Indexed OCR Text

Pages 1381-1400

١٣٨١
سورة الفتح: الآية (٧)
وإيضاح المعنى ﴿هُوَ الَّذِىّ أَنزَلَ اُلسَّكِيْنَةَ﴾؛ أي السكون والطمأنينة إلى الحق، في
قلوب المؤمنين، ليزدادوا بذلك إيماناً لأجل أن يدخلهم بالطمأنينة إلى الحق، وازدياد
الإيمان جنات تجري من تحتها الأنهار.
ومفهوم المخالفة في قوله: ﴿فِى قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أنّ قلوب غير المؤمنين ليست
كذلك وهو كذلك؛ ولذا كان جزاؤهم مخالفاً لجزاء المؤمنين كما صرح تعالى بذلك في
قوله: ﴿وَيُعَذِبَ الْمُتَفِقِينَ وَالْمُنَفِقَتِ وَالْمُشْرِكِنَ وَالْمُشْرِكَتِ الَّانِيِنَ بِاللَّهِ ظَنَنَّ السَّوْءِ﴾.
وإيضاح المعنى أنّه تعالى وفق المؤمنين بإنزال السكينة، وازدياد الإيمان، وأشقى
غيرهم من المشركين والمنافقين فلم يوفقهم بذلك ليجازى كلا بمقتضى عمله.
وهذه الآية شبيهة في المعنى بقوله تعالى في آخر الأحزاب: ﴿وَحَلَهَا الْإِنسَنِّ إِنَّهُر
لِبُعَذِّبَ اللّهُ الْمُنَفِقِينَ وَالْمُنَّفِقَتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكِتِ وَيَنُوبَ اَللَّهُ عَلَى
كَنَ ظَلُومًا جَهُولًا (َ
الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ﴾ [الأحزاب: ٧٢ - ٧٣].
قوله تعالى: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّهٌ وَسَآءَتْ مَصِيرًا﴾. بين - جلّ
وعلا - في هذه الآية الكريمة أنّه يجازي المشركين والمشركات والمنافقين والمنافقات
بثلاث عقوبات وهي غضبه، ولعنته، ونار جهنم.
وقد بيّن في بعض الآيات بعض نتائج هذه الأشياء الثلاثة، كقوله في الغضب:
﴿وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَِى فَقَدْ هَوَى﴾ [طه: ٨١]. وقوله في اللعنة: ﴿وَمَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَكَن ◌َجِدَ لَهُ
نَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٢]. وقوله في نار جهنم: ﴿رَبَّا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ ...
الآية [آل عمران: ١٩٢].
بين - جلّ وعلا - في
قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْتَكَ شَهِدًا وَمُبَشِرًا وَنَذِيرًا
هذه الآية الكريمة، أنّه أرسل نبيه محمداً و # شاهداً ومبشراً ونذيراً.
وقد بيّن تعالى أنّه يبعثه وَله يوم القيامة شاهداً على أمته، وأنّه مبشر للمؤمنين
ومنذر للكافرين. قال تعالى في شهادته بَّه يوم القيامة على أمته: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِثْنَا مِن
كُلِّ أُمَِ بِشَهِيدٍ وَحِثْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (﴾﴾ [النساء]. وقوله تعالى: ﴿وَبَوْمَ نَبْعَثُ فِ
كُلِّ أُمَّةِ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنْفُسِهِمٌّ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاءِ﴾ [النحل: ٨٩].
فآية النساء وآية النحل المذكورتان الدالتان على شهادته ولو يوم القيامة على أمته
تبينان آية الفتح هذه.
وما ذكرنا من أنّه مبشر للمؤمنين ونذير للكافرين أوضحه في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا
يَسَّرْنَهُ بِسَانِكَ لِتُّبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ، قَوْمًا لَّذَّا (49)﴾ [مريم].
وقد أوضحنا هذا في أول سورة الكهف، وما ذكره - جلّ وعلا - في هذه الآية
الكريمة، ذكره وزيادة في سورة الأحزاب في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَِّىُّ إِنَّا أَرْسَلْتَكَ
شَهِدًا وَمُبَشِرًا وَنَذِيرًا ﴿ وَدَاعِيًّا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ، وَسِرَجًا مُنِيرًا ﴾﴾ [الأحزاب].
ر

١٣٨٢
سورة الفتح: الآيات (١١ - ٢٦)
وقوله هنا: ﴿إِنَّا أَرْسَلْتَكَ شَهِدًا﴾؛ حال مقدرة، وقوله: مبشراً ونذيراً كلاهما
حال معطوف على حال.
قوله تعالى: ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِّنَ الَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَدَ بِكُمْ ضَرَّا أَوْ أَرَادَ بِّكُمْ نَفْعًا﴾ .
أمر الله - جلّ وعلا - نبيه أن يقول للمنافقين الذين تخلفوا عنه واعتذروا بأعذار
كاذبة: ﴿فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَدَ بِكُمْ ضَرّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا﴾؛ أي لا أحد
يملك دفع الضر الذي أراد الله إنزاله بكم ولا منع النفع الذي أراد نفعكم به؛ فلا نافع
إلا هو ولا ضار إلا هو تعالى، ولا يقدر أحد على دفع ضر أراده ولا منع نفع أراده.
وهذا الذي تضمنته هذه الآية الكريمة، جاء موضحاً في آيات أخر من كتاب الله
كقوله تعالى في الأحزاب: ﴿قُلٌ مَنْ ذَا الَّذِى يَعْضِمُكُم مِّنَ اللَّهِ إِنْ أَرَدَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ
رَحْمَةُ وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (®]﴾ [الأحزاب].
وقوله تعالى في آخر يونس: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍ فَلَ كَاشِفَ لَهُ: إِلَّا هُوٌّ وَإِن
يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَ رَآَذَ لِفَضْلِهِ﴾ ... الآية [يونس: ١٠٧].
وقوله في الأنعام: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اَللَّهُ بِضُرٍ فَلَ كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوِّ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيٍْ
فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [الأنعام].
وقوله تعالى في النساء: ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِثُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ
اَلْمَسِيحَ أَبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِ الْأَرْضِ جَمِيعًاً﴾ [المائدة: ١٧].
وقوله تعالى في فاطر: ﴿مَّا يَفْتَجِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكَ فَلَاَ
مُرْسِلَ لَهُ﴾ ... الآية [فاطر
وقوله تعالى في الملك: ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِىَ اللَّهُ وَمَن ◌َّعِىَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَن يُحِيُرُ
اَلْكَفِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [الملك].
وقد ذكرنا بعض الآيات الدالة على هذا في أول سورة فاطر، في الكلام على
قوله تعالى: ﴿مَّا يَفْتَجِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ﴾ ... الآية، وفي سورة الأحقاف، في الكلام
على قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِ أَفْتَيْتُهُ فَ تَمْلِكُونَ لِ مِنَ اَللَّهِ شَيْئًا﴾ [الأحقاف: ٨].
قوله تعالى: ﴿فَأَنَزَلَ اللَّهُ سَكِينَهُ عَى رَسُولِهِ، وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾.
ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة أنّه أنزل السكينة على رسوله وعلى
المؤمنين، والسكينة تشمل الطمأنينة والسكون إلى الحق والثبات والشجاعة عند البأس.
وقد ذكر - جلّ وعلا - إنزاله السكينة على رسوله وعلى المؤمنين في براءة في قوله
تعالى: ﴿ثُمَّ أَنَزَلَ اَللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ، وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ٢٦]، وذكر إنزال سكينته
على رسوله في قوله في براءة: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَحِبِهِ، لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ
الآية [التوبة: ٤٠].
سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ ..

١٣٨٣
سورة الفتح: الآيتان (٢٨ - ٢٩) -
وذكر إنزاله سكينته على المؤمنين في قوله: ﴿فَعَلِمَ مَا فِ قُلُوبِهِمْ فَزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ .
وهذه الآيات كلها لم يبين فيها موضع إنزال السكينة، وقد بين في هذه السورة
الكريمة أن محل إنزال السكينة هو القلوب، وذلك في قوله: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِ
قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ... الآية.
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِنُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّّ﴾.
ما ذكره - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة ذكره في سورة التوبة، وسورة الصف،
وزاد فيهما أنه فاعل ذلك، ولو كان المشركون يكرهونه، فقال في الموضعين: ﴿هُوَ الَّذِىّ
أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْمُدَى وَدِينِ الِّْ لِظْهِرَةُ عَلَى الذِينِ كُلِّهِ، وَلَوْ كَرِهَ اٌلْمُشْرِكُونَ ﴾﴾ [الصف: ٩].
قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَّسُولُ الْهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ: أَشِدَّهُ عَلَى الْكُفَّارِ رُجَاءُ بَيْنَهُمٌ﴾. قد قدَّمنا
الآيات الموضحة له في سورة المائدة، في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَوْفَ يَأْتِى اللَّهُ بِقَوْمٍ
يُّهُمْ وَيُحِبُونَهُ: أَذِلَّةٍ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى اَلْكَفِينَ﴾ [المائدة: ٥٤].
قوله تعالى: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِىِ الْإِنِلِ كَزَرِعْ أَخْرَجَ سَطَهُ، فَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَأُسْنَوَى عَلَى سُوقِهِ، يُعْجِبُ
"َُّعَ لِيَغِيَظَ بِهِمُ الْكُفَّارُ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّلِحَتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا.
قرأ هذا الحرف ابن كثير وابن ذكوان عن ابن عامر: ((شَطَأَهُ)) بفتح الطاء، والباقون
من السبعة بسكون الطاء، وقرأ عامة السبعة غير ابن ذكوان: ((فآزَرَهُ)) بألف بعد الهمزة،
وقرأه ابن ذكوان عن ابن عامر: ((فَأَزَرَهُ)) بلا ألف بعد الهمزة مجرداً. وقرأ عامة
السبعة غير قنبل: ((على سُوقِه)) بواو ساكنة بعد السين، وقرأ قنبل عن ابن كثير بهمزة
ساكنة بدلاً من الواو، وعنه ضم الهمزة بعد السين بعدها واو ساكنة.
وهذه الآية الكريمة قد بيّن الله فيها أنه ضرب المثل في الإنجيل للنبي وَّل
وأصحابه بأنّهم كالزرع يظهر في أول نباته رقيقاً ضعيفاً متفرقاً، ثم ينبت بعضه حول
بعض، ويغلظ ويتكامل حتى يقوى ويشتد وتعجب جودته أصحاب الزراعة، العارفين
بها، فكذلك النبي ◌ّلي﴿ وأصحابه كانوا في أول الإسلام في قلة وضعف ثم لم يزالوا
يكثرون ويزدادون قوة حتى بلغوا ما بلغوا.
وقوله تعالى: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ سَطْعَهُ﴾؛ أي فراخه فنبت في جوانبه. وقوله: ﴿فَازَرَهُ﴾
على قراءة الجمهور من المؤازرة، بمعنى المعاونة والتقوية، وقال بعض العلماء:
﴿فَازَرَهُ﴾ أي ساواه في الطول، وبكل واحد من المعنيين فسر قول امرئ القيس:
بمحنية قد آزر الضال نبتها
مجر جيوش غانمين وخيب
وأما على قراءة ابن ذكوان (فأزره) بلا ألف، فالمعنى شدة أزره؛ أي قواه.
ومنه قوله تعالى عن موسى: ﴿وَأَجْعَل لِ وَزِيْرًا مِنْ أَهْلِ ﴿ حَرُونَ أَخِ ﴿٣) أَشْدُدْ بِهِ:
أَزْرِى ﴾﴾ الآية [طه]. وقوله: ﴿فَاسْتَغْلَظَ﴾ أي صار ذلك الزرع غليظاً بعد أن كان
رقيقاً، وقوله: ﴿فَاسْتَوَى﴾ أي استتم وتكامل على سوقه أي على قصبه.

١٣٨٤
سورة الحجرات: الآية (١)
وما تضمنته الآية الكريمة من المثل المذكور في الإنجيل المضروب للنبي وقال
وأصحابه بأنهم يكونون في مبدأ أمرهم في قلة وضعف، ثم بعد ذلك يكثرون ويقوون،
جاء موضحاً في آيات من كتاب الله تعالى كقوله: ﴿وَأَذْكُرُوْ إِذْ أَنْتُمْ قَلِلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِى
الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطّفَكُمُ النَّاسُ فَاوَنَكُمْ وَأَتَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ﴾ ... الآية [الأنفال: ٢٦].
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَّكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: ١٢٣]. وقوله تعالى: ﴿اَلْيَّوْمَ
يَلِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَأَخْشَوْنٍ﴾ [المائدة: ٣]. إلى غير ذلك من الآيات.
براسه الرحمن الرحيم
سورة الحجرات
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَنَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعُ
عَلِيمٌ ﴾﴾. قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ((لا تقدموا)) فيه لعلماء التفسير ثلاثة أوجه:
الأول منها: وهو أصحها وأظهرها أنه مضارع قدم اللازمة بمعنى تقدم.
ومنه مقدمة الجيش ومقدمة الكتاب بكسر الدال فيهما، وهو اسم فاعل قدم بمعنى تقدم.
ويدل على هذا الوجه قراءة يعقوب من الثلاثة الذين هم تمام العشرة: ((لَا تَقَدَّمُوا))
بفتح التاء والدال المشددة وأصله ((لا تتقدموا)) فحذفت إحدى التاءين.
الوجه الثاني: أنّه مضارع قدم المتعدي، والمفعول محذوف لإرادة التعميم؛ أي
لا تقدموا قولاً ولا فعلاً بين يدي الله ورسوله بل أمسكوا عن ذلك حتى تصدروا فيه عن
أمر الله ورسوله.
الوجه الثالث: أنه مضارع قدم المتعدية ولكنها أجريت مجرى اللازم، وقطع النظر
عن وقوعها على مفعولها؛ لأنّ المراد هو أصل الفعل دون وقوعه على مفعوله.
ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ أَلَّذِى يُحِى وَيُمِيثٌ﴾ [غافر: ٦٨]، أي هو المتصف
بالإحياء والإماتة، ولا يراد في ذلك وقوعهما على مفعول.
وكقوله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَوْنَ وَلَّيْنَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]؛ لأنّ المراد أن
المتصفين بالعلم لا يستوون مع غير المتصفين به.
ولا يراد هنا وقوع العلم على مفعول، وكذلك على هذا القول: ((لا تقدموا))، لا
تكونوا من المتصفين بالتقديم.
وقد قدَّمنا في كلامنا الطويل على آية: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ أَلْقُرْءَانَ﴾ [محمد ٢٤]، أنّ لفظة
بين يديه معناها أمامه، وذكرنا الآيات الدالة على ذلك.

١٣٨٥
سورة الحجرات: الآية (٢)
والمعنى لا تتقدموا أمام الله ورسوله، فتقولوا في شيء بغير علم ولا إذن من الله،
وهذه الآية الكريمة فيها التصريح بالنهي عن التقديم بين يدي الله ورسوله، ويدخل في
ذلك دخولاً أولياً تشريع ما لم يأذن به الله وتحريم ما لم يحرمه، وتحليل ما لم يحلله؛
لأنه لا حرام إلا ما حرمه الله، ولا حلال إلا ما أحله الله، ولا دين إلا ما شرعه الله.
وقد أوضحنا هذا بالآيات القرآنية بكثرة في سورة الشورى، في الكلام على قوله
تعالى: ﴿وَمَا أَخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَىْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اَللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠]، وفي سورة الكهف، في
الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَا يُشْرِكُ فِ حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٢٦]، وفي سورة بني
إسرائيل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَتِى هِىَ أَقْوَمُ﴾
[الإسراء: ٩]، وفي غير ذلك من المواضع.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَأَثَّقُواْ اللَّهَ﴾؛ أي بامتثال أمره واجتناب نهيه.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾؛ فهو سميع لكل ما تقولون من التقدیم بين يديه وغيره،
عليم بكل ما تفعلون من التقديم بين يديه وغيره.
قوله تعالى: ﴿وَأَهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَِّ وَلَا تَجْهَرُواْ لَهُ بِالْقَوْلِ
كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَلُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ﴾﴾. سبب نزول هذه الآية
الكريمة أنّه لمّا قدم على النبي بَّر وفد تميم، أشار عليه أبو بكر ◌َلُبه أن يؤمر عليهم
القعقاع بن معبد بن زرارة بن عدس، وأشار عليه عمر أن يؤمر عليهم الأقرع بن
حابس بن عقال.
فقال له أبو بكر: ما أردت إلا خلافي، فقال عمر: ما أردت خلافك، فارتفعت
أصواتهما فأنزل الله: ﴿لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِّ﴾، ذكره البخاري في صحيحه وغيره.
وهذه الآية الكريمة علَّم الله فيها المؤمنين أن يعظموا النبي 18 ويحترموه
ويوقروه، فنهاهم عن رفع أصواتهم فوق صوته، وعن أن يجهروا له بالقول كجهر
بعضهم لبعض، أي ينادونه باسمه: يا محمد، يا أحمد، كما ينادي بعضهم بعضاً.
وإنّما أمروا أن يخاطبوه خطاباً يليق بمقامه ليس كخطاب بعضهم لبعض، كأن
يقولوا: يا نبي الله، أو يا رسول الله، ونحو ذلك.
وقوله: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَلُكُمْ﴾؛ أي لا تفعلوا ذلك لئلا تحبط أعمالكم، أو ينهاكم
عن ذلك كراهة أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون؛ أي لا تعلمون بذلك ...
وما تضمنته هذه الآية الكريمة من لزوم توقير النبي صل وتعظيمه واحترامه جاء
مبيناً في مواضع أخر كقوله تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتُعَزِرُؤُهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩]،
على القول بأنّ الضمير في تعزروِه وتوقروه للنبي وَّه، وقوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُواْ دُعَآءَ
الرَّسُولِ بَيْنَكَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣]، كما تقدم، وقوله تعالى: ﴿قَالَّذِينَ
ءَامَنُواْ بِهِ، وَعَزَّرُهُ وَنَصَرُوهُ﴾ ... الآية [الأعراف: ١٥٧]. وقوله هنا: ﴿وَلَا تَجْهَرُواْ لَهُ
بِأَلْقَوْلِ﴾؛ أي لا تنادوه باسمه: كيا محمد.

١٣٨٦
سورة الحجرات: الآية (٣)
وقد دلت آيات من كتاب الله على أن الله تعالى لا يخاطبه في كتابه باسمه، وإنما
يخاطبه بما يدل على التعظيم والتوقير كقوله: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ﴾ [الأنفال: ٦٤]. و﴿يَّأَيُّهَا
الرَّسُولُ﴾ [المائدة: ٤١]. و﴿يَّأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ﴾﴾ [المزمل: ١]. و﴿يَأَتُهَا الْمُدَّفِرُ ﴾ [المدثر]،
مع أنّه ينادي غيره من الأنبياء بأسمائهم كقوله: ﴿وَقُلْنَا يَادَمُ﴾ [البقرة: ٣٥]. وقوله:
﴿وَنَدَيْنَهُ أَنْ يَِرَهِيمُ (®﴾ [الصافات]. وقوله: ﴿قَالَ يَنُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكٌ﴾
[هود: ٤٦]. قيل: ﴿يَنُوحُ أَهْبِطْ بِسَلَمٍ مِّنَا﴾ [هود: ٤٨]. وقوله: ﴿قَالَ يَمُوسَىّ إِنِّى أَصْطَفَيْتُكَ
عَلَى النَّاسِ﴾ [الأعراف: ١٤٤]. وقوله: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَعِيسَىَ إِنَّ مُتَوَفِيكَ﴾ [آل عمران: ٥٥]
وقوله: ﴿يَدَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةً﴾ [ص: ٢٦].
أما النبي و 18 فلم يذكر اسمه في القرآن في خطاب، وإنما يذكر في غير ذلك
كقوله: ﴿وَمَا مُحَمَّدُّ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: ١٤٤]. وقوله: ﴿وَءَامَنُواْ
بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ﴾ [محمد: ٢]. وقوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الفتح: ٢٩].
وقد بيّن تعالى أنّ توقيره واحترامه وَّل بغض الصوت عنده لا يكون إلا من الذين
امتحن الله قلوبهم للتقوى، أي أخلصها لها وأن لهم بذلك عند الله المغفرة والأجر
العظيم، وذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُونَ أَصْوَتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ
٣
آٌمْتَحَنَ اَللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلنَّقْوَنَّ لَهُم مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمُ
.
وقال بعض العلماء في قوله: ﴿وَلَا تَّجْهَرُواْ لَهُ بِالْقَوْلِ﴾؛ أي لا ترفعوا عنده الصوت
كرفع بعضكم صوته عند بعض.
قال القرطبي تَّهُ في تفسير هذه الآية ما نصه: وفي هذا دليل على أنهم لم ينهوا
عن الجهر مطلقاً، حتى لا يسوغ لهم إلا أن يكلموه بالهمس والمخافتة، وإنما نهوا عن
جهر مخصوص مقيد بصفة، أعني الجهر المنعوت بمماثلة ما قد اعتادوه منهم فيما
بينهم، وهو الخلو من مراعاة أبهة النبوة، وجلالة مقدارها وانحطاط سائر الرتب وإن
جلت عن رتبتها، انتهى محل الغرض منه.
وظاهر هذه الآية الكريمة أن الإنسان قد يحبط عمله وهو لا يشعر، وقد قال
القرطبي: إنه لا يحبط عمله بغير شعوره. وظاهر الآية يرد عليه.
وقد قال ابن كثير كَّلُ في تفسير هذه الآية، ما نصه: وقوله : ﴿أَن تَحْبَطَ
أَعْمَلُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾؛ أي إنّما نهيناكم عن رفع الصوت عنده خشية أن يغضب من
ذلك فيغضب الله تعالى لغضبه، فيحبط عمل من أغضبه وهو لا يدري، كما جاء في
الصحيح: ((إنّ الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى لا يلقي لها بالاً يكتب له بها
الجنة، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى لا يلقي لها بالاً يهوي بها في
النار أبعد ما بين السماء والأرض))، اهـ. محل الغرض منه بلفظه.
ومعلوم أن حرمة النبي 18 بعد وفاته كحرمته في أيام حياته، وبه تعلم أن ما

سورة الحجرات: الآية (٣) --
١٣٨٧
جرت به العادة اليوم من اجتماع الناس قرب قبره و 18 وهم في صخب ولغط،
وأصواتهم مرتفعة ارتفاعاً مزعجاً كله لا يجوز، ولا يليق، وإقرارهم عليه من المنكر.
وقد شدد عمر بنظُله النكير على رجلين رفعا أصواتهما في مسجده بَّ، وقال: لو
كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما ضرباً.
مسألتان :
الأولى: اعلم أنّ عدم احترام النبي ◌ّ ة المشعر بالغض منه أو تنقيصه وله
والاستخفاف به أو الاستهزاء به ردة عن الإسلام وكفر بالله.
وقد قال تعالى في الذين استهزأوا بالنبي # وسخروا منه في غزوة تبوك لما
ضلت راحلته: ﴿وَلَبِنِ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَتَلْعَبُ قُلْ أَبِلَّهِ وَءَايَتِهِ، وَرَسُولِهِ.
كُنْتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ ﴿ لَا تَعْنَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِمَنِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥، ٦٦].
المسألة الثانية: وهي من أهم المسائل، اعلم أنّه يجب على كل إنسان أن يميز بين
حقوق الله تعالى التي هي من خصائص ربوبيته، التي لا يجوز صرفها لغيره، وبين
حقوق خلقه كحق النبي ◌ّير ليضع كل شيء في موضعه، على ضوء ما جاء به النبي وَلّ
في هذا القرآن العظيم والسنة الصحيحة.
وإذا عرفت ذلك فاعلم أنّ من الحقوق الخاصة بالله التي هي من خصائص ربوبيته
التجاء عبده إليه إذا دهمته الكروب بالله التي لا يقدر على كشفها إلا الله.
فالتجاء المضطر الذي أحاطت به الكروب ودهمته الدواهي لا يجوز إلا لله وحده؛
لأنّه من خصائص الربوبية؛ فصرف ذلك الحق لله وإخلاصه له هو عين طاعة الله ومرضاته
وطاعة رسوله ◌َّي ومرضاته، وهو عين التوقير والتعظيم للنبي وهو؛ لأن أعظم أنواع توقيره
وتعظيمه هو اتباعه والاقتداء به في إخلاص التوحيد والعبادة له وحده - جل وعلا -.
وقد بيّن - جلّ وعلا - في آيات كثيرة من كتابه أن التجاء المضطر من عباده إليه
وحده في أوقات الشدة والكرب من خصائص ربوبيته تعالى.
ومن أصرح ذلك الآيات التي في سورة النمل، أعنى قوله تعالى: ﴿قُلِ اٌلْحَمْدُ لِلَّهِ
وَسَلَمُّ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ أُصْطَفَىُّ﴾؛ إلى قوله: ﴿قُلْ هَاتُواْ بُهَنَكُمْ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾
[النمل: ٥٩ - ٦٤].
فإنه - جلّ وعلا - قال في هذه الآيات الكريمات العظيمات: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَمَّ
٥٩٠
عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ أَصْطَفَىُّ ءَاللَّهُ خَيْرُّ أَمَّا يُشْرِكُونَ
ثم بيّن خصائص ربوبيته الدالة على أنه المعبود وحده فقال: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ
وَاُلْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِّنَ السَّمَاءِ مَآءُ فَأَنْجَتْنَا بِهِ، حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَنْ
تُلِبِتُواْ شَجَرَهَأُ أَوِلَهٌ مَّعَ الَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ﴾﴾.

١٣٨٨
- سورة الحجرات: الآية (٣)
فهذه المذكورات التي هي خلق السماوات والأرض، وإنزال الماء من السماء
وإنبات الحدائق ذات البهجة، التي لا يقدر على إنبات شجرها إلا الله، من خصائص
ربوبية الله؛ ولذا قال تعالى بعدها: ﴿أَعِلَهُ مَعَ اللهِ﴾؛ يقدر على خلق السماوات والأرض
وإنزال الماء من السماء وإنبات الحدائق به، والجواب لا؛ لأنّه لا إله إلا الله وحده.
ثم قال تعالى: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ اُلْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَلَهَا أَنْهَرًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَسِىَ وَجَعَلَ
بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزَاْ أَنْهُ مَّعَ اللَّهِّ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
فهذه المذكورات أيضاً، التي هي جعل الأرض قراراً، وجعل الأنهار خلالها،
وجعل الجبال الرواسي فيها، وجعل الحاجز بين البحرين من خصائص ربوبيته - جلّ
وعلا -، ولذا قال بعد ذكرها: ﴿أَهُ مَّعَ اللَّهِ﴾؟ والجواب لا.
فالاعتراف لله - جلّ وعلا - بأن خلق السماوات والأرض وإنزال الماء وإنبات
النبات ونحو ذلك مما ذكر في الآيات من خصائص ربوبيته - جلّ وعلا - هو الحق، وهو
من طاعة الله ورسوله، ومن تعظيم الله وتعظيم رسوله بالاقتداء به وّية في تعظيم الله.
ثم قال تعالى وهو محل الشاهد: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ الشُّوْءَ
(٦٣)
وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ الْأَرْضِّ أَوِلَئَهُ مَعَ اللَّهِّ قَلِيلاً مَّا نَذَكَّرُونَ
فهذه المذكورات التي هي إجابة المضطر إذا دعا، وكشف السوء وجعل الناس
خلفاء في الأرض؛ من خصائص ربوبيته - جلّ وعلا - ولذا قال بعدها: ﴿أَعِلَهُ مَعَ اللَّهِ
قَلِيلاً مَّا نَذَكَّرُونَ﴾ .
فتأمل قوله تعالى: ﴿َهُ مَعَ اللهِ﴾؛ مع قوله: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ
الشُّوَءَ﴾؛ تعلم أن إجابة المضطرين إذا التجأوا ودعوا وكشف السوء عن المكروبين، لا
فرق في كونه من خصائص الربوبية، بينه وبين خلق السماوات والأرض، وإنزال الماء
وإنبات النبات، ونصب الجبال وإجراء الأنهار؛ لأنّه - جلّ وعلا - ذكر الجميع بنسق
واحد في سياق واحد، وأتبع جميعه بقوله: ﴿أَوَِهُ مَّعَ اللَّهِ﴾ .
فمن صرف شيئاً من ذلك لغير الله توجه إليه الإنكار السماوي الذي هو في ضمن قوله:
﴿أَِلَهُ مَعَ اللهِ﴾؛ فلا فرق البتة بين تلك المذكورات في كونها كلها من خصائص الربوبية.
ثم قال تعالى: ﴿أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِ ظُلُمَتِ أَلْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الْرِّيَحَ بُشْرًا بَيْنَ
يَدَىْ رَحْمَتِهٌِ أََِهُ مَعَ اللَّهَّ تَعَلَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ
فهذه المذكورات التي هي هدى الناس في ظلمات البر والبحر، وإرسال الرياح
بشراً، أي مبشرات بين يدي رحمته التي هي المطر، من خصائص ربوبيته - جلّ وعلا -؛
ولذا قال تعالى: ﴿أَوَِّهُ مَّعَ اللَّهِ﴾، ثم نزه - جلّ وعلا - نفسه عن أن يكون معه إله
يستحق شيئاً مما ذكر، فقال - جلّ وعلا -: ﴿تَعَلَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ .
ثم قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يَبْدَؤُّأْ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِّ أَوِلَهُ مَعَ اللَّهِ
٦٤٦
قُلْ هَاتُواْ بُرْهَنَكُمْ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ

١٣٨٩
سورة الحجرات: الآية (٣)
فهذه المذكورات التي هي بدء خلق الناس وإعادته يوم البعث، ورزقه للناس من
السماء بإنزال المطر، ومن الأرض بإنبات النبات، من خصائص ربوبيته - جلّ وعلا -،
ولذا قال بعدها: ﴿أَوِلَهُ مَّعَ اللَّهِ﴾. ثم عجَّز - جلّ وعلا - كل من يدعي شيئاً من ذلك
كله لغير الله، فقال آمراً نبيه و له بأن يخاطبهم بصيغة التعجيز: ﴿قُلْ هَاتُواْ بُهَنَكُمْ إِن
كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾.
وقد اتضح من هذه الآيات القرآنية؛ أنّ إجابة المضطرين الداعين، وكشف السوء
عن المكروبين، من خصائص الربوبية كخلق السماوات والأرض، وإنزال الماء، وإنبات
النبات، والحجز بين البحرين، إلى آخر ما ذكر.
وكون إجابة المضطرين وكشف السوء عن المكروبين من خصائص الربوبية، كما
أوضحه تعالى في هذه الآيات من سورة النمل، جاء موضحاً في آيات أخر:
كقوله تعالى مخاطباً نبيه وَله: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍ فَلَ كَاشِفَ لَهُ: إِلَّا هُوَّ
وَإِنْ يُرِدَّكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَآدَ لِفَضْلِهِ، يُصِيبُ بِهِ، مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ،﴾ [يونس: ١٠٧]، وقوله
تعالى: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍ فَلَ كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوِّ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَ كُلِّ شَىْءٍ
قَدِيرٌ ﴾﴾ [الأنعام].
وقوله تعالى: ﴿مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكَ فَلاَ مُرْسِلَ
الآية [فاطر: ٢].
فعلينا معاشر المسلمين أن نتأمل هذه الآيات القرآنية ونعتقد ما تضمنته ونعمل به
لنكون بذلك مطيعين لله تعالى ولرسوله وَ ل* معظمين لله ولرسوله؛ لأنّ أعظم أنواع تعظيم
رسول الله 18 هو اتباعه والاقتداء به في إخلاص العبادة لله - جلّ وعلا - وحده.
فإخلاص العبادة له - جلّ وعلا - وحده هو الذي كان يفعله مَّليل ويأمر به، وقد
قال تعالى: ﴿وَمَّ أُمِرُوَاْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ الَهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الذِينَ﴾ [البينة: ٥]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِّ
أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ أَلِينَ ﴾﴾. إلى قوله: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِنِىِ ﴿﴿ فَأَعْبُدُواْ مَا
شِئْتُ مِّن دُونِةٍ﴾ [الزمر: ١١ - ١٥].
واعلم أن الكفار في زمن النبي # كانوا يعلمون علماً يقيناً أنّ ما ذكر من إجابة
المضطر وكشف السوء عن المكروب من خصائص الربوبية، وكانوا إذا دهمتهم الكروب،
كإحاطة الأمواج بهم في البحر في وقت العواصف، يخلصون الدعاء لله وحده، لعلمهم
أن كشف ذلك من خصائصه، فإذا أنجاهم من الكرب رجعوا إلى الإشراك.
وقد بيّنَ الله - جلّ وعلا - هذا في آيات من كتابه كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى يُسَتِكُ فِى
الْبَّرِّ وَالْبَحْرِّ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِىِ الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم ◌ِيجِ طَنِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَتْهَا رِيعُ عَاصِفٌ
وَجَمَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَبِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِء
لَتَكُونَ مِنَ الشَّكِينَ ﴿ فَلَمَّا أَنْجَنْهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِ اَلْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [يونس: ٢٢، ٢٣].

١٣٩٠ -
سورة الحجرات: الآية (٣)
وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَن يُنَجِّيَكُمْ مِنْ ظُلُمَتِ الْبَرِّ وَاَلْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَّيِنْ أَنْجَنَا مِنْ
هَذِهِ، لَنَكُونَنَّ مِنَ الشََّكِنَ ﴿ قُلِ اللَّهُ يُنَجِّكُمْ مِنْهَا وَمِن كُلِ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ ﴿ قُلْ هُوَ
الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتَنَّكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ
أَتَنَّكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اَللَّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ﴿ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيّهِ إِن
• [الأنعام] .
٤١
شَآءُ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَنَّكُمْ إِلَى الْبَرِّ
أَغْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِسَنُ كَفُورًا ﴿ أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ
لَا تَجِدُوْ لَكُمْ وَحِيلًا ﴿﴿ أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ
فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ، نَبِيعًا
(٦٩) ﴾ [الإسراء].
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُواْ فِى الْفُلْكِ دَعَواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الَّذِينَ فَلَمَّا نَجَنْهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا
هُمْ يُشْرِكُونَ (٥)﴾ [العنكبوت]، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظّلَلِ دَعَواْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ
الَّذِينَ فَلَمَّا نَّنَّهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُم مُقْنَصِدٌ﴾ [لقمان: ٣٢].
وقد قدَّمنا في سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الْفُّرُ
فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَّدْعُونَ إِلَّ إِيَّهُ﴾ [الإسراء: ٦٧]، أنّ سبب إسلام عكرمة بن أبي جهل نَظُه
أنّه لمّا فتح النبي وَلّ مكة ذهب فاراً منه إلى بلاد الحبشة، فركب في البحر متوجها إلى
الحبشة فجاءتهم ربح عاصف.
فقال القوم بعضهم لبعض: إنّه لا يغني عنكم إلا أن تدعوا الله وحده. فقال عكرمة
في نفسه: والله إن كان لا ينفع في البحر غيره، فإنه لا ينفع في البر غيره. اللهم لك علي
عهد لئن أخرجتني منه لأذهبن فلأضعن يدي في يد محمد ﴿ فلأجدنه رؤوفاً رحيماً،
فخرجوا من البحر فخرج إلى رسول الله ﴿ ﴿ فَأَسْلَمَ وحسن إسلامه ◌ُته، انتهى.
وقد قدَّمنا هناك أنّ بعض المتسمين باسم الإسلام أسوأ حالاً من هؤلاء الكفار
المذكورين؛ لأنهم في وقت الشدائد يلجأون لغير الله طالبين منه ما يطلب المؤمنون
من الله، وبما ذكر تعلم أن ما انتشر في أقطار الدنيا من الالتجاء في أوقات الكروب
والشدائد إلى غير الله - جلّ وعلا - كما يفعلون ذلك قرب قبر النبي وَّر وعند قبور من
يعتقدون فيهم الصلاح؛ زاعمين أنّ ذلك من دين الله ومحبة الرسول ◌َله وتعظيمه ومحبة
الصالحين كله من أعظم الباطل، وهو انتهاك لحرمات الله وحرمات رسوله.
لأنّ صرف الحقوق الخاصة بالخالق التي هي من خصائص ربوبيته إلى النبي وتقدير أو غيره
ممن يعتقد فيهم الصلاح مستوجب سخط الله وسخط النبي ◌ُّلّ وسخط كل متبع له بالحق.
ومعلوم أنّه - صلوات الله وسلامه عليه - لم يأمر بذلك هو ولا أحد من أصحابه،
وهو ممنوع في شريعة كل نبي من الأنبياء، والله - جلّ وعلا - يقول: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن
فـ.
يُؤْتِيَّهُ اَللَّهُ الْكِتُبَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لِ مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُنُواْ

١٣٩١
سورة الحجرات: الآية (٣)-
وَلَا يَأْمُرَّكُمْ أَنْ تَنَّخِذُواْ الْلَئِكَةَ
رَبَّنِيِّنَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِنَبَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ
وَالنَّبْعِنَ أَزْبَابًا أَيَأْمُؤَّكُمْ بِاَلْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُم ◌ُسْلِمُونَ (
(9)﴾ [آل عمران] ..
بل الذي كان يأمر به وَ ﴿ هو ما يأمره الله بالأمر به في قوله تعالى: ﴿قُلْ يَأَهْلَ
اُلْكِنَبِ تَعَالَوَاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ
بَعْضُنَا بَعْضَّا أَرْبَابًا مِن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْ فَقُولُواْ أَشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (®]﴾ [آل عمران].
واعلم أنّ كل عاقل إذا رأى رجلاً متديناً في زعمه مدعياً حب النبي وَّر وتعظيمه
وهو يعظم النبي ◌َل﴿ ويمدحه بأنه هو الذي خلق السماوات والأرض وأنزل الماء من
السماء وأنبت به الحدائق ذات البهجة، وأنه #هو الذي جعل الأرض قراراً وجعل
خلالها أنهاراً وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزاً، إلى آخر ما تضمنته الآيات
المتقدمة، فإن ذلك العاقل لا يشك في أن ذلك المادح المعظم في زعمه من أعداء الله
ورسوله المتعدين لحدود الله.
وقد علمت من الآيات المحكمات أنّه لا فرق بين ذلك وبين إجابة المضطرين
وكشف السوء من المكروبين.
فعلينا معاشر المسلمين أن ننتبه من نومة الجهل وأن نعظم ربنا بامتثال أمره
واجتناب نهيه، وإخلاص العبادة له، وتعظيم نبينا وَلّر باتباعه والاقتداء به في تعظيم الله
والإخلاص له والاقتداء به في كل ما جاء به.
وألا نخالفه وَ له ولا نعصيه، وألا نفعل شيئاً يشعر بعدم التعظيم والاحترام، كرفع
الأصوات قرب قبره وَله، وقصدنا النصيحة والشفقة لإخواننا المسلمين ليعملوا
بكتاب الله، ويعظموا نبيه وَلقوله تعظيم الموافق لما جاء به ول ويتركوا ما يسميه الجهلة
محبة وتعظيماً وهو في الحقيقة احتقار وازدراء وانتهاك لحرمات الله، ورسوله وله :
﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَّ أَمَانِيّ أَهْلِ الْكِتَبُّ مَن يَعْمَلْ سُوْءًا يُجْزَ بِهِ، وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ
وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الضَِّحَتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنْتَّى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ
وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا
(عَلَا﴾ [النساء].
الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (
واعلم أيضاً - رحمك الله -: أنّه لا فرق بين ما ذكرنا من إجابة المضطر وكشف
السوء عن المكروب، وبين تحصيل المطالب التي لا يقدر عليها إلا الله، كالحصول
على الأولاد والأموال وسائر أنواع الخير.
فإن التجاء العبد إلى ربه في ذلك أيضاً من خصائص ربوبيته - جلّ وعلا - كما
قال تعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس: ٣١]. وقال تعالى: ﴿فَأَبْثَغُواْ عِنْدَ
اللَّهِ الْرِزْقَ وَأَعْبُدُوهُ وَأَشْكُرُواْ لَهُمْ﴾ [العنكبوت: ١٧]. وقال تعالى: ﴿يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثًا
وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَآءُ الذُّكُرَ﴾ ... الآية [الشورى: ٤٩]. وقال تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنفُسِكُمْ
أَزْوَجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَّكُمْ مِّنَ اُلْطَيِّبَتِ﴾ [النحل: ٧٢]. وقال
تعالى: ﴿وَسْئَلُواْ اللَّهَ مِن فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢]، إلى غير ذلك من الآيات.

١٣٩٢ -
- سورة الحجرات: الآية (٦)
وفي الحديث: ((إذا سألت فاسأل الله)). وقد أثنى الله - جلّ وعلا - على نبيه وَل
وأصحابه بالتجائهم إليه وقت الكرب يوم بدر في قوله: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَأَمْتَجَابَ
لَكُمْ﴾ آية [الأنفال: ٩]. فنبينا ◌َ كان هو وأصحابه إذا أصابهم أمر أو كرب التجأوا
إلى الله وأخلصوا له الدعاء، فعلينا أن نتبع ولا نبتدع ..
تنبيه: اعلم أنّه يجب على كل مسلم أن يتأمل في معنى العبادة، وهي تشمل جميع
ما أمر الله أن يتقرب إليه به من جميع القربات، فيخلص تقربه بذلك إلى الله ولا يصرف
شيئاً منه لغير الله كائناً ما كان.
والظاهر أن ذلك يشمل هيئات العبادة، فلا ينبغي للمسلّم عليه وَلّ أن يضع يده
اليمنى على اليسرى كهيئة المصلي؛ لأنّ هيئة الصلاة داخلة في جملتها فينبغي أن تكون
خالصة لله، كما كان له هو وأصحابه يخلصون العبادات وهيئاتها لله وحده.
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِن جَكُمْ فَاسِقٌ بِنَاٍ فَتَبَيُّواْ أَن تُصِيبُواْ قَوْمًا بِجَهَلَةٍ
فَنُصْبِحُواْ عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَدِمِينَ ﴾﴾. نزلت هذه الآية الكريمة في الوليد بن عقبة بن أبي
معيط، وقد أرسله النبي ◌َّله إلى بني المصطلق من خزاعة ليأتيه بصدقات أموالهم، فلما
سمعوا به تلقوه فرحاً به، فخاف منهم وظن أنهم يريدون قتله، فرجع إلى نبي الله وَ طاهر
وزعم له أنهم منعوا الصدقة وأرادوا قتله، فقدم وفد منهم إلى النبي يل فأخبروه بكذب
الوليد فأنزل الله هذه الآية وهي تدل على عدم تصديق الفاسق في خبره.
وصرح تعالى في موضع آخر بالنهي عن قبول شهادة الفاسق، وذلك في قوله:
وَلَ نَقِبَلُوْ لَمْ شَهَدَةً أَبَدًّا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ﴾ [النور: ٤]، ولا خلاف بين العلماء في رد
شهادة الفاسق وعدم قبول خبره، وقد دلت هذه الآية من سورة الحجرات على أمرين:
الأول منهما: أنّ الفاسق إن جاء بنبأ ممكن معرفة حقيقته، وهل ما قاله فيه
الفاسق حق أو كذب فإنّه يجب فيه التثبت.
والثاني: هو ما استدل عليه بها أهل الأصول من قبول خبر العدل؛ لأن قوله
تعالى: ﴿إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنٍََّ فَتَبَيَّنُواْ﴾ يدل بدليل خطابه، أعني مفهوم مخالفته أن الجائي
بنبأ إن كان غير فاسق بل عدلاً لا يلزم التبين في نبئه على قراءة: ((فتبينوا)). ولا التثبت
على قراءة: ((فتثبتوا))، وهو كذلك.
وأما شهادة الفاسق فهي مردودة كما دلت عليه آية النور المذكورة آنفاً، وقد قدّمنا
معنى الفسق وأنواعه في مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك.
وقوله: ﴿أَنْ تُصِيبُواْ قَوْمًا﴾؛ أي لئلا تصيبوا قوماً، أو كراهة أن تصيبوا قوماً
بجهالة؛ أي لظنكم النبأ الذي جاء به الفاسق حقًّا فتصبحوا على ما فعلتم من إصابتكم
للقوم المذكورين نادمين لظهور كذب الفاسق فيما أنبأ به عنهم؛ لأنهم لو لم يتبينوا في
نبأ الوليد عن بني المصطلق لعاملوهم معاملة المرتدين؟ ولو فعلوا ذلك لندموا.

١٣٩٣
سورة الحجرات: الآيات (٧ - ١١) --
وقرأ هذا الحرف عامة السبعة غير حمزة والكسائي: ﴿فَتَِّيَُّأْ﴾ بالباء التحتية
الموحدة بعدها مثناة تحتية مشددة ثم نون. وقرأه حمزة والكسائي: ((فتثبتوا)) بالثاء المثلثة
بعدها باء تحتية موحدة مشددة ثم تاء مثناة فوقية، والأول من التبين، والثاني من
التثبت، ومعنى القراءتين واحد، وهو الأمر بالتأني وعدم العجلة حتى تظهر الحقيقة فيما
أنبأ به الفاسق.
قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيَمَنَ وَزََّهُ فِ قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ
وَالْعِصْيَانَّ﴾. ما ذكره - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة من أنّه هو الذي حبب إليهم
الإيمان وزينه في قلوبهم، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان، جاء موضحاً في آيات
كثيرة مصرح فيها بأنه تعالى يهدي من يشاء ويضل من يشاء، كقوله تعالى: ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ
فَهُوَ الْمُهْتَّدِّ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِنَّا قُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧].
وقوله تعالى: ﴿وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِّ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونٌِّ﴾ .
[الإسراء: ٩٧]، وقوله تعالى: ﴿دَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِىّ وَمَن يُضْلِلْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ
(ََّ)﴾ [الأعراف]، وقوله تعالى: ﴿وَنَفْسِ وَمَا سَوَّنَهَاَ ﴿ فَأَمَهَا ◌ُرَهَا وَتَقْوَنهَا
(4)﴾ [الشمس]،
والآيات بمثل هذا كثيرة معلومة، نرجو الله الرحيم الكريم أن يهدينا وألا يضلنا .
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا اُلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾. هذه الأخوة التي أثبت الله - جلّ وعلا - في
هذه الآية الكريمة للمؤمنين بعضهم لبعض هي أخوة الدين لا النسب.
وقد بيّن تعالى أن الأخوة تكون في الدين في قوله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوْاْ ءَابَآءَ هُمْ
فَإِخْوَتُكُمْ فِ الدِّينِ﴾ ... الآية [الأحزاب: ٥].
وقد قدَّمنا في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ
يَهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩]، أنّ الأخوة الدينية أعظم وأقوى من الأخوة النسبية،
وبينا أدلة ذلك من الكتاب والسنة، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
قوله تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُواْ خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَ نِسَآءٌ
مِّنْ نِسَآءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْا مِنْهُنّ﴾ .
قوله تعالى ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّنْ قَوْمٍ﴾؛ أي لا يستخفوا ولا يستهزئوا بهم، والعرب
تقول: سخر منه بكسر الخاء، يسخر بفتح الخاء على القياس، إذا استهزأ به واستخف.
وقد نهى الله - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة عن السخرية من الناس، مبيناً أن
المسخور منه قد يكون خيراً من الساخر.
ومن أقبح القبيح استخفاف الدنيء بالأكرم الأفضل، واستهزاؤه به، وما تضمنته
هذه الآية الكريمة من النهي عن السخرية، جاء ذم فاعله وعقوبته عند الله في غير هذا
الموضع، كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُعَلَّوَّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَفَتِ
وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمُّ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمُ (®)﴾ [التوبة].

١٣٩٤
سورة الحجرات: الآية (١٣)
وقد بيّن تعالى أن الكفار المترفين في الدنيا كانوا يسخرون من ضعاف المؤمنين
في دار الدنيا، وأن أولئك يسخرون من الكفار يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ
كَفَرُواْ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ أَنَّقَوْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ اُلْقِيَمَةِ﴾ [البقرة: ٢١٢].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ يَضْحَكُونَ (49) وَإِذَا مَرُواْ بِهِمْ
يَغَامَزُونَ (٣٥)﴾ إلى قوله تعالى: ﴿قَلْيَوْمَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ
عَلَى الْأَرَابِكِ
هَلْ ثُوِّبَ الْكُغَارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ (®)﴾ [المطففين].
يَنْظُرُونَ (٥)
فلا ينبغي لمن رأى مسلماً في حالة رثة تظهر بها عليه آثار الفقر والضعف أن
يسخر منه لهذه الآيات التي ذكرنا .
قوله تعالى: ﴿وَلَا نَلِّمِزُواْ أَنْفُسَكُمْ﴾، أي لا يدمز أحدكم أخاه كما تقدم إيضاحه في سورة
بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩].
وقد أوعد الله - جلّ وعلا - الذين يلمزون الناس في قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ
هُمَزَقِ لُمَزَةٍ ﴾﴾ [الهمزة: ١]، والهمزة: كثير الهمز للناس، واللمزة: كثير اللمز.
قال بعض العلماء: الهمز يكون بالفعل كالغمز بالعين احتقاراً وازدراء، واللمز
باللسان، وتدخل فيه الغيبة.
وقد صرح الله تعالى بالنهي عن ذلك في قوله: ﴿وَلَا يَغْتَبِ بَعْضُكُم بَعْضًا﴾؛ ونفر
عنه غاية التنفير في قوله تعالى: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْنًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ ؛
فيجب على المسلم أن يتباعد كل التباعد من الوقوع في عرض أخيه.
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْتَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْتَ﴾ .
ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة أنه خلق الناس من ذكر وأنثى، ولم يبين
هنا كيفية خلقه للذكر والأنثى المذكورين ولكنه بين ذلك في مواضع أخر من كتاب الله.
فبيّن أنّه خلق ذلك الذكر الذي هو آدم من تراب، وقد بين الأطوار التي مر بها
ذلك التراب، كصيرورته طيناً لازباً وحما مسنوناً وصلصالاً كالفخار.
وبيّن أنّه خلق تلك الأنثى التي هي حواء من ذلك الذكر الذي هو آدم، فقال في
سورة النساء: ﴿وَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِىِ خَلَقَّكُم مِّن نَّفْسٍ وَحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَ مِنْهُمَا
رِجَالًا كَثِيرًا وَنَاءٌ﴾ [النساء: ١]. وقال تعالى في الأعراف: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسِ
وَحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩]. وقال تعالى في الزمر ﴿خَلَقَكُ
مِّن نَّفْسِ وَحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الزمر: ٦].
وقد قدَّمنا أنه خلق نوع الإنسان على أربعة أنواع مختلفة:
الأول منها: خلقه لا من أنثى ولا من ذكر؛ وهو آدم
والثاني: خلقه من ذكر بدون أنثى؛ وهو حواء . .

١٣٩٥
سورة الحجرات: الآية (١٣) -
والثالث: خلقه من أنثى بدون ذكر؛ وهو عيسى - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام -.
الرابع: خلقه من ذكر وأنثى؛ وهو سائر الآدميين، وهذا يدل على كمال قدرته -
جلّ وعلا -، وهناك مسائل مستنبطة من الآية يرجع من أراد الوقوف عليها إلى الأصل.
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَكُمْ شُعُوبًا وَقَبَابِلَ لِتَعَارَفُواْ﴾ لما كان قوله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْتَكُمْ مِّن
ذَكَرٍ وَأُنثَى﴾؛ يدل على استواء الناس في الأصل؛ لأنّ أباهم واحد وأمهم واحدة وكان
في ذلك أكبر زاجر عن التفاخر بالأنساب وتطاول بعض الناس على بعض، بين تعالى
أنه جعلهم شعوباً وقبائل لأجل أن يتعارفوا؛ أي يعرف بعضهم بعضاً، ويتميز بعضهم
عن بعض لا لأجل أن يفتخر بعضهم على بعض ويتطاول عليه.
وذلك يدل على أن كون بعضهم أفضل من بعض وأكرم منه إنّما يكون بسبب آخر
غير الأنساب.
وقد بيّن الله ذلك هنا بقوله: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَنَكُمْ﴾؛ فاتضح من هذا أنّ
الفضل والكرم إنما هو بتقوى الله. لا بغيره من الانتساب إلى القبائل، ولقد صدق من
قال :
وقد وضع الكفر الشريف أبا لهب
فقد رفع الإسلام سلمان فارس
وقد ذكروا أن سلمان رځہ کان يقول:
أبي الإسلام لا أب لي سواء
إذا افتخروا بقيس أو تميم
وهذه الآيات القرآنية، تدل على أن دين الإسلام دين سماوي صحيح، لا نظر فيه إلى
الألوان ولا إلى العناصر، ولا إلى الجهات، وإنما المعتبر فيه تقوى الله جلا وعلا وطاعته،
فأكرم الناس وأفضلهم أتقاهم لله، ولا كرم ولا فضل لغير المتقي، ولو كان رفيع النسب.
والشعوب جمع شعب، وهو الطبقة الأولى من الطبقات الست التي عليها العرب
وهي: الشعب، والقبيلة، والعمارة، والبطن، والفخذ، والفصيلة.
فالشعب يجمع القبائل، والقبيلة تجمع العمائر، والعمارة تجمع البطون، والبطن
يجمع الأفخاذ والفخذ يجمع الفصائل.
خزيمة شعب، وكنانة قبيلة، وقريش عمارة، وقصي بطن، وهاشم فخذ، والعباس
فصيلة. وسميت الشعوب؛ لأن القبائل تتشعب منها، اهـ.
ولم يذكر من هذه الست في القرآن إلا ثلاث: الشعوب، والقبائل كما في هذه
الآية، والفصيلة في المعارج في قوله: ﴿وَفَصِيَتِهِ الَّتِى تُوِيِهِ ﴾﴾ [المعارج]، وقد قدَّمنا ما
دلت عليه هذه الآيات موضحاً في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ
هَذَا الْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩].
واعلم: أن العرب قد تطلق بعض هذه الست على بعض كإطلاق البطن على
القبيلة في قول الشاعر:

١٣٩٦
سورة الحجرات: الآية (١٤)
وأنت بريء من قبائلها العشر
وإن كلاباً هذه عشر أبطن
كما قدَّمنا في سورة البقرة، في الكلام على قوله تعالى: ﴿ثَلَثَةَ قُرُوَةٍ﴾
[البقرة: ٢٢٨].
قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ ءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَكِن قُولُواْ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ اُلْإِيَنُ فِ
قُلُوبِكُمْ﴾. ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة أن هؤلاء الأعراب وهم أهل البادية
من العرب قالوا آمنا، وأن الله - جلّ وعلا - أمر نبيه أن يقول لهم: ﴿لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَكِن
قُولُواْ أَسْلَمْنَا﴾، وهذا يدل على نفي الإيمان عنهم وثبوت الإسلام لهم.
وذلك يستلزم، أنّ الإيمان أخص من الإسلام؛ لأن نفي الأخص لا يستلزم نفي
الأعم.
وقد قدَّمنا مراراً أنّ مسمى الإيمان الشرعي الصحيح، والإسلام الشرعي الصحيح
هو استسلام القلب بالاعتقاد واللسان بالإقرار، والجوارح بالعمل، فمؤداهما واحد كما
يدل له قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيَهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٥ ◌َا وَحَدْنَا فِيَهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ
(٣) ﴾ [الذاريات].
الْمُسْلِمِينَ
وإذا كان ذلك كذلك فإنه يحتاج إلى بيان وجه الفرق بين الإيمان والإسلام في
هذه الآية الكريمة؛ لأنّ الله نفى عنهم الإيمان دون الإسلام؛ ولذلك وجهان معروفان
عند العلماء، أظهرهما عندي: أن الإيمان المنفي عنهم في هذه الآية هو مسماه الشرعي
الصحيح، والإسلام المثبت لهم فيها هو الإسلام اللغوي الذي هو الاستسلام والانقياد
بالجوارح دون القلب.
وإنّما ساغ إطلاق الحقيقة اللغوية هنا على الإسلام مع أنّ الحقيقة الشرعية مقدمة على
اللغوية على الصحيح؛ لأن الشرع الكريم جاء باعتبار الظاهر. وأن توكل السرائر إلى الله.
فانقياد الجوارح في الظاهر بالعمل واللسان بالإقرار يكتفى به شرعاً، وإن كان
القلب منطوياً على الكفر.
ولهذا ساغ إرادة الحقيقة اللغوية في قوله: ﴿وَلَكِنْ قُولُواْ أَسْلَمْنَا﴾؛ لأن انقياد اللسان
والجوارح في الظاهر إسلام لغوي مكتفى به شرعاً عن التنقيب عن القلوب.
وكل انقياد واستسلام وإذعان يسمى إسلاماً لغة. ومنه قول زيد بن عمرو بن نفيل
العدوي مسلم الجاهلية :
له الأرض تحمل صخراً ثقالا
وأسلمت وجهي لمن أسلمت
جميعاً وأرسى عليها الجبالا
دحاها فلما استوت شدها
له المزن تحمل عذباً زلالا
وأسلمت وجهي لمن أسلمت
أطاعت فصبت عليها سجالا
إذا هي سيقت إلى بلدة
له الريح تصرف حالاً فحالا
وأسلمت وجهي لمن أسلمت

١٣٩٧
سورة الحجرات: الآية (١٦)
فالمراد بالإسلام في هذه الأبيات: الاستسلام والانقياد، وإذا حمل الإسلام في
قوله: ﴿وَلَكِنْ قُولُواْ أَسْلَمْنَا﴾؛ انقدنا واستسلمنا بالألسنة والجوارح، فلا إشكال في الآية.
وعلى هذا القول فالأعراب المذكورون منافقون؛ لأنّهم مسلمون في الظاهر، وهم
كفار في الباطن.
والوجه الثاني: أن المراد بنفي الإيمان في قوله: ﴿لَّمْ نُؤْمِنُواْ﴾؛ نفي كمال الإيمان،
لا نفیه من أصله.
وعليه فلا إشكال أيضاً؛ لأنهم مسلمون مع أن إيمانهم غير تام، وهذا لا إشكال
فيه عند أهل السنة والجماعة القائلين بأن الإيمان يزيد وينقص.
وإنّما استظهرنا الوجه الأول، وهو أنّ المراد الإسلام معناه اللغوي دون الشرعي،
وأن الأعراب المذكورين كفار في الباطن وإن أسلموا في الظاهر؛ لأن قوله - جل وعلا -:
﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيَمَنُ فِ قُلُوبِكُمْ﴾؛ يدل على ذلك دلالة كما ترى؛ لأن قوله: ﴿يَدْخُلِ﴾
فعل في سياق النفي وهو من صيغ العموم كما أوضحناه مراراً، وإليه الإشارة بقول
صاحب (مراقي السعود):
واتفقوا إن مصدر قد جلبا
ونحو لا شربت أو إن شربا
فقوله: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِمَنُ فِ قُلُوبِكُمْ﴾ في معنى لا دخول للإيمان في قلوبكم.
والذين قالوا بالثاني قالوا: إن المراد بنفي دخوله نفي كماله، والأول أظهر كما ترى.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ﴾: المراد به بعض الأعراب،
وقد استظهرنا أنّهم منافقون لدلالة القرآن على ذلك، وهم من جنسٍ الأعراب الذين
قال الله فيهم: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُ الَّوَابِرَ﴾ [التوبة: ٩٨]،
وإنّما قلنا: إن المراد بعض الأعراب في هذه الآية؛ لأن الله بين في موضع آخر أن
منهم من ليس كذلك، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ
اْآَخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ فُرْبَتٍ عِندَ اللَّهِ وَصَلَوَتِ الرَّسُولِ أَلَّ إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمَّ سَيُدِْلُهُمُ اللَّهُ فِىِ
﴾ [التوبة].
٩٩
رَحْمَيَِّةَ: إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ اُلْأَرْضِّ وَاللَّهُ بِكُلِّ
شَىْءٍ عَلِيمٌ ﴾﴾، لما قال هؤلاء الأعراب: آمنا، وأمر الله نبيه أن يكذبهم في قوله: ﴿قُل لَّمْ
تُؤْمِنُواْ﴾ وقوله: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ آلْإِيَمَنُ فِى قُلُوبِكُمْ﴾؛ أمر نَبِيَّهُ أن يقول لهم بصيغة الإنكار:
﴿أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾؛ وذلك بادعائكم أنكم مؤمنون والله لا يخفى عليه شيء من
حالكم، وهو عالم بأنكم لم تؤمنوا وعالم بكل ما في السموات والأرض وعالم بكل شيء.
وما تضمنته هذه الآية الكريمة من تقبيح تزكية النفس بالكذب جاء موضحاً في غير
هذا الموضع كقوله تعالى: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُ مِنَ اُلْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِ بُطُونِ
أُنَّهَتِكُمْ فَلاَ تُزَكُواْ أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ آَتَّقَ﴾ [النجم: ٣٢]، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة.

١٣٩٨ -
سورة ق: الآيات (١ - ٦)
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ
قد قدَّمنا الآيات الموضحة له في أول سورة هود، في الكلام على قوله تعالى:
﴿أَّ إِنَّهُمْ يَثْنُنَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ نِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُونَ وَمَا يُعْلِنُونَ
إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ جَ﴾ [هود].
براس الرحمن الرحيم
سورة ق
قوله تعالى: ﴿قَّ وَاَلْقُرْءَانِ الْمَجِيدِ ﴾﴾. المقسم عليه في الآية محذوف، والظاهر
أنه كالمقسم عليه المحذوف في سورة ص، وقد أوضحناه في الكلام عليها .
وقوله تعالى: ﴿بَلْ عَبُواْ أَنْ جَهُم مُّنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَفِرُونَ هَذَا شَىْءُ عِبُ ( أَمِذَا
مِتْنَا وَكُنَّا تُرَبّا ذَلِكَ رَجْعُ بَعِيدٌ ﴾﴾.
قد قدَّمنا في سورة (صّ)، أن من المقسم عليه أنّ النبي ◌َّ صادق وأنّ رسالته
حق، كما دل عليه قوله في (صّ): ﴿وَمُوْ أَنْ جَهُ مُّنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ [ص: ٤]، وقد دل على
ذلك قوله هنا: ﴿بَلْ عَبُوْ أَنْ جَهُم مُنذِرٌ مِّنْهُمْ﴾، وقد قدَّمنا في (صّ)، أنه يدخل في
المقسم عليه تكذيب الكفار في إنكارهم البعث، ويدل عليه قوله هنا: ﴿فَقَالَ الْكَفِرُونَ هَذَا
شَىْءُ تَجِيبُ ﴿ أَِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا﴾، والحاصل أن المقسم عليه في (صّ)، بقوله:
﴿وَلْقُرْءَانِ ذِى الذِّكْرِ﴾ [ص: ١]، وفي (قَ) بقوله: ﴿وَالْقُرْءَانِ الْمَجِيدِ﴾ محذوف وهو تكذيب
الكفار في إنكارهم رسالة النبي ◌َّ وإنكارهم البعث، وإنكارهم كون المعبود واحداً، وقد
بيّنا الآيات الدالة على ذلك في سورة (صّ)، وذكرنا هناك أن كون المقسم عليه في سورة
(قَ) هذه المحذوف يدخل فيه إنكارهم لرسالة النبي وَ لّل بدليل قوله: ﴿بَلْ عِمُواْ أَنْ جَ هُم
◌ُنذِرٌ مِّنْهُمْ﴾؛ وتكذيبهم في إنكارهم للبعث بدليل قوله: ﴿فَقَالَ الْكَفِرُونَ هَذَا شَىْءُ عَجِيبٌ﴾؛
وبينا وجه إيضاح ذلك بالآيات المذكورة هناك وغيرها فأغنى ذلك عن إعادته هنا .
قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوَاْ إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَهَا وَزَيَّنَهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجِ (﴾﴾﴾.
الهمزة في قوله: ﴿أَفَلَمْ﴾ تتعلق بمحذوف، والفاء عاطفة عليه، كما قدَّمنا مراراً
أنه أظهر الوجهين، وأنه أشار إليه في الخلاصة بقوله:
وحذف متبوع بداهنا استبح
والتقدير: أأعرضوا عن آيات الله فلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها
وزيناها وما لها من فروج؛ أي ليس فيها من شقوق ولا تصدع ولا تفطر، وما تضمنته
هذه الآية الكريمة من تعظيم شأن كيفية بنائه تعالى للسماء وتزيينه لها وكونها لا تصدع

سورة ق: الآيات (٧ - ٨).
١٣٩٩
ولا شقوق فيها جاء كله موضحاً في آيات أخر: كقوله - جلّ وعلا - في بنائه للسماء:
(٨)﴾ [النازعات]، وقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَآءَ
﴿وَأَنْتُ أَشَدُّ خَلْقًّا أَمِ اٌلَمَاءُ بَنَهَا (َ رَفَعَ سَمْكَهَا فَوَّنَهَا
بَيَْهَا بِأَنْيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (43)﴾ [الذاريات]، وقوله تعالى: ﴿وَبَيْنَا فَوقَّكُمْ سَبْعًا شِدَادًا
[النبأ]، وقوله تعالى: ﴿الَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَتٍ ◌ِبَاقًا مَّا تَرَى فِى خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَوْتٍ﴾
[الملك: ٣]، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَّبِقَ وَمَا كُنَا عَنِ الْخَلْقِ غَفِينَ
[المؤمنون]، وقوله تعالى في أول الرعد: ﴿اللَّهُ الَّذِى رَفَعَ التََّوَتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ أَسْتَوَى
عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الرعد: ٢]، وقوله تعالى في لقمان: ﴿خَلَقَ السَّمَوَتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [لقمان:
١٠] إلى غير ذلك من الآيات. وكقوله تعالى في تزيينه للسماء: ﴿وَلَقَدْ زَيَنَا السَّمَّةَ الدُّنْيَا
بِمَصَنِيحَ وَجَعَلْتَهَا رُجُومًا لِلشَّيَطِينِّ﴾ [الملك: ٥]، وقوله تعالى: ﴿وَزَيَّنَا السَّمَآءَ الذُّنْيَا بِمَصَبِحَ
﴾ [الصافات]،
وَحِفْظًا﴾ [فصلت: ١٢]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا زَيَّنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِنَةٍ الْكَوَكِبِ
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِ السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّتَهَا لِلنَّظِرِينَ (٣)﴾ [الحجر]. وكقوله تعالى
في حفظه للسماء من أن يكون فيها فروج أي شقوق: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن قُطُورٍ﴾
[الملك: ٣]، والفطور والفروج بمعنى واحد، وهو الشقوق والصدوع. وقوله تعالى:
﴾ [الأنبياء]. أما إذا كان يوم
﴿وَجَعَلْنَا السَّمَآءَ سَقْفًا تَّخْفُوظَا وَهُمْ عَنْ ءَنِهَا مُعْرِضُونَ (
القيامة فإن السماء تتشقق وتتفطر، وتكون فيها الفروج كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَفَّقُ السَّمَآءُ
بِالْغَمَمِ﴾ [الفرقان: ٢٥]. وقال تعالى: ﴿فَإِذَا أُنشَقَّتِ السَّمَآءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً﴾ [الرحمن: ٣٧]. وقال
تعالى: ﴿فَيَوْمَيِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ ﴿ وَأَنْشَقَتِ السَّمَاءُ﴾ [الحاقة: ١٥، ١٦]، وقال تعالى: ﴿إِذَا
السَّمَاءُ أَنْشَقَّتْ ﴿ وَأَذِنَتْ لِرَتِهَا وَحُقَّتْ ﴾﴾ [الانشقاق]، وقال تعالى: ﴿إِذَا السَّمَآءُ أَنْفَطَرَتْ ﴾﴾
[الانفطار]، وقال تعالى: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَنَ شِيبًا ﴾ السَّمَآءُ مُنْفَظِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٧، ١٨].
وقال تعالى: ﴿فَإِذَا اُلُّجُومُ ◌ُمِسَتْ ﴿ وَإِذَا اُلسَّمَاءُ فُرِجَتْ ﴾ [المرسلات].
قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَهَا وَأَلْقَيْنَا فِيَهَا رَوَسَِ وَنْبَتْنَ فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجِ بَهِيجِ ثَ نَّصِرَةُ
وَذِكْرَىْ لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (﴾﴾. ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة أنّه مد الأرض
وألقى فيها الجبال الرواسي وأنبت فيها من كل زوج بهيج تبصرة وذكرى لكل عبد
منيب. وهذا الذي تضمنته هذه الآية الكريمة، جاء موضحاً في آيات كثيرة من
كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى هَذَ اُلْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَسِىَ وَأَنْهَرًا وَمِن كُلِّ الثَّمَرَتِ
جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ آَتْنَيْنِ﴾ إلى قوله: ﴿لَقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الرعد: ٣]، وكقوله: ﴿خَلَقَ السَّمَوَّتِ
◌ِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوََّها وَأَلْقَى فِ الْأَرْضِ رَوَسِىَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ
فَأَنْنَ فِيَهَا مِن كُلِّ زَوْجِ كَرِمٍ ﴿ هَذَا خَلْقُ اَللَّهِ فَأَرُونِ مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ،﴾
[لقمان: ١٠، ١١]، والآيات بمثل هذا كثيرة معلومة. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة:
﴿مِن كُلِّ زَوْجَ بَهِيج﴾ أي من كل صنف حسن من أصناف النبات، وقوله: ﴿نَبِصِرَةً﴾؛
أي قدرنا الأرض وألقينا فيها الرواسي وأنبتنا فيها أصناف النبات الحسنة لأجل أن نبصر
عبادنا كمال قدرتنا على البعث وعلى كل شيء وعلى استحقاقنا للعبادة دون غيرنا.

١٤٠٠
سورة ق: الآيات (١١ - ١٥)
قوله تعالى: ﴿وَأَحْبَيْنَا بِهِ، بَلْدَةً مَّيْئًا كَذَلِكَ الْخُوُجُ﴾، قوله: ﴿كَذَلِكَ الْخُرُوِيجُ﴾، معناه
أن الله تبارك وتعالى يبين أن إحياء الأرض بعد موتها بإنبات النبات فيها بعد انعدامه
واضمحلاله، دليل على بعث الناس بعد الموت بعد كونهم تراباً وعظاماً، فقوله:
﴿ كَذَلِكَ الْخُرْوُجُ﴾، يعني أن خروج الناس أحياء من قبورهم بعد الموت كخروج النبات
من الأرض بعد عدمه، بجامع استواء الجميع في أنه جاء بعد عدم، وهذا أحد براهين
البعث التي يكثر الاستدلال عليه بها في القرآن، وقد قدَّمنا الآية الموضحة لذلك في
صدر سورة البقرة وأول النحل وأول الجاثية، وغير ذلك من المواضع.
قوله تعالى: ﴿كُلُّ كَذَّبَ الرُّسُلَ لَقَّ وَعِدِ﴾. هذه الآية الكريمة تدل على أن من كذب
الرسل يحق عليه العذاب؛ أي يتحتم ويثبت في حقه ثبوتاً لا يصح معه تخلفه عنه، وهو
دليل واضح على أن ما قاله بعض أهل العلم من أن الله يصح أن يخلف وعيده؛ لأنه
قال: إنه لا يخلف وعده ولم يقل إنه لا يخلف وعيده، وأن إخلاف الوعيد حسن لا
قبيح، وإنما القبيح هو إخلاف الوعد، وأن الشاعر قال:
وإني وإن أوعدته أو وعدته
لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
لا يصح بحال؛ لأن وعيده تعالى للكفار حق ووجب عليهم بتكذيبهم للرسل كما
دل عليه قوله هنا: ﴿كُلُّ كَذَّبَ الرُّسُلَ لَقَّ وَعِدِ﴾، وقد تقرر في الأصول أن الفاء من حروف
العلة كقوله: سها فسجد، أي لعلة سهوه، وسرق فقطعت يده أي لعلة سرقته، ومنه قوله
تعالى: ﴿وَالسَارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَأَقْطَهُوْاْ أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، فتكذيبهم الرسل علة صحيحة
لكون الوعيد بالعذاب حق وجب عليهم، فدعوى جواز تخلفه باطلة بلا شك.
وما دلت عليه هذه الآية الكريمة جاء موضحاً في آيات أخر، كقوله تعالى في هذه
السورة الكريمة: ﴿قَالَ لَا تَخْتَصِمُوْ لَدَىَّ وَقَدْ فَدَمْتُ إِلَيْكُمْ بِلْوَعِيدِ ﴿ مَا يُبَدَُّ اُلْقَوْلُ لَدَىَّ﴾ ...
الآية، والتحقيق: أن المراد بالقول الذي لا يبدل لديه هو الوعيد الذي قدم به إليهم.
وقوله تعالى في سورة (ص): ﴿إِن كُلُّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابٍ ﴾﴾ [ص].
وبهذا تعلم أنّ الوعيد الذي لا يمتنع إخلافه هو وعيد عصاة المسلمين بتعذيبهم
على كبائر الذنوب؛ لأنّ الله تعالى أوضح ذلك في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ
وَيَغْفِّرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وهذا في الحقيقة تجاوز من الله عن ذنوب
عباده المؤمنين العاصين، ولا إشكال في ذلك، وقد أوضحنا هذا في كتابنا ((دفع إيهام
الاضطراب عن آيات الكتاب)) في سورة الأنعام، في الكلام على قوله تعالى: ﴿قَالَ النَّارُ
مَثْوَنَكُمْ خَلِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَآءَ اَللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٢٨].
قوله تعالى: ﴿أَفَعَِّيْنَا بِالْخَلْقِ اُلْأَوَّلِّ بَلْ هُمْ فِ لَبْسٍ مِّنْ خَلْقِ جَدِيدٍ (®)). هذه الآية
الكريمة من براهين البعث؛ لأن من لم يعي بخلق الناس ولم يعجز عن إيجادهم الأول
لا شك في قدرته على إعادتهم وخلقهم مرة أخرى؛ لأن الإعادة لا يمكن أن تكون