Indexed OCR Text

Pages 301-320

تفسير سورة الأنعام
٣٠١
قوله جلّ ذكره: ﴿﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَهِيمُ لِأَبِهِ ءَزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا ءَالِهَةٌ إِنْ أَرَئِكَ
وَقَوْمَكَ فِىِ ضَكَلٍ مُبِينٍ﴾ .
الأصل منَّهَمّ في الجحود، والثّسْلُ متصِّف بالتوحيد، والحقُّ - سبحانه - يفعل ما
یرید .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِىّ إِنْزَهِيمَ مَلَكُوتَ السََّوَتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ
اَلْمُوقِنِينَ﴾ .
لاطَفه بسابق العناية، ثم كاشفه بِلاحِق الهداية فأراه من دلالات توحيده ما لم
يبق في قضاء سِرّه شظية من غبار العيب، فلمَّا صحا من غيم التجوز سما سِرُّه فقال
بنفي الأغيار جملةً، وتبرَّأ عن الجميع ولم يغادر منها تهمة.
قوله جلّ ذكره: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الَّْلُ رَءَا كَوَّكَبَا قَالَ هَذَا رَبِّ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَآ أُحِبُّ
الْآَفِلِينَ فَلَمَّا رَءَا الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَيِن ◌َّْ يَهْدِنِ رَِّ لَأَكُونَ مِنَ الْقَوْرِ
الضَّآلِينَ فَلَمَّا رَءَا الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِى هَذَا أَكْبَرٌ فَلَمَّ أَفَلَتْ قَالَ يَقَوْمِ إِ بَرِىٌّ مِّمَا
تُشْرِكُنَ ﴾ .
يعني أحاطت به (سجوف)(١) الطلب، ولم يتجل له بعد صباح الوجود، فطلع
نجم العقول فشاهد الحق بسره بنور البرهان، فقال: هذا ربي ثم يزيد في ضيائه فطلع
له قمر العلم فطالعه بشرط البيان، فقال ﴿هَذَا رَّ﴾.
ثم أسفر الصبح ومتع النهار فطلعت شموس العرفان من برج شرفها فلم يبقَ
للطلب مكان، ولا للتجويز حكم، ولا للتهمة قرار فقال: ﴿يَقَّوْمِ إِنِّ بَرِىٌّ مِّمَّا
تُشْرِكُونَ﴾ إذ ليس بعد العيان ريب، ولا عَقِبَ الظهور ستر.
ويقال قوله - عند شهود الكواكب والشمس والقمر - ﴿هَذَا رَبِّ﴾ إنه كان يلاحظ
الآثار والأغيار بالله، ثم كان يرى الأشياء لله ومن الله، ثم طالع الأغيار محواً في الله .
قوله جلّ ذكره: ﴿إِنّ وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَِّى نَظَرَ الشَّمَتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنْ
مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
أفردتُ قصدي لله، وطهَّرت عقدي عن غير الله، وحفظت عهدي في الله لله،
وخلصت وجدي بالله، فإني لله بالله، بل محو في الله والله الله.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَحَآَّهُ قَوْمُهُمْ قَالَ أَثُمَجُّوْنٍ فِ اَللَّهِ وَقَدْ هَدَئِنٍ وَلَّآ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ
(١) السجف: أحد السترين المقرونين؛ بينهما فرجة، وأسجف الليل: أظلم.
:

٣٠٢
تفسير سورة الأنعام
بِهِ إِلَّ أَن يَشَآءَ رَبِّ شَيْئًا وَبِعَ بَقٍ كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًّا أَفَلَا نَتَذَكَّرُونَ﴾.
يعني قال لهم أترومون سَتْرَ الشموس بإسبال أكمامكم عليها أو تريدون أن تجروا
ذيولكم وأن تُسْدِلوا سجوفَكم على ضياء النهار وقد تعالى سلطانُه وتوالى بيانُه؟
قوله جلّ ذكره: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَثْرَكْتُمْ وَلَا تَّخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ
يُنَزِّلْ بِهِ، عَلَيْكُمْ سُأَطََّنَّا فَأَىُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِّ إِن كُمْ تَعْلَمُونَ﴾ .
يعني وأي خوفٍ يقع على قلبي ظِله ولم أُلِمْ بِشِرٍ ولم أَجْنَحْ قطُ إلى جحد؟
وأنتم ما شممتم رائحة التوحيد في طول عمركم، ولا ذقتم طعم الإيمان في سالف
دهركم! ثم بسوء ظنكم تجاسرتم وما ارعويتمٍ، وخسرتم وما باليتم. فأيُّنَا أَوْلى أن
يُعْلِن بسرِّه ما هو بصدده من سوءِ مَكْرِهِ وعاقبةٍ أَمْرِه؟
قوله جلّت قدرته: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَنَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَكَ لَهُ الْأَمْنِّ وَهُم
مُهْتَدُونَ﴾ .
أي الذين أشاروا إلى الله ثم لم يرجعوا إلى غير الله؛ فإن من قال ((الله)) ثم رجع
بالتفضيل - عند حاجاته أو مطالباته أو شيءٍ من حالاته إلى غير الله فخِضمُه ـ في الدنيا
والعقبى - اللَّهُ.
والظلمُ - في التحقيق - وضعُ الشيء في غير موضعه، وأصعبه حسبان أن من
الحدثان ما لم يكن وكان؛ فإِنَّ المنشىءَ اللَّهُ، والمُجْرِيَ اللَّهُ، ولا إله إلا الله، وسقط
ما سوى الله .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَّاَ ءَاتَيْنَهَا إِنَّهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ، نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ إِنَّ
رَبَّكَ حَكِيمُ عَلِيمٌ﴾ .
أشار إلى ترقيه من شهود آياته إلى إثبات ذاته، وذلك ترتيب أهل السلوك في
وصولهم إلى الله، فالتحقق بالآيات التي هي أفعاله ومراعاة ذلك وهي الأولى؛ ثم
إثبات صفاته وهي الثانية، ثم التحقق بوجوده وذاته وهو غاية الوصول، فبرسومه
يعرف العبد نعوته، وبنعوته يعرف ثبوته.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ: إِسْحَقَ وَيَعْقُوبِّ كُلَّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلٌ
وَمِن ذُرِّيَّتِهِ، دَاوُودَ وَسُلَيْمَنَ وَأَيُّوُبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَرُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِينَ وَزَّكَرِنَا
وَيَجَْ وَعِيسَى وَإِلَيَاسِّ كُلٌّ ◌ِنَ الصَّلِينَ وَإِسْمَعِيلَ وَاَلْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًاً وَكُلًا فَضَّلْنَا عَلى
اَلْعَلَمِينَ وَمِنْ ءَابَّبِهِمْ وَذُرِّيَّنِهِمْ وَإِخْوَئِهِمْ وَأَجْبَيْنَهُمْ وَهَدَيْنَهُمْ إِلَى صِرَطٍ تُسْتَقِيمٍ ذَلِكَ هُدَى اَللَّهِ
يَهْدِى بِهِ، مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم ◌َّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .

٠٠
٣٠٣
تفسير سورة الأنعام
ذَكَرَ عظيم المِنَّة على كَافَّتِهم - صلوات الله عليهم، وبَيَّنَ أنه لولا تخصيصه إياهم
بالتعريف، وتفضيله لهم على سواهم بغاية التشريف، وإلا لم يكن لهم استيجاب ولا
استحقاق .
ثم قال: ﴿ذَلِكَ هُدَى ◌َلَّهِ ..... يَعْمَلُونَ﴾ يعني لو لاحظوا غيراً، أَو شاهدوا -
من دوننا - شيئاً، أو نسبوا شظية من الحدثان - إِلى غير قدرتنا - في الظهور لتلاشى ما
أسلفوه من عرفانهم وإحسانهم، فإن الله - سبحانه - لا يغفر الشِرْكَ بحالٍ، وإن كان
(يغفر) ما دونه لِمنْ أراد.
قوله جلّ ذكره: ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ ءَاتَّهُمُ الْكِنَبَ وَالْتَكْرَ وَالْنُُّوَّةُ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءٍ فَقَدْ
وَكَلْنَا بِهَا قَوْمَا لَّيْسُواْ بِهَا بِكَفِرِينَ﴾.
يعني إِنْ أعرض قومُك - يا محمد - فليس كلُّ من ( .... )(١) على الجحود
أظهرناهم، بل كثير من عبادنا نزَّهنا - عن الجحود - قلوبَهم، وعَجَنًا بماء السعادة
طينتهم وهم لا يحيدون عن التوحيد لحظةً، ولا يزيغون عن التحصيل شمَّة.
قوله جلّ ذكره: ﴿أُوْلَكَ اَلَّذِينَ هَدَى ◌َلَهٌ فَيِهُدَنُهُمُ أَقْتَدِةُ قُل لَّآ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًّاً
إِنْ هُوَ إِلَّ ذِكْرَى لِلْعَلَمِينَ﴾.
أولئك الذين طهّر اللَّهُ عن الجحد أسرارَهم، ورَفَعَ على الكافة أقدارَهم، فاقْتَفِ
- يا محمد - هداهم، فإنّ مَنْ سلك الجادّة أَمِن من العناء.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَا فَدَرُواْ اللَّهَ حَّ قَدْرِهِهِ إِذْ قَالُواْ مَآ أَنَزَلَ اَللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّنِ شَىْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ
اَلْكِتَبَ الَّذِى جَآءَ بِهِ، مُوسَى نُورًا وَهُدَى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ فَرَِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُم مَّا لَْ
تَعَلَّواْ أَنْتُمْ وَلَآ ءَاؤُكُّ فُلِ اللّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِى خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾.
مَنْ توهَّم أَنْ العلومَ تحيط بجلاله فالإحاطة غير سائغة في نعته، كما أنَّ الإدراك
غير جائزٍ في وصفه، وكما أن الإشراف مُحالٌ على ذاته.
ثم قال: ﴿قُلْ مَنْ أَنَزَّلَ الْكِتَبَ الَّذِى جَآءَ بِهِ مُوسَى نُورًا﴾ أي سَلْهم عن الأحوال،
وخاطِبْهم في معاني أحكام الرسوم والأطلال، فَإِنْ بقوا في ظلمة (الحيره) فَقُلْ: الله
تعالى، ثم ذَرْهُم. يعني صَرُّح بالإخبار عن التوحيد، ولا يهولنَّك تماديھم في الباطل،
فإنَّ تمويهاتِ الباطلِ لا تأثير لها في الحقائق.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَهَذَا كِتَبُّ أَنْزَلْنَهُ مُّبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِكُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ
حَوْلَمَاً وَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِه وَهُمْ عَلَ صَلَاِهِمْ ثُمَافِقُونَ﴾ .
(١) بياض في الأصل.

٣٠٤
تفسير سورة الأنعام
كتابُ الأحبابِ عزيزُ الخَطَرِ جليلُ الأَثَرِ، فيه سلوة عند غلبات الوجد، ومن بقي
عن الوصول تذلّل للرسول، وقيل:
وفيها شفاءٌ للذي أنا كاتِمُ
وكُتْبُكَ حولي لا تفارق مضجعي
ومِنْ حواليَّ الرُّقى والتمائمُ(١)
كأني ملحوظٌ من الجِنِّ نظرةً
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ أَفْتَ عَلُ الَّهِ كَذِّبًا أَوْ قَالَ أُوْجِىَ إِلَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْءٌ
وَمَنْ قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَزَلَ الَّهُ وَلَوْ تَرَكَةِ إِ الْفََّدِمُونَ فِى غَمَرَتِ الْوْتِ وَالْمَلَتِكَةُ بَاسِطُوْ أَبْدِيهِمْ
أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمِّ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ أَلْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اَللَّهِ غَيْرَ أَلْحَقِّ وَّكُنتُمْ عَنْ
ءَايَيْهِ، تَسْتَكْبِرُونَ﴾ .
يعني إن الذين يَنْزِلون منزلة المُحدِّثين، ولم تُلق إلى أسرارهم خصائصُ
الخطاب - فالحقُّ - سبحانه عنهم بريء. والمتَّبِعُ بما لم يَسَلْ كلابسٍ ثوبي زور، وفي
معناه أنشدوا :
تبيَّن مَن بكى ممن تباكى
إذا اشتبكت دموع في خدود
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَ فُرَدَى كَمَا خَلَقْنَكُمْ أَوَّلَ مَرٍَّ وَتَكْتُم مَّا خَوَّلْنَكُمْ وَرَآءُ
◌ُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَآءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَهُمْ فِكُمْ شُرَّكَوْ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ
عَنَكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ .
دَخَلْتَ الدنيا بخرقةٍ، وخَرَجْتَ منها بخرقة، أَلَا وتلك الخرقة أيضاً ( .... )(٢)،
وما دخلت إلا بوصف التجرد، ولا خرجتَ إلا بحكم التفرد. ثم الأثقالُ والأوزارُ،
والأحمالُ والأوضارُ(٣) لا يأتي عليها حَصْرٌ ولا مقدار؛ فلا ما لكم أغني عنكم ولا
حالكم يَرْفُعُ منكم، ولا لكم شفيعٌ يخاطبنا فيكم؛ فقد تَقَطَّعَ بَيْنُكم، وتَفَّرِقَ وَضْلُكم،
وتبدَّد شملُكم، وتلاشى ظنُكم، وخانكم ـ في التحقيق - وسعكم.
إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ اَلْمَبِّ وَالنَّّ يُخْرِجُ أَلَّْ مِنَ الْمَيْتِ وَمُخْرِجُ الْمَيْتِ مِنَ
الْحَيَّ ذَلِكُمُ الّهُ فَنَّ تُؤْتَكُونَ﴾ .
قوله جل ذكره:
موجِد ما في العالَم من الأعيانِ والآثار والرسوم والأطلال يُسَلِّطِ العَدَمَ على ما
يريد من مصنوعاته، ويحكم بالبقاء لما يريد من مخلوقاته، فلا لحكمه ردّ، ولا لحقُه
جحدٌ.
(١) الرقى: (ج) الرقية، كلام يطلب به شفاء المريض ونحوه.
التمائم: (ج) التميمة: العُوذة، وهي ما يُعلق في العنق لدفع العين.
(٢) بياض في الأصل.
(٣) الأوضار: (ج) الوضر: الوسخ من الدسم أو غيره.

٣٠٥
تفسير سورة الأنعام
قوله جلّ ذكره: ﴿فَالِقُ اَلْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ أَلَّيْلَ سَكَنَا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ
الْغَيِزِ اَلْعَلِيمِ﴾ .
وكما فَلَقَ صبحَ الكون فأشرقَتْ الأنوارُ كذلك فَلَقَ صبحَ القلوبِ فاستنارت به
الأسرار، وكما جعل الليل سَكْنَاً لِتَسْكَنَ فيه النفوس من كدّ التصرف عن أسباب
المَعَاش كذلك جعل الليلَ سَكَناً للأحباب يَسْكُنونَ فيه إلى روح المناجاة إذا هدأت
العيونُ من الأغيار.
وجعل الشمس والقمر يجريان بحسبان معلوم على حد معلوم، فالشمس بوصفها
مذ خُلِقَتِ لم تنقص ولم تزِد، والقمر لا يبقى ليلةً واحدةً على حالة واحدة فأبداً في
الزيادة والنقصان، ولا يزال ينمو حتى يصير بدراً، ثم يتناقص حتى لا يُرى، ثم يأخذ
في الظهور، وكذلك دأبُه دائماً إلى أَنْ تُنْقْضَ عليه العادة.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِهْتَدُواْ بِهَا فِ خُلُمَتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِّ قَدْ
فَصَلْنَا الْآَيَّتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ .
كما أن نجوم السماء يُهتدى بها في الفلوات فكذلك نجوم القلوب يهتدى بها في
معرفة ربِّ الأرضين والسموات.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَهُوَ أَلَّذِىّ أَنشَأَكُمْ مِن نَّفْسٍ وَبِدَةٍ فَمُسْتَقٌَّ وَمُسْتَوَخُ قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَتِ
لِقَوْمٍ يَفْقَّهُونَ﴾ .
ذكرَّهم وصفهم حين خَلَقَهم من آدم عليه السلام. وكما أن النفوس والأبشار
مستقراً ومستودعاً فللأسرار والضمائر مستقر ومستودع، فَمِنْ عَبْدٍ مُسْتَقَرُّ قلبِه أوطانُ
الشهواتِ والمنى، ومن عبدٍ مستقره موقع الزهد والثُّقى، ومن عبدٍ مستقره - حيث لا
مسکن ولا مأوى - وراء الورى.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَهُوَ الَّذِىّ أَنْزَّلَ مِنَ السََّمَآَ مَآءٍ فَأَخَجْنَا بِهِ، نَبَاتَ كُلِّ شَىْءٍ فَأَخْرَجْنَا
مِنْهُ خَضِرًا تُخْرِجُ مِنْهُ حَّا مُتََّاحِكِبًا وَمِنَ النَّغْلِ مِن ◌َلْمِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَّتٍ مِّنْ أَعْنَبٍ وَالزَّيْتُونَ
وَالرُّقَّانَ مُشْتَبِهَا وَغَّرَ مُتَتَيِةٍ أَتْقُوَاْ إِلَى ثَمَرِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَتْمِهِ: إِنَّ فِ ذَلِكُمْ لَيَتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ .
تجانست أجزاءُ الأرض وتوافقت أقطارُ الكون، وتباين النبات في اللون والطّعم
واختلفت الأشياء، ودلَّ كلُّ مخلوقٍ بلسان فصيح، وبيان صريح أنه بنفسه غير مُسْتَقِل.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَجَعَلُواْ يَِِّّ شُركَّ اَلِنَّ وَخَلَفَهُمْ وَخَرَقُوْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَسِ بِغَيْرٍ عٍِّ
سُبْحَكِنَّمُ وَتَعَلَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾ .
سُدَّت بصائرهم فاكتفوا بكل منقوصٍ أن يعبدوه، وتلك عقوبةٌ لأرباب الغفلة عن
الله تعالى عُجُلَتْ .

