Indexed OCR Text

Pages 1301-1320

١٣٠١
سورة الزخرف: الآيات (٤٦ - ٥٨) -
وقال بعض العلماء: الفاعل المحذوف في قوله: ﴿ وَلَمَّا ضُرِبَ أَبْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾؛ هو
عامة قريش.
والذين قالوا: إن كفار قريش لما سمعوا النبي و18 يذكر عيسى، وسمعوا
قول الله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَدَمَّ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩]،
قالوا للنبي ◌َّر: ما تريد بذكر عيسى إلا أن نعبدك كما عبد النصارى عيسى.
وعلى هذا فالمعنى أنهم ضربوا عيسى مثلاً للنبي بَّلّ في عبادة الناس لكل منهما،
زاعمين أنه يريد أن يعبد كما عبد عيسى.
وعلى هذا القول، فمعنى قوله: ﴿مَا ضَرَيُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا﴾؛ أي ما ضربوا لك هذا المثل
إلا لأجل الخصومة بالباطل، مع أنهم يعلمون أنك لا ترضى أن تعبد بوجه من الوجوه.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِنَبِ تَعَالَوْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَآَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا
اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ، شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضَّا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ ... الآية [آل عمران: ٦٤].
وإن كان من القرآن المدني النازل بعد الهجرة فمعناه يكرره عليهم النبي وَل كثيراً
قبل الهجرة كما هو معلوم.
وكذلك قوله: ﴿وَلَا يَأْمُّرَّكُمْ أَنْ تَنَّخِذُواْ الْمَكَةَ وَالنَّبِنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُّكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمُ
مُسْلِمُونَ ﴾﴾ [آل عمران].
ولا شك أنّ كفار قريش متيقنون، في جميع المدة التي أقامها ◌َّ في مكة قبل
الهجرة بعد الرسالة، وهي ثلاث عشرة سنة، أنه لا يدعو إلا إلى عبادة الله وحده لا شريك
له، فادعاؤهم أنه يريد أن يعبدوه، افتراء منهم، وهم يعلمون أنهم مفترون في ذلك.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿ءَأَلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوْ ﴾؟ التحقيق أن الضمير
في قوله: ﴿هُوَ﴾ راجع إلى عيسى، لا إلى محمد - عليهما الصلاة والسلام -.
قال بعض العلماء: ومرادهم بالاستفهام تفضيل معبوداتهم على عيسى.
قيل: لأنهم يتخذون الملائكة آلهة، والملائكة أفضل عندهم من عيسى.
وعلى هذا فمرادهم أن عيسى عبد من دون الله، ولم يكن ذلك سبباً لكونه في
النار، ومعبوداتنا خير من عيسى، فكيف تزعم أنهم في النار.
وقال بعض العلماء: أرادوا تفضيل عيسى على آلهتهم، والمعنى على هذا أنهم
يقولون: عيسى خير من آلهتنا، أي في زعمك وأنت تزعم أنه في النار، بمقتضى عموم
ما تتلوه من قوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨].
وعيسى عبده النصارى من دون الله، فدلالة قولك على أن عيسى في النار، مع
اعترافك بخلاف ذلك، يدل على أن ما تقوله، من أنا وآلهتنا في النار ليس بحق أيضاً.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمُ خَصِمُونَ﴾؛ أي لد، مبالغون في
الخصومة بالباطل، كما قال تعالى: ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ، قَوْمًا لَّذَّ﴾ [مريم: ٩٧]، أي شديدي الخصومة.

١٣٠٢ -
سورة الزخرف: الآيات (٥٩ - ٦١)
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَذُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: ٢٠٤]؛ لأن الفعل بفتح فكسر كخصم،
من صيغ المبالغة، كما هو معلوم فى محله.
وقد علمت مما ذكرنا أن قوله تعالى هنا: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ أَبْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾، إنما بينته
الآيات التي ذكرنا ببيان سببه. ومعلوم أن الآية قد يتضح معناها ببيان سببها .
فعلى القول الأول، أنهم ضربوا عيسى مثلاً لأصنامهم، في دخول النار، فإن ذلك
المثل يفهم من أنّ سبب نزول الآية نزول قوله تعالى قبلها: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن
دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]، لأنها لما نزلت قالوا: إن عيسى عبد من دون الله
كآلهتهم فهم بالنسبة لما دلت عليه سواء، وقد علمت بطلان هذا مما ذكرناه آنفاً .
وعلى القول الثاني أنهم ضربوا عيسى مثلاً لمحمد بنّله في أن عيسى قد عبد،
وأنه وَلّ يريد أن يعبد كما عبد عيسى، فكون سبب ذلك سماعهم لقوله تعالى: ﴿إِنَّ
مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمٌّ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩]، وسماعهم للآيات
المكية النازلة في شأن عيسى يوضح المراد بالمثل.
وأما الآيات التي بينت قوله: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا﴾؛ فبيانها له واضح على كلا
القولين، والعلم عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدُّ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾، والتحقيق أنّ الضمير في قوله: ((هو))
عائد إلى عيسى أيضاً، لا إلى محمد - عليهما الصلاة والسلام -.
وقوله هنا: ﴿عَبْدُ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾؛ لم يبين هنا شيئاً من الإنعام الذي أنعم به على
عبده عيسى، ولكنه بيّن ذلك في المائدة، في قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اَللَّهُ يَعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ
أَذْكُرْ نِعْمَتِى عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوجِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِىِ الْمَهْدِ وَكَهْلَا وَإِذْ
عَلَّمْتُكَ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَةَ وَاَلْإِنِيلٌ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ اُلْطِينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِ فَتَنْفُخُ
فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِى وَتُبِئُ اْأَكْمَهَ وَالْأَصَ بِإِذْنِىِّ وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْنَ بِإِذْنِىِّ وَإِذْ كَفَفْتُ
بَنِىّ إِسْرَِّيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُم بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [المائدة: ١١٠]، وفي آل عمران، في قوله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِّمَةٍ مِنْهُ أُسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِىِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَِّينَ﴾.
إلى قوله ﴿وَمِنَ الصَّلِحِينَ﴾ [آل عمران: ٤٥ - ٤٦]، إلى غير ذلك من الآيات.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلاَ تَمْتَرُنَ بِهَا﴾، التحقيق أن الضمير في قوله:
((وإنه)) راجع إلى عيسى لا إلى القرآن، ولا إلى النبي وَ﴾ .
ومعنى قوله: ﴿لَعِلْمٌ لِلِسَّاعَةِ﴾؛ على القول الحق الصحيح الذي يشهد له القرآن
العظيم، والسنة المتواترة، هو أن نزول عيسى في آخر الزمان حياً، علم للساعة أي
علامة لقرب مجيئها لأنه من أشراطها الدالة على قربها .
وهناك مسائل تتعلق بنزول عيسى ظلّلا آخر الزمان فليرجع من أراد الوقوف عليها
إلى الأصل.

١٣٠٣
سورة الزخرف: الآيات (٦٢ - ٦٦) .
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَلاَ تَمْتَرُنَ بِهَا﴾؛ أي لا تشكن في قيام
الساعة؛ فإنه لا شك فيه.
وقد قدَّمنا الآيات الموضحة له مراراً كقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ ءَاتِيَّةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا﴾
[الحج: ٧]. وقوله: ﴿وَثُنذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيَةٍ فَرِيقٌ فِىِ الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِ السَّعِيرِ﴾
[الشورى: ٧]. وقوله: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيِّبَ فِيهُ﴾ [النساء: ٨٧] وقوله ﴿فَكَيْفَ
إِذَا جَمَعْنَهُمْ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ﴾ [آل عمران: ٢٥]، إلى غير ذلك من الآيات.
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَصُدَّتَّكُمُ الشَّيْطَنِّ إِنَُّ لَكُمْ عَدُوٌ مُّبِينٌ (٣)﴾. قد قدَّمنا الآيات
الموضحة له بكثرة مراراً كقوله: ﴿إِنَّ الشَّيْطَئِنَ لَكُمْ عَدُوٌ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦]. وقوله:
﴿أَفَنَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ، أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌ﴾ [الكهف: ٥٠]، إلى غير ذلك من الآيات.
قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ عَذَابٍ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾، قوله هنا: ﴿ظَلَمُواْ﴾؛ أي
كفروا، بدليل قوله في مريم في القصة بعينها: ﴿فَوَيِّلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾
[مريم: ٣٧].
وقوله: ﴿مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ يوضحه قوله هنا: ﴿مِنْ عَذَابٍ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ .
وقد قدّمنا مراراً الآيات الدالة على إطلاق الظلم على الكفر كقوله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ
لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]. وقوله: ﴿وَاُلْكَفِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]. وقوله: ﴿وَلَا
٢٦)﴾ [يونس]. وقوله
تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنَفَعُكَ وَلَا يَضُرٌُّ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذَا مِّنَ الَّلِينَ (
تعالى: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوْاْ إِيمَنَهُم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]، أي بشرك، كما فسره به النبي وَّ في
الحديث الثابت في صحيح البخاري.
قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلََّّ السَّاعَةَ أَن تَأْنِيَهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ
الاستفهام بهل هنا بمعنى النفي، وينظرون بمعنى ينتظرون، أي ما ينتظر الكفار إلا
الساعة، أي القيامة أن تأتيهم بغتة، أي في حال كونها مباغتة لهم، أي مفاجئة لهم،
وهم لا يستغفرون؛ أي بمفاجأتها في حال غفلتهم وعدم شعورهم بمجيئها .
والظاهر أن المصدر المنسبك من ((أن)) وصلتها في قوله: ﴿أَنْ تَأْتِيَهُمُ﴾ في محل
نصب، على أنه بدل اشتمال من الساعة، وكون ينظرون، بمعنى ينتظرون، معروف في
كلام العرب، ومنه قول امرئ القيس:
من الدهر تنفعني لدى أم جندب
فإنكما إن تنظراني ساعة
وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن الساعة تأتيهم بغتة، جاء موضحاً في آيات
من كتاب الله، كقوله تعالى في الأعراف: ﴿ثَعُلَتْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ لَا تَأْتِيَكُتْ إِلَّا بَعْنَةٌ﴾
[الأعراف: ١٨٧]، وقوله تعالى في القتال: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْنِيَّهُمْ بَغْتَّةً فَقَدْ جَآءَ
أَشْرَاُهَا﴾ [محمد: ٨١].

١٣٠٤
سورة الزخرف: الآيتان (٦٨ - ٦٩)
وقوله تعالى: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِمُونَ ﴾فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ
تَوْصِيَةً﴾ [يس: ٤٩، ٥٠]، فالمراد بالصيحة: القيامة. وقوله: ﴿وَهُمْ يَخْصِّمُونَ (ج فَلَا
يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ [يس: ٤٩، ٥٠]، يدل على أنّها تأتيهم وهم في غفلة، وعدم شعور
بإتيانها، إلى غير ذلك من الآيات، والعلم عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿يَعِبَادِ لَا خَوْفُ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَآَ: أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ * الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِكَايَتِنَا
وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ
ذكر - جل وعلا - فى هذه الآية الكريمة بعض صفات الذين
ينتفي عنهم الخوف والحزن يوم القيامة. فذكر منها هنا الإيمان بآيات الله والإسلام،
وذكر بعضاً منها في غير هذا الموضع.
فمن ذلك الإيمان والتقوى، وذلك في قوله تعالى في سورة يونس: ﴿أَلَّ إِنَّ أَوْلِيَآءَ
اللَّهِ لَ خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُنَ (٨٧) الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ (٣)﴾ [يونس].
ومن ذلك الاستقامة، وقولهم: ربّنا الله، وذلك في قوله في فصلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
قَالُواْ رَبَُّا اَللَّهُ ثُمَّ أَسْتَقَمُواْ تَتَغَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَبِكَةُ أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ﴾ ...
الآية [فصلت: ٣٠]: وقوله تعالى في الأحقاف: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ أُسْتَقَّمُواْ فَلَا
خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾﴾ [الأحقاف]، إلى غير ذلك من الآيات.
والخوف في لغة العرب: الغم من أمر مستقبل، والحزن: الغم من أمر ماض.
وربما استعمل كل منهما في موضع الآخر.
وإطلاق الخوف على العلم أسلوب عربي معروف.
قال بعض العلماء: ومنه قوله تعالى: ﴿إِلََّ أَنْ يَخَافَآ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ﴾. قال
معناه: إلا أنّ يعلما، ومنه قول أبي محجن الثقفي:
تروي عظامي في الممات عروقها
فإن مت فادفني إلى جنب كرمة
أخاف إذا ما مت ألا أذوقها
ولا تدفني في الفلاة فإنني
فقوله أخاف: أي لا أعلم؛ لأنه لا يشك في أنه لا يشربها بعد موته.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِثَايَيِّنَا وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ (®]﴾، ظاهره
المغايرة بين الإيمان والإسلام.
وقد دل بعض الآيات على اتحادهما كقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيَهَا مِنَ
اُلْمُؤْمِنِينَ ﴿ فَا وَحَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ (®﴾ [الذاريات].
ولا منافاة في ذلك، فإن الإيمان يطلق تارة على جميع ما يطلق عليه الإسلام من
الاعتقاد والعمل، كما ثبت في الصحيح، في حديث وفد عبد القيس، والأحاديث بمثل
ذلك كثيرة جداً.
ومن أصرحها في ذلك قوله وَ طاهر: ((الإيمان بضع وسبعون)). وفي بعض الروايات

١٣٧٥
سورة الزخرف: الآية (٧٠) .
الثابتة في الصحيح: ((وستون شعبة أعلاها شهادة ألا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن
الطريق))، فقد سمى ﴾ ((إماطة الأذى عن الطريق)) إيماناً.
وقد أطال البيهقي تَّفُ في شعب الإيمان، في ذكر الأعمال التي جاء الكتاب
والسنة بتسميتها إيمانا، فالإيمان الشرعي التام والإسلام الشرعي التام معناهما واحد.
وقد يطلق الإيمان إطلاقاً آخر على خصوص ركنه الأكبر الذي هو الإيمان
بالقلب، كما في حديث جبريل الثابت في الصحيح.
والقلب مضغة في الجسد إذا صلحت صلح الجسد كله فغيره تابع له، وعلى هذا
تحصل المغايرة في الجملة بين الإيمان والإسلام، فالإيمان، على هذا الإطلاق اعتقاد،
والإسلام شامل للعمل
واعلم: أنّ مغايرته تعالى بين الإيمان والإسلام في قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ
ءَمَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَكِن قُولُواْ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ اَلْإِمَنُ فِ قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤].
قال بعض العلماء: المراد بالإيمان هنا، معناه الشرعي، والمراد بالإسلام معناه
اللغوي؛ لأن إذعان الجوارح وانقيادها دون إيمان القلب إسلام لغة لا شرعاً.
وقال بعض العلماء: المراد بكل منهما معناه الشرعي، ولكن نفي الإيمان في
قوله: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ اَلْإِيمَانُ﴾، يراد به عند من قال هذا، نفي كمال الإيمان لا نفي أصله،
ولكن ظاهر الآية لا يساعد على هذا؛ لأن قوله: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ﴾ [الحجرات: ١٤]، فعل
في سياق النفي وهو صيغة عموم على التحقيق، وإن لم يؤكد بمصدر، ووجهه واضح
جداً، كما قدَّمناه مراراً.
وهو أن الفعل الصناعي ينحل عن مصدر وزمن عند النحويين، وعن مصدر وزمن
ونسبة عند البلاغيين، كما حرروه في مبحث الاستعارة التبعية، وهو أصوب.
فالمصدر كامن في مفهوم الفعل الصناعي إجماعاً، وهو نكرة لم تتعرف بشيء
فيؤول إلى معنى النكرة في سياق النفي.
وقد أشار صاحب (مراقي السعود) إلى أن الفعل في سياق النفي أو الشرط من
صيغ العموم بقوله :
ونحو لا شربت أو وإن شربا
واتفقوا إن مصدر قد جلبا
ووجه إهمال ((لا)) في هذه الآية في قوله تعالى: ﴿لَا خَوْفُ﴾ أن لا الثانية التي
هي ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢] بعدها معرفة وهي الضمير، وهي لا تعمل في
المعارف، بل في النكرات، فلما وجب إهمال الثانية، أهملت الأولى لينسجم الحرفان
بعضهما مع بعض في إهمالهما معاً ..
قوله تعالى: ﴿أَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَجُكُنْ تُحْبِرُونَ (٥)﴾

١٣٠٦
سورة الزخرف: الآية (٧١)
قوله تعالى في هذه الآية ﴿ وَأَزْوَجُكُ﴾؛ فيه لعلماء التفسير وجهان:
أحدهما: أن المراد بأزواجهم، نظراؤهم وأشباههم في الطاعة وتقوى الله.
واقتصر على هذا القول ابن كثير.
وثانيهما: أن المراد بأزواجهم، نساؤهم في الجنة؛ لأن هذا الأخير أبلغ في
التنعم والتلذذ من الأول؛ ولذا يكثر في القرآن، ذكر إكرام أهل الجنة بكونهم مع
نسائهم دون الامتنان عليهم بكونهم مع نظرائهم وأشباههم في الطاعة.
قال تعالى: ﴿إِنَّ أَضْحَبَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِى شُغُلٍ فَكِهُونَ ﴾َ هُمْ وَأَزْوَجُهُمْ فِ ظِلَلٍ عَلَى
۵﴾ [یس].
الْأَرَآئِكِ مُتَكُِّونَ
وقال كثير من أهل العلم: إنّ المراد بالشغل المذكور في الآية، هو افتضاض
الأبكار. وقال تعالى: ﴿وَزَوَّجْنَهُم بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الدخان: ٥٤]. وقال تعالى: ﴿وَحُورُ عِينُ
٢٣
كَأَمْثَلِ الَُّلُوِ الْمَكْتُونِ ﴾ [الواقعة]. وقال تعالى: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَتُّ حِسَانُ ®) إلى قوله: ﴿حُورٌ
﴾ [الرحمن]، وقال: ﴿وَعِندَهُمْ قَصِرَّتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٣)﴾ [الصافات].
٧٢)
مَّقْصُورَتٌ فِ اَلِيَامِ
وقال تعالى: ﴿وَعِندَهُمْ قَضِرَتُ الطَّرْفِ أَنْرَابُ (13)﴾ [ص]، إلى غير ذلك من الآيات.
وقد قدَّمنا أن مفرد الأزواج زوج بلا هاء، وأن الزوجة بالتاء لغة لا لحن، خلافاً
لمن زعم أن الزوجة لحن من لحن الفقهاء، وأن ذلك لا أصل له في اللغة.
والحق أن ذلك لغة عربية، ومنه قول الفرزدق:
کساع إلى أسد الشرى يستبيلها
وإن الذي يسعى ليفسد زوجتي
وقول الحماسي:
والظاعنون إليَّ ثم تصدع
فبكى بناتي شجوهن وزوجتي
وفي صحيح مسلم من حديث أنّس أنّ النبي ◌َّ قال في صفية: ((إنها زوجتي)).
وقوله: ﴿تُحْبَرُونَ﴾؛ أقوال العلماء فيه راجعة إلى شيء واحد، وهو أنهم يكرمون
بأعظم أنواع الإكرام وأتمها .
قوله تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّنْ ذَهَبٍ﴾ .
قد قدَّمنا الآيات الموضحة له، وجميع الآيات التي فيها الإنعام على أهل الجنة
بأواني الذهب والفضة، والتحلي بهما، ولبس الحرير، ومنه السندس والإستبرق، في
سورة النحل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَتَسْتَخْرِجُوْ مِنْهُ حِلِيَةٌ تَلْبَسُونَهَا﴾ [النحل: ١٤].
قوله تعالى: ﴿وَفِيهَا مَا نَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُرُّ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَلِّدُونَ﴾
ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة أن كل ما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين،
أي تلتذ به الأعين أي برؤيته لحسنه، كما قال تعالى: ﴿صَفْرَآءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُ
النَّظِرِينَ﴾ [البقرة: ٦٩]. وأسند اللذة إلى العين، وهي في الحقيقة مسندة لصاحب

سورة الزخرف: الآية (٧١).
١٣٠٧
العين، كإسناد الكذب والخطيئة إلى الناصية، وهي مقدم شعر الرأس في قوله تعالى:
﴿فَاصِيَةٍ كَذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (٣٦)﴾ [العلق]، وكإسناد الخشوع، والعمل والنصب، إلى الوجوه، في
الآية [الغاشية].
قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَؤْمَئِذٍ خَشِعَةُ جَ عَامِلَةٌ نَصِبَةٌ
ومعلوم أن الكذب والخطيئة مسندان في الحقيقة لصاحب الناصية، كما أن
الخشوع والعمل والنصب مسندات إلى أصحاب الوجوه.
وما دلت عليه هذه الآية الكريمة من أن الجنة فيها كل مشتهى، وكل مستلذ، جاء
مبسوطاً موضحة أنواعه في آيات كثيرة من كتاب الله، وجاء مجملاً أيضاً إجمالاً شاملاً
لكل شيء من النعيم.
أما إجمال ذلك ففي قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مِّنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَّةٌ بِمَا
كَانُواْ يَعْمَلُونَ (٣)﴾ [السجدة: ١٧].
وأما بسط ذلك وتفصيله، فقد بين القرآن أنّ من ذلك النعيم المذكور في الآية،
المشارب، والمآكل، والمناكح، والفرش، والسرر، والأواني، وأنواع الحلي والملابس
والخدم إلى غير ذلك، وسنذكر بعض الآيات الدالة على كل شيء من ذلك.
أما المآكل فقد قال تعالى: ﴿لَكُمْ فِهَا فَكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِّنْهَا تَأْكُونَ (َ﴾﴾، وقال:
﴿وَخْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ
﴾ [الواقعة]. وقال تعالى: ﴿وَفَكِهَةٍ كَثِيرَةٍ
٣٢
مَقْطُوعَةٍ وَلَا
منُوْعَةٍ (13)﴾ [الواقعة]. وقال تعالى: ﴿كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةِ رِزْقًاْ قَالُواْ هَذَا الَّذِى
رُزِقْنَا مِن قَبْلٌ وَأُتُواْ بِهِ، مُتَشَبِهَاً﴾ ... الآية [البقرة: ٢٥]، إلى غير ذلك من الآيات.
أما المشارب فقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأَسِ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا
عَيْنَا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِرُونَهَا تَفْجِيرًا ﴾﴾ [الإنسان]. وقال تعالى: ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيَهَا كَأْسًا كَانَ
مِنَ اجُّهَا زَتْجِيلًا (﴿ عَيْنَا فِيهَا تُسَتَّى سَلْسِيلًا
(®﴾ ... الآية [الإنسان]، وقوله تعالى: ﴿يَطُوفُ
﴿ لَّا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُكْرِفُونَ
بِأَكْوَبٍ وَأَبَارِيِقَ وَكَأْسِ مِّنْ مَعِينٍ
عَلَهِمْ وِلْدَنْ تُخَلَّدُونَ
بَيْضَآءَ لَذَّةِ لِلشَّرِبِينَ جَ لَا فِيهَا
٤٥
[الواقعة]. وقال تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِم بِكَأْسٍ مِّنْ مَعِينٍ
(﴾﴾ [الصافات]: وقال تعالى: ﴿فِيهَا أَنْهَرٌ مِّن مَّاءٍ غَيْرِ ءَاسِنٍ وَأَنْهَرٌ
غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنَزَفُونَ
مِّنْ لَّبٍَ لَّمْ يَتَغَيِّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَرٌ مِنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِِّشَرِبِينَ وَأَنْهَرٌ مِّنْ عَسَلٍ مُصَفِّىّ وَمْ فِهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَتِ﴾
[الحاقة]،
[محمد: ١٥]. وقال تعالى: ﴿كُواْ وَأَشْرَبُواْ هَنِيَا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَمِ الَْلِيَةِ
إلى غير ذلك من الآيات.
وأما الملابس والأواني والحلي، فقد قدَّمنا الكلام عليها مستوفى في سورة النحل.
وأما المناكح فقد قدَّمنا بعض الآيات الدالة عليها قريباً، وهي كثيرة كقوله تعالى:
﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ الآية [البقرة: ٢٥]. ويكفي ما قدَّمنا من ذلك قريباً.
وأما ما يتكئون عليه من الفرش والسرر ونحو ذلك، ففي آيات كثيرة كقوله تعالى:
﴿ مُتَّكِينَ عَلَى فُرِئٍ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبَقٍ﴾ [الرحمن: ٥٤]. وقوله تعالى: ﴿هُمْ وَأَزْوَجُهُمْ فِ ظِلَلٍ

١٣٠٨ -
سورة الزخرف: الآيات (٧٢ - ٧٧)
مُتَّكِينَ عَلَيْهَا
(@﴾ [يس]. وقوله تعالى: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ
عَلَى الْأَرَآبِكِ مُتَّكِئُونَ
مُتَقَِلِينَ ﴾﴾ [الواقعة]. والسرر الموضونة هي المنسوجة بقضبان الذهب.
وقوله تعالى: ﴿إِخْوَنَا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَبِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧]. وقوله تعالى: ﴿سرر
مَرْفُوعَةٌ﴾ [الغاشية: ١٣]. وقوله تعالى: ﴿مُتَّكِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيّ حِسَانٍ
١٧٦
[الرحمن] إلى غير ذلك من الآيات.
(١)﴾ [الواقعة].
وأما خدمهم فقد قال تعالى في ذلك: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونٌ
وقال تعالى في سورة الإنسان، في صفة هؤلاء الغلمان: ﴿إِذَا رَهُمْ حَيَِّهُمْ لُؤْلُؤَا ◌َنْشُورًا﴾
[الإنسان: ١٩]، وذكر نعيم أهل الجنة بأبلغ صيغة في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً
وَمُلْكًا كبيرًا ﴾﴾ [الإنسان].
والآيات الدالة على أنواع نعيم الجنة وحسنها وكمالها كالظلال والعيون والأنهار
وغير ذلك كثيرة جداً ولنكتف منها بما ذكرنا .
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَأَنْتُمْ فِيهَا خَلِدُونَ﴾، قد قدَّمنا الآيات
الموضحة؛ لأنّ خلودهم المذكور لا انقطاع له البتة كقوله تعالى: ﴿عَطَةُ غَيْرَ مَجْذُونٍ﴾
[هود: ١٠٨]، أي غير مقطوع، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ [@﴾ [ص].
وقوله تعالى: ﴿مَا عِندَكُمْ يَفَدُ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦].
قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ اَلْجَنَّةُ الَّتِىّ أُوْرِفْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
قد قدَّمنا الكلام على هذه الآية الكريمة، ونحوها من الآيات الدالة على أنّ
العمل سبب لدخول الجنة كقوله تعالى: ﴿وَنُودُوّا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
[الأعراف: ٤٣]. وقوله تعالى: ﴿ِّكَ الْجَنَّةُ الَّتِى نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَّقِيًّا (٣)﴾ [مريم].
وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّ أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَآءٌ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (٣)﴾ [السجد].
وبيَّنا أقرب أوجه الجمع بين هذه الآيات الكريمة وما بمعناها، مع قوله وَلاهو: (لن
يدخل أحدكم عمله الجنة قالوا: ولا أنت يا رسول الله قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله
برحمة منه وفضل)).
وذكرنا في ذلك أن العمل الذي بينت الآيات كونه سبب دخول الجنة هو العمل
الذي تقبله الله برحمة منه وفضل. وأن العمل الذي لا يدخل الجنة هو الذي لم
يتقبله الله، والله يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُنَّفِينَ﴾ .
قوله تعالى: ﴿وَنَادَوْ يَمَلِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكٌ قَالَ إِنَّكُم مَِّكِثُونَ (®)﴾. اللام في قوله
﴿لَقْضِ﴾؛ لام الدعاء، والظاهر أن المعنى أن مرادهم بذلك سؤال مالك خازن النار،
أن يدعو الله لهم بالموت، والدليل على ذلك أمران:
الأول: أنّهم لو أرادوا دعاء الله بأنفسهم أن يميتهم لما نادوا: يا مالك، ولما
خاطبوه في قولهم: (ربك).

١٣٠٩
سورة الزخرف: الآيات (٧٢ - ٧٧) -
والثاني: أن الله بيّن في سورة المؤمن، أن أهل النار يطلبون من خزنة النار أن
يدعوا الله لهم ليخفف عنهم العذاب، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِ النَّارِ لِخَزَنَةِ
جَهَنَّمَ أَدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ الْعَذَابِ
(®﴾ [غافر]. وقوله: ﴿يَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكٌ﴾
أي ليمتنا فنستريح بالموت من العذاب.
ونظيره قوله تعالى: ﴿فَوَّكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥]، أي أماته.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿قَالَ إِنَّكُم مَّكِئُونَ﴾؛ دليل على أنّهم لا
يجابون إلى الموت، بل يمكثون في النار معذبين إلى غير نهاية.
وقد دل القرآن العظيم على أنّهم لا يموتون فيها فيستريحوا بالموت، ولا تفنى هي
عنهم، ولا يخفف عنهم عذابها، ولا يخرجون منها.
أما كونهم لا يموتون فيها الذي دل عليه قوله هنا: ﴿قَالَ إِنَّكُم مََّكِنُونَ﴾؛ فقد
دلت عليه آيات من كتاب الله كقوله تعالى: ﴿إِنَُّ مَن يَأْتِ رَبَُّ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَّمَ لَا يَمُوتُ
[طه]. وقوله تعالى: ﴿وَيَنَجَنَُّهَا الْأَشْقَى * الَّذِى يَصْلَى النَّارَ الْكُبَ (١) ثُمَّ
(VE
فِيَهَا وَلَا يَحْيَى
لَا يَمُوتُ فِهَا وَلَا يَحْنَى ﴾ [الأعلى]، وقوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى
عَلَيْهِمْ فَمُوتُوا﴾ [فاطر: ٣٦]. وقوله تعالى: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ
بِحَيْتٍ﴾ [إبراهيم: ١٧].
وأما كون النار لا تفني عنهم، فقد بينه تعالى بقوله: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَهُمْ سَعِيرًا﴾
[الإسراء: ٩٧]، فمن يدعي أنّ للنار خبوة نهائية وفناء رد عليه بهذه الآية الكريمة.
وأما كون العذاب لا يخفف عنهم فقد دلت عليه آيات كثيرة جداً كقوله: ﴿وَلَا
يُخَفَّفُ عَنْهُمِ مِّنْ عَذَابِهًا﴾ [فاطر: ٣٦]. وقوله تعالى: ﴿فَلَ يُحَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا مُ يُظَرُونَ﴾
[النحل: ٨٥]، وقوله تعالى: ﴿فَلَن نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ [النبأ: ٣٠]. وقوله تعالى: ﴿لَا يُفَتَّرُ
عَنْهُمْ﴾ ... الآية. وقوله: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ [الفرقان: ٦٥] وقوله تعالى:
﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ [الفرقان: ٧٧] على الأصح في الأخيرين.
وأما كونهم لا يخرجون؛ منها فقد جاء موضحاً في آيات من كتاب الله، كقوله
تعالى في البقرة: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَلَهُمْ حَسَرَتٍ عَلَيْهِمٌّ وَمَا هُم بِخَرِينَ مِنَ النَّارِ﴾
[البقرة: ١٦٧]. وقوله تعالى في المائدة: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُواْ مِنَ النَّارِ وَمَا هُم بِخَرِمِينَ
مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ ﴾ [المائدة]. وقوله تعالى في الحج: ﴿كُلَّمَا أَرَادُواْ أَنْ يَخْرُواْ
مِنْهَا مِنْ غَمٍ أُعِيدُواْ فِيهَا﴾ ... الآية [الحج: ٢٢]. وقوله تعالى في السجدة: ﴿كُلَّمَا أَرَادُواْ
أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا أَعِيدُواْ فِيَهَا﴾ [السجدة: ٢٠]، وقوله تعالى في الجاثية: ﴿فَلْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا
وَلَا هُمْ يُسْتَعْنَوُنَ﴾ [الجاثية: ٣٥]، إلى غير ذلك من الآيات.
وقد أوضحنا هذا المبحث إيضاحاً شافياً في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن
آيات الكتاب) في سورة الأنعام، في الكلام على قوله تعالى: ﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَنَّكُمْ خَلِينَ

