Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١
تفسير سورة الأنفال
قوله جلّ ذكره: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَلْسْتَابَ لَكُمْ أَنِ مُمِدُكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَتِكَةِ
مُرْدِفِينَ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَظْمَيْنَّ بِهِ، قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ
عَزِيزٌ حَكِيمُ﴾.
الاستغاثة على حسب شهود الفاقة وعدم المنة والطاقة. والتحقق بانفراد الحق
بالقدرة على إزالة الشكاة تيسيرٌ للمسؤول وتحقيق للمأمول. فإذا صدقت الاستغاثة
بتَعَجُّل الإجابةَ حَصُلَتْ الآمالُ وقُضِيَتْ الحاجة .. بذلك جَرَتْ سُنَّتُه الكريمة.
ويقال بَشَرَّهم بالإمداد بالمَلَك، ثم رقّاهم عن هذه الحالة بإِشهادهم أن الإنجاز
من المَلِكِ، ولم يَذرهم في المساكنة إلى الإمداد بالمَلَك فقال: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ
اللَّهِ ﴾ ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ فالنجاة من البلاء حاصلة، وفنون الإنجاز والإمداد
بالطاقة متواصلة، والدعوات مسموعة، والإجابة غير ممنوعة، وزوائد الإحسان
مُتَاحة، ولكن الله عزيز .
الطالبُ واجدٌ ولكن بعطائه، والراغب وأصل ولكن إلى مباره. والسبيلُ سهلٌ
ولكن إلى وجدان لطفه، فأمّا الحقُّ فهو عزيز وراء كل وصل وفصل، وقُرْبٍ وبُغْد،
وما وَصَلَ أحدٌ إلا إلى نصيبه، وما بقي أحدٌ إلا عن حظه، وفي معناه أنشدوا:
نضيءُ لمن يسري بليلٍ ولا نُقْرِي
وقُلْنَ لنا نحن الأهِلَّةُ إنما
ولا وصلَ إلا بالجمال الذي يسري
فلا بَذْلَ إلا ما تزوَّدَ ناظرٌ
قوله جلّ ذكره: ﴿إِذْ يُغَشِيَكُمُ النُّعَامَ أَمَنَّةُ مِنْهُ وَيَزِلُ عَلَيْكُمْ مِنَ الشَّمَاءِ مَاءَ لَيْطَهِرَّكُم
بِهِ، وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾ .
غَشِيَهم النُّعاسُ تلك الليلة فأزال عن ظواهرهم ونفوسهم كَدَّ الأغيار والكلال،
وأنزل على قلوبهم رَوْحَ الأمن، وأمطرت السماءُ فاغتسلوا بعدما لزمتهم الطهارة
الكبرى بسب الاحتلام، واشتدت الأرض بالمطر فلم ترسب الأقدام في رَملِها، وانتفى
عن قلوبهم ما كانت الشياطين توسوس به إليهم أنه سيصيبهم العناءُ بسلوك رَمْلِها
وبالانتفاء عن الغُسْل، فلمَّا ( ... )(١) الإحساسِ، واستمكن منهم النُّعاس، وتداركتهم
الكفاية والنصرة استيقنوا بأن الإعانة من قِبَل الله لا بسكونهم وحركتهم، وأشهدهم
صرف التأييد وإتمام الكفاية .
وكما طَهَّرَ ظواهرهم بماء المساء طهّر سرائرهم بماء التحقيق عن شهود كلّ
غير وكلٌ عِلَّة، وصان أسرارهم عن الإصغاء إلى الوساوس، وربط على قلوبهم
(١) بياض في الأصل.
٣٨٢
تفسير سورة الأنفال
بشهودهم جريان التقدير على حسب ما يجري الحقُّ من فنون التصريف .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَيُثَبِتَ بِهِ اَلْأَقْدَامَ﴾ .
أقدامَ الظاهر في مَشَاهِدِ القتال، وأقدامَ السرائر على نهج الاستقامة بشهود
مجاري التقدير .
قوله جلّ ذكره: ﴿إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى الْمَئِكَةِ أَنّ مَعَكُمْ فَشَبِتُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ سَأَلْقِى فِى
قُلُوبٍ أَلَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ﴾ .
عَرَّفَنَا أنَّ الملائكة محتاجون إلى تعريف الحق إياهم قضايا التوحيد. وتثبيتُ
الملائكة للمؤمنين: قيل كانوا يَظْهَرُون للمسلمين في صور الرجال يخاطبونهم
بالإخبار عن قلة عدد المشركين واستيلاء المسلمين عليهم، وهم لا يعرفون أنهم
ملائكة .
وقيل تثبيتهم إياهم بأن كانوا يلقون في قلوبهم ذلك مِنْ جهة الخواطر، ثم إن
الله يخلق لهم فيها ذلك، فكما يُوَصِّلُ الحق سبحانه - وساوسَ الشيطان إلى القلوب
يوصل خواطرَ المَلَكِ، وأَيَّدَهم بإلقاء الخوف والرعب في قلوب الكفار.
قوله جلّ ذكره: ﴿فَأَضْرِبُواْ فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَأَضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآَقُوا
أَنَّهَ وَرَسُولَمٌ﴾ .
وذلك بأمر الله وتعريفه من جهة الوحي والكتاب، ويكون معناه إباحة ضربهم
ونيلهم على أي وجه كان كيفما أصابوا أسافلهم وأعاليهم. ويحتمل فاضربوا فوق
الأعناق ضرباً يوجِبُ قَتْلَهم؛ لأنه لا حياةً بعد ضَرْبِ العُنُقِ. ولفظُ فوق يكون صلة.
﴿وَأَضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ أي ضرباً يعجزهم عن الضرب ومقاتلة المسلمين؛
لأنه لا مقاتلة تحصل بعد فوات الأطراف.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآَقُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ بين أنهم في مغاليط حسبانهم وأكاذيب ظنونهم
والمُنْشِىءُ - بكلٌ وجهٍ - اللَّهُ؛ لانفراده بقدرة الإيجاد.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَنْ يُشَافِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْمِقَابِ﴾ .
يُمْهِلُ المجرمَ أياماً ثم لا يهمله، بل يُذِيقه بأُسَ فِعله، ويزيل عنه شُبْهةً ظنّه.
قوله جلّ ذكره: ﴿ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَ لِلْكَفِينَ عَذَابَ النَّارِ﴾ .
ذلك العذاب فذوقوه - أيها المشركون - مُعَجَّلاً، واعلموا أن للكافرين عذاباً
مُؤْجَّلاً، فللعاصين عقوبتان مُحَصَّلٌ بنقد ومؤخّرٌ بوعد.
قوله جلّ ذكره: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَغَرُواْ نَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَذْبَارَ
٣٨٣
تفسير سورة الأنفال
وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَيِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّقًا لِّقِنَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةِ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَهٍ مِنَ اللَّهِ
وَمَأْوَنَهُ جَهَنَّمٌ وَبِثْسَ الْصِيرُ﴾.
يقول إذا لقيتم الكفار في المعركة زحفاً مجتمعين فأثبتوا لقتالهم، ولا تنهزموا
فالشجاعة ثبات القلوب، وكما قيل الشجاعة صبر على الطاعة وفي الجهاد مع العدو،
فالواجب الثبات عند الصولة - هذا في الظاهر، وفي الباطن جهاد مع الشيطان،
والواجب فيه الوقوف عن دواعيه إلى الزَّلة؛ فَمَنْ وقف على حدِّ الإمساك عن إجابته،
بلا إنجازٍ لما يدعوه بوساوسه فَقَدْ وفَّى الجهاد حقّه.
وكذلك في مجاهدة النّفس، فإذا وقف العبدُ عن إجابة النَّفْس فيما تدعوه
بهواجسها، ولم يُطِعْ شهوتَه فيها تحمله النفسُ عليه من البلاء إلى ابتغاء حظّه فقد وفَّى
الجهادَ حقّه .
والإشارة في قوله: ﴿إِلَّا مُتَحَرِّفَاً لِّقِتَالٍ﴾ بإيثار بعض الرُّخص ليتقوَّى على ما هو
أشد؛ كأكله مثلاً ما يُقِيمِ صُلْبَه ليقوى على السَّهر، وكترفقه بنفسه بإيثار بعض الراحة
من إزالة عطش، أو نفي مقاساة جوع أو بَزْدٍ أو غيره لئلا يبقى عن مراعاة قلبه،
والاستدامة اتصال قلبه به، فإنْ تَرَكَ بعضَ أورادِ الظاهر لئلا يبقى به عن الاستقامة في
أحكام واردات السرائر أَخَذَ في حقِّ الجهاد بحزمٍ.
والإشارة في قوله: ﴿أَوْ مُتَحَيِّرًّا إِلَى فِئَةٍ﴾ إلى اعتضاد المريد بصحبة أقرانه
فيما يساعدونه في المجاهدة، ويُبْقِي شهودُ ما هم فيه من المكابدة من إقامته على
مجاهدته. ثم باستمداده من همم الشيوخ؛ فإن المريدَ ربيبٍ هُمَّةٍ شيخه، فالأقوياء من
الأغنياء ينفقون على خَدَمِهم من نعمهم، والأصفياء من الأولياء ينفقون على مريديهم
من هِمَمِهم، يجبرون كَسْرَهم، ويتوبون منهم، ويساعدونهم بحسن إرشادهم. ومَنْ
أهمل مريداً وهو يعرف صِدْقه، أو خالَفَ شيخاً وهو يعرف فضلَه وحَقَّه فقد باءَ من الله
بسخطٍ، واللَّهُ تعالى حسيبُه في مكافأته على ما حصل من قبيح وصفه .
قوله جلّ ذكره: ﴿فَمَ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ .
الذي نَفَى عنهم من القتل، هو إماتة الروح وإثبات الموت، وهو من خصائص
قدرته - سبحانه، والذي يُوصَفُ به الخلق من القتل هو ما يفعلونه في أنفسهم،
ويحصل ذهاب الروح عقيبه .
وفائدة الآية قطع دعاواهم في قول كل واحد على جهة التفاخر قتلتُ فلاناً،
فقال: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ﴾ أي لم تكن أفعالكم مما انفردتم بإيجادها بل المنشىء والمبدىء
هو الله عزَّ وجل. وصَانَهم بهذه الآية وصان نَبِيَّه - عليه السلام - عن ملاحظة أفعالهم
وأحوالهم.
٣٨٤
تفسير سورة الأنفال
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَّ﴾.
أي ما رَمَيْتَ بنفسك ولكنك رميْت بنا، فكان منه (صلوات الله عليه)(١) قبضُ
التراب وإرساله من يده ولكن من حيث الكسب، وكَسَبْهُ مُوجَدٌ من الله بقدرته، وكان
التبليغ والإصابة مِن قِبَل الله خَلْقاً وإبداعاً، وليس الذي أثبت ما نفي ولا نفي ما أثبت
إلا هو، والفعلُ فِعْلُ واحدٍ ولكن التغاير في جهة الفعل لا في عينه.
فقوله: ﴿إِذْ رَمَّيْتَ﴾ فَرْقٌ، وقوله: ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَّ﴾ جمعٍ. والفرق صفة
العبودية، والجمع نعت الربوبية، وكلُّ فرقٍ لم يكن مُضَمَّناً بجمع وكلُّ جمع لم يكن -
في صفة العبد - مُؤَيَّداً بفرق فصاحبُه غير سديد الوتيرة.
وإن الحقَّ - سبحانه - يَكِلُ الأغيار إلى ظنونهم، فيتيهون في أودية الحسبان
ويتوهمون أنهم منفردون بإجراءٍ ما منهم، وذلك منه مكرّ بهم.
قال الله تعالى: ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤] وأما أرباب
التوحيد فَيُشْهِدهم مطالِعَ التقدير، ويعرِّفهم جريان الحُكمْ، ويُريهم أَنْفُسَهم في أَشْرٍ
التصريف، وقهر الحكم. وأمَّا الخواص من الأولياء وأصحاب العرفان فيُجرِي عليهم
ما يُخْرِي و (ما) لهم إحساس بذلك، مأخوذون يثبتهم بشواهد النظر والتقدير، ويتولَّى
حفظهم عن مخالفة الشرع.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلِيُسْلِىَ الْمُؤْمِينَ مِنْهُ بَلَآءُ حَسَنَا﴾ .
البلاء الاختبار، فيختبرهم مرة بالنعم ليظهر شكرهم أو كفرانهم، ويختبرهم
أخرى بالمحن ليظهر صبرهم، أو ذِكْرَهم أو نسيانهم.
((البلاء الحسن)): توفيق الشكر في المِنْحة، وتحقيق الصبر في المحبة، وكل ما
يفعله الحقُّ فهو حَسَنّ من الحقُّ لأنَّ له أَنْ يفعلَه. وهذه حقيقة الحَسَن: وهو ما
للفاعل أن يفعله.
ويقال حَسُنَ البلاءُ لأنه منه و ( ... )(٢) البلاء لأنه فيه.
ويقال البلاء الحسن أن تَشْهَدَ المُبْلِي في عين البلاء.
ويقال البلاء الحسن ما لا دعوى لصاحبه إنْ كان نعمة، ولا شكوى إن كان
محنة .
ويقال البلاء الحسن ما ليس فيه ضجر إنْ كان عُسْراً، ولا بطر إن كان يسراً.
ويقال بلاءُ كلّ أحدٍ على حسبٍ حاله ومقامه؛ فأصفاهم ولاءً، قال عليه
(١) ما بين قوسين زيادة يقتضيها السياق.
(٢) بياض في الأصل.
٣٨٥
تفسير سورة الأنفال
السلام: «أشدُّ الناس بلاء الأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل (١).
قوله جلّ ذكره: ﴿ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾ .
تنفيسٌ لقوم وتهديدٌ لقومٌ؛ أصحابُ الرِّفق يقول لهم إن الله ((سميعٌ)) لأنينكم؛
فَيُرَوِّح عليهم بهذاً، وَقْتَهم، ويحمل عنهم ولاءهم، وأنشدوا:
إذا ما تمنَّى الناسُ روحاً وراحةً
تمنيتُ أَنْ أشكو إليك فتسمعا
وقالوا:
كيف أنت وكيف حالك؟
قُلْ لي بألسنةَ الثَّنْفُّس
وأمَّا الأكابر فلا يُؤْذّنُ لهم في التَّنَفْس، وتكون المطالبةُ متوجهةً عليهم بالصبر،
والوقوف تحت جريان التقدير من غير إظهارٍ ولا شكوى، فيقول: لو ترشح منك ما
كُلِّفْتَ بِشُرْبِهِ تَوَجَّهَتْ عليك الملامةُ، فإن لم يكن منك بيانٌ فإِنِي لقالتك، عليمٌ
بحالتك .
ويقال في قوله ((عليم)) تسلية لأرباب البلاء؛ لأنَّ من عَلِم أنَّ مقصودَه يعلم حالَه
سَهُل عليه ما يقاسيه فيه، قال - سبحانه - لنبيَّه وَلهُ: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا
يَقُولُونَ﴾ [الحجر: ٩٧].
قوله جلّ ذكره: ﴿ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُومِنُ كَيْدِ الْكَفِرِينَ﴾.
موهن كيدهم: بتقوية قلوب المؤمنين بنور اليقين، والثبات على انتظار الفضل
من قِبَلِ الله، وموهن كيدهم: بأن يأخذَ الكافرين من حيث لا يشعرون، ويظفر جندُ
المسلمين عليهم.
قوله جلّ ذكره: ﴿إِن تَسْتَفْئِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ الْفَتْحِّ﴾ .
فال المشركون - يوم بدر(٢) - اللهم انصرْ أَحَبَّ الفِئتين إليك، فاستجابَ دعاءَهم
ونصر أحبَّ الفئتين إليه .. وهم المسلمون، فسألوا بألسنتهم هلاكَ أنفسِهم، وذلك
الانجرارهم في مغاليط ما يُعَلِّقون من ظنونهم، فهم توهّموا استحقاق القربة، وكانوا في
عين الفرقة وحُكْم الشّقْوَةِ، موسومين باستيجاب اللعنة بدعائهم، والوقوع في شقائهم؛
فاختيارهم مُنُوا ببوارِهم.
(١) أخرجه المتقي الهندي في (كنز العمال ٣٢٥٣ - ٣٢٥٥ - ٦٧٨٣)، والزبيدي في (إتحاف السادة
المتقين ١١٦/٥، ٨/ ١٢١، ٥٦٠، ٥٢٣/٩).
(٢) بدر: ماء مشهور بين مكة والمدينة أسفل وادي الصفراء بينه وبين الجار، وهو ساحل البحر، وبهذا
الماء كانت الوقعة المشهورة التي أظهر الله بها الإسلام وفرق بين الحق والباطل في شهر رمضان سنة
اثنتين للهجرة. (معجم البلدان ١/ ٣٥٧، ٣٥٨).
٣٨٦
تفسير سورة الأنفال
ويقال ظنوا أنهم من أهل الرحمة فَزَلُوا، فلما كُشِفَ السترُ خابوا وذَلُّوا، فعند
ذلك علموا أنهم زاغوا في ظنهم وضلوا.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِن تَنْنَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ .
فيغفر لكم ما قد سَلَفَ من خلاف محمد ێ.
﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ليس المراد منه المبالغة؛ لأنه يقال هذا خير لك من هذا إذا
كان الثاني ليس في شر، وترك موافقتهم للرسول وَل ـ بكل وجهٍ - هو شرٌّ لهم،
ولكنه أراد به في الأحوال الدنيوية، وعلى موجب ظنّهم.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِن تَعُودُوأَ نَعَّ﴾.
يعني إنْ عُذْتُم إلى الجميل من السيرة عُدْنا عليكم بجميل المِنَّة، وإنْ عاودتم
الإقدام على الشَّرْ أَعَدْنا عليكم ما أذقناكم من الضُّرْ.
قوله جل ذكره: ﴿وَلَنْ تُغْنِىَ عَنْكُرْ فِشَبُّكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
مَنْ غَلَبْهِ قَدْرُة الأحد لم تغْنِ عنه كثرة العدد.
قوله جلّ ذكره: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ .
الناس في طاعة الله على أقسام: فمطيعٌ لخوفٍ عقوبتِهِ، ومطيعٌ طمعاً في
مثوبته، وآخر تحققاً بعبوديته، وآخر تشرفاً بربوبيته .
وكم بين مطيعٍ ومطيعٍ! وأنشدوا:
أحبك يا شمسَ النهارِ وبَدْرَه
وإنْ لامني فيك السُّها والفراقد (٢)
وذاك لأنَّ العَيْشَ عندكِ بارِدٌ
وذاك لأنَّ الفضلَ عندك زاخِرٌ
قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ولم يقل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول، وفي
ذلك نوع تخصيص، وحزب تفضيل يَلْطُفُ عن العبارة ويَبْعُد عن الإشارة.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَا تَوَلَوْ عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ .
أي تسمعون دعاءه إياكم، وتسمعون ما أُنْزِلَ عليه من دعائي إياكم.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَذِينَ قَالُواْ سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ .
لا تکونوا ممن یشهد جهراً، ویجحد سِرًّا.
ويقال لا تُقِرُّوا بلسانكم، وتصِرُّوا على كفرانكم.
(١) السُّها: نجم خفي الضوء ملاصق للنجم الأوسط من الذيل في بنات نعش الكبرى.
الفرقد: اسم لنجمين من نجوم الدب الأصفر، وهما فرقدان.
٣٨٧
تفسير سورة الأنفال
ويقال مَنْ نطق بتلبيسِه تشهد الخيرة بتكذيبه.
قوله جلّ ذكره: ﴿﴿ إِنَّ شَرَّ الَّوَآتٍ عِندَ الَّهِ اُلُّمُ اَلْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ .
دواعي الحق بحسن البيان ناطقة، وألسنة البرهان فيما ورد به التكليف صادقة،
وخواطر الغيب بكشف ظُلَم الريْبِ مُفْصِحة، وزواجر التحقيق عن متابعة التمويه
للقلوب ملازمة. فَمِنْ صُمَّ عَن إدراك ما خوطب به سرُّه، وعمِيَ عن شهود ما كوشف
به قلبه، وخَرِسَ - عن إجابة ما أُرْشِدَ إليه من حجة - فَهْمُه وعقله فَدُونَ رُتْبةِ البهائم
قَدْرُه، وفوق كل ( ... )(١) من حكم الله ذُلُّه وصغره.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اَللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْ زَّهُم
مُعْرِضُونَ﴾ .
مَنْ أَقْصتْه سوابقُ القسمة لم تُذْنِه لواحقُ الخدمة، ومنْ عَلِمه اللَّهُ بنعت الشّقوة
حَرَمَه ما يوجبُ عَفْوَه.
ويقال لو كانوا في متناولات الرحمة لألبسهم صدارَ العصمة، ولكن سبَق
بالحرمان حكمُهم، فختم بالضلالةِ أمرُهم.
قوله جلّ ذكره: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أُسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ إِذَا دَعَكُمْ﴾ .
أجاب واستجاب بمعنىّ مثل أوقد واستوقد، وقيل للاستجابة مزية وخصوصية
بأنها تكون طوعاً لا كرهاً، وفَرْقْ بين من يجيب لخوفٍ أو طمع وبين من يستجيب لا
بِعِوَضٍ ولا على ملاحظة غَرَضٍ. وحقُّ الاستجابة أن تجيب بالكلية من غير أَنْ تَذَرَ من
المستطاع بقية .
والمستجيبُ لربه محوٌ عن كلِّه باستيلاء الحقيقة، والمستجيب للرسول - صلى
الله عليه وسلم وعلى آله - قائم بشريعته من غير إخلال بشيء من أحكامها. وقد أمر
الله سبحانه وتعالى بالاستجابة له - سبحانه، وبالاستجابة للرسول؛ فالعبدُ المستجيبُ -
على الحقيقة - من قام بالله سرّاً، واتصف بالشرع جهراً فيُفْرِده الحقُّ - سبحانه -
بحقائق الجمع و ( ... )(١) في مشاهدة الفرق، فلا يكون للحدثان في مشرب حقائقه
تكدير، ولا لمطالبات الشرع على أحواله نكير.
قوله جلّ ذكره: ﴿لِمَا يُمِيكُمْ﴾.
إذْ لمَّا أفناهم عنهم أحیاهم به.
ويقال العابدون أحياهم بطاعته بعد ما أفناهم عن مخالفته، وأما العالِمون
(١) بياض في الأصل.
٣٨٨
تفسير سورة الأنفال
فأحياهم بدلائل ربوبيته، بعد ما أفناهم عن الجهل وظُلْمته. وأمَّا المؤمنون فأحياهم
بنور موافقته بعد ما أفناهم بسيوف مجاهدتهم. وأَمَّا الموَحِّدون فأحياهم بنور توحيده
بعد ما أفناهم عن الإحساس بكل غير، والملاحظة لكل حدثان.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ، وَأَنَّهُ: إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ .
يصون القلب عن تقليب أربابها فيُقلِّبها كما يشاء هو، من بيان هداية وضلال،
وغَيبةٍ ووصالٍ، وحُجْبةٍ وقُرْبة، ويقينٍ ومرية، وأُنْسٍ ووحشة.
ويقال صان قلوب العُبَّادِ عن الجنوح إلى الكسل، فجدُّوا في معاملاتهم، وصان
قلوب المريدين عن التعريج في أوطان الفشل فصدقوا في منازلاتهم، وصان قلوب
العارفين - على حدِّ الاستقامة - عن الميْل فتحققوا بدوام مواصلاتهم.
ويقال حال بينهم وبين قلوبهم لئلا يكون لهم رجوعٌ إلا إلى الله، فإذا سنح لهم
أمر فليس لهم إلا الأغيار سبيل، ولا على قلوبهم تعويل. وكم بين من يرجع عند
سوانحه إلى قلبه وبين من لا يهتدي إلى شيء إلا إلى ربه! كما قيل:
لا يهتدي قلبي إلى غيركم لأنه سُدَّ عليه الطريق
ويقال العلماء هم الذين وجدوا قلوبهم، قال تعالى: ﴿ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ
كَانَ لَهُ قَلْبُ﴾ [ق: ٣٧] والعارفون هم الذين فقدوا قلوبهم.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَثَّقُواْ فِتْنَةٌ لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْكُمْ خَةٌ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ
شَدِيدُ أَلْمِقَابِ﴾ .
احذروا أن ترتكبوا زلَّةً توجب لكم عقوبة لا تخص مرتكبها، بل يعمُّ شؤمُها من
تعاطاها ومن لم يتعاطها .
وغير المجرم لا يُؤْخَذ بِجُرْم من أذنب، ولكن قدٍ ينفرِد أحدٌ بجرم فيحمل أقوامٌ
من المختصين بفاعل هذا الجُزْم، كأن يتعصبوا له إذا أُخِذَ بَحكم ذلك الجرم فبعد أن
لم يكونوا ظالمين يصيرون ظالمين بمعاونتهم وتعصبهم لهذا الظالم؛ فتكون فتنة لا
تختص بمن كان ظالماً في الحال بل إنها تصيب أيضاً ظالماً في المستقبل بسبب تعصبه
لهذا الظالم ومطابقته معه، ورضاه به، وهذا معنى التفسير من حيث الظاهر. فأمَّا من
جهة الإشارة: فإن العبدَ إذا باشر زَلَةٌ بنفسه عادت إلى القلب منها الفتنة وهي العقوبة
المعجلة، وتصيب النّفْس منها العقوبة المؤجلة، والقلبُ إذا حصلت منه فتنة الزلة -
عندما بهم بما لا يجوز - تَعدَّتْ فتنته إلى السِّر وهي الحُجْبَةُ .
والمُقَدَّمُ في شأنه إذا فعل ما لا يجوز انقطعت البركاتُ التي كانت تتعدى منه
إلى مُتَّبِعِيه وتلامذتِه، وكان لهم نصيبهم من الفتنة وهم لم يعملوا ذنباً. ويقال إن
٣٨٩
تفسير سورة الأنفال
الأكابر إذا سكتوا عن التنكير على الأصاغر عند تزكِهِم الأذكار أصابتهم فتنةُ ما فعلوه؛
فلقد قيل إنَّ السفيه إذا لم يُنْهَ مأمورُ. فعلى هذا تصيب فتنةُ الزَّلةِ مرتكبَها ومَنْ تَرَكَ
النَّهي عن المنكر - مثل مَنْ ترك الأمر بالمعروف - يؤخذ بِجُزمه .
ويقال إنَّ الزاهد إذا انحط إلى رخص الشرع في أخذ الزيادة من الدنيا مما فوق
الكفاية - وإن كان من وجهٍ حلال - تؤدي فتنته إلى من يخرج به من المبتدئين، فبجملة
ما أبدى من الرغبة في الدنيا، وتَرْكِ التقلل يؤدي إلى الانهماك في أودية الغفلة
والأشغال الدنيوية .
والعابد إذا جَنَحَ عن الأَشَقُ وتَرَكَ الأوْلى تعدَّى ذلك إلى من كان ينشط في
المجاهدة؛ فيستوطنون الكسل، ثم يحملهم الفراغ وترك المجاهدة على متابعة
الشهوات فيصيرون كما قيل :
إن الشبابَ والفراغ والجدة
مَفْسَدةٌ للمرء أي مفسدة
وهكذا يكون نصيبهم من الفتنة .
والعارف إذا رجع إلى ما فيه حَظُّ له، نَظَرَ إليه المريدُ، فتتداخله فترة فيما هو به
من صدق المنازلة، ويكون ذلك نصيبه من فتنة العارف.
وفي الجملة إذا غفل المَلِكُ، وتَشَاغَل عن سياسة رعيته تَعَطَّلَ الجندُ والرعية،
وعَظُمَ فِيهِمِ الخَلَلُ والبَليَّة، وفي معناه أنشدوا:
رُعَاتُك ضيَّعوا - بالجهل منهم -
غُنَيْمَاتٍ فَاسَتْها ذِئَابُ
﴿اَللَّهَ شَدِيدُ أَلْمِقَابِ﴾ بتعجيله ذلك، ومن شدة عقوبته أنه إذا أخذ عبداً ليُعَاقِبَه لا
يُمَكِّنه من تلافي موجب تلك العقوبة.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَذْكُرُواْ إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِى الْأَرْضِ تَّخَافُونَ أَنْ يَتَخَطّفَكُمُ
النَّاسُ فَشَاوَنَكُمْ وَأَبَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ﴾ .
يُذَكرهم ما كانوا فيه من القِلَّة والذلة وصنوف ( ... )(١) ثم ما نَقَلَهم إليه من
الإِمْكان والبَسْطَة، ووجوه الأمان والحيطة، وقَرَّبهم إلى إقامة الشكر على جزيل تلك
القِسَم، وإدامة الحمد على جميل تلك النّعم، فمهَّد لهم في ظل أبوابه مقيلاً، ولم
يجعل للعدوّ إليهم - بيُمْنِ رعايته - سبيلاً.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَرَزَّقَكُم مِّنَ الَّتِبَتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ .
رَزَقَ الأشباحَ والظواهرَ من طيبات الغذاء، ورزق الأرواح والسرائر من صنوف
(١) بياض في الأصل.
٣٩٠
تفسير سورة الأنفال
الضياء. وحقيقة الشكر على هذه النعم الغيبة عنها بالاستغراق في شهود المُنْعم.
قوله جلّ ذكره: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا تَّخُونُواْ اللّهَ وَلَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَثَنَتِكُمْ وَأَنْتُمْ
تَعْلَمُونَ﴾ .
الخيانة الاستبطان بخلاف ما يُؤَمَّل منك بحق التعويل، فخيانةُ اللَّهِ بتضييع ما
ائتمنك عليه، وذلك بمخالفة النُّصح في دينه، وخيانة الرسولِ بالاتصاف بمخالفة ما
تبدي من مشایعته .
والخيانة في الأمانات بترك الإنصاف، والاتصاف بغير الصدق.
وخيانة كل أحد على حسب ما وضع عنده من الأمانة، فمن اؤتمِنَ في مالٍ
فتصرَّفَ فيه بغير إذن صاحبه - خيانة، ومن اؤتمن على الحُرَم فملاحظته إياهن -
خيانة. فعلى هذا: الخيانةُ في الأعمال الدعوى فيها بأنها من قِبَلَك دون التحقيق بأنَّ
مُنْشِئها اللَّهُ.
والخيانة في الأحوال ملاحظتُك لها دون غيبتك عن شهودها باستغراقك في
شهود الحق، إن لم يكن استهلاكك في وجود الحق. وإذا أُخْلَلْتَ بِسُنَّةٍ من السُّنَنِ أو
أدبٍ من آداب الشّرع فتلك خيانة الرسول اله .
والخيانة في الأمانات - بينك وبين الخلق - تكون بإيثار نصيب نفسك على
نصيب المسلمين، بإرادة القلب فضلاً عن المعاملة بالفعل .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَآ أَمْوَلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ: أَجْرُّ
عَظِيمٌ﴾ .
أموالكم وأولادكم سبب فتنتكم لأن المرء - لأجل جمع ماله ولأجل أولاده -
يرتكب ما هو خلاف الأمر، فيورثه فتنة العقوبة.
ويقال الفتنةُ الاختبارُ؛ فيختبرك بالأموال .. هل تؤثرها على حقِّ الله؟
وبالأولاد .. هل تتركُ لأجلهم ما فيه رضاء الله؟
فإنْ آثرتم حقَّه على حقٌّكم ظهرت به فضيلتكم، وإنْ اتصفتم بضده عوملتم بما
يوجبه العكس من محبوبكم .
ويقال المالُ فتنةٌ إذا كان عن اللَّهِ يشغلكم، والأولادُ فتنةٌ إذا لأَجْلِهِم قَصَّرْتُم في
حقِّ الله أو فَرَّطتُم .
ويقال المال - ما للكفافِ والعفافِ - نِعْمَةٌ، وما للتقاصِر والتفاخرِ فتنةٌ، وفي
الجملة ما يشغلكَ عن اللَّهِ فهو فتنة.
قوله جلّ ذكره: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تَنَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ
سَبِئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ اَلْعَظِيمِ﴾.
٣٩١
تفسير سورة الأنفال
الفرقان ما به يفرق بين الحق والباطل مِنْ عِلْم وافر وإلهام قاهر، فالعلماء
فرقانُهم مجلوبُ برهانِهم، والعارفون فرقانهم موهوبٌ عرفانهم؛ فأولئك مع مجهود
أنفسهم، وهؤلاء بمقتضى جُودِ ربِّهم.
العرفانُ تعريفٌ من الله، والتكفيرُ تخفيفٌ من الله، والغفرانُ تشريفٌ للعبد من
الله .
قوله جل ذكره: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَغَرُواْ لِيُشْبِتُوَكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُولَةٌ وَيَمْكُرُونَ
وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَنكِرِينَ﴾.
ذكره عظيم مِنَّتِه عليه حيث خَلَّصَه من أعدائه حين خرج من مكة مهاجراً إلى
المدينة، وهمَّوا بقتله، وحاولوا أن يمكروا به في السِّر، فأعلمه الله ذلك.
والمكرُ إظهارُ الإحسانِ مع قَصْدِ الإساءةِ في السّر، والمكرُ من الله الجزاءُ على
المكر، ويكون المكرُ بهم أَنْ يُلْقِيَ في قلوبهم أنه مُحسِنّ إليهم ثم - في التحقيق -
يُعذِّبهم، وإذا شَغَلَ قوماً بالدنيا صَرَفَ همومَهم إليها حتى يَنْسَوْا أمر الآخرة، وذلك
مكرّ بهم، إذ يُوظّئُون نفوسهم عليها، فيتيح لهم من مأمنهِم سوءاً، ويأخذهم بغتةً.
ومن جملة مكره اغترارُ قوم بما يرزقهم من الصيت الجميل بين الناس، وإجراءِ
كثير من الطعات عليهم، فأسرارهَم تكون بالأغيار منوطةً، وهم عن الله غافلون، وعند
الناس أنهم مُكْرَمون، وفي معناه قيل :
وقد حسدوني في قرب داري منکم
وكم من قريب الدار وهو بعيد
قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا
إِنْ هَذَآ إِلَّ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ .
فَرْطُ جهلهم، وشؤم جحدهم سَتّرَ على عقولهم قُبْحَ دعاويهم في القدرة على
معارضة القرآن فافتضحوا عند الامتحان بعدم البرهان، والعجز عما وصفوا به أنفسهم
من الفصاحة والبيان، وقديماً قيل:
مَنْ تحلَّى بغير ما هو فيه فَضَحَ الامتحان ما يدَّعيه
ويقال لمَّا لاحظوا القرآن بعين الاستصغار خرِموا بركات الفهم فعدُّوه من جملة
أساطير الأولين، وكذلك منْ لا يراعي على حرمة الأولياء، يعَاقَبُ بأَنْ تُسْتَرَ عليه
أحوالُهم، فيظنهم مثله في استحقاق مثالبه، فيطلق فيهم لسان الوقيعة، وهو بذلك
أَحَقُّ، كما قيل: ((رَمَنْني بدائِها وانْسَلَّتْ)).
قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ أَلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا
حِجَارَةٌ مِّنَ الَّمَآءِ أَوِ أَثْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ .
٣٩٢
تفسير سورة الأنفال
دَلَّ سؤالهم العذابَ على تصميم عقدهم على تكذيب الرسول وَلهر، واستيقنوا
عند أنفسهم بأنه لا يُستجَابُ فيهم ما يدعونه على أنفسهم .
رفي هذا أظهر دليل على أن سكون النفس إلى الشيء ليس بعلم؛ لأنه كما
يوجد مع العلم يوجد مع الجهل.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِهِمَّ﴾ .
ما كان الله معذبهم وأنت فيهم، وما كان الله ليعذّبَ أسلافهم وأنت في
أصلابهم، وليس يعذبهم اليوم وأنت فيما بينهم إجلالاً لقَذْرِك، وإكراماً لمحلِّك، وإذا
خرجتَ من بينهم فلا يعذبهم وفيهم خدمك الذين يستغفرون، فالآية تدل على تشريف
قَدْر الرسول - مَلة.
ويقال للجوَارِ حُزْمٌ، فَجَارُ الكرام في ظل إنعامهم؛ فالكفار إن لم يَنْعَموا بقرب
الرسول - ◌َ﴾ - منهم فقد اندفع العذاب - بمجاورته - عنهم:
نَزَلَتْ بِه وأُحِبُّ أهلَ المنزلِ
وأحبُها وأحبُّ منزلَها الذي
ويقال إذا كان كون الرسول - 18 - في الكفار يمنع العذاب عنهم فكون المعرفة
في القلوب أولى بدفع العذاب عنها.
ويقال إن العذاب - وإنْ تأخّر عنهم مدة مقامهم في الدنيا ما دام هو عليه السلام
فيهم - فلا محالة يصيبهم العذابُ في الآخرة، إذ الاعتبار بالعواقب لا بالأوقات
والطوارق .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ .
علم أنه - عليه السلام - لا يتَأَبَّد مُكْثُه في أمته إذ قال له: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن
قَبْلِكَ الْخُلْدِ﴾ [الأنبياء: ٣٤]، فقال إني لا أضيع أُمَّتَه وإن قضى فيهم مُدَّتَه، فما دامت
ألسنتُهم بالاستغفار مُتَطَلُّعةً فصنوف العذاب عنهم مرتفعة.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا
كَانُواْ أَوْلِيَاءُ؟) .
نَفَى العذابَ عنهم في آية، وأَثْبَتَه في آية، فالمنفيُّ في الدنيا والمثْبَتُ في
الآخرة .
ثم بيَّنَ إيصالَ العذاب إليهم في الآخرة بقوله تعالى. ﴿وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ
اَلْحَرَامِ﴾ دليل الخطاب أن إعانة المسلمين على ما فيه قيام بحق الدين يوجب
استحقاق القربة والثواب.
وفي الآية دليلٌ على أنه لا يعذِّب أولياءه بقوله: ﴿وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاءُ؟) فإذا
٣٩٣
تفسير سورة الأنفال
عذَّبَ مَنْ لم يكونوا أولياءَه دلَّ على أنه يعذِّب من كان من جملة أوليائه. والمؤمنون
كلُّهم أولياءُ الله لأنه قال: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [البقرة: ٢٥٧]. والمؤمِنَ - وإنْ
عذْب بمقدار جُزْمِه زماناً فإنه لا يُخَلَّد في دار العقوبة، فما يُقاسون بالإضافة إلى تأبيد
الخَلاصِ جَلَلٌ، وقيل :
فؤُدِّي وإنْ شطَّ المزار سليمُ
إذا سَلِمَ العهدُ الذي كان بيننا
قوله جلّ ذكره: ﴿إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ .
وليس أولياؤه إلا المتقون، وهم الذين اتقوا الشّرك.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَا كَنَ صَلَائُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلَّ مُكَاءُ وَنَصْدِيَةٌ﴾.
تجردت أعمالهم بظواهرهم عن خلوص عقائدهم، فلم يوجِدْ - سبحانه وتعالى
- لها احتساباً؛ فزكاءُ القالة لا يكون إلا مع صفاء الحالة، وعناء الظاهر لا يُقْبَلُ إلا مع
ضياء السرائر .
قوله جلّ ذكره: ﴿فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ .
كان العذابُ مُعَجَّلا وهو حسبانهم أنهم على شيء، قال الله تعالى.
﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُنَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤]، ومؤجَّلاً وهو كما قال الله
تعالى: ﴿وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشٌَ﴾ [الرعد: ٣٤].
قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَهِّ فَسَيُنفِقُونَهَا
ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَهُ وَلَّذِينَ كَفَرَّا إِلَى جَهَنَّمَ تُحْشَرُونَ﴾ .
يزومون بإنفاقهم صنوفَ أموالهم صلاحاً ونظاماً لأحوالهم، ثم لا يَخْظَوْن إلا
بخسران، ولا يحصلون إلا على نقصان. خَسِروا وهم لا يشعرون، وخابوا وسوف
يعلمون :
أَفَرَسٌ تحتك أم حِمارُ؟
سوف ترى إذا انجلى الغبار
قوله: ﴿ وَلَّذِينَ كَفَرُّرًا إِلَى جَهَنَّمَ بُّحْثَرُونَ﴾ إِنَّهم وإن أَلْهَتْهُم أموالُهم فإلى الهوان
والذلة مآلُهم، لم تُغْنِ عنهم أموالهُم، ولم تنفعهم أعمالُهم، بل خُتِمَتْ بالشقاوة
أحوالهم .
قوله جلّ ذكره: ﴿لِيَمِيزَّ ◌َلَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الََّّيْبٍ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضِ
فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِى جَهَتُّمَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ ﴾ .
الخبيث ما لا يصلح لله، والطيب ما يصلح لله .
الخبيث ما حكم الشرعُ بقيحه وفساده، والطيب ما شهد العلم بحسنه وصلاحه .
٣٩٤
تفسير سورة الأنفال
ويقال الخبيث الكافرُ، والطّيبُ المؤمِنُ.
الخبيثُ ما شَغَل صاحبَه عن الله، والطّيبُ ما أوصل صاحبه إلى الله.
الخبيثُ ما يأخذه المرءُ وينفقه لحظّ نفسه، والطيب ما ينفقه بأمر ربه.
الخبيث عملُ الكافرِ يُصَوَّر له ويُعَذُّبِ بإلقائه عليه، والطّيبُ عملُ المؤمن يُصُورُ
له في صورةٍ جميلة فيحمل المؤمن عليه .
قوله جلّ ذكره: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنْتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِن يَعُودُواْ
فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾.
إنّ كبحوا لجام التمرد، وأقلعوا عن الركض في ميدان العناد والتَّجَبُّر أَزَلْنا عنهم
صَغَارَ الهوان، وأَوْجَبْنا لهم رَوْحَ الأمان.
ويقال إن حلُّوا نطاق العناد أطلقنا عنهم عقال البعاد.
ويقال إن أبصروا قُبْحَ فِعالهم جُدْنا عليهم بإصلاح أحوالهم.
ويقال إن جنحوا للاعتذار ألقينا عليهم حالة الاغتفار.
ويقال إن عادوا إلى النََّصُل(١) أبحنا لهم حُسْنَ التَّفَضُّل:
بلا جُزم ولا مـعـنـى
أناسٌ أعرضوا عنّا
فهلًا أحسنوا الظنّا
أساءوا ظَنَّهم فينا
وإنْ عادوا لنا عُذْنا
فإن كانوا لنا- كُنَّا،
فإنَّا عنهمُ أغنِى
وإن كانوا قد اسْتَغْنَوا
قوله جلّ ذكره: ﴿وَقَائِلُوهُمْ حَقّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ أَلِينُ كُلُّمُ لِلّهِ فَإِنِ
أَنْتَهَوْاْ فَإِنَ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
أمرهم بمقاتلة الكفار والإبلاغ فيها حتى تُسْتأصل شأفتُهم بحيث يأَسَن المسلمون
مَضَرَّتَهم، ويَكْفَونُ بالكلية فتنتهم .. وحَيَّةُ الوادي لا تُؤْمَنُ ما دامت تبقى فيها حركة؛
كذلك العدو إذا قُهِر فحقُّه أن تُقْتلعَ جميعُ عروقه، وتُنَقَّى رِبَاعُ الإسلام من كل
شكيره(٢) تنبت من الشرك.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِن تَوَلَّوْ فَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَوْلَئِكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَ وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ .
فإن أَبَوْا عُتُوًّا، وعن الإيمان إلا نُبُوَّأْ، فَلَا على قلوبكم ظِلُّ مخافةٍ منهم؛ فإن
(١) تنصّل فلان من ذنبه: تبرأ.
(٢) شكرت الشجرة تشكر شكراً أي خرج منها الشكير: وهو ما ينبت حول الشجرة من أصلها. (اللسان
٤٢٦/٤).
٣٩٥
تفسير سورة الأنفال
اللَّهَ - سبحانه - وليُّ نصرتكم، ومتولّي كفايتكم؛ إنْ لم تكونوا بحيث نِعْمَ العبيد فهو
نِعْم المولى لكم ونِعْمَ الناصر لكم.
ويقال نِعمَ المولى لكم يوم قسمة العرفان، ونِعْم الناصرُ لكم يوم نعمة الغفران
ويقال نِعْم المولنى لك حين لم تكن، ونِعْمَ الناصر لك حين كنتَ.
ويقال نعم المولى بالتعريف قَبْلَ التكليف، ونِعْم الناصر لكم بالتخفيف
والتضعيف؛ يُخَفّفُ عنكم السيئات ويضاعف الحسنات:
وهواكِ أولُّ ما عَرَفْتُ مِنَ الهوى
والقلبُ لا ينسى الحبيبَ الأَوَّلا
قوله جلّ ذكره: ﴿﴿ وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِعْتُمْ مِن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ مُسَهُ، وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَ
وَالْيَشَى وَالْمَسَكِينِ وَأَبْنِ اَلْسَبِيلِ إِن كُنْتُمْ ءَامَنتُم بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ
اَلْنَفَى الْجَمْعَانُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرُ﴾ .
الغنيمةُ ما أخذه المؤمنون من أموال الكفار إذا ظَفِروا عند المجاهدة والقتال
معهم. فإذا لم يكن قتال - أو ما في معناه - فهو فَيْءٌ.
والجهاد قسمان: جهاد الظاهر مع الكفار، وجهاد الباطن مع النّفْس والشيطان
وهو الجهاد الأكبر - كما في الخبر(١).
وكما أن في الجهاد الأصغر غنيمةً عند الظَّفَرِ، ففي الجهاد الأكبر غنيمة، وهو
يملك العبدُ نَفْسَه التي كانت في يد العدو: الهوى والشيطان. فبعد ما كانت ظواهرُه
مقَرًّا للأعمال الذميمة، وباطنُه مستقراً للأحوال الذَّنِيَّة يصير محلُّ الهوى مَسْكَنَ الرِّضا،
ومَقَرَّ الشهواتِ والمُنَّي مُسَلَّمَاً لِمَا يَرِدُ عليه من مطالبات المولى، وتصير النَّفْسُ مُسْتَلَبَةً
مِنْ أَسْرِ الشهوات، والقلبُ مُخْتَطَفاً من وصف الغفلات، والرُّوحُ مُنْتَزَعَةً من أيدي
العلاقات، والسِّرُّ مصُوناً عن الملاحظات. وتصبح غاغةُ النَّفْسِ مُنْهَزِمةً، ورياسةُ
الحقوقِ بالاستجابة لله خافِقةٌ .
وكما أن من جملة الغنيمة سَهْماً لله وللرسول، وهو الخُمْسُ فمما هو غنيمة -
على لسان الإشارة - سهمٌ خالِصٌ لله؛ وهو ما لا يكون للعبد فيه نصيب، لا من كرائم
العُقْبى، ولا من ثمرات التقريب، ولا من خصائص الإقبال، فيكون العبدُ عند ذلك
(١) الخبر هو قول الرسول #: ((رجعتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر)). أخرجه الزبيدي في
(إتحاف السادة المتقين ٣٧٩/٦، ٢١٨/٧)، والعراقي في (المغني عن حمل الأسفار ٣/ ٧)
والعجلوني في (كشف الخفاء ٥١/١، وعلي القاري في (الأسرار المرفوعة ٢٠٦)، والفتني في
(تذكرة الموضوعات ١٩١)، والسيوطي الحلبي في (الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة ٨٩).
٣٩٦
تغير سورة الأنفال
مُحَرَّراً عن رِقْ كل نصيب، خالصاً لله بالله، يمحو ما سوى الله، كما قيل:
وعن الهوى والإنْس والأحبابِ
مَنْ لم يكن بِك فانياً عن حظّه
لمثَالِ حظّ أو لِحُسْن ثواب
فكأنه - بين المراتب - واقِفٌ
قوله جلّ ذكره: ﴿إِذْ أَنْتُم بِلْعُدْوَةِ الذُّنْيَا وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ
مِنكُمَّ وَلَوْ تَوَاعَدَّثُمْ لَآَخْتَلَفْتُمْ فِىِ الْمِيعَدِّ وَلَكِن لِيَقْضِىَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾.
يخبر - سبحانه - أنَّ ما جرى يَومَ بدرٍ من القتال، وما حَصَلَ من فنون الأحوال
كان بحكم التقدير، لا بما يحصل من الخَلْقِ من التدبير، أو بحكم تقتضيه رَوِيَّةٌ
التفكير. بل لو كان ذلك على اختيار وتَوَاعُد، كنتم عن تلك الجملةٌ على استكراه
وتَبَاعدُ، فجرى على ما جرى ليقضِيَ الله أمراً كان مقضيًّا، وحصل من الأمور ما سَبَقَ
به التقدير .
قوله جل ذكره: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْبَى مَنْ حَتَ عَنْ بَيْنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ
تَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ .
أي ليُضِلَّ منْ زاغ عن الحقُّ بعد لزومه الحجبة، ويهتديَ مَنْ أقام على الحقُ بعد
وضوح الحُجَّة .
ويقال الحقُّ أوْضَحَ السبيلَ ونَصَبَ الدليلَ، ولكن سَدَّ بصائرَ قومٍ عن شهود
الرشد، وَفَتح بصائرَ آخرين لإدراك طرق الحق.
الهالك من وقع في أودية التفرقة، والحيُّ مَنْ حَيِيَ بنور التعريف.
ويقال الهالك من كان بحظُه مربوطاً، والحيُّ من كان من أشْرِ كلّ نصيبٍ مُسْتَلَباً
مجذوباً .
قوله جلّ ذكره: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِى مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوَ أَرَنَكَهُمْ كَثِيرً لَّفَشِلْتُمْ
وَلَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَّ إِنَّهُ عَلِيهُ بِذَاتِ الصُّذُورِ وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِيَّ
أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِىَّ أَعْيُِّهِمْ نَقْضِىَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًاً وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ
الأُمُورُ﴾ .
قبل أراه إياهم في نومه - * - بوصف القِلَّة، وأخبر أصحابه بذلك فازدادوا
جسارة (١) عليهم.
وقيل أراه في منامه أي فى محل نومه أي في عينيه، فمعنا، قدَّلَهم في عينيه؛
لأنهم لو استكثروهم نفشلوا في قتالهم، ولا تكسرت بذلك قلوب المسلمين.
(١) الجسارة: المجاعة.
٣٩٧
تفسير سورة الأنفال
وفي الجملة أراد اللَّهُ جريانَ ما حصل بينهم من القتال يومَ بدر، وإنَّ اللَّهَ إذا أراد
أمراً هَيَّ أَسبابَه؛ فقلَّلَ الكفارَ في أعين المسلمين فزادوا جسارةً، وقلَّلَ المسلمين في
أعين الكفار فازدادوا - عند نشاطهم إلى القتال - صغراً في حكم الله وخسارةً .
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١٥٤]: وكيف لا؟ ومنه تَصدُرُ المقاديرُ،
وإليه تُرجَع الأمور.
ويقال إذا أراد الله نصرة عبدٍ فلو كَادَ له جميعُ البشر، وأراده الكافةُ بكل ضَرَرٍ ،
لا ينفع مَنْ شاءَ مَضَرَّتَه كَدٍّ، ويحصل بينه وبين متاح لطفه به سَدٌّ.
وإذا أراد بعبدٍ سوءاً فليس له رَدَّ، ولا ينفعه كَدُّ، ولا ينعشه بعد ما سقط في
حکمه جَهْدٌ .
قوله جل ذكره: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةٌ فَأَثْبُتُواْ وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا
لَّمَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ .
أراد إذا لقيتم فئةً من المشركين فأثبتوا. والثباتُ إنما يكون بقوة القلب وشدة
اليقين، ولا يكون ذلك إلا لنفاذ البصيرة، والتحقق بالله، وشهود الحادثات كلها مِنْهُ،
فعند ذلك يستسلم الله، ويرضى بحكمه، ويتوقع منه حُسْنَ الإعانة، ولهذا أحالَهم
على الذكر فقال: ﴿وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا﴾.
ويقال إنَّ جميعَ الخيراتِ في ثبات القلب، وبه تَبِينُ أقدارُ الرجالِ، فإذا وَرَدَ
على الإنسان خاطرٌ يزعجه أو هاجِسٌ في نفسه يهيجه ... فَمَنْ كان صاحبَ بصيرةٍ
تَوَقِفَ ريثما تَتَبَيَّنُ له حقيقةُ الوارد، فيثبُتُ لكونه رابط الجأش، ساكنَ القلب، صافي
اللُّب .. وهذا نعت الأكابر.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ, وَلَا تَتَزَعُواْ فَنَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيِحُكُمْ وَأَصْبِرُوْاْ إِنَّ اللَّهَ
مَعَ الصَّبِينَ﴾ .
الموافقة بين المسلمين أصلُ الدِّين. وأولُ الفساد ورأسُ الزَّلَلِ الاختلافُ. وكما
تجب الموافقة في الدين والعقيدة تجب الموافقة في الرأي والعزيمة .
قال تعالى في صفة الكفَّار: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىَّ﴾ [الحشر: ١٤]،
وإنما تتحد عزائم المسلم لأنهم كلَّهم يجمعهم التبرِي مِنْ حوْلِهم وقُوَّتُهم،
ويتمحضون في رجوعهم إلى الله، وشهودهم التقدير، فيتحدون في هذه الحالة
الواحدة .
وأمَّا الذين تَوهَّمُوا الحادثاتِ من أنفسهم فَضَلُّوا في ساحات حسبانهم، وأجْرَوْا
الأمور على ما يسنح لرأيهم، فكلُّ يبني على ما يقع له ويختار، فإذا تنازعوا تَشَعَبَّتْ
٣٩٨
تفير سورة الأنفال
بهم الآراءُ، وافترقت بهم الطرقُ، فيضعفون، وتختلف طُرُقُهم. وكما تجب في الدين
طاعةُ رسول الله - # - تجب طاعة أولي الأمر، ولهذا يجب في كل وقت نَصْبُ إمام
للمسلمين، ثم لا تجوز مخالفته، قال النبي - { 8# -: ((أطيعوه ولو كان عبداً مجده))(١)
وكان الرسول - * - إذا بعث سرِيَّةٌ(٢) أمَّر عليهم أميراً وقال: ((عليكم بالسواد
الأعظم)»(٣).
وإجماعُ المسلمين حُجَةٌ، وصلاة الجماعة سُنَّةٌ مؤكّدة، والاتِّباعُ محمودٌ
والابتداع ضلالة .
قوله ﴿واضبِروا﴾ الصبر حَبْسُ النَّفْس على الشيء، والمأمور به من الصبر ما
يكون على خلاف هواك .
﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّبِينَ﴾ يتولى بالكافية إذا حصل منهم الثباتُ وحَسُنَ التفويضُ.
قوله جل ذكره: ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَأَلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَرِهِمْ بَطَرًّا وَرِشَآءَ النَّاسِ وَيَصُدُونَ
عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَنُونَ يُحِيطٌ﴾ .
يريد أَنَّ أهل مكة لما خرجوا من مكة عام بدر لنصرة العير(٤) مَلَكَتْهُم العِزَّةُ،
واستمكن منهم البَطَرُ، وداخَلَهم رياءُ الناس، فارتكبوا في شِبَاكِ غَلَطِهم، وحصلوا
على ما لم يحتسبوه. وأمَّا المؤمنون فَنَصَرَهم نَصْراً عزيزاً، وأزال عن نبيّه - عليه
السلام - ما أظَلَّه من الخوف وبِصِدْقٍ تبريه عن حوله ومُثَّتِه - حين قال: ((لا تكلني إلى
نفسي))(٥) - كفاه بحسن التوليّ فقال ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَيْتَ وَلَكِننَّ اللَّهَ رَىَّ﴾.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ
اَلنَّاسِ وَإِنَّى جَارٌ لَكُمٌّ فَلَمَا تَرَآءَتِ الْفِتَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنَِّ بَرِىٌّ مِنْكُمْ إِنِّ
أَرَ مَا لَا تَرَوْنَ إِّ أَخَافُ اَللَّهَ وَاَللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.
الشيطان إذا زيَّن للإنسان بوساوسه أمراً، والنَّفْسُ إذا سؤَّلت له شيئاً عَمِيَتْ
بصائرُ أرباب الغفلة عن شهود صواب الرُّشد، فيبقى الغافل في قياد وساوسه، ثم
تلحقه هواجمُ التقدير من كوامن المكر من حيث لا يرتقب، فلا الشيطان يفي بما
(١) هناك رواية أخرى للحديث: ((إن أُمْر عليكم عبدٌ مجدّع ... )) أخرجه مسلم (حجج ٣١١) والترمذي
(جهاد ٢٨)، وابن ماجه (جهاد ٣٩)، وأحمد بن حنبل ٤، ٧٠، ٥، ٣٨١، ٦، ٤٠٢، ٤٠٣.
(٢) السَّرية: قطعة من الجيش (ج) سرايا.
(٣) أخرجه ابن أبي عاصم في (السنة ٣٩/١)، والقرطبي في (التفسير ٥٦/١٤).
(٤) العير: القوم معهم حملهم من الميرة. يقل للرجال وللجمال معاً، ولكل واحد منهما دون الآخر.
(٥) سبق تخريجه .
٣٩٩
تفسير سورة الأنفال
يَعِدُه، ولا النفس شيئاً مما تتمنَّاه تجده، وكما قال القائل :
ولم تَخَفْ سوءَ ما يأتي به القَدَرُ
أحسنتَ ظنَّك بالأیام إذ حَسُنَتْ
وعند صفوٍ الليالي يَحدُثُ الكَدرُ
وسالمتْكَ الليالي فاغتَررْتَ بها
قوله جلّ ذكره: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم ◌َرَضُ غَزَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ
يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
إن أصحابَ الغفلة وأرباب الغِرَّة إذا هبَّتَ رياخْ صَوْلَتهِم في زمان غفلتهم
يلاحظون أهلَ الحقيقة بعينِ الاستحقار، ويَحْكمُون عليهم بضعف الحال، وينسبونهم
إلى الضلال، ويعدونهم من جملة الجهَّال، وذلك في زمان الفترة ومدة مُهْلةِ أهل
الغيبة .
والذين لهم قوة اليقين ونور البصيرة ساكنون تحت جريان الحكم، يَرَون
الغائبات عن الحواس يعيون البصيرة من وراء ستر رقيق؛ فلا الطوارقُ تهزمهم، ولا
هواجم الوقت تستفزهم(١)، وعن قريب يلوح عَلَمُ الْيُسْرِ، وتنجلي سحائبُ العُسْر،
ویمحق اللَّهُ کید الکائدین.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَوْ تَرَىّ إِذْ يَتَوَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلَتَبِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ
وَأَدْبَرَهُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ .
يُسَلْيهم عندما يُقَاسُون من اختبارات التقدير بما يُذَكَّرهم زوالَ المحنة، ووَشْكَ
رَوْحِ اليسر، وسرعةً حصول النصر، وحلولَ النِّقَمِ بمرتكبي الظلم. والمؤمنُ كثيرُ
الظَّفَرِ؛ فإذا شاهد بأرباب الجرائم حلولَ الانتقام رقَّ قلبُه لهم، فلا ينخرط في سِلْكِ
الشماتة؛ إذ يخلو قلبه من شهوة الانتقام، بل يجب أن يكون كل أحد بحُسْنِ الصفة،
وكما قيل .
جانوا بعتق رقابنا
قومٌ إذا ظَفِروا بنا
قوله جلّ ذكره: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّمٍ لِلْمِبِيدِ﴾.
يُعرِّفهم أَنَّ ما أصابهم مِنْ شِدَّةِ الوَطْأَةِ جَزَاءٌ لهم على ما أسلفوه من قبيح الزَّلةً،
كما قيل :
قذف البلايا عُقْبَه
سَنَنْتَ فينا سننا
مَنْ بَرَّ يوم ربَّه
يصير على أهوالها
(١) قال القشيري برسالته عند حديثه عن البواده والهجوم: الهجوم ما يرد على القلب بقوة الوقت من
غير تصنع. (للتوسع انظر الرسالة القشيرية ص٧٨).
٤٠٠
تفسير سورة الأنفال
﴿ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ أي كيفما يعاملهم في السَّراء والضرَّاء فذلك منه
حَسَنَ وعَدْلٌ، إذ المُلْكُ مُلْكُه، والخلْقُ خَلْقُه، والحكمْ حُكْمُه .
قوله جل ذكره: ﴿ كَدَأْبٍ ◌َالِ فِرْعَوْنٌَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَفَرُواْ بِكَايَتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ
بِذُنُوِهِمَّ إِنَّ اللََّ قَوِىٌ شَدِيدُ الْمِقَابِ﴾ .
لمَّا سلكوا مسلكَ أَهلِ فرعون في الضلال، سَلَكْنا بهم مسلكهم فيما أذقناهم من
العذاب وسوء الحال، وسُنَّةُ الله ألا تغيير في الإنعام، وعادته ألا تبديلَ في الانتقام،
ومَنْ لم يَعْتَبِرْ بما يشهد اعْتَبَرَ بما يصنعه به.
قوله جلّ ذكره: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَّ يَكُ مُغَيْرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمٌ
وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾ .
إذا أَنْعَمَ الحقُّ - سبحانه - على قوم نِعمةً وأراد إمهالهم أكرمهم بتوفيق الشكر،
فإذا شكروا نعمته فبقدر الشكر دامت فيهم.
وإذا أراد - سبحانه - إزالةَ نعمةٍ عن عبدٍ أَذَلَّه بخذلان الكفر، فإذا حَالَ عن طريق
الشكر عرَّض النّعمة للزوال. فما دام العبدُ يشكر النعمة مقيماً كان الحقُّ في إنعامه
عليه مُديماً، فإذا قابل النعمة بالكفرنِ انتثر سِلْكُ نظامه، فبقدر ما يزيد في إصراره
يزول الأمر عن قراره.
قوله جلّ ذكره: ﴿كَدَأْبِ ءَالٍ فِرْعَوْنٌَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بِئَايَتِ رَبِهِمْ
فَأَهْلَكْنَهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغَْقْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَّ وَّكُلُّ كَنُواْ ظَلِمِينَ﴾.
تنوَّعَتْ من آل فرعون الذنوب فَنَوَّعَ لهم العقوبة، وكذلك هؤلاء: عُوقِبوا بأنواعِ
من العقوبة لَمَّا ارتكبوا أنواعاً من الزَّلة .
وفائدةُ تكرارِ ذِكْرِهم تأكيدٌّ في التعريف أنه لا يهمل المُكَلَّفَ أصلاً، وإنْ أهمله
حيناً ودهراً.
قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ شَرَّ الذَّوَآتِ عِندَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ .
﴿عِندِ اللَّهِ﴾: في سابق علمه وصادق حكمه؛ فإذا كانوا في عِلْمِهِ شَرَّ الخلائق
فكيف يسعدون باختلاف السعايات وصنوف الطوارق؟
هيهات أن تتبدل الحقائق ! .
وإذا قال: ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ - وكلامه صِدقٌ وقولُه حقَّ - فلم يبقَ للرجاء فيهم
مساغ، ولا ينجع فيهم نُصْحّ وإبلاغ.
قوله جلّ ذكره: ﴿الَّذِينَ عَهَدَثَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِ كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا
يَتَّقُونَ﴾ .