾. إذا امتُحِنَ العبدُ وأصابه الضُّرْ أزعجته الحالُ إلى أَنْ يرومَ التخلُّصَ مما ناله، فيعلمَ أنَّ غيْرِ الله لا يُنْجِيه، فتحمله الضرورةُ على صِدْق الالتجاءِ إلى الله، فإذا كَشَفَ اللَّهُ عنه ما يدعو لِأَجْلِه شَغَلَتْه راحةُ الخلاص عن تلك الحالة، وزَايَلَه ذلك الالتياع، وصار كأنه لم يكن في بلاءٍ قط : ولم يكُ صُعلوكاً إذا ما تَموَّلًا كأنَّ الفتى لم يَعْرَ يوماً إذ اكتسى ويقال بلاءٌ يُلْجِئُك إلى الانتصاب بين يَدَيْ معبودِك أجدى لك من عطاءٍ ينْسِيك ویکفیك عنه. ٨ - تفسير سورة يونس قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَلْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِأَلْبِهِنَتِ وَمَا كَانُوْ لِيُؤْمِنُؤْ كَذَلِكَ نَجْزِى الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾. أخبر الحقُّ سبحانه بإهلاك الظالمين، كما في الخبر: «لو كان الظلم بيتاً في الجنّة لسلّطِ اللَّهُ عليه الخراب)». والظلمُ وَضْعُ الشيء في غير موضعه، فإذا وَضَعَ العبدُ قَصْدَه - عند حوائجه - في المخلوقين، وتعلَّق قلبُه بهم في الاستعانة، وطَلَبِ المأمول فقد وَضَعَ الشيءَ في غير موضعه، وهو ظلم؛ فعقوبة هذا الظلم خرابُ القلب، وهو انسداد طريق رجوع ذلك القلب إلى الله؛ لأنه لو رجع إلى الله لأعانة وكفاه، ولكنه يُصِرُّ على تعليق قلبه بالمخلوق فيبقى عن الله، ولا ترتفع حاجتُه من غيره، وكان من فقره وحاجته في مَضَرَّةٍ. فإنْ صار إلى مضرة المذلة والحاجة إلى اللئيم فتلك محنَةٌ عظيمةٌ . وعلى هذا القياس إذا أحبَّ مخلوقاً فقد وَضَعَ محبته في غير موضعها، وهذا ظلم؛ وعقوبَتُه خرابُ روحه لِعَدَم صفاءٍ ودِّه ومحبته لله، وذهاب ما كان يجده من الأنس بالله، إذا بقي عن الله يُذيقه الحقُّ طعمَ المخلوقين، فلا له مع الخُلقِ سَلْوة، ولا من الحقِّ إلا الجفوة، وعدم الصفوة. قوله جلّ ذكره: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَكُمْ خَلَيْفَ فِ الأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ . عرَّفناكم بِرٌ مَنْ قَبْلَكُم، وما أصابهم بسبب ذنوبهم، فإذا اعتبرتم بهم نَجْوتُم، ومن لم يعتبر بما سمعه اعتبر به من تبعه . ويقال أحللنا بهم من العقوبة ما يعتريكم، ومَنْ لم يعتبرْ بِمَنْ سَبَقَه اعتبر به مَنْ لَحِقَه . قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذَا تُتْلَ عَلَيْهِمْ ءَايَاتُنَا بَيْنَتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا أَنْتٍ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلَهُ قُلْ مَا بَكُونُ لِيِّ أَنْ أُبَدِّلَمُ مِن تِلْقَاتِ نَّفْسِىّ إنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُؤْحَىّ إِلَىَّ إِنَّ أَضَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾. إذا اقترحوا عليك بأَنْ تأتيَهم بما لم نأمركَ به، أو تُرِيَهُم ما لم نُظْهِزْ عليك من الآياتِ .. فَأَخْبِرْهم أَنَّكَ غير مُسْتَقَلٍ بِك، ولا موكولٍ إليك؛ فنحن القائمُ عليكَ، المصْرفُ لكَ، وأنتَ المتّبعُ لما نُجريهَ عليك غيرَ مُبْتَدِعِ لِما يَحصُل منك. قوله جلّ ذكره: ﴿قُل لَّوْ شَآءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَّكُمْ وَلَّ أَدْرَنَكُم بِهِ، فَقَدْ لَبِئْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِن قَبْلِّ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. قد عِشْتُ فيكم زماناً، وعرفتم أحوالي فيما تطلبون مني عليه برهاناً، فما ألفيتموني ( ... )(١) بل وجدتموني في السداد مستقيماً، وللرشاد مستديماً، فلولا أنّ (١) بياض في الأصل. ٩ تفسير سورة يونس الله تعالى أرسلني، ولِمَا حَمَّلَني مِنْ تكليفه أَهَّلَني لمَا كنتُ بهذا الشرع آتِياً ولا لهذا الكتاب تالياً. ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ ما لكم تعترضون؟ ولا لأنفسكم تنظرون؟ قوله جلّ ذكره: ﴿فَمَنْ أَلْلَمُ مِعَنِ اُفْتَنِ عَلَى اللّهِ كَذِّبًّا أَوْ كَذَّبَ بِعَايَتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ﴾ . الْكَذِبُ في الشرع قبيحٌ، وإذا كان على الله فهو أقبح. ومِنَ المُفتَرين على الله: الذين يُظْهِرون من الأحوال ما ليسوا فيه صادقين، وجزاؤُهم أَنْ يُخرَمُوا ذلك أبداً، فلا يصلون إلى شيءٍ. قوله جلّ ذكره: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونٍ اَللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنَفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَوَّلاَءِ شُفَعَتُّنَا عِندَ اللَّهِ قُلْ أَثْنَيْتُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِ السَّمَوَتِ وَلَا فِ اَلْأَرْضِّ سُبْحَنَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُنَ﴾ . دَمَّهُم على عبادة ما ليس منه ضَرِّ ولا نَفَعْ. فدليلُ الخطاب يقتضي أَنْ يكونَ المعبودُ منه الضَّرُّ والنفع، ومِنْ فَرْطِ غباوتهم أنهم انتظروا في المآلِ الشفاعةَ ممن لا يوجَدُ منه الضَّرُّ والنّفْعُ في الحال. ثم أخبر أنهم يخبرون عما ليس على الوجه الذي قالوا معلوماً، ولو كان كما قالوا لَعلموا أنه سبحانه لا يَعْزُبُ عن علمه معلومٌ. ومعنى قوله: ﴿لَا يَعْلَمُ﴾: خلافه. ومَنْ تَعَلَّقَ قلبُه بالمخلوقين في استدفاع المضَارِّ واستجلاب المسَّارِّ فكالسالكِ سبيلَ مَنْ عَبَدَ الأصنام؛ إذ المنْشِىءُ والموجِدُ للشيءٍ مِنَ العَدم هو الله - سبحانه . قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّ أُنثَةُ وَحِدَةٌ فَأْخْتَلَفُواْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن زَبِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ . وذلك مِنْ زمان آدم عليه السلام إلى أن تحاربوا، والحق - سبحانه - سَبقَ قضاؤه بتأخير حسابهم إلى الآخرة، ولذلك لا يُجِيبُهم إلى ما يستعجلونه من قيام القيامة. وإنما اختلفوا لأنَّ الله خَصَّ قوماً بعنايته وقبوله، وآخرين بإهانته وإبعاده، ولولا ذلك لَمَا كانت بينهم هذه المخالفة. قوله جلّ ذكره: ﴿وَقُولُونَ لَوْلاً أَنْزِلَ عَلَّهِ ءَابَةٌ مِّن رَّبَّةٍ، فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَأَنتَظِرُوَ إِى مَعَكُمْ مِنَ الْمُنَظِرِينَ﴾. أخبر أنه - عليه السلام - في سَتْرِ الغَيْبة وخفاء الأمر عليه في الجملة لتقاصُرٍ ١٠ تفسير سورة يونس علمه عما سيحدث، فهو في ذلك بمنزلتهم، إلا في مواطن التخصيص بأنوار التعريف، فكما أنهم في الانتظار لما يحدث في المستأنف فهو أيضاً في انتظار ما يوجِدُ - سبحانه - من المقادير. والفَرْقُ بينه - عليه السلام - وبينهم أنه يشهد ما يحصل به - سبحانه - ومنه، وهم مُتَطَوِّحون في أودية الجهالة؛ يُحيلُون الأمرَ مرةً على الدَّهرِ، ومرةً علىْ النجم، ومرةً على الطبع .. وكلَّ ذلك خَيْرَةٌ وعَمى . قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذَآ أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنُ بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتَهُمْ إِذَا لَهُم مَكْرٌ فِيَّ ءَايَايِنَأْ ثُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرَّا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ﴾. يعني إذا أصابهم ضُرُّ ومحنة فرحمناهم وكَشْفنا عنهم، أحالوا الأمر على غيرِنا، وتوهموه مما هو سوانا مثل قولهم: ((مُطِرْنَا بنوء كذا))(١)، ومثل قولهم إن هذه سعادة نجَمْ أو مساعدةُ دولة أو تأثيرُ فَلَكِ أو خيراتُ دهر. فهذا كان مكرُهم أما مكر الله - سبحانه - بهم فهو جزاؤهم على مكرهم. والإشارة في هذا أنه ربما يكون للمريد أو للطالب حجبة أو فترة .. فإذا جاء الحقُّ بكشفٍ أو تجلِ أو إقبال فَمِنْ حقُّهم ألا يلاحظوها فضلاً عن أن يساكنوها، لأنهم إذا لم يرتقوا عن ملاحظة أحوالهم إلى الغيبة بشهود الحقِّ مَكَرَ الله بهم بأنْ شَّتهم في تلك الأحوال من غير تَرَقُ عنها أو وجود زيادة عليها، وهذا مَكْرُه بخَوَاصِّهم. قوله جلّ ذكره: ﴿هُوَ اَلَّذِى يُسَبِّكُ فِي أَلْبَرِّ وَالْبَغْرِ حَّىَ إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِيج ◌َّيِّبَةٍ وَفَرِجُواْ بِهَا جَتْهَا رِيعُ عَاصِفٌ وَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَنُّوَاْ أَنَّهُمْ أُحِطَ بِهِمْ دَعُواْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الّذِينَ لَبِنْ أَنْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَتَكُونَ مِنَ الشَِّكِينَ﴾. يريد أنهم يُصْبِحون في النّعم يجرُّون أذيالَهُم، ثم يُمْسُون ييكون لَيَالِيَهُم. وقد يَبِيتُون والبهجةُ مَلكَتْهُم ثم يصبحون وخفايا التقدير أهلكتْهُم، وأنشدوا: أقمتَ زماناً والعيونُ قريرةٌ وأصبحتَ يوماً والجفونُ سوافِكُ فإذا رجعوا إلى الله بإخلاص الدعاء يجود عليهم بكَشْفِ البلاء. فلمَّا أنجاهم بالإجابة لدعائهم إذا هم إلى غيره يرجعون، وعلى مناهجهم - في تمردهم يسلكون. قوله جلّ ذكره: ﴿فَلَمَّ أَنْجَنُهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِ اَلْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَيُّ كَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا (١) أخرجه البخاري (أذان ١٥٦)، (استسقاء ٢٨)، (مغازي ٣٥)، ومسلم (إيمان ١٢٥)، وأبو داود (طب ٢٢)، والترمذي (تفسير سورة ٤٠٥٦)، والنسائي (استسقاء ١٦)، والدارمي (رقاق ٤٩)، والموطأ (استسقاء ٤)، وأحمد بن حنبل ١، ٨٩، ١٠٨، ١٣١، ٢، ٤١٥، ٤٥٥، ٥٢٥، ٣، ٤٢٩، ٤، ٠١١٧ ١١ تفسير سورة يونس بَعْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَعَ الْحَيَوْوِ الدُّنْيَّا ثُمَّ إِلَيْنَا مَنِْمُكُمْ فَتُنِتِّئُكُمْ بِمَا كُمْ تَعْمَلُونَ﴾ . ﴿يَّأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَ أَنْفُسِكُمْ﴾ معناه: تُمَتِّعكم أياماً قلائلَ، ثم تَلْقَوْن غِبَّ ذلك وتبدأون تقاسون عذاباً طويلاً . قوله جلّ ذكره: ﴿إِنََّا مَثَلُ الْحَيَوْقِ الدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنْزَلْنَهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَطَ بِهِ، نَبَاتُ الْأَرْضِ مِنَا بَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَمُ حََّ إِذَا أَخَذَتِ اٌلْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَأَزَّيَّنَتْ وَظَرَبَ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَدِرُونَ عَلَيْهَاً أَتَنِهَا أَمْرُنَا لَيْلَا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَّمْ تَغْنَ بِلْأَمْسِّ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الَيَتِ لِقَوْمٍ يَنَفَكَّرُونَ﴾ . شَبَّهَ الحياةَ الدنيا بالماء المُنَزَّلِ من السماءِ يَنْبُتُ به النباتُ وتَخْضَرُّ الأرضُ وتَظْهَرُ الثمار، ويوطُّن أربابُها عليها نفوسَهم، فتصيبهم جائحةٌ سماوية بغتةً، وتصير كأن لم تكن . كذلك الإنسانُ بعد كمال سِنَّه وتمامِ قُوَّتِه واستجماع الخصال المحمودة فيه تَخْتَرِمُه المَنِيَّةِ(١)، وكذلك أموره المنتظمةُ تَبْطُلُ وتختلُّ لوفاته، كما قيل: كذاك كسوف البدر عند تمامه فَقَدْنَاه لمَّا تمَّ واختمَّ بالعُلَى ومن وجوه تشبيه الأحوال الدنيوية بالماء المُنَزَّلِ من السماء أن المطرّ لا ينزل بالحيلة، كذلك الدنيا لا تساعدها إلا القسمة . ثم إن المطر إن كان لا يجيء إلا بالتقدير فقد يُسْتَسْقَى .. كذلك الرزق - وإنْ كان بالقسمة - فقد يُلْتَمَسُ من الله ويُسْتَعْطى. ومنها أن الماء في موضعه سببُ حياة الناس، وفي غير موضعه سببُ خرابٍ الموضع، كذلك المال لمستحقه سببُ سلامته، وانتفاع المتصلين به، وعند مَنْ لا يستحقه سبب طغيانِه، وسببُ بلاءٍ مَنْ هو متصل به، كما قيل: نِعَمُ الله لا تُعاب ولكنه ربما استعجم على إنسان، وكما قيل : يا دولةً ليس فيها من المعالي شفيَّةٌ زولى فما أنتِ إلا على الكرامِ بَلِيَّةٌ(٢) ومنها أن الماء إذا كان بمقدارٍ كان سببَ الصلاح، وإذا جاوز الحدَّ كان سببَ الخراب .. كذلك المال إذا كان بقَدْرِ الكفاية والكفاف فصاحبه مُنَعَّمٌ، وإذا زاد وجاوز الحدَّ أوجب الكُفران والطغيان. ومنها أن الماءَ ما دام جارياً كان طيباً، فإذا طال مكثه تغيَّر .. كذلك المال إذا (١) اخترمت المنية فلاناً: أخذته. (٢) الشظية: عظم الساق أو العظم الصغير الوحشي من عظمي الساق. ١٢ تفسير سورة يونس أنفقه صاحبُه كان محموداً، فإذا ادَّخَره وأمسكه كان معلولاً مذموماً. ومنها أن الماء إذا كان طاهراً كان حلالاً يصلح للشرب ويصلح للطهور ولإزالة الأذى، وإذا كان غيرَ طاهرٍ فبالعكس .. كذلك المال إذا كان حلالاً، وبعكسه لو كان حراماً . ويقال كما أن الربيعَ تتورد أشجارُه، وتظهر أنوارُه، وتخضرُّ رِباعُه، وتتزين بالنبات وِهَادُه وتِلاعه(١) لا يُؤْمَن أَنْ تصيبه آفة من غير ارتقاب، وينقلب الحال بما لم يكن في الحساب. كذلك مِنَّ الناسِ مَنْ تكون له أحوالٌ صافية، وأعمالٌ بشرط الخلوص زاكية؛ غصونُ أُنْسِه مُتَدَلِية، ورياضُ قربِهِ مونِقةٌ .. ثم تصيبه عَيْنٌ فيذبل عودٌ وِصاله، وتنسدُّ أبوابُ عوائدٍ إقباله، كما قيل: عينٌ أصابَتْكَ إنّ العينَ صائبةٌ والعينُ تُسْرِعُ أحياناً إلى الحَسَدِ قوله جلّ ذكره: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُواْ إِلَى دَارِ السََِّّمِ وَيُّهْدِى مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. دعاهم إلى دار السلام، وفي الحقيقة دعاهم إلى ما يوجب لهم الوصول إلى دار السلام؛ وهو اعتناق أوامره والانتهاء عن زواجره. والدعاء من حيث التكليف، وتخصيص