١٣١٠ -
سورة الزخرف: الآيتان (٨٠ - ٨١)
فِيهَا إِلَّا مَا شَآءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٢٨]، وفي سورة النبأ في الكلام على قوله تعالى:
﴿لَِّنَ فِيَهَا أَحْقَابًا ®﴾ [النبأ]، وسنوضحه أيضاً - إن شاء الله - في هذا الكتاب المبارك
في الكلام على آية النبأ المذكورة، ونوضح هناك - إن شاء الله - إزالة إشكال يورده
الملحدون على الآيات التي فيها إيضاح هذا المبحث. قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جِثْنَكُم بِالْحَقّ
٧٨
وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَرِهُونَ
قد قدَّمنا الآيات الموضحة له في سورة الشورى، في الكلام على قوله تعالى:
﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا نَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ [الشورى: ١٣].
قوله تعالى: ﴿بَلَ وَرُسُلْنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾. قد قدَّمنا الآيات الموضحة له في هذه
السورة الكريمة، في الكلام على قوله تعالى: ﴿سَتُكْنَبُ شَهَدَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ﴾، وأكثرنا من
الآيات الموضحة لذلك في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى: ﴿كَلَّأَّ سَنَكْنُبُ مَا
يَقُولُ﴾ ... الآية [مريم: ٧٩].
(٨)﴾. اختلف العلماء في
قوله تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ الْعَيِدِينَ
معنى ﴿إِنَّ﴾ في هذه الآية.
فقالت جماعة من أهل العلم: إنها شرطية، واختاره غير واحد، وممن اختاره ابن
جرير الطبري، والذين قالوا إنها شرطية اختلفوا في المراد بقوله: ﴿فَأَنَاْ أَوَّلُ الْعَبِدِينَ﴾ .
فقال بعضهم: فأنا أول العابدين لذلك الولد.
وقال بعضهم: فأنا أول العابدين لله على فرض أن له ولداً.
وقال بعضهم: فأنا أول العابدين الله جازمين بأنه لا يمكن أن يكون له ولد.
وقالت جماعة آخرون: إنّ لفظة ﴿إِنَّ﴾ في الآية نافية. والمعنى: ما كان لله ولد،
وعلى القول بأنّها نافية ففي معنى قوله: ﴿فَأَنَاْ أَوَّلُ الْعَبِدِينَ﴾ ثلاثة أوجه:
الأول: وهو أقربها أن المعنى ما كان لله ولد فأنا أول العابدين الله، المنزهين له
عن الولد، وعن كل ما لا يليق بكماله، وجلاله.
والثاني: أنّ معنى قوله: ﴿فَنَأْ أَوَّلُ الْعَبِدِينَ﴾؛ أي الآنفين المستنكفين من ذلك
يعني القول الباطل المفترى على ربنا الذي هو ادعاء الولد له. والعرب تقول: عبد
بكسر الباء يعبد بفتحها فهو عبد بفتح فكسر على القياس، وعابد أيضاً سماعاً، إذا
اشتدت أنفته واستنكافه وغضبه، ومنه قول الفرزدق:
وأعبد أن أهجو كليبا بدارم
أولئك قومي إن هجوني هجوتهم
فقوله: وأعبد، يعني آنفٍ وأستنكف. ومنه أيضاً قول الآخر:
ويعبد عليه لا محالة ظالماً
متى ما يشأ ذو الود يصرم خليله
وفي قصة عثمان بن عفان ته المشهورة أنه جيء بامرأة من جهينة تزوجت،

١٣١١
سورة الزخرف: الآيتان (٨٢ - ٨٣).
فولدت لستة أشهر، فبعث بها عثمان لترجم، اعتقاداً منه أنها كانت حاملاً قبل العقد
لولادتها قبل تسعة أشهر، فقال له علي ﴿ها: إنّ الله يقول: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَلُهُ ثَثُونَ شَهْرًا﴾
[الأحقاف: ١٥]. ويقول - جلّ وعلا -: ﴿وَفِصَلُهُ فِ عَمَيْنٍ﴾ [لقمان: ١٤]، فلم يبق عن
الفصال من المدة إلا ستة أشهر.
فما عبد عثمان رضيله أن بعث إليها، لترد ولا ترجم.
ومحل الشاهد من القصة، فوالله: (ما عبد عثمان) أي ما أنف ولا استنكف من
الرجوع إلى الحق.
الوجه الثالث: أن المعنى ﴿فَأَنَاْ أَوَّلُ الْعَلِدِينَ﴾؛ أي الجاحدين النافين أن يكون لله
ولد، سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر
لي في معنى هذه الآية الكريمة أنه يتعين المصير إلى القول بأن إن نافية، وأن القول
بكونها شرطية لا يمكن أن يصح له معنى بحسب وضع اللغة العربية التي نزل بها القرآن
وإن قال به جماعة من إجلاء العلماء.
وهناك مسائل عزز بها الشيخ رأيه يرجع من آراء الوقوف عليها إلى الأصل.
قوله تعالى: ﴿سُبْحَنَ رَبِّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ
قد قدَّمنا معنى لفظة سبحان، وما تدل عليه من تنزيه الله عن كل ما لا يليق بكماله
وجلاله، وإعراب لفظة سبجان مع بعض الشواهد العربية في أول سورة بني إسرائيل.
ولما قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾ ... الآية. نزه نفسه تنزيهاً تاماً عما
يصفونه به من نسبة الولد إليه مبيناً أن رب السماوات والأرض، ورب العرش، جدير
يالتنزيه عن الولد، وعن كل ما لا يليق بكماله وجلاله.
وما تضمنته هذه الآية الكريمة، من أنّه لمّا ذکر وصف الكفار له بما لا يليق به،
نزه نفسه عن ذلك، معلماً خلقه في كتابه أن ينزهوه عن كل ما لا يليق به، جاء مثله
موضحاً في آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿مَا أَتَّخَذَ الَهُ مِنْ وَبٍ﴾. إلى قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ
اَللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴿ عَلِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ فَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾﴾﴾ [المؤمنون]. وقوله
جَ سُبْحَتَهُ وَتَعَلَى عَمَّا
تعالى: ﴿قُل لَّوْ كَانَ مَعَدُرْ ءَاِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذَا لََّ بَنَغَوْ إِلَى ذِى اُلْغُِّ سِيلًا
يَقُولُونَ عُلُوَّ كَبِيًّا (٣)﴾ [الإسراء]. وقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِهِمَآ ءَالِهَةٌ إِلَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَأْ فَسُبْحَنَ
[الأنبياء]. وقوله تعالى: ﴿سُبْحَنَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَكُ لَّهُ مَا
الَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ
فِىِ الشَمَوَتِ وَمَا فِ اُلْأَرْضِّ وَكَفَى بِاَللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: ١٧١]، إلى غير ذلك من الآيات.
٠
قوله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ حَتَّى يُلَقُواْ يَوْمَهُمُ الَّذِى يُوعَدُونَ
قد قدَّمنا الآيات الموضحة له في سورة الحجر، في الكلام على قوله تعالى:
﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلَّهِعِمُ الْأَمَلُ﴾ ... الآية.

١٣٢٢
سورة الزخرف: الآيات (٨٤ - ٨٨)
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اَلَّذِى فِ السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِى الْأَرْضِ إِلَهُ ﴾.
قد قدَّمنا الآيات الموضحة له في أول سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى:
﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَتِ وَفِىِ اَلْأَرْضِّ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ ... الآية [الأنعام: ٣].
قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَمُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾. قد بيّنا الآيات الموضحة في سورة الأنعام، فَي
الكلام على قوله تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِعُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوْ﴾ الآية [الأنعام: ٥٩].
وفي الأعراف، في الكلام على قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّ لَا يُجَلِيَهَا لِوَقِيَاً
[الأعراف: ١٨٧]، وفى غير ذلك من المواضع.
إِلَّا هُوَ﴾
قوله تعالى: ﴿وَلَ يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ الشَّفَعَةَ﴾ ... الآية.
قد قدَّمنا الآيات الموضحة له في سورة البقرة، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَا
يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَعَةٌ﴾ ... الآية [البقرة: ٤٨]. وفي غير ذلك من المواضع
قوله تعالى: ﴿وَلَيِنْ سَأَلْتَهُم مِّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَ يُؤْفَكُونَ
١٧
قد قدَّمنا الآيات الموضحة له بكثرة، في سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله
تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩].
M
قوله تعالى: ﴿وَقِيلِهِ، يَرَبِّ إِنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لَّا يُؤْمِنُونَ
قرأ هذا الحرف نافع، وابن كثير، وابن عامر، وأبو عمرو، والكسائي (وَقِيلَهُ)
بفتح اللام وضم الهاء، وقرأه عاصم وحمزة: ﴿وَقِيلِهِ﴾ بكسر اللام والهاء.
قال بعض العلماء: إعرابه بأنه عطف محل على الساعة؛ لأن قوله تعالى:
﴿وَعِنْدَمُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾؛ مصدر مضاف إلى مفعوله ...
فلفظ الساعة مجرور لفظاً بالإضافة، منصوب محلاً بالمفعولية، وما كان كذلك جاز
في تابعه النصب نظراً إلى المحل،، والخفض نظراً إلى اللفظ، كما قال في الخلاصة:
راعى في الاتباع المحل فحسن
وجر ما يتبع ما جر ومن
وقال في نظيره في الوصف:
واخفض أو نصب تابع الذي انخفض
كمبتغي جاه ومالاً من نهض
وقال بعضهم: هو معطوف على (سرهم).
وعليه فالمعنى: أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم، وقيله يا رب، الآية.
وقال بعضهم: هو منصوب على أنه مفعول مطلق.
أي، وقال: ((قيله)) وهو بمعنى قوله إلا أن القاف لما کسرت، أبدلت الواو ياء
لمجانسة الكسرة، قالوا: ونظير هذا الإعراب قول كعب بن زهير:
إنك يا ابن أبي سلمى لمقتول
تمشي الوشاة جنابيها وقيلهم

١٣١٣
سورة الزخرف: الآية (٨٩).
أي ويقولون: قیلهم.
وقال بعضهم: هو منصوب بيعلم محذوفة؛ لأنّ العطف الذي ذكرنا على قوله:
سرهم، والعطف على الساعة يقال فيه إنه يقتضي الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه
بما لا يصلح لكونه اعتراضاً، وتقدير الناصب إذا دل المقام عليه لا إشكال فيه، كما
قال في الخلاصة:
وقد يكون حذفه ملتزما
ويحذف الناصبها إن علما
وأما على قراءة الخفض، فهو معطوف على الساعة، أي وعنده علم الساعة،
وعلم قیله يا رب.
واختار الزمخشري أنّه مخفوض بالقسم، ولا يخفى بعده كما نبه عليه أبو حيان.
والتحقيق أن الضمير في قيله للنبي ◌َ﴾.
والدليل على ذلك أن قوله بعد: ﴿فَأَصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَمْ﴾ خطاب له وَّ بلا نزاع،
فادعاء أن الضمير في قيله لعيسى، لا دليل عليه ولا وجه له.
. وما تضمنته هذه الآية الكريمة، من شكواه # إلى ربه عدم إيمان قومه، جاء
موضحاً في غير هذا الموضع كقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَرَبٍ إِنَّ قَوْمِى لَّخَذُواْ هَذَا
· [الفرقان]، وذكر مثله عن موسى في قوله تعالى في الدخان: ﴿فَدَعَا
اَلْقُرْءَانَ مَهْجُورًا.
رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءٍ فَوْمٌ تُجْرِمُونَ (٣)﴾ [الدخان)، وعن نوح في قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِّ دَعَوْتُ
قَوْمِى لَيْلًا وَنَهَرًا (﴿ فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَلِّىّ إِلَّ فِرَارًا ﴾﴾ [نوح]، إلى آخر الآيات.
قوله تعالى: ﴿فَأَصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَمٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (49)﴾. قرأ هذا الحرف ابن كثير، وأبو
عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي: ﴿فَسَوَّفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٩] بياء الغيبة. وقرأ نافع
وابن عامر: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ بتاء الخطاب، وهذه الآية الكريمة تضمنت، ثلاثة أمور:
الأول: أمره وَ 1 بالصفح عن الكفار.
والثاني: أنّ یقول لهم سلام.
والثالث: تهديد الكفار، بأنّهم سيعلمون حقيقة الأمر وصحة ما يوعد به الكافر من
عذاب النار.
وهذه الأمور الثلاثة جاءت موضحة في غير هذا الموضع: كقوله تعالى في
الأول: ﴿وَإِنَّ السَّاعَةَ لَئِيَةٌ فَأَصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ [الحجر: ٨٥]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا
نُطِعِ الْكَفِرِينَ وَالْمُنَفِقِينَ وَدَعْ أَذَنْهُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٨].
والصفح: الإعراض عن المؤاخذة بالذنب، قال بعضهم: وهو أبلغ من العفو.
قالوا: لأنّ الصفح أصله مشتق من صفحة العنق، فكأنه يولي المذنب بصفحة عنقه
معرضاً عن عتابه فما فوقه.

١٣١٤
سورة الدخان: الآية (٣)
وأما الأمر الثاني، فقد بين تعالى أنه هو شأن عباده الطيبين.
ومعلوم أنّهِ وَ ﴿ سيدهم كما قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ
هَوْنَا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلَامًا (®﴾ [الفرقان]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ اللَّغْوَ
أَعْرَضُواْ عَنْهُ وَقَالُواْ لَنَا أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْ سَلَمُّ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِى الْجَاهِلِينَ (®)﴾ [القصص]. وقال
عن إبراهيم إنّه قال له أبوه: ﴿لَبِنِ لَّمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَأَهْجُرْنِ مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٦] قال له:
﴿سَلَمُ عَلَكَ﴾ [مريم: ٤٧].
ومعنى السلام في الآيات المذكورة، إخبارهم بسلامة الكفار من أذاهم، ومن
مجازاتهم لهم بالسوء، أي سلمتم منا لا نسافهكم، ولا نعاملكم بمثل ما تعاملوننا.
وأما الأمر الثالث الذي هو تهديد الكفار بأنهم سيعلمون الحقيقة، قد جاء موضحاً
في آيات كتاب الله كقوله تعالى: ﴿وَلَعْلَمُنَّ نَبَمُ بَعْدَ حِينٍ (٣)﴾ [ص]. وقوله تعالى: ﴿لَكُلِّ
﴾ [الأنعام]. وقوله: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴿٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ
نَبَر ◌ُّسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (بَ
(٢)﴾ [التكاثر]. وقوله تعالى: ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ﴿أَ ثُرَّ كَلَّ سَيَعْلَمُونَ﴾ [النبأ: ٤، ٥]. وقوله تعالى:
﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ﴿﴿َ ثُمَّ لَتَرَؤُنَهَا عَيْنَ اَلْيَفِينِ ﴾﴾ [التكاثر]، إلى غير ذلك من الآيات.
وكثير من أهل العلم يقول: إن قوله تعالى: ﴿فَأَصْفَحَ عَنْهُمْ﴾، وما في معناه منسوخ
بآيات السيف، وجماعات من المحققين يقولون هو ليس بمنسوخ.
والقتال في المحل الذي يجب فيه القتال، والصفح عن الجهلة والإعراض عنهم
وصف كريم، وأدب سماوي، لا يتعارض مع ذلك، والعلم عند الله تعالى.
براسه الرحمن الرحيم
سورة الدخان
قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِ لَيْلَةٍ مُّبَرَكَةٍ﴾ .
أبهم تعالى هذه الليلة المباركة هنا، ولكنه بيّن أنها هي ليلة القدر في قوله تعالى:
﴿إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِىِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴾﴾ [القدر: ١]، وبين كونها ﴿مُبَرَكَةٍ﴾ المذكورة هنا في قوله
تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾﴾ [القدر]، إلى آخر السورة.
فقوله: ﴿فِى لَيْلَةٍ مُبَرَكَةٍ﴾؛ أي كثيرة البركات والخيرات. ولا شك أن ليلة هي
خير من ألف شهر، إلى آخر الصفات التي وصفت بها في سورة القدر، كثيرة البركات
والخيرات جدًّا ..
وقد بيّن تعالى أن هذه الليلة المباركة هي ليلة القدر، التي أنزل فيها القرآن من
شهر رمضان، في قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِىّ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ﴾ [البقرة: ١٨٥].

١٣١٥
سورة الدخان: الآيتان (٤ - ٥) -
فدعوى أنّها ليلة النصف من شعبان كما روي عن عكرمة وغيره، لا شك في أنها
دعوى باطلة لمخالفتها لنص القرآن الصريح، ولا شك كل ما خالف الحق فهو باطل.
والأحاديث التي يوردها بعضهم في أنها من شعبان المخالفة لصريح القرآن لا
أساس لها، ولا يصح سند شيء منها، كما جزم به ابن العربي وغير واحد من المحققين.
فالعجب كل العجب من مسلم يخالف نص القرآن الصريح، بلا مستند كتاب ولا
سنة صحيحة .
قوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ﴿﴿ أَمْرًا مِنْ عِندِناً﴾.
معنى قوله: يفرق؛ أي يفصل ويبين، ويكتب في الليلة المباركة التي هي ليلة
القدر، كل أمر حكيم، أي ذي حكمة بالغة؛ لأن كل ما يفعله الله، مشتمل على أنواع
الحكم الباهرة. وقال بعضهم: حكيم، أي محكم، لا تغيير فيه، ولا تبديل.
وكلا الأمرين حق؛ لأن ما سبق في علم الله لا يتغير ولا يتبدل؛ ولأن جميع أفعاله
في غاية الحكمة؛ وهي في الاصطلاح وضع الأمور في مواضعها وإيقاعها في مواقعها.
وإيضاح معنى الآية أنّ الله - تبارك وتعالى - في كل ليلة قدر من السنة يبين
للملائكة ويكتب لهم، بالتفصيل والإيضاح، جميع ما يقع في تلك السنة، إلى ليلة القدر
من السنة الجديدة.
فتبين في ذلك الآجال والأرزاق والفقر والغنى، والخصب والجدب والصحة
والمرض، والحروب والزلازل، وجميع ما يقع في تلك السنة كائناً ما كان.
قال الزمخشري في الكشاف: ومعنى يفرق: يفصل ويكتب كل أمر حكيم من
أرزاق العباد وآجالهم، وجميع أمورهم فيها إلى الأخرى القابلة، إلى أن قال: فتدفع
نسخة الأرزاق إلى ميكائيل، ونسخة الحروب إلى جبرائيل، وكذلك الزلازل، والصواعق
والخسف، ونسخة الأعمال إلى إسماعيل صاحب سماء الدنيا وهو ملك عظيم، ونسخة
المصائب إلى ملك الموت. اهـ محل الغرض منه بلفظه.
ومرادنا بيان معنى الآية، لا التزام صحة دفع النسخ المذكورة للملائكة
المذكورين؛ لأنا لم نعلم له مستنداً .
وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة، يدل أيضاً على أن الليلة المباركة
هي ليلة القدر فهو بيان قرآني آخر.
وإيضاح ذلك أنّ معنى قوله: ﴿إِنَّ أَنزَلْنَهُ فِىِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴾﴾ [القدر]، أي في ليلة
التقدير لجميع أمور السنة، من رزق وموت، وحياة وولادة، ومرض وصحة، وخصب
وجدب، وغير ذلك من جميع أمور السنة.
قال بعضهم: حتى إن الرجل لينكح ويتصرف في أموره ويولد له، وقد خرج اسمه
في الموتى في تلك السنة.

١٣١٦
سورة الدخان: الآيتان (٥ - ٦)
وعلى هذا التفسير الصحيح لليلة القدر، فالتقدير المذكور هو بعينه المراد بقوله:
وَفِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (@)﴾.
وقد قدَّمنا في سورة الأنبياء في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَّنْ تَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾
[الأنبياء: ٨٧]؛ أن قدر بفتح الدال مخففاً يقدَر ويقدِرُ بالكسر والضم كيضرب وينصر قدراً
بمعنى قدر تقديراً، وأن ثعلباً أنشد لذلك قول الشاعر:
فليست عشيات الحمى برواجع
لنا أبداً ما أورق السلم النضر
تباركت ما تقدر يقع ولك الشكر
ولا عائد ذاك الزمان الذي مضى
وبيّنا هناك، أن ذلك هو معنى ليلة القدر؛ لأن الله يقدر فيها وقائع السنة .
وبيّنا أن ذلك هو معنى قوله تعالى: ﴿فِهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ﴾﴾؛ وأوضحنا
هناك أن القدر بفتح الدال والقدر بسكونها هما ما يقدره الله من قضائه: ومنه قول
هدبة بن الخشرم:
ألا يا لقومي للنوائب والقدر وللأمر يأتي المرء من حيث لا يدرى
واعلم: أنّ قول من قال: إنما سميت ليلة القدر لعظمها وشرفها على غيرها من
الليالي من قولهم: فلان ذو قدر؛ أي ذو شرف ومكانة رفيعة، لا ينافي القول الأول
لاتصافها بالأمرين معاً، وصحة وصفها بكل منهما كما أوضحنا مثله مراراً.
واختلف العلماء في إعراب قوله: ﴿أَمْرًا مِّنْ عِندِنَاً﴾، قال بعضهم: هو مصدر منكر
في موضع الحال؛ أي أنزلناه في حال كوننا آمرين به. وممن قال بهذا الأخفش.
وقال بعضهم: هو ما ناب عن المطلق من قوله: ﴿أَنزَلْنَهُ﴾ وجعل ﴿أَمْرًا﴾ بمعنى:
إنزالاً. وممن قال به المبرد.
وقال بعضهم هو ما ناب عن المطلق من يفرق، فجعل ﴿أَمْرًا﴾ بمعنى فرقاً أو فرق
بمعنى أمراً. وممن قال بهذا الفراء والزجاج.
وقال بعضهم هو حال من ((أمر)»؛ أي ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ﴾﴾؛ في حال
كونه أمراً من عندنا، وهذا الوجه جيد ظاهر، وإنما ساغ إتيان الحال من النكرة وهي
متأخرة عنها لأن النكرة التي هي ((أمر)) وصفت بقوله: ﴿حَكِيرٍ﴾ كما لا يخفى.
وقال بعضهم: ﴿أَمْرًا﴾ مفعول به لقوله: ﴿مُنذِرِينَ﴾ وقيل غير ذلك.
واختار الزمخشري أنه منصوب بالاختصاص، فقال: جعل كل أمر جزلاً فخماً
بأن وصفه بالحكيم ثم زاده جزالة وأكسبه فخامة بأن قال: أعني بهذا الأمر أمراً حاصلاً
من عندنا، كائناً من لدنا، وكما اقتضاه علمنا وتدبيرنا. وهذا الوجه أيضاً ممكن،
والعلم عند الله تعالى.
رَحْمَةٌ مِنْ زَبِّكْ﴾. قد قدَّمنا الآيات الموضحة له
قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِنَ

٠ ١٣١٧
سورة الدخان: الآيات (١٤ - ٢٠) -
في سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَآ ءَانَيْنَهُ رَحْمَةً مِّنْ
عِندِنَا﴾ ... الآية [الكهف: ٦٥]. وفي سورة فاطر في الكلام على قوله تعالى: ﴿مَّا يَفْتَح
اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَ مُمْسِكَ لَهَا﴾ الآية [فاطر: ٢].
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْ عَنّهُ وَقَالُواْ مُعَلَّمْ تَجْنُنُ (٣)﴾. هذا الذي أدّعوه على النبي بَّل
افتراء، من أنه معلم، يعنون أن هذا القرآن علمه إياه بشر، وأنه وسل* مجنون، قد بينا
الآيات الموضحة لإبطاله.
أما دعواهم أنه معلم فقد قدَّمنا الآيات الدالة على تلك الدعوى في سورة النحل،
في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣]،
وفي سورة الفرقان، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوَاْ إِنْ هَذَا إِلَّ إِفْكُ أَفْتَرَهُ
وَأَنَهُ عَلَيْهِ قَوْمُ جَآخَرُونٌَ﴾. إلى قوله: ﴿فَهِىَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: ٤ - ٥].
وبينا الآيات الموضحة لافترائهم وتعنتهم في سورة النحل، في الكلام على قوله
تعالى: ﴿لِسَانُ الَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ وَهَذَا لِسَانُ عَرَبِتُ قُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣].
وفي الفرقان، في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءُوْ ظُلْمًا وَزُورًا ﴿ وَقَالُواْ أَسَطِيرُ
الْأَوَّلِينَ آكْتَتَبَهَا﴾ ... الآية [الفرقان: ٤، ٥].
وأما دعواهم أنه مجنون، فقد قدَّمنا الآيات الموضحة لها. ولإبطالها في سورة قد
أفلح المؤمنون، في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ، جِنَّةٌ بَلْ جَآءَهُم بِالْحَقِّ﴾ ...
الآية [المؤمنون: ٧٠].
قوله تعالى: ﴿وَجَلَ هُمْ رَسُولُ كَرِيمُ ( أَنْ أَدُوّأْ إِلَّ عِبَادَ اللَّهِ﴾، الرسول الكريم هو
موسى، والآيات الدالة على أن موسى هو الذي أرسل لفرعون وقومه كثيرة ومعروفة.
وقوله: ﴿أَذُواْ إِلَ﴾ أي سلموا إلي عباد الله يعني بني إسرائيل، وأرسلوهم معي.
فقوله: ﴿عِبَادَ اللّهِ﴾ مفعول به لقوله: ﴿أَدُّواْ﴾ .
وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أنّ موسى طلب فرعون أن يسلم له بني إسرائيل
ويرسلهم معه جاء موضحاً في آيات أخر، مصرح فيها بأن عباد الله هم بنو إسرائيل
كقوله تعالى في طه: ﴿فَأْنِيَاءُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِىّ إِسْرَِّلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمَّ﴾ [طه:
٤٧]، وقوله تعالى في الشعراء: ﴿فَأَنِيَا فِرْعَوَنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَلَمِينَ * أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا
الآية [الشعراء].
.. (
بَنِىّ إِسْرَوِيلَ
والتحقيق أنَّ أنْ في قوله: ﴿أَنْ أَذُّواْ﴾ هي المفسرة؛ لأنّ مجيء الرسول يتضمن
﴿عِبَادَ اللهِ ﴾ مفعول به كما ذكرنا وكما
معنى القول لا المخففة من الثقيلة، وأن قوله:
أوضحته آية طه وآية الشعراء لا منادى مضاف.
قوله تعالى: ﴿وَإِنِ عُذْتُ بِرَبِ وَرَبِّكُمْ﴾ ... الآية.

١٣١٨ -
سورة الدخان: الآيات (٢٨ - ٥٨)
ـبيـ
قد قدَّمنا الكلام عليه في سورة المؤمن، في الكلام على قوله تعالى: ﴿ وَقَالَ
مُوسَى إِ عُذْتُ بِرَبِ وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكٍَّ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ (٣)﴾ [غافر].
قوله تعالى: ﴿ كَذَلِكٌ وَأَوْرَثْنَهَا قَوْمًا ءَاخَرِينَ
لم يبين هنا من هؤلاء القوم الذين
٢٨)
أورثهم ما ذكره هنا، ولكنه بين في سورة الشعراء أنهم بنو إسرائيل وذلك في قوله تعالى:
(@)﴾ [الشعراء]، كما تقدم في الترجمة، وفي الأعراف.
﴿ كَذَلِكَ وَأَوْرَتْنَهَا بَنِيّ إِسْرَِّيلَ
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ تَجَّنَا بَنِىّ إِسْرَِّيلَ مِنَ اُلْعَذَابِ الْمُهِينِ (٢٥) مِن فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًّا
(٤). ما ذكره - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة من أنّه نجى بني
مِّنَ الْمُسْرِفِينَ
إسرائيل من العذاب المهين الذي كان يعذبهم به فرعون وقومه، جاء موضحاً في آيات
أخر، مصرح فيها بأنواع العذاب المذكور، كقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَإِذْ نَيَّنَكُمْ
مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَادِ يُذَبِحُونَ أَبْنَاءَ كُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمَّ وَفِ ذَلِكُمْ بَلَّءٌ مِّن رَبِّكُمْ
عَظِيمٌ ﴾﴾ [البقرة]. إلى قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [البقرة: ٤٩ - ٥٠]. وقوله في الأعراف:
﴿وَإِذْ أَنْجَيْنَكُمْ مِّنْ ءَالٍ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ يُقَطِّلُونَ أَبْنَآءَكُمْ﴾ ... الآية [الأعراف:
١٤١]. وقوله تعالى في المؤمن: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُم بِالْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ أَقْتُلُواْ أَبْنَآءَ الَّذِينَ
ءَامَنُواْ مَعَهُ﴾ الآية [غافر: ٢٥]. وقوله تعالى في إبراهيم: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ أَذْكُرُواْ
نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَنِكُمْ مِّنْ ءَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ وَيُدَتِحُونَ أَبْنَآءَكُمْ﴾ ...
الآية [إبراهيم: ٦]. وقوله في الشعراء: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُهَا عَلَىَّ أَنْ عَبَّدَتَّ بَنِىِّ إِسْرَةِيلَ
[الشعراء]. فتعبيده إياهم من أنواع عذابه لهم، إلى غير ذلك من الآيات.
وما ذكره - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة من أن فرعون كان عالياً من
المسرفين، أوضحه أيضاً في غير هذا الموضع، كقوله تعالى في يونس: ﴿وَإِنَّ فِرْعَوْنَ
لَعَالٍ فِ الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ [يونس: ٨٣]. وقوله تعالى في أول القصص: ﴿إِنَّ
فِرْعَوْنَ عَلَ فِىِ الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَآِفَةً مِنْهُمْ يُدَبِّحُ أَبْنَآءَ هُمْ وَيَسْتَخِيْ نِسَآءَ هُمْ
إِنَُّ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ﴾﴾ [القصص]، إلى غير ذلك من الآيات.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ صُبُّوْ فَوْقَ رَأْسِهِ، مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (@)﴾. قد قدَّمنا الآيات
الموضحة في سورة الحج، في الكلام على قوله تعالى: ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ
الْحَمِيمٌ﴾ [الحج: ١٩].
وقد تركنا إحالات متعددة بينا فيها بعض آيات سورة الدخان هذه خشية الإطالة
بكثرة الإحالة.
قوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَهُ بِلِسَائِكَ لَعَلَّهُمْ يَذَكَّرُونَ (@)﴾. قدِ قدَّمنا الآيات
الموضحة في سورة مريم، في الكلام على قوله: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَهُ بِلِسَانِكَ لِتُّبَشِرَ بِهِ
الْمُتَّقِينَ﴾ الآية [مريم: ٩٧].

١٣١٩
سورة الجاثية: الآيات (٣ - ٥) -
براسه الرحمن الرحيم
سورة الجاثية
وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُ مِنْ دَآبَّةٍ مَايَتٌ
قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ لَأَيَتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ
وَأَخْلَفِ الَّلِ وَالنََّارِ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا
لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ
وَتَصْرِيفِ الْرِّيَجِ ◌َيَتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾﴾﴾. ذكر - جلّ وعلا -، في هذه الآيات الكريمة من
أول سورة الجاثية ستة براهين من براهين التوحيد الدالة على عظمته وجلاله، وكمال
قدرته، وأنه المستحق للعبادة وحده تعالى.
الأول منها: خلقه السماوات والأرض. الثاني: خلقه الناس. الثالث: خلقه
الدواب. الرابع: اختلاف الليل والنهار. الخامس: إنزال الماء من السماء وإحياء
الأرض به. السادس: تصریف الرياح.
وذكر أن هذه الآيات والبراهين، إنما ينتفع بها المؤمنون، الموقنون الذين يعقلون
عن الله حججه، وآياته، فكأنهم هم المختصون بها دون غيرهم؛ ولذا قال: ﴿لَيَتٍ
لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، ثم قال: ﴿َيَتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾، ثم قال: ﴿ءَايَتٌ لِقَوْمِ يَعْقِلُونَ﴾.
وهذه البراهين الستة المذكورة في أول هذه السورة الكريمة، جاءت موضحة في
آيات كثيرة جداً كما هو معلوم.
أما الأول منها وهو خلقه السماوات والأرض المذكور في قوله: ﴿إِنَّ فِ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضِ لَيَتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣)؛ فقد جاء في آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوَاْ إِلَى السَّمَاءِ
فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَيْنَهَا وَزَيَّنَهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجِ ﴿﴿ وَالْأَرْضَ مَدَدْنَهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَسِىَ وَثْنَا فِيهَا مِن
كُلِّ زَوْجَ بَهِيج ◌َ نَّصِرَةَ وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (﴾﴾ []. وقوله تعالى: ﴿أَفَلَمَّ يَرَوْاْ إِلَى مَا
بَيِّنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُم مِّنَ السَّمَآءِ وَالْأَرْضِّ﴾ الآية [سبأ: ٩]. وقوله: ﴿قُلِ أَنْظُرُواْ مَاذَا فِ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَمَا تُغْنِ الْآَيَتُ وَاَلْتُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ (®)﴾ [يونس]. وقوله: ﴿أَوَلَمْ
يَنْظُرُواْ فِى مَلَكُوتِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٨٥]. وقوله: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ، خَلْقُ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضِ﴾ [الروم: ٢٢]، في الروم، والشورى. وقوله: ﴿الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَشًا
وَالسَّمَآءَ بِنَآءَ﴾ الآية [البقرة: ٢٢]. وقوله تعالى: ﴿اَللَّهُ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا
وَالسَّمَّةَ بِنَآءُ﴾ [غافر: ٦٤]، وقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَةَ بَيْنَهَا بِأَبْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (49) وَالْأَرْضَ
فَرَشْتَهَا فَنِعْمَ الْمَهِدُونَ ﴾﴾ [الذاريات]. وقوله تعالى: ﴿أَرْ نَجْعَلِ اَلْأَرْضَ مِهَدًا (ج) - إلى
قوله - ﴿وَبَنَّيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا ﴾ [النبأ)، والآيات بمثل ذلك كثيرة جداً معروفة.

١٣٢٠ -
سورة الجاثية: الآيات (٣ - ٥)
وأما الثاني منها: وهو خلقه الناس المذكور في قوله: ﴿وَفِ خَلْقِكُمْ﴾، فقد جاء
موضحاً في آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