Indexed OCR Text
Pages 1421-1440
١٤٢١ سورة الطور: الآية (٢٣) في مواضع أخر كقوله تعالى: ﴿وَفَكِهَةٍ كَثِيرَةِ (َ لَّ مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوْعَةِ (٣)﴾ [الواقعة]، وبيّن أنّها أنواع في مواضع أخر كقوله: ﴿وَمْ فِهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَتِ﴾ [محمد: ١٥] وقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَقِ رِزْقًاْ قَالُواْ هَذَا الَّذِىِ رُزِقْنَا مِن قَبْلٌ وَأَنُواْ بِهِ، . الآية [البقرة: ٢٥]. وقوله تعالى: ﴿أُوْلَكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومُ ﴾ فَوَكِّةٌ وَهُم مُتَشَبِهَا﴾ .. (1) [الصافات] إلى غير ذلك من الآيات. مُكْرَمُونَ ووصف اللحم المذكور بأنّه من الطير، والفاكهة بأنّها مما يتخيرونه على غيره، وذلك في قوله: ﴿وَفَكِهَةٍ مِّمَا يَتَخَّرُونَ ﴿ وَمِ طَيْرٍ مِّمَا يَشْتَهُونَ (٣)﴾ [الواقعة]. قوله تعالى: ﴿يَعُونَ فِهَا كَأْسًا لَّا لَغْوٌ فِهَا وَلَا تَأْثِرٌ (®)﴾، قرأه ابن كثير وأبو عمرو: (لَا لَغْوَ)) بالبناء على الفتح، ((ولَا تَأْثِيمَ)) كذلك؛ لأنّها ((لا)) التي لنفي الجنس فبنيت معها، وهي إن كانت كذلك نص في العموم، وقرأه الباقون من السبعة، ﴿لَّا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِرٌ﴾؛ بالرفع والتنوين؛ لأن لا النافية للجنس إذا تكررت كما هنا جاز إعمالها وإهمالها، والقراءتان في الآية فيهما المثال للوجهين، وإعمالها كثير، ومن شواهد إهمالها قراءة الجمهور في هذه الآية، وقول الشاعر: لا ناقة لي في هذا ولا جمل وما هجرتك حتى قلت معلنة وقوله: ﴿يَنَزَعُونَ فِيهَا كَأْسًا﴾؛ أي يتعاطون، ويتناول بعضهم من بعض كأساً أي خمراً، فالتنازع يطلق لغة على كل تعاط وتناول، فكل قوم يعطي بعضهم بعضاً شيئاً ويناوله إياه، فهم يتنازعونه كتنازع كؤوس الشراب والكلام، وهذا المعنى معروف في كلام العرب. ومنه في الشراب قول الأخطل : لا بالحصور ولا فيها بسوار وشارب مربح بالكأس نادمني صاح الدجاج وحانت وقعة السار نازعته طيب الراح الشمول وقد فقوله: نازعته طيب الراح: أي ناولته كؤوس الخمر وناولنيها، ومنه في الكلام قول امرئ القيس : ولمّا تنازعنا الحديث وأسمحت هصرت بغصن ذي شماريخ ميال والكأس تطلق على إناء الخمر، ولا تكاد العرب تطلق الكأس إلا على الإناء المملوء، وهي مؤنثة، وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿لَا لَغْوُ فِهَا وَلَا تَأْثِرٌ﴾ يعني أنّ خمر الجنة التي يتعاطاها المؤمنون، فيها مخالفة في جميع الصفات لخمر الدنيا؛ فخمر الآخرة لا لغو فيها، واللغو كل كلام ساقط لا خير فيه، فخمر الآخرة لا تحمل شاربيها على الكلام الخبيث والهذيان؛ لأنها لا تؤثر في عقولهم بخلاف خمر الدنيا، فإنهم إن يشربوها سكروا وطاشت عقولهم، فتكلموا بالكلام الخبيث والهذيان، وكل ذلك من اللغو. والتأثيم: هو ما ينسب به فاعله إلى الإثم، فخمر الآخرة لا يأثم شاربها بشربها؛ لأنّها مباحة له، فينعم بلذتها كما قال تعالى: ﴿وَأَنْهَرٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةِ لِلشَّرِبِنَ﴾ [محمد: ١٥] ١٤٢٢ سورة الطور: الآيات (٢٤ - ٢٧) ولا تحمل شاربها على أن يفعل إثماً بخلاف خمر الدنيا، فشاربها يأثم بشربها ويحمله السكر على الوقوع في المحرمات كالقتل والزنا والقذف. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من مخالفة خمر الآخرة لخمر الدنيا، جاء موضحاً في آيات أخر من كتاب الله كقوله تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِم بِكَأْسٍ مِّنْ مَعِينٍ ﴿ بَيْضَآءَ لَذَّةٍ لِلشَّرِيِينَ ﴿٨َ لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنَزَّقُونَ (@)﴾ [الصافات]. وقوله: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾؛ أي ليس فيها غول يغتال العقول، فيذهبها كخمر الدنيا، ﴿وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنَزَّقُونَ﴾؛ أي لا يسكرون، وكقوله تعالى: ﴿يَطُوُفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ تُخَلَّدُونَ (٣ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيِقَ وَكَأْسِ مِّنْ مَعِينٍ (١) لَّا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنِفُونَ (3)﴾ [الواقعة]: وقوله: ﴿لَّا يُصَدَّعُونَ﴾؛ أي لا يصيبهم الصداع الذي هو وجع الرأس بسببها . وقد أوضحنا معنى هذه الآيات في صفة خمر الآخرة، وبيّنا أنّها مخالفة في جميع الصفات لخمر الدنيا. وذكرنا الشواهد العربية في ذلك في سورة المائدة في الكلام على قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا الْخَفُرُ وَاَلْمَيْسِرُ﴾ ... الآية [المائدة: ٩٠]. قوله تعالى: ﴿﴿ وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلٌ مَكْتُونٌ (®﴾. ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة أنّ أهل الجنة يطوف عليهم غلمان جمع غلام؛ أي خدم لهم، وقد قدَّمنا إطلاقات الغلام وشواهدها العربية في سورة الحجر في الكلام على قوله تعالى: ﴿قَالُواْ لَا نَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَمٍ عَلِيمِ (@)﴾ [الحجر]. ولم يبيّن هنا ما يطوفون عليهم به، وذكر هنا حسنهم بقوله: ﴿كَأَنَّهُمْ لُؤْلُوٌّ مَكْتُنٌ﴾ في أصدافه؛ لأن ذلك أبلغ في صفائه وحسنه، وقيل: مكنون أي مخزون لنفاسته؛ لأن النفيس هو الذي يخزن ويكن. وبين تعالى في الواقعة بعض ما يطوفون عليهم به في قوله: ﴿يَطُوُفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانُ لا بِأَكْوَابٍ وَأَبَرِيقَ وَكَأْسِ مِّنْ مَعِينٍ (®﴾ [الواقعة]. وزاد في هذه الآية كونهم مخلدين، تُغَلَّدُونَ وذكر بعض ما يطاف عليهم به في قوله: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ﴾ [الزخرف: ٧١]، وقوله تعالى: ﴿وَيُطَافُ عَهِم بِقَانِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكُوَبٍ كَانَتْ قَوَرِيرًا ﴾ قَوَارِرًا مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا نَقْدِيِرًا (٣)﴾ [الإنسان]. والظاهر أنّ الفاعل المحذوف في قوله: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِم﴾ في آية الزخرف والإنسان المذكورتين هو الغلمان المذكورون في الطور والواقعة، وذكر بعض صفات هؤلاء الغلمان في الإنسان في قوله تعالى: ﴿وَيَطُوقُ عَلَيْهِمْ وِلْدَنٌّ تُخَلَُّونَ إِذَا رَهُمْ حَسِبْنَهُمْ لُؤْلُوا فَتُورًا (®﴾ [الإنسان]. قوله تعالى: ﴿قَالُواْ إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِيِّ أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ ﴿ فَمَنَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَدْنَا عَذَابَ السَّمُومِ (٣)﴾. ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة أن أهل الجنة يسأل بعضهم بعضاً، وأن المسؤول منهم يقول للسائل: إنّا كنا قبل، أي في دار الدنيا في أهلنا مشفقين أي خائفين من عذاب الله، ونحن بين أهلنا أحياء فمنَّ الله علينا أي أكرمنا، ١٤٢٣ سورة الطور: الآيات (٢٤ - ٢٧) وتفضل علينا بسبب الخوف منه في دار الدنيا فهدانا، ووفقنا في الدنيا ووقانا في الآخرة عذاب السموم، والسموم النار ولفحها ووهجها، وأصله الريح الحارة التي تدخل المسام، والجمع سمائم. ومنه قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي: بهن ووجه لم تلحه السمائم أنامل لم تضرب على البهم بالضحى وقد يطلق السموم على الريح الشديدة البرد، ومنه قول الراجز: اليوم يوم بارد سمومه من جزع اليوم فلا ألومه الفاء في قوله: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾، تدل على أن علة ذلك هي الخوف من الله في دار الدنيا، وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن الإشفاق الذي هو الخوف الشديد من عذاب الله في دار الدنيا، سبب للسلامة في الآخرة، يفهم من دليل خطابه، أعني مفهوم مخالفته أن من لم يخف من عذاب الله في الدنيا لم ينج منه في الآخرة. وما تضمنته هذه الآية الكريمة بمنطوقها ومفهومها جاء موضحاً في غير هذا الموضع، فذكر تعالى أنّ السرور في الدنيا وعدم الخوف من الله سبب العذاب يوم فَسَوْفَ يَدْعُواْ ثُرًا ( وَيَصْلَى سَعِيرًا ١٠ القيامة، وذلك في قوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوَِّ كِنَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهٍ. إِنَّهُ كَانَ فِىّ أَهْلِهِ، مَسْرُورًا (٣) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَّنْ يَحُورَ ﴾﴾ ... الآية [الانشقاق]. وقد تقرر فى مسلك الإيماء والتنبيه أن ((إن)) المكسورة المشددة من حروف التعليل، فقوله: ﴿إِنَّمُ كَانَ فِىّ أَهْلِهِ مَسْرُورًا ®﴾؛ علة لقوله: ﴿فَسَوْفَ يَدْعُواْ ثُرًا ﴿ وَيَصْلَى سَعِيرًا والمسرور في أهله في دار الدنيا ليس بمشفق ولا خائف، ويؤيد ذلك قوله بعده: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّنْ يَحُرَ )﴾؛ لأنّ معناه ظن أن يرجع إلى الله حياً يوم القيامة، ولا شك ١٤ أن من ظن أنّه لا يبعث بعد الموت لا يكون مشفقاً في أهله خوفاً من العذاب؛ لأنه لا يؤمن بالحساب والجزاء، وكون لن يحور، بمعنى لن يرجع؛ معروف في كلام العرب، ومنه قول مهلهل بن ربيعة التغلبي: إذا أنت انقضيت فلا تحوري أليلتنا بذي حسم أنيرى فقوله: فلا تحوري، أي فلا ترجعي. وقول لبيد بن ربيعة العامري: وما المرء إلا كالشهاب وضوئه يحور رماداً بعد ما هو ساطع أي يرجع رماداً، وقيل: يصير، والمعنى واحد، وقوله تعالى: ﴿وَأَصْحَبُ الشِّمَالِ مَّ أَصْحَبُ الشِّمَالِ ﴿٨َ فِ سَمُومٍ وَحَمِمٍ ﴿﴿ وَظِلٍ مِّنْ يَحْنُمِ ﴿ لَّا بَارِدٍ وَلَ كَرِيمٍ ﴿ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ﴿ وَكَانُواْ يُصِرُونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ (٨) وَكَانُواْ يَقُولُونَ أَبِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَمًا أَمِنَّا ذَلِكَ مُتْرَفِينَ لَمَبْعُونُونَ ﴾ ... الآية [الواقعة]؛ لأنّ تنعمهم في الدنيا المذكور في قوله: ﴿مُتْرَفِينَ﴾، EV وإنكارهم للبعث المذكور في قوله: ﴿أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا﴾ ... الآية [الواقعة: ٤٧]. دليل على عدم إشفاقهم في الدنيا، وهو علة كونهم في سموم وحميم. ١٤٢٤ سورة الطور: الآيتان (٢٩ - ٣٠) وقد قدّمنا قريباً أنّ ((إن)) المكسورة المشددة من حروف التعليل، فقوله تعالى: الآية [الواقعة]. علة لقوله: ﴿فِي سَمُوْمٍ وَجَمِيبٍ ٤٥ ﴿إِنَّهُمْ كَانُوْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ (٤) ... الآية [الواقعة]. وقد ذكر - جلّ وعلا - أنّ الإشفاق من عذاب الله من أسباب دخول الجنة والنجاة من العذاب يوم القيامة، كما دل عليه منطوق آية الطور هذه، قال تعالى في المعارج: ﴿وَالَّذِنَ هُ مِّنْ عَذَابٍ رَبِّهِم ◌ُشْفِقُونَ ﴿ إِنَّ عَذَابَ رَبِهِمْ غَيِرُ مَأْمُونٍ ﴾ إلى قوله: ﴿أُوْلَئِكَ فِى جَنَّتٍ مُّكْرَمُونَ (9)﴾ [المعارج]، وذكر ذلك من صفات أهل الجنة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ ﴾ إلى قوله: ﴿أُوْلَئِكَ يُسَرِعُونَ فِ الْخَُّتِ وَهُمْ لَهَا سَبِقُونَ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِهِم مُشْفِقُونَ ﴾ (٣)﴾ [المؤمنون]، وقد قال تعالى: ﴿وَالسَّبِقُونَ السَّبِقُونَ ﴿ أُوْلَكَ الْمُقَرُّونَ ﴿ فِ جَنَّتِ التَّعِيمِ (٣)﴾ [الواقعة] وقوله في آية الواقعة المذكورة: ﴿وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ ﴾﴾ [الواقعة]، أي يديمون ويعزمون على الذنب الكبير، كالشرك وإنكار البعث، وقيل: المراد بالحنث: حنثهم في اليمين الفاجرة كما في قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُواْ بِلَّهِ جَهْدَ أَيْمَنِهِمٌ لَا يَبَعَثُ اَللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾ [النحل: ٣٨]. قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ فَمَآ أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَيِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا يَحْنُونٍ ﴿ أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّثَرَيَّصُ بِهِ، رَّبَ الْمَنُونِ (٣). نفى الله - جلّ وعلا - عن نبيه ◌َّ في هاتين الآيتين الكريمتين ثلاث صفات قبيحة عن نبيه و18 رماه بها الكفار، وهي الكهانة والجنون والشعر، أما دعواهم أنّه كاهن أو مجنون، فقد نفاها صريحاً بحرف النفي الذي هو ((ما)) في قوله: فما أنت، وأكد النفي بالباء في قوله: بكاهن، وأما كونه شاعراً فقد نفاه ضمناً بأم المنقطعة في قوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ﴾؛ لأنها تدل على الإضراب والإنكار المتضمن معنى النفي. وقد جاءت آيات أخر بنفي هذه الصفات عنه ولو كقوله تعالى في نفي الجنون عنه في أول القلم: ﴿مَآ أَنْتَ بِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ﴾﴾ [القلم). وقوله في التكوير: ﴿وَمَا صَاحِبُّكُمْ بِمَجْنُونٍ (٣)﴾ [التكوير]. وكقوله في نفي الصفتين الأخيرتين؛ أعني الكهانة والشعر: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَّا نُؤْمِنُونَ ﴿﴿ وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنَّ قَلِيلًا مَّا نَذَكَّرُونَ (٣)﴾ [الحاقة]، وقد قدَّمنا بعض الكلام على هذا في سورة الشعراء، وغيرها . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿نَّْبَّصُ بِهِ، رَبَ الْمَنُونِ﴾؛ أي ننتظر به حوادث الدهر، حتى يحدث له منها الموت، فالمنون: الدهر، وريبه: حوادثه التي يطرأ فيها الهلاك والتغيير، والتحقيق أن الدهر هو المراد في قول أبي ذؤيب الهذلي: أمن المنون وريبه تتوجع والدهر ليس بمعتب من يجزع لأن الضمير في قوله: وريبه يدل على أن المنون الدهر، ومن ذلك أيضاً قول الآخر: ٢٤٢٥ سورة الطور: الآيات (٣٤ - ٤٠). تطلق يوماً أو يموت حليلها تربص بها ريب المنون لعلها وقال بعض العلماء: المنون في الآية الموت، وإطلاق المنون على الموت معروف في كلام العرب، ومنه قول أبي الغول الطهوي: يؤلف بين أشتات المنون هم منعوا حمى الوقبى بضرب لأنّ الذين ماتوا عند ذلك الماء المسمى بالوقبا، جاءوا من جهات مختلفة، فجمع الموت بينهم في محل واحد، ولو ماتوا في بلادهم لكانت مناياهم في بلاد شتى. قوله تعالى: ﴿فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِن كَانُواْ صَدِقِينَ ﴿6﴾، قد قدَّمنا أن الله تحداهم بسورة واحدة من هذا القرآن في سورة البقرة، في قوله: ﴿فَأَتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِثْلِهِ. وَأَدْعُواْ شُهَدَآءَّكُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ .... الآية [البقرة: ٢٣]. وفي سورة يونس، في قوله تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِثْلِهِ، وَأَدْعُواْ مَنِ أَسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ ... الآية [يونس: ٣٨]. وتحداهم في سورة هود، بعشر سور مثله في قوله: ﴿قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرٍ سُوَرٍ مِّثْلِهِ، مُفْتَرَيَتٍ وَأَدْعُواْ مَنِ أَسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ ... الآية [هود: ١٣]. وتحداهم في سورة الطور، هذه به كله في قوله: ﴿فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ ... الآية. وبين في سورة بني إسرائيل، أنّهم لا يقدرون على شيء من ذلك في قوله: ﴿قُل لَِّنِ اجْتَمَعَتِ الْإِسُ وَاَلْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْءَانِ لَا يَأْتُنَ بِمِثْلِهِ﴾ .... الآية [الإسراء: ٨٨]. وقد أطلق - جلّ وعلا - اسم الحديث على القرآن في قوله هنا: ﴿فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾؛ كما أطلق عليه ذلك في قوله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِنَبًا مُتَشَبِهًا﴾ ... الآية [الزمر: ٢٣]، وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ ... الآية [يوسف: ١١١]. قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَىْءٍ أَمْ هُمُ الْخَلِقُونَ ﴾، قد قدَّمنا الكلام عليه وعلى الآيات المشابهة له في سورة مريم، في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ أَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٨)﴾ [مريم ... ]. قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيَّهِ﴾ قد قدَّمنا الكلام عليه وعلى الآيات المشابهة له في سورة الحجر، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِى السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّتَهَا ) وَخَفِظْتَهَا﴾ ... الآية [الحجر: ١٦، ١٧]. لِلنَّظِرِينَ قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُ الْبَتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ (®)﴾، قد قدَّمنا الآيات الموضحة له في سورة النحل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَتِ سُبْحَتَهُ, وَلَهُم ◌َّا يَشْتَهُونَ ﴾ [النحل]، وفي مواضع أخر متعددة. قوله تعالى: ﴿َّ تَسْئَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِن مَّغْرَمٍ مُتْقَلُونَ (٣)﴾، قد قدَّمنا الآيات الموضحة له وما يتعلق بها من الأحكام في سورة هود، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَيَقَوْمِ لَآَ أَسْئَلُكُمْ عَيْهِ مَالًا﴾ ... الآية [هود: ٢٩]. ١٤٢٦ سورة النجم: الآيات (١ - ٤) قوله تعالى: ﴿وَإِن يَرَوْ كِسْفًا مِّنَ السَّمَاءِ سَافِظَاً يَقُولُواْ سَحَابٌ مَرَّكُومٌ (٤٤) قد قدَّمنا الآيات الموضحة له بكثرة في سورة الأنعام، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِنَبًّا فِى فِرْطَاِ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِهِمْ﴾ ... الآية [الأنعام: ٧]، وفي غير ذلك من المواضع. قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِىِ عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾. بيّن - جلّ وعلا - في هذه الآية أنّ كيد الكفار لا يغني عنهم شيئاً في الآخرة في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ ﴾ [المرسلات]. اَلْفَصْلِّ جَمَعْنَكُ وَالْأَوَّلِينَ ﴿ فَإِن كَانَ لَكُمْ كَيَّدٌ فَكِيدُونِ ( ﴿أَمْ يُرِيدُونَ وبين أنه لا ينفعهم في الدنيا أيضاً كقوله تعالى في هذه السورة الكريمة: كَيّدًا فَالَّذِينَ كَفَرُواْ هُمُ الْمَكِيدُونَ ﴿﴾﴾ وقوله: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا ﴿ وَأَكِدُ كَيْدًا وَأُمْلِ لَهُمَّ إِنَّ كَيْدِى مَتِينُ ١٨٢ الآية [الطارق]، وقوله: ﴿سَنَتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (٨)﴾ [الأعراف] إلى غير ذلك من الآيات. ®﴾. الظاهر أن قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ قوله: ﴿عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ﴾؛ هو ما عذبوا به في دار الدنيا من القتل وغيره، لما دل على ذلك قوله: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَ دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾ [السجدة: ٢١]. وقوله تعالى: ﴿قَتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ [التوبة: ١٤]، إلى غير ذلك من الآيات، ولا مانع من دخول عذاب القبر في ذلك؛ لأنّه قد يدخل في ظاهر الآية، وما قيل في معنى الآية غير هذا لا يتجه عندي. والعلم عند الله تعالى. براس الرحمن الرحيم سُورَة النَّجم قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى ﴿ مَا ضَلَ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى ﴿ وَمَا يَنَطِقُ عَنِ الْمَوَىّ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَى ﴾﴾، اختلف العلماء في المراد بهذا النجم الذي أقسم الله به في هذه الآية الكريمة، فقال بعضهم: المراد به النجم إذا رجمت به الشياطين، وقال بعضهم: إن المراد به الثريا، وهو مروي عن ابن عباس وغيره، ولفظة النجم علم للثريا بالغلبة، فلا تكاد العرب تطلق لفظ النجم مجرداً إلَّا عليها، ومنه قول نابغة ذبيان: أقول والنجم قد مالت أواخره إلى المغيب تثبت نظرة حار فقوله والنجم: يعني الثريا، وقوله تعالى: ﴿إِذَا هَوَى﴾؛ أي سقط مع الصبح، وهذا اختيار ابن جرير. وقيل النجم: الزهرة، وقيل المراد بالنجم نجوم السماء، وعليه فهو ١٤٢٧ سورة النجم: الآيات (١ - ٤). المفرد وإرادة الجمع كقوله: ﴿وَيُوَلُونَ الدُّبْرَ﴾ [القمر: ٤٥]، يعني الأدبار، وقوله: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفَّا صَفَّا (٣)﴾ [الفجر]؛ أي والملائكة. وقوله: ﴿أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُواْ﴾ [الفرقان: ٧٥] أي الغرف. وقد قدَّمنا أمثلة كثيرة لهذا في القرآن، وفي كلام العرب في سورة الحج، في الكلام على قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [الحج: ٥]، وإطلاق النجم مراداً به النجوم معروف في اللغة، ومنه قول عمر بن أبي ربيعة: عدد النجم والحصى والتراب ثم قالوا تحبها قلت بهرا وقول الراعي: فباتت تعد النجم في مستحيرة سريع بأيدي الآكلين جمودها وعلى هذا القول، فمعنى هوي النجوم سقوطها إذا غربت أو انتثارها يوم القيامة. وقيل: النجم النبات الذي لا ساق له، وقال بعض أهل العلم: المراد بالنجم الجملة النازلة من القرآن، فإنه نزل على النبي ( أنجماً منجماً في ثلاث وعشرين سنة، وكل جملة منه وقت نزولها يصدق عليها اسم النجم صدقاً عربياً صحيحاً كما يطلق على ما حان وقته من الدية المنجمة على العاقلة، والكتابة المنجمة على العبد المكاتب. وعلى هذا فقوله: ﴿إِذَا هَوَى﴾؛ أي نزل به الملك من السماء إلى النبي وقوله: هوى يهوى هُوياً إذا اخترق الهوى نازلاً من أعلى إلى أسفل ... اعلم أولاً أنّ القول بأنه الثريا وأن المراد بالنجم خصوصها، وإن اختاره ابن جرير وروى عن ابن عباس وغير واحد، ليس بوجيه عندي. والأظهر أنّ النجم يراد به النجوم، وإن قال ابن جرير بأنّه لا يصح، والدليل على ذلك جمعه تعالى للنجوم في القسم في قوله تعالى: ﴿فَلَآ أُقْسِمُ بِمَوَقِعِ النُّجُومِ (٧٥) [الواقعة]؛ لأنّ الظاهر أن المراد بالنجم إذا هوى هنا، كالمراد بمواقع النجوم في الواقعة. وقد اختلف العلماء أيضاً في المراد بمواقع النجوم فقال بعضهم: هي مساقطها إذا غابتٍ، وقال بعضهم: انتثارها يوم القيامة. وقال بعضهم: منازلها في السماء؛ لأنّ النازل في محل واقع فيه. وقال بعضهم: هي مواقع نجوم القرآن النازل بها الملك إلى النبي وَل﴾. قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له -: أظهر الأقوال عندي وأقربها للصواب في نظري، أن المراد بالنجم إذا هوى هنا في هذه السورة، وبمواقع النجوم في الواقعة هو نجوم القرآن التي نزل بها الملك نجماً فنجما، وذلك لأمرين: أحدهما: أن هذا الذي أقسم الله عليه بالنجم إذا هوى الذي هو أن النبي وَّر على حق وأنه ما ضل وما غوى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى موافق في المعنى لما أقسم عليه بمواقع النجوم، وهو قوله: ﴿إِنَُّ لَقُرْءَانٌ كَرِمٌ ﴿ فِ كِنَبٍ تَّكْنُونٍ ﴾ [الواقعة]. إلى قوله: ﴿تَنْزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَلَمِينَ ﴾﴾ [الواقعة]. (VA) ١٤٢٨ سورة النجم: الآيات (١ - ٤) والإقسام بالقرآن على صحة رسالة النبي وَ﴿ وعلى صدق القرآن العظيم وأنه منزل من الله جاء موضحاً في آيات من كتاب الله كقوله تعالى: ﴿يَسْ ﴿ وَالْقُرْءَانِ الْحَكِيمِ ﴿﴿ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ جَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴿﴿ تَزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ﴾﴾ [يس]. وقوله تعالى: ﴿حمّ ﴾ وَالْكِتَبِ الْمُبِينِ ﴿ إِنَّا جَعَلْنَهُ قُزْءَانًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴿ وَإِنَّهُ فِيَ أُمِّ الْكِتَبِ لَدَيْنَا لَعَلِىُّ حَكِيمُ ﴾﴾ [الزخرف]، وخير ما يفسر به القرآن القرآن. وثانيهما: أن كون المقسم به المعبر عنه بالنجوم، هو القرآن العظيم أنسب لقوله بعده: ﴿وَإِنَّهُ لَفَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمُ (®)﴾ [الواقعة]؛ لأنّ هذا التعظيم من الله يدل على أن هذا المقسم به في غاية العظمة. ولا شك أن القرآن الذي هو كلام الله أنسب لذلك من نجوم السماء ونجم الأرض، والعلم عند الله تعالى. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (﴾﴾، قال بعض العلماء: الضلال يقع من الجهل بالحق، والغي هو العدول عن الحق مع معرفته؛ أي ما جهل الحق وما عدل عنه، بل هو عالم متبع له. وقد قدَّمنا إطلاقات الضلال في القرآن بشواهدها العربية في سورة الشعراء في ﴾ [الشعراء]، وفي سورة الكلام على قوله تعالى: ﴿قَالَ فَعَلْنُهَا إِذَا وَأَنَاْ مِنَ الضَّالِينَ الكهف، في الكلام على قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تُلِئُكُمْ بِلْأَخْسَرِينَ أَعْمَلًا (٣)﴾ [الكهف]. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من كونه38 على هدى مستقيم، جاء موضحاً في آيات كثيرة من كتاب الله كقوله تعالى: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِّ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ ٧٩ [النمل]، وقوله تعالى: ﴿فَلَا يُنَزِعُنَّكَ فِ الْأَمْيِّ وَأَدْعُ إِلَى رَبِّكَّ إِنَّكَ لَعَلَى هُدَّى مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج: ٦٧]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَّهْدِىّ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]. وقد قدَّمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة الزخرف، في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَأَسْتَمْسِكْ بِالَّذِىّ أُوْجِىَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَطٍ مُسْتَفِيمٍ ﴾﴾ [الزخرف]. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُؤَى ﴾﴾ [النجم]، استدل به علماء الأصول على أن النبي ﴿ لم يكن يجتهد، والذين قالوا: إنّه قد يقع منه الاجتهاد، استدلوا بقوله تعالى: ﴿عَفَا ◌َللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ ... الآية [التوبة: ٤٣]. وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِىِ الْأَرْضَِّ﴾ ... الآية [الأنفال: ٦٧]. وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ... الآية [التوبة: ١١٣]. قالوا: فلو لم يكن هذا عن اجتهاد، لما قال: ﴿عَفَا ◌َللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ ... الآية [التوبة: ٤٣]. ولمّا قال: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيِّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ (أ)﴾، معناه أنّ [الأنفال: ٦٧]، ولا منافاة بين الآيات؛ لأن قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَى النبي ◌َ﴾ لا يبلغ عن الله إلا شيئاً أوحى الله إليه أن يبلغه، فمن يقول: إنه شعر أو سحر ١٤٢٩ سورة النجم: الآيات (٥ - ٢٥) . أو كهانة، أو أساطير الأولين، هو أكذب خلق الله وأكفرهم، ولا ينافي ذلك أنه أذن للمتخلفين من غزوة تبوك، وأسر الأسارى يوم بدر، واستغفر لعمه أبي طالب من غير أن ينزل عليه وحي خاص في ذلك، وقد أوضحنا هذا في غير هذا الموضع. قوله تعالى: ﴿عَلَّهُ شَدِيدُ الْقُوَى ﴾﴾، المراد ﴿شَدِيدُ الْقُوَى﴾؛ في هذه الآية: هو جبريل ظلّ والمعنى أنه وَلّ علمه هذا الوحي ملك شديد القوى هو جبريل، وهذه الآية الكريمة قد تضمنت أمرين : أحدهما: أن هذا الوحي الذي من أعظمه هذا القرآن العظيم، علمه جبريل النبي ◌َّل بأمر من الله. وثانيهما: أن جبريل شديد القوة. وهذان الأمران جاءا موضحين في غير هذا الموضع. أما الأول منهما وهو كون جبريل نزل عليه بهذا الوحي وعلمه إياه، فقد جاء موضحاً في آيات من كتاب الله كقوله تعالى: ﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيِلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ... الآية [البقرة: ٩٧]. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَكَغِيلُ رَبِّ الْعَلَمِينَ (14) نَزَلَ بِهِ E﴾ [الشعراء]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَفْجَلْ الرُُّعُ آلْأَمِينُ (١٧) عَلَى قَلِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِالْقُرْءَانِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهٌ﴾ [طه: ١١٤]، وقوله تعالى: ﴿لَا تُحُرِّكْ بِهِ، لِسَانَكَ ﴾﴾ [القيامة]؛ أي إذا قرأه لِتَعْجَلَ بِ: ﴿٨٤) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُمْ وَقُرَّانَهُِ ﴿ فَإِذَا قَرَأْنَهُ فَعَ قُرْءَانَهُ, عليك الملك المرسل به إليك منا مبلغاً له عنا فاتبع قرآنه، أي اقرأ كما سمعته يقرأ. وأما الأمر الثاني، وهو شدة قوة جبريل النازل بهذا الوحي، فقد ذكره في قوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرٍِ ﴿٨ ذِى قُوٍّ عِندَ ذِى الْعَرشِّ مَكِينٍ (®)﴾ [التكوير]. وقول في آية التكوير هذه؛ ﴿لَقَوَّلُ رَسُولٍ﴾ [الحاقة: ١٩]؛ أي لقوله المبلغ له عن الله، فقرينة ذكر الرسول تدل على أنّه إنّما يبلغ شيئاً أرسل به، فالكلام كلام الله بألفاظه ومعانيه، وجبريل مبلغ عن الله، وبهذا الاعتبار نسب القول له؛ لأنّ النبي ◌َّ ما سمعه إلا منه، فهو القول الذي أرسله الله؛ وأمره بتبليغه، كما تدل عليه قرينة ذكر الرسول، وسيأتي إيضاح هذه المسألة - إن شاء الله - في سورة التكوير، والعلم عند الله تعالى .. قوله تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَنَى (٣)﴾. قد قدَّمنا بعض الكلام عليه في أول سورة الإسراء. قد قدّمنا قوله تعالى: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنَِ ﴿َ تِلْكَ إِذَا قِسْمَةٌ ضِيرَى (®﴾ . الآيات الموضحة له بكثرة في سورة النحل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ اٌلْبَتِ﴾ [النحل: ٥٧]، وفي مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك. ٢٥) قوله تعالى: ﴿فَلِِّ اٌلْآَخِرَةُ وَالْأُولَى بيّن - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة أنّ له الآخرة والأولى وهي الدنيا، وبيَّن ١٤٣٠ سورة النجم: الآيات (٢٦ - ٤١) هذا في غير هذا الموضع كقوله: ﴿إِنَّ عَيْنَا لِلْهُدَىِ ﴿٣) وَإِنَّ لَنَا لَلَخِرَةَ وَالْأُوْلَى (®)﴾ [الليل]، وبيّن في موضع آخر أن له كل شيء، وذلك في قوله: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِى حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَىْءٍ﴾ [النمل: ٩١]، وهذا من المعلوم من الدين بالضرورة. قوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِّن مَّلَكٍ فِ السَّمَوَتِ لَا تُغْنِى شَفَعَهُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَآءُ وَيَرْضَى ﴾﴾. قد قدَّمنا الآيات الموضحة له في سورة البقرة، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَأَتَّقُواْ يَوْمًا لَّا تَجْزِى نَفْسُ عَن نَّفْسِ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَعَةٌ﴾ ... الآية [البقرة: ٤٨]، وفي غير ذلك من المواضع. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَتِكَةَ تَسْمِيَةَ آلْأُنَى (®)﴾. قد قدَّمنا الآيات الموضحة له في سورة الزخرف، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ الْمَلَبِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَدُ الرَّحْمَنِ إِنَنًا﴾ [الزخرف: ١٩]، وفي غير ذلك من المواضع. قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِىِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِ لِيَجْزِئَ الَّذِينَ أَسْتُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيَجْزِىَ الَّذِينَ الآية. قد قدَّمنا الآيات الموضحة له فى سورة الأحقاف، في ١٣١ أَحْسَنُواْ بِالْحُسْنَى الكلام على قوله تعالى: ﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَنَّىَّ﴾ [الأحقاف: ٣]، وفي سورة الذاريات في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَاُلْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (@)﴾ [الذاريات]. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْتَنِبُونَ كَبَهِرَ آلْإِثْمِ وَالْفَوَحِشَ إِلَّ اللََّمْ﴾ قد قدّمنا الآيات الموضحة له في سورة الشورى، في الكلام على قوله تعالى: ت﴾ [الشورى]. وَالَّذِينَ يَحْتَنِبُونَ كَبَِّرَ آلْإِثْمِ وَالْفَوَحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ قوله تعالى: ﴿إِذْ أَنشَأَكُ مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِ بُطُونِ أُمَّهَتِكُمْ فَلَا تُرَّكُواْ أَنْفُسَكُمْ﴾ . قد قدَّمنا الآيات الموضحة له في سورة النساء، في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُونَ أَنفُسَهُمَّ بَلِ اللَّهُ يُزَكِى مَن يَشَآءُ﴾ [النساء؛ ٤٩]، وفي غير ذلك من المواضع. قوله تعالى: ﴿أَفَرَيْتَ الَّذِى تَوَلَّى ﴿ وَأَعْطَى قَلِلًا وَأَكْدَ (9َ أَعِندَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَىّ أَمْ لَمْ يُكَأْ بِمَا فِى صُحُفٍ مُوسَى ® ro ٣٨ وَإِبْرَهِيمَ الَّذِى وَلَّى (َ أَّا نَرِرُ وَزِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَأَنْ لَّيْسَ لِلْإِسَنِ إِلَّ مَا سَعَى (٨َ وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٥) ثُمَّ يُجْزَّئُهُ الْجَزَآءَ الْأَوْنَى ٤١ قوله: تولى؛ أي رجع وأدبر عن الحق. وقوله: أعطى قليلاً، قال بعضهم قليلاً من المال. وقال بعضهم: أعطى قليلاً من الكلام الطيب. وقوله: وأكدى أي قطع ذلك العطاء ولم يتمه، وأصله من أكدى صاحب الحفر؛ إذا انتهى في حفره إلى صخرة لا يقدر على الحفر فيها، وأصله من الكدية وهي الحجارة تعترض حافر البئر ونحوه فتمنعه الحفر، وهذا الذي أعطى قليلاً وأكدى، اختلف فيه العلماء، فقيل هو الوليد بن المغيرة قارب أن يؤمن بالنبي ◌َّ فعيَّره بعض المشركين، فقال: أتركت دين الأشياخ وضللتهم؟ قال: إني خشيت عذاب الله، فضمن له الذي عاتبه إن هو أعطاه كذا من ماله ورجع إلى ١٤٣١ سورة النجم: الآيات (٢٦ - ٤١) شركه أن يتحمل عنه عذاب الله، فرجع الوليد إلى الشرك وأعطى الذي عيَّره بعض ذلك المال الذي ضمن ومنعه ثمامة، فأنزل الله عز وجل الآية. وعلى هذا فقوله: تولى؛ أي الوليد عن الإسلام بعد أن قارب، وأعطى قليلاً من المال للذي ضمن له أن يتحمل عنه ذنوبه. وأكدى؛ أي بخل عليه بالباقي، وقيل: أعطى قليلاً من الكلام الطيب كمدحه للقرآن واعترافه بصدق النبي وص له، وأكدى أي انقطع عن ذلك ورجع عنه. وقيل: هو العاص بن وائل السهمي، وكان ربما وافق النبي ◌َ﴾ في بعض الأمور، وذلك هو معنى إعطائه القليل ثم انقطع عن ذلك، وهو معنى إكدائه، وهذا قول السدي ولم ينسجم مع قوله بعده: ﴿أَعِندَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ﴾ وعن محمد بن كعب القرظي أنه أبو جهل، قال: والله ما يأمرنا محمد وَليه إلا بمكارم الأخلاق، وذلك معنى إعطائه قليلاً، وقطعه لذلك معروف. واقتصر الزمخشري على أنه عثمان بن عفان ته قال: روي أن عثمان بن عفان كان يعطي ماله في الخير فقال له عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وهو أخوه من الرضاعة: يوشك ألا يبقى لك شيء. فقال عثمان: إن لي ذنوباً وخطايا، وإني أطلب بما أصنع رضا الله تعالى، وأرجو عفوه، فقال عبد الله: أعطني ناقتك برحلها، وأنا أتحمل عنك ذنوبك كلها، فأعطاه وأشهد عليه، وأمسك عن العطاء فنزلت الآية. ومعنى تولى ترك المركز يوم أحد، فعاد عثمان إلى أحسن من ذلك وأجمل، انتهى منه. ولا يخفى سقوط هذا القول وبطلانه، وأنه غير لائق بمنصب أمير المؤمنين عثمان بن عفان ◌ُته، وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة سبعة أمور: الأول: إنكار علم الغيب المدلول عليه بالهمزة في قوله: ﴿أَعِندَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ﴾ والمراد نفي علمه للغيب. الثاني: أنّ لكل من إبراهيم وموسى صحفاً لم ينبأ بما فيها هذا الكافر. الثالث: أنّ إبراهيم وفَّى؛ أي أتم القيام بالتكاليف التي كلفه ربه بها . الرابع: أنّ في تلك الصحف، أن لا تزر وازرة وزر أخرى. الخامس: أنّ فيها أيضاً أنه ليس للإنسان إلا ما سعى. السادس : أنّ سعیه سوف یُری. السابع: أنّه يجزاه الجزاء الأوفى، أي الأكمل الأتم. وهذه الأمور السبعة قد جاءت كلها موضحة في غير هذا الموضع. أما الأول منها: وهو عدم علمهم الغيب، فقد ذكره تعالى في مواضع كثيرة كقوله تعالى: ﴿أَمْ عِندَهُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ ﴾﴾ [الطور]. وقوله: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ أَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٣٨)﴾ [مريم]. وقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُظْلِمَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩]. وقوله ١٤٣٢ سورة النجم: الآيات (٢٦ - ٤١) تعالى: ﴿عَنِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ، أَحَدًا ﴿ إِلَّا مَنِ أَرْتَضَى مِن رَسُولٍ﴾ ... الآية [الجن: ٢٦، ٢٧]. وقوله تعالى: ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّ اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥] والآيات بمثل هذا كثيرة معلومة، وقد قدَّمناها مراراً. والثاني: الذي هو أن لإبراهيم وموسى صحفاً لم يكن هذا المتولي المعطي قليلاً صُفٍ إِنْزَهِيَمَ المكدي عالماً بها، ذكره تعالى في قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِىِ الصُّحُفِ الْأُولَى وَمُوسَى (®)﴾ [الأعلى]. والثالث: منها وهو إبراهيم وفّى تكاليفه، فقد ذكره تعالى في قوله: ﴿وَإِذٍ أَبْتَلَّ إِبْرَهِمَ رَبُّهُ بِكَلِيَةٍ فَتَمَّهُنّ﴾ [البقرة: ١٢٤]، وقد قدَّمنا أنّ الأصح في الكلمات التي ابتلي بها أنّها التكاليف. وأما الرابع منها: وهو أنه لا تزر وازرة وزر أخرى، فقد ذكره تعالى في آيات من كتابه كقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَيَكُمْ وَمَا هُم . بِجَمِلِينَ مِنْ خَطَيَهُم مِّنِ شَىْءٍ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ ﴾﴾ [العنكبوت]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَزِرَةٌ وِزْدَ أُخْرَىنَّ وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةُ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبِيُ﴾ [فاطر: ١٨]. وقد قدَّمنا الآيات الموضحة لهذا، والجواب عما يرد عليها من الإشكال، في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَ نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىُ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وذكرنا وجه الجمع بين الآيات الواردة في ذلك في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَآءُ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥]. وأما الخامس منها: وهو أنّه ليس للإنسان إلا ما سعى، فقد جاء موضحاً في آيات من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْمُ فَلَهَا﴾ ... الآية [الإسراء: ٧]. وقوله: ﴿مَّنْ عَمِلَ صَلِحًا فَلَنَفْسِهِ، وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا﴾ ... الآية [فصلت: ٤٦]، وقوله: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَلِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾، والآياتِ بمثل هذا كثيرة معلومة. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَأَنْ لَّيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلَّا مَا سَعَى (®﴾؛ يدل على أن الإنسان لا يستحق أجراً إلا على سعيه بنفسه، ولم تتعرض هذه الآية لانتفاعه بسعي غيره بنفي ولا إثبات؛ لأن قوله: ﴿وَأَنْ لَّيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلَّا مَا سَعَى ﴾، قد دلت اللام فيه على أنه لا يستحق ولا يملك شيئاً إلا بسعيه، ولم تتعرض لنفي الانتفاع بما ليس ملكاً له ولا مستحقاً له. وقد جاءت آية من كتاب الله تدل على أن الإنسان قد ينتفع بسعي غيره، وهي قوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَبََّنْهُمْ ذُرِيَّهُم بِإِيمَنٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّنَهُمْ وَمَا أَلَتَهُم مِّنْ عَلِهِم مِّنْ شٍَّ﴾ [الطور: ٢١]. وقد أوضحنا وجه الجمع بين قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَّْسَ لِلْإِنسَنِ إِلَّ مَا سَعَى (®)﴾ وبين قوله: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَّعَنْهُمْ ذُرَُِّّهُم بِإِيمَانٍ﴾ [الطور: ٢١]، في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) في سورة النجم، وقلنا فيه ما نصه: والجواب من ثلاثة أوجه: ١٤٣٣ سورة النجم: الآيات (٢٦ - ٤١) الأول: أنّ الآية إنما دلت على نفي ملك الإنسان لغير سعيه، ولِم تدل على نفي انتفاعه بسعي غيره؛ لأنّه لم يقل: وأنّ لن ينتفع الإنسان إلا بما سعى، وإنّما قال: وأنّ ليس للإنسان، وبين الأمرين فرق ظاهر؛ لأن سعي الغير ملك لساعيه إن شاء بذله لغيره فانتفع به ذلك الغير، وإن شاء أبقاه لنفسه. وقد أجمع العلماء على انتفاع الميت بالصلاة عليه والدعاء له والحج عنه ونحو ذلك مما ثبت الانتفاع بعمل الغير فيه. الثاني: أنّ إيمان الذرية هو السبب الأكبر في رفع درجاتهم، إذ لو كانوا كفاراً لما حصل لهم ذلك، فإيمان العبد وطاعته سعي منه في انتفاعه بعمل غيره من المسلمين، كما وقع في الصلاة في الجماعة، فإن صلاة بعضهم مع بعض يتضاعف بها الأجر زيادة على صلاته منفرداً، وتلك المضاعفة انتفاع بعمل الغير سعى فيه المصلي بإيمانه وصلاته في الجماعة، وهذا الوجه يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَثَّعَنْهُمْ ذُرِّيَّنُهُم بِمَنٍ﴾ [الطور: ٢١]. الثالث: أن السعي الذي حصل به رفع درجات الأولاد ليس للأولاد كما هو نص قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى ﴾ [النجم]، ولكن من سعي الآباءِ فهو سعي للآباء أقر الله عيونهم بسببه بأن رفع إليهم أولادهم ليتمتعوا في الجنة برؤيتهم. فالآية تصدق الأخرى ولا تنافيها؛ لأن المقصود بالرفع إكرام الآباء لا الأولاد، فانتفاع الأولاد تبع فهو بالنسبة إليهم تفضل من الله عليهم بما ليس لهم، كما تفضل بذلك على الولدان والحور العين، والخلق الذين ينشئهم للجنة. والعلم عند الله تعالى، اهـ منه .. والأمر السادس والسابع: وهما أن عمله سوف يرى، ثم يجزاه الجزاء الأوفى، فقد جاءا موضحين في آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿وَاُلْوَزْنُ يَوْمَيِدٍ أَلْحَقٌّ فَمَنْ ثَّقُلَتْ مَوَزِينُهُ، فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿ وَمَنْ خَقَّتْ مَوَزِينُهُ فَأُوْلَكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ﴾ ... الآية [الأعراف: ٨، ٩]، وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ () وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾﴾ [الزلزلة]. وقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَزِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَ نُظْلَمُ نَفْسُ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَنْيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَسِبِينَ (13)﴾ [الأنبياء]. وقوله تعالى: ﴿وَتُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ كِتَبَا يَلْقَنُهُ مَنْشُورًا (٣) اقْرَأْ كِنَبَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ﴾ [الإسراء]، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَهُوَ يَرَى﴾؛ أي يعلم ذلك الغيب، والآية تدل على أنّ سبب النزول لا يخلو من إعطاء شيء في مقابلة تحمل الذنوب عمن أعطى؛ لأن فاعل ذلك ليس عنده علم الغيب، فيعلم به أن الذي ضمن له تحمل ذنوبه يفعل ذلك، ولم ينبأ بما في الصحف الأولى، من أنه لا تزر وازرة وزر أخرى؛ أي لا تتحمل نفس ذنب نفس أخرى. وقد قدّمنا تفسيره موضحاً في سورة بني إسرائيل، وأنه لا يملك الإنسان ولا ١٤٣٤ - سورة النجم: الآيات (٤٥ - ٥١) يستحق إلا سعي نفسه، وقد اتضح بذلك أنه لا يمكن أن يتحمل إنسان ذنوب غيره، وقد دلت على ذلك آيات كثيرة معلومة. وقال أبو حيان في البحر: ((أفرأيت)) بمعنى أخبرني، والمفعول الأول هو (٣٥) الموصول وصلته، والمفعول الثاني هو جملة ﴿أَعِندَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَىّ قوله تعالى: ﴿وَأَنَُّ خَلَقَ الَزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى ( مِن تُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (49)﴾. ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة أنه خلق الزوجين؛ أي النوعين الذكر والأنثى من نطفة، وهي نطفة المني، إذا تمنى أي تصب وتراق في الرحم، على أصح القولين. ويدل قوله تعالى: ﴿أَفَهَيْتُم مَّا تُمْنُونَ ﴿٥ءَأَنْتُمُ تَخْلُقُونَهُ: أَمْ نَحْنُ الْخَلِقُونَ (@)﴾ [الواقعة] (٣)﴾ [القيامة]. والعرب تقول: أمنى الرجل ومني وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّنْ غَنِّ يُعْنَى إذا أراق المني وصبه. وقال بعض العلماء: ﴿مِنْ تُطْفَةٍ إِذَا تُعْنَى ®)﴾؛ أي تقدر بأن يكون الله قدر أن ينشأ منها حمل، ومن قول العرب: مني الماني إذا قدر، ومن هذا المعنى قول أبي قلابة الهذلي، وقيل سويد بن عامر المصطلقي: لا تأمن الموت في حل وفي حرم إن المنايا توافي كل إنسان حتى تلاقي ما يمني لك الماني واسلك سبيلك فيها غير محتشم وقد قدَّمنا الكلام على النطفة مستوفى من جهات في سورة النحل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِسَنَ مِن تُطْفَةٍ﴾ ... الآية [النحل: ٤]. وفي سورة الحج، في الكلام على قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِ رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ﴾ [الحج: ٥]، وفي كل من الموضعين زيادة ليست في الآخر. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من الاستدلال بخلق النوعين؛ أعني الذكر والأنثى من النطفة جاء موضحاً في غير هذا الموضع، وأنه يستدل به على أمرين: هما قدرة الله على البعث، وأنه ما خلق الإنسان إلا ليكلفه ويجازيه، وقد جمع الأمرين قوله تعالى: ◌َجَعَلَ ٣٨ ﴿أَيَحْسَبُ آلْإِنِسَنُ أَنْ يُتْكَ سُدَّى ﴿٣ أَلَمْ يَكُ تُظْفَةُ مِّن مَّنِيّ يُعْنَىِ ﴿َ ثُمَ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأَنْفَ أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَدِرٍ عَلَى أَنْ يُحْفِىَ الْمُؤَّنَى ﴾﴾ [القيامة]، وذكر أنه ما ٣٩) خلقه ليهمله من التكليف والجزاء، منكراً على من ظن ذلك بقوله: ﴿أَيَحْسَبُ آلْإِنِسَنُ أَنْ يُتْرَكَ سُدَّى (®﴾ [القيامة]، أي مهملاً من التكليف والجزاء. وقد قدَّمنا بعض الكلام على هذا في سورة الفرقان، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ مِنَ الْمَآءِ بَشَرًا فَجَعَلَمُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (@)﴾ [الفرقان]. قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ عَيْهِ النَّْأَةَ الْأُخْرَى (@)). قد قدَّمنا الآيات الموضحة له، وأحلنا عَلَيْهَا مراراً كثيرة. وَثَمُودَا فَآ أَبْقَى (٥)﴾. وقد قدَّمنا الآيات قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا أَلْأُولَ ١٤٣٥ سورة النجم: الآيتان (٥٢ - ٥٣) - الموضحة لما أهلك به عاداً، والآيات الموضحة لما أهلك به ثمود في سورة فصلت في قوله تعالى في الكلام في شأن عاد: ﴿فَرْسَلْنَا عَلَتِهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ ... الآية [فصلت: ١٦]، وقوله في شأن ثمود: ﴿فَخَذَتْهُمْ صَعِقَةُ الْعَذَابِ الْمُونِ﴾ [فصلت: ١٧]. قوله تعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبَّلِّ إِنَّهُمْ كَانُواْ هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى ٥٢ قوله: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾؛ معطوف على قوله: ﴿وَأَنَّهُ، أَهْلَكَ عَادَّا الْأُولَى (®﴾؛ أي وأهلك قوم نوح، ولم يبين هنا كيفية إهلاكهم، ولكنه بين ذلك في مواضع أخر من كتابه كقوله تعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُواْ الرُّسُلَ أَغْرَقْتَهُمْ﴾ الآية [الفرقان: ٣٧]. . وقوله تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِيْنَ عَمَا فَأَخَذَهُمُ الُوَفَاتُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ١٤]. وقوله تعالى: ﴿وَنَصَرْنَهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِشَايَتِنَاْ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَهُمْ أَجْمَعِينَ (®﴾ [الأنبياء]. وقوله تعالى: ﴿مِّمَا خَطِيَِّهِمْ أُغْرِفُواْ فَأُدْخِلُواْ نَارًا﴾ [نوح: ٢٥]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُخَطِبْنِ فِى الَّذِينَ ظَلَمُوَاْ إِنَّهُم ◌ُغْرَقُونَ﴾ [هود: ٣٧]؛ والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من كون قوم نوح أظلم وأطغى، أي أشد ظلماً وطغياناً من غيرهم، قد بيّنه تعالى في آيات أخر كقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّ دَعَوْتُ قَوْمِى لَيْلًا وَنَهَرًّا جَ فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَِّىّ إِلَّا فِرَارًا ﴿﴿ وَإِنِ كُلَمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُواْ أَصَبِعَهُمْ فِيّ ◌َذَانِهِمْ وَأَسْتَغْشَوْ ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُواْ وَاُسْتَكْبَرُواْ أَسْتِكْبَارًا (٣)﴾ [نوح]. وقوله تعالى: ﴿قَالَ نُحُ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِ وَأَتَّبَعُواْ مَن لَّْ يَزِدْهُ مَالُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا وَمَكَرُواْ مَكْرًا كُبَّارًا (٣)﴾ [نوح] إلى قوله ﴿وَقَدْ أَضَلُّواْ كَثِيرًا﴾ [نوح: ٢١ - ٢٤]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُواْ عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوْاْ إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا ﴾﴾ [نوح]. وقوله: ﴿وَيَصْنَعُ اَلْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأْ مِن قَوْمِهِ، سَخِرُواْ مِنْهٌ﴾ [هود: ٣٨]. ومن أعظم الأدلة على ذلك قوله تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَّةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤]، لأنّ قوماً لم يتأثروا بدعوة نبي كريم ناصح في هذا الزمن الطويل، لا شك أنهم أظلم الناس وأطغاهم. 