Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ تفسير سورة البقرة قوله جلّ ذكره: ﴿أَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ اَلَمَوَتِ وَالْأَرْضُِّ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ . سُنَّتُه - سبحانه - أن يجذب أولياءه عن شهود مُلْكِه إلى رؤية مِلْكِه، ثم يأخذهم من مُطالعةٍ مِلْكه إلى شهود حقُّه، فيأخذهم من رؤية آياته إلى رؤية صفاته، ومن رؤية صفاته إلى شهود ذاته . قوله جلّ ذكره: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْتَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سَيْلَ مُوسَى مِن قَبْلُ وَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِلْإِمَنِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ اُلْتَبِيلِ﴾ . إنَّ بني إسرائيل آذَوْا موسى عليه السلام، فنُهِيَ المسلمون عن فِعْل ما أسلفوه، وأُمِروا بمراعاة أن حشمة الرسول وُل# بغاية ما يتسع في الإمكان. فكانوا بحضرته كأنَّ على رؤوسهم الطير. قال تعالى: ﴿وَتُعَزِّرُهُ وَتُوَقِّرُوُ﴾ [الفتح: ٩] وحسنُ الأدب - في الظاهر - عنوانُ حسن الأدب مع الله في الباطن. قوله جلّ ذكره: ﴿وَذَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَنْكُمْ كُفَّارًا حَكَدًا مِنْ عِندِ أَنْفُسِهِم مِّنْ بَعْدٍ مَا نَبَيَّنَ لَهُمُ أَنْحَقُّ فَاعْفُواْ وَأَصْفَحُواْ حَّ يَأْتِىَ اللهُ بِأَمْرِّةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٠٩]. مَنْ لَحِقَهُ خسران الفهم من أصحاب الغفلة وذَّ أَلَّا يطلعَ لأحدٍ بالسلامة نجمٌ، ومَنْ اعتراه الحسد أراد ألا تنبسط على محسوده شمسٌ. وكذلك كانت صفات الكفار، فأرغم اللَّهُ أَنْفَهُم، وكبَّهم على وجوههم. والإشارة من هذا إلى حال أصحاب الإرادة في البداية إذا رغبوا في السلوك، فمن لم يساعده التوفيق (في الصخبة، وعاشر أناساً مترسِمين بالظواهر)(١) فإنهم يمنعون هؤلاء من السلوك ولا يزالون يخاطبونهم بلسان النصح، والتخويف بالعجز والتهديد بالفقر حتى ينقلوهم إلى سبيل الغفلة، ويقطعوا عليهم طريق الإرادة، أولئك أعداء الله حقاً، أدركهم مقت الوقت. وعقوبتهم حرمانهم من أن يشموا شيئاً من روائح الصدق. ﴿فَاعْفُواْ وَأَصْفَحُواْ﴾ فسبيل المريد أن يحفظ عن الأغيار سِرَّه، ويستعمل مع كل أحدٍ ضلة، ويبذل في الطلب رفعة، فعن قريب يفتح الحق عليه طريقه . قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَقِيمُواْ الْعَلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةُ وَمَا نُقَدِّعُواْ لِأَنْفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. (١) ما بين قوسين صحح لكي يتضح المعنى طبقاً مع وصايا القشيري للمريدين في رسالته ص٣٧٨. ٦٢ تفسير سورة البقرة الواجب على المريد إقامة المواصلات، وإدامة التوسل بفنون القُربات، واثقاً بأن ما يقدمه من صدق المجاهدات تُدرك ثمرته في أواخر الحالات. قوله جلّ ذكره: ﴿وَقَالُواْ لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًّا أَوْ نَصَرَىَّ تِلْكَ أَمَانِتُهُمّ قُلْ هَاتُواْ بُهَنَكُمْ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾. كلُّ حِزْبٍ يُمَهِّد الأملَ لنفسه، ويظنُّ النجاة لحاله، ويدعي الوسل(١) من سهمه. ولكنّ مجرد الحسبان دون تحقق البرهان لا يأتي بحاصل، ولا يجوز بطائل. قوله جلّ ذكره: ﴿بَلَ مَنْ أَسْلَّمَ وَجْهَهُ لِّهِ وَهُوَ تُحْسِنٌ فَلَهُ: أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ، وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ . أسلم وجهه أي أخلص لله قصده، وأفرد لله وجهه، وطهَّر عن الشوائب عقله. ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾. عالِمٌ بحقيقة ما يفعله وحقيقة ما يستعمله، وهو محسن في المآل كما أنه مسلم في الحال . ويقال: ((الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه)) فتكون مستسلماً بظاهرك، مشاهداً بسرائرك، في الظاهر جهد وسجود وفي الباطن كشف ووجود. ويقال: ﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ﴾ بالتزام الطاعات، ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ قائمٌ بآداب الخدمة بحسن آداب الحضور، فهؤلاء ليس عليهم خوف الهجر، ولا يلحقهم خفيُّ المكر، فلا الدنيا تشغلهم عن المشاهدة ولا الآخرة تشغلهم غداً عن الرؤية . قوله جلّ ذكره: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَرَى عَلَى شَىْءٍ وَقَالَتِ النَّصَرَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَىْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِنَبَّ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ قَالَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ . الإشارة في هذه الآية على العكس من حكم الظاهر؛ فالأعداء يتبرأ بعضهم من بعضٍ اليوم، والأولياء من وجه كذلك، ولذا قالوا: لا زالت الصوفية بخبرٍ ما تنافروا، ولاَ يَقْبَلُ بعضهم بعضاً لأنه لو قَبِل بعضهم بعضاً بقي بعضُهم مع بعض . لكنّ الأعداء كلهم على الباطل: عند تَّبَرِّي بعضهم من بعض أمَّا الأولياء فَكُلُّهم على الحق - وهذه ما ذكرنا من حكم العكس. قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَن مَّنَعَ مَسَحِدَ الَهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُ, وَسَعَى فِ خَرَبِهَاْ أُوْلَكَ مَا (١) الوسل: من الوسيلة أي ما يتقرب به إلى الشيء، أو الوسيلة إلى الله سبحانه ما يوصل إلى ثوابه وذلك بفعل الطاعات وترك المعاصي. ٦٣ تفسير سورة البقرة 1 كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَآَيِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِى الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ . الإشارة فيه أن الظالم مَنْ خَرَّبَ أوطان العبادة بالشهوات، وأوطان العبادة نفوس العابدين. وخَرّبَ أوطان المعرفة بالمُنى والعلاقات، وأوطان المعرفة قلوب العارفين. وخَرَّب أوطان المحبة بالحطوظ والمُسَاكنات، وهي أرواح الواجدين. وخرَّب أوطان المشاهدات بالالتفات إلى القربات وهي أسرار الموحدين. قوله جلّ ذكره: ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِ اَلْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ . لأهل الإشارة خزي الدنيا بذل الحجاب، وعذاب الآخرة الامتناع بالدرجات. قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْغْرِبُّ ◌َأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَهَّ وَجْهُ الَهَّ إِثَ اَللَّهَ وَسِعُ عَلِيمٌ﴾ . الإشارة منها إلى مشارق القلوب ومغاربها. وللقلوب شوارق وطوارق. وطوارقها هواجس النفوس تطرق في ظلمات المنى والشهوات . وشوارقها نجوم العلوم وأقمار الحضور وشموس المعارف. فما دامت الشوارق طالعة فَقِبلةُ القلوب، واضحة ظاهرة، فإذا استولت الحقائق خَفَى سلطانُ الشوارق، كالنجوم تستتر عند طلوع الشمس، كذلك عند ظهور الحق يحصل اصطلام وقهر، فلا شهود رسم، ولا بقاء حِسٌّ وفَهْم، ولا سلطان عقل وعلم، ولا ضياء عرفان. فإن وجدان(١) هذه الجملة صفات لائقة ببقاء البشرية، وإذا صار الموصوف محواً فأنَّى لهم ببقاء الصفة . قال تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَتَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ ما دام يبقى من الإحساس والتمييز بقية - ولو شظية - فالقِبلة مقصودة، فإن لم تكن معلومة تكون مطلوبة. وعلى لسان العلم إذا اشتبهت الدلائلُ بكلُ وجِهْةٍ، ولا معرفةَ بالقِبْلة تَسَاوَتْ الجهاتُ في جواز الصلاة إلى كل واحدٍ منها إذا لم يكن للنية ترجيح. قوله جلّ ذكره: ﴿وَقَالُواْ أَخَذَ اَللَّهُ وَلَدَأُ سُبْحَلَةٌ﴾ . مَكَرَ بهم لم يُفْنِهم - من الإفناء - في الحال، بل جعل موهتب اغترارهم طول الإمهال، فنطقوا بعظيم الفِزية على الله، واستنبطوا عجيب الحرية في وصف الله، فوصفوه بالولد! وأنَّى بالولد وهو أحدي الذات؟! لا حدَّ لذبه، ولا تجوز المشهوة في صفاته . (١) القشيري يفضل استعمال لفظة (الوجود) بمعناها الدقيق (التواحد بداية، والوجود نهاية، والوجد واسطة بين البداية والنهاية). (الرسالة القشيرية ص ٦٣). ٦٤ تفسير سورة البقرة قوله جلّ ذكره: ﴿بَل لَُّ مَا فِىِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ كُلِّ لَُّ قَدِئُونَ﴾ . أي ليس في الكون شيء من الآثار المفتقرة أو الأعيان المستقلة إلا وتنادي عليه آثار الحِلْقَة، وتفصح منه شواهد الفطرة، وكل صامتٍ منها ناطق، وعلى وحدانيته - سبحانه - دليلٌ وشاهد. قوله جلّ ذكره: ﴿بَدِيعُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَإِذَا قَضَّ أَفْهَا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُمْ كُنْ فَيَكُونُ﴾ . البديع عند العلماء مُوجِد العين لا على مِثْل، وعند أهل الإشارة الذي ليس له شيء مِثله. فهذا الاسم يشير إلى نفي المثل عن ذاته، ونفي المثال عن أفعاله، فهو الأحد الذي لا عدد يجمعه، والصمد الذي لا أَمَدَ يقطعه، والحق الذي لا وهم يصوّره، والموجود الذي لا فهم يقدره. وإذا قضى أمراً فلا يعارض عليه مقدور، ولا ینفكُ من حكمه محظور . قوله جلّ ذكره: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلًا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَآ ءَايَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِثْلَ قَوْلِهِمُ قَشَبَهَتْ قُلُوبُهُمُّ قَدْ بَيَّنَا الْآَيَتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ . كلام الله سبحانه متعلق بجميع المخلوقات بأعيانها وآثارها، وأمر التكوين (يتناول المكلفين وأفعال المكلفين)، لكن من عدم سمع الفهم تصامم عن استماع الحق، فإنه - سبحانه - خاطب قوماً من أهل الكتاب، وأسمعهم خطابه، فلم يطيقوا سماعه، وبعدما رأوا من عظيم الآيات حرَّفوا وبدَّلوا. وفي الآيات التي أظهرها ما يزيح العِلَّة من الأغيار، ويشفي الغُلَّة من الأخيار، ولكن ما تُغْنِي الدلائل - وإنْ وَضُحَتْ ـ عمن حُقَّتْ لهم الشقاوة وسبقت؟ قوله جلّ ذكره: ﴿إِنََّ أَزْسَلْنَكَ بِأَلْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًاً وَلَا تُنْتَلُ عَنْ أَضْحَبٍ أَلَْحِيمِ﴾ . أفردناكَ بخصائص لم نُظْهِرْها على غيرك؛ فالجمهور والكافة تحت لوائك، والمقبول من وافَقَك، والمردود من خالفَك، وليس عليك من أحوال الأغيار سؤال، ولا عنك لأحدٍ ( ... )(١). قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ اَلْيَهُودُ وَلَا النَّصَرَى حَتّى تَّعَ مِلَتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىَّ وَلَيْنِ أَتَّبَعْتَ أَهْوَآءَ هُم بَعْدَ الَّذِى جَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ الَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ . لا تبالٍ برضاء الأعداء بعد ما حصل لك رضانا، فإنهم لا يرضون عنك إلا بمتابعة أديانهم، ودون ذلك لهم حظ القتال فَأَعْلِنْ التبري منهم، وأظهر الخلاف (١) بياض في الأصل. ٦٥ تفسير سورة البقرة معهم، وانصب العداوة لهم، وأعلم أن مساكنتهم إلى ما يرضون سبب الشقاوة المؤبدة، فاحرص ألا يخطر ذلك بِبالِك، وادعُ - إلى البراءةِ عنهم وعن طريقتهم - أُمَّتَكَ، وكُنْ بِنا لَنَا، مُتَبرِّياً عمن سوانا، واثقاً بنصرتنا، فإنَّكَ بِنَا وَلَّنَا. قوله جلّ ذكره: ﴿ الَّذِينَ ءَاتَيْتَهُمُ الْكِتَبَ يَتْلُونَمُ حَقَّ تِلَاوَيِ= أُوْلَكَ بُؤْمِنُونَ بِهُ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ، فَأُوْلَيْكَ هُمُ الْخَبِرُونَ﴾ . الذين فتحنا أبصارهم بشهود حقنا وَكَلْنَا أسماع قلوبهم بسماع خطابنا، وخصصناهم بإسبال نور العناية عليهم، وأيَّدناهم بتحقيق التعريف في أسرارهم، يقومون بحق التلاوة، ويتصفون بخصائص الإيمان والمعرفة فهم أهل التخصيص، ومَنْ سِواهم أصحابُ الرد. قوله جلّ ذكره: ﴿يَبِّ إِسْرَِّيَ أَذْكُرُواْ نِعْمَتِىَ الَتِىّ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّ فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَلَمِينَ﴾ . جرت سُنتُه - سبحانه - في الخطاب مع قوم موسى عليه السلام أن يناديهم بنداء العلامة فيقول: يا بني إسرائيل اذكروا، أي يا بني يعقوب، ومع هذه الأمة أن يخاطبهم بنداء الكرامة فيقول: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا﴾. قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَتَّقُواْ يَوْمًا لَا تَجْزِى نَفْسُ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا نَنَفَعُهَا شَفَعَةٌ وَلَ هُمْ يُصَرُونَ﴾ . أَمَّا الأعداء فلا يَقْبَلُ منهم شيئاً، وأمَّا الأولياء فقال ◌َّهِ: ((اتقوا النار ولو بِشِقٌ تمرة))(١)، والكفار لا تنفعهم شفاعة الشافعين فهذا حكم كل أمةٍ مع نبيِّها، وأمَّا المؤمنون - فعلى التخصيص - تنفعهم شفاعة نبيِّهم وال﴾. وكلُّ أحدٍ يقول يومئذٍ نفسي نفسي ونبيُّنَا وَله يقول: ((أمتي أمتي))(٢). (١) أخرجه البخاري في (صحيحه ١٢٦/٢، ٢٤/٤، ٨/٨ - ١٤٠ - ١٤٤، ١٨١/٩)، ومسلم في (صحيحه الزكاة ٢٨) والهيثمي في (مجمع الزوائد ١٠٥/٣، ١٠٦) والمتقي الهندي في (كنز العمال ١٦٨٩ - ١٥٩٣٩ - ١٦٠٨٨) والسيوطي في (الدر المنثور ٣٥٥/١، ٣٨٢/٦)، والعجلوني في (كشف الخفاء ٤٣/١) وابن عساكر في (تهذيب تاريخ دمشق ٤٣٣/١، ٢٧٤/٥) وصاحب ميزان الاعتدال (٦٤٥ - ١٠٦٨ - ٩٥٨٠)، وابن حجر في (لسان الميزان ١٠٨٩/٢، ٩٤٢/٦) (أستار ٩٣٣، ٩٣٤، ٩٣٦، ٩٣٧) والزبيدي في (إتحاف السادة المتقين ٤٧٠/١٠، ٢٦١/٦) وابن السني في (عمل اليوم والليلة ٣١٥) والعقيلي في الضعفاء ٢١٥/٢، ٢٢/٤، ١٢٢، ٤٥٧). (٢) أخرجه أحمد بن حنبل في (المسند ٢٨٢/١) والعراقي في (المغني عن حمل الأسفار ٥١٠/٤)، والسيوطي في (الدر المنثور ٦٤/٥) والزبيدي في (إتحاف السادة المتقين ٤٨٧/١٠) وابن حجر في (فتح الباري ٤٢٨/١١، ٤٤٣) وابن أبي عاصم في (السنة ٣٨٠/٢) وابن أبي شيبة في (المصنف ٣١/١١). وقد وقع الناسخ في خطأ حين نقلها ((كل عهد يقول ... )) والصواب ما ورد في رسالة القشيري قال : - ٦٦ تفسير سورة البقرة قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذٍ أَبْتَّ إِبْرَهِمَ رَبُّهُ بِكَلِمَةٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ . البلاء تحقيق الولاء، فأصدقهم ولاءً أشدُّهم بلاء. ولقد ابتلى الحق - سبحانه - خليلَه عليه السلام بما فرض عليه وشرع له، فقام بشرط وجوبها، ووَفَّى بحكم مقتضاها، فأثنى عليه سبحانه بقوله: ﴿وَإِبْزَهِيمُ الَّذِى وَلَ﴾ [النجم: ٣٧] - من التوفية - أي لم يُقَصِّر بوجهٍ ألبتة. يقال حملَّه أعباء النبوة، وطالبه بأحكام الخُلّة، وأشد بلاء له كان قيامه بشرائط الخلة، والانفراد له بالتجافي عن كل واحد وكل شيء، فقام بتصحيح ذلك مختلياً عن جميع ما سواه، سِرًّا وعَلَناً. كذلك لم يلاحظ جبريلَ عليه السلام حين تعرض له وهو يُقْذف في لُجة الهلاك، فقال: هل من حاجة؟ فقال: أمَّا إِليكَ ... فلا. ومن كمال بلائه تعرض جبريل عليه السلام في تلك الحالة، وأي بقية كانت بقيت له منه حتى يكون لمخلوق فيه مساغ كائناً من كان؟! وفي هذا إشارة دقيقة إلى الفَرقِ بين حال نبيِّنا بَ﴿ وحال إبراهيم عليه السلام، لأنه تعرض جبريل للخليل وعَرَضَ عليه نفسه : فقال: أمَّا إليكَ ... فَلَا. ولم يُطِقْ جبريل صحبة النبي ◌َّ فنطق بلسان العجز وقال : لو دنْوتُ أنملة (١) لاحترقتُ. وشتّان بين حالة يكون فيها جبريل عليه السلام من قُوَّتِه بحيث يعرض للخليل عليه السلام نفسه، وبين حالةٍ يعترف للحبيب - صلوات الله عليه - فيها بعجزه. قوله جلّ ذكره: ﴿إِنّ جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيٌَّ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِى الَّلِمِينَ وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةُ لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ . الإمام مَنْ يُقْتَدى به، وقد حقَّق له هذا حتى خاطب جميع الخلائق إلى يوم القيامة بالاقتداء به فقال: ﴿مِلَّةَ أَبِيَكُمْ إِنْزَهِيمٌ﴾ [الحج: ٧٨] أي اتبعوا ملة إبراهيم يعني التوحيد، وقال: ﴿وَأَخِذُواْ مِن ◌َّقَامِ إِرَهِرَ مُصَلّ﴾. هذا هو تحقيق الإمامة. ورتبة الإمامة أن يَفْهَم عن الحق ثم يُفْهِمَ الخُلق؛ فيكون = سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول: لا يكون كمال هذا الخلق إلا لرسول الله ﴿ فإنّ كل واحد يوم القيامة يقول: نفسي نفسي، ونبينا وعلي يقول: أمتي أمتي. (الرسالة القشيرية ٢٢٦). (١) الأنمُلَة: رأس الإصبع أو المفصل الأعلى من الإصبع الذي فيه الظفر (ج) أنامل وأنمُلاتٌ. ٦٧ تفسير سورة البقرة واسطة بين الحق والخلْق، يكون بظاهره مع الخَلْق لا يفتر عن تبليغ الرسالة، وبباطنه مشاهداً للحق، لا يتغير له صفاء الحالة، ويقول للخلق ما يقوله له الحق. قوله جلّ ذكره: ﴿وَمِنْ ذُرِيٌَّ﴾ . نطق بمقتضى الشفقة عليهم، فطلب لهم ما أُكرِم به. فأخبره أن ذلك ليس باستحقاق نَسَب، أو باستيجاب سبب، وإنما هي أقسام مضت بها أحكام فقال له: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِى أَلََّلِمِينَ﴾ وليس هذا كنعيم الدنيا وسعة الأرزاق فيها، فهي لا ادّخَار لها عن أحد وإن كان كافراً، ولذلك قال جلَّ ذكره: ﴿وَأَزْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَّتِ مَنْ ءَامَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَّوْمِ الْآَخِرِّ﴾ . فقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾. يعني ليس للدنيا من الخطر ما يمنعها عن الكفار، ولكن عهدي لا يناله إلا مَنْ اخترته مِنْ خواص عبادي . أمَّا الطعام والشراب فغير ممنوع من أحد. أمّا الإسلام والمحاب فغير مبذول لكل أحد. قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةٌ لِلنَّاسِ وَأَمْنَا﴾ . واذكر يا محمد حين جعلنا البيت - يعني الكعبة - مثابة للناس إليه يثوبون، ومأمناً لهم إليه يرجعون، وإياه من كل نحو يقصدون . هو بيت خلقتُه من الحجر ولكن أضفته إلى الأزل؛ فمن نظر إلى البيت بعين الخِلْقَة انفصل، ومن نظر إليه بعين الإضافة وصل واتصل، وكلُّ من التجأ إلى ذلك البيت أَمِنَ من عقوبة الآخرة إذا كان التجاؤه على جهة الإعظام والاحترام، والتوبة عن الآثام . ويقال بُنيَ البيتُ من الحجر لكنه حجر يجذب القلوب كحجر المغناطيس يجذب الحدید . بيتٌ من وقع عليه ظِلُّه أناخ بعَقْوَةٍ (١) الأمن. بيتٌ مَنْ وقع عليه طَرْفُه بُشِّرَ بتحقيق الغفران . بيتٌ مَنْ طاف حَوْلَه طافت اللطائف بقلبه، فطَوْفَة بطوفة، وشَّوْطة بشوطة وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان . (١) العقوة: الساحة وما حول الدار والمحلة. (لسان العرب ٧٩/١٥). ٦٨ تفسير سورة البقرة بيتٌ ما خَسِرَ مَنْ أنفق على الوصول إليه مَالَه. بَيت ما ربح مَنْ ضَنَّ عليه بشيءٍ؛ مَنْ زاره نَسِيَ مزارَه، وهجر ديارَه. بيت لا تُسْتَبْعَدُ إليه المسافة، بيت لا تُتْرَك زيارته لحصول مخافة، أو هجوم آفة، بيت ليس له بمهجة الفقراء آفة . بيت من قعد عن زيارته فَلِعِدَم فُتَوَّتِه، أو لقلة محبته . بيتٌ من صَبِرَ عنه فقلبه أقسى من الحجرة. بيت من وقع عليه شعاعُ أنواره تَسَلَّى عن شموسه وأقماره. بيت ليس العجب ممن بقي (عنه)(١) كيف يصبر، إنما العجب ممن حضره كيف يرجع ! قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَهِمَ مُصٌَّ﴾. عَبْدٌ رفع لله سبحانه قَدماً فإلى القيامة جعل أثر قَدَمِه قِبْلَةٌ لجميع المسلمين إكراماً لا مدی له . قوله جلّ ذكره: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرِهِمَ وَإِسْمَعِيلَ أَنْ طَهِرَا بَيْتِىَ لِلَّبِفِينَ وَالْمَكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ وَإِذْ قَالَ إِبْرَهِمُ رَبٍّ اجْعَلْ هَذَا بَدًا ءَإِنّا وَأَرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّعَزَتِ مَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ بِلَهِ وَالْيَوْمِ الَّخِرِّ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمِتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ .. الأمر في الظاهر بتطهير البيت، والإشارة من الآية إلى تطهير القلب. وتطهير البيت بِصَوْنه عن الأدناس والأوضار، وتطهير القلب بحفظه عن ملاحظة الأجناس والأغيار. وطوافُ الحجاج حول البيت معلومٌ بلسان الشرع، وطوافُ المعاني معلومٌ لأهل الحق؛ فقلوب العارفين المعانى فيها طائفة، وقلوب الموحدين الحقائق فيها عاكفة، فهؤلاء أصحاب التلوين(٢) وهؤلاء أرباب التمكين. وقلوبُ القاصدين بملازمة الخضوع على باب الجود أبداً واقفة . (١) ما بين قوسين زيادة يقتضيها السياق. (٢) قال القشيري في رسالته عند حديثه عن التلوين والتمكين: التلوين صفة أرباب الأحوال والتمكين صفة أهل الحقائق فما دام العبد في الطريق فهو صاحب تلوين لأنه يرتقي من حال إلى حال وينتقل من وصف إلى وصف ويخرج من مرحل ويحصل في مربع فإذا وصل تمكن وصاحب التلوين دائماً في الزيارة وصاحب التمكين قد وصل ثم اتصل، وأمّارة أنه اتصل أنه بالكلية عن كليته بطل واعلم أن التغير بما يرد على العبد يكون لأحد أمرين إما لقوة الوارد أو الضعف صاحبه والسكون من صاحبه لأحد أمرين إما لقوته أو لضعف الوارد عليه. (الرسالة القشيرية ص٧٨، ٧٩). ٦٩ تفسير سورة البقرة وقلوب الموحدِّين على بساط الوصل أبداً راكعة . وقلوب الواجدين على بساط القرآن أبداً ساجدة. ويقال صواعد نوازع الطالبين بباب الكرم أبداً واقفة، وسوامي قصود المريدين بمشهد الجود أبداً طائفة، ووفود هِمَم العارفين بحضرة العِزِّ أبداً عاكفة .. قوله جلّ ذكره: ﴿وَ إِذْ قَالَ إِنْزَهِيمُ رَبِّ أُجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ ءَإِنًا﴾. السؤال إذا لم يكن مشوباً بحظّ العبد كان مستجاباً، ولم يكن سؤال إبراهيم هذا لحظّ نفسه، وإنما كان لِحقِّ ربِّه عزَّ وجلَّ. ولمَّا حفظ شرط الأدب طلب الرزق لمن آمن منهم على الخصوص أجيب فيهم وفي الذين لم يؤمنوا. ولمَّا قال في حديث الإمامة: ((ومن ذُرْيتي)) من غير إذن مُنِعَ وقيل له: ﴿لا ينال عهدي الظالمين﴾. قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِنْزَهِمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَعِيلُ رَبَّنَا نَقَبَّلْ مِنَّأْ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ . نجحُ السؤال في صدق الابتهال؛ فلما فزعا إلى الخضوع في الدعاء أتاهما المدد، وتحقيق السؤال. ﴿إنك أنت السميع﴾ لأقوالنا ﴿العليم) بأحوالنا. قوله جلّ ذكره: ﴿رَبَّنَا وَأَجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّقِنَّآ أُمَّةٌ مُسْلِمَةٌ لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَاْ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِمُ﴾. ((مسلمين)): منقادين لحكمك حتى لا يتحرك مِنّا عرق بغير رضاك، واجعل من ذريتنا أمة مسلمة لك لتقوم بعدنا مقامنا في القيام بحقوقك، وشتان بين من يطلب وارثاً لماله، وبين من يطلب نائباً بعده يقوم بطاعته في أحواله. ﴿وأرنا مناسكنا﴾ إذ لا سبيل إلى معرفة الموافقات إلا بطريق التوفيق والإعلام. ﴿وتب علينا﴾: بعد قيامنا بجميع ما أَمَرْتَنَا حتى لا نلاحظ حركاتِنا وسكناتِنا، ونرجع إليه عن شهود أفعالنا لئلا يكونَ خطرُ الشِّرْك الخفيِّ في توهُّمِ شيءٍ مِنَّا بِنَا. قوله جلّ ذكره: ﴿رَبَّنَا وَأَبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِنَبَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَّكْبِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. إن الواجبات لمّا كانت من قِبَلِ الرسل دون مجرد المعقول سأل ألا يتركهم سُدّى، وألا يخليهم عن رسول وشرع. وطلب في ذلك الموقف أن يكون الرسول ٧.٠ تفسير سورة البقرة (منهم)) ليكونوا أَسْكَنَ إليه وأَسْهَلَ عليهم، ويصحُ أن يكون معناه أنه لما عَرَّفَهُ - سبحانه - حالَ نبيِّنا بَلَّ سأل إنجاز ما وعده على الوجه الذي به (أمره). قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبَهِمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ, وَلَقَّدٍ أَصْطَفَيْنَهُ فِ اُلُّنْيَّ وَإِنَّهُ فِى الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّلِحِينَ﴾ . أخبر أنه آثر الخليل صلوات الله عليه على البرية، فجعل الدينَ دينَه، والتوحيدَ شِعارَه والمعرفةَ صِفته؛ فمن رَغِبَ عن دينه أو حاد عن سُنَّتِهِ فالباطل مطرحه، والكفر مهواه؛ إذ ليست الأنوار بجملتها إلا مقتبسة من نوره. قوله جلّ ذكره: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ: أَسْلِمّ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾. الإسلام هو الإخلاص وهو الاستسلام، وحقيقته الخروج عن أحوال البشرية بالكلية من منازعات الاختيار ومعارضات النفس، قال: ﴿أسلمت لرب العالمين﴾: قابلت الأمر بالسمع والطاعة، واعتنقت الحكم على حسب الاستطاعة. ولم يدخل شيئاً من مالة وبدنه وولده، وحين أَمِرَ بذبح الولد قصد الذبح، وحين قال له خله من الأسر (عمل) ما أُمِرَ به، فلم يكن له في الحالين ((اختيار)) ولا تدبير. ويقال إن قوله: ﴿أسلمتُ﴾: ليس بدعوى من قِبَلِه لأن حقيقة الإسلام إنما هو التَّبري من الحول والقوة، فإذا قال: ﴿أسلمت﴾ فكأنه قال أَقِمْني فيما كلفتني، وحَقّق مني ما بِه أمرتني. فهو أحال الأمر عليه، لا لإظهار معنى أو ضمان شيء من قِبَلِ نفسه. ويقال أَمَرَه بأن يستأثر بمطالبات القدرة؛ فإن من حلَّ في الخلَّة محلَّه يحل به - لا محالة ۔ ما حَلَّ به. ويُسأَلُ ها هنا سؤال فيقال: كيف قال إبراهيم صلوات الله عليه: ﴿أسلمت﴾ ولم يَقُلْ نَبِيُّنَا وَّر حينما قيل له اعْلم ((علمت))؟. والجواب عن ذلك من وجوه: منها أن النبي وَ ر قال ((أنا أعلمكم بالله))(١) ولكن لم يَرِد بعده شرع فكان يخبر عنه بأنه قال علمت . ويقال إن الله سبحانه أخبر عن الرسول عليه السلام بقوله: ﴿آمن الرسول﴾ لأن الإيمان هو العلم بالله سبحانه وتعالى، وقول الحق وإخباره عنه أتمُّ من إخباره - عليه السلام - عن نفسه . والآخر أن إبراهيم لما أخبر بقوله: ﴿أسلمت﴾ اقترنت به البلوى، ونبينا - اَلّ - يتحرز عما عو صورة الدعوى فَحُفِظَ وكُفِيَ . (١) أخرجه ابن حجر في (الكاف الشاف في تخريج أحاديث الكشاف ١٣٩). : ٧١ تفسير سورة البقرة والآخر أن إبراهيم عليه السلام أُمِرَ بما يجرى مجرى الأفعال، فإن الاستسلامَ به إليه يشير. ونبينا وَّ أَمِر بالعلم، (ولطائف العلم أقسام). قوله جلّ ذكره: ﴿وَوَضَّى بِهِآَ إَِّهِمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبٌ يَنَبَنِىَّ إِنَّ اللَّهَ أَضْطَفَى لَكُمُ الذِينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُم ◌ُسْلِمُونَ﴾ . أخبر أن إبراهيم عليه السلام وصَّى بنيه، وكذلك يعقوب عليه السلام قال لبنيه لا يصيبنكم الموت إلا وأنتم بوصف الإسلام. فشرائعهم - وإن اختلفت في الأفعال - فالأصل واحد، ومشرب التوحيد لا ثاني - له في التقسيم - وقوله تعالى: ﴿إن الله اصطفى لكن الدين﴾ بشارة بما تقوي به دواعيهم على الرغبة فيما يكلفهم من الإسلام، لأنهم إذا تحققوا أن الله سبحانه اصطفى لهم ذلك علموا أنه لا محالة يعينهم فيسهل عليهم القيام بحق الإسلام. قوله جلّ ذكره: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِى قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ﴾. جروا كلهم - صلوات الله عليهم - على منهاج واحد في التوحيد والإسلام، وتوارثوا ذلك خَلَفاً عن سَلَف، فهم أهل بيت الزلفة، ومستحقو القربة، والمُطَهَّرون من قِبَل الله - على الحقيقة . قوله جلّ ذكره: ﴿إِلَهَكَ وَإِلَهَ ءَابَآبِكَ إِبْرَهِمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهَا وَحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ . لم يقولوا إلهنا مراعاة لخصوصية قَدْره، حيث سلموا له المزية، ورأوا أنفسهم ملحقين بمقامه، ثم أخبروا عن أنفسهم أنهم طُيَّع له بقولهم ﴿ونحن له مسلمون﴾ . قوله جلّ ذكره: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم ◌َا كَسَبْتُمْ وَلَا تُنْتَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ . أنزل الحقُّ - سبحانه - کُلاَّ بمحله، وأفرد لكل واحدٍ قَدْراً بموجبٍ حکمه، فلا لهؤلاء عن أشكالهم خبر، ولا بما خَصَّ به كل طائفة إلى آخرين أثر، وكلُّ في إقليمه مَلِك، ولكلٍ يدور بالسعادة فَلَك. قوله جلّ ذكره: ﴿وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَكَرَى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِزَهِمَ حَنِيفًّاً وَمَا . كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ . ٧٢ تفسير سورة البقرة معناه إذا تجاذبتك الفِرَق، واختلفت عليك المطالبات بالموافقة، فاحكم بتقابل دعاواهم، وأَزِد من توجهك إلينا، جارياً على منهاج الخليل عليه السلام في اعتزال الجمله، سواء كان أباه، أو كان ممن لا يوافق مولاه، ولذا قال ﴿ وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [مريم: ٤٨] للحق بالحق. قوله جلّ ذكره: ﴿قُولُوَاْ ءَامَنَا بِلَهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَهِعَمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْخَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَّا أُوَِّ النَّبِيُّونَ مِن زَبِّهِمْ لَا نُفَرِقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَغَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ . لمَّا آمن نبيّنا مَّ بجميع ما أُنْزِلَ من قَبْلِهِ أُكْرِمَ بجميع ما أَكْرَمَه من قبله، فلمَّا أظهر موافقة الجميع أَمَرَ الكُلِّ بالكَوْنِ تحت لوائه فقال: ((آدمُ ومَنْ دونه تحت لوائي يوم القيامة))(١) . ولمّا آمنت أُمتَّهُ بجميع ما أنزل الله على رسله، ولم يفرقوا بين أحدٍ فهم ضربوا في التكريم بالسَّهم الأعلى فتقدموا على كافة الأمم. قوله جلّ ذكره: ﴿فَإِنْ ءَامَنُواْ بِمِثْلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِ، فَقَدِ آَهْتَدَواْ وَإِ نَولَوْ فَإَِّا هُمْ فِ شِقَائِّ سَبَكْكَهُمُ اللَّهَ وَهُوَ السَمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ . إن سلكوا طريقتكم، وأخذوا بسبيلكم، أُكرِموا بما أُكْرمتم، ووصلوا إلى ما وصلتم، وإنْ أَبَوْاٍ إلا امتيازاً أَبَيْنا إلا هوانهم، فإنَّ نّظَرَنا لمن خدمك يا محمد بالوصلة، وأعراضنا عمن بَايَنَك وخالفك ( ... )(٢)، من خالفك فهو في شق الأعداء، ومن خَدمك فهو في شق الأولياء. ﴿فسيكفيكم الله وهو السميع العليم﴾: كفاية الله متحققة لأن عناية الله بكم متعلقة، فمن نابذكم قصمته أيادي النصرة، ومن خالفكم قهرته قضايا القسمة، وهو السميع لمناجاة أسراركم معنا على وصف الدوام، العليم باستحقاقكم (منا) خصائص اللطف والإكرام. قوله جلّ ذكره: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةٌ وَتَحْنُ لَهُ عَلِدُونَ﴾ . معناه الزمد صبغة الله، فهو نصب بإضمار فعل. والإشارة أن العبرة بما وضع الحق لا بما جمع العبد، فما يتكلفه الخلقُ فإلى الزوال ماله، وما أثبت الحق عليه القنطرة فبإثباته العبرة. (١) أخرجه العجلوني في (كشف الخفاء ١٦/١)، والسيوطي في (الدر المنثور ٣٠١/٦). (٢) بياض في الأصل. ٧٣ تفسير سورة البقرة وللقلوب صبغة وللأرواح صبغة وللأسرار صبغة وللظواهر صبغة. صبغة الأشباح والظواهر بآثار التوفيق، وصبغة الأرواح والسرائر بأنوار التحقيق. قوله جلّ ذكره: ﴿قُلْ أَتُحَاجُونَنَا فِ اَللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَآ أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ . كيف تصحُّ محاجة الأجانب وهم تحت غطاء الغيبة، وفي ظلال الحجبة. والأولياء في ضياءُ الكشف وظُهْر الشهود؟ ومتى يستوي حال من هو بنعت الإفلاس بِغَيْبَتهِ مع حال من هو حكم الاختصاص والإخلاص لانغراقه في قُرْبَتِه؟ هيهات لا سواء! قوله جلّ ذكره: ﴿أَمْ نَقُولُونَ إِنَّ إِزَهِمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَاَلْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَرَنَّ قُلْ ءَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ الَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَن كَتَمَ شَهَدَةٌ عِندَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللّهُ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ . مَنْ نظر مِنْ نفسه إلى الخَلْقِ يتخيَّل كُأَّ بِرَقمِه، وبحسب الجميع بنعت مثله؛ فلمَّا كانوا بحكم الأجنبِيَّة حَكَم الأنبياء - عليهم السلام - بمثل حالتهم، فردّ الحقُّ - سبحانه - عليهم ظنَّهم و ( ... )(١) فيهم رأيهم. وهل يكون المجذوب عن شاهده كالمحجوب في شاهده؟ وهل يتساوى المختطف عن كُلُّه بالمردود إلى مثله؟ ذلك من الذين كفروا فتعساً لهم! قوله جلّ ذكره: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم ◌َّا كَسَبْتُمٌ وَلَا تُسْتَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ . حالت بينكم وبينهم حواجز من القِسمةِ؛ فهم على الفُرقة والغفلة أسسوا بنيانهم، وأنتم على الزلفة والوصلة ضربتم خيامكم. وعتيق (٢) فضلنا لا يشبه طريد قهرنا . قوله جلّ ذكره: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّنْهُمْ عَن قِبْلَِهِمُ الَّى كَانُواْ عَلَيْهَاً﴾ . سقمت بصائر الكفار فلم يَلُخ لهم وجهُ الصواب في جميع أحوال المؤمنين، فطالعوها بعين الاستقباح، وانطلقت ألسنتهم بالاعتراض في كل ما كان ويكون منهم، فلم يروا شيئاً جديداً إلا أُتّوا علیه باعتراض جدید. (١) بياض في الأصل. (٢) العتيق : الحر أو الكريم. ٧٤ تفسير سورة البقرة فمن ذلك تغير أمر القِبْلة حينما حُوْلَتْ إلى الكعبة قالوا إن كانت قبلتهم حقاً فما الذي ولَّاهم عنها؟ فقال جل ذكره: قوله جلّ ذكره: ﴿قُل ◌ِلَِّ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُّ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. يتعبَّد العباد إلى أي قطرٍ و ( ... )(١) ونحوٍ شاؤوا، وكذلك أصحابُ الغيبة والحُجبة - عن شهود تصريف الحق لأوليائه - يطلبون وجوهاً من الأمر، يحملون عليها أحوالهم، ولو طالعوا الجميع من عين واحدة لتخلصوا عن ألم تَوَزُّع الفِكْر، وشِغْل تَرَجُم الخاطر، ومطالبات تَقَسُّم الظنون، ولكنَّ الله يهدي لنوره من شاء. قوله جلّ ذكره: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْتَكُمْ أُمَّةً وَسَطَّا لِنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَ النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ . الوسط الخيار، فجعل هذه الأمة خيار الأمم، وجعل هذه الطائفة خيار هذه الأمة فهم خيار الخيار. فكما أن هذه الأمة شهداء على الأمم في القيامة فهذه الطائفة هم الأصول، وعليهم المدار، وهم القطب، وبهم يحفظ الله جميع الأمة، وكلُّ من قَبِلَتْهُ قلوبهم فهو المقبول، ومن رَدَّتْه قبولهم فهو المردود. فالحكم الصادق لفراستهم، والصحيح حكمهم، والصائب نظرهم عصم جميع الأمة (عن) الاجتماع على الخطأ، وعصم هذه الطائفة عن الخطأ في النظر والحكم، والقبول والرد، ثم إن بناءَ أمرهم مُسْتَنِدٌ إلى سُنَّة الرسول وَالر. وكل ما لا يكون فيه اقتداءً بالرسول عليه السلام فهو عليه ردٌّ، وصاحبه على لا شيء. قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ أَلَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَّبِعُ الرَّسُولَ مِقَن يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْءٍ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَنَّكُمْ إِنَـ اللَّهَ بَالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ . بيَّن أن الحكم في تقرير أمر القبلة إلى وقت التحويل، وتحويلها من وقت التبديل كان اختباراً لهم من الحق ليتميز الصادق من المارق، ومَنْ نَظر إلى الأم بعين التفرقة لكبر عليه أمر التحويل، ومن نظر بعين الحقيقة ظهرت لبصيرته وجوه الصواب. ثم قال: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ أي من كان مع الله في جميع الأحوال على قلبٍ واحد فالمختلفات من الأحوال له واحدة، فسواءٌ غيَّر أو قرَّر، وأثبت أو بدَّل، وحَقِّق أو حوَّلَ فَهُمْ بِهِ لَهُ في جميع الأحوال، قال قائلهم: (١) بياض في الأصل. ٧٥ تفسير سورة البقرة يحسب الجاهلون أنَّا جُنِئًا كيفما دارت الزجاجة دُزنا فإنْ قابلوا شرقاً أو واجهوا غَزْباً، وإنْ استقبلوا حجراً أو قاربوا مدراً، فمقصودُ قلوبهم واحدٌ، وما كان للواحد فحكْمُ الجميع فيه واحد. قوله جلّ ذكره: ﴿قَدْ نَرَىْ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَتُوَلِيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَهَا فَوَلّ وَجْهَكَ شَطَرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَارِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَةُ﴾ . حَفِظَ - صلوات الله عليه - الآدابَ حيث سكت بلسانه عن سؤال ما تمنّاه من أمر القبلة بقلبه، فَلَاحَظَ السماءَ لأنها طريق جبريل عليه السلام، فأنزل الله عزَّ وجل: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء﴾ أي علمنا سؤلك عمَّا لم تُفْصِخْ عنه بلسان الدعاء، فلقد غيَّرنا القِبْلَةَ لأجلك، وهذه غاية ما يفعل الحبيب لأجل الحبيب. كلَّ العبيد يجتهدون في طلب رضائي وأنا أطلب رضاك ﴿فلنولينك قِبْلَةً ترضاها﴾ ﴿فولْ وجهك شطر المسجد الحرام﴾: ولكن لا تُعَلُقْ قلبَكَ بالأحجار والآثار، وأَفْرِد قلبك لي، ولتكن القِبلةُ مقصودَ نَفْسِك، والحقُّ مشهودَ قلبك، وحيثما كنتم أيها المؤمنون فولوا وجوهكم شطره، ولكن أَخْلِصوا قلوبكم لي وأَفرِدوا شهودكم بي . قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِنَبَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ أَلْحَقُّ مِن زَبِّهِمُ وَمَا اللَّهُ بِفَفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ ولكنه عِلْمٌ لا يكون عليهم حجة، ولا تكون لهم فيه راحة أو منه زيادة، ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ تهويلاً على الأعداء، وتأميلاً على الأولياء. قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَيْنَ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ بِكُلِّ ءَايَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِلَتَكَّ وَمَآ أَنْتَ بِتَابِعِ قِبْلَنَهُمَّ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعِ قِيْلَةَ بَعْضٍِّ وَلَيْنِ أَنَّبَعْتَ أَهْوَآءَ هُم مِّنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِّ إِنََّكَ إِذَا لَِّنَ الَّذِينَ﴾ سبق لكم من قديم الحكم ( ... )(١) انفرادٌ بطريق الحق، ووقوع أعدائكم في شق البُعْد، فبينكما برزخٌ لا يبغيان، فما هم بِتَابعي قبلتكم وإنْ أريتهم من الآثار ما هو أظهر من الشموس والأقمار، ولا أنت - بتابع قبلتهم وإن أتوا بكل احتيال، حُكْماً من الله - سبحانه - بذلك في سابق الأزل. قوله جلّ ذكره: ﴿ الَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِتَبَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَ هُمٌّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْثُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ . (١) بياض في الأصل. ٧٦ تفسير سورة البقرة حَمَلَتْهِم مُسْتَكنَّاتُ الحَسَدِ على مكابرة ما علموه بالاضطرار، فكذلك المغلوب في ظلمات نفسه، ألقى جلباب الحياء فلم ينْجع فيه مَلَام، ولم يَرْدَعْه عن انهماكه كلام. قوله جلّ ذكره: ﴿أَلْحَقُّ مِن رَّيْكٌ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ . أي بعدما طلعت لك شموس اليقين فلا تَأْعَنْ إلى مجوزات التخمين. والخطاب له والمراد به الأمة . قوله جلّ ذكره: ﴿وَلِكُلّ وِجَهَةُ هُوَ مُوَلِّهَا فَأَسْتَبِقُواْ الْخَيْرَتِّ أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ . الإشارة منه: أنَّ كل قوم اشتغلوا عنَّا بشيءٍ حَالَ بينهم وبيننا، فكونوا أنتم أيها المؤمنون لنا وبنا، وأنشد بعضهم: إذا الأشغالُ أَلْهَوْني عنك بشُغْلِهِم جعلتك أشغالي فَأَنْسَيْتَني شُغْلي قوله جلّ ذكره: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلٍ وَجْهَكَ شَظَرَ اُلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ . كما تستقبلون أينما كنتم القِبْلَة - قَرُبتُم منها أم بَعُدْتُم - فكذلك أَقْبِلُوا علينا بقلوبكم كيفما كنتمٍ، ؛ حَظَيتم منا أو مُبِيتُم . قوله جل ذكره: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُواْ وُجُوهَكُمْ شَعْرَةٌ لِتَلَّا يَكُنَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُبَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ طَلَمُواْ مِنْهُمْ ﴾ إذا أردت ألا يكون لأحد عليك سبيلٌ، ولا يقع لمخلوق عليك ظِلٌّ، ولا تصل إليك بالسوءِ يَدُ، فحيثما كنتَ وأينما كنتَ وكيفما كنت كن لَنَا وكُن مِنّا، فإِنَّ من انقطع إلينا لا يتطرق إليه حدثان . قوله جلّ ذكره: ﴿فَلَا تَّخْشَوْهُمْ وَأَخْشَوْنِ﴾ . إذا كانوا محوا عن كونهم رسوماً تجري عليهم أحكامنا - فأنَّى بالخشية منهم!؟ قوله جلّ ذكره: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَنُونَ﴾ . إتمام النعمة إضافة الكشف إلى اللطف، فإن من كفاه بمقتضى جوده دون من أغناه بحق وجوده، وفي معناه أنشدوا: ليس إلا بكم يَتمُّ السرور نحن في أكمل السرور ولكنْ أُنْكم ◌ُغُيَّبٌ ونحن الحُضُور عیبُ ما نحن فيه ۔ یا أهل وُدّي ۔ قوله جل ذكره: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ ءَايَلِنَا وَيُزَكِيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ نَا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ﴾ . ٧٧ تفسير سورة البقرة إرسال الرسول مفاتحة لأبواب الوصول، فكان في سابق علمه - سبحانه - أن قلوب أوليائه متعطشة إلى لقائه. ولا سبيل لأحد إليه إلا بواسطة الرسل؛ فأقوام ألزمهم - بإرسال الرسل إليهم - الكُلَف، وآخرون أكرمهم - بإرسال الرسل إليهم - بفنون القُرَب والزُّلْف، وشَتّان بين قوم وقوم! قوله جل ذكره: ﴿فَذَكُونِيِّ أَذْكُرَكُمْ وَأَشْكُرُواْ لِى وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ . الذكر استغراق الذاكر في شهود المذكور، ثم استهلاكه في وجود المذكور، حتى لا يبقى منك أثر يذكر، فيقال قد كان مرةً فلان. ﴿فاذكروني أذكركم﴾ أي كونوا مستهلكين في وجودنا، نذكركم بعد فنائكم عنكم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوْ قَّلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ [الذاريات: ١٦] كانوا وقتاً ولكنهم بانوا دائماً (١): فكن حديثاً حسناً لمن وعنى (٢) أناس حديث حسن وطريقة أهل العبارة ﴿فاذكروني﴾ بالموافقات ﴿أذكركم﴾ بالكرامات، وطريقة أهل الإشارة ﴿فاذكروني﴾ بِتَزْكِ كل حظ ﴿أذكركم﴾ بأن أقيمكم بحقي بعد فنائكم عنكم. ﴿فاذكروني﴾ مكتفين بي عن عطائي وأفضالي ﴿أذكركم﴾ راضياً بكم دون أفعالكم. ﴿فاذكروني﴾ بذكري لكم ما تذكرون، ولولا سابِقُ ذكري لما كان لاحِقُ ذكركم. ﴿فاذكروني﴾ بقطع العلائق ﴿أذكركم﴾ بنعوت الحقائق. ويقال اذكرني لكل مَنْ لَقِيتَه أذكرك لمن خاطَبتُه، «فمن ذكرني في مَلأ ذكرته في ملأ خيرٍ منهم)) (٣). ويقال ﴿(واشكروني﴾ على عظيم المِنَّةِ عليكم بأن قُلْتُ: ﴿فَذَكُونِيِّ أَذْكُرَكُمْ﴾ . ويقال الشكر من قبيل الذكر، وقوله: ﴿ولا تكفرون﴾ النهي عن الكفران أمرٌ بالشكر، والشكر ذكر، فكرر عليك الأمر بالذكر، والثلاث أول حدٌ الكثرة، والأمر بالذكر الكثير أمر بالمحبة لأنَّ في الخبر: ((من أحب شيئاً أكثر ذكره)» فهذا - في الحقيقة - أمرٌ بالمحبة آي أخببني أحبك؛ ﴿فاذكروني أذكركم﴾ أي أحبوني أحببكم. ويقال: ﴿فاذكروني﴾ بالتذلل ﴿أذكركم﴾ بالتفضُّل. (١) قال القشيري في رسالته: سُئل يحيى بن معاذ عن العارف فقال: رجل كائن بائن، وقال مرة: كان فبان. (الرسالة القشيرية ص ٣١٧). (٢) البيت مضطرب. (٣) أخرجه البخاري (توحيد ١٥)، والترمذي (دعاء ١٣١)، وأحمد بن حنبل ٢٥١/٢، ٣٥٤، ٤٠٥، ٤١٣، ٤٨٠، ٤٨٢، ١٣٨/٣. ٧٨ تفسير سورة البقرة ﴿فاذكروني﴾ بالانكسار ﴿أذكركم﴾ بالمبار. ﴿فاذكروني﴾ باللسان ﴿أذكركم﴾ بالجنان. ﴿فاذكروني﴾ بقلوبكم ﴿أذكركم﴾ بتحقيق مطلوبكم. ﴿فاذكروني﴾ على الباب من حيث الخدمة ﴿أذكركم﴾ بالإيجاب على بساط القربة بإكمال النعمة . ﴿فاذكروني﴾ بتصفية السِّر ﴿أذكركم﴾ بتوفية البر. ﴿فاذكروني﴾ بالجهد والعناء ﴿أذكركم﴾ بالجود والعطاء. ﴿فاذكروني﴾ بوصف السلامة ﴿أذكركم﴾ يومَ القيامة يومَ لا تنفع الندامة. ﴿فاذكروني﴾ بالرهبة ﴿أذكركم﴾ بتحقيق الرغبة. قوله جل ذكره: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةُ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّغْيِينَ﴾. استعينوا بالصبر على الصلاة أي بصبركم - عند جريان أحكام الحق عليكم - استحقاقكم صلاة ربكم عليكم، ولذا فإنه تعالى بعد ﴿وبشر الصابرين﴾ يقول: ﴿أُوْلَكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَتٌ مِّنْ زَّبِّهِمْ﴾ . ويقال استوجب الصابرون نهاية الذخر، وعلو القدر حيث نالوا معَيَّة الله قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّغِْينَ﴾ . قوله جل ذكره: ﴿وَلَا نَقُولُواْ لِمَن يُقْتَلُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتُّ بَلْ أَغْيٌَّ وَلَكِن لَّا تَشْعُرُونَ﴾ . فاتتهم الحياة في الدنيا ولكن وصلوا إلى الحياة الأبدية في العُقْبَى، فهم في الحقيقة أحياء، يجدون من الله فنون الكرامات . ويقال هم أحياء لأن الخَلَفَ عنهم اللَّهُ ومَنْ كان الخلفُ عنه الله لا يكون ميتاً، قال قائلهم في مخلوق : مات من يبقى له مثل خالد إن يكن عنًّا مضى بسبيله فما ويقال هم أحياء بذكرٍ الله لهم، والذي هو مذكور الحق بالجميل بذكره السرمدي ليس بميت . ويقال إنَّ أشباحهم وإنْ كانت متفرقة، فإنَّ أرواحهم - بالحق سبحانه - متحققة. ولئن فَنیت بالله أشباحهم فلقد بقیت بالله أرواحُهم لأنَّ من كان فناؤه بالله كان بقاؤه بالله . ويقال هم أحياء بشواهد التعظيم، عليهم رداء الهيبة وهُمْ في ظلال الأنْس، یبسطهم جَمَالُه مرةً، ويستغرقهم جلاله أخرى. ٧٩ تفسير سورة البقرة قوله جل ذكره: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَىْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمْرَتِّ وَبَشْرِ الصَّبِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَبَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّ إِلَيْهِ رَجِعُونَ ﴾ . ابتلاهم بالنعمة لِيُظْهِرَ شكرهم، وابتلاهم بالمحنة ليظهر صبرهم، فلما أدخل المعلوم من حالهم في الوجود، ورسمهم بالرقم الذي قَسَمَه، وأثبتهم على الوصف الذي علمه، (ابتلاهم) بالخوف وفيه تصفية لصدورهم، وبالجوع وفيه تنقية لأبدانهم، وبنقص من الأموال تزكو به نفوسهم، وبمصائب النفوس يعظم بها عند الله أجرهم، وبآفة الثمرات يتضاعف من الله خلفهم. ﴿وَبَشِّرِ الصَّبِينَ﴾ يعني الذين لا اعتراض لهم على تقديره فيما أمضاه. ويقال طالبهم بالخوف (ابتعاداً) عن عقوبته ثم بمقاساة الجوع ابتغاء قريته وكرامته، ونقصٍ من الأموال بتصَدُّقِ الأموال والخروج عنها طلباً للخيرَ منه بحصول معرفته . ((والأنفس)) تسليماً لها إلى عبادته ((والثمرات)) القول بترك ما يأملونه من الزوائد في نعمته ﴿وَبَشِّرِ الصَّبِينَ﴾ على استحسان قضيته، والانقياد لجريان قدرته. ومطالبات الغيب إما أن تكون بالمال أو بالنفس أو بالأقارب؛ فمن أوقف المال الله فله النجاة، ومن بذل لحكمه النَّفْسَ فله الدرجات، ومن صبر عند مصائب الأقارب فله الخلف والقُرُبات، ومن لم يدخر عنه الروح فله دوام المواصلات. قوله جل ذكره: ﴿الَّذِينَ إِذَآ أَصَبَتْهُمْ قُصِيبَةٌ﴾ ... الآية. قابلوا الأمر بالصبر لا بل بالشكر لا بل بالفرح والفخر. ومن طالع الأشياء مِلْكاً للحق رأى نفسه أجنبياً بينه وبين حكمه؛ فمِنشِىءُ الخَلْقِ أولى بالخَلْقِ من الخَلْقِ . ويقال من شهد المصائب شهد نفسه لله وإلى الله، ومن شاهد المُبْلِي عَلِمَ أن ما يكون من الله فهو عبد بالله، وشتان بين من كان لله وبين من كان بالله؛ الذي كان لله فصابرٌ واقفٌ، والذي هو بالله فساقط الاختيار والحكم، إنْ أثبته ثَبَتَ، وإنْ محاه انمحى، وإنْ حرَّكه تحرك، وإن سَكْتَه سَكَّن، فهو عن اختياراته فانٍ، وفي القبضة مُضْرَّفٌ. قوله جل ذكره: ﴿أُوْلَكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَتٌ مِن زَّيِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ . بصلواته عليهم ابتداءً وصلوا إلى صبرهم ووقوفهم عند مطالبات التقدير، لا بصيرهم ووقوفهم وصلوا إلى صلواته، فلولا رحمته الأزلية لما حصلت طاعتهم بشرط العبودية، فعنايته السابقة أوجبت لهم هداية خالصة. قال تعالى: ﴿وَأُوْلَبِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ لما رحمهم في البداية اهتدوا في النهاية. ٨٠ تفسير سورة البقرة قوله جل ذكره: ﴿ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللّهِ﴾ ٠ تلك المشاهد والرسوم، وتلك الأطلال والرقوم، تُعَظّم وتُزَار، وتُشْدُّ إليها الرحال لأنها أطلال الأحباب، وهنالك تلوح الآثار: وليس فى الدار همٍ ولا طرَبُ أهوى الديار لمن قد كان ساكنها وإن لتُرابِ طريقهم بل لغبار آثارهم - عند حاجة الأحباب - أقداراً عظيمة، وكل غبرة تقع على (حافظات طريقهم) لأعزُّ من المِسْك الأذفر (١): وما ذاك إلا أن مشت عليه أميمةٌ في تربها وجرَّت به بُردا (٢) قوله جل ذكره: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ أَعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَظَوَّفَ بِهِمَأْ وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرُ عَلِيمٌ﴾ . حَظَى الصفا والمروة (٣) بجوار البيت فَشُرِعَ السعي بينهما كما شرع للبيت الطواف، فكما أن الطواف ركن في النُّسك فالسعي أيضاً ركن، والجارُ يُكْرَمُ لأجل الجار . قوله جل ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَتِ وَاَلْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَنَّهُ لِلنَّاسِ فِى الْكِتَبِّ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُمُ الَّهُ وَيَلْعَنَّهُمُ الََّعِنُونَ﴾. الإشارة في هذه الآية لمن كاشفه الحقُّ سبحانه بعلم من آداب السلوك ثم ضنّ بإظهاره للمريدين على وجه النصيحة والإرشاد استوجب المقت في الوقت، ويخشى عليه نزع البركة عن علمه متى قصّر فيه لما أخّر من تعليم المستحِق. قوله جل ذكره: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ وَأَضْلَحُواْ وَبَيِّنُواْ فَأُوْلَبِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوََّبُ الرَّحِيمُ﴾. تداركوا ما سلف من تقصيرهم بحسن الرُّجْعَى، والقيام للمريدين على وجه النصيحة، وبيَّنوا لهم - بجميل البيان وإقامة البرهان على ما يقولون - حسنَ قيامهم بمعاملاتهم. فإنَّ أظهرَ الحجَجِ لبيانٍ أفعالك وأصدقَ الشهادةِ لتصحيح ما تدعو به الخلق إلى الله - ألا يُخالِفَ بمعاملتك ما تشير إليه بمقالتك، قال الله تعالى: ﴿وَمَّا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَآ أَنْهَمَكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨]. (١) المسك الأذفر: أي الجيد ذو الرائحة الطيبة. (٢) البُرْد: ثوب مخطط أو موشَّى يُلتحف به (ج) برود، وأبراد، وأبرد. (٣) الصفا: اسم أحد جبلي المسعى من مشاعر الحج بمكة. والمروة: إحدى شعائر الحج يسعى بينها الحاج وبين الصفا.