Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤١
تفسير سورة الأعراف
كما زاد قوماً على من تقدمهم في بسطة الخَلْقِ زاد قوماً على من تقدمهم في
بسطة الخُلُق، وكما أوقع التفاوتَ بين شخصٍ وشخص فيما يعود إلى المباني أوقع
التباين بين قوم وقوم فيما يرجع إلى المعاني.
قوله جلّ ذكره: ﴿فَأَذْكُرُوَاْ ءَالَآءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ .
النَّعماء عام، والآلاء خاص، فتلك تتضمن ترويح الظواهر، وهذه تتضمن
التلويح في السرائر، تلك بالترويح بوجود المبار، وهذه بالتلويح بشهود الأسرار.
قوله جلّ ذكره: ﴿قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ ءَامَاؤُنَا فَأْنِنَا
بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّدِقِينَ﴾ .
طاحوا في أودية التفرقة فلم يجدوا قراراً في ساحات التوحيد، فَشَقَّ عليهم
الإعراضُ عن الأغيار، وفي معناه قال قائلهم:
أراكَ بقيةً من قوم موسى
فهم لا يصبرون على طعام
ويقال شخص لا يُخْرِجُه من غش التفرقة، وشخص لا يحيد لحظةً عن سَنّنٍ
التوحيد فهو لا يعبد إلا واحداً، وكما لا يعبد إلا واحد لا يشهد إلا واحداً، قال
قائلهم :
لا يهتدي قلبي إلى غيركم لأنه سُدَّ عليه الطريق
قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِّن رَبِّكُمْ رِجْسُ وَغَضَبٌّ أَنْجَدِلُونَنِى فِيْ
أَسْمَاءٍ سَمَّبْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَءَابَآؤُكُمْ مَّا نَزَّلَ اَللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ فَأَنْتَظِرُواْ إِ مَعَكُم مِّنَ
الْمُنْتَظِرِينَ﴾ .
إذا أراد اللَّهُ هوانَ عبدٍ طَرَحَه في مفازات التفرقة؛ وإنَّ من علامات غضبه
وإعراضه ردّ العبد إلى شهود الأغيار، وتغريقَه إياه في بحار الظنون، إذ لا تحصيل
للأغيار في معنى الإثبات.
قوله جلّ ذكره: ﴿فَأَنْجَّنَهُ وَالَّذِينَ مَعَهُم بِرَحْمَةٍ مِّنَا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِعَايَتِنَّاً
وَمَا كَلِنُواْ مُؤْرِينَ﴾ .
لا رتبةً فوق رتبة النبوة، ولا درجة أعلى من درجة الرسالة.
وأخبر ـ سبحانه ــ أنه نجَّى هوداً برحمته، وكذلك نجَّى الذين آمنوا معه
برحمته، ليُعْلَمَ أنَّ النجاةَ لا تكون باستحقاق العمل، وإنما تكون بابتداء فضلٍ من الله
ورحمته؛ فما نَجَا مَنْ نجا إلا بفضل الحق سبحانه.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِلَى تَمُودَ أَخَاهُمْ صَلِحَاْ قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَاءٍ

٣٤٢
تفسير سورة الأعراف
غَبِّرٌُّ قَدْ جَآءَنْكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّيْكُمُّ هَذِهِ، نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ ءَايَةٌ فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ
اللّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذُكُمْ عَذَابٌ أَلِيدٌ﴾ .
غاير الحقُّ - سبحانه - بين الرسل من حيث الشرائع، وجمع بينهم في التوحيد؛
فالشرائع التي هي العبادات مختلفة، ولكن الكل مأمورون بالتوحيد على وجه واحد.
ثم أخبر عن إمضاءِ سُنَّتِه تعالى بإرسال الرسل عليهم السلام، وإمهال أُمَمِهم
ريثما ينظرون في معجزات الرسل.
ثم أخبر عما دَرَجُوا عليه في مقابلتهم الرسل بالتكذيب تسليةً للمصطفى صلى
الله عليه وسلم وعلى آله - فيما كان يقاسي من بلاء قومه .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَذْكُرُواْ إِذْ جَمَلَكُمْ خُلَفَآَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِ اُلْأَرْضِ
تَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَنَتْحِنُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَأَذْكُرُوَاْ ءَالَآءَ الَّهِ وَلَا نَعْثَوْاْ فِ اَلْأَرْضِ
مُفْسِدِينَ﴾.
أزاح علتهم في بسط الدلالة، ووسع عليهم حالتهم بتمكينهم من العطايا على ما
دعت إليه حالتُهم .. فلا الدليلَ تأمَّلُوه، والسبيل لازموه، ولا النعمة عرفوا قدرها،
ولا المِنَّة قدَّموا شكرها، فصادفهم من البلاء ما أدرك أشكالهم.
قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ، لِلَّذِينَ أَسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ ءَامَنَ
مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَ صَلِحًا مُرْسَلٌ مِّن رَّيِّدٍ، قَالُوَأْ إِنَّا بِمَآ أَزْسِلَ بِهِ، مُؤْمِنُونَ قَالَ الَّذِينَ
أَسْتَكْبِرُوا إِنَّا بِلَّذِىّ ءَامَنتُم بِهِ، كَفِرُونَ فَعَقَرُواْ النَّاقَةَ وَعَتَوْ عَنْ أَمْيِ رَبِّهِمْ وَقَالُواْ يَصَلِحُ
أَثْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِ دَارِهِمْ جَئِئِينَ فَتَوَلَّى عَنْهُمْ
وَقَالَ يَقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَفْتُهِكُمْ رِسَالَّةَ رَبٍِّ وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لَّا تُحِبُّونَ النَّصِينَ﴾ .
أجرى الله - سبحانه - سُنَّتَه ألا يخص بأفضاله، وجميل صنعه وإقباله - في
الغالب من عباده - إلَّا مَنْ يسمو إليه طَرْفُه بالإجلال، وأَلَّا يوضحَ له قَدْرَه بين
الأضراب والأشكال؛ فأنصار كلٌ نبي إنما هم ضعفاء وقته، ويلاحظهم أهل الغفلة
بعين الاحتقار، ولكن ليس الأمر كما تذهب إليه الأوهام، ولا كما يعتقد فيهم الأنام،
بل الجواهر مستورة في معادتها، وقيمة المَحَالْ بساكنيها، قال قائلهم:
إذا كان غَضْباً حیث وجهته وترا
وما ضرّ نصلَ السیف إخلاقُ غمده
وقال رسول الله وَله: ((كم من أشعث أغبر لو أقسم على الله لأبرّه))(١).
(١) هناك رواية أخرى للحديث ((كم من أشعث أغبر ذي طمرين لا يُؤبه له ... )) أخرجه الترمذي (مناقب
٥٤).

٣٤٣
تفسير سورة الأعراف
قوله تعالى: ﴿وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لَّا تُحِبُّونَ النَّصِحِينَ﴾ الحيلة تدعو إلى وِفاق
الهوى؛ فتستثقل النّفْسُ قولَ الناصحين، فيخرجون عليهم وكأن الناصحين هم
الغائبون، قال قائلهم:
وقد يستفيد البغضة المتنصح
وكم سُقْتُ في آثارکم من نصيحةٍ
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ، أَتَأْتُونَ الْفَحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ
الْعَلَمِينَ إِنَّكُمْ لَأْتُونَ الْرِجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ وَمَا كَانَ
جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّ أَن قَالُواْ أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسُ يَتَطَهَّرُونَ فَنَجَّنَهُ وَأَهْلَهُ: إِلَّا
أَمْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَبِينَ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًّا فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَدِقِبَةُ الْمُجْرِمِنَ﴾.
أباح الحقُّ - سبحانه - في الشرع ما أزاح به العذر، فمن تَخَطَّ هذا الأمر وجرى
على مقتضى الهوى استقبل هوانه، واستوجب إذلاله، واستجلب - باختياره - صغره.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِلَى مَذْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ
إِلَهٍ غَيْرٌُّ قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِن رَّبِّكُمٌّ فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا نَبْخَسُواْ النََّاسَ
أَشْيَاءَ هُمْ وَلَا تُفْسِدُواْ فِى الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمـ
مُؤْمِنین﴾ .
خسَّتِ هِممُ قومٍ شعيبٍ فقنعوا بالتطفيف(١) في المكيال والميزان عند
معاملاتهم، ثم إنّ الحقَ ــ سبحانه ــ لم يُساهِلْهم في ذلك ليُعْلَم أَنَّ الأقدار ليست من
حيث الأخطار .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَا نَقْعُدُواْ بِكُلٍّ صِرَطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ
ءَامَنَ بِهِ، وَتَبْغُونَهَا عِوَجُأَ﴾ .
من المعاصي ما لا يكون لازماً لصاحبه وحدَه بل يكون متعدِياً عنه إلى غيره.
ثم بِقَدْرِ الأثر في التعدِّي يحصل الضر للمبتدىء.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَذْكُرُوَاْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلًا فَكَتََّكُمْ وَأَنْفُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ
اُلْمُفْسِدِينَ وَإِن كَانَ طَابِفَةٌ مِنكُمْ ءَامَنُواْ بِلَّذِى أُزْسِلْتُ بِهِ. وَطَآَيِفَةٌ لَّمْ يُؤْمِنُواْ فَأَصْبِرُواْ حَّ
يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَّأَ وَهُوَ خَيْرُ الْحَكِينَ﴾.
مَنَّ عليهم بتكثير العدد لأن بالتناصر والتعاون تمشي الأمور ويحصل المراد.
ويقال كما أن كل أمرٍ بالأعوان والأنصار خيراً أو شراً، فلا نعمة فوق اتفاق
الأنصار في الخير، ولا محنة فوق اتفاق الأعوان في الشر.
(١) التطفيف: نقص المكيال أو البخس في المكيال والميزان.