٣٠٦
تفسير سورة الأنعام
قوله جلّ ذكره: ﴿بَدِيعُ السَمَوَتِ وَاَلْأَرْضِّ أَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَدِحِبَّةٌ وَخَلَقَ كُلّ
شَىْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ .
البديع الذي لا مثل له، أو هو المنشىء لا على مثال، وكلاهما في وصفه
مستحق .
والواحد يستحيل له الوَلَّدُ لاقتضائه البعضية، والتوحيد ينافيه.
قوله جلّ ذكره: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَآَ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ فَأَعْبُدُوءً
وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ﴾ .
تعرَّف إليهم بآياته، ثم تعرَّف إليهم بصفاته، ثم كاشفهم بحقائق ذاته .
فقوله: ﴿لَّ إِلَّهَ إِلَّا هُوَ﴾ تعريف للسادات والأكابر، وقوله: ﴿خَلِقُ كُلّ
تعريف للعوام والأصاغر.
قوله جلّ ذكره: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِلُ الْأَبْصَرِّ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾.
قَدَّسَ الصمديةَ عن كل لحوقٍ ودَرَك، فأنَّى بالإدراك ولا حدَّ له ولا طرف؟!
﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ﴾ الذي لا يخفى عليه شيء، ﴿الخِيرُ﴾ الذي أحاط علمُه بكل معلوم.
قوله جلّ ذكره: ﴿قَدْ جَآءَكُمْ بَصَابِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِةِ، وَمَنْ عَمِىَ فَعَلَيَّهَأْ وَمَآَ
أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ .
أَوضحَ البيانَ وأَلاحَ الدليلَ، وأزاحَ العِلَلِ وأنارَ السبيلَ، ولكن قيل:
إذا استوت عنده الأنوارُ والظُّلَمُ
وما انتفاعُ أخي الدنيا بمقلته
قوله جلّ ذكره: ﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِفُ آلْآَيَتِ وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ وَلِنُبِيِّنَهُ لِقَوْمِ
يعلَمُونَ﴾.
أوقع الفتنةَ في قلوبهم فَخَنِسَتْ عليهم الأحوال: فَمِنْ شُبْهةٍ دَاخَلْتُهم ومن خَيْرةٍ
مَلَكَتْهُم. ومن تحقيق أدركه قوم، وتعريفٍ توقف على آخرين.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَّوْ شَآءَ اللّهُ مَا أَشْرَكُوْ وَمَا جَعَلْنَكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًاً وَمَّ أَنْتَ عَلَيْهِم
بِوَكِيلٍ﴾(١).
العَجَبُ ممن أقرَّ بقصور حاله عن استحقاق المدح ببقائه عن مراده، وكيف
يصف معبوده بجواز ألا يرتفع في ملكه مراده؟!
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَا تَسُبُواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُوا اللَّهَ عَدْوًّا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ .
(١) الآية (١٠٦) من سورة الأنعام غير مذكورة.

٣٠٧
تفسير سورة الأنعام
يعني خَاطِبهم بلسان الحجة والتزام الدلائل ونفي الشبهة، ولا تُكلِّمْهم على
موجب نوازع النَّفْس والعادة، فَيُحِملَهم ذلك على ترك الإجلال لذكر الله.
ويقال لا تطابِقْهُم على قبيح ما يفعلون فيزدادوا جرأة في غيّهم، فسيكون فِعْلُكَ
سبباً وعِلَّةً لزيادةِ كفرِهم وفِسْقهم . .
قوله جلّ ذكره: ﴿ كَذَلِكَ زَيَّنَا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِهِمْ تَرْجِعُهُمْ فَيُنِئُهُم بِمَا كَانُواْ
يَعْمَلُونَ﴾ .
البَّسْنا عليهم حقائق الأشياء حتى ظنوا القبيحَ جميلاً، ولم يَرَوْا لسوءِ حالتهم
تبديلاً، فركنوا إلى الهوى، ولم يميزوا بين العوافي والبلا .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَنِهِمْ لَبِن ◌َجَاءَّتُهُمْ مٌَّ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَاْ قُلْ إِنَّمَا الْآَيَنتُ
عِندَ اللّهِ وَمَا يُشْعِزَّكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَآءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ .
وعدوا من أنفسهم الإيمان لو شاهدوا البرهان، ولم يعلموا أنهم تحت قهر
الحكم، وما يُغْنِي وضوحُ الأدلة لمن لا تساعده سوابقُ الرحمة، ولواحق الحفظ
بموجبات القسمة .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَنُقَلِبُ أَفِدَتَهُمْ وَأَبْصَرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ، أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِى
◌ُغْيَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ .
العَجَبُ ممن تبقَى على قلبه شبهةٌ في مسألة القَدَر (١)، والحقُّ - سبحانه - يقول:
﴿وَنُقَلِبُ أَفِدَتَّهُمْ وَأَبْصَرَهُمْ كُمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ﴾﴾، لا بل من حقائق التقليب بقاء إشكال هذا
الأمر - مع وضوحه ــ على قلوب مَنْ هو مِنْ جملة العقلاء، فسبحان مَنْ يُخْفِي هذا
الأمر مع وضوحه! هذا هو قهر القادر وحكم الواحد.
قوله جل ذكره:
وَلَوْ أَنْتَ نَزَّنَا إِلَيْهِمُ الْمَتِكَةَ وَكَلَّمُهُمُ اٌلْوْقَ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلّ
شَىْءٍ قُبُلَ مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلَّ أَن يَشَآءَ الَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ .
لأن الآيات وإنْ توالت، وشموس البرهان وإنْ تعالَتْ فَمَنْ قَصَمَتْه العِزَّةُ وكَبَسْته
القسمة لم يَزِذه ذلك إلا حيرة وضلالاً، ولم يستنجز إلا للشقوة حالاً .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبٍِ عَدُوًّا شَيَئِينَ اُلْإِنِسِ وَالْجِنِّ يُوحِى بَعْضُهُمْ
إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًاً وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوَةٌ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾.
كلمَّا كان المحلُّ أعلى كانت البلايا أوفى، والمطالبات أقوى، فلمَّا كانت رتبُ
(١) هنا إشارة إلى القدرية: تقابل الجبرية: مذهب من يرى أن للمرء حرية فيما يريد أو يفعل، وقدرة
واستطاعة عليه (مو).

٣٠٨
تفسير سورة الأنعام
الأنبياء - عليهم - السلام - أشرفَ كانت العداوة معهم أشد وأصعب.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَِصْغَّىَ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَلِيَرَضَوْءٌ وَلِيَعْتِفُواْ مَا
هُم تُقْتِّفُونَ﴾ .
وكلت أسماع الكفار باللغو وقلوبهم بالسوء فَرَضُوا لأنفسهم أخَسَّ الأنصباءَ (١).
قوله جلّ ذكره: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِى حَكَمًا وَهُوَ الَّذِىّ أَنَزَلَ إِلَيِْكُمُ الْكِتَبَ مُفَصَّلاً
وَلَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِنَبَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَّلٌ مِنِ زَّيِّكَ بِلْمِيٌّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُسْتِنَ﴾.
قلْ لهم أترون أنى - بعد ظهور البيان ووضوح البرهان - أَذَرُ اليقين، وأوثر
التخمين وأفارق الحقَّ، وأقارن الحظ؟ إن هذا محال من الظن.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَثُ رَبِكَ صِدْقًا وَعَدَّلَاً لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَتِهِ، وَهُوَ السَّمِيعُ
اُلْعَلِيمُ﴾ .
تقدَّسَتْ عن التغيير ذاتُه، وتنزهت عن التبديل صفاتُه. والتمام ينفي النقصان.
وكلُّ نقصانٍ فمن الحَدَثِ أصلُه، وأَنَّى بالنقص - والقِدَمُ وصفُه؟
قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوَكَ عَن سَبِيلٍ أَللَّهِّ إِن يَتَّبِعُونَ
إِلَّا الَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ .
أهلُ الله قليلون عدداً وإن كانوا كثيرين وزناً وخَطَراً، وأمَّا الأعداء ففيهم كثرة.
فإنْ لاحظْتَهُم - يا محمد - فَتَنُوكَ، وإنْ صاحبتهم منعوك عن الحق وقلبوكَ.
قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُ عَن سَبِيلِةٍ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ .
تقاصرت علومُ الخَلْقِ عن إدراك غيبه إلا بقدر ما عَرَّفهم من أمره، والذي لا
يخفى عليه شيءٌ فهو الواحدُ - سبحانه.
قوله جلّ ذكره: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ أَسْمُ اَللَّهِ عَلَيْهِ إِن كُنْتُم بِشَايَتِهِ، مُؤْمِنِينَ﴾ .
هذا في حكم التفسير مختص بالذبيحة، وفي معنى الإشارة منع الأكل على
الغفلة، فإِن من أكل على الغفلة فما دامت تلك القوةُ باقيةً فيه فخواطره إما هواجس
النَّفْس أو وساوس الشيطان.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَاءَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ أَسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَضَّلَ لَّكُم مَّا حَرَّمَ
عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا آخْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا أَُّلُونَ بِأَهْوَآَبِهِم بِغَيْرِ عِلْرٍّ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ
بِأَنْمُعْتَدِينَ﴾.
(١) الأنصباء: (ج) النصيب: الحصة والحظ من كل شيء.

٣٠٩
تفسير سورة الأنعام
يعني أي شيء عليكم لو تركتم الغفلة؟ وما الذي يضركم لو استدمتم الذكر؟
وقد تبيَّن لكم الفَرْقُ بين أُنْس الذكر ووحشة الغفلة في الحال والوقت، أَلَا
تعرفوا حكم الثواب والعقاب في المآل.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَذَّرُواْ ظَهِرَ آلْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ، إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا
كَانُواْ يَقْتِفُونَ﴾ .
ظاهر الإثم ما للأغيار عليه اطلاع، وباطن الإثم هو سرّ بينك وبين الله، لا
وقوف لمخلوقٍ عليه .
ويقال باطن الإثم خَفِيٍّ العقائد و ( .... )(١) الألحاظ.
ويقال باطن الإثم ما تمليه عليك نفسك بنوع تأويل.
ويقال باطن الإثم - على لسان أهل المعرفة - الإغماض عَمَّا لَك فيه حظ،
ويقال باطن الإثم ــ على لسان أهل المحبة ــ دوام التغاضي عن مطالبات الحب؛ وإنَّ
بِناءَ مطالبات الحب على التجني والقهر، قال قائلهم:
إذا قلتُ: ما أذنبتُ؟ قالت مجيبةً:
حیاتُك ذنبٌ لا یقاس به ذنبُ
ويقال أسبغتُ عليكم النّعم ظاهراً وباطناً، فذروا الإثم ظاهراً وباطناً، فإنَّ من
شرط الشكر تركَ استعمال النعمة فيما يكون إثماً ومخالفة .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِنَّا لَمْ يُذْكَرِ أَسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَطِينَ
لَيُوحُونَ إِلَّ أَوْلِيَآيِهِمْ لِيُجَدِلُوكُمْ وَإِنْ أَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمْرِكُونَ﴾ .
ما كانت ( .... )(١) من الأحوال عاصياً ولربِه ناسياً فتوقّيه شرط عند أصحاب
( ... ) (١).
ثم قال: ﴿وَإِنَّ الشَّيَطِينَ لَيُّوحُونَ إِلَى أَوْ لِيَّبِهِمْ﴾ فهذا يدل على أنَّ مَنْ توقَّى ذلك
اتحدت الله خواطِرُه، وانقطعت عنه خواطر الشيطان. وأصلُ كل قسوةٍ متابعةُ
الشهوات، ومَنْ تعوَّد مُتَابَعَتها فليودُعْ صفوةَ القلب.
قوله جلّ ذكره: ﴿أَوَ مَنِ كَانَ مَيْئًا فَأَخْيَيْنَهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِى بِهِ، فِ النَّاسِ كَمَنْ
◌َّثَلُ فِي الْقُّلُمَتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَلِفِنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ .
الإيمان عند هؤلاء القوم حياةُ القلب بالله. وأهل الغفلة إذْ لَهُمْ الذكر فقد صاروا
أحياءً بعد ما كانوا أمواتاً، وأربابُ الذكرِ لو اعتراهم نسيانٌ فقد ماتوا بعد الحياة.
والذي هو في أنوار القرب وتحت شعاع العرفان وفي روح الاستبصار لا يدانيه مَنْ هو
في (أسْرٍ) الظلمات، ولا يساويه مَنْ هو رهين الآفات.
(١) بياض في الأصل.

٣١٠
تفسير سورة الأنعام
قوله جلّ ذكره: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِى كُلِّ ◌َرِيَةٍ أَكَبِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا وَمَا
يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُونَ﴾.
لبَّسنا عليهم حقائق التوحيد، وسؤَّلت لهم ظنونهم أن بهم شظية من المحو
والإثبات؛ فانهمكوا ظانين أنهم يَمْكرون، وهم في التحقيق مخادعون، وسيعلمون
حين لا ينفعهم علم.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ ءَايَةٌ قَالُواْ لَن نُؤْمِنَ حَّى تُؤْقَى مِثْلَ مَآ أُوَِّ رُسُلُ اللّهِ اللَّهُ
أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَبُواْ صَغَارُ عِندَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُواْ
يَمْكُرُونَ﴾ .
بعد إزاحة العلة، وبيان الحجة، وزوال الشبهة (فالتعلُّل) باستزادة البصيرة إعلام
عن سوء الأدب، وذلك منهم من التعدي؛ لمساواة مَنْ جاء بالاستحقاق بمَنْ جاء بنوع
من تسويلات النّفْس يوجب مقاساة الهوان. وملازمةُ الحدود. وتركُ التعدي على الحقّ
قضيةُ التوفيق .
قوله جلّ ذكره: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَعْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِ﴾ .
الْمُسْلِمُ لا يتحرك في باطنه عِرْقٌ للمنازعة مع التقدير، فإن الإسلام يقتضي
تسليم الكل بلا استئثار، ومَنْ استثقل شيئاً من التكليف أو بقي منه نَّفَسٌ لكراهية شيء
فيعدُّ غير مستسلمٍ لحُكْمِه.
ويقال نورٌ في البداية هو نور العقل، ونورٌ في الوسائط هو نور العلم ونور في
النهاية هو نور العرفان؛ فصاحب العقل مع البرهان، وصاحب العلم مع البيان،
وصاحب المعرفة حكم العيان .
ويقال مَنْ وَجَدَ أنوار الغيب ظهرت له خفايا الأمور فلا يشكل عليه شيء من
ذوات الصدور عند ظهور النور، وقال بَله: ((اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله
تعالى))(١).
ويقال أول أثر لأنوار الغيب في العبد يُنَبِّهه إلى نقائص قَدَرِه ومساوىء غيِّه، ثم
(١) أخرجه الترمذي في (السنن ٣١٢٧)، وأبو حنيفة في (المسند ١٨٩/١)، وأبو نعيم في (حلية الأولياء
٩٤/٤، ١١٨/٦) والطبراني في (المعجم الكبير ١٢١/٨)، (البغوي ٣١/١٤) وابن كثير في
(التفسير ٤٧٩/١، ٤٦١/٤)، والزبيدي في (إتحاف السادة المتقين ٦/ ٥٤٤، ٢٥٩/٧)، وابن حجر
(فتح الباري ٤٨٨/١٢)، والمتقي الهندي في (كنز العمال ٣٠٧٣٠)، وابن حجر في (لسان الميزان
١١٥٤/٥)، وصاحب (ميزان الاعتدال ٨٠٩٨)، والشوكاني في (الفوائد المجموعة ٢٤٣)، وابن
عراق في (تنزيه الشريعة ٣٠٥/٢)، والعجلوني في (كشف الخفاء ٤٢/١)، والسيوطي في (الدر
المنثور ١٠٣/٤)، والعقيلي في (الضعفاء ١٢٩/٤).
:

٣١١
تفسير سورة الأنعام
يشغله عن شهود نفسه مما يلوح لقلبه من شهود ربه، ثم غَلَباتُ الأنوار على سِرِّهِ حتى
لا يشهد السرَّ بعد ما كان يشهد؛ كالنَّاطِرِ في قُرصِ الشمس تُسْتَهْلَكُ أنوار بصره في
شعاع الشمس كذلك تستهلك أنوار البصيرة في حقائق الشهود، فيكون العبد صاحب
الوجود دون الشهود ثم بعده خمود العبد بالكلية، وبقاء الأحدية بنعت السرمدية.
قوله جل ذكره: ﴿وَمَن يُرِدْ أَنْ يُضِلَُّ يَجْعَلْ صَدْرَمُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَضَّغَدُ فِ
الشَّمَلِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرَّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
وذلك حتى لا يسعى في غير مراد الحق سبحانه، وحدُّ البشرية ضيق القلب،
وصاحبه في أسْرِ الحدثان والأعلال، ولا عقوبةَ أشدُّ من عقوبة الغفلة عن الحق.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَهَذَا صِرَطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ .
الصراطُ المستقيمُ إقامة العبودية عند تحقق الربوبية فهو فرق مؤيّدٌ بجمع، وجمعٌ
مقيدٌ بشرع، وإثباتٌ للعرفان بغاية الوسع، ونبو عن المخالفات بغاية الجهد، والتحقق
بأنَّ الْمُجْرِي واحدٌ لا شريك له، ثم تركُ الاعتماد ونفي الاستناد، لا على (حركاته)
يعتمد، ولا إلى سكناته يستند، (بل)(١) ينتظر ما يفتح به التقدير، فإِن زاغُ صاحبُ
الاستقامة لحظةً، والتفت يمنةً أو يسرةً سقط سقوطاً لا ينتعش.
قوله جلّ ذكره: ﴿لَمْ دَارُ السَّلَمِ عِنْدَ رَيْهِمٌ﴾ .
دار السلام أي دار السلامة، ومَنْ كان في رِقُ شيءٍ من (الأغراض) والمخلوقات
لم يجد السلامة، وإنما يجد السلامة مَنْ تحرر عن رِقِّ المُكَوَّنَات، والآية تشير إلى أنَّ
القومَ في الجنة لكنهم ليسوا في أَسْرِ الجنة، بل تحرروا من رِقِّ كل مُكَوَّن.
ويقال مَنْ لم يُسلِمْ - اليوم - على نفسه وروحه وكلِّ مالَه من كل كريمة وعظيمة
تسليمَ وداع لا يجد - غداً - ذلك الفضل، فمن أراد أن يُسلِّم عليه ربُّه ــ غداً - فَلْيُسَلُمْ
على (الكون) بجملته، وأولاً على نفسه وروحه.
ويقال دار السلام غداً لمن سَلِمَ - اليوم - لسانُه عن الغيبة، وجَنانه عن الغيبة،
وأبشاره وظواهره من الزَّلَّة، وأسراره وضمائره من الغفلة، وعقله من البدعة، ومعاملته
من الحرام والشبهة، وأعماله من الرياء والمصانعة، وأحواله من الإعجاب.
ويقال شرفُ قَدْرٍ تلك الدار لكونها في محل الكرامة، واختصاصها بِعِنْدية
الزُّلفة، وإلا فالأقطار كلها ديار، ولكن قيمة الدار بالجار، قال قائلهم:
طوبى لمن أضحى لدارك جارا (٢)
إنّي لأحسد داراً في جِوارِكمُ
(١) ما بين قوسين زيادة يقتضيها السياق.
(٢) الطوبى: الحُسنى، والخير، وكل مستطاب في الجنة من بقاء بلا فناء، وعزّ بلا زوال، وغنى بلا فقر.

٣١٢
تفسير سورة الأنعام
إذاً لأعطيه بِشْبرِ دارا
يا ليت جارَكَ يعطيني من داره شِبراً
ويقال: وإن كانت الدارُ منزهةً عن قبول الجار، وليس القرب منه بتدائي
، الأقطار، فإطلاق هذا اللفظ لقلوب الأحباب مؤنسٌ، بل لو جاز القربُ في وصفه من
حيث المسافة لم يكن لهذا كبير أثر، وإنما حياة القلوب بهذا، لأن حقيقته مقدسة عن
هذه الصفات؛ فهو لأجْل قلوب الأحباب يُطلق هذا ويقع العلماء في كد التأويل،
وهذا هو أمارة الحب، قال قائلهم:
أنا من أَجْلِكَ حُمْلْتُ الأ
ذى الذي لا أستطيع
قوله جلّ ذكره: ﴿وَهُوَ وَلِيُّهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ .
هذا شرف قدر تلك المنازل حيث قال: ﴿وَهُوَ وَلِيُّهُم﴾ لأنه إذا كان - سبحانه -
هو وليّهم فإنَّ المنازل بأَسْرِها طابت كيفما كانت، قال قائلهم:
أهوی هواها لمن قد کان ساكنها
وليس في الدار لي همُّ ولا وَطَرُ(١)
هو وليُّهم في دنياهم، ووليُّهم في عقباهم، هو وليهم في أولادهم وفي
أخراهم، وليهم الذي استولى حديثه على قلوبهم، فلم يَدَعْ فيها لغيره نصيباً ولا سِوىّ
وليهم الذي هو أَوْلَى بهم منهم وليُّهم الذي آثرهم على أضرابهم وأشكالهم فآثروه في
جميع أحوالهم وليهم الذي تطلب رضاهم، وليهم الذي لم (يَكْلُهُم) إلى هواهم، ولا
إلى دنياهم، ولا إلى عقباهم.
وليهم الذي بأفضاله يلاطفهم، وبجماله وجلاله یکاشفهم.
وليّهم الذي اختطفهم عن كل حظ ونصيب، وحال بينهم وبين كل حميم
وقريب، فحرَّرهم عن كل موصوف ومطلوب ومحبوب، وليّهم الذي هو مؤنس
أسرارهم.
مَشَاهِدهُ مُعْتَكَفُ أبصارهم، وحضْرَتهُ مَرْتُع أرواحهم.
وليُّهم الذي ليس لهم سواه، وليهم الذي لا يشهدون إلا إياه، ولا يجدون إلا
إياه، لا في بدايتهم يقصدون غيره، ولا في نهايتهم يجدون غيره، ولا في وسائلهم
یشهدون غيره.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا بَمَعْشَرَ أَلْجِنِّ قَدِ أَسْتَكْثَرْنُم مِّنَ الْإِنسِّ وَقَالَ
أَوْلِيَآؤُهُمْ مِنَ الْإِسِ رَبَّنَا أَسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَنَا الَّذِىَ أَخَلْتَ لَأْ قَالَ النَّارُ مَثْوَنَّكُمْ
خَدِينَ فِيهَا إِلََّ مَا شَآءَ اَللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمُ عَلِيمٌ﴾.
(١) الوطر: الحاجة والبغية (ج) أو طار.

٣١٣
تفسير سورة الأنعام
يعتذرون فلا يسمع، ويحتجون بما لا ينفع، ولقد كانوا من قبل لو أتوا بأقلَّ منه
قُبِلَ منهم، لكن سبقت القسمة فحقت لهم الشقوة.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِى بَعْضَ الََّلِينَ بَعْضًَا بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ .
يعني نجمع بين الأشكال، فالأولياء مجموعون يستمتع بعضهم ببعض، والأعداء
مجموعون يفرُّ بعضهم من بعض .
قوله جلّ ذكره: ﴿يَمَعْشَرَ أَلْجِنْ وَالْإِنِسِ أَلَمْ يَأْتِّكُمْ رُسُلٌ مِّنَكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ ءَايَِّى
وَيُنِذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَّا وَغَّتْهُمُ الْمَوَةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُواْ عَلَ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ
كَانُواْ كَفِينَ﴾ .
عرَّفهم أنه أزاح لهم العِلَلَ من حيث التزام الحجة، لكنه حكم لهم بالشقوة في
الأزل، (فَلَبَّسَ) عليهم المحجة .
قوله جلّ ذكره: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَّْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِطَلٍّ وَأَهْلُهَا غَفِلُونَ﴾ .
متى يصحُّ في وصفة توهم الظلم والمُلكُ مُلكه والخَلْقُ خلقُه؟
ومتى يقبح منه تصرُّفٌ في شخصٍ بما أراد، والعبد عبده والحكم حكمه؟
قوله جل ذكره: ﴿وَلِكُلٍ دَرَجَتٌ مَِّا عَجِلُواْ وَمَا رَبُّكَ بِغَفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ .
المحسن في روح الثواب متنعم، والمذنب في نوح العذاب متألم.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِىُّ ذُو الْرَّحْمَةِ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَغْلِفْ مِنْ
بَعْدِكُمْ نَا يَشَآءُ كَمَآ أَنْشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةٍ قَوْمٍ ،َخَرِينَ﴾.
الغنيُّ يشير إلى كشفه وذو الرحمة يشير إلى لطفه .
أخبرهم بقوله الغني عن جلاله، ويقوله: ذو الرحمة عن أفضاله؛ فبجلاله
يكاشفهم فيُفْتِيهم، وبأفضاله يلاطفهم فيحييهم.
ويقال سماع غِنَاه يوجِب محوَهم، وسماعه رحمته يوجب صحوهم، فهم في
سماع هذه الآية مترددون بين بقاءٍ وبين فناءٍ، وبين إكرام وبين اصطلام، وبين تقريبٍ
وبین تذویب، وبین اجتياح وبين ارتياح .
قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَتِّ وَمَا أَنْتُم بِمُعْجِينَ﴾.
الإشارة من هذه الآية إلى قِصَر الأمل، ومَنْ قصُرَ أملُه حَسُنَ عملُه، وكل ما هو
آتٍ فقريبٌ أُجَلُه .
قوله جلّ ذكره: ﴿قُلْ يَقَوْمِ أَعْمَلُواْ عَلَى مَكَتِكُمْ إِنِ عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن
تَكُونُ لَهُ عَقِبَةُ الدَّارِّ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ اَلَّالِمُونَ﴾ .

٣١٤
تفسير سورة الأنعام
هذا غاية الزجر لأنه تهديد وإن كان في صيغة الأمر.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَجَعَلُوْ لِلَّهِ مِنَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَمِ نَصِيبًا فَقَالُواْ
هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَّكَبِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَبِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا
كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَابِهِمَّ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ .
لما بَنَوْا قاعدة أمرِهم على موجب الهوى صارت فروعُهم لائقةً بأصولهم؛ فهو
كما قيل :
إذا كان القضاءُ إلى ابن آوى فتعويل الشهود إلى القرود (١)
قوله جلّ ذكره: ﴿وَكَذَلِكَ زَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَدِهِمْ
شُرَكَآؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَآءَ اَللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا
يَفْتَرُونَ﴾ .
وسوست إليهم شياطينهم بالباطل فقبلت نفوسهم ذلك؛ إذْ الأشكالُ يتناصرون،
فالنّفْسُ لا تدعو إلا إلى الأجنبية، لأنها مُدَّعيةٌ تتوهم أن منها شيئاً، وأصلُ كلِّ شِرْكٍ
الدعوى، والشيطان لا يوسوس إلا بالباطل والكفر، فهم أعوانٌ يتناصرون.
ثم قال: ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ﴾ صَرَّح بأن المراد على المشيئة، والاعتبار
(بسابق) القضية .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَقَالُواْ هَذِهِة أَنْعَهُ وَحَرْثُ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَن نَشَآءُ
يِزَعِْهِمْ وَأَنْعَهُ حُرِّمَتْ ◌ُهُوُهَا وَأَنْعَهٌ لَّا يَذْكُرُونَ أَسْمَ الَّهِ عَلَيَّهَا أَفْتِرَءُ عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِم بِمَا
كَانُواْ يَفْتَرُونَ وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ آلْأَنْهَرِ خَالِصَةٌ لُِّكُورِنَا وَمُحَزَّمُ عَلَى أَزْوَجِنَاً
وَإِن يَكُن ◌َّيْنَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءٍ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمَّ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ .
أخبر عن أشياء ابتدعوها على ما أرادوا، وأمورٍ شرعوها على الوجه الذي
اعتادوا، ثم أضافوا ذلك إلى الحق بغير دليل، وشرعوها بلا حجةٍ من إذن رسول،
والإشارة فيه أن من (نحا نحوهم) في زيادة شيء في الدين، أو نقصان شيءٍ من شرع
المسلمين فمضاءٍ لهم في البطلان، ينخرط في سلكهم في الطغيان.
قوله جلّ ذكره: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُواْ أَوْلَئِدَهُمْ سَفَهَا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَزَّمُواْ مَا رَزَقَّهُمُ
اُللَّهُ أَفْتِرَآءَ عَلَى اَلَهِّ قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾ .
فسدت عليهم طريقة الثقة بالله فحملتهم خشيةُ الفقر على قتل الأولاد، ولذلك
(١) ابن آوى: حيوان مفترس من الفصيلة الكلبية ورتبة اللواحم (آكلات اللحوم) وطائفة الثديات، وهو
أصغر حجماً من الذئب، يتغذى من الطيور الدواجن والثديات الصغيرة والجيف (ج) بنات آوى.

٣١٥
تفسير سورة الأنعام
قال أهل التحقيق: من أمارات اليقين وحقائقه كثرة العيال على بساط التوكل.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَهُوَ الَّذِىّ أَنْشَأَ جَنَّتٍ مَعْرُوشَتٍ وَغَيْرَ مَعْرُ وشَتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ
مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالزُّنَانَ مُتَشَيِها وَغَيّرَ مُتَشَبِةٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ .
يعني كما أنشأ في الظاهر جناتٍ وبساتينَ كذلك أنشأ في السُّر جناتٍ وبساتين،
ونزهة القلوب أثم من جنات الظاهر؛ فأزهار القلوب مونقة، وشموس الأسرار
مشرقة، وأنهار المعارف زاخرة.
ويقال كما تتشابه الثمار كذلك تتماثل الأحوال، وكما تختلف طعومها وروائحها
مع تشاكلها من وجه، فكذلك الأحوال مختلفة القضايا، وإن اشتركت في كونها
أحوالاً .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ .
حَقُّ الواجبِ يومَ الحصاد إقامة الشكر، فأمَّا إخراج البعض فبيانه على لسانه
العلم، وشهودُ المِنعم في عين النعمة أتمُّ من الشكر على وجود النعمة .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَا تُرِفُوْ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾.
الإسراف - على لسان العلم - مجاوزة الحد.
وعلى بيان الإشارة فالإسرافُ كلُّ ما أَنْفَقْتَه في حظّ نَفْسِكَ - ولو كانت سمسمة،
وما أنفقته في سبيله - سبحانه - فليس بإسراف، ولو أربى على الآلاف.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَمِ حَمُولَةٌ وَفَرْشَأَ﴾ .
يعني تسخير الحيوانات للإنسان آية مزية في الفضيلة على المخلوقات. وكما
سخّر الأعيان للإنسان كذلك سخر الأزمان في تصريف الحدثان لخواصِّ الإنسان .
قوله جلّ ذكره: ﴿كُلُوْ مِمَا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَنَِّعُواْ خُطُوَتِ الشَّيْطَانِّ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌ
◌ُبِينٌ ثَمَنِيَةَ أَزْوَجَ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْرِ اثْنَيْنِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى
اٌلْقَوْمَ الَّلِينَ﴾ .
الرزق لا يتخصص بالمأكولات بل هو شائعٌ في جميع ما يحصل به الانتفاع .
1
وينقسم الرزق إلى رزق الظواهر ورزق السرائر، ذلك وجود النعم وهذا شهود
الكَرَم بل الخمود في وجود القِدَم.
وللقلب رزق وهو التحقيق من حيث العرفان، وللروح رزق وهو المحبة بصدق
التحرر عن الأكوان، وللسُّر رزق وهو الشهود الذي يكون للعبد وهو قرين العيان .
قوله ﴿ثَمَنِيَةَ أَزْوَّ مِنَ الضَّأْنِ أَثْنَّنِ﴾ الإشارة من ذكر الضأن أن يتأذَّب العبدُ

٣١٦
تفسير سورة الأنعام
باستدامة السكون والتزام حُسْنِ الخُلُق، فإِنَّ الضانية مستسلمةٌ لمن يلي عليها، فلا
بصياحها تُؤْذِي ولا (بـ .... وها)(١)، يعني كذلك سبيل من وَطَىءَ هذا البساط.
وكذلك ((في الإبل آيات)) منها انقيادها لمن جَرَّ زِمَامَها، واستناختها حيثما تُنَاخ،
بلا نزاع ولا اختيار. ومنها ركوبها عند الحَمْل، ومنها صبرها على مقاساة العطش،
وذوبانها في السير.
قوله جلّ ذكره: ﴿قُل لَّ أَجِدُ فِى مَآ أُوحِىَ إِلَ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِ يَطْعَمُهُ: إِلَّ أَنْ يَكُونَ
مَيْنَّةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسُّ أَوْ فِسْقَا أُهِلَّ لِغَيْرِ الَّهِ بِهِ، فَمَنِ اضْطَّ غَيْرَ
بَاِخٍ وَلَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ .
بيَّن أَنَّ الشارعَ اللَّهُ، والمانعَ عن الخلق هو الله، وما كان من غيرِ الله فضائعٌ
باطِلٌ عند الله. بيَّن أنه إذا جاء الاضطرارُ زال حكمُ الاختيار .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ◌ُفٍِّ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ
حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ تُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَآ أَوْ مَا أَخْتَلَطَ بِعَظٍْ ذَلِكَ جَزَيْنَهُم
بِيَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَدِقُونَ﴾ .
بيَّن أن ما حرَّم عليهم ضيَّعوه؛ إذ لمَّا لم يعاقبهم عليه لم يشهدوا مَكْرَه العظيم
فيما ابتدعوه من قِبَلٍ نفوسهم - فأهملوه ولم يحافظوا عليه، فاستوجبوا عظيم الوٍزْر
وأليم العجر .
قوله جلّ ذكره: ﴿فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَسِعَةٍ وَلَا يُرَذُ بَأْسُهُ عَنِ
اُلْقَوْمِ الْمُجْرِنَ﴾.
الإشارة منه بيان تخصيص الأولياء بالرحمة وتخصيص الأعداءِ بالطرد واللعنة.
والصورة الإنسانية جامعة ولكن القسمة الأزلية فاصلةٌ بينهم.
قوله جلّ ذكره: ﴿سَيَقُولُ اُلَّذِينَ أَشْرُوْ لَوْ شَآءَ اَللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا
مِن شٍَّ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَّأْ قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ
لَّ إِن تَّبِعُونَ إِلَّا الََّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ .
كذبت إقالتُهم لأنها لم تَصْدُر عن تصديق، فَذُمُّوا على جهالتهم وإن كانت
( .... )(١) في التحقيق.
قوله جلّ ذكره: ﴿قُلْ فَلَّهِ اٌلْحُبَّةُ الْبَدِغَةُ فَلَوْ شَآءَ لَهَدَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ .
(١) بياض في الأصل.
١

٣١٧
تفسير سورة الأنعام
صَرَّخَ بأن إرادته - سبحانه - لا تتقاصر عن مراد، وليس عليه اعتراض.
قوله جلّ ذكره: ﴿قُلّ هَلُمَ شُهَدَآءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَزَّمَ هَذَاْ فَإِن شَهِدُواْ فَلَا
تَشْهَدْ مَعَهُزَّ وَلَا تَنَّبِعْ أَهْوَآءَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِشَايَتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ
يَعْدِلُونَ﴾ .
أشار إلى أَنَّ مَنْ تجرَّد عن برهانٍ يُصَرِّحه وبيان (يُوَضُّحَهُ) فغيرُ مقبول من فاعله .
قوله جل ذكره: ﴿﴿ قُلّ تَعَالَوَاْ أَثْلُ مَا حَزَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً
وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنَّاً وَلَا نَقْتُلُواْ أَوْلَدَكُمْ مِنْ إِمْلَقٍّ ◌َّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِنَاهُمٌ وَلَا تَقْرَبُواْ الْفَوَحِشَ
مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَبٌّ وَلَا تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا يَلْحَّ ذَلِكُمْ وَضَّنَكُمْ بِهِ،
لَعَلَّكُمْ نَعْقِلُونَ وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ الْيَقِيمِ إِلَّا بِلَتِى هِىَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْنُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ
بِالْقِسْطِ لَا تُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَاً وَإِذَا قُلْتُمْ فَأَعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبِى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُواْ
◌َلِكُمْ وَضَّنَكُمْ بِهِ، لَعَلَّكُمْ نَذَكَّرُونَ وَأَنَّ هَذَا صِرَِّى مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهٌ وَلَا تَنَّبِعُواْ السُبُلَ
فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِلِهٍ، ذَلِكُمْ وَضَّنَكُمْ بِهِ، لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ .
هذه أشياء عشرة تضمنتها هذه الآية أولها الشِرْك فإنه رأس المحرمات، والذي
لا يقبل معه شيءٌ من الطاعات، وينقسم ذلك إلى شِرك جَلِيٍّ وَشِرْك خَفِيٌّ؛ فالجَليُّ
عبادةُ الأصنام، والخفيُّ ملاحظةُ الأنام، بعين استحقاق الإعظام.
والثاني من هذه الخصال ترك، العقوق، وتوفير الوالدين بحفظ ما يجب من
أكيدات الحقوق .
وبعد ذلك قتل الأولاد خشية الإملاق، وإراقة دمائهم بغير استحقاق.
ثم ارتكاب الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وما بدا وما استتر، ويدخل في
ذلك جميع أقسام الآثام.
ثم قتل النّفس بغير الحق، وذلك إنما يكون لفقد شفقة الخلق .
ثم مجانبة مال اليتيم والنظر إليه بعين التكريم.
ثم بذل الإنصاف في المعاملات والتوقي من جميع التبعات.
ثم الصدق في القول والعدل في الفعل .
ثم متابعة السبيل بما تشير إليه لوائح الدليل .
فَمَنْ قابل هذه الأوامر بجميل الاعتناقُ سعد في داريه وحظي بعظائم منزلته.
قوله جلّ ذكره: ﴿ثُمَّ ءَانَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ تَمَامَا عَلَى الَّذِىّ أَحْسَنَ وَنَفْصِيلًا لِكُلِّ شَىْءٍ
وَهُدِّى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُم بِقَّهِ رَيْهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ .

٣١٨
تفسير سورة الأنعام
يهوّن عليهم مشقة مقاساة التكليف بما ذكر من التعريف بأنَّ الذين كانوا قبلنا
كانوا في الضعف والعجز مثلها، ثم صَبرُوا فظَفروا، وأخْلَصُوا فخَلُصُوا.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَهَذَا كِنَبُ أَنْزَلْنَهُ مُبَارَكٌ فَأَتَّبِعُوهُ وَتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ .
إنزال الكتاب عليهم تحقيق للإيجاب، وإذا بَقِيَ العبدُ عن سماع الخطاب تسلى
بقراءة الكتاب، ومن لم يجد في قراءة القرآن كمالَ العيشِ والإِنس فَلأنَّه يقرأ ترسماً لا
تحققاً(١).
قوله جلّ ذكره: ﴿أَنْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَبُ عَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن
دِرَاسَتِهِمْ لَغَفِلِينَ أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَبُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمَّ فَقَدْ جَآءَ كُم بَيْنَةٌ مِّن
زَّيِّكُمْ وَهُدَى وَرَحْمَةٌ﴾ .
أزاح كلَّ عِلّة، وأبدى كل وصلة، فلم يُبْقِ لك تعللا، ولا في آثار الالتجاء إلى
العذر موضعاً.
قوله جلّ ذكره: ﴿فَمَنْ أَظْلَهُ مِعَنْ كَذَّبَ بِثَايَتِ اَللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِى الَّذِينَ يَصْدِفُونَ
عَنْ ءَايَئِنَا سُوْءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يَصْدِفُونَ﴾ .
عقوبةُ كلُ جُزْم مؤجلة، وعقوبة التكذيب معجلة، وهي ما يوجب بقاءهم في
أَسْرِ الشك حتى لا يستقر قلبهم على شيء.
قوله جلّ ذكره: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَبِكَةُ أَوْ بَأْنِىَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِىَ بَعْضُ مَايَتِ
رَبِكُ يَوْمَ يَأْتِى بَعْضُ ءَايَتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَنُهَا لَمْ تَكُنَ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِيَ إِيمَنِهَا خَيْرَأُ
قُلِ أَنَظِرُواْ إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ .
أخبر أنه بعدما (أزاح) لهم العلل اقترحوا ما ليس لهم، واغتروا بطول السلامة
لهم، ثم بيَّن أنه إذا أمضى عقوبة عبدٍ حُكْماً فلا معارِضَ لتقديره، ولا مُناقِضَ لتدبيره.
قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِ شَىْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ
ثُمَّ يُفَُّهُم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ .
اتفقوا بأبدانهم وافترقوا بقلوبهم، فكانوا مجتمعين جهراً بجهر؛ متفرقين - في
التحقيق - سِرَّاً بِسِرً.
قوله: ﴿لَّسْتَ مِنْهُمْ فِى شَىٍّ﴾. لا نجمعك وإياهم، يعني شِقُّكَ شقُّ الحقائق،
وشِقُهم شِقُّ الباطل، ولا اجتماعَ للضدين .
(١) انظر رأي القشيري من موضوع ((السماع)) في رسالته ص ٣٣٥ - ٣٥٠.

٣١٩
تفسير سورة الأنعام
قوله جلّ ذكره: ﴿مَنْ جَآءَ بِالَْنَّةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ .
هذه الحسنات للظاهر: وأمَّا حسنات القلوب فللواحد مائة إلى أضعاف
مضاعفة .
ويقال الحسنة منْ فضله تعالى تَصْدُر، وبلطفه تحصل، فهو يُجْرِي، ثم يَقْبَلُ
ويثني، ثم يجازي ويُعطي.
ويقال إحسانه ـ الذي هو التوفيق - يوجِبُ إحسانك الذي هو الوفاق، وإحسانه ـ
الذي هو خَلق الطاعة - يوجِبُ لك نعت الإحسان الذي هو الطاعة؛ فالعناءُ منك فِعْلُه
والجزاءُ لكَ فَضْلُه .
ويقال إحسان النفوس تَوْفِيَة الخدمة، وإحسان القلوب حفظ الحرمة، وإحسان
الأرواح مراعاة آداب الحشمة .
ويقال إحسان الظاهر يوجب إحسانه في السرائر فالذي منك مجاهدتُك، والذي
إليك مشاهدتك .
ويقال إحسان الزاهدين ترك الدنيا، وإحسان المريدين رفض الهوى، وإحسان
العارفين قطع المنى، وإحسان الموحدين التخلّي عن الدنيا والعقبى، والاكتفاء بوجود
المولى .
ويقال إحسان المبتدئين الصدق في الطلب، وإحسان أصحاب النهاية حفظ
الأدب، فشرطُ الطلبِ ألا يبقى ميسورٌ إلَّا بَذَلْتَه، وشرط الأدب ألا تسمو لك هِمَّةٌ إلى
شيءٍ إلا قطعته وترکته.
ويقال للزهاد والعبَّاد، وأصحاب الأوراد وأرباب الاجتهاد جزاءً محصور معدود
ولأهل المواجيد لقاء غير مقطوع ولا ممنوع.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَنْ جَآءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَ يُجْزٌَ إلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ .
يعني (يُكالُ) عليه بالكيل الذي يكيل، ويُوقَفُ حيث يرضى لنفسه بأن يكون له
موقفاً.
قوله جلّ ذكره: ﴿قُلْ إِنَّفِ هَدَنِ رَقٍ إِلَى صِرَاطٍ تُسْتَقِيمٍ دِينًا فِيَمًا مِلَّةَ إِنَّزَهِيمَ حَنِفَأْ وَمَا
كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ .
أرشده إلى الطريق الصحيح. ولا يكون الإرشاد إليه إلا بانسداد الطرق أجمع
إلى سواه. ومَنْ وَجَدَ سبيلاً إلى مخلوق عرج في أوطان الحسبان لأن الأغيار ليس لها
من الإبداع شظية، ومن سلك إلى مخلوق سبيلاً وأبرم فيهم تأميلاً أو قدَّم عليهم
تعويلاً، فقد استشعر تسويلاً، وجُرِّعَ تضليلاً.

٣٢٠
تفسير سورة الأنعام
و ((الصراط المستقيم)) ألَّا ترى من دونه مثبتاً لذرةٍ ولا سنة.
و ((الدين القيم)) ما لا تمثيلَ فيه ولا تعطيل، ولا نفي للفَرْقِ الذي يشير إلى
العبودية، ولا رد للجمع الذي هو شهود الربوبية(١).
والحنيف المائل إلى الحق، الزائغ عن الباطل، الحائل عن ضد الحقيقة.
قوله جلّ ذكره: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِ وَنُشْكِى وَحْيَاىَ وَمَعَاقٍِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ لَا شَرِكَ لَّ
وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْلِينَ ﴾ .
مَنْ كوشِفَ بحقائق التوحيد شَهدَ أن القائم عليه والمجري عليه والممسك له
والمُنَقَّل إياه من وصفٍ إلى وصف، و ( ... )(٢) عليه فنون الحدثان - واحدٌ لا
یشارکه قسیم، وماجِدٌ لا يضارعه ندیم.
ويقال مَنْ عَلمَ أنه بالله علم أنه لله، فإذا علم الله لم يَبَقَ فيه نصيب لغير الله؛ فهو
مستسلمْ لحكم الله، لا مُغْترِضٌ على تقدير الله، ولا معارِضٌ لاختيار الله، ولا مُغْرِضٌ
عن اعتناق أمر الله .
قوله جلّ ذكره: ﴿قُلْ أَغََّ اَللَّهِ أَيْفِى رَبَّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَىْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسِ إلَّا
عَلَيْهَا وَلَا تَزْرُ وَازِرَةٌ وِزْدَ أُخْرَّ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ فَّهْتَكُمْ فَيُنَتِئُكُمُ بِمَا كُمْ فِهِ تَخْلِفُونَ﴾ .
كيف أوثِر عليه بَدَلاً وإني لا أجد عن حكمه حِوَلا، وكيف أقول بغيرِ أو ضدٍ أو
شريك؟ أو أقول بدونه معبود أو مقصود؟ وإنْ لاحظتُ يمنةً ما شاهدتُ إلاَ مُلْكَه، وإنْ
طالعتُ يَسْرةً ما عايَنْتُ إلا مُلكَه! بل إني إنْ نظرتُ يمنةٌ شهدت يُمْنَه، وإنْ نظوتُ
يَسْرَةٌ وجدتُ نْحوي يُسْرَه ! .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَهُوَ أَلَّذِى جَعَلَكُمْ خَفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ
لِيَبْلُؤَكُمْ فِ مَآ ءَاتَنَكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ أَلْمِقَابِ، وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِمْ﴾ .
صير التوبة إليكم، وقَصَرَ حكم عصركم عليكم، فأنتم المقصودون اليوم دون
(١) يمكن أن نوضح مقصود القشيري هنا من خلال أقواله أو حديثه عن الجمع والفرق برسالته قال: إن
ما يكون كسباً للعبد من إقامة العبودية وما يليق بأحوال البشرية فهو فرق، وما يكون من قبل الحق
من إبداء معان وإسداء لطف وإحسان فهو جمع، هذا أدنى أحوالهم في الجمع والفرق، لأنه من
شهود الأفعال، فمن أشهده الحق سبحانه أفعاله من طاعاته ومخالفاته فهو عبد يوصف بالتفرقة، ومن
أشهده الحق سبحانه ما يوليه من أفعال نفسه سبحانه فهو عبد يشاهد الجمع فإثبات الخلق من باب
التفرقة، وإثبات الحق من نعت الجمع، ولا بد للعبد من الجمع والفرق فإنّ لا تفرق لا عبودية له،
ومن لا جمع له لا معرفة له، فقوله تعالى: ﴿إياك نعبد﴾ إشارة إلى الفرق، وقوله: ﴿وإياك
نستعين﴾ إشارة إلى الجمع. (الرسالة القشيرية ص ٦٤ - ٦٥).
(٢) بياض في الأصل.
٠
1