Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١ تفسير سورة آل عمران البشرية، وشهوات النفوس وأمانيها، التي هي آثار الحجبة وموانع القربة. ﴿وَإِن يَخْذُلْكُمْ﴾ الخذلان التخلية مع المعاصي، فَمَنْ نَصَرَه قبض على يديه عن تعاطي المكروه، ومن خَذَلَه ألقى حَبْله على غاربه، وَوَكَلَّه إلى سوء اختياره، فيفترق عليه الحال في أودية الشهوات، فمرة يُشَرِّق غير محتشِم، وتارة يُغَرِّب غير مُحترِم، ألا ومن سيّبه الحق فلا آخذ بيده، ومن أسلمه فلا مجيرَ له. ﴿وَعَلَ اللَّهِ فَلْيَتَوَّكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾: في وجدان الأمان عند صدق الابتهال، وإسبال ثوب العفو على هناة الجُزْم عند خلوص الالتجاء، بالتبري من المنّة والحول. ويقال لما كان حديث النصرة قال: ﴿فَلَ غَالِبَ لَكُمْ﴾، ولما كان حديث الخذلان لم يقل ((فلا ناصر لكم)) بل قال بالتلويح والرمز: ﴿فَمَنْ ذَا الَّذِى يَنْصُكُمْ مِّنْ بَعْدِهِ﴾: وفي هذا لطيفةٌ في مراعاة دقائق أحكام الخطاب. قوله جل ذكره: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيّ أَنْ يَغُلُّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَمَةِ ثُمَّ تُوَلَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ . نزَّه أحوال الأنبياء عن الدَّنَس بالخيانات، فمن حَمَّلْنَاه من الرسالة إلى عبادنا يوصلها إلى مستحقيها واجباً، ولا يعتني بشأنٍ حميم له مِنْ دون أمرنا، ولا يمنع نصيب أحدٍ أمرناه بإيصاله إليه، بحقٍ ينطوي عليه. ألا ترى كيف قال: «اذْهب فوارِه)» لأبي طالب لمَّا قال له أمير المؤمنين عليٍّ رضي الله عنه: مات عمُّك(١) الضال. وكيف قَبِلَ الوحشي(٢) قاتِلَ حمزة لمَّا أسلم؟ ويقال ما كان لنبي من الأنبياء صلوات الله عليهم أن يضل أسرارنا في غير أهلها، بل يُنْزِلون كل أحدٍ عندما يستوجبه، وفي الأثر ((أَمِرْنا أن نُنْزِلَ الناسَ منازلهم)). قوله جل ذكره: ﴿أَفَمَنِ أَتَّبَعَ رِضْوَنَ الَّهِ كَمَنْ بَآءَ بِسَخَطٍ مِّنَ الَّهِ وَمَأْوَنُهُ جَهَنَّمُ وَيْنَسَ اَلْصِيرُ هُمْ دَرَجَتُ عِندَ الَهُ وَاللَّهُ بَصِيْرً بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ . (١) أخرجه النسائي في (السنن ١/ ١١٠)، وأحمد بن حنبل في (المسند ١٣٠/١)، والبيهقي في (السنن الكبرى ٣٠٤/١، ٣٠٥، ٣٥٨/٣، ٣٩٨، ٦٧/٧)، وابن حبان في (المجروحين ١١١/١)، وابن الجوزي في (العلل المتناهية ١/ ١٨٠)، والساعاتي في (منحة المعبود ٢٣٢٧)، وفي (بدائع المنن ٥٥٥)، والبيهقي في (دلائل النبوة ٣٤٨/٢). (٢) هو وحشي بن حرب الحبشي أو دسمة، مولى بني نوفل ( ... - نحو ٢٥ هـ =٠٠٠ - نحو ٦٤٥°م) صاحبي من سودان مكة كان من أبطال الموالي في الجاهلية وهو قاتل الحمزة عم النبي ◌َّ ر قتله يوم أُحُد. شهد اليرموك وشارك في قتل مسيلمة وكان يقول قتلت بحربتي هذه خير الناس وشر الناس، وسكن حمص فمات بها في خلافة عثمان . (الأعلام ١١١/٨) (الإصابة ت٩١١١) والاستيعاب بهامشها (٦٠٧/٣ - ٦١٠). ١٨٢ تفسير سورة آل عمران لا يستوي مَنْ رضي عنه في آزاله ومَنْ سخط عليه فخذله في أحواله، وجعله متكلاً على أعماله، ناسياً لشهود أفضاله، واتباع الرضوان بمفارقة زُجِر عنه، ومعانقة ما أُمِرَ به، فَمَنْ تجرَّد عن المزجور، وتجلَّد في اعتناق المأمور فقد اتبع الرضوان، واستوجب الجنان. ﴿هُمْ دَرَجَتُّ عِندَ الَّهِ﴾: أي هم أصحاب درجات في حكم الله، فَمِنْ سعيدٍ مُقَرَّب، ومِنْ شَقِيٌّ مُبْعَد. قوله جل ذكره: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيِهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنفُسِمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِهِ، وَيُزَكْبِهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِنَبَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَلٍ مُّبِينٍ﴾ . أجزل لديهم العارفة، وأحسن إليهم النعم حيث أرسل إليهم مثل المصطفى سيد الورى صلوات الله عليه وعلى آله، وعرَّفهم دينهم، وأوضح لهم براهينهم، وكان لهم بكل وجه فلا نِعَمَهُ شكروا، ولا حَقْه وقَّروا، ولا بما أرشدهم استبصروا، ولا عن ضلالتهم أقصروا .. هذا وصف أعدائه الذين جحدوا واستكبروا. وأمَّا المؤمنون فتقلدوا المِنَّة في الاختيار، وقابلوا الأمر بالسمع والطاعة عن كنه الاقتدار، فسَعِدُوا فِي الدنيا والعُقْبى، واستوجبوا من الله الكرامة والزُّلفى(١). قوله جل ذكره: ﴿أَوَ لَمَّآ أَصَبَتَّكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنْ هَذَّا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ فَذِيرٌ﴾ . عادة الخلق نسيان ما منهم من الخطأ والعصيان، والرجوع إلى الله بالتهمة فيما يتصل بهم من المحن والخسران، وفنون المكاره والافتتان، وإنَّ مَنْ تعاطى ( ... )(٢) الإجرام فحقيق بألا ينسى حلول الانتقام. قوله جل ذكره: ﴿وَمَآ أَصَبَّكُمْ يَوْمَ اَلْتَقَى الْجَمْعَانِ فَإِذْنِ اَللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْ قَتِلُواْ فِ سَبِ الَّهِ أَوِ أَدْفَعُواْ قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لََّتَبَعْنَكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَيِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَنِّ يَقُولُونَ بِأَفْوَهِهِم مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُونَ ﴾ . هون على المؤمنين وأصحاب البصائر ما لقوا من عظيم الفتنة يوم أُحُد، بأن قال إن ذلك أجمع كان بإذن الله، وإنَّ بلاءً يصيب بإذن الله لِمَن العسلِ أحلى، ومِنْ كل نعيم أشهى. ثم أخبر أن الذين لم يكن لهم في الصحبة خلوص كيف تعللوا وكيف تكاسلوا : وكذا المَلُولُ إذا أراد قطيعةً ملَّ الوصال وقال كان وکانا (١) الزُّلفى: المنزلة والدرجة والقُربة. (٢) بياض في الأصل. ١٨٣ تفسير سورة آل عمران قوله تعالى: ﴿يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم﴾ فلا جَرَم (سَقَوْا العَسَل ودَسُوا له فيه الحنظل)(١)، ومكروا ومكر الله والله خبر الماكرين. قوله جل ذكره: ﴿الَّذِينَ قَالُواْ لِإِخْوَنِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُواْ قُلْ فَادْرَءُواْ عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ . الذين ركنوا إلى ما سؤَّلت لهم نفوسهم من إيثار الهوى، ثم اعترضوا على من يصرف أحكام القضاء وقالوا لو تَحَرَّزُوا عن البروز للقتال لم يسقطوا عن درجة السلامة .. لمَذْمُومٌ تلك الظنون، ولَذَاهِبَةٌ عن شهود التحقيق تلك القلوب. قُلْ لهم - يا محمد - استديموا لأنفسكم الحياة، وادفعوا عنها هجوم الوفاة! ومتى تقدرون على ذلك؟! هيهات هيهات ! . قوله جل ذكره: ﴿وَلَا تَّحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَأْ بَلْ أَحْيَاءُ عِندَ رَيِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَنهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، وَيَسْتَبْشِرُونَ بِلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ . الحياة بذكر الحق بعد ما تتلف النفوس في رضاء الحق أتَمُّ من البقاء بنعمة الخلق مع الحجبة عن الحق . ويقال إن الذي وارثُه الحي الذي لم يزل فليس بميت - وإن قُتِل: فقتلُ امرىء في الله - لا شكَّ - أفضلُ وإن كانت العبدان للموت أُنْشِئَتْ قوله: ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ﴾: مَنْ علم أن أحباءه ينتظرونه وهم في الرَّفَه والنعمة لا يهنأ بعيش دون التأهب والإلمام بهم والنزول عليهم. قوله جل ذكره: ﴿﴿ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. عِلَّهُ استبشارهم وموجبه فضلٌ من الله ونعمة منه، أي لولا فضله ونعمته بهم وإلا متى استبشروا؟ فليس استبشارهم بالنعمة إنما استبشارهم بأنهم عبادُه وأنه مولاهم(٢)، ولولا فضله ونعمته عليهم لما كانت لهم هذه الحالة . (١) الحنظل: نبات عشبي بري حولي معترش من فصيلة القرعيات، ثمرته في حجم البرتقالة ولونها، فيها لب شديدة المرارة، كان ولا يزال يُستعمل في الطب. ويُزرع في الحدائق الطبية. (٢) قال القشيري: سمت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول: ليس شيء أشرف من العبودية، ولا اسم أتم للمؤمن من الاسم له بالعبودية. ولذلك قال سبحانه في وصف النبي 98 ليلة المعراج، وكان أشرف أوقاته في الدنيا ﴿سبحان الذي أسري بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى)، وقال تعالى: ﴿فأوحى إلى عبده ما أوحى﴾، فلو كان اسم أجل من العبودية لسمّاه به، وفي هذا المعنى أنشدوا: لا تدعني إلا بيا عبدها (الرسالة القشيرية ص ٢٠٠). فإنه أشرف أسمائـي ١٨٤ تفسير سورة آل عمران قوله جل ذكره: ﴿الَّذِينَ أُسْتَجَابُوْ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ الْقَرْعُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَأَتَّقَوْاْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ . للاستجابة مزية وفضيلة على الإجابة من حيث الإشارة لا من مقتضى العربية وهو أنه يستجيب طوعاً لا كرهاً، فهم استجابوا لله من غير انطواء على تحمل مشقة بل بإشارة القلب ومحبة الفؤاد واختيار الروح واستحلاء تحمُّل الحُكْم. فالاستجابة للحق بوجوده، والاستجابة للرسول - عليه السلام - بالتخلَّق بما شرع من حدوده. استجابة الحق بالتحقق بالصفاء فى حق الربوبية، واستجابة الرسول عليه السلام بالوفاء في إقامة العبودية . ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾: في ابتداء معاملاتهم قبل ظهور أنوار التجلي على قلوبهم، وابتسام الحقائق في أسرارهم. ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ﴾: ((الإحسان أن تعبد الله كأنَّك تراه ... - وهو المشاهدة والتقوى -... فإن لم تكن تراه فإنه يراك))(١) - وهو المراقبة في حال المجاهدة. ﴿أَخْرٌ عَظِيمٌ﴾ لأهل البداية مؤجَّلاً، ولأهل النهاية مُعجَّلاً . قوله جل ذكره: ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَّكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اَللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ . لم يلتَبِسْ على ظواهرهم شيءٌ مِنْ أحوال الدنيا إلا انفتحت لهم - في أسرارهم - طوالع من الكشوفات، فازدادوا يقيناً على يقين. ومن أمارات اليقين استقلالُ القلوب بالله عند انقطاع المُنَى مِن الخَلْق في توهم الإنجاد والإعانة . قوله جلّ ذكره: ﴿فَأَنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوْءٌ وَأَنَّبَعُواْ رِضْوَنَ اَللَّهِّ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ . كذا سُنَّة الحق - سبحانه - مع مَنْ صَدَق في التجائه إليه أن يمهد مقيله في ظل كفايته؛ فلا البلاء يمسه، ولا العناء يصيبه، ولا النَّصَبَ يُظِلُّه. قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّا ◌َلِكُمْ الشَّيْطُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءٌَّ، فَلَ تَّخَافُوهُمْ وَخَافُونٍ إِن كُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ . (١) أخرجه البخاري في (صحيحه ١٤٤/٦). والبيهقي في (السنن الكبرى ٢٠٣/١٠) وابن خزيمة في (الصحيح ٢٢٤٤) والهيثمي في (موارد الظمآن ١٦) وابن حجر في (فتح الباري ٥١٣/٨)، والزبيدي في (إتحاف السادة المتقين ٤٣٤/٨، ٩٤/١٠)، وابن كثير في (التفسير ٣٥٦/٦)، والمتقي الهندي في (كنز العمال ٥٢٤٩، ٥٢٥٤). ١٨٥ تفير سورة آل عمران الإشارة في تسليط دواعي الشيطان على قلوب الأولياء صدق فرارهم إلى الله؛ كالصبيِّ الذي يُخوَّف بشيء يفزع الصبيان، فإذا خاف لم يهتدٍ إلى غير أمه، فإذا أتى إليها آوَتْه إلى نفسها، وضمَّتُه إلى نَخْرِها، وألصقَتْ بِخَدْه خدَّها. كذلك العبد إذا صدق في ابتهاله إلى الله، ورجوعه إليه عن مخالفته، آواه إلى كنف قربته، وتداركه بحسن لطفه . قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَرِعُونَ فِى الْكُفْرِّ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُواْ اللّهَ شَيْئً يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظَا فِى الْآَخِرَةِ وَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ . زاد في قوة قلبه بما جدَّدَ من تأكيد العهد، بأنه لا يشْمِتُ به عدوًّا، ولا يُوَصِّل إليه من قِبلهم سوءاً. قوله جلّ ذكره: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ أَشْتَرَوْاْ الْكُفْرَ بَلْإِيَمَنِ لَنْ يَضُرُواْاللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ . إنْ أضَرُّوا فما أضروا إلا بأنفسهم، وإنْ أصَرُّوا فما أصَرُّوا إلا على خسرانهم: ولا نحن ساقتنا إليهم نوازعُ فما نحن عذّبْنَا بِبُعدِ ديارهم قوله جل ذكره: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُّوْ أَنََّا نُعْلِ لَمْ خَيْرٌ لِّأَنْفُسِهِمَّ إِنَّمَا نُعْلِى لَمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَّأْ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ . ومن تمام المكر بهم، والمبالغة في عقوبتهم أنَّا نعذبهم وهم لا يشعرون؛ ﴿سَنَمْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٢] نملي لهم فيظنون ذلك إنعاماً، ولا يحسبونه انتقاماً، فإذا برزت لهم كوامنُ التقدير عند مغاراتها علموا أنهم لفي خسران، وقد اتّضح لكلِّ ذي بصيرة أن ما يكون سببَ العصيان وموجبَ النسيان غيرُ معدودٍ من جملة الإنعام . قوله جلّ ذكره: ﴿َّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيرَ الْخِيثَ مِنَ اُلَِّبٍّ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِمَكُمْ عَلَى الْغَيْبٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِى مِن رُسُلِهِ، مَن يَشَاءُ فَامِنُواْ بِلَلَّهِ وَرُسُلِهِ، وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمْ أَجْرُ عَظِيمٌ﴾ . جمعهم اليومَ من حيث الأشخاص والمباني، ولكنه فرَّقهم في الحقائق والمعاني؛ فَمِنْ طيِّبةٍ سجيته (١)، وزمن خبيئةٍ طِينَتُه. وهم وإن كانوا مشائب (٢) ففي بصيرة الخواص هم ممتازون . ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبٍ﴾: فإنَّ أسرار الغيب لا تظهر للمتلوثين بأدناس (١) السَّجيّة: الخُلق والغريزة والطيبة (ج) سجيات وسجايا. (٢) مشائب: من الشوب: وهو الخلط والغش، وما اختلط بغيره من الأشياء. ١٨٦ تفسير سورة آل عمران البشرية، وإن الحق سبحانه مستأثر بعلم ما جلّ وقلَّ، فيختص من يشاء من أنبيائه بمعرفة بعض أسراره. قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَئُهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، هُوَ خَيْا لَهُمَّ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمَّ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ، يَوْمَ الْقِيَئِمَةِ وَلِلَّهِ مِيَثُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خِيرٌ﴾ . مَنْ آثر شيئاً على الله لم يبارِك له فيه؛ فلا يدوم له - في الدنيا - بذلك استمتاع، ولا للعقوبة عليه - في الآخرة - عنه دفاع. والبخل - على لسان العلماء - منع الواجب، وعلى مقتضى الإشارة إبقاءُ شيءٍ ولو ذرةً من المال أو نَفَساً من الأحوال. قوله جلّ ذكره: ﴿لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ فَقِيْرٌ وَتَحْنُ أَغْنِيَآءُ سَتَكْتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ ذَلِكَ بِمَا فَّدَّمَتْ أَيَدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ . هذا الخطاب لو كان بين المخلوقين لكان شكوى. والشكوى إلى الأولياء من الأعداء سُنَّةُ الأحباب . ويقال علم أن في المؤمنين مَنْ يغتاب الناس، وذلك قبيح من قالتهم، فَأَظْهَرَ قُبْحاً فوق ذلك ليتصاغر قبح قول المؤمنين بالإضافة إلى قبح قول الكفار، فكأنه قال: لئن قبحت قالتهم في الاغتياب فأقبحُ من قولهم قولُ الكفار حيث قالوا في وصفنا ما لا يليق بنعمتنا . وفيه أيضاً إشارة إلى الدعاء إلى الخَلْق، والتجاوز عن الخَضْم، فإن الله - سبحانه - لم يسلبهم ما أولاهم مع قبيح ما ارتكبوه من التقصير في حقوقه. قوله: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ﴾: هذه الكلمة من موجبات الخجلة لأهل التقصير بأدقّ إشارة؛ يعني أنهم وإنْ نَسُوا أحوالهم وأقوالَهم فإنا ننشر لهم ما كتبنا عليهم قال قائلهم: سَتُشْشَرُ يوماً والعتابُ يطولُ صحائفُ عِنْدِي للعِتاب طویتها فإنْ نلتقِ يوماً فسوف أقول سأصبر حتى يجمع الله بيننا قوله: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ هذا لو كان من مخلوقٍ مع مخلوق لأشبه العذر مما عمله به، فكأنه - سبحانه - يقول: ((عبدي: هذا الذي تلقاه - اليوم - من العقوبة لأن الذنب لك، ولو لم تفعله لما عذَّبنُك)). ١٨٧ تفسير سورة آل عمران قوله جلّ ذكره: ﴿اَلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَآَ أَلَّ تُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْيَانٍ تَأْكُلُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَآءَكُمْ رُسُلٌ مِّنِ قَبْلِىِ بِلْبَيِّنَتِ وَبِأَلَّذِى قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنْتُمْ صَدِقِينَ﴾ . تقوَّلوا على الله - سبحانه - فيما تعللوا به من تَرْكِ الإيمان، فقالوا: لقد أُمِزْنا ألا نصدِّق أحداً إلا لو أتانا بقربان يتقرب به إلى السماء، وتنزل نار من السماء، فتأخذ القربان عياناً ببصر، فقال تعالى قلْ لهم إن من تقدَّمني من الأنبياء عليهم السلام أَتَوْكم بما اقترحتم عليّ من القربان، ثم لم تؤمنوا، فلو أجبتكم إليه لن تؤمنوا بي أيضاً؛ فإن مَنْ أقصته السوابق - فلو خاطَبَتْه الشمسُ بلسان فصيح، أو سجدت له الجبالُ رآها بلحظٍ صحيح - لم يَلِج العرفان في قلبه، وما ازداد إلا شكاً على شك. قوله جلّ ذكره: ﴿فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ جَّهُو بِالْبَيْنَتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَبِ الْمُنِيرِ﴾ . أي عادة الكفار تكذيب الرسل: وعلى هذا النحو درج سَلَفُهمْ، وبهديهم اقتدى خَلَفُهم . قوله جلّ ذكره: ﴿كُلُّ نَفْسِ ذَآيِقَةُ الْمَوْتٍ، وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةٍ فَمَنْ زُحْزِجَ عَنِ الثَارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَةَ فَقَدْ فَازَّ وَمَا الْحَبَوَةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَنَعُ الْغُرُورِ﴾. ٢٠ أي كأسُ الموت توضع على كفِّ كل حيٍّ فمن تحلَّاها طيِّبَةً نفسه أوْرَثَتْهُ سُكْرَ ". الوَجْد، ومن تَجَّرِعَها على وجه التعبس، وقع في وهْدَةِ الرّدِّ، وَوُسِمَ بِكَيِّ الصَّدّ، ثم يوم القيامة: فمن أُجِير من النار وصل إلى الراحة الكبرى، ومن صُلِّيَ بالسعير وقع في المحنة الكبرى . ﴿وَمَا الْحَيَوَةُ الذُّنْيَا إِلَّا مَتَعُ الْغُرُورِ﴾: لأن ما هو آتِ فقريبٌ. قوله جلّ ذكره: ﴿﴿ لَتُبْلُوُكَ فِى أَمْوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَشْمَعُنَ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ اَلْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذَى كَثِيرَاً وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾. كفاهم أكثر أسباب الضر بما أخبرهم عن حلولها بهم قبل الهجوم، وعرّفهم أن خير الأمْرَيْن لهم إيثار الصبر واختيار السكون تحت مجاري الأقدار. قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَتَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ، ثَمَنًا قَلِيلًاٌ فَأْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ . أخبر أنهم أبرموا عهودهم أن لا يزولوا عن وفائه، ولكنهم نقضوا أسباب الذّمام ١٨٨ تفسير سورة آل عمران بما صاروا إليه من الكفران، ثم تبيَّن أنَّ ما اعتاضوا من ذهاب الدين من أعراض يسيرة لم يُبارَك لهم فيه . قوله جلّ ذكره: ﴿لَا تَّحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَنَواْ وَ يُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلَا تَحْدَهُم بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيرٌ﴾ . إن مَنْ باشر رؤيةَ الخلق قلبُه، ولَاحَظَهم بِرِّه فلا تظننَّ أنَّ عقوبتَهم مؤخرةٌ إلى يوم القيامة، بل ليسوا من العذاب - في الحال - بمفازة، وأيُّ عذابِ أشدُّ من الردّ إلى الخلق والحجاب عن الحق؟ قوله جلّ ذكره: ﴿وَلِلَِّ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَِّ وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾. الإشارة من هذه الآية ها هنا إلى غناه ـ سبحانه ــ عمَّا في الكون، وكيف يحتاج إليهم؟! ولكنهم لا يجدون عنه خَلَفاً، ولا عليه بَدَلاً . قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ فِ خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ اَلَيْلِ وَالنَّهَارِ لَيْتِ لِأُوْلِ اُلْأَلْبَبِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَمَا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ . الآيات التي تعرَّف الحق سبحانه وتعالى بها إلى العوام هي التي في الأقطار من العبّرِ والآثار، والآيات التي تعرَّف بها إلى الخواص فالتي في أنفسهم. قال سبحانه: ﴿سَخِرِيِهِمْ ءَيَئِنَا فِ اَلْآَفَاقِ وَفِىّ أَنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت: ٥٣]؛ فالآيات الظاهرة توجِب علم اليقين، والآيات الباطنة توجِب عين اليقين. والإشارة من اختلاف الليل والنهار إلى اختلاف ليالي العباد؛ فليالي أهل الوصلة قصيرة، وليالي أهل الفراق طويلة؛ فهذا يقول: بأنصافٍ لهن ولا سِرار شهور ينقضين وما شعرنا ويقول : صباحك سكر والمساء خمار فنمت وأيام السرور قصار والثاني يقول: ليالي أقر الطاعنين(١) ( ... ) (٢) شَكَوْتَ وليلُ العاشقين طويلٌ وثالث ليس له خبر عن طول الليل ولا عن قِصَرِهِ فهو لِمَا غَلَبَ عليه يقول: كيف يدري بذاك من يَتَّقَلَّى؟! لستُ أدري أطال لَيْلِيَ أم لا؟ ورعَيْتُ النجوم كنتُ مُحِلًا لو تَفَرَّغْتُ لاستطالةِ لَيْلِي (١) الطاعنين: (ج) ظاعن: السائرين والمرتحلين. (٢) بياض في الأصل. ١٨٩ تفسير سورة آل عمران قوله تعالى: ﴿لَّأُوْلِىِ الْأَلْبَبِ﴾: أولو الألباب هم الذين صَحَتْ عقولُهم من سِكْر الغفلة. وأمارة مَنْ كان كذلك أن يكون نظرُه بالحق؛ فإذا نظر من الحقِّ إلى الحقِّ استقام نظره، وإذا نظر من الخَلْقِ إلى الحق انتكست نعمته، وانقلبت أفكاره مُورِّثَةً للشبهة . قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَمَا وَقُعُودًا﴾ الآية. استغرق الذكرُ جميعَ أوقاتهم؛ فإن قاموا فبذكره، وإن قعدوا أو ناموا أو سجدوا فجملة أحوالهم مستهلكة في حقائق الذكر، فيقومون بحق ذكره ويقعدون عن إخلاف أمره، ويقومون بصفاء الأحوال ويقعدون عن ملاحظتها والدعوى فيها(١). ويذكرون الله قياماً على بساط الخدمة ثم يقعدون على بساط القربة. ومَنْ لم يَسْلَمْ في بداية قيامه عن التقصير لم يسلم له قعودٌ في نهايته بوصف الحضور . والذكر طريق الحق - سبحانه - فما سلك المريدون طريقاً أصحّ وأوضحٍ من طريق الذكر، وإن لم يكن فيه سوى قوله: ((أنا جليس من ذكرني)) لكان ذلك كافياً. والذاكرون على أقسام، وذلك لتباين أحوالهم: فذكر يوجب قبض الذاكر لما يذكره من نَّقْصٍ سَلَفَ له، أو قُبْحِ حصل منه، فيمنعه خجله عن ذكره، فذلك ذكر قبض . وذكر يوجب بسط الذاكر لما يجد من لذائذ الذكر ثم تقريب الحقُّ إياه بجميل إقباله عليه . وذاكر هو محو في شهود مذكوره؛ فالذكر يجري على لسانه عادةً، وقلبه مُصْطَلَمٌ فيما بدا له. وذاكر هو محل الإجلال يأنف من ذكره ويستقذر وصفه، فكأنه لتصاغره عنه لا يريد أن يكون له في الدنيا والآخرة (ثناء) ولا بقاء، ولا كون ولا بهاء، قال قائلهم: ما إن ذكرتك إلا همّ يلعنني قلبي وروحي وسرى عند ذکراکا إياك ويحك والتذكار إياكا حتى كأنَّ رقيباً منك يهتف بي والذكر عنوان الولاية، وبيان الوصلة، وتحقيق الإرادة، وعلامة صحة البداية، ودلالة صفاء النهاية، فليس وراء الذكر شيء، وجميع الخصال المحمودة راجعة إلى الذكر، ومُنْشَأَةٌ عن الذكر. (١) انظر الرسالة القشيرية ص ٢٢٣. ١٩٠ تفسير سورة آل عمران قوله جلّ ذكره: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ﴾. التفكر نعمة كل طالب، وثمرته الوصال بشرط العلم، فإذا سلم الذكر عن الشوائب ورد صاحبه على مناهل التحقيق، وإذا حصل الشهود والحضور سما صاحبه عن الفكر إلى حدود الذكر، فالذكر سرمد (١). ثم فكر الزاهدين في فناء الدنيا وقلة وفائها لطلابها فيزدادون بالفكرة زهداً فيها . وفكر العابدين في جميل الثواب فيزدادون نشاطاً عليه ورغبةً فيه . وفكر العارفين في الآلاء والنعم فيزدادون محبةً للحق سبحانه. قوله جلّ ذكره: ﴿سُبْحَنَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ . التسبيح يشير إلى سبح الأسرار في بحار التعظيم. قوله جلّ ذكره: ﴿رَبََّآ إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلَّلِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ . من ابتليته في الآجل بالحرقة فقد أخزيته، ومن ابتليته بالفرقة في العاجل فقد أشقيته، ومن أوليته بيُمْنِ الوصله فقد آويته وأدنيته. قوله جلّ ذكره: ﴿رَبَّنَآ إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِى لِلْإِيمَانِ أَنْ ءَامِنُواْ بِرَيَّكُمْ فَقَامَنَّأْ رَبَّنَا فَأَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَقَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ . يعني أَجْبْنَا الداعي ولكن أنت الهادي، فلا تَكِلْنا إلينا، ولا ترفع ظلَّ عنايتك عَنَّا . والإيمان الدخول في مُوجِبات الأَمَان، وإنما يؤمِن بالحق من أَمَّنَه الحق، فَأَمَانُ الحق للعبد - الذي هو إجارته - يوجِب إيمانَ العبدِ بالحق الذي هو تصديقه ومعرفته. ﴿وَتَوَقَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾: وهم المختصون بحقائق التوحيد، القائمون لله بشرائط التفريد، والواقفون مع الله بخصائص التجريد. قوله جلّ ذكره: ﴿رَبَّنَا وَءَاتِنَامَا وَعَدَتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَمَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ اٌلِيعَادَ﴾. حَقْق لنا ما وعدتنا على ألسنة الوسائط من إكمال النُّعمى ( .... )(٢) وغفران كل ما سبق منا من متابعك الهوى. قوله جلّ ذكره: ﴿فَأُسْتَجَابَ لَهُمْ رَتُهُمْ أَنِى لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَلِلٍ مِّنَكُم مِّنِ ذَكَرٍ أَوْ أُنَّى بَعْضُكُم مِّنْ بَعْضِّ فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَدِهِمْ وَأُوذُواْ فِى سَِلِى وَقَتَلُواْ وَقُتِلُواْ لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيْئَاتِهِمْ (١) السرمد: الدائم الذي لا ينقطع. انظر الرسالة القشيرية ص ٢٢٣. (٢) بياض في الأصل. ١٩١ تفسير سورة آل عمران وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ تَوَابًا مِّنْ عِندِ الَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثََّابِ﴾ . كيف لا يستجيب لهم وهو الذي لَقْنَهُم الدعاء، وهو الذي ضمن لهم الإجابة، ووَعْدُه جميل الثواب على الدعاء زائدٌ على ما يدعون لأجْل الحوائج. ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا﴾: يعني الديار والمزار، وجميع المخالفين والموافقين من الأغيار . ﴿وَأُخْرِجُواْ مِنْ دِيَرِهِمْ﴾: إلى مفارقة معاهدهم من مألوفاتهم. ﴿وَأُوذُواْ فِى سَبِيلٍ﴾: عُيِرُوا بالفقر والملام، وفتنوا بفنون المحن والآلام. ﴿ وَقَاتَلُواْ وَقُتِنُواْ﴾: ذاقوا من اختلاف الأطوار الحلو والمر. ﴿لَّأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾: يعني لنعطينَّهم فوق آمالهم وأكثر، مما استوجبوه بأعمالهم وأحوالهم. قوله جلّ ذكره: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِى الْبِلَدِ مَتَعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَنُهُمْ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الِهَادُ ﴾ . لا تتداخلنك تهمة بأنَّ لهم عندنا قدراً وقيمة إنما هي أيام قلائل وأنفاس معدودة، ثم بعدها حسرات مترادفة، وأحزان متضاعفة . قوله جلّ ذكره: ﴿لَكِنِ اُلَّذِينَ أَثَّقَوْاْ رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا نُزُلًا مِّنْ عِندِ الَّهِ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾. الذين وسمناهم بذُلُ الفرقة بئست حالتهم، والذين رفعوا قَدَماً لأجلنا فنعمت الحالة والزلفة؛ وصلوا إلى الثواب المقيم، وبقوا في الوصلة والنعيم، وما عند الله مما اذَّخرنا لهم خيرٌ مما أمَّلوه باختيارهم. قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِثَايَتِ اَللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَيِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ . يريد منْ ساعَدَتْهم القسمةُ بالحسنى فهم مع أولياء الله نعمةً كما كانوا معهم قسمةً . قوله جلّ ذكره: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ . الصبر فيما تفرد به العبد، والمصابرة مع العدو. ١٩٢ تفسير سورة آل عمران والرباط نوع من الصبر ولكن على وجه مخصوص. ويقال أول الصبر التصبر، ثم الصبر ثم المصابرة ثم الاصطبار وهو نهاية (١). ويفال اصبروا على الطاعات وعن المخالفات، وتصابروا في ترك الهوى والشهوات، وقطع المنى والعلاقات، ورابطوا بالاستقامة في الصحبة في عموم الأوقات والحالات . ويقال اصبروا بنفوسكم وصابروا بقلوبكم، ورابطوا بأسراركم. ويقال اصبروا على ملاحظة الثواب، وصابروا على ابتغاء القربة، ورابطوا في محل الدنوِ والزلفة - على شهود الجمال والعِزَّة . والصبر مُرِّ مَذاقُه إذا كان العبد يتحسَّاه على الغيبة، وهو لذيذٌ طعمُه إذا شربه على الشهود والرؤية . ﴿وَأَتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾: الفَلَاحُ الظَّفَرُ بالبُغْية، وهِمَّتُهم اليوم الظفر بنفوسهم، فعند ذلك يتم خلاصهم، وإذا ظفروا بنفوسهم ذبحوها بسيوف المجاهدة، وصلبوها على عيدان المكابدة، وبعد فنائهم عنها يحصل بقاؤهم بالله. (١) انظر الرسالة القشيرية ص ١٨٣ - ١٨٩ (الصبر). السورة التي يذكر فيها النساء اختلفوا في الاسم عن ماذا اشْتُقَّ؛ فمنهم من قال إنه مشتق من السموّ وهو العلوّ. ومنهم من قال إنه مشتق من السِّمَة وهي الكيَّة. وكلاهما في الإشارة: فَمِنْ قال إنه مشتق من السمو فهو اسمٌ مَنْ ذكَرَه سَمَتْ رتبتُه، ومَن عَرَفَه سَمَتْ حالتُه، ومن صَحِبَه سَمَتْ هِمَّتُه؛ فسمو الرتبة يوجب وفور المثوبات والمَبَارِ، وسمو الحالة يوجب ظهور الأنوار في الأسرار، وسمو الهمة يوجب التحرز عن رِقِّ الأغبار. ومن قال أصله من السِّمَّة فهو اسمٌّ مَنْ قَصَدَهُ وُسِمَ بِسِمَةِ العبادة، ومن صحبه وسم بسمة الإرادة، ومن أحبَّه وسم بسمة الخواص، ومن عرفه وسم بسمة الاختصاص. فسِمَةُ العبادة توجب هيبة النار أن ترمي صاحبها بشررها، وسمة الإرادة توجب حشمة الجِنان أن تطمع في استرقاق صاحبها - مع شرف خطرها، وسمة الخواص توجب سقوط العُجْبٍ من استحقاق القربة للماء والطينة على الجملة، وسمة الاختصاص توجب امتحاء الحكم عند استيلاء سلطان الحقيقة. ويقال اسمٌ مَنْ واصله سما عنده (عن) الأوهامِ قَدْرُه (سبحانه). ومن فاصله وُسِمَ بِكِيِّ الفُرقة قلبُه. وعلى هذه الجملة يدل اسمه . قوله جلّ ذكره: ﴿يَأَتُهَا النَّاسُ أَنَّقُواْ رَّكُمُ الَّذِى خَلَقَّكُم مِّنْ نَفْسٍ وَجِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءُ وَتَّقُواْ اَللَّهَ الَّذِى تَسَاءَلُونَ بِهِ، وَالْأَرْحَّ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ . الناس اسم جنس، والاشتقاق فيه غير قوي. وقيل سمي الإنس إنساً لظهوره(١) فعلى هذه الإشارة: يا مَنْ ظهرتم عن كتم العَدَم بحكم تكليفي، ثم خصصتُ مَنْ (١) الإنس: البشر وواحده إنسي، والجمع أناسي، وهنا ربما قصد القشيري إلى ذلك حتى يقابل الجن: وقد خلقهم الله من مارج من نار، وقد سموا بذلك لاستتارهم واختفائهم عن الأبصار. ١٩٣ ١٩٤ تفسير سورة النساء شئتُ منكم بتشريفي، وحرمتُ من شئت منكم هدايتي وتعريفي، ونقلتكم إلى ما شئتُ بل أوصلتكم إلى ما شئت بحكم تصريفي. ويقال لم أُظْهِرْ منَ العَدَمِ أمثالكم، ولم أُظْهِرْ على أحدٍ ما أَظْهَرْتُ عليكم من أحوالكم . ويقال سمْيتَ إنساناً لنسيانك، فإن نسيتني فلا شيء أَخَس منك، وإنّ نسيت ذكري فلا أحد أَحَط منك. ويقا من نَسِيَ الحق فلا غاية لمحنته، ومن نسي الخَلْقَ فلا نهاية لعلوٌ حالته. ويقال يقول للمُذْنِبين، يا مَنْ نسِيتَ عهدي، ورفضتَ ودي، وتجاوزت حدِّي حانَ لك أن ترجع إلى بابي، لتستحقَّ لطفي وإيجابي. ويقول للعارفين يا مَنْ نسيت فينا حظَّكَ، وصُتَ عن غيرنا لَحْظَكَ ولَفْظَك - لقد عظُم علينا حَقُّك، وَوَجَبَ لدينا نصرُك، وجلَّ عندنا قَدْرُك. ويقال يا من أَنِستَ بنسيم قرْبي، واستروجتَ إلى شهود وجهي، واعتززت بجلال قَذري - فأنت أجلُّ عبادي عندي . قوله: ﴿أَثَّقُواْ رَّكُمْ﴾: التقوى جماع الطاعات، وأوله ترك الشّرْكِ وآخره اتقاء كل غير، وأولُ الأغيار لك نفسُكَ، ومَنْ اتَّقَى نفسه وقف مع الله بلا مقام ولا شهود حال، و (وقف) لله .. لا لشهود حظّ في الدنيا والعقبى. قوله: ﴿اَلَّذِى خَلَقَّكُم مِّن نَّفْسٍ وَحِدَةٍ﴾: وهو آدم عليه السلام، وإذا كنا مخلوقين منه وهو مخلوق باليد فنحن أيضاً كذلك، لمَّا ظهرت مزية آدم عليه السلام به على جميع المخلوقين والمخلوقات فكذلك وصفُنا، قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِّيَّةِ﴾ [البيّنة: ٧]. ولفظ ((النفس)) للعموم والعموم يوجب الاستغراق. قوله: ﴿وَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾: حكَمَ الحقُّ - سبحانه - بمساكنة الخُلق مع الخلق لبقاء النسل، ولردّ المِثْل إلى المِثْل فربَطَ الشكلَ بالشكلِ . قوله: ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءٌ﴾: تعرَّف إلى العقلاء على كمال القدرة بما ألاح من براهين الربوبية ودلالات الحكمة؛ حيث خلق جميع هذا الخلق من نسلٍ شخصٍ واحدٍ، على اختلاف هيئتهم، وتفاوت صورهم، وتباين أخلاقهم، وإن اثنين منهم لا يتشابهان، فلكل وجه في الصورة والخُلق، والهمة والحالة، فسبحان من لا حذَّ لمقدوراته ولا غاية لمعلوماته . ثم قال: ﴿وَتَّقُواْ اللَّهَ﴾ تكرير الأمر بالتقوى يدلُّ على تأكيد حكمه. وقوله: ﴿قَسََّلُونَ بِهِ، وَالْأَرْحَامّ﴾: أي اتقوا الأرحام أن تقطعوها، فَمَنْ قَطَّعَ الرحمَ قُطِعِ، ومَنْ وَصَلَها وَصَل. ١٩٥ تفسير سورة النساء ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾: مطلعاً شهيداً، يعدُ عليك أنفاسكَ، ويرى حواسَك، وهو مُتَوَّلٍ خطراتِك، ومنشىءٌ حركاتِك وسكناتِك. ومَنْ عَلِمَ أنه رقيب عليه فبالحريِّ أن يستحيّ منه. قوله جلّ ذكره: ﴿وَاتُواْ الْيَ أَّمْ وَلَا تَنَبَدَّلُواْ الْخَيِِّثَ بِالَّيِّ وَلَا تَأْكُواْ أَمْوَّلَهُمْ إَِ أَمْوَلِكُمْ إِنَُّ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ . مَنْ أُقيم بمحلٌ الرعاية فجاء على رعيَّتِه فَخَصْمُه ربُّه؛ فإنه - سبحانه - ينتقم لعباده ما لا ينتقم لنفسه. فَوَلِيُّ اليتيم إنْ أَنْصَفَ وأَحْسَنَ فحقُّه على الله، وإنْ أَساء وتعذَّى فَخَضْمُه اللّهُ. قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِنّ ◌ِخِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُواْ فِ اَلْنَى فَأَنْكِحُوْمَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَثَ وَرُبَعَّ فَإِنْ خِفْتُمْأَلَّا نَعْدِلُواْ فَوَِدَةٌ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَّكُمْ ذَلِكَ أَدْنَ أَلَّ تَعُولُوا وَءَاتُوْ اَلِّسَاءٍ صَدُ قَئِنَّ غِلَةٌ﴾ . أباح الله للرجال الأحرار التزوج بأربع في حالة واحدة، وأوجب العدل بينهن، فيجب على العبد أن يراعي الواجبَ فإنْ عَلِمَ أنه يقوم بحق هذا الواجب آثر هذا المُباح، وإنْ عَلِم أنه يقصِّر في الواجب فلا يتعرَّض لهذا المباح، فإنَّ الواجبَ مسؤولٌ عنه . قوله جلّ ذكره: ﴿فَإِن ◌ِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَىْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُوهُ هَنِّيْئًا فَرِيْئًا﴾ . دلَّ هذا على أن طعامَ الفتيان(١) والأسخياء مريء لأنهم لا يُطعِمون إلا عن طيب نَفْسٍٍ، وطعام البخلاء رديء لأنهم يرون أنفسهم، وإنما يُطعِمون عن تكلّف لا عن طِيبَ نَفْس. قالِ وَّهِ: ((طعامُ السخيِّ دواء وطعام البخيل داء))(٢). قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَا تُؤْتُوْ اَلُّفَهَآءَ أَمْوَلَكُمُ الَّتِى جَعَلَ اَللَّهُ لَكُنْ قِيَمًا وَأَزْزُقُوهُمْ فِهَا وَأَكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَمْ قَوْلًا مَّتُوفًا﴾ . السَّفيه من يمنعك عن الحقِّ، ويشغلك عن الربِّ . والسَّفيه من العيال والأولاد من تؤثر حظوظَهم على حقوق الله تعالى. قوله: ﴿ الَّتِى جَعَلَ اللَّهُ لَكُنْ قِيَمًا﴾: حفظ التجمل في الحال أجدى عليكم من التعرض للتبذل والسؤال، والكدية (٣) والاحتيال. وإنما يكون البذل خيراً من الإمساك (١) انظر الرسالة القشيرية ص٢٢٦ - ٢٣١ في حديث القشيري عن الفتوة. (٢) أخرجه الزبيدي في (إتحاف السادة المتقين ١٧٥/٨)، والسيوطي الحلبي في (الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة ١٠٨). (٣) الكدية: حرفة السائل المُلِح (الشحاذة). ١٩٦ تفسير سورة النساء عند تَحرُّرِ القلب والثقةِ بالصبر. فأمّا على نية الكدية وأن تجعل نفسك وعيالك كَلَّا على الناس فَحِفْظُك ما جعله الله كفايةً لنفسك أَوْلى، ثم الجود بفاضل كفايتك. قوله: ﴿وَأَزْزُقُوهُمْ فِهَا وَأَكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُرْ قَوْلًا مَهُوفًا﴾: إذا كان ذات يدك يتسع لكفاية يومهم ويَفْضُل فلا تدُخره عمّا تدعو إليه حاجتهم معلومك خشيةً فقرٍ في الغد، فإِنْ ضاقت يدُك عن الإنفاق فلا يَتَسِعَنَّ لسانك بالقبيح من المقال. ويقال إذا دَعَتْكَ نَفْسُك إلى الإنفاق في الباطل فأنت أسفه السفهاء فلا تُطِعْ نَفْسَكَ . قوله جلّ ذكره: ﴿وَبْلُواْ الْيَ حََّ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَحَ فَإِنْ ءَانَسْتُم ◌ِنْهُمْ رُبْدًا فَأَذْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَّ وَلَا تَأْكُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبُواْ وَمَن كَانَ غَنِيَّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيْرًا فَلْيَأْكُلّ ◌ِالْمَعُرُوفِّ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَهِمْ أَمْوَمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِنَِّ حَسِيبًا﴾ . إيناس الرشد العفة والديانة، والسخاء والصيانة، وصحبة الشيوخ، والحرص على مشاهدة الخير، وأداء العبادات على قضية الأمر . ويقال الرشيد من اهتدى إلى ربِّه، وعندما تسنح له (حاجة) من حوائجه لا يتكل على حَوْله وقُوَّتِه، وتدبيره واختياره. قوله جلّ ذكره: ﴿لِّجَالِ نَصِيبٌ مِّنَا تَرَكَ الْوَلِدَانِ وَالْأَفْرَبُونَ وَلِسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَا تَرَّكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَفْبُونٌ مِمَا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّغْرُوضًا﴾ . حكم الميراث لا يختلف بالفضل والمنقبة، ولا يتفاوت بالعيب والنقص والذنب؛ فلو مات رجلٌ وخلف ابنين تساويا في الاستحقاق وإن كان أحدهما براً تقياً والآخر فاجراً عَصِيّاً، فلا للتقي زيادة لتقواه، ولا للفاجر بخس لفجوره، والمعنى فيه أن الميراث ابتداء عطيّةٍ من قِبَل الله، فيتساوى فيه البر والفاجر. كذلك حكم الإيمان ابتداء عطيةً للمسلمين: قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِنَبَ الَّذِينَ أَصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر: ٣٢]، ثم قال: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالٌِ لِنَفْسِهِ، وَمِنْهُم ... ﴾ [فاطر: ٣٢] الآية. قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ أَلْقُرْبَى وَالْيَنَى وَالْمَسَكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾ . يريد إذا حضر قسمة الميراث ذوو السهمان والمستحقون، وحضَرَ من لا نصيب لهم في الميراث من المساكين فلا تحرموهم من ذلك. فإن كان المستحقْ مُؤَّلّى عليه، فَعِدوهم وعداً جميلاً وقولوا: ((إِذا بلغ الصبي قلنا له حتى يعطيك شيئاً)) وهذا معنى قوله: ﴿وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلًا مَغُوفًا﴾. وفي هذا إِشارة لطيفة للمذنبين إذا حضروا لعرصته غداً، والحق سبحانه يغفر للمطيعين ويعطيهم ثواب أعمالهم، فمن كان منكم من فقراء ١٩٧ تفسير سورة النساء المسلمين لا يحرمهم الغفران إن شاء الله بعدما كانوا من أهل الإيمان، وكذلك يوم القسمة لم تكن حاضراً، ولا لَكَ استحقاق سابق فبفضله ما أهَّلّكَ لمعرفته مع علمه بما يحصل منك في مستأنف أحوالك من زلتك. قوله جلّ ذكره: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَفًا خَافُواْ عَلَيْهِمّ فَلْيَتَّقُواْ اللَّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ . بَيَّنَ في هذه الآية أن الذي ينبغي للمسلم أن يدخره لعياله التقوى والصلاح لا المال؛ لأنه لم يقل فليجمعوا المال وليكثروا لهم العقار وليخلفوا الأثاث بل قال: ﴿فَلْيَتَّقُواْ اللَّهَ﴾ فإنه يتولى الصالحين. قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ الْيَتَعَى كُلْمَا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاًّا وَسَبَصْلُوْنَ سَعِيرًا﴾ . إنما تولَّى الحق سبحانه خصيمة اليتيم، لأنه لا أحدَ لليتيم غيرُه، وكلُّ من وَكَلَ أمره إليه فَتبرَّأ من حوله وقوته فالحق سبحانه ينتقم له بما لا ينتقم لنفسه . قوله جلّ ذكره: ﴿يُوصِيكُ اَللَّهُ فِي أَوْلَدِ كُمٌّ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْشَيَيْنَّ فَإِن كُنَّ نِسَآءُ فَوْقَ أَثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكٌ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةٌ فَلَهَا النّصّفُّ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرْكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدْ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ: أَبَهُ فَلِأُمِّهِ اَلتُّلُثُّ فَإِن كَانَ لَهُ: إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ الشُّدُسَُّ مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصٍِ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ . الوصية ها هنا بمعنى الأمر، فإنه سبحانه جعل الميراث بين الورثة مستحقاً بوجهين : ١ - الفرض ٢ - التعصيب، والتعصيب أقوى من الفرض لأن العَصَبَةَ قد تستغرق جميع المال أما أكثر الفروض فلا يزيد على الثلثين، ثم إن القسمة تبدأ بأصحاب الفروض وهم أضعف استحقاقاً، ثم العَصَبَة وهم أقوى استحقاقاً. قال الشّ: ((ما أبْقَتْ الفرائض فلأَوْلَى عَصَبَةٍ ذَكَر)) (١) كذلك أبداً سنته، كما في قوله تعالى: ﴿ِثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِنَبَ الَّذِينَ أَصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ﴾ [فاطر: ٣٢] أعطاهم الكتاب بلفظ الميراث ثم قدَّم الظالم على السابق، وهو أضعف استحقاقاً إظهاراً للكرم مع الظالم لأنه مُنكسِر القلب ولا يحتمل وقته طول المدافعة. وقوله: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾. لو كان الأمر بالقياس لكانت الأنثى بالتفضيل أَوْلَى لضعفها، ولعجزها عن الحراك، ولكنَّ حُكْمَه - سبحانه - غيرُ معلَّل. (١) أخرجه القرطبي في (التفسير ٧١/٥ - ١٦٧)، وصاحب (شرح معاني الآثار ٣٩٠/٤). ١٩٨ تفسير سورة النساء قوله جلّ ذكره: ﴿ءَبَآؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةٌ مِنَ اَللَّهَّ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ . الأبناء ينفعونكم بالخدمة، والآباء بالرحمة؛ الآباء في حال ضعفِك في بداية عمرك، والأبناء في حال ضعفك في نهاية عمرك. قوله جلّ ذكره: ﴿﴿ وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَجُكُمْ إِن لَّنْ يَكُنْ لَّهُرَ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُُّعُ مِنَا تَرَكْنَّ مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ رَيْنِ، وَلَهُنَّ الْرُّبُعُ مِمَا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَهٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ تُوُصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَلَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ، أَخُ أَوْ أُخْتُ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا اُلُّدُسُنَّ فَإِن كَانُواْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَآءُ فِى الثُّلُثِّ مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُؤْصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍ وَصِيَّةٌ مِّنَ اللَّهِ وَاَللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيٌ﴾ . الإشارة في ثبوت الميراث للأقربين من الورثة بالنَّسب؛ والسبب أنَّ الميت إذا مات تحمَّل القريبُ أحزانَه فعوَّض اللَّهُ الوارثَ على ما يقاسيه ويخامر قلبه من التوجُّع مالَ الموروث .. وكذا سُنَّهُ - سبحانه - التعويضُ على مقاساة الأذى - جوداً منه لا وجوباً عليه(١) - كما تؤَّهم قوم. وكلُّ مَنْ كان أقربَ نسباً أو أقوى سبباً من الميت كان أكثر استحقاقاً لميراثه، وفي معناه أنشدوا: ومابات مطوياً على أريحية (٢) ( .... ... ) عقب النوى موت الفتى ظل مغرما قوله جلّ ذكره: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يُطِيعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا اُلْأَنْهَرُ خَدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ اُلْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. حدوده: أوامره ونواهيه، وما تعبَّد به عباده. وأصل العبودية حفظ الحدود، وصون العهود، ومَنْ حُفظَ حَدَّه لم يُصِبْه مكروه ولا آفة، وأصلُ كلٌ بلاء مجاوزة الحدود. قوله جل ذكره: ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ, وَيَتَعَذَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَلِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّبِيرٌ﴾ . وإنما هما عقوبتان: معجلة ومؤجلة، ويقترن بهما جميعاً الذُّلُّ؛ فلو اجتهد الخلائق على إذلال المعاصي بمثل الذل الذي يلحقهم بارتكاب المعصية لم يقدموا عليها: لذلك قال قائلهم: من بات مُلِماً بذنب أصبح وعليه مذلته، فقلت ومن أصبح مُبِرَّاً بِيرٍ ظلَّ وعليه مهابته . (١) انظر الرسالة القشيرية ص ٩١ - ٩٧ في حديث القشيري عن التوبة. (٢) الأريحية: الارتياح للكرم والمعروف. ١٩٩ تفسير سورة النساء قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَلَّتِ يَأْتِينَ الْفَحِشَةَ مِن نِسَابِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُهُنَ فِى الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ . إنما اعتبر في ثبوت الفاحشة - التي هي الزنا - زيادة الشهود إسبالاً لِسَتْرِ الكَرِم على إجرام العباد، فإنَّ إقامة الشهود - على الوجه الذي في الشرع لإثبات تلك الحالة - كالْمُتَعَذِّرِ . وفي قوله - رَّل * - لمَا عِز لما قال له: يا رسول الله - صلوات الله عليك - إنِّي زنيتُ فَطَهِّرْني. فقال: لعلَّك قَبَّلَتَ(١) .. ثم قال في بعض المرات: ((استنكهوه))(٢). ففي هذا أقوى دليل لما ذكرت من إسباله الستر على الأعمال القبيحة. قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَّذَانِ يَأْتِيَنِهَا مِنكُمْ فَاذُوهُمَّا فَإِنِ نَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَاْ إِنَّ اللَّهَ حَكَانَ تَوَّابًا زَّحِيمًا﴾ . الأمر بفنون العقوبات لهم على فعل ذلك أبلغ شيءٍ في الردع والمنع منه بالرفع، لعلّ العبد يحذر ذلك فلا يستحق التعذيب الأعظم. قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَلَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيٍ فَأُوْلَكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ . لا استغفار مع الإصرار: فإن التوبة مع غير إقلاعِ سِمَةٌ الكذّابين. وقوله: ﴿اُلُّوَّةَ بِجَهَلَةٍ﴾: يعني عَمِلَ عَمِلَ الجُهّال. وذنب كل أحدٍ يليق بحاله، فالخواص ذنوبهم حسبانهم أنهم بطاعاتهم يستوجبون محلاً وكرامة، وهذا وَهَنّ في المكانة؛ إذ لا وسيلة إليه إلا به . قوله: ﴿ثُمَّ يَتُبُونَ مِن قَرِيبٍ﴾: على لسان أهل العلم: قبل الموت، وعلى لسان المعاملة: قبل أن تتعود النفس ذلك فيصير لها عادة، قال قائلهم: فارجعي قبل أَنْ يُسدَّ الطريقُ قلتُ للَّفْسِ إنْ أردتِ رجوعاً قوله جلَّ ذكره: ﴿وَلَيْسَتِ الثَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّفْئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْثُ قَالَ إِّ تُبْتُ الْتَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَكَ أَعْتَدْنَا لَمْ عَذَابًا أليمًا﴾ . (١) أخرجه أحمد بن حنبل في (المسند ٢٣٨/١، ٢٨٩)، والطبراني في (المعجم الكبير ٣٣٨/١١) والدارقطني في (السنن ١٢١/٣)، والقرطبي في (التفسير ١٠٥/١٩). (٢) أخرجه الهيثمي في (مجمع الزوائد ٢٧٩/٦). استنكهه: شم رائحة فمه . ٢٠٠ تفسير سورة النساء يعني إذا كُشِف الغطاءُ وصارت المعارف ضرورية(١) أُغْلِقَ بابُ التوبة؛ فإن مِنْ شرط التكليف أن يكون الإيمان غيبياً. ثم إن في هذه الطريقة إذا عُرِفَ بالخيانة لا يشم بعده حقيقة الصدق. قال داود - عليه السلام - في آخر بكائه لما قال الله تعالى لِم تبكي يا داود، وقد غفرت لك وأرضيت خصمك وقبلت توبتك؟ فقال: إلهي، الوقتُ الذي كان بي رُدَّه إليَّ . فقال: هيهات يا داود، ذاك وُدِّ قد مضى !! وفي معناه أنشدوا: فَخَلْ سبيلَ العين بعدك للبكا فليس لأيام الصفاءِ رجوعُ قوله جلّ ذكره: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا يَحِلُ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَآءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّ أَن يَأْتِيَنَ بِفَاحِشَةٍ تُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِلْمَعْرُوفِّ فَإِن كَرِفْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا ككَثِيرًا﴾. التلبيسُ على المستضعفين، والتدليسُ على أهل السلامة والوداعة من المسلمين - غيرُ محموديْنَ عند الله. فمن تعاطَ ذلك انتقم الله منه، ولم يبارك له فيما يختزل من أموال الناس بالباطل والاحتيال. ومن استصغر خصمه في الله فأهون ما يعاقبه الله به أن يَحْرِمَه الوصولَ إلى ما يأمل من محبوبه . وقوله: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ ◌ِالْمَعْرُوفِّ﴾: أي بتعاليم الدين والتأدب بأخلاق المسلمين وحُسْنِ الصحبة على كراهة النفس، وأن تحتمل أذاهن ولا تحملهن كلف خدمتك، وتتعامى عن مواضع خجلتهن. قوله: ﴿فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُواْ شَيْئًا ... ﴾ كل ما كان على نفسك أشقَّ كانت عاقبته أهْناً وأَمْرَأَ. واعلم أن الحقَّ سبحانه لم يُطْلِع أحداً على غَيْبِهِ، فأكثر ما يعافه الإنسان قد تكون الخيرة فيه أتم. وقد حكم الله - سبحانه - بأن مخالفة النفس توصل صاحبها إلى أعلى المنازل، وبعكس ذلك موافقتها، كما أن مخالفة القلوب توجب عمى البصيرة، وبعكس ذلك موافقتها . قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِنْ أَرَدَّثُمُ أَسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَّوْجٍ وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَثُهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَنَا وَإِثْمًا فُِّينًا وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُمْ مِيثَقًّا غَلِيظًا﴾. (١) انظر الرسالة القشيرية ص ٣٠٠.