٣٤٤
تفسير سورة الأعراف
قوله جلّ ذكره: ﴿﴿ قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ أُسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ، لَنُخْرِجَنَّكَ يَشُعَيْبُ وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ
مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَّآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَّأْ قَالَ أَوْلَوْ كُنَّا كَرِمِينَ﴾ .
كما أن (أهل) الخير لا يميلون إلا إلى أشكالهم فأهل الشر لا ينصرون إلا من رأوا
بأنه يساعدهم على ما هم عليه من أحوالهم، والأوحد في بابه مَنْ بايَنَ نهج أضرابه .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَّ أَنْ نَّعُودَ فِيَهَا إِلَّا أَنْ يَآءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَبِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَىْءٍ
عِلْمَأْ عَلَى اللَّهِ تَوَكَلْنَأْ رَبَّنَا أَفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْهِنَا بِأَلْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَئِئِينَ﴾.
نطقوا عن صحة عزائمهم حيث قالوا: ﴿قَدِ أَفْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِى
مِلَّيِكُمْ﴾، ثم أقروا بالشكر حيث قالوا: ﴿بَعْدَ إِذْ نَجَنَّنَا ◌َللَّهُ مِنْهَا﴾، ثم تبرأوا عن حولهم
وقوتهم حيث قالوا: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَاَ أَنْ نَعُودَ فِيَهَا إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ رَبُّنَا﴾ يعني إِنْ يُلْبِسنا
لِبَاسَ الخذلان نُرَدُّ إلى الصغر والهوان.
ثم اشتاقوا إلى جميل التوكل فقالوا: ﴿عَلَى اللَّهِ تَوَكَّنَا﴾ أي به وَثِقْنا، ومنه الخيرَ
آمَّلْنا .
ثم فوضوا أمورهم إلى الله فقالوا: ﴿رَبِّنَا أَفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾ فتداركهم
الحقُّ - سبحانه - عند ذلك بجميل العِضمة وحسن الكفاية .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَقَالَ الْلَأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ، لَيْنِ أَتَّبَعْتُمْ ثُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذَا لَّخَسِيرُونَ
فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِىِ دَارِهِمْ جَثِمِينَ ﴾ .
تواصوا فيما بينهم بتكذيب نبيّهم، وأشار بعضهم باستشعار وقوع الفتنة بمتابعته،
وكانوا مخطئين في حكمهم، مبطلين في ظنهم، فعُلِمَ أنَّ كل نصيحة لا يجب قبولها،
وكل إشارة لا يَحْسُنُ اتباعُها .
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَفْنَوْاْ فِيهَا﴾ كانت لهم غلبتهم في وقتهم،
ولكن لما اندرست أيامُهم سَقَطَ صِيتُهم، و (خمد) ذكرهم، وانقشع سحابُ مَنْ تَوَهَّم
أنَّ منهم شيئاً .
قوله جلّ ذكره: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَانُواْ هُمُ الْخَسِنَ﴾ .
الحقُّ غَالِبٌ في كل أمر، والباطل زاهق بكل وصف، وإذا كانت العِزَّةُ نعتَ مَنْ
هو أزليُّ الوجود، وكان الجلال حقَّ مَنْ هو المَلِك فأي أثر للكثرة مع القدرة؟ وأي
خطر للعمل مع الأزل؟ ولقد أنشدوا في قريبٍ من هذا:
استقبلني وسيفه مسلول وقال لي واحدنا معذول
قوله جلّ ذكره: ﴿فَوَلَّ عَنْهُمْ وَقَالَ يَقَوْمِ لَقَدْ أَبَغْنُكُمْ رِسَلَتِ رَقِّ وَنَصَحْتُ لَكُنّ
فَكَّفَ ءَامَى عَلَى قَوْمٍ كَفِينَ﴾ .

٠٣٤٥
تفسير سورة الأعراف
بَيَّنَ أنه راعى حدَّ الأمر؛ فإذا خرج عن عهدة التكليف في التبليغ فما عليه من
إقرارهم أو إنكارهم، من توحيدهم أو جحودهم؛ إِنْ أحسنوا فالميراثُ الجميلُ لهم،
وإن أساءوا فالضررُ بالتألم عائدٌ عليهم، ومَالِكُ الأعيان أولى بها من الأغيار، فالخَلْقُ
خَلْقُه والمُلكُ مُلْكُه؛ إن شاءَ هداهم، وإن شاء أغواهم، فلا تأشُّفُ على نفيٍ وفقد،
ولا أثر من کوْنٍ ووجود.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مِّنِ نٍَِّ إِلَّ أَخَذْنَا أَمْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّآءِ
لَعَلَّهُمْ يَضََّّعُونَ ثُمَّ بَذَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَّةَ حَتَّى عَفَواْ وَقَالُواْ قَدْ مَشَ ءَابَءَنَا الضَّرّاءُ وَالسَّرَّآءُ
فَأَخَذْنَهُمْ بَغْنَةُ وَهُمْ لَا يَشْعُونَ ﴾ .
حرَّكهم بالبلاء الأَهْوَنِ تحذيراً من البلاء الأصعب، فإذا تمادوا في غيهم، ولم
ينتبهوا من غفلتهم مَدَّ عليهم ظلالَ الاستدراج، ووسّع عليهم أسباب التفرقة مكراً بهم
في الحال، فإذا وَطَّنُوا - على مساعدة الدنيا - قلوبهمَ، وركنوا إلى ما سوَّلت لهم من
امتدادها، أبرز لهم من مكامن التقدير ما نَغَّصَ عليهم طيبَ الحياة، واندِق بغتةً عُنُقُ
السرور، وشَرِقُوا بما كانوا ينهلون من كاسات المنى، فتبدّل ضياءُ نهارهم بِسُدْفَةٍ
الوحشة، وتكدّر صافي مشربهم بيد النوائب، كما سبقت به القسمة .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىّ ءَامَنُواْ وَأَتَّقَوْاْ لَفَتَحْنَا عَلَّهِم بَرَّكَتٍ مِنَ السَّمَاءِ
وَلْأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَ أَنْ يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَتًا وَهُمْ
نَآَيَمُونَ ﴾ .
لو آمنوا بالله، واتَّقُوا الشِرْكَ لفتحنا عليهم بركاتٍ من السماء والأرض بأسبابٍ
العطاء - ولكنْ سَبَقَ بخلافه القضاء - وأبوابِ الرضاء، والرضاءُ أتمُّ من العطاء.
ويقال ليست العِبْرة بالنعمة إنما العبرة بالبركة في النعمة، ولذا لم يَقُلْ أضعفنا
لهم النعمة ولكنه قال: باركنا لهم فيما خوَّلنا.
قوله جلّ ذكره: ﴿أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَىَ أَنْ يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا ضُحَى وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ .
أكثر ما ينزل البلاء ينزل فجأةً على غفلةٍ من أهله، ويقال مَنْ حَذِرَ البيات لم
یجد رزحَ الُّقاد.
1 4
ويقال رُبَّ ليلةٍ مُفْتَتَحةٍ بالفَرَحِ مختتمةٌ (بالترح). ويقال رُبّ يومٍ تطلع شمسه من
أوج السعادة قامت ظهيرته على قيامَ الفتنة .
قوله جلّ ذكره: ﴿أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ الَّهِ فَلَ بَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَسِرُونَ﴾.
يقال مَنْ عرف علوّ قدره - سبحانه - خشي خفيّ مكره، ومَنْ أَمِنَ خفيّ مكره
نَسِيَ عظیم قَدْرِه.

٣٤٦
تفسير سورة الأعراف
قوله جلّ ذكره: ﴿أَوَلَمْ يَهْدٍ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَاْ أَنْ لَّوْ نَشَآءُ
أَصَبْنَهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ .
أَوَ لا يعلم المغترون بطول سترنا أَنْ لو أردنا لعجَّلنا لهم الانتقام، أو بلغنا فيهم
الاصطلام، ثم لا ينفعهم ندم، ولا يُشْكى عنهم ألم.
قوله جل ذكره: ﴿تِلْكَ الْقُرَى نَقُضُ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَابِهَا وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيْنَتِ فَمَا
كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبٍ الْكَثِفِينَ﴾.
سلكوا طريقاً واحداً في التمرد، واجتمعوا في خطٍ واحد في الجحد والشّبلُّد؛
فلا للإيمان جَنَحُوا، ولا عن العدوان رجعوا، وكذلك صفة من سَبَقَتُ بالشقاء قِسمتُه،
وحقت بالعذاب علیه کَلِمتُه .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَسِقِينَ﴾ .
نجم في الغدر طارِقُهم، وأَقَلَ من سماء الوفاء شارِقُهم، فَعَدِمَ أكثرُهم رعاية
العهد، وحقت من الحق لهم قسمة الرد والصد .
ويقال: شكا مِنْ أكثرِهم إلى أقلْهم، فالأكثرون مَنْ ردَّتهم القسمة، والأقلون مَنْ
قَبِلَتْهم الوصلة .
قوله جلّ ذكره: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ تُوسَى بِثَايَتِنَآ إِلَى فِرْعُونَ وَمَلَإِيْهِ، فَظَلَمُواْ بِهَّا فَأَنْظُرْ
كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ .
لما انقرضت أيامُهم، وتَقَاصَر عن بساط الإجابة إقْدامُهم بعث موسى نبيّه، وضمَّ
إليه هارون صفيَّه، فقُوبِلا بالتكذيب والجحود، فسلك بهم مسلك إخوانهم في
التعذيب والتبعيد.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَفِرْعَوْنُ إِنِّ رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَلَمِينَ حَقِيقٌ عَلَ أَنْ لَّ
أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّ الْحَقَّ قَدْ ◌ِثْنُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِىَ بَنِّ إِسْرَّهَيَلَ قَالَ إِن كُنُتَ جِئْتَ
◌ِثَايَةٍ فَأْتِ بِهَآَ إِن كُنتَ مِنَ الصَّدِقِينَ﴾ .
الرجوعُ إلى دعاء فرعون إلى الله بعد سماع كلام الله بلا واسطة صعبٌ شديد،
ولكنه لمَّا وَرَدَ الأمرُ قابله بحسن القبول، فلما ترك اختيار نفسه أيّده الحق - سبحانه -
بنور التأييد حتى شَاهَدَ فرعونَ محواً في التقدير فقال: ﴿حَقِيقُ عَلَى أَن لَّ أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا
الْحَقّ﴾ فإِذا لم يصح له أن يقول على الخلق؛ فالخلق محوّ فيما هو الوجود الأزلي
فأيُّ سلطانٍ لآثار التفرقة في حقائق الجمع؟
قوله: ﴿قَالَ إِن كُنْتَ حِثْتَ بِثَايَةٍ فَأْتِ بِهَآَ إِن كُنتَ مِنَ الصَّدِقِينَ﴾: من المعلوم أن
مجرَّد الدعوى لا حجة فيه، ولكن إذا ظهر برهانٌ لم يبق غيرُ الانقياد لِمَا هو الحق،

٣٤٧
تفسير سورة الأعراف
فَمَنْ استسلم ( .... )(١)، ومَنْ جَحَدَ الحقائق بعد لوح البيان سقط سقوطاً لا ينتعش.
قوله جلّ ذكره: ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾ .
إنما أظهر له المعجزةَ مِنْ عَصَاه لطولٍ مقارنته إياها، فالإنسانُ إلى ما أَلِفَه أَسْكَنُ
بقلبه. فلَّما رأى ما ظهر في العصا من الانقلاب أخذ موسى عليه السلام في الفرار
لتحققه بأن ذلك من قهر الحقائق، وفي هذا إشارة إلى أنَّ السكونَ إلى شيءٍ غِرَّةٌ
وغفلةً ايش ما كان، فإِنَّ تقلب العبد في قَبْضٍ القدرة، وهو في أَسْر التقلُّب، وليس
للطمع في السكون مساٌ بحال.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِىَ بَيْضَلَّهُ لِلنَّظِرِينَ﴾ .
العصا - وإِنْ كانت معه من زمنٍ - فَيَدُه أخصُّ به لأنها عضو له، فكاشَفَه أولاً
بِرَسَم مِنْ رسْمِه ثم أشهده من ذاته في ذاته ما عَرَفَ أنه أولى به منه، فلما رأى انقلابَ
وصفّ في يده عَلمَ أنه ليس بشيء من أمره بيده.
قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمٍ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَحُ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِكُمْ مِنْ
أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ﴾ .
إذا أراد اللَّهَ هوان عبدٍ لا يزيد الحقَّ حُجَّةً إلا ويزيد لذلك المُبْطِل فيه شبهةً ؛
فكلَّما زاد موسى - عليه السلام - في إظهار المعجزات ازدادوا حيرةً في التأويلات.
قوله جلّ ذكره: ﴿قَالُواْ أَرْجِهِ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِىِ الْمَدَآَيِنِ حَشِينٌ يَأْتُوَكَ بِكُلِّ سَحِرٍ عَلِيمٍ﴾ .
تَوهَّمَ الناسُ أنهم بالتأخير، وتقديم التدبير، وبذل الجهد والتشمير يُغَيِّرون شيئاً
من التقدير بالتقديم أو بالتأخير، ولم يعلموا أن القضاءَ غالِبٌ، وأنَّ الحكمَ سابقٌ،
وعند حلول الحكم فلا سلطانَ للعلم والفهم، والتسرع والحِلْم .. كلا، بل هو الله
الواحد القهار العلام.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَجَآءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُواْ إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَلِينَ قَالَ
نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِيَنَ قَالُواْ يَمُوسَىَ إِّآ أَنْ تُلْقِىَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ قَالَ أَلْقُواْ فَلَغَآ
أَلْقَوْاْ سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَأَسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَآءُو بِسِخْرٍ عَظِيمٍ﴾ .
ظنوا أنهم يَغْلِبُون بما يسحرون، ولم يعلموا أن تأثير القدرة فيهم أغلب من تأثير
سحرهم، وأنه لا يرد عنهم ما زَوَّرُوه في أنفسهم من فنون مكرهم فكادوا وكِيدَ لهم،
فهو كما قيل :
ورمانسي بأسهم صائباتٍ
وتعمدته بسهم فظاشا
(١) بياض في الأصل.

٣٤٨
تفسير سورة الأعراف
فَبَيْنَاهم في توهّم أنَّ الغلبة لهم فُتِحَ عليهم - من مكامن القدرة - جيشٌ، فوجدوا
أنفسهم - في فتح القدرة - مقهورين بسيف المشيئة.
قوله جل ذكره: ﴿﴿ وَأَوْحَيْئاً إِلَى مُوسَقَ أَنْ أَلْقِ عَصَالِكٌ فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ فَوَقَعَ
اَلْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوْ يَعْمَلُونَ فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَأَنْقَبُواْ صَغِرِينَ وَأَلْقِىَ السَّحَرَةُ سَجِدِينَ قَالُواْ ءَامَنَّا بِرَبِّ
اَلْعَلَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَدُرُونَ ﴾ .
مَوَّهُوا بسحرهم أنهم غَلَبُوا، فَأَدْخْلِ الله - سبحانه - على تمويهاتهم قهرَ الحق،
وطاشت تلك الجِيَلُ، وخاب منهم الأمل، وجذب الحقُّ - سبحانه - أسرارهم على
الوهلة فأصبحوا في صدر العداوة، وكانوا - في التحقيق - من أهل الود. فسبحان مَنْ
يُبْرِزِ العدوَّ في نعت الولي؛ ثم يقلب الكتابَ ويُظْهِرُ الوليَّ في نعت العدو، ثم يأبى
الحَالُ إلا حصولَ المَقْضِيِّ.
قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ ءَامَنْتُم بِهِ، قَبْلَ أَنْ ◌َذَنَ لَكُّنْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَّرْتُمُوهُ فِى
الْمَدِينَةِ لِنْخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ ◌َِفٍ ثُمَ لَأُصَلِيَتَّكُمْ
أَجْمَعِينَ﴾ .
خاطبهم معتقداً أنهم هم الذين كانوا (١)، وهم يعلمون أن تلك الأسرار قد
خرجت عن رِقْ الأشكال، وأن قلوبهم طهرت عن توهم التفرقة، وأن شمس العرفان
طلعت في سماءِ أسرارهم، فأشهدوا الحقَّ بنظر صحيح، ولم يبقَ لتخويفات النفس
فيهم سلطان، ولا لشيء من العلل بينهم مساغ.
قوله جلّ ذكره: ﴿ قَالُوَأْ إِنَّا إِلَى رَيْنَا مُنْقَلِبُونَ﴾ .
لمَّا كان مصيرهم إلى الله سَهُلَ عليهم ما لقوا في مَسيرهم إلى الله .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَا لَنْقِمُ مِنَّا إِلَّ أَنْ ءَامَنَا بِثَايَتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبََّاً أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا
وَتَوَقََّا مُسْلِمِينَ﴾ .
لما عَمِلُوا لله، وأوذوا في الله، صدقوا القصد إلى الله، وطلبوا المعونة من قِبَلٍ
الله، كذا سُنَّةُ مَنْ كان لله أن يكون كلُّه على الله.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمٍ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِىِ الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ
وَءَالَتَّكَ قَالَ سَنُقَيِلُ أَبَهُمْ وَنَسْتَعِ نِسَآءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ فَِهِرُونَ﴾ .
لما استزادوا من فرعون في التمكين من موسى وقومه استنكف أن يقر بعجزه،
ويعترف بقصور قدرته، فتوعد موسى وقومه بما عكس الله عليه تدبيره، وغلب عليه تقديره.
(١) انظر الرسالة القشيرية ص ٣١٧.

٣٤٩
تفسير سورة الأعراف
قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ أَسْتَعِينُواْ بِاللَّهِ وَأَصْبِرُواْ إِبَ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا
مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَالْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾.
أحالهم على الله فإن رجوعَه إليه، فقال لهم: إن رجوعي - عند تحيري في
أموري - إلى ربي، فليكن رجوعُكم إليه، وتوكّلُكم عليه، وتَعَرَّضوا لنفحات يُسْرِهِ،
فإنه حَكَمَ لأهل الصبر بجميل العُقبى .
قوله جلّ ذكره: ﴿قَالُوَاْ أُوْذِينَا مِن قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَأَ قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ
يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَغْلِفَكُمْ فِى الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ .
خفي عليهم شهودُ الحقيقة، وغُشِيَ على أبصارهم حتى قالوا توالت علينا
البلايا؛ ففي حالك بلاء، وقَبْلكَ شقاء .. فما الفضل؟ فأجابهم موسى - عليه السلام -
بما علق رجاءهم بكشف البلاء فقال: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَكُمْ﴾ فوقفهم على
الانتظار. ومن شهد ببصر الأسراء شهد تصاريف الأقدار.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ بِالسّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَتِ لَعَلَّهُمْ
يَذَّكَّرُونَ﴾ .
شدَّد عليهم وطأة القدرة بعدما ضاعف لديهم أسباب النعمة، فلا الوطأة
أصلحتهم شِدَّتُها ولا النعمة نبهتهم كثرتها، لا بل إنْ مَسَّهم يُسْرٌ لاحظوه بعين
الاستحقاق، وإن مَسَّهُم عُسْرٌ حملوه على التَّطَيُّرِ بموسى - عليه السلام - بمقتضى
الاغترار.
قوله جلّ ذكره: ﴿فَإِذَا جَ تْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَذِهِ، وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى
وَمَنْ نَعَهُ﴾ .
الكفورُ لا يرى فضل المنعم؛ فيلاحظ الإحسان بعين الاستحقاق، ثم إذا اتصل
بشيء مما يكرهه تجنّ وحمل الأمر على ما يتمنّى :
ملَّ الوصال وقال كان وكانا
وكذا المَلُولُ إذا أراد قطيعة
سَتّر القبيح وأظهر الإحسانا
إن الكريم إذا حبّاكَ بودِّه
قوله جل ذكره: ﴿أَلََّ إِنَّمَا طَبِرُهُمْ عِندَ النَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ .
المتفرد بالإيجاد هو الواحد ولكن بصائرهم مسدودة، وعقولهم عن شهود
الحقيقة مصدودة، وأفهامهم عن إدراك المعاني مردودة .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْنَا بِهِ، مِنْ ءَايَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَّكَ بِعُؤْمِينَ﴾.
جعلوا الإصرار على الاستكبار شعارَهم، وهتكوا بألسنتهم - في العتوُ - أستارهم.

٣٥٠
تفسير سورة الأعراف
قوله جل ذكره: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الُْطُوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَارِعَ وَالذَّمَ ءَايَتٍ مُّفَصَّلَتٍ
فَأْسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا تُجْرِمِينَ﴾ .
جَنَّسَ عليهم العقوباتِ لمَّا نوَّعُوا وجَنَّسوا فنونَ المخالفات، فلا إلى التكفير
عادوا، ولا إلى التطهير تصدوا، وعوقبوا بِصَرْفٍ قلوبهم عن شهود الحقائق وذلك أبلغُ
مما اتصل بظواهرهم من فنون البلايا .... ونعوذُ بالله من السقوط عن عين الله.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الْرِجْزُ قَالُواْ يَمُوسَى أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندٌَ
لَبِن كَشَفْتَ عَنَّا الْرِجْزَ لَتُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِىّ إِسْرَِّيلَ﴾ .
لم يقولوا ادع لنا ربَّنا، بل ﴿قَالُواْ يَمُوسَى أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ فهم ما ازدادوا بزيادة تلك
المحن إلا بعداً وأجنبية .
قوله جلّ ذكره: ﴿فَلَمَّا كَثَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَ أَجَلٍ هُم بَلِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنَكُونَ
فَانَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْتَّهُمْ فِىِ الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِشَايَِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَفِينَ﴾ .
أبرزوا العهد ثم نقضوه، وقدموا العهد ثم رفضوه، وكما قيل :
كذي الضنى عاد إلى نكسه (١)
إذا ارعوى عاد إلى جهله
حتى يُوارى في ثرى رمسه (٢)
والشيخُ لا يترك أخلاقه
قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَرِقَ الْأَرْضِ وَمَغَرِبَهَا الَِّى
بَرَّكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَيْكَ الْحُسْنَى عَلَ بَنِيّ إِسْنَّهِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ
فِرْعَوْثُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ﴾.
مَنْ صبر على مقاساة الذُّلُ في الله وضع الله على رأسه قلنسوة(٣) العرفان، فهو
العزيز سبحانه، لا يُشْمِتُ بأوليائه أعداءهم، ولا يضيع من جميل عهده جزاءهم.
قوله جل ذكره: ﴿وَجَوَزْنَا بِبَنِّ إِسْرَِّيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْ عَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَاءٍ لَّهُمَّ
قَالُواْ يَمُوسَى أَجْعَل لَّا إِلَهَا كُمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إِنَّ هَؤُلَاءٍ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَيَطِلٌّ
مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ .
لم تَخْلُصْ في قلوبهم حقائقُ التوحيد فتاقت نفوسهم إلى عبادة غير الله، حتى
قالوا لنبيِّهم موسى - عليه السلام -: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة. وكذا صفة من لم
يتحرر قلبُه من إثبات الأشغال والأعلال، ومن المساكنة إلى الأشكال والأمثال.
(١) ارعوى عن القبيح والجهل ارعواء: كف عنه ورجع.
(٢) الرمس: القير أو ترابه (ج) أرماس ورموس.
(٣) القلنسوة: لباس للرأس مختلف الأنواع والأشكال (ج) فلانس.

٣٥١
تفسير سورة الأعراف
ويقال مَنْ ابتغى بالصنم أن يكون معبودَه متى يُتَوَّهم في وصفِه أَنْ يُخلِصَ إلى
اللَّهِ قصودَه؟
قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ أَغَيْرَ اَللَّهِ أَبْفِيكُمْ إِلَهَا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَلَمِينَ﴾.
ذكّرهم انفرادَه - سبحانه - بإنشائهم وإبداعهم، وأنه هو الإله المتفرد بالإيجاد،
ونَبَّهَهُم أيضاً على عظيم نعمته عليهم، وأنه ليس حقُّ إتمام النعمة عليهم مقابلتُهم إياها
بالتولّي لغيره والعبادةِ لِمَنْ سواه.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذْ أَنْنَكُمْ مِّنْ مَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوْءَ الْعَذَابِ يُقَئِّلُونَ
أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَهٌ مِّن رَّبِكُمْ عَظِيمٌ﴾ .
ما ازداد موسى - عليه السلام - في تعديد إنعام الله عليهم، وتنبيهم على عظيم
آلائه إلا ازدادوا جحداً، وبُغداً بالقلوب - عن محل العرفان - على بُعد، وهده أمارة
من بلاه - سبحانه - في السابق بالقطع والرد.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَوَعَدْنَا مُوسَى ثَلَثِينَ لَيْلَةُ وَأَتْمَمْنَهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَتُ رَيِّدِ:
أَرْبَعِينَ لَيْلَهُ﴾.
عِدَةُ الأحباب عزيزة، فإذا حصلت المواعدة بين الأحباب، فهي عذبة حلوة
كيفما كانت، وفي هذا المعنى أنشدوا:
أمطلينا وسَوْفي
وعِدِينا ولا تَفِي(١)
ويقال عَلَّلَ الحقُّ - سبحانه - موسى بالوعد الذي وعده بأن يُسْمِعَه مرةً أخرى
كلامَه، وذلك أنه في المرة الأولى ابتلاء بالإسماع من غير وعد، فلا انتظار ولا توقع
ولا أمل، فأخذ سماعُ الخطاب بمجامع قلب موسى - عليه السلام - فعلَّق قلبه
بالميقات المعلوم ليكون تأميله تعليلاً له، ثم إن وعد الحقُّ لا يكون إلا صدقاً،
فاطمأن قلبُ موسى - عليه السلام - للميعاد، ثم لمَّا مضت ثلاثون ليلة أتى كما سَلَفَ
الوعد فزاد له عشراً في الموعد. والمطل في الإنجاز غير محبوب إلا في سُنَّةُ
الأحباب، فإن المطل عندهم أشهى من الإنجاز، وفي قريب من هذا المعنى أنشدوا:
ومَنْينا المنى، ثم امطلينا
أقيمي لعمرك لا تهجرينا
عِدينا موعداً ما شِئْتِ إنّا
نحبُّ وإنْ مطلت تواعدينا
نعيش نؤمل فيك حينا
فإِما تنجزي وعدَكِ أو فإنا
قوله جل ذكره: ﴿وَقَالَ مُوسَى لِأَخِهِ هَدُرُونَ أَغْلُفْقِ فِ قَوْمِى وَأَصْلِحْ وَلَا تَنَّبِعْ سَبِيلَ
اُلْمُفْسِدِينَ﴾ .
(١) مطله: أجلّ موعد الوفاء به مرة بعد أخرى. التسويف: المطل والتأخير.

٣٥٢
تفسير سورة الأعراف
كان هارون - عليه السلام - حمولاً بحسن الخُلُقِ؛ لمَّا كان المرورُ إلى فرعونَ
استصحب موسى - عليه السلام - هارونَ، فقال الله - سبحانه -: ﴿وَأَشْرِكُهُ فِىّ أَمْرِى﴾
. [طه: ٣٢] بعد ما قال: ﴿وَأَخِى هَرُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّى لِسَانًا﴾ [القصص: ٣٤]. ولمَّا
كان المرور إلى سماع الخطاب أفرده عن نفسه، فقال: و﴿أَغْلُفْنِ فِى قَوْمى﴾ وهذا غاية
الحَمْلِ من هارون ونهاية التصبر والرضاء، فلم يَقُلْ: لا أقيم في قومك. ولم يقل:
هلَّا تحملني مع نفسك كما استصحبتني حال المرور إلى فرعون؟ بل صبر ورضي بما
لزم، وهذه من شديدات بلاء الأحباب، وفي قريب منه أنشدوا:
حلَّ وفاقاً لزفرتي وشهيقي
قال لي من أحب والبين قد
قلت: أبكي عليك طول الطريق
ما تُرى في الطريق تصنع بعدي
ثم إن موسى لما رجع من سماع الخطاب، فرأى من قومه ما رأى من عبادة
العِجل أخذ برأس أخيه يجره إليه حتى استلطفه هارون - عليه السلام - في الخطاب،
فقال: ﴿يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحَْتِى وَلَا بِرَأْسِ﴾ [طه: ٩٤].
ويقال لو قال هارون - عليه السلام: إن لم تعوضني عما فاتني من الصحبة فلا
تعاتبني فيما لم أذنب فيه بحال ذرةً ولا حبَّةً .. لكان موضع هذه القالة.
ويقال الذنبُ كان من بني إسرائيل، والعتاب جرى مع هارون، وكذا الحديث
والقصة، فما كلُّ مَنْ عصى وجنى استوجب العتابَ، فالعتابُ ممنوعٌ عن الأجانب.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَمَّا جَآءَ مُوسَى لِمِيْقَدِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُ قَالَ رَبٍّ أَرِفِ أَنْفُرْ إِلَيْكَْ قَالَ لَنْ
تَِ وَلَكِنْ أَقُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ أَسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَبِّ فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ
دَكًا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقَاً﴾ .
جاء موسى مجيء المشتاقين مجيء المُهِيَّمين، جاء موسى بلا موسى، جاء
موسى ولم يَبْقَ من موسى شيءٌ لموسى. آلافُ الرجال قطعوا مسافاتٍ طويلة فلم
يذكرهم أحد، وهذا موسى خطا خطواتٍ فإلى القيامة يقرأ الصبيان: ﴿وَلَنَّا جَآءَ
مُوسَى﴾ .
ويقال لمَّا جاء موسى لميقات باسطٍ الحق - سبحانه - سقط بسماع الخطاب،
فلم يتمالك حتى قال: ﴿أَرِفِ أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾، فإِنَّ غَلَبَاتِ الوجد عليه استنطقته بطلبٍ
كمال الوصلة من الشهود، وكذا قالوا:
وأبرحُ ما يكونُ الشوقُ يوماً
إذا دَنَتْ الخيامُ من الخيام
ويقال صار موسى - عليه السلام - عند سماع الخطاب بعين السُّكْر فنطق ما
نطق، والسكران لا يُؤخذ بقوله، ألا ترى أنه ليس في نص الكتاب معه عتاب بحرف؟

٣٥٣
تفسير سورة الأعراف
ويقال أخذته عِزَّةُ السَّماع فخرج لسانه عن طاعته جرياً على مقتضى ما صحبه مِنْ
الأَرْيَحَيَّةَ وبَسْطِ الوصلة .
ويقال جمع موسى - عليه السلام - كلماتٍ كثيرةً يتكلم بها في تلك الحالة؛ فإن
في القصص أنه كان يتحمل في أيام الوعد كلمات الحق، ويقول لمعارفه: ألكم حاجة
إلى الله؟ ألكم كلام معه؟ فإني أريد أن أمضي إلى مناجاته .
ثم إنه لما جاء وسمع الخطاب لم يذكر - مما دبره في نفسه، وتحمله من قومه،
وجمعه في قلبه - شيئاً ولا حرفاً، بل نطق بما صار في الوقت غالباً على قلبه، فقال:
﴿رَبِّ أَرِفِّ أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ وفي معناه أنشدوا:
فيا ليلَ كم من حاجةٍ لي مهمة
إذا جئتُكم ليلى فلم أدرِ ماهِيَا
ويقال أشدُّ الخَلْقِ شوقاً إلى الحبيب أقربُهم من الحبيب؛ هذا موسى عليه
السلام، وكان عريق الوصلة، واقفاً في محل المناجاة، محدقة به سجوفُ التولي،
غالبة عليه بوادِهُ الوجود، ثم في عين ذلك كان يقول: ﴿رَبٍ أَرِفِ أُنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ كأنه
غائبٌ عن الحقيقة. ولكن ما ازداد القومُ شَرْباً إلا ازدادوا عطشاً، ولا ازدادوا تيماً إلا
ازدادوا شوقاً، لأنه لا سبيل إلى الوصلة إلا بالكمال، والحقُّ - سبحانه - يصونُ أسرار
أصفيائه عن مداخلة الملال .
ويقال نطق موسى عليه السلام بلسان الافتقار فقال: ﴿رَبِّ أَرِفِ أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ ولا
أقلّ من نظرة - والعبد قتيل هذه القصة - فقوبل بالردِّ، وقيل له: ﴿لَنْ تَرَِ﴾ وكذا قهر
الأجباب ولذا قال قائلهم:
وبخله أظرف من بذله
جَوْرُ الهوى أحسن من عَدْلِه
ويقال لمَّا صرَّح بسؤال الرؤية، وجهر صريحاً رُدَّ صريحاً فقيل له: ﴿لَنْ
تَرَِ﴾، ولما قال نبيّنا - وَ﴿ - بِسِرُّه في هذا الباب، وأشار إلى السماء منتظراً الرد
والجواب من حيث الرمز نزل قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلْيَنََّ
قِبْلَةً تَرْضَهًا﴾ [البقرة: ١٤٤] فردَّه إلى شهود الجهات والأطلال إشارة إلى أنه أعزُّ من
أن يطمح إلى شهوده - اليومَ ـ طَرْفٌ، بل الألحاظ مصروفة موقوفة - اليومَ - على
الأغيار .
ويقال لما سَمَتْ همَّتُه إلى أسنى المطالب - وهي الرؤية - قوبل ((بِلَنْ، ولمَّا
رجِعَ إلى الخلق وقال للخضر ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشدًا﴾ [الكهف:
٦٦]، قال الخضر: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٦٧] فقابله بلن، فصار الردُّ
موقوفاً على موسى - عليه السلام من الحق ومن الخلق، ليكون موسى بلا موسى،

٣٥٤
تفسير سورة الأعراف
ويكون موسى صافياً عن كل نصيب لموسى من موسى، وفي قريب منه أنشدوا:
( ...... )(١) نحنُ أهلُ منازلٍ أبداً غرابُ البيْن فينا ينعق(٢)
ويقال طلب موسى الرؤية وهو بوصف التفرقة فقال: ﴿رَبِّ أَرِفِ أَنْظُرْ إِلَيْكَّ﴾
فأجيب بلن لأن عين الجمع أتم من عين الفَرْق. فزع موسى حتى خَرَّ صعقاً(٣)، والجبل
صار دَكّاً. ثم الروح بعد وقوع الصعقة على القالب مكاشفته بما هو حقائق الأحدية،
ويكون الحقُّ - بعد امتحاء معالم موسى - خيراً لموسى من بقاء موسى لموسى، فعلى
الحقيقة: شهود الحقائق بالحقّ أتمُ من بقاء الخلق بالخُلق، كذا قال قائلهم:
ولوجهها من وجهها قمرٌ
ولعينها من عينها كحل
ويقال البلاء الذي ورد على موسى بقوله: ﴿فَإِنِ أُسْتَفَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَتِىٌ﴾
﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُُّ لِلْجَبَلِ جَعَلَمُ دَڪًا﴾ أتمُّ وأعظم منه قولُه: ﴿لَنْ تَرَِ﴾ لأن ذلك
صريحٌ في الرد، وفي اليأس راحة. لكنَّه لما قال فسوف أطْمِعُه فيما مُنعِه فلما اشتد
موقفه جعل الجبل دكاً، وكان قادراً على إمساك الجَبَل، لكنه قهر الأحباب الذي به
جَرَتْ سُنتُهم.
ويقال في قوله: ﴿أُتُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾ بلاءٌ شديد لموسى لأنه نُفِيَ عن رؤية
مقصوده ومُنِيَ برؤية الجبل، ولو أذِنَ له أَنْ يُغْمِضَ جفنَه فلا ينظر إلى شيء بعدما بقي
عن مراده من رؤيته لكان الأمرُ أسهلَ عليه، ولكنه قال له: ﴿لَنْ تَرَئِ وَلَكِنِ آَتْقُرْ إِلَىَ
اُلْجَبَلِ﴾ .
ثم أشدُّ من ذلك أنه أعطى الجبل التَّجليَ؛ فالجبل رآه وموسى لم يَرَه، ثم أَمَرَ
موسى بالنظر إلى الجبل الذي قدم عليه في هذا السؤال، وهذا - واللَّهِ - لصعبٌ
شديد !! ولكن موسى لم ينازع، ولم يقل أنا أريد النظر إليك فإذا لم أرَكَ لا أنظر إلى
غيرك بل قال: لا أرفع بصري عما أمرتني بأن أنظر إليه، وفي معناه أنشدوا:
فأترك ما أريسد لما يريد
أريدُ وصالَه ويريد هجري
ويقال بل الحق سبحانه أراد بقوله: ﴿وَلَكِنِ أَتْقُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾ تداركَه قلبَ موسى
- عليه السلام - حيث لم يترك على صريح الرد بل علله برفق كما قيل:
فذريني أفني قليلاً قليلاً
(١) بياض في الأصل.
(٢) الغُراب: جنس طير من الجواثم. يطلق على أنواع كثيرة، منها الأسود. والعرب يتشاءمون به إذا
نعق قبل الرحيل، ويسمونه غراب البين، ويُضرب به المثل في السواد والبكور والحذر والبُعد.
(٣) أي غُشي عليه .

٣٥٥
تفسير سورة الأعراف
ويقال لما رُدَّ موسى إلى حال الصحو وأفاق رجع إلى رأس الأمر فقال: ﴿تُبْتُ
إِلَيْكَ﴾ يعني إن لم تكن الرؤية هي غايه المرتبة فلا أقل من التوبة، فَقَبِلَه - تعالى -
لسمو همته إلى الرتبة العلية .
قوله جل ذكره: ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ﴾.
هذه إناخة بعقوة العبودية، وشرط الإنصاف ألا تبرحَ محلّ الخدمة وإِنْ حيل
بينك وبين وجود القربة؛ لأن القربةَ حظّ نفسك، والخدمةً حقُّ ربك، وهي تتم بألا
تكون بحظ نفسك.
قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ يَمُوسَىّ إِى أَصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِسَلَِ وَبِكَلَِّى فَخُذْ مَآ ءَاتَيْتُكَ
وَكُنْ مِنَ الشَّكِرِينَ﴾ .
هذا الخطاب لِتَدَارُكِ قلب موسى - عليه السلام - بكل هذا الرُّفق، كأنه قال: يا
موسى، إني منعتُكَ عن شيء واحد وهو الرؤية، ولكني خصصتُك بكثيرٍ من الفضائل؛
اصطفيتُك بالرسالة، وأكرمتُك بشرف الحالة، فاشكر هذه الجملة، واعرف هذه
النعمة، وكنْ من الشاكرين، ولا تتعرض لمقام الشكوى، وفي معناه أنشدوا:
إنّ أعرضوا فهم الذين تَعَطَّقُوا
وإنْ جَنَوْا فاصبر لهم إن أخلفوا
وفي قوله سبحانه: ﴿وَّكُنْ مِّنَ الشَّكِرِينَ﴾ إشارة لطيفة كأنه قال: لا تكن من
الشاكين، أي إِنْ منعتُكَ عن سُؤْلِك، ولم أعْطِك مطلوبَك فلا تَشْكُنِي إذا انصرفتَ.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِى الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَىْءٍ مَّوْعِظَةُ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ
شئْءٍ﴾ .
وفي الأثر: أن موسى عليه السلام كان يسمع صريرَ القلم، وفي هذا نوع لطف
لأنه إن منع منه النظر أو منعه من النظر فقد علله بالأثر.
قوله جلّ ذكره: ﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾ .
فيه إشارة إلى أن الأَخْذَ يُشير إلى غاية القرْبِ، والمراد ها هنا صفاءُ الحال، لأن
قربَ المكانِ لا يَصِحُ على الله سبحانه.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا﴾ .
فَرْقٌ بين ما أمر به موسى من الأخذ وبين ما أمره أن يأمر به قومه من الأخذ،
أَخْذُ موسى عليه السلام من الحق على وجهٍ من تحقيق الزلفة وتأكيد الوصلة، وأَخْذُهُم
أخذُ قبولٍ من حيث التزام الطاعة، وشتان ما هما !.
قوله: ﴿يَأَحْسَنِهَا﴾ بمعنى بِحُسْنِها، ويحتمل أن تكون الهمزة للمبالغة

٣٥٦
تفسير سورة الأعراف
يعني: بأحسنها ألا تعرّج على تأويل وارجع إلى الأَوْلى(١).
قوله جلّ ذكره: ﴿سَأُوْرِكُمْ دَارَ الْفَسِفِينَ﴾.
يعني عليها غَبَرةُ العقوبة، خاوية على عروشها، ساقطة على سقوفها، مُنْهَدٌّ
بنيانُها، عليها قَتَرةُ العِقاب .
والإشارة من دار الفاسقين إلى النّفوس المتابعة للشهوات، والقلوب التي هي
معادن المنى وفاسد الخطرات، فإنَّ الفِسقَ يوجب خرابَ المحل الذي يجري فيه؛
فمن جرى على نفسه فِسْقْ خربت نفسه. وآية خراب النفوس انتفاءُ ما كان عليها وفيها
من سكان الطاعات، فكما تتعطل المنازل عن قطانها إذا تداعت للخراب فكذلك إذا
خربت النفوس بعمل المعاصي فتنتفي عنها لوازم الطاعات ومعتادها، فبعد ما كان
العبد يتيسر عليه فعل الطاعات لو ارتكب شيئاً من المحظورات يشق عليه فعل العبادة،
حتى لو خُيِّر بين ركعتي صلاة وبين مقاساة كثيرٍ من المشاق آثر تحمل المشاقُ على
الطاعة .. وعلى هذا النحو ظلمُ القلوب وفسادُها في إيجاب خراب محالها.
قوله جلّ ذكره: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَتَِ الَّذِينَ يَتَكَبَرُونَ فِى الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْأْ
كُلَّ ءَايَةٍ لَّا يُؤْمِنُواْ بِهَا﴾.
سأَخرُمُ المتكبرين بركاتِ الاتباع حتى لا يقابلوا الآياتِ التي يُكاشَفُون بها
بالقبول، ولا يسمعوا ما يُخَاطَبُون به بسمع الإيمان.
والتكبّر جحدُ الحق - على لسان العلم، فَمَنْ جَحَدَ حقائقَ الحقُّ فجحودُه تكبُّره
واعتراضُه على التقدير مما يتحقق جحودُه في القلب.
ويقال التكبِّر توهمُ استحقاقِ الحقِّ لك.
ويقال من رأى لنفسه قيمةً في الدنيا والآخرة فهو متكبر.
ويقال مَنْ ظنَّ أَنَّ شيئاً منه أو له أو إليه - من النفي والإثبات - إلا على وجه
الاكتساب فهو متكبِّر.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِن يَرَوْأْ سَيِلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْ سَبِيلَ اَلْفِّ
يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَتَّهُمْ كَذَّبُواْ بِشَايَتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَفِينَ وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِشَايَتِنَا وَلِقَآءِ
الَخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ هَلْ يُجْزَوْفَ إِلَّمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾
تبيَّن بهذا أنه لا يكفي شهودُ الحقُّ حقاً وشهودُ الباطلِ باطلاً بل لا بُدَّ من شهود
الحق من وجود التوفيق للحق، ومنع شهود الباطل من وجود العصمة من اتباع الباطل.
(١) هنا يلمح إلى موضوع الرخص (انظر الرسالة القشيرية ص ٣٨٠ - ٣٨١).

٣٥٧
تفسير سورة الأعراف
ويقال إِنَّ الجاحِدَ للحقُ - مع تحققه به - أقبحُ حالةً من الجاهل به المُقصِّرِ في
تعريفه .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ حُلِيْهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ﴾ .
لم يُطَهِّر قلوبَهم - في ابتداء أحوالهم - عن توهم الظنون، ولم يتحققوا بخصائص
القِدَم وشروط الحدوث، فعثرت أقدام فكرهم في وهاد المغاليط لما سلكوا المسير.
ويقال إن أقواماً رضوا بالعِجلٍ. أن يكونَ معبودَهم متى تشم أسرارُهم نسيمَ
التوحيد؟ هيهات لا! لا ولا مَنْ لاحظ جبريلَ وميكائيلَ والعرشَ أو الثّرى، أو الجِنَّ
أو الورى. وإِنَّ مَنْ لَحِقَه ذلك أو وجد من قبيل ما يقبل نعوت الحدثان، أو صحَّ في
التجويز أن ترتقي إليه صواعد التقدير وشرائط الكيفية فغيرُ صالح لاستحقاق الإلهية .
ويقال شئَّان بين أمة وأمة! أمة خرج نبيهم عليه السلام من بينهم أربعين يوماً
فعبدوا العِجْلَ، وأمة خرج نبيُهم - عليه السلام - من بينهم وأتَى نيف وأربعمائة سنة
فمن ذكر بين أيديهم أن الشموس والأقمار أو شيئاً من الرسوم والإطلال تستحق الإلهية
أحرقوه بهممهم .
ويقال لا فصلَ بين الجسم والجسد، فكما لا يصلح أن يكون المعبود جسماً لا
يصلح أن يكون متصفاً بما في معناه، ولا أن يكون له صوت فإن حقيقة الأصوات
مُصَاكَّةُ الأجرامِ الصلبة، والتوحيد الأزلي ينافي هذه الجملة .
ويقال أَجْهِلْ بقوم آمنوا بأن يكونَ مصنوعُهم معبودَهم! ولولا قهر الربوبية وأنه
تعالى يفعل ما يشاء - فأيُّ عقلٍ يُقِرُّ مثل هذا التلبيس؟!
قوله جلّ ذكره: ﴿أَمْ يَرَوْ أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً أَتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ
طَلِمِينَ﴾ .
جعل من استحقاقه نعوت الإلهية صحة الخطاب وأن تكون منه الهداية، وهذا
يدل على استحقاق الحق بالنعوت بأن متكلّمٌ في حقائق آزاله، وأنه متفرِّد بهداية العبد
لا هادي سواه. وفيه إشارة إلى مخاطبة الحق - سبحانه - وتكليمه مع العبد، وإنَّ
الملوكَ إذا جلَّتْ رتبتهم استنكفوا أن يخاطبوا أحداً بلسانهم حتى قال قائلهم:
على المولى إذا كَثُرَ العبيدُ
وما عَجَبٌ تناسي ذِكْرٍ عبدٍ
وبخلاف هذا أجرى الحقُّ - سنّه مع عباده المؤمنين، أما الأعداء فيقول لهم:
﴿أَخْسَنُواْ فِيَهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] وأمَّا المؤمنون فقال ◌َّالية: ((ما منكم إلا
يكلمه ربُّه ليس بينه وبينه ترجمان))(١)، وأنشدوا في معناه.
(١) هناك رواية أخرى للحديث: ((ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله ليس بينه وبينه ترجمان يوم القيامة)) . =

٣٥٨
تفسير سورة الأعراف
وما تزدهينا الكبرياءُ عليهمُ إذا كلَّمونا أن نكلمهم مَرَدًّا
قال تعالى: ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَتِ رَبِ لَفِدَ أَلْبَحْرُّ قَبْلَ أَن نَفَدَ كَلِمَتُ رَبِ وَلَوْ
جِئْنَا بِمِثْلِهِ، مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩].
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَّا سُقِطَ فِى أَيَدِيِهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُواْ قَالُوا لَيْن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا
وَيَغْفِرْ لَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ﴾ .
حين تحققوا بقبح صنيعهم تجرَّعوا كاساتِ الأسف ندماً، واعترفوا بأنهم خَسِروا
إنْ لم يتداركهم من الله جميلُ لطْفِه .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىّ إِلَى قَوْمِهِ، غَضَْنَ أَسِفًا قَالَ بِنْسَمَا خَلَفْتُونِي مِنْ بَعْدِىّ
أَعَجِلْتُمْ أَنَْ رَيَّكُمْ﴾ .
لو وجد موسى قومه بألف ألف وِفاقٍ لكان متنغّصَ العيش لِمَا مني به من حرمان
سماع الخطاب والرد إلى شهود الأغيار .. فكيف وقد وجد قومه قد ضلوا وعبدوا
العجل؟ ولا يُذْرَي أيُّ المحن كانت أشدَّ على موسى:
أَفِقدانُ سماع الخطابِ؟ أو بقاؤه عن سؤال الرؤية؟ أو ما شاهد من افتنان بني
إسرائيل، واستيلاء الشهوة على قلوبهم في عبادة العجل؟ سبحان الله! ما أشدَّ بلاءه
على أوليائه!
قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهٍ قَالَ أَبْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ
اُسْتَضْعَفُوْنِ وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِ فَلاَ تُنْمِتْ بِىَ الْأَعْدَآءَ وَلَا تَّجْعَلْنِى مَعَ الْقَوْمِ الَِّينَ قَالَ رَبِّ أَغْفِرْ
لِ وَلِأَخِى وَأَدْخِلْنَا فِ رَحْمَتِكٌ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّحِينَ﴾ .
إن موسى عليه السلام وإنْ كان سَمِعَ من اللَّهِ فَتَنَ قومه فإنه لما شَاهَدَهَم أثّرت
فيه المشاهدةُ بما لم يؤثر فيه السماع، وإنْ عُلِمَ قطعاً أنه تأثر بالسماع إلا أن للمعاينة
تأثيراً آخر .
ثم إن موسى لما أخذ برأس أخيه يجره إليه استلطفه هارونُ في الخطاب .
فقال: ﴿أَبْنَ أُمَّ﴾ [طه: ٩٤] فَذَكَرَ الأمَّ هنا للاسترفاق والاسترحام.
= أخرجه مسلم في الصحيح (الزكاة ٦٨، ٦٨ مكرر)، وأحمد بن حنبل في (المسند ٣٧٧/٤) والبيهقي
في (السنن الكبرى ١٧٦/٤)، والمنذري في (الترغيب والترهيب ١٠/٢)، والطبراني في (المعجم
الكبير ٨٢/١٧)، وابن أبي عاصم في (السنة ٢٦٩/١)، والسيوطي في (الدر المنثور ٣٥٥/١)،
والمتقي الهندي في (كنز العمال ١٥٩٤٢)، وابن عساكر في (تهذيب تاريخ دمشق ٤٣٣/١)، والبيهقي
في (الأسماء والصفات ٢١٨).

٣٥٩
تفسير سورة الأعراف
وكذلك قوله: ﴿لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِ وَلَا بِرَأْسِىِّ﴾ [طه: ٩٤] يريد بهذا أنه قد توالت
المحنُ علي فذرني وما أنا فيه، ولا تَزِذ في بلائي، خلفتني فيهم فلم يستنصحوني. وتلك
عليَّ شديدةٌ. ولقيتُ بَعْدَكَ منهم ما ساءني، ولقد علمت أنها كانت علي عظيمة كبيرة،
وحين رجعتْ أخذتَ في عتابي وجر رأسي وقصدْتَ ضربي، وكنت أود منك تسليتي
وتعزيتي. فرِفقاً بي ولا تُشْمِتْ بي الأعداء، ولا تضاعِفْ عليّ البلاء.
وعند ذلك رقَّ له موسى - عليه السلام، ورجع إلى الابتهال إلى الله والسؤال
بنشر الافتقار فقال: ﴿رَبِّ أَغْفِرْ لِ وَلِأَخِى وَأَدِْلْنَا فِىِ رَحْمَتِكٌ﴾ وفي هذا إشارة إلى
وجوب الاستغفار على العبد في عموم الأحوال، والتحقق بأنَّ له - سبحانه - تعذيبَ
البريءٍ؛ إذ الخُلقُ كُلُّهم مِلْكُه، وَتَصَرُّفُ المالكِ في مِلْکه نافذٌ.
ويقال: ارتكابُ الذَّنْبِ كان من بني إسرائيل، والاعتذارُ كان من موسى وهارون
عليهما السلام، وكذا الشرط في باب خلوص العمودية .
قوله جل ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ سَيَنَالَهُمْ غَضَبٌ مِن رَّبِهِمْ وَزِلَّةٌ فِى الْحَوَةِ
الذُّنْيَأْ وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُفْتَِينَ﴾ .
يعني إن الذين اتخذوا العِجْلَ معبوداً سَيَنالهُم في مستقبل أحوالهم جزاءُ
أعمالهم. والسين في قوله ((سينالهم)) للاستقبال، ومَنْ لا يضره عصيان العاصين لا
يبالي بتأخير العقوبة عن الحال، وفَرْقٌ بين الإمهال والإهمال، والحق - سبحانه -
يمهل ولكنه لا يهمل، ولا ينبغي لِمَنْ يذنب ثم لا يُؤَاخِذُ في الحال أَنْ يَغْتَرَّ بالإمهال.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَّذِينَ عَمِلُواْ السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُواْ مِنْ بَعْدِهَا وَءَامَنُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا
لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ .
وَصَفَهُم بالتوبة بعد عمل السيئات ثم بالإيمان بعدها، ثم قال: ﴿مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ
رَّحِيمٌ﴾. والإيمان الذي هو بعد التوبة يحتمل آمنوا بأنه يقبل التوبة، أو آمنوا بأن
الحق سبحانه لم يُضِرْه عصيانٌ، أو آمِنوا بأنهم لا ينجون بتوبتهم من دون فضل الله،
أو آمنوا أي عَدُّوا ما سبق منهم من نقّض العَهْدِ شِرْكاً.
ويقال استداموا للإيمان فكان موافاتهم على الإيمان .
أو آمنوا بأنهم لو عادوا إلى ترك العهد وتضييع الأمر سقطوا من عين الله، إذ
ليس كل مرة تسلم الجرة .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ تُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ اَلْأَ لْوَاحِّ وَفِ نُشْخَتِهَا هُدَى وَرَحْمَةٌ
لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ .
تشير إلى حسن إمهاله - سبحانه - للعبد إذا تغيَّر عن حدَّ التمييز، وغَلَبَ عليه ما
لا يطيق ردَّه من بواده الغيب.

٣٦٠
تفسير سورة الأعراف
وإذا كانت حالة الأنبياء - عليهم السلام - أنه يغلبهم ما يعطلهم عن الاختيار
فكيف الظن بمنْ دونهم .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَخْثَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَِنَّا فَلَمَّآ أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ
لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْنَهُم مِّنِ قَبْلُ وَإِنِّ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّ إِنَّ هِىَ إِلَّا فِنْتَلُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ
وَتَهْدِى مَن تَشَهُ أَنْتَ وَلِّنَا فَأَغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَفِرِينَ﴾.
شتّان بين أمة وأمة؛ أمة يختارهم نبيُهم - عليه السلام، وبين أمة اختارها الحقُّ -
سبحانه، فقال: ﴿وَلَقَدِ أُخْتَرْنَهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَلَمِينَ﴾ [الدخان: ٣٢].
الذين اختارهم موسى قالوا: ﴿أَرِنَا ◌َللَّهَ جَهْرَةٌ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّعِقَةُ﴾ [النساء: ١٥٣]
والذين اختارهم الحق - سبحانه - قال الله تعالى فيهم: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَيِذٍ نَاضِرَةُ إِلَى رَيِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾
[القيامة: ٢٢].
ويقال إن موسى - عليه السلام - جاهر الحقَّ - سبحانه - بنعت التحقيق وفارق
الحشمة وقال صريحاً: ﴿إِنَّ هِىَ إِلَّا فِئْتَتُكَ﴾ ثم وَكَلَ الحكمَ إليه فقال: ﴿تُضِلُّ بِهَا مَن
تَشَاءُ وَتَهْدِى مَن تَثَةٌ﴾ ثم عقَّبها ببيان التضرع فقال: ﴿فَأَغْفِرْ لَا وَأَرْحَمنَاً﴾، ولقد قدَّم
الثناءَ على هذا الدعاء فقال: ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَ فَأَغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَاً﴾ .
قوله جلّ ذكره: ﴿رَأَكْتُبْ لَنَا فِى هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَّةً وَفِ الْآَخِرَةِ﴾.
نَطَقَ بلسان التضرع والابتهال حيث صَفَّى إليه الحاجة، وأخلص له في السؤال
فقال: ﴿رَأَكْتُبْ لَنَا فِ هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَّةً وَفِ الْآَخِرَوْ﴾ أي اهدنا إليك.
وفي هذه إشارة إلى تخصيص نبينا ـ رَّة - في التبري من الحول والقوة والرجوع
إلى الحقُّ لأن موسى - عليه السلام قال: ﴿وَأَكْتُبْ لَنَا فِى .... ﴾ ونبيُّنَا وَّ قال: ((لا
تكلني إلى نفسي طرفة عين))(١) ولا أقلّ من ذلك، وقال: ((واكفلني كفالة الوليد)) ثم
زاد في ذلك حيث قال: ((لا أحصي ثناء عليك))(٢).
قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ هُدَّنَاً إِلَيْكَ﴾ .
أي مِلْنَا إلى دينك، وصِرْنا لكَ بالكلية، في غير أَنْ نترك لأنفسنا بقية.
قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ عَذَابٍ أُصِيبُ بِهِ، مَنْ أَشَاءٍ وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ﴾ .
وفي هذا لطيفة؛ حيث لم يقل: عذابي لا أُخْلِي منه أحَداً، بل علَّقَه على
المشيئة. وفيه أيضاً إشارة؛ أنّ أفعاله - سبحانه - غيرُ مُعَلَّلَة بأكساب الخلق؛ لأنه لم
(١) أخرجه صاحب (الجامع الكبير المخطوط الجزء الثاني ٧٠٣/٢).
(٢) أخرجه أحمد بن حنبل في (المسند ٥٨/٦)، والزبيدي في (إتحاف السادة المتقين ٧١/٢).