الهداية لأهلها من حيث التشريف. ويقال الدعاء تكليف والهداية تعريف؛ فالتكليف على العموم والتعريف على الخصوص . ويقال التكليف بحقِّ سلطانه، والتعريف بِحُكْم إحسانه . ويقال الدعاء قَوْلُه والهداية طَوْلُه؛ دَخَلَ الكلُّ تحت قوله، وانفرد الأولياءُ بتخصيص طَوْلِه. دار السلام دار الله لأن السلام اسم مِنْ أسمائه . ويكون السلام بمعنى السلامة فهي دار السلامة أي أهلها سالمون فيها؛ سالمون من الحُرقَة وسالمون من الفُرقة؛ سَلِموا من الحرقة فحصلوا على لذة عطائه، وسَلِموا من الفُرقة فوصلوا إلى عزيز لقائه. ويقال لا يصل إلى دار السلام إلا من سَلِمَتْ نَفْسُه عن السجود لِلِصَنَّم، وَسِلَم قلبُه عن الشّرْكِ والظُلم . ويقال تلك الدار درجات؛ والذي سَلِمَ قلبُه عن محبة الأغيار درجتُه أعلى من درجة مَنْ سَلِمَتْ نَفْسُه من الذنوب والأوضار. ويقال قوم سلمت صدورُهم من الغِلُ والحسد والحقد؛ وسَلِمَ الخُلقُ منهم؛ (١) التلاع: (ج) التلعة: ما ارتفع من الأرض وأشرف، أو هي ما انهبط منها (ضدْ). ١٣ تفسير سورة يونس فليس بينهم وبين أحدٍ محاسبة، وليس لهم على أحد شيء؛ ((فالمسلم من سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده، والمحسنُ من سَلِمَ الخُلقُ بأجمعهم من قلبه)»(١) . ﴿الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾: طريق المسلمين، فهذا للعوام بشرط علم اليقين، ثم طريق المؤمنين وهو طريق الخواص بشرط عين اليقين، ثم طريق المحسنين وهو طريق خاص الخاص بشرط حق اليقين؛ فهؤلاء بنور العقل أصحاب البرهان، وهؤلاء بكشف العلم أصحاب البيان، وهؤلاء بضياء المعرفة بالوصف كالعيان، وهم الذين قال ◌َله فيهم: ((الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه))(٢). قوله جلّ ذكره: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الُْسْنَ وَزِيَادَةٌ﴾ . ﴿أَحْسَنُوا﴾: أي عَمِلُوا وأحسنوا إذ كانت أفعالُهم على مقتضى الإذن. ويقال: ((أحسنوا)): لم يُقَصِّروا في الواجبات، ولم يُخِلُّوا بالمندوبات. ويقال: ((أحسنوا)): أي لم يَبْقَ عليهم حقٌّ إلا قاموا به؛ إن كان حقَّ الحقِّ فَمِنْ غير تقصير، وإن كان من حقٌّ الخَلْقِ فأداءٌ من غير تأخير . ويقال ((أحسنوا)): في المآل كما أحسنوا في الحال؛ فاستداموا بما فيه واستقاموا، والحسنى التي لهم هي الجثة وما فيها من صنوف النّعم. ويقال: الحسنى في الدنيا توفيق بدوام، وتحقيق بتمام، وفي الآخرة غفران مُعَجِّل، وعيان على التأبيد مُحَّصل. قوله: ﴿وَزِيَادَةٌ﴾: فعلى موجِب الخبر وإجماع السلف النظرُ إلى الله. ويحتمل أن تكون ((الحسنى)): الرُّؤية، ((والزيادة)): دوامُها. ويحتمل أن تكون ((الحسنى)): اللقاء، ((والزيادةُ)): البقاء في حال اللقاء. ويقال الحسنى عنهم لا مقطوعة ولا ممنوعة، والزيادة لهم لا عنهم محجوبة ولا مسلوبة . قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّهُ أُوْلَكَ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيَهَا خَلِدُونَ﴾ . (١) أخرجه البخاري (إيمان ٥)، (رقاق ٢٦)، ومسلم (إيمان ٦٤ - ٦٥)، وأبو داود (جهاد، ٢) والترمذي (قيامة ٥٢)، (إيمان ١٢)، والنسائي (إيمان ٨، ٩، ١١)، والدارمي (رقاق ٤، ٨) وأحمد بن حنبل ١٦٠/٢، ١٦٣، ١٨٧، ١٩١، ١٩٢، ١٩٥، ٢٠٥، ٢٠٦، ٢٠٩، ٢١٢، ٢١٥، ٢٢٤، ٠٣٧٩ (٢) أخرجه البخاري في (الصحيح ١٤٤/٦)، والبيهقي في (السنن الكبرى ٢٠٣/١٠)، وابن خزيمة في (الصحيح ٢٢٤٤)، والهيثمي في (موارد الظمآن ١٦)، وابن حجر في (فتح الباري ٥١٣/٨) والزبيدي في (إتحاف السادة المتقين ٤٣٤/٨، ٩٤/١٠)، وابن كثير في (التفسير ٣٥٦/٦)، والمتقي الهندي في (كنز العمال ٥٢٤٩، ٥٢٥٤). ١٤ تفسير سورة يونس لا يقع عليهم غبارُ الحجاب، وبعكسه حديث الكفار حيث قال: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَهِدٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ [عبس: ٤٠]. (والذلة)) التي لا تصيبهم أي لا يُرَدُّوا مِنْ غير شهودٍ إلى رؤية غيره، فهم فيها خالدون في فنون أفضالهم، وفي جميع أحوالهم. قوله جل ذكره: ﴿وَلَِّنَ كَسَبُواْ السَّمْتَاتِ جَزَآءُ سَفِئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ فِلَّةٌ مَّا لَهُم مِّنَ الَّهِ مِنْ عَاصِرٍ كَأَنََّا أُغْشِيَتْ رُجُومُهُمْ قِطَعًا مِّنَ الَلِ مُظْلِمَاْ أُوْلَكَ أَمْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ﴾ . والذين كسبوا السيئاتِ وعملوا الزَّلاتِ لهم جزاء سيئة مثلها، والباء في ((بمثلها)): صلة أي للواحد واحد. ﴿وَتَرْهَقُهُمْ زِلَّةٌ﴾: هو تأبيد العقوبة. ﴿مَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِيرٍ﴾ أي ما لهم من عذابه من عاصم، سِيمُوا ذُلَّ الحجاب. ومُنُوا بتأبيد العذاب، وأصابهم هوان البعاد. وآثارُ الحجاب على وجوههم لائحة فإِذْ الأَسِرَّةَ تدلُّ على السريرة. قوله جلّ ذكره: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرْكَاؤُكُمْ فَرَّكَ بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَآؤُهُم مَّا كُ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ فَكَفَى بِلَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمُ تَغَفِلِينَ﴾ . يجمع بين الكفار والأصنام التي عبدوها من دون الله، فتقول الأصنام: ما أمرناكم بعبادتنا. فيدعون على الشياطين التي أطاعوها، وعلى الأصنام التي أمرتهم أن يعبدوها، وتقول الأصنام: كفى بالله شهيداً، على أنَّا لم نأمركم بذلك؛ إذ كُنَّا جماداً. وذلك لأنَّ اللَّهَ يُخيِيها يوم القيامة ويُنْطِقها. وفي الجملة ... يتبرَّأُ بعضُهم مِنْ بعض، ويذوقُ كلِّ وبالَ فِعْلِهِ. وفائدةٌ هذا التعريف أنه ما ليس لله فهو وبالٌ عليهم؛ فاشتغالُهم - اليومَ - بذلك مُحَالٌ، ولهم في المآلِ - مِنْ ذلك - وبالُ. قوله جلّ ذكره: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسٍ مَّآ أَسْلَفَتَّ وَرُدُّواْ إِلَى الَّهِ مَوْلَنُهُمُ الْحَقِّ وَضَلَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَغْتَرُونَ﴾ . إنما يقفون على خسرانهم إذا ذاقوا طَعْمَ هوانِهِم؛ فإذا رُدُّوا إلى الله لم يجدوا إلا البعدَ عن الله، والطردَ من قِبَلِ الله، وذلك جزاءُ مَنْ آثَرَ على اللَّهِ غيرَ الله. قوله جلّ ذكره: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَمَنْ يْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْعَيْتِ وَيُخْرِجُ الْمَيْتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ آلْأَمْنَّ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَنَّقُونَ﴾ . ١٥ تفسير سورة يونس كما تَوَخَّدَ الحقُّ - سبحانه - بكونه خالقاً تَفَرَّدَ بكونه رازقاً، وكما لا خالِقَ سواه فلا رازقَ سواه . ثم الرزق على أقسام: فللأشباح رزق: وهو لقوم توفيق الطاعات، ولآخرين خذلان الزَّلات. وللأرواح رزق: وهو لقومٍ حقائق الوصّلة، ولآخرين - في الدنيا - الغفلة وفي الآخرة العذاب والمهلة . ﴿أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ﴾: فيكمل بعض الأبصار بالتوحيد، وبعضها يعميها عن التحقيق . ﴿﴿وَمَنْ يُِّجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيْتِ وَيُخْرِجُ الْمَيْتَ مِنَ أَلْحَيِّ﴾: يخرج المؤمنَ من الكافر، والكافر من المؤمن. ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾: ولكنْ ظَنًا ... لا عن بصيرة، ونَطْقاً ... لا عن تصديق سريرة . قوله جلّ ذكره: ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّكُ اَلَْنَّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَنِّ إِلَّا الشَّلِلٌّ فَ تُصْرَفُونَ﴾. ما يكون من موضوعاتِ الحق، ومتعلقاتِ الإرادة، ومتناولاتِ المشيئة، ومُجَنَّساتِ التقدير، ومُصَرَّفاتِ القدرة - فهي أشباحٌ خاوية، وأحكامُ التقديرِ عليها جارية . قوله جل ذكره: ﴿ كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَيِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَغُواْ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ . سَبَق لهم الحُكْمُ، وصَدَقَ فيهم القولُ؛ فلا لِحُكْمِه تحويل ولا لقوله تبديل، فإنَّ العلَلَ لا تُغَيِّر الأزل. قوله جلّ ذكره: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَّكَبِكُ مَنْ يَبْدَقُأَ اْخَلْقَ ثُّ يُمِدُهُ قُلِ اللَّهُ بَبْدَؤُاْ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِدٍُّ فَأَنَّ تُؤْفَكُونَ﴾ . كَشَف قبيحَ ما انطوت عليه عقائدُهم من عبادتهم ما لا يصحُّ منه الخُلقُ والإعادة، وأثبت أن المعبودَ مَنْ مِنْه الخَلْقُ والإعادة. قومٌ جعلوا له في الإيجاد شركاءَ بدعوى القَدَرِ، وقوم منعوا جواز قدرته على الإعادة. وكل هذا جنوحْ إِلى الْكُفْرِ وذهابٌ عن الدِّين. قوله جلّ ذكره: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُكَّيْكُ مَن يَهْدِىٌ إِلَى الْحَّ قُلِ اَللّهُ يَهْدِى لِلْحَبِّ أَفَمَنْ يَهْدِىّ إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُنَّبَعَ أَمَنْ لَا يَهِدِىّ إِلَّا أَنْ يُبْدَعَنْ فَا لَكُرْ كَيْفَ تَحُْونَ﴾ . الحقُّ اسمٌ من أسمائه سبحانه، ومعناه أنه موجود، وأنه ذو الحق، وأنه مُحِقُ الحقُّ. والحقُّ من أوصاف الخَلْقِ ما حَسُنَ فعله وصحُ اعتقاده وجاز النطق به. ١٦ تفسير سورة يونس و﴿ اَللَّهُ يَهْدِى لِلْحَقِّ﴾: أي إلى الحق هدايته. وهداه له وهداه إليه بمعنىّ؛ فَمَنْ هداه الحقُّ للحقّ وَقَفَه على الحقُّ، وعزيزٌ منْ هداه الحقُّ إلى الحقُّ للحقِّ، فماله نصيبٌ وما له حَظّ . قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَا يَنَبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا لَّا إِنَّ الَنَّ لَا يُغْنِى مِنَ الْحَِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ . الظّنُّ يُنافي اليقين، فإنه ترجيح أحد طَرَفَيْ الحكم على الآخر من غير قَطْعِ . وأربابُ الحقائق على بصيرة وقطع؛ فالظنُّ في أوصاف الحقُّ معلولٌ، والقطع - في أوصاف النَّفُس - لكل أحدٍ معلول. والعَبْدُ يجب أن يكون في الحال خالياً عن الظن إذْ لا يَعْرِفُ أحدٌ غَيْبَ نَفْسِه في مآلِه . وفي صفة الحقْ يجب أن يكونَ العبدُ على قطع وبصيرة؛ فالظنُّ في الله معلول، والظن فيما مِنَ الله غير محمود. ولا يجوز بوجهٍ منَّ الوجوه أن يكون أهلُ المعرفةِ به سبحانه - فيما يعود إلى صفته - على الظن، كيف وقد قال الله تعالى فيما أمر نبيّه ـ عليه السلام - أَنْ يقول: ﴿أَدْعُواْ إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنْ وَمَنِ أَتَّبَعَنِّى﴾ [يوسف: ١٠٨]؟ وكما قلنا : وأتى اليقين فلات حین حجاج طَلَعَ الصباحُ فلات حين سراج من عَقْد ألويةٍ وحلٌ رتاج(١) حصل الذي كُنَّا نؤمّل نَيْلَه والوصلُ وَْدَ سَجْلَه(٢) بعِاج(٣) والبعد قَوْضَ بالدِّنو خيامه لهواجم الأحزان بالإزعاج قَدْ حَانَ عَهْدٌ للسرور فحيهلا قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَا كَنَّ هَذَا الْقُرْءَانُ أَنْ يُغْتَرَى مِن دُونِ الَِّ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَبِ لَا رَيِّبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَلَمِينَ﴾ . انسدِّتْ بصائرهم فلا يزدادون بكثرة سماع القرآن إلا عمى على عمى، كما أن أهل الحقيقة ما ازدادوا إلا هُدىّ على هدى، فسبحان مَنْ جعل سماعَ خطابه لقومٍ سببَ تحَيُّرِهم، ولآخرين موجِبَ تَبَصُّرِهم. قوله جلّ ذكره: ﴿أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَنَةٌ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَوْ مِثْلِهِ، وَأَدْعُواْ مَنِ أَسْتَطَعْتُم مِّنِ دُونٍ اللَّهِ إِن كُ صَدِقِينَ﴾ . (١) الرتاج: الباب العظيم. أو الباب المغلق وعليه باب صغير (ج) رُتُج. (٢) السِّجْل: الدلو العظيمة مملوءة. أو فيها ماء قلّ أو كثر (ج) سجال وسجول. (٣) العناج: خيط أو سَير يُشدّ في أسفل الدلو ثم يُشدّ في عروتها أو عرقوتها (اللسان ٣٣٠/٢). ١٧ تفسير سورة يونس كلَّتْ القرائح، وخَمَدَتْ نيرانُ الفصاحة، واعترف كلُّ خطيب مِصْعٍ بالعجز عن معارضة هذا الكتاب، فلم يتعرَّض لمعارضته إلا مَنْ افتضخ في قالته. قوله جلّ ذكره: ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِهِ، وَلَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِلُّهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمَّ فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الطَّلِينَ﴾ . قابلوا الحقَّ بالتكذيب لِتَقَاصُرٍ علومهم عن التحقيق، فالتحقيقُ من شرط التصديق، وإنما يؤمِن بالغيب مَنْ لوَّح - سبحانه - لقلبه حقائق البرهان، وصَّرَفَ عنه دواعي الرِّيَب. قوله جلّ ذكره: ﴿وَمِنْهُمْ مَن يُؤْمِنُ بِهِ، وَمِنْهُم مَن لَّا يُؤْمِرُ بِهِ، وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ﴾. فأمَّا الذين آمنوا فهم الذين كَحَلَ الحقُّ أبصارَ قلوبِهم بنور اليقين، والذين لم يؤمنوا فهم الذين وَسَمَ قلوبَهم بالعمي فزلُّوا - بالضلالة - عن الهُدَى .. تلك سُنَّةُ الله في الطائفتين، ولن تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تحويلاً. قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُل لِ عَمَلِى وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُم بِرِيْتُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِىٌّ مِّمَا تَعْمَلُونَ﴾. بَرِحَ الخفاءُ، واستبانت الحقائق، وامتاز الطريقان، فلا المحسنُ بِجُزْءٍ المسيء مُعَاقَبٌ، ولا المسيءُ بِجُزْمِ المحسن مُعاتَب، كُلُّ على حِدَةٍ بما يعمله وعلى ما يفعله مُحَاسَب . قوله جلّ ذكره: ﴿وَمِنْهُم ◌َن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكُ أَفَنْتَ تُشْمِعُ الْقُمَّ وَلَوْ كَانُواْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ . من استمع بتكلفه ازداد في تَخَلْفِه بزيادة تصرفه، ومَنْ استمع الحقَّ بِتَفَضُّلِه - سبحانه - استغنى في إدراكه عن تَعَمُّلِه. والحقُّ - سبحانه - يُسْمِعُ أولياءَه ما يناجيهم به في أسرارهم، فإذا سمعوا دعاء الواسطة قابلوه بالقبول لِمَا سَبَقَ لهم من استماع الحقِ. ومَنْ عَدِمَ استماعَ الحقِّ إياه من حيث التفهيم لم يَزِدْه سماعُ الخَلْقِ إلا جحَداً على جحد، ولم يخطَ به إلا بُعْداً على بُعْد. قوله جلّ ذكره: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَنْظُرُ إِلَيْكَّ أَفَأَنْتَ تَهْدِى أَلْعُمْىَ وَلَوْ كَانُواْ لَا يُصِرُونَ﴾. مَنْ سُدَّتْ بصيرتُه بالغفلة والغيبة لم يَزِذه إدراكُ البَصَرِ إلا حجبةً على حجية، ومَنْ لم ينظر إلى الله بالله، ولم يسمع من الله بالله، فقصاراه العمى والصمم، ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَرُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِى فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] وقال عليه السلام فيما أخبر عن الله: ((فبي يسمع وبي يبصر))(١). (١) هذا حديث قدسي يُروى هكذا ((فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ... )) أخرجه البخاري (رقاق ٣٨). ١٨ تفسير سورة يونس وأنشد قائلهم: تأمَّلْ بعين الحقُّ إنْ كنتَ ناظراً إلى منظرٍ منه إليه يعود قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [يونس: ٤٤]. نَفَى عن نَفْسِه ما يستحيل تقديره في نعته، وكيف يوصَفُ بالظلم وكلُّ ما يُتَوَهَّمُ أَنْ لو فَعَلَه كان له ذلك؟ إذ الحقُّ حقُّه والمُلْكُ مُلْكُه. ومَنْ لا يَصِحُ تقديرُ قبيحٍ منه - أَنَّى يوصف بالظلم جوازاً أو وجوباً؟! قوله جلّ ذكره: ﴿وَبَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَنْ لَّْ يَلْتُواْ إِلَّا سَاعَةً مِّنَ النَّارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمَّ قَدْ خَيْرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَِّ اللَّهِ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾ . الأيامُ والشهور، والأعوام والدهور بعد مُضيها في حُكْم اللحظة لمن تفكّرَ فيها، ومتى يكون لها أثر بعد تقضيها؟ والآتي من الوقت قريب،َ وكَأنَّ قَدْرَ الماضي من الدهر لم يُغْهَدْ . قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِمَّا ◌ُيَّكَ بَعْضَ اَلَّذِى نَعِدُهُمْ أَوْ نَوَقَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَِّمُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾. معناه أن خبره صدق، ووعده ووعيده حق، وبعد النّشْرِ حَشْرٌ، وفي ذلك الوقت مُطَالَبَةٌ وحسابٌ، ثم على الأعمال ثواب وعقاب، وما أسرع ما يكون المعلومُ مُشاهَداً موجوداً ! . قوله جلّ ذكره: ﴿وَلِكُلِّ أُمٍَّ رَسُولٌّ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ قُضِىَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ . لم يُخْلِ زماناً مِنْ شَرْعٍ، ولم يُخْلِ شرعاً مِنْ حُكُم، ولم يُخْلِ حُكْماً مما يُعْقُبُه من ثوابٍ وعقاب. قوله جلّ ذكره: ﴿وَيَقُولُونَ مَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَدِفِينَ﴾ . الاستعجال بهجوم الموعود من أمارات أصحاب التكذيب، فأمَّا أهل التحقيق فليس لهم لواردٍ يَرَدُ عليهم اشتغالٌ قبل وجوده، أو استعجالٌ على حين كَوْنِه، ولا إذا وَرَدَ استقالٌ لما تضمنه حُكْمُه؛ فهم مطروحون في أسْرِ الحُكْم، لا يتحرك منهم - باختيارهم - عِزْقٌ. قوله جلّ ذكره: ﴿قُل لَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِىِ ضَّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَآءَ الَهْ لِكُلِّ أَنَةٍ أَجَلُّ إِذَا جَآءُ أَلُهُمْ فَلَ يَسْتَقْخِرُونَ سَاعَةٌ وَلَا يَسْتَقْدِعُونَ﴾ . ١٩ تفير سورة يونس الملوكُ متى يكون له مِلْك؟! وإذا كان سيِّدُ البرايا - عليه الصلاة والسلام - لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً .. فَمَنْ نَزَلَتْ رُثْبَتُه، وتقاصرَتْ حالتُه متى يملك ذرةً أو تكون باختياره وإيثاره شمةٌ؟ طاح الذي لم يكن - في التحقيق، وتفرَّدَ الجبارُ بنعت الملكوت . قوله جلّ ذكره: ﴿قُلْ أَرَّهَيْتُمْ إِنْ أَتَنْكُمْ عَذَابُ بَيَنًا أَوْ نَهَارًا مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ﴾ . مَنْ عَرَفَ كمالَ القُدرة لم يأمَنْ فجأةَ الأخذِ بالشدة، ومن خاف البيات لم يستلذ الشُّبات. ويقال مَنْ توسَّدَ الغفلةَ أيقظته فجاءةُ العقوبة، ومَنْ استوطن مركب الزَّلَّةَ عَثَرَ في وَهْدَةِ المحنة . قوله جلّ ذكره: ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ ءَامَنُم ◌ِّ ءَالَْنَ وَقَّدْ كُم بِهِ، تَسْتَعِْلُونَ﴾ . بعد انتهاك سِتْرِ الغيب لا يُقْبَلُ تضرعُ المعاذير . ويقال لا حُجَّة بعد إزاحة العلة، ولا عذْرَ بعد وضوح الحجة. قوله جلّ ذكره: ﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذُوقُواْ عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوّنَ إِلَّا بِمَا كُ تَكْسِبُونَ﴾ . لا تُكَلَفُ نَفْسٌ إلا تجرع ما منه سَقَتْ، ولا يحصد زارعٌ غَلَّةً ما منه زرع، وفي معناه قالوا : قَذَّفَ البلايا عقبه سَنَنْتِ فِينا سَنَناً مَنْ برَّ يوماً رَبَّه يصبر على أموالها وَيَسْتَُّونَكَ أَحَقُّ هُوَّ قُلْ إِى وَرَبِ إِنَّهُ لَحَّ وَمَآ أَنْتُم بِمُعْجِينَ﴾ . قوله جل ذكره: صرِّخِ بالإخبار عند استخبارهم، وأَعْلِمْ بما يزيل الشُّبْهَةَ عمَّا التَبس على جُهَّالِهِم، وأَكِّدْ إخبارَكَ بما تذكره مِنَ القَسَم واليمين، مضافاً ذلك إلى ما تُسْلِفُه من الثَّبيين. على أنه لا ينفعهم نُصْحُك، ولا يُؤَثّر فيهم وعظُكَ .. كيف لا؟ وقد جُرِّعوا شرابَ الحُجبة، وَوِسُمُوا بَكِيِّ الفُرقة؛ فلا بصيرة لهم ولا ( .... )(١) ولا فهمَ ولا حصافة . قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسِ ظَلَمَتْ مَا فِ الْأَرْضِ لَأَفْتَدَتْ بِهِ، وَأَسَرُواْ النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوَأْ الْعَذَابِّ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ . (١) بياض في الأصل. ٢٠ تفسير سورة يونس لا يُقْبَلُ منهم عَدْلٌ ولا سَرَفٌ (١)، ولا يحصل فيما سَبَقَ لهم من الوعيد خَلَفَ. ولا ندامة تنفعهم وإنْ صَدَقوها، ولا كرامة تنالهم وإنْ طلبوهَا، ولا ظُلْمَ يجري عليهم ولا حيف، كلا ... بل هو اللَّهُ العَذْلُ في قضائه، الفَرْدُ في علائه بنعت كبريائه. قوله جلّ ذكره: ﴿أَّ إِنَّ ◌ِلَِّ مَا فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضُِّ أَلَّا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ . الحادثات بأسْرِها الله مِلْكاً، وبه ظهوراً، ومنه ابتداءً، وإليه انتهاء؛ فقولُه حقٍّ، ووعدهُ صِدْقُ، وأمره حَتْمٌ وقضاؤه باتٌّ. وهو العَلِيُّ، وعلى ما يشاء قويٌّ. قوله جلّ ذكره: ﴿هُوَ يُحِّى، وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْحَعُونَ﴾ . يحيي القلوبَ بأنوار المشاهدة، ويميت النفوس بأنواع المجاهدة فنفوسُ العابدين تَلَّفُها فنون المجاهدات، وقلوب العارفين شَرفُها عيون المشاهدات. ويقال يحيي مَنْ أقبل عليه، ويميت مَنْ أعرض عنه. ويقال يحيي قلوب قوم بجميل الرجاء، ويميت قلوبَ قوم بِوَسْم القنوط(٢). قوله جلّ ذكره: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَتْكُم قَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِىِ الصُّدُورِ وَهُدَى وَرَحَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ . الموعظة للكافة .. ولكنها لا تنجع في أقوام، وتنفع في آخرين؛ فَمَنْ أصغى إليها بسَمْعِ سِرْه اتضح نورُ التحقيق في قلبه، ومَنْ استمع إليها بنعت غَيْبَتِهِ ما اتصف إلا بدوام حجبته. ويقال الموعظة لأربابِ الغيبة لِيَؤوبُوا، والشّفاء لأصحاب الحضور ليطيبوا. ويقال ((الموعظة)»: للعوام، ((والشفاء)»: للخواص، ((والهُدى)) لخاص الخاص، ((الرحمة)) لجميعهم، وبرحمته وصَلوا إلى ذلك. ويقال شفاءُ كلٌ أحدٍ على حَسَبِ دائه، فشفاءُ المذنبين بوجود الرحمة، وشفاء المطيعين بوجود النعمة، وشفاء العارفين بوجود القربة، وشفاء الواجدين بشهود الحقيقة . ويقال شفاء العاصين بوجود النجاة، وشفاء المطيعين بوجود الدرجات، وشفاءُ العارفين بالقرب والمناجاة . قوله جلّ ذكره: ﴿قُلّ بِفَضْلِ اَللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَبْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ . ((الفضل)»: الإحسانُ الذي ليس بواجبٍ على فاعله ((والرحمة)) إرادة النعمة وقيل هي النعمة . (١) السّرّف: مجاوزة الحدّ. (٢) القنوط: اليأس.