3) ﴾. المؤتكفة، مفتعلة من الإفك، وهو القلب قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْنَفِكَةَ أَهْوَى والصرف، والمرادُ بها قرى قوم لوط بدليل قوله في غير هذا الموضع: (والمؤتكفات). بالجمع؛ فهو من إطلاق المفرد وإرادة الجمع كما أوضحناه مراراً، وأكثرنا من أمثلته في القرآن وفي كلام العرب وأحلنا عليه مراراً، وإنما قيل لها: مؤتفكة؛ لأن جبريل أفكها فأتفكت، ومعنى أفكها أنه رفعها نحو السماء ثم قلبها جاعلاً أعلاها أسفلها، وجعل عاليها أسفلها، وهو انتفاكها وإفكها. وقد أوضح تعالى هذا المعنى في سورة هود، في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً﴾ ... الآية [هود: ٨٢]. ١٤٣٦ - سورة القمر: الآيات (١ - ٨) ، فَجَعَلْنَا عَلِيَهَا سَاِلَهَا وقوله تعالى في سورة الحجر: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةُ مِّن سِجِيلٍ ﴿﴾ [الحجر]. وقد بيّنا قصة لوط في هود والحجر، وقوله في هذه الآية الكريمة: أهوى. تقول العرب: هوى الشيء إذا انحدر من عال إلى أسفل، وأهواه غيره: إذا ألقاه من العلو إلى السفل؛ لأنّ الملك رفع قراهم ثم أهواها؛ أي ألقاها تهوي إلى الأرض، منقلبة أعلاها أسفلها . قوله تعالى: ﴿أَرِفَتِ الْأَزِفَةُ (6)﴾. قد قدَّمنا الآيات الموضحة له في أول سورة النحل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَفَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١]، وفي سورة المؤمن في قوله تعالى: ﴿وَأَنَذِرْهُمْ يَوْمَ الْآَزِفَةِ﴾ ... الآية [غافر: ١٨]. قوله تعالى: ﴿أَفَنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ ﴾﴾. قد قدَّمنا الآيات التي فيها إطلاق اسم الحديث على القرآن في سورة الطور، في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَلْيَّأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ:﴾ ... الآية [الطور: ٣٤]. براسه الرحمن الرحيم سورة القمر قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾. قد قدَّمنا الآيات الموضحة له في أول سورة النحل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَفَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١] وفي غير ذلك من المواضع. قوله تعالى: ﴿وَإِن يَرَوْاْ ءَايَةٌ يُعْرِضُواْ﴾. قد قدَّمنا الآيات الموضحة له في سورة الأنعام، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِنَبًا فِى فِرْطَاِ فَلَسُوهُ بِأَيْدِهِمْ﴾ الآية [الأنعام: ٧]. قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَهُمْ جَرَدٌ مُنَشِرٌ مُّهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾. قد قدَّمنا الآيات الموضحة له في سورة يس، في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ٥١]، وفي سورة قَ، في الكلام على قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَشَفَّقُ اُلْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاءَاً﴾ [ق: ٤٤]. قوله تعالى: ﴿يَقُولُ اَلْكَفِرُونَ هَذَا يَوْمُ عِرٌ﴾ . قد قدَّمنا الآيات الموضحة له في سورة الفرقان، في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَصْحَبُ الْجَنَّةِ يَوْمَيِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرَّ وَأَحْسَنُ مَقِيلًا ﴾ [الفرقان)، وفي سورة الحج، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُونَ﴾ [الحج: ٤٧]. قوله تعالى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ، أَنِى مَغْلُوبٌ فَأَنْتَصِرْ ﴿ فَفَنَحْنَا أَبْوَبَ السَّمَاءِ بِمَاْءٍ مُّنْهَمِرٍ ﴿٦ وَفَجَرْنَا ١٤٣٧ سورة القمر: الآيات (١٠ - ١٣) - اُلْأَرْضَ عُيُونًا فَلْنَفَى الْمَآءُ عَلَىَّ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (٣)﴾. قرأ هذا الحرف ابن عامر، ((ففتَّحْنَا)) بتشديد التاء للتكثير، وباقى السبعة بتخفيفها . وقد ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة أن نبيه نوحاً دعاه قائلاً: إن قومه غلبوه سائلاً ربه أن ينتصر له منهم، وأنّ الله انتصر له منهم؛ فأهلكهم بالغرق؛ لأنه تعالى فتح أبواب السماء بماء منهمر أي متدفق منصب بكثرة وأنه تعالى فجر الأرض عيوناً .. وقوله: عيوناً، تمييز محول عن المفعول، والأصل فجرنا عيون الأرض، والتفجير: إخراج الماء منها بكثرة، وأل في قوله: التقى الماء للجنس، ومعناه التقى ماء السماء وماء الأرض على أمر قد قُدِر؛ أي قدره الله وقضاه. وقيل: إنّ معناه أن الماء النازل من السماء والمتفجر من الأرض جعلهما الله بمقدار ليس أحدهما أكثر من الآخر، والأول أظهر. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من دعاء نوح ربه - جلّ وعلا -، أن ينتصر له من قومه فينتقم منهم، وأن الله أجابه فانتصر له منهم فأهلكهم جميعاً بالغرق في هذا الماء المتلقى من السماء والأرض، جاء موضحاً في آيات أخر من كتاب الله كقوله تعالى في الأنبياء: ﴿وَنُوَمَا إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ فَأَسْتَجَبْنَا لَهُ فَجَيْنَنَهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ﴾ [الأنبياء]. W وَنَصَرْتَهُ مِنَ الْقَوِْ الَّذِينَ كَذَُّواْ بِشَايَتِنَاْ إِنَهُمْ كَانُوْ قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَفْنَهُمْ أَجْمَعِينَ وقوله تعالى في الصافات ﴿وَلَقَدْ نَادَئِنَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (١٥) وَجَيْنَهُ وَأَهْلَهُ مِنَ اَلْكَرْبِ الْعَظِيمِ ﴾﴾ إلى قوله ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْأَخَرِينَ ﴾﴾ [الصافات]. وقد بيّن - جلّ وعلا - أن دعاء نوح فيه سؤاله الله أن يهلكهم إهلاكاً مستأصلاً، وتلك الآيات فيها بيان لقوله هنا: ((فانتصر)) وذلك كقوله تعالى: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رٍَّّ لَا نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَفِرِينَ دَيَّارًا ﴿ إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُواْ عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُواْ إِلَّا فَاجِرً كَفَّارًا [نوح]، وما دعا نوح على قومه إلا بعد أن أوحى الله إليه أنه لا يؤمن منهم أحد غير القليل الذي آمن، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَأُوحِىَ إِلَى نُوجِ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّ مَنْ قَدْ ءَامَنَ﴾ [هود: ٣٦]، وقد قال تعالى: ﴿وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُ: إِلَّا قَلِلٌ﴾ [هود: ٤٠]. وقوله تعالى: ﴿عُيُونًا﴾، قرأه ابن كثير وابن عامر في رواية ابن ذكوان، وعاصم في رواية شعبة وحمزة والكسائي: ((عِيونا)) بكسر العين لمجانسة الياء. وقرأه نافع وأبو عمرو وابن عامر في رواية هشام، وعاصم في رواية حفص ((عُيُونًا)) بضم العين على الأصل. قوله تعالى: ﴿وَحَمَلْنَهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَحٍ وَدُسُرٍ ﴿٣)﴾. لم يبين هنا ذات الألواح والدسر، ولكنه بين في مواضع أخر أن المراد: وحملناه على سفينة ذات ألواح؛ أي من الخشب ودسر: أي مسامير تربط بعض الخشب ببعض، وواحد الدسر دسار ككتاب وكتب، وعلى هذا القول أكثر المفسرين ١٤٣٨ سورة القمر: الآيات (١٥ - ٢٧) وقال بعض العلماء وبعض أهل اللغة: الدسور الخيوط التي تشد بها ألواح السفينة. وقال بعض العلماء: الدسور جؤجؤ السفينة؛ أي صدرها ومقدمها الذي تدسر به الماء؛ أي تدفعه وتمخره به، قالوا: هو من الدسر وهو الدفع. فمن الآيات الدالة على أن ذات الألواح والدسر السفينة. قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَآءُ حَمْتَكُمْ فِ الْجَارِيَةِ ﴾﴾ [الحاقة: ١١]، أي السفينة كما أوضحناه في سورة الشورى في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ الْجَوَارِ فِ الْبَحْرِ كَالْأَعْلَِ (®َ﴾ [الشورى]. وقوله تعالى: ﴿فَيْنَهُ وَأَصْحَبَ السَّفِينَةِ﴾ [العنكبوت: ٢٥]، وقوله تعالى ﴿وَءَايَةٌ لَُّمْ أَنَّا خَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِىِ الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ﴾﴾ [يسا، إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى: ﴿وَلَقَد تَرَكْتَهَآ ءَايَةً فَهَلْ مِن مُّتَّكِرِ (﴾﴾. الضمير في قوله تعالى: ((تركناها))، قال بعض العلماء: إنه عائد إلى هذه الفعلة العظيمة التي فعل بقوم نوح. والمعنى، ولقد تركنا فعلتنا بقوم نوح وإهلاكنا لهم آية لمن بعدهم؛ لينزجروا ويكفوا عن تكذيب الرسل، لئلا نفعل بهم مثل ما فعلنا بقوم نوح، وكون هذه الفعلة آية نص عليه تعالى بقوله: ﴿وَقَوْمَ نُوجِ لَّمَّا كَذَّبُواْ الرُّسُلَ أَغْرَقْنَهُمْ وَجَعَلْنَهُمْ لِلنَّاسِ ءَايَةٌ﴾ [الفرقان: ٣٧]. وقوله تعالى: ﴿فَأَنَّنَهُ وَمَنْ مَعَهُ فِ اَلْقُلْكِ اُلْمَشْحُونِ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ ثُمَّ ﴿ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَّةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾﴾ [الشعراء]. وقال بعض العلماء: الضمير في تركناها عائد إلى السفينة، وكون سفينة نوح آية . بينه الله في آيات من كتابه كقوله تعالى: ﴿فَأَيْنَهُ وَأَصْحَبَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْتَهَاَ ءَايَةً لِلْعَلَمِينَ ﴾﴾ [العنكبوت] وقوله تعالى ﴿وَءَيَّةٌ لَُّمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِ الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِثْلِهِ، مَا يَكَبُونَ ( ﴾ [یس]. قد قدّمنا إيضاحه في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلِذِكْرِ فَهَلْ مِنْ مُّذَّكِرٍ (﴾﴾ سورة القتال، في كلامنا الطويل على قوله تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَُّونَ الْقُرْءَانَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (®]﴾ [محمد]. ﴾﴾. قد قدَّمنا الآيات قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِ يَوْمِ نَخْسِ مُسْتَمِرٍّ الموضحة له، وكلام أهل العلم في يوم النحس المستمر، في سورة فصلت في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِىِّ أَيَّامِ غَحِسَاتٍ﴾ [فصلت: ١٦]. قوله تعالى: ﴿فَقَالُواْ أَبَشَرًا مِنَا وَحِدًا نَّعُهُ﴾ ... الآية. قوله تعالى: ﴿اَلْفِىَ الذِّكْرُ عَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا﴾. قد قدَّمنا الآيات الموضحة لهما في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَعَبُواْ أَنْ جََّهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ [ص: ٤]، وقوله تعالى: الآية ﴿أَُّ نِلَ عَلَيْهِ اَلْذِكْرُ مِنْ بَيِنِنَّأْ بَلْ هُمْ فِ شَكٍ مِّن ذِكْرِىٌ﴾ [ص: ٨]. قوله تعالى: ﴿إِنَّا مُرْسِلُواْ النَّاقَةِ فِتْنَةً لَّهُمْ﴾. قوله: ﴿مُرْسِلُواْ النَّاقَةِ﴾؛ أي مخرجوها من ١٤٣٩ سورة القمر: الآية (٢٨) الهضبة، ﴿فِئْنَةٌ لَّهُمْ﴾؛ أي ابتلاءً واختباراً، وهو مفعول من أجله؛ لأنّهم اقترحوا على صالح إخراج ناقة من صخرة، وأنّها إن خرجت لهم منها آمنوا به واتبعوه، فأخرج الله الناقة من تلك الصخرة معجزة لصالح، وفتنة لهم؛ أي ابتلاء واختباراً، وذلك أن تلك الناقة معجزة عاينوها، وأن الله حذرهم على لسان نبيه صالح أن يمسوها بسوء وأنهم إن تعرضوا لها بأذى أخذهم الله بعذابه. والمفسرون يقولون: إنهم قالوا له: إن أخرجت لنا من هذه الصخرة ناقة وبراء عشراء اتبعناك. وما دلت عليه هذه الآية الكريمة من أن الله أرسل لهم هذه الناقة امتحاناً واختباراً، وأنهم إن تعرضوا لآية الله هذه، التي هي الناقة، بسوء أهلكهم، جاء موضحاً في آيات أخر من كتاب الله كقوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿قَدْ جَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّيِّكُمّْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ ءَايَةٌ فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اَللَّهِ وَلَا تَمَسُوهَا بِسُوْءٍ فَيَأْخُذُكُمْ عَذَابٌ أَلِيٌِّ﴾ [الأعراف: ٧٣]، وقوله تعالى في سورة هود، عن صالح: ﴿وَيَقَوْمِ هَذِهِ، نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ ءَايَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِى أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوْءٍ فَأْخُذَّكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ ٦٤ فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِ دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَنَّاءٍ ذَلِكَ وَعْدُّ غَيْرُ مَكْذُوبٍ ﴾﴾ [هود]، وقوله وَلَا تَمَسُوهَا بِسُوْمٍ ١١٥٥ تعالى في الشعراء: ﴿قَالَ هَذِهِ، نَاقَةٌ لَّا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٦)﴾ (٥٦)﴾ [الشعراء]. وقد بيّن تعالى: أنهم عقروا الناقة فجاءهم العذاب المستأصل في آيات من كتابه كقوله تعالى في الأعراف: ﴿فَعَقَرُواْ النَّاقَةَ وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾ [الأعراف: ٧٧] - إلى قوله - ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَثِمِينَ ﴾ [الأعراف]، وقوله تعالى: ﴿فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُواْ نَدِمِينَ ﴿ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابٌ﴾ [الشعراء]، وقوله ﴿فَكَذَّبُوهُ فَمَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَئِهِمْ﴾ ... الآية [الشمس: ١٤]. وقد أوضحنا هذا غاية الإيضاح في سورة فصلت، في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَخَذَتْهُمْ صَحِقَةُ اَلْعَذَابِ الْمُونِ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ [فصلت: ١٧]. قوله تعالى: ﴿وَنَبِّْهُمْ أَنَّ الْمَآءَ قِسْمَةٌ بَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ تُخَضَرُ (﴾﴾. أي أخبر يا صالح ثمود أنّ الماء - وهو ماء البئر التي كانت تشرب منها الناقة - قسمة بينهم، فيوم للناقة ويوم لثمود، فقوله: ((بينهم)): أي بين الناقة وثمود، وغلب العقلاء على الناقة. ﴿كُلَّ شِرْبٍ تُخْتَضَرٌ﴾؛ أي يحضره صاحبه، فتحضر الناقة شرب يومها وتحضر ثمود شرب يومها . وما تضمنته هذه الآية الكريمة جاء موضحاً في آية أخرى، وهي قوله تعالى في ١DO﴾ [الشعراء]، وشرب الناقة هو الشعراء: ﴿قَالَ هَذِهِ، نَاقَةٌ لَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومِ الذي حذرهم منه صالح لئلا يتعرضوا له في قوله تعالى: ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ (١)﴾ [الشمس]. وَشُقْبَهَا ١٤٤٠ - سورة القمر: الآية (٢٩) قوله: ﴿فَعَالطَى﴾، قال أبو حيان في قوله تعالى: ﴿فَادَوْ صَاحِهٌ فَعَالَى فَعَقَرَ. البحر: فتعاطى هو مطاوع عاطى، وكأن هذه الفعلة تدافعها الناس وعاطاها بعضهم بعضاً، فتعاطاها قدار وتناول العقر بيده، انتهى محل الغرض منه .. والعرب تقول: تعاطى كذا إذا فعله أو تناوله، وعاطاه إذا تناوله، ومنه قول حسان بضاعته: بزجاجة أرخاهما للمفصل كلتاهما حلب العصير فعاطني وقوله: ((فعقر)) أي تعاطى عقر الناقة فعقرها، فمفعولا الفعلين محذوفان تقديرهما كما ذكرنا، وعبر عن عاقر الناقة هنا بأنه صاحبهم، وعبر عنه في الشمس بأنه أشقاهم؛ وذلك في قوله: ﴿إِذْ أُنْبَعَثَ أَشْقَنَهَا (19)﴾ [الشمس]. وهذه الآية الكريمة تشير إلى إزالة إشكال معروف في الآية، وإيضاح ذلك أن الله تعالى فيها نسب العقر لواحد لا لجماعة؛ لأنه قال: ﴿فَعَالطَى فَعَقَرَ﴾، بالإفراد مع أنه أسند عقر الناقة في آيات أخر إلى ثمود كلهم كقوله في سورة الأعراف: ﴿فَعَقَرُواْ النَّاقَةَ وَعَتَوْاْ عَنْ أَمِرِ رَبِّهِمْ﴾ الآية [الأعرافِ: ٧٧]، وقوله تعالى في هود: ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِ دَارِكُمْ ثَلَاثَةُ أَيَّاءٍ﴾ [هود: ٦٥]، وقوله في الشعراء: ﴿فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُواْ نَدِمِينَ (69)﴾ [الشعراء]، وقوله في الشمس: ﴿فَكَذَبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾ [الشمس: ١٤]. ووجه إشارة الآية إلى إزالة هذا الإشكال هو أن قوله تعالى: ﴿فَادَوْ صَاحَهٌ فَتَعَاطَى فَعَفَرَ ؛ يدل على أن ثمود اتفقوا كلهم على عقر الناقة، فنادوا واحداً منهم لينفذ ما اتفقوا عليه، أصالة عن نفسه ونيابة عن غيره. ومعلوم أن المتمالئين على العقر كلهم عاقرون، وصحت نسبة العقر إلى المنفذ المباشر للعقر، وصحت نسبته أيضاً إلى الجميع؛ لأنهم متمالئون كما دل عليه ترتيب تعاطي العقر بالفاء في قوله: ﴿فَعَاطَى فَعَقَرَ﴾ على ندائهم صاحبهم لينوب عنهم في مباشرة العقر في قوله تعالى: ﴿فَدَوْاْ صَاحٌَ﴾؛ أي نادوه ليعقرها. وجمع بعض العلماء بين هذه الآيات بوجه آخر، وهو أنّ إطلاق المجموع مراداً به بعضه أسلوب عربي مشهور، وهو كثير في القرآن وفي كلام العرب. وقد قدّمنا في سورة الحجرات، أنّ منه قراءة حمزة في قوله تعالى: (فإن قتلوكم فاقتلوهم) بصيغة المجرد في الفعلين؛ لأنّ من قتل ومات لا يمكن أن يؤمر بقتل قاتله، بل المراد في إن قتلوا بعضكم فليقتلهم بعضكم الآخر، ونظيره قول ابن مطيع : فإن تقتلونا عند حرة واقم فإنا على الإسلام أول من قتل أي فإن تقتلوا بعضنا. وأن منه أيضاً: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ ءَامَنَّاً قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ﴾ [الحجرات: ١٤]، لأنّ هذا في بعضهم دون بعض. بدليل قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾؛ إلى قوله ﴿سَيُّدٌِلُهُمُ اللَّهُ فِى رَحْمَيِّةِ: إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ٩٩]. وقد قدَّمنا في الحجرات وغيرها، أن من أصرح الشواهد العربية في ذلك قول الشاعر: