Indexed OCR Text
Pages 441-460
٤٤١ تفسير سورة التوبة حُرِمَ استحقاقَ القُربة. ومَنْ أراد اللَّهُ - تعالى - هَوَانَه، وأذاقه خِذْلانَه، فليس له عن حكم الله مناصٌ . قوله جلّ ذكره: ﴿يَعْنَّذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُل لَّا تَعْتَذِرُواْ لَن تُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُونَ إِلَى عَلِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُمْ تَعْمَلُونَ﴾ . أراد إذا تَقَّوَّلُوا بما هم فيه كاذبون، وضللوا عما كانوا في تخلفهم به يتَّصِفون - فَأَخْبِرُوهم أنَّا عَرَّفَنَا اللَّهُ كَذَبَكم فيما تقولون، واتضحت لَنَا فضائحُكم، وتَمَيَّزَ - بما أظهره الله لنا - سَيِّئُكُم وصالِحُكم، فإِنَّ اللَّهَ تعالى لا يَخْفَى عليه شيءٌ مِنْ أحوالكم، وسَتَلْقَوْنَ غِبَّ أعمالكم في آجلكم. قوله جلّ ذكره: ﴿سَيَعْلِقُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا أَنْقَلْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَنَهُمْ جَهَنَّمُ جَزَآءُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ . يريد أنهم في حَلِفِهم باللَّهِ لكم أن يدفع السوءَ مِنْ قِبَلِكم، وليس قضدهم بذلك خلوصاً في اعتذارهم، ولا ندامةً على ما احتقبوه من أوزارهم، إنما ذلك لتُعْرِضُوا عنهم ... فَأَعْرِضوا عنهم؛ فإِنَّ ذلك ليس بمُنْجِيهم مما سيلقونه غداً من عقوبة الله لهم، فإِنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ العاصيَ حتى يتَوهَّمَ أنه قد تَجَاوَزَ عنه، وما ذلك إلا مَكْرٌ عُومِل به، فإذا أذاقه ما يستوجِبُه عَلِمَ أن الأمَر بخلاف ما ظنّه، وما ينفع ظاهرٌ مغبوطٌ، والحال ـ في الحقيقة - يأس من الرحمة وقنوطٌ، وفي معناه قالوا: و کم من قریب الدار وهو بعيدً! وقد حسدوني في قُرْبٍ داري مِنْهُمُ قوله جلّ ذكره: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْ عَنْهُمّ فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِنَ اَللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ . من كان مسخوطَ الحقُّ لا ينفعه أن يكون مرضيَّ الخَلْقِ، وليستِ العِبْرَةُ بقولٍ غيرِ اللَّهِ إِنَّما المدارُ على ما سَبَقَ من السعادة في حُكْمِ الله. قوله جلّ ذكره: ﴿اَلْأَعْرَبُ أَشَدُ كُفْرًا وَنِفَانًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، وَاَللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ . جُبِلَتْ قلوبُهم على القسوةِ فلم تَقْرَغْها هواجِمُ الصفوة، وكانوا عن أشكالهم في الخِلْقَةِ مستأخرين بما ( .... )(١) من سوء الخُلُقِ؛ فَهُمْ مِنَ استبانةِ الحقائق أبعد، ومن استيجاب الهوان أقرب. (١) بياض في الأصل. ٤٤٢ تفسير سورة التوبة قوله جلّ ذكره: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَن يَشَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَّرَسُ بِكُ الدَّوَبِرَّ عَلَّهِمْ دَابِرَةُ السَّوْءُ وَاللَّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾ . خَبْئَت عقائدُهم فانتظروا للمسلمين ما تعلقت به مناهم من حلول المِحن بهم، فأبى اللَّهُ إلا أن يَحيقَ بهم مكرُهم، ولهذا قيل في المثل: إذا حَفَرْتَ لأخيك فَوَسِغْ فربما يكون ذلك مقيلَك! ويقال مَنْ نَظَر إلى ورائه يُوَفَّقْ في كثيرٍ من تدبيره ورأيه . قوله جلّ ذكره: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرْبَتٍ عِندَ اللَّهِ وَصَلَوَتِ الرَّسُولَّ أَلَّ إِنّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمَّ سَيُدْيِلُهُمُ اللَّهُ فِ رَحْمَتِهِ: إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ زَّحِيمٌ﴾. تَنَوَّعُوا؛ فمنهم مَنْ غَشَّ ولم يربح، ومنهم مَنْ نَصَحَ فلم يَخْسِرْ، فأمَّا الذين مذقوا فهم في مهواةٍ هوانِهم، وأما الذين صَدَقُوا ففي رَوح إحسانهم. قوله جلّ ذكره: ﴿وَالسَِّقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَجِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ أَتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَنِ رَضِىَ اَللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَلَعَذَّ لَهُمْ جَنَّتٍ تَجْرِى تَحْتَهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ اُلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ﴾ . السابقون مختلفون؛ فَمِنْ سابقٍ بِصِدقٍ قَدَمِه، ومِنْ سابقٍ بصدقٍ هِمَمِه . ويقال السابقُ مَنْ ساعَدَتْه القسمةُ بالتوفيق، وأسعَدَتْه القضية بالتحقيق، فسبقت له من الله رحمته . ويقال سبقهم بعنايته ثم سبقوا بطاعتهم له . ويقال جَمَعَ الرُّضَاءُ صَفَّيْهِم: السابقَ منهم واللاحقَ بهم؛ قال تعالى: ﴿وَالسَّبِقُونَ اُلْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَجِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ ﴿رَضِ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ . ويقال ليس اللاحقُ كالسابق، فالسابقُ في رَوْحِ الطلبِ، واللاحِقُ في مقاساةِ التعبٍ، ومُعاناةِ النَّصَبِ، وأنشدوا: السّباقَ السّباقَ قولاً وفعلاً حَذْروا النّفْسَ حَسْرَةَ المسبوقِ. ويقال رِضَاهُم عن اللَّهِ قضيةُ رضاء الله عنهم؛ فلولا أنه رَضِيَ عنهم في آزالِه ... فمتى وصلوا إلى رضاهم عنه؟! قوله جلّ ذكره: ﴿وَمِتَنْ حَوْلَكُ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنتَفِقُونٌ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةُ مَرَدُواْ عَلَ اَلِنْفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِبُهُم مَّرَّتَكْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ . تشاكل المخلِصُ والمنافِقُ في الصورة فلم يَتَمَيَّزا بالمباني، وإن تناقَيا في الحقائق ٤٤٣ تفسير سورة التوبة والمعاني وتقاصر عِلْمُهم عن العرفان فَهَتَك الله لنبيِّه أستارَهم .. فَعَرَفَهم، وهم بإِشرافه عليهم جاهلون، وعلى الإقامة في أوطان نفاقهم مصروفون، فلم ينفعهم طولُ إمهاله لهم . ﴿مَنُعَذِّبُهُمْ مَّرَّتَيْنِ﴾: الأولى في الدنيا بالفضيحة فيما ينالهم من المحن والفتن والأمراض، ولا يحصل لهم عليها في الآخرة عِوَضٌ ولا أَجْرٌ ولا مَسَرَّةٌ، والثانية عذاب القبر . وقيل المرة الأولى بِقَبْضٍ أرواحهم، والثانية عذاب القبر ثم يوم القيامة يُمْتحنون بالعذاب الأكبر. ويقال المرة الأولى ظنهُم أنهم على شيء، والمرة الثانية بخيبة آمالهم وظهور ما لم يحتسبوه لهم. قوله جلّ ذكره: ﴿وَءَاخَرُونَ أَعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلًا صَلِمًا وَءَاخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمَّ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ . إنْ اتصفوا بعيوبهم فلقد اعترفوا بذنوبهم. والإقرارُ توكيدُ الحقوق فيما بين الخَلْق في مشاهد الحكم، ولكن الإقرار بحق الله - سبحانه - يوجِبُ إسقاط الجُزْم في مقتضى سُنَّةِ. كَرَم الحقُّ - سبحانه، وفي معناه أنشدوا: وسكوتُ الفتى على الضيم عارٌ قيل لي: قد أَسَاءَ فيكَ فلانٌ دِيَةُ الذَّنبِ عندنا الاعتذار قلتُ: قد جاءني فأَحْسَنَ عُذرا ﴿خَطُواْ عَمَلًا صَلِحًا وَءَاخَرَ سَيِئًا﴾: ففي قوله: ﴿وَءَاخَرَ سَيِّئًا﴾ بعد قوله: ﴿صَلِمًا﴾ دليلٌ على أن الزَّلَّةَ لا تحبِطُ ثوابَ الطاعةِ؛ إذ لو أحبطته لم يكن العملُ صالحاً. وكذلك قوله: ﴿عَسَى اللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَتِهِمْ﴾: وعسى تفيد أنه لا يجب على الله شيء فقد يتوب وقد لا يتوب. ولأَنَّ قوله صِدْقٌّ .. فإذا أخبر أَنَّه يجِيبُ فإنه يفعل، فيجب منه لا يجب عليه. ويقال قوله: ﴿خَلَطُواْ عَمَلًا صَلِحًا﴾: يحتمل معناه أنهم يتوبون؛ فالتوبة عملٌ صالح. وقوله: ﴿وَءَاخَرَ سَيًِّا﴾: يحتمل أنه نَقْضُهم التوبة، فتكون الإشارة في قوله: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَتِهِمْ﴾ أنهم إن نقضوا توبتهم وعادوا إلى ما تركوه من زَلَّتهم فواجبٌ مِنَّا أن نتوب عليهم، ولئن بطلت - بنَقْضِهم - توبتُهم .. لَمَا اخْتَلَّتْ - بفضلنا - توبتُنا عليهم . قوله جلّ ذكره: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَّكْبِهِم بِهَا وَصَلّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَوْتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾ . ٤٤٤ تفسير سورة التوبة تطهرهم مِنْ طَلَبِ الأَعواض عليها، وتزكيهم عن ملاحظتهم إياها . تطهرهم بها عن شُحُ نفوسهم، وتزكيهم بها بألا يتكاثروا بأموالهم؛ فَيَرَوا عظيم مِنَّةِ الله عليهم بوجدان التجرَّد منها . ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَوْتَكَ سَكَنٌ لَمُمْ﴾: إنْ تُعاشِرُهم بِهِمَّتِكَ معهم أثْمنُ لهم من استقلالهم بأموالهم. قوله جلّ ذكره: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ النَّوَّبَةَ عَنْ عِبَادِهِ، وَيَأْخُذُ الصَّدَقَتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التََّابُ الرَّحِيمُ﴾. تمَّحَ - سبحانه - بقبول توبة العاصين إذ بها يُظْهِرُ كَرَمَه، كما تمدَّح بجلال عِزّه ونَبَّههم على أَنْ يَعرِفوا به جَلاله وقِدَمَه . وكما تَوحَّدَ باستحقاق كبريائه وعظمته تَفَرَّدَ بقبول توبة العبد عن جُزْمِه وزَلَّتِه . فكما لا شبيه له في جماله وجلاله لا شريكَ له في أفضاله وإقباله؛ يأخذ الصدقاتِ - قَلَّتْ أو كَثُرَتْ، فَقَدْرُ الصَّدَقَةِ وخَطْرُها بِأَخْذِه لها لا بكثرتها وقِلَّتها؛ قَلَّتْ في الصورة صَدَقَتَهُم ولكِنْ لمَّا أَخَذَها وقَبِلها جَلَّتْ بقبوله لها، كما قيل: إليكم تَلَقى طيبَكم فيطيبُ(١) یکون ◌ُجاجاً ۔ دونکم، فإِذا انتھی قوله جلّ ذكره: ﴿وَقُلِ أَعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللهُ عَمَهُ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونٌّ وَسَتُّرَدُّونَ إِلَى عَلِ الْغَيْبِ وَالشََّدَةِ فَيُنَتْشُكُ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ . خوَّفَهم برؤيته - سبحانه - لأعمالهم، فلمَّا عَلِمَ أَنْ فيهم مَنْ تتقاصر حالتُه عن الاحتشام لاطلاع الحقِّ قال: ﴿وَرَسُولِ﴾، ثم قال لِمَنْ نَزَلَتْ رتبتُه: ﴿وَاَلْمُؤْمِنُونَ﴾. وقد خَسِرَ مَنْ لا يمنعَه الحياءُ، ولا يردعه الاحتشامُ، وسَقَطَ من عينِ اللَّهِ مَنْ هَتَكَ جلبابَ الحياءِ، كما قيل : إذا قَلَّ ماءُ الوَجْهِ قَلَّ حياؤه ولا خيرَ في وجهِ إذا قَلَّ ماؤه ومَنْ لم يَمْنَعْه الحياءُ عن تعاطي المكروهاتِ في العاجل سيلقى غِبَّ ذلك، وخسرانُه عن قريبٍ في الآجل. قوله جلّ ذكره: ﴿وَءَاخَّرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمِ النَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. لم يُصَرِّخْ بقْبول توبتهم، ولم يَسِمْهُم باليأسِ من غفرانه، فوقفوا على قَدَم الخجلِ، متميلين بين الرهبة والرغبة، متردّدِين بين الخوف والرجاءَ. أخبر اللَّهُ - : (١) الأُجاج: الشديد الملوحة أو المرارة. ٤٤٥ تفسير سورة التوبة سبحانه - أنَّه إنْ عَذَّبَهم فلا اعتراضَ يتوجْه عليه، وإنْ رَحِمَهم فلا سبيلَ لأحدٍ إليه، قال بعضهم : ومن علمي بتقصيري وعيد ويشبعني من الأمال وعدّ قوله جلّ ذكره: ﴿وَالَّذِينَ أَّخَذُواْ مَسِْدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَغْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلَّ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَاً إِلَّا الْحُسْنَّ وَاَللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ﴾ . مَنْ لم يكن مخلصاً في ولائه لم يأنس القلبُ بكدِّه وعنائه، فَتَوَدُّدُه في الظاهر ينادي عليه بالتوائه، وبقوله بالتكلُّفِ شهادةُ صِدْقٍ على عَدَمِ صفائه : مَنْ لم يكنْ للوصال أهلاً فكلُ إحسانِه ذنوبُ قوله جلّ ذكره: ﴿لَا نَقُمْ فِيهِ أَبَدًّا لَمَسِْدُّ أُمِسَ عَلَ التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيَةٍ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُونَ أَنْ يَتَطَهَرُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُقَلِفِرِينَ﴾. المقام في أماكن العصيان، والتعريج في أوطان أهل الجحود والطغيان - من علامات الممالأة مع أربابها، وسُكَّانِها وقُطَّانِها . والتباعدُ عن مَسَاكِنِهم، وهجرانُ مَنْ جَنَحَ إلى مَسالِكهم عَلَمْ لِمَنْ أشرب قلبه مخالفتهم، وباشرت سِرَّه عداواتُهم . ج ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَنَظَهَّرُواْ﴾: يتطهرون عن المعاصي وهذه سِمَة العابدين، ويتطهرون عن الشهوات والأماني وتلك صفة الزاهدين، ويتطهرون عن محبة المخلوقين، ثم عن شهود أنفسهم بما يتصفون وتلك صفة العارفين. قوله: ﴿وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُعَلِّهِرِينَ﴾: أسرارَهم عن المساكنةِ إلى كل مخلوق، أو ملاحظةِ كل مُخْدَثٍ مسبوق . قوله جلّ ذكره: ﴿أَفَمَنْ أَسَسَ بُلْيَنَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ الَّهِ وَرِضْوَنٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَ بُلْيَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَأَنْهَارَ بِهِ، فِ ثَارِ جَهَتََّّ وَاللَّهُ لَ يَهْدِى الْقَوَّمَ اَلْقَِّينَ﴾ . المريدُ يجب أن يؤسِّسَ بنيانَه على يقينٍ صادقٍ فيما يعتقده، ثم على خلوص في العزيمة ألا ينصرِفَ قبل الوصولِ عن الطريق الذي يسلكه، ثم على انسلاخه عن جميع مُناه وشهواتِه، ومآرِبه ومطالبِهِ، ثم يبني أَمْرَه على دوام ذِكْرِه بحيث لا يعترِضُه نِسيان، ثم على ملازمة حق المسلمين وتقديم مصالحهم ... بالإيثار على نفسه. والذي ضَيَّع الأصولَ في ابتدائه حُرِمَ الوصول في انتهائه، والذي لم يُحكِمُ الأساسَ في بنائِه سَقَطَ السَّقْفُ على جدرانه. ٤٤٦ تفسير سورة التوبة قوله جلّ ذكره: ﴿لَا يَزَالُ بُنْيَشُهُمُ الَّذِى بَنَوْ رِيبَةٌ فِ قُلُوبِهِمْ إِلَّ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمَّ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ . عروقُ النّفاقِ لا تُقْتَلَعُ من عَرَصَاتِ اليقين إلا بِمِنْجَل الثَّحَقُّقِ بصحيح البرهان؛ فَمَنْ أَيْدَ لإدامة المسير، وَوَفْقَ لتأمل البرهان وَصَلَ إِلَى ثَلَجِ الصدر ورَوْحِ العرفان. ومَنْ أقام على مُعْتَادِ التقليد لم يسترِخْ قلبُه من كُدُ التردُّدِ، وظلمةِ التجويز، وَجَوَلانِ الخواطر المشكلة في القلب . قوله جلّ ذكره: ﴿﴿ إِنَّ اللَّهَ أَشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةُ يُقَائِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَبٌّ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَنَةِ وَالْإِيلِ وَالْقُرْءَانِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ، مِنَ اللَّهِّ فَأَسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِى بَايَعْتُم بِ، وَذَلِكَ هُوَ اُلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ﴾. لمّا كان من المؤمنين تسليمُ أنفسهم وأموالهم لحُكْم الله، وكان من الله الجزاءُ والثوابُ؛ أي هناك عِوَضٌ ومُعَوض، فَلِمَا بَين ذلك وبين التجارة من مشابهة أطلق لفظً الاشتراءِ، وقد قال تعالى: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى نِحَزَقِ ... ﴾ [الصف: ١٠]، وقال: ﴿فَمَا رَبِحَت ◌َْرَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦]. وفي الحقيقة لا يصحُّ في وصف الحق - سبحانه - الاشتراء لأنه مَالِكُ سِوَاه، وهو مالِكُ الأعيانِ كلِّها. كما أَنَّ مَنْ لم يستحدِثْ مِلْكاً لا يُقَال إنه - في الحقيقة - باع. وللمقال في هذه الآية مجال ... فيقال: البائعُ لا يستحقُّ الثمنَ إذا امتنع عن تسليم المبيع، فكذلك لا يستحق العبدُ الجزاءَ الموعودَ إلا بعد تسليم النّفسِ والمالِ على موجب أوامر الشرع، فَمَنْ قَعَدَ أو فَرَّطَ فغيرُ مستحقٍ للجزاء. ويقال لا يجوز في الشرع أن يبيع الشخصُ ويشتري شيئاً واحداً فيكونَ بائعاً ومشترياً إلا إذا كان أباً وجَدًّاً! ولكن ذلك هنا بلفظ الشفقة؛ فالحقُّ بإذنه كانت رَحْمَتُه بالعبد أتمَّ، ونظرُه له أبلغَ، وكان للمؤمِن فيه من الغبطة، ما لا يخفى، فصحَّ ذلك وإن كان حُكمه لا يقاس على حكم غيره. ويقال إنما قال: ﴿أَشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِينَ أَنْفُسَهُمْ﴾ ولم يقل ((قلوبهم)) لأنَّ النَّفْسَ محلّ الآفات فجعل الجنة في مقابلتها، وجعل ثَمَنَ القلبِ أَجَلَّ من الجنة، وهو ما يخصُّ به أولياءه في الجنة مِنْ عزيزِ رؤيته . ويقال النّفْسُ محلُّ العيب، والكريم يرغب في شراء ما يزهد فيه غيره. ويقال مَنْ اشترى شيئاً لينتفع به اشترى خيرَ ما يجده، ومن اشترى شيئاً لِيَنْتَفِعَ به غيرهُ يشتري ما رُدَّ على صاحبه لِيَنْفَعَه بثمنه. ٤٤٧ تفسير سورة التوبة وفي بعض الكتب المنزلة على بعض الأنبياء - عليهم السلام -: يا بني آدم، ما خلقتُكم لأربحَ عليكم ولكن خَلَقْتُكم لتربحوا عليّ. ويقال اشترى منهم نفوسهم فرهبوا على قلوبهم شكراً له حيث اشترى نفوسهم، وأمَّا القلبُ فاستأثره قهراً، والقهر في سُنَّةِ الأحبابِ أعزُّ من الفضل، وفي معناه أنشدوا: عَدَلَ المحبوبُ يوماً لَسَمُجِ(١) بُنِيَ الحبُّ على القَهْرِ فلو عاشِقٌ يَطْلُبُ تأليفَ الحُجَجِ لیس یُسْتَخسنُ في حکم الھوی وكان الشيخ أبو علي الدقاق(٢) رحمه الله يقول: ((لم يقل اشترى قلوبَهم لأن القلوبَ وَقْفٌ على محبته، والوقفُ لا يُشترى». ويقال الطيرُ في الهواء، والسَّمَكُ في الماءِ لا يصحُّ شراؤهما لأنه غير ممكن تسليمهما، كذلك القلبُ .. صاحبُه لا يمكنه تسليمه، قال تعالى: ﴿وَأَعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤]. وفي التوراة: ((الجنَّةُ جنتي والمالُ مالي فاشتروا جنتي بمالي فإنْ ربحتم فلكم وإِنْ خَسِرْتُمْ فعليَّ)» . ويقال عَلِمَ سوءَ خُلقِك فاشتراك قبل أَنْ أوجدك، وغَالِي بثمنك لئلا يكونَ لَكَ حقُّ الاعتراض عند بلوغك. ويقال ليس للمؤمن أن يتعصَّبَ لنفسه بحالٍ لأنها ليست له، والذي اشتراها أَوْلى بها من صاحبها الذي هو أجنبيٍّ عنها . ويقال أخبر أنه اشتراها لئلا يَدَّعِيَ العبدُ فيها؛ فلا يساكنها ولا يلاحظها ولا یُعجبُ بها . قوله: ﴿فَيَغْخُلُونَ وَيُقْتَلُونٌ﴾ سيّان عندهم أن يَقْتُلُوا أو يُقْتَلُوا، قال قائلهم: وإنَّ دَمَاً أجريتَه لك شاكرُ وإِنَّ فؤاداً خِزْتَه لكَ حامدُ ويقال قال: ﴿فَأَسْتَبْشِرُواْ بِبَيْحِكُمُ﴾ ولم يقل بثمن مبيعكم لأنه لم يكن مِنَّا بَيْعْ، وإنما أخبر عن نفسه بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ أُشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فجعل بَيْعَه بَيْعَنا، وهذا مثلما قال في صفة نبيه - بَّه -: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَّ﴾ [الأنفال: ١٧] وهذا عين الجَمْع الذي أشار إليه القوم. (١) سمج الشيء: قبح. (٢) هو أبو علي الحسن بن علي النيسابوري المعروف بالدقاق (الرسالة القشيرية ص٩) وهو أستاذ القشيري . ٤٤٨ تفسير سورة التوبة قوله جلّ ذكره: ﴿التَِّبُونَ الْعَبِدُونَ﴾ . مَدَحَهُم بعد ما أوقع عليهم سِمَةَ الاشتراء بقوله ﴿ التَِّبُونَ الْعَبِدُونَ ... ﴾ ومَنْ رَضِيَ بما اشتراه فإنَّ له حقَّ الردْ إذا لم يَعْلَمْ العيبَ وقتَّ الشِّراء، فَأَمَّا إذا كان عالماً به فليس له حقُّ الردْ؛ قال تعالى: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَلَمِينَ﴾ [الدخان: ٣٢]. ويقال مَنْ اشترى شيئاً فَوَجَدَ به عيْباً ردّه على مَنْ منه اشتراه ولكنه - سبحانه - اشترى نفوسَنا منه، فإذا أراد الردَّ فلا يردُّ إلا على نَفْسِه؛ قال تعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّوَاْ إِلَى اللَّهِ مَوْلَئُهُمُ الْحَقِّ﴾ وكما أنَّ الردَّ إليه فلو ردَّنا كان الردُّ عليه. قوله تعالى: ﴿اَلَِّيُونَ﴾ أي الراجعون إلى الله، فَمِنْ راجع يرجع عن زلَّتِهِ إلى طاعته، ومِنْ راجع، يرجع عن متابعة هواء إلى موافقة رضاه، وَمِنْ راجع يرجع عن شهود نفسه إلى شّهود لطفه، ومِنْ راجع يرجع عن الإحساس بنفسه وأبناءٌ جِنْسِه إلى الاستغراق في حقائق حقّه. ويقال تَائِبٌ يرجع عن أفعاله إلى تبديل أحواله؛ فيجد غداً فنونَ أفضاله، وصنوفَ لطفه ونواله، وتائبٌ يرجع عن كل غيرٍ وضدٍ إلى ربِّه بربه لربّه بِمَحوِ كلٌ أَرَبٍ، وعَدَمِ الإحسان بكلِّ طلب. وتائب يرجع لحظّ نَفْسِه من جزيل ثوابه أو حَذَراً - على نفسه - من أليم عذابه، وتائب يرجع لأمره برجوعه وإيابه، وتائب يرجع طلباً لفرح نفسه حين ينجوٍ مِنْ أو ضاره(١)، ويخلص من شؤم أوزاره، وتائب يرجع لَمَّا سمع أنه قال: إنَّ اللَّهَ أَفْرَحُ بتوبةِ عَبْدِه من الأعرابي الذي وَجَدَ ضَالَّتَه - كما في الخبر، ((وشتّان ما هما))! وأنشدوا: أيا قادماً من سَفْرَةِ الهَجْر مَرْحَبَا أُنَادِيكَ لا أنساكَ ما هبَّتْ الصَّبَا وأمَّا قوله ﴿ الْمَئِدُونَ﴾: فهم الخاضعون بكلِّ وجه، الذين لا تَسْتَرِقُهم كرائمُ الدنيا، ولا تستعبدهم عظائمُ العُقْبَى. ولا يكون العبدُ عبداً لله - على الحقيقة - إلا بعد تجرُّدِه عن كل شيءٍ حادثٍ. وكلُّ أحدٍ فهو له عَبْدٌ من حيث الخِلْقة؛ قال تعالى: ﴿إِن كُلُ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ إِلَّ ءَاتِ الرَّهَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣]. ولكنَّ صاحبَ العبودية خاصّ. قوله جلّ ذكره: ﴿اَلْمَِّدُونَ﴾ . هم الشاكرون له على وجود أفضاله، المُثْنُون عليه عند شهود جلاله وجماله. (١) الأوضار: (ج) الوضر: الوسخ من الدسم أو غيره. ٤٤٩ تفسير سورة التوبة ويقال: الحامدون بلا اعتراضٍ على ما يحصل بقدرته، وبلا انقباضٍ عما يجب من طاعته . ويقال الحامدون له على منعه وبلائه كما يحمدونه على نفعه وعطائه. ويقال الحامدون إذا اشتكى مَنْ لا فُتُوَّةً(١) له المادحون إذا بكى مَنْ لا مروءةً له. ويقال الشاكرون له إن أدناهم، الحامدون له إن أقصاهم. قوله جلّ ذكره: ﴿اُلسَِّعُونَ﴾ . الصائمون ولكن عن شهود غير الله، الممتنعون عن خدمة غير الله، المكتفون من الله بالله . ويقال السائحون الذين يسيحون في الأرض على جهة الاعتبار طلباً للاستبصار، ويسيحون بقلوبهم في مشارق الأرض ومغاربها بالتفكّر في جوانبها ومناكبها، والاستدلال بتغيُّرها على مُنْشِئِها، والتحقق بحكمةِ خالِقها بما يَرَوْنَ من الآيات فيها، ويسيحون بأسرارهم في الملكوتِ فيجدون رَوْحَ الوصال، ويعيشون بنسيم الإنْسِ بالتحقق بشهود الحق . قوله جلّ ذكره: ﴿الزَّكِعُونَ﴾. الخاضعون الله في جميع الأحوال بخمودهم تحت سلطان التجلّي، وفي الخبر. ((إن الله ما تجلّى لشيءٍ إلا خَشَع له))(٢). وكما يكون - في الظاهر - راكعاً يكون في الباطن خاشعاً، ففي الظاهر بإحسان الحقّ إليه يُخْسنِ تولِّيه، وفي الباطن كالعيان للعيان للحقّ بأنوار تجلِيه. قوله جلّ ذكره: ﴿السَّجِدُونَ﴾ . في الظاهر بنفوسهم على بساط العبودية، وفي الباطن بقلوبهم عند شهود الربوبية. والسجود على أقسام: سجود عند صحة القصود فيسجد بنعت التذلل على بساط الافتقار، ولا يرفع رأسه عن السجود إلا عند تباشير الوصال. وسجودٌ عند الشهود إذا تجلّى الحقُّ لقلبه سَجَدَ بقلبه، فلم ينظر بعده إلى غيره، وسجودٌ في حال الوجود وذلك بخموده عن كليته، وفنائه عن الإحساس بجميع أوصافه وجملته. (١) قال القشيري في رسالته عند حديثه عن الفتوة: سأل شقيق البلخي جعفر بن محمد عن الفتوة فقال: ما تقول أنت؟ فقال شقيق: إن أعطينا شكرنا، وإن منعنا صبرنا، فقال جعفر بن محمد: الكلاب عندنا بالمدينة تفعل كذلك، فقال شقيق: يا ابن بنت رسول الله: ما الفتوة عندكم؟ فقال: إن أُعطينا آثرنا، وإن مُنعنا شكرنا. (الرسالة القشيرية ص ٢٣٠). (٢) أخرجه النسائي (كسوف ١٦)، وابن ماجه (إقامة ١٥٢). ٤٥٠ تفسير سورة التوبة قوله جلّ ذكره: ﴿اَلَّمِرُونَ بِلْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَفِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهُ وَبَشْرِ الْمُّؤْمِينَ﴾ . هم الذين يَدْعُون الخَلْقَ إلى الله، ويُحذرونهم عن غير الله. يتواصَوْن بالإقبال على الله وتَرْكِ الاشتغال بغير الله. يأمرون أنفسَهم بالتزام الطاعات بِحَمْلِهم إياها على سَنّن الاستقامة، ويَنْهَوْن أنفسَهم عن اتِّباع المنى والشهوات بِتَرْكِ التعريج في أوطان الغفلة، وما تعودوه من المساكنة والاستنامة . والحافظون لحدود الله، هم الواقفون حيث وقفهم الله، الذين لا يتحركون إلا إذا حَرَّكَهم ولا يَسْكنُون إلا إذا سكنهم، ويحفظون مع الله أَنْفَاسَهُمُ. قوله جلّ ذكره: ﴿مَا كَانَ لِلنَِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِ قُرْكَ مِنْ بَعْدٍ مَا تَبَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَبُ الْجَحِيمِ﴾. أصلُ الدين التَبّرِّي من الأعداء، والتولّي للأولياء، والوليُّ لا قريبٌ له ولا حميم، ولا نسيبَ له ولا صَديق: إنْ وَالَى فيأمر، وإِنْ عادى فَلِزَجْر. قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَا كَانَ أَسْتِغْفَارُ إِبْزَهِيمَ لِأَيِيهِ إِلَّا عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَبَيِّنَ لَهُ: أَثَهُ عَدُوٌّ لِلِّ تَبَرَأْ مِنْهُ إِنَّ إِنْزَهِيمَ لَأَنَّهُ حَلِيمٌ﴾ . لما أَمَرَ المسلمين بالتبرِّي عن المشركين والإعراض عنهم والانقباض عن الاستغفار لهم بَيِّنَ أَنَّ هذا سبيلُ الأولياء، وطريقُ الأنبياء عليهم السلام، وأَنَّ إبراهيم - عليه السلام - وإنْ استغفر لأبيه فإِنما كان مِنْ قَبْل تَحَقُّقِهِ بأنه لا يُؤْمِنُ، فلمَّا عَلِمَ أنه عدوّ لله أَظْهَرَ البراءةَ منه. قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَنهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. إنَّ الله لا يحكم بضلالكم وذهابكم عن طريق الحقِّ باستغفاركم للمشركين إلا بعد ما تبيَّن لكم أنكم مَنْهِيُّون عنه، فإذا علمتم أنكم نُهِيتُمْ عن استغفارَكم لهم فإنْ أَقْدَمْتُمْ على ذلك فحينئذ ضللتم عن الحقِّ بفعلكم بعد ما نُهيتم عنه ... هذا بيان التفسير للآية، والإشارة فيها أنه لاَ سَلْبَ لعطائه إلا بِتَرْكِ أدب منكم. ويقال مَنْ أَحَلَّه بِسَاطَ الوصلة ما مُنِيَ بعده بعذاب الفرقة، إلا لِمَنْ سَلَفَ منه تَرْكُ حُزْمة. قوله جل ذكره: ﴿إِنَّ الَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ يْهِ وَيُمِيتُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَإٍِ وَلَا نَصِيرٍ﴾. ٤٥١ تفسير سورة التوبة الحقُّ لا يَتَجمَّلُ بوجود مملوكاته، ولا يلحق نَقْصٌ بِعَدَم مخلوقاته، فَقَبْلَ أَنْ أوجد شيئاً من الحادثات كان مَلِكاً - والمَلِكُ أكثر مبالغةً من المالك - ومُلْكُه قدرتُه على الإبداع؛ والمعدوم مقدوره ومملوكه، فإذا أَوْجَدَه فهو في حال حدوثه مقدوره ومملوكه، فإذا أعدمه خرج عن الوجود ولم يخرج عن كونه مقدوراً له. ﴿يُِّ، وَيُمِيتْ﴾ يحيي مَن يشاء بعرفانه وتوحيده، ويميت من يشاء بكفرانه وجوده . ويقال يُحيي قلوبَ العارفين بأنوار المواصلات، ويُميتُ نفوسَ العابدين بآثار المنازلات . ويقال يُحيي مَنْ أقبل عليه بِتَفَضُّله، ويميت من أعرض عنه بِتكبِّرِه. قوله جلّ ذكره: ﴿لَقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَجِنَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ أَثَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمَّ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾. قَبِلَ توبتهم، وتاب على نبيّه ــ م18َّ - في إذنه للمنافقين في التخلف عنه في غزوة تبوك، وأمَّا على المهاجرين والأنصار الذين قد خرجوا معه حين هَمُّوا بالانصراف لِمَا أَصَابَهم من العُسْرة من الجوع والعطش والإعياء في غزوة تبوك، كما قال: ﴿مِنْ بَعْدٍ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِقٍ مِّنْهُمْ﴾: وتوبته عليهم أنه تدارَكَ قلوبَهم حتى لم تزغ، وكذا سُنَّةَ الحقِّ - سبحانه - مع أوليائه إذا أشرِفوا على العَطّبِ، وقاربوا من التّلفِ، واستمكن اليأسُ في قلوبهم من النصر، ووَطِّنوا أنفسهم على أنْ يذوقوا البأسَ - يُمْطِرُ عليهم سحائبَ الجود، فيعود عودُ الحياةِ بعد يَبْسِه طريّاً، ويُرَدُّ وَرْدُ الأنْس عقب ذبوله غضاً جَنِيّاً، وتصير أحوالهم كما قال بعضهم: وقُرَّب النَّغْشُ من اللَّحدِ كُنَّا كَمَنْ أُلْبِسَ أكفانَه وردّه الوصل إلى الوزد فجال ماءُ الرُّوحِ في وَخْشَةٍ ما ( .. )(١) هو بالسرمد تبارك الله سبحانه قوله جلّ ذكره: ﴿وَعَلَى الَّلَثَةِ الَّذِينَ خُلِفُواْ حََّ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظُنُّواْ أَنْ لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الثََّّبُ الرَّحِيمُ﴾ . لمَّا صَدَقَ منهم اللجاء تداركهم بالشّفاء وأسقط عنهم البلاء، وكذلك الحقُّ يكَوِّرُ (١) بياض في الأصل. ٤٥٢ تفسير سورة التوبة نهار اليُسْرِ على ليالي الْعُسْر، ويُطِلعُ شموسَ المحنة على نحوس الفتنة، ويُدِير فلكَ السعادة فيمحق تأثير طوارق النكاية؛ سُنَّةً منه - تعالى - لا يُبَدِّلها، وعادةً منه في الكَرَمِ يُجرِیھا ولا يحوِّلها. قوله جلّ ذكره: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُوا اللَّهَ وَّكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ . يا أيها الذين آمنوا برُسُلِ الله، يا أيها الذين آمنوا من أهل الكتاب ... كونوا مع الصادقين المسلمين، يا أيها الذين آمَنُوا في الحال كونوا في آخر أحوالكم مع الصادقين؛ أي استديموا الإيمان. استديموا في الدنيا الصدقَ تكونوا غداً مع الصادقين في الجنة . ويقال الصادقون هم السابقون الأولون وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضيَّ الله عنهم وغيرهم. ويقال الصدق نهاية الأحوال، وهو استواءُ السُرِّ والعلانية، وذلك عزيز. وفي الزَّبو: ((كذب مَنْ ادَّعَى محبتي وإذا جَنَّة الليلُ نام عنّي)) . والصدقُ - كما يكون في الأقوال يكون في الأحوال، وهو أَتَّمُّ أقسامِهِ . قوله جلّ ذكره: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم ◌ِّنَ اْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّقُواْ عَنْ رَّسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُواْ بِأَنْفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ خَلَمَأْ وَلَا نَصَبُ وَلَا يَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَفُونَ مَوِْنًا يَغِبُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍ بَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم ◌ِ﴿ عَمَلُ صَلِحُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُّحْسِنِينَ وَلَا يُفِقُونَ نَفَقَةُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَّعُونَ وَادِيًّا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ . لا يجوز لهم أن يؤثِروا على النبيَّ - وَ﴿ ـ شيئاً من نَفْسٍ وروح، ومالٍ ووَلَّدٍ وأهلٍ، وليسوا يخسرون على الله وأنَّى ذلك .. ؟ وإنهم لا يرفعون لأَجْلِه خطوةً إلَّا قابَلَهُم بأَلفِ خطوة، ولا ينقلون إليه قَدَماً إلا لقّاهم لطفاً وكرماً، ولا يُقاسُون فيه عَطَشاً إلا سقاهم من شراب محابِّه كاسا، ولا يتحملون لأجله مشقةً إلا لقّاهم لطفاً وإيناساً، ولا ينالون من الأعداء أَذَّىَ إلا شَكَرَ اللَّهُ سَعْيَهَم بما يوجب لهم سعادة الدارين ! . قوله جلّ ذكره: ﴿﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنِفِرُواْ كَفَّةٌ فَوَّلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَآيَفَةٌ لِيَنَفَقَّهُواْ فِيِ الذِينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوْاْ إِلَتِهِمْ لَعَلَّهُمْ بَحْذَرُونَ﴾ . لو اشتغل الكُلُ بالتَّفَقُّه في الدِّينِ لَتَعَطَّلَ عليهم المعاش، ولبقي الكافة عن درك ذلك المطلوب، فجعل ذلك فرضا على الكفاية . ويقال جعل المسلمين على مراتب: فعوامُهم كالرعية للمَلِك، وكَتَبَةُ الحديثِ ; ٤٥٣ تفسير سورة التوبة كخُزَّانِ المَلِك، وأهلُ القرآن كحُفَّاظ الدفاتر ونفائس الأموال، والفقهاء بمنزلة الوكلاء للمَلِك إذ الفقيه ( ... )(١) عن الله، وعلماءُ الأصول كالقُوَّادِ وأمراء الجيوش، والأولياءُ كأَركان الباب، وأربابُ القلوبِ وأصحابُ الصفاء كخواص المَلِكِ وجُلَسائه . فيشتغل قومٌ بحفظ أركان الشرع وآخرون بإمضاء الأحكام، وآخرون بالرد على المخالفين، وآخرون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقوم مُفْرَدُون بحضور القلب وهم أصحاب الشهود، وليس لهم شُغْلٌ، يراعون مع الله أنفاسَهم وهم أصحاب الفراغ، لا يستفزُّهم طَلَبٌ ولا يهزُّهم أَرَبٌ، فَهُمْ بالله لله، وهم محو عما سوى الله(٢). وأمَّا الذين يتفقهون في الدِّين فهم الداعون إلى الله، وإنما يُفْهُمُ الخلْقَ عن الله مَنْ كان يَفْهَمُ عن الله . قوله جلّ ذكره: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَئِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلَةُ وَأَعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُنَّقِينَ﴾. أقربُ الأعداء إلى المسلم من الكفار، الذي يجب عليه منازعته هو أعدى عدوّه أي نَفْسُه. فيجب أن يبدأ بمقاتلة نَفْسِه ثم بمجاهدة الكفار، قال عليه السلام: ((رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر)»(٣). قوله: ﴿وَلِيَجِدُواْ فِيَكُمْ غِلْظَةٌ﴾ من حابى عدوه قهره، وكذلك المريد الذي ينزل عن مطالباتِ الحقيقة إلى ما يتطلبه من التأويلات فيفسخ عَهْدَه، وينقض عَقْدَه، وذلك كالرُّدَّةِ لأهل الظاهر . قوله جل ذكره: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ: إِيمَنَّ فَأَمَّا الَّذِينَ ءَمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَنًّا وَهْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾. جَعَلَ الله(٤) - سبحانه - إنزالَ القرآن لقوم شِفَاءً. ولقوم شَقَاءً؛ فإِذا أُنْزِلَتْ سورةٌ جديدةٌ زاد شكّهم وتحيُّرهم، فاستعلم بعضُهمّحَالَ بعضٍ، ثّم لم يزدادوا إلا تحسُّراً؛ قال تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمَّىْ﴾ [فصلت: ٤٤] وأمَّا المؤمنون فزادتهم السورةُ إيماناً (١) بياض في الأصل. (٢) انظر الرسالة القشيرية ص٢٧٩ - ٢٨٣ عند حديث القشيري عن التصوف. (٣) أخرجه الزبيدي في (إتحاف السادة المتقين ٣٧٩/٦، ٢١٨/٧)، والعراقي في (المغني عن حمل الأسفار ٧/٣)، والعجلوني في (كشف الخفاء ٥١١/١)، وعلي القاري في (الأسرار المرفوعة ٢٠٦)، والفتني في (تذكرة الموضوعات ١٩١)، والسيوطي الحلبي في (الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة ٨٩). (٤) الآية (١٢٥) لم ترد. ٤٥٤ تفسير سورة التوبة فارتقوا مِنْ حدٌ تأمل البرهان إلى روح البيان، ثم مِنْ روح البيان إلى العيان، فالتجويز والتردد و ( .... )(١) والتحيُّر مُنْتَفَى بأجمعه عن قلوبهم، وشموسُ العرفانِ طالعةٌ على أسرارهم، وأنوار التحقيق مالكة أسرارهم، فلا لَهُم تعبُ الطلب، ولا لهم حاجة إلى التدبير، ولا عليهم سلطان الفكر. وأَشِعةُ شموس العرفان مستغرقة الأنوار نجوم العلم، يقول قائلهم: بإِشْفارِه أنوارَ ضوءِ الكواكب ولما استبانَ الصبحُ أدرك ضوءُه قوله جلّ ذكره: ﴿أَوْلَا يَرَوّنَ أَنَّهُمْ يُقْتَنُونَ فِى كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ أُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ . لم يُخْلِ الحقُّ - سبحانه - أربابَ التكليف من دلائل التعريفِ، التعريفُ لهم في كل وقت بنوع من البيان، والتكليفُ في كل أوان بضرب من الامتحان؛ فما لم يزد لهم في إيضاح البرهان لم يتجدد لهم من الله إلا زيادة الخذلان والحجبة عن البيان. وأمَّا أصحاب الحقائق فما للأغيار في كل عام مرة أو مرتين فلهم في كل نَفَسٍ مرة، لا يخليهم الحقُّ - سبحانه - من زواجِرَ توجِبُ بصائر، وخواطر تتضمن تكليفاتٍ وَأَوَامِرَ قال قائلهم: إذا رُمْتُ تسهيلاً عليَّ تَصَعّبًا كأنَّ رقيباً منك حَلَّ بمهجتي قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَنِكُم مِّنْ أَحَدٍ ثُمَّ أَنْصَرَفُواْ صَرَفَ اَللَّهُ قُلُوبَهُم ◌ِأَنَهُمْ قَرَّمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ . تَقَتَّعوا بِخمارِ التلبيس ظانِّين أنهم يبقون في سِرِّ بتكلفهم، والحقُّ أَبى إلا أن فَضَحَهم، وكما وَسَمَّهم برقم النَّكَرَة أَطْلَعَ أسرارَ الموحّدِين على أحوالهم فعرفوهم على ما هم عليه من أوصافهم. قوله جلّ ذكره: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُوكُ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ حَرِيصٌ عَيْكُمْ بِلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِرٌ﴾ . جاءكم رسولٌ يشاكِلُكم في البشرية، فَلِمَا أفردناه به من الخصوصية ألبسناه لباسَ الرحمة عليكم، وأقمناه بشواهد العطف والشفقة على جملتكم، قد وَكَّلَ هِمَمّه بشأنكم، وأكبرُ هَمِّه إيمانُكم. قوله جلّ ذكره: ﴿فَإِن تَوَلَوْ فَقُلْ حَسْوَ اللهُ لَآ إِلَهَ إِلَّ هُوَّ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتٌ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾. (١) بياض في الأصل. ٤٥٥ تفسير سورة التوبة أَمَرِه أَنْ يَدْعُوَ الخَلْقَ إلى التوحيد، ثم قال: فإنْ أعرضوا عن الإجابة فكُنْ بنا بنعت التجريد. ويقال قال له: يأيها النبي حسبُك الله، ثم أمره بأن يقول حسبي الله ... وهذا عين الجمع، وقوله ﴿فَقُلْ حَسٍْ اَللَّهُ﴾ فَرْق ... بل هو جمع الجمع أي: قُلْ، ولكنك بنا تقول، ونحن المتولي عنك وأنت مُسْتَهْلَكٌ في عين التوحيد؛ فأنت بنا، ومَحْوٌ عن غيرنا. تم الجزء الأول، ويليه الجزء الثاني وأوله: سورة يونس عليه السلام فهرس المحتويات ٣ ٣١ تفسير الآية: ٢٧ تفسير الآية: ٢٨ ٣٣ تفسير الآيتين: ٢٩ و٣٠ تفسير الآية: ٣١ ٣٥ ٣٦ ٨ تفسير الآيتين: ٣٢ و٣٣ تفسير الآية: ١ ٩ تفسير الآية: ٢ ٣٧ تفسير الآيتين: ٣٤ ، ٣٥ تفسير الآية: ٣ ١١ تفسير الآيتين : ٤ و٥ ١٢ تفسير الآية: ٦ ١٣ ١٤ تفسير الآية : ٧ ٤٣ تفسير الآية : ٤٥ ٤٤ تفسير الآيات: ٤٦ _ ٤٨ سورة البقرة ١٦ تفسير الآية: ١ ١٧ تفسير الآية : ٢ ٤٦ تفسير الآيتين: ٥٢ , ٥٣ تفسير الآية : ٣ ١٨ ٢٠ تفسير الآية : ٤ ٤٩ تفسير الآية: ٦١ ٢١ تفسير الآيتين: ٥ و٦ ٥٠ تفسير الآيات: ٦٢ - ٦٥ ٢٢ تفسير الآيتين : ٧ و ٨ ٥١ تفسير الآيات: ٦٦ - ٧١ ٢٣ تفسير الآيتين: ٩ و١٠ ٥٢ تفسير الآيات: ٧٢ - ٧٤ ٥٣ تفسير الآيات: ٧٥ - ٧٩ ٢٦ تفسير الآيتين: ١٦ و١٧ ٥٤ تفسير الآيات: ٨٠ - ٨٢ تفسير الآيتين: ٨٥ ٨٦٬ ٥٥ ٢٨ تفسير الآيتين: ٢١ و ٢٢ تفسير الآيات: ٢٣ - ٢٥ ٢٩ تفسير الآيات: ٩٢ - ٩٦ ٥٧ تفسير الآيات: ٩٧ - ١٠١ ٣٠ تفسير الآية: ٢٦ ٥٨ ٤٥٧ . ترجمة المؤلف ٠٣٢ مقدمة المؤلف ٥ سورة الفاتحة ٣٩ تفسير الآيتين: ٣٦ و٣٧ ٤٠ تفسير الآيات: ٣٨ - ٤٠ ٤٢ تفسير الآيات: ٤١ - ٤٤ ٤٧ تفسیر الآیتین : ٥٤ , ٥٥ تفسير الآيات: ٥٦ - ٦٠ ٤٨ ٢٤ تفسير الآيات: ١١ - ١٣ ٢٥ تفسير الآيتين: ١٤ و ١٥ تفسير الآيات : ٤٩ - ٥١ ٤٥ ٢٧ تفسير الآيات: ١٨ - ٢٠ ٥٦ تفسير الآيات: ٨٧ - ٩١ ٤٥٨ فهرس المحتويات تفسير الآية: ١٠٢ ٥٩ تفسير الآية : ١٨٧ ٩٠ ٦٠ تفسير الآيات: ١٠٣ - ١٠٦ ٩١ تفسير الآيتين: ١٨٨ و١٨٩ ٦١ تفسير الآيات: ١٠٧ - ١١٠ ٩٢ تفسير الآيتين: ١٩٠ و١٩١ ٩٣ تفسير الآيات: ١٩٢ - ١٩٤ ٦٢ تفسير الآيات: ١١١ - ١١٤ ٩٤ تفسير الآيتين: ١٩٥ و١٩٦ ٦٣ تفسير الآيتين: ١١٥ و١١٦ تفسير الآية : ١٩٧ ٦٤ تفسير الآيات: ١١٧ - ١٢٠ ٩٦ ٦٥ تفسير الآيات: ١٢١ - ١٢٣ ٩٧ تفسير الآيات: ١٩٨ - ٢٠٠ ٦٦ تفسير الآيتين: ١٢٤ و ١٢٥ ٩٨ تفسير الآية: ٢٠١ ٦٨ تفسير الآية : ١٢٦ ٩٩ تفسير الآيات : ٢٠٢ - ٢٠٥ ١٠٠ تفسير الآيات: ٢٠٦ - ٢٠٨ ٦٩ تفسير الآيات: ١٢٧ - ١٢٩ ٧٠ تفسير الآيتين: ١٣٠ و ١٣١ ...... ١٠١ تفسير الآيات: ٢٠٩ - ٢١٢ ٧١ تفسير الآيات: ١٣٢ - ١٣٥ ٧٢ تفسير الآيات : ١٣٦ - ١٣٨ ٧٣ تفسير الآيات: ١٣٧ _ ١٤٢ ٧٤ تفسير الآية: ١٤٣ ٧٥ تفسير الآيات: ١٤٤ _ ١٤٦ ١٠٢ تفسير الآيات : ٢١٣ - ٢١٥ ١٠٣ ... تفسير الآيات: ٢١٦ - ٢١٨ ١٠٤ تفسير الآيات : ٢١٩ - ٢٢١ ١٠٥ تفسير الآيتين: ٢٢٢ و ٢٢٣ ١٠٦ تفسير الآيات: ٢٢٤ - ٢٢٨ ١٠٧ تفسير الآية: ٢٢٩ ١٠٨ تفسير الآيتين: ٢٣٠ و ٢٣١ ١٠٩ تفسير الآيتين: ٢٣٢ و ٢٣٣ ٧٨ تفسير الآیتین: ١٥٣ و١٥٤ ٧٩ تفسير الآيات: ١٥٥ - ١٥٧ ١١٠ تفسير الآيات: ٢٣٤ - ٢٣٦ ٨٠ تفسير الآيات: ١٥٨ - ١٦٠ ١١١ تفسير الآيات: ٢٣٧ - ٢٤٠ ٨١ تفسير الآيات: ١٦١ - ١٦٤ ١١٢ تفسیر الآيات: ٢٤١ - ٢٤٥ تفسير الآية : ٢٤٦ ١١٣ ١١٤ تفسير الآيتين: ٢٤٧ و ٢٤٨ ٨٣ تفسير الآيات: ١٦٧ - ١٧٠ ٨٤ تفسير الآيات: ١٧١ - ١٧٦ تفسير الآيتين: ١٧٧ و١٧٨ ٨٥ ٨٦ تفسير الآيات: ١٧٩ - ١٨٢ ١١٧ تفسير الآيتين: ٢٥٤ و ٢٥٥ ١١٨ تفسير الآية : ٢٥٦ ٨٧ تفسير الآيتين: ١٨٣ و١٨٤ ١١٩ تفسير الآية : ٢٥٧ ٨٨ تفسير الآية: ١٨٥ تفسير الآيات: ٢٥٨ - ٢٦٠ ٨٩ تفسير الآية: ١٨٦ ١٢٠ ٧٦ تفسير الآيات : ١٤٧ - ١٥١ تفسير الآية: ١٥٢ ٧٧ تفسير الآيتين: ١٦٥ و١٦٦ ٨٢ ١١٥ تفسير الآيتين: ٢٤٩ و٢٥٠ ١١٦ تفسير الآيات: ٢٥١ - ٢٥٣ فهرس المحتويات تفسير الآية : ٧٩ ١٢٢ تفسير الآيات: ٢٦١ - ٢٦٣ ١٥٦ تفسير الآيات: ٨٠ - ٨٣ ١٢٣ تفسير الآيات: ٢٦٤ - ٢٦٧ ١٥٧ تفسير الآيات: ٨٤ - ٨٧ ١٢٤ تفسير الآيتين: ٢٦٨ و ٢٦٩ ١٥٨ تفسير الآيات: ٨٨ - ٩٢ ١٢٥ تفسير الآيات: ٢٧٠ - ٢٧٣ ١٢٦ تفسير الآيتين: ٢٧٤ و ٢٧٥ ١٢٧ تفسير الآيات: ٢٧٦ - ٢٨٠ ١٢٨ تفسير الآيتين: ٢٨١ و ٢٨٢ ١٢٩ تفسير الآيات: ٢٨٣ - ٢٨٦ ١٥٩ تفسير الآيات: ٩٣ - ٩٧ ١٦٣ تفسير الآيات: ٩٨ - ١٠٠ ١٦٤ تفسير الآيات: ١٠١ - ١٠٣ ١٦٥ تفسير الآيتين: ١٠٤ و ١٠٥ ١٦٦ تفسير الآيات: ١٠٦ - ١١٠ ١٦٧ تفسير الآيات: ١١١ - ١١٥ تفسير الآيات: ١١٦ - ١٢٠ ١٦٨ ١٦٩ تفسير الآيات: ١٢١ - ١٢٦ ١٧٠ تفسير الآيات: ١٢٧ - ١٣٢ ١٧١ تفسير الآيتين: ١٣٣ و ١٣٤ ١٧٢ تفسير الآيتين: ١٣٥ و١٣٦ ١٧٣ تفسير الآيات: ١٣٧ - ١٤٣ تفسير الآيات: ١٤٤ - ١٤٦ ١٧٤ ١٧٥ تفسير الآيات: ١٤٧ - ١٥٠ تفسير الآيتين: ١٥١ و١٥٢ ١٧٦ تفسير الآيتين : ١٥٣ و١٥٤ ١٧٧ تفسير الآيتين : ١٥٥ و١٥٦ ١٧٨ ١٧٩ تفسير الآيتين: ١٥٨ و١٥٩ ١٤٧ تفسير الآيات: ٤٠ - ٤٢ تفسير الآيات: ٤٣ - ٤٦ ١٤٨ ١٨٠ تفسير الآية: ١٦٠ ١٨١ تفسير الآيات: ١٦١ - ١٦٣ ١٨٢ تفسير الآيات: ١٦٤ - ١٦٧ ١٨٣ تفسير الآيات: ١٦٨ - ١٧١ ١٤٩ تفسير الآيات : ٤٧ - ٥٣ ١٥٠ تفسير الآيات: ٥٤ - ٦٠ ١٨٤ تفسير الآيات: ١٧٢ _ ١٧٥ ١٥١ تفسير الآيات: ٦١ - ٦٤ ١٨٥ تفسير الآيات: ١٧٣ - ١٧٩ ١٥٢ تفسير الآيات : ٦٥ - ٦٩ . ١٨٦ ... تفسير الآيات: ١٨٠ - ١٨٢ ١٥٣ تفسير الآيات: ٧٠ - ٧٤ . ١٨٧ ... تفسير الآيات: ١٨٣ - ١٨٧ ١٥٤ تفسير الآيات : ٧٥ - ٧٨ سورة آل عمران تفسير الآية: ١ ١٣١ تفسير الآيات : ٢ _ ٦ ١٣٢ ١٣٣ تفسير الآيات: ٧ - ٩ ١٣٤ تفسير الآيات: ١٠ - ١٤ ١٣٥ تفسير الآيات: ١٥ - ١٧ ١٣٦ تفسير الآية: ١٨ ١٣٨ تفسير الآيات: ١٩ - ٢٢ ١٣٩ تفسير الآيات: ٢٣ - ٢٦ ١٤٠ تفسير الآية : ٢٧ ١٤١ تفسير الآية : ٢٨ ١٤٢ تفسير الآيات : ٢٩ - ٣١ ١٤٤ تفسير الآيات: ٣٢ - ٣٧ ١٤٦ تفسير الآيتين: ٣٨ و٣٩ ٤٥٩ ١٥٥ ٤٦٠ فهرس المحتويات ١٨٨ .. تفسير الآيات: ١٨٨ - ١٩١ ١٩٠ تفسير الآيات: ١٩٢ - ١٩٥ .. ١٩١٠ تفسير الآيات: ١٩٦ - ٢٠٠ ... سورة النساء تفسير الآية: ١ ١٩٣ ١٩٥ تفسير الآيات: ٢ - ٥ ١٩٦ تفسير الآيات: ٦ - ٨ تفسير الآيات: ١٢ - ١٤ تفسير الآيات: ١٥ - ١٨ ١٩٩ ٢٣٠ تفسير الآيات : ١٣٠ _ ١٣٥ ٢٣١ تفسير الآيات : ١٣٦ - ١٣٨ ٢٣٢ تفسير الآيات: ١٣٩ - ١٤١ تفسير الآيات: ١٤٢ - ١٤٤ ٢٣٣ تفسير الآيتين : ١٤٥ و ١٤٦ ٢٣٤ تفسير الآية : ١٤٧ تفسير الآية: ١٤٨ ٢٣٦ ٢٠٦ تفسير الآيات: ١٤٩ - ١٥٢ تفسير الآيتين: ٣٦ و٣٧ ٢٣٧ ٢٠٧ تفسير الآیتین: ٣٨ و٣٩ ٢٣٨ تفسير الآية: ١٥٣ تفسير الآيات : ٤٠ _ ٤٣ ٢٠٨ تفسير الآيات : ١٥٤ _ ١٥٨ ٢٣٩ تفسير الآيات: ١٥٩ - ١٦٢ ٢٤٠ ٢٤١ تفسير الآيتين: ١٦٣ و١٦٤ تفسير الآيات: ١٦٥ - ١٧٠ ٢٤٢ تفسير الآيات: ١٧١ _ ١٧٥ ٢٤٣ تفسير الآية : ١٧٦ ٢٤٤ سورة المائدة تفسير الآية: ١ تفسير الآية: ٢ ٢٤٦ ٢١٧ تفسير الآيات: ٧٩ - ٨٣ ٢٤٧ تفسير الآية : ٣ ٢١٨ تفسير الآيات : ٨٤ - ٨٦ تفسير الآية: ٤ ٢١٩ تفسير الآيات: ٨٧ - ٩١ ٢٥٠ ٢٢٠ تفسير الآيات: ٩٢ - ٩٤ ٢٢١ تفسير الآيات: ٩٥ - ١٠٠ ٢٢٢ تفسير الآيات: ١٠١ _ ١٠٤ ٢٢٣ تفسير الآيات: ١٠٥ - ١١٠ ٢٢٤ تفسير الآيات: ١١١ - ١١٣ ٢٢٥ تفسير الآية: ١١٤ ٢٢٦ تفسير الآيات: ١١٥ - ١٢١ .. ٢٢٧ تفسير الآيات: ١٢٢ - ١٢٦ . ١٩٧ تفسير الآيات: ٩ - ١١ ٢٢٨ تفسير الآيتين: ١٢٧ و ١٢٨ تفسير الآية : ١٢٩ ٢٢٩ تفسير الآيات: ١٩ - ٢١ ٢٠٠ ٢٠١ تفسير الآيات: ٢٢ - ٢٥ ٢٠٢ تفسير الآيات: ٢٦ - ٢٨ ٢٠٣ تفسير الآيات: ٢٩ - ٣١ ٢٠٤ تفسير الآية: ٣٢ ٢٠٥ تفسير الآيات: ٣٣ _ ٣٥ تفسير الآيات: ٤٤ - ٤٦ ٢٠٩ تفسیر الآيات : ٥٣ - ٥٧ ٢١١ ٢١٢ تفسير الآيات: ٥٨ - ٦٠ ٢١٣ تفسير الآيات: ٦١ - ٦٤ تفسير الآيات: ٦٥ - ٧٠ ٢١٤ ٢١٥ تفسير الآيات: ٧١ - ٧٦ ٢٤٥ ٢١٦ تفسير الآيتين : ٧٧ و ٧٨ ٢١٠ تفسير الآيات: ٤٧ - ٥٢ ٢٣٥ ١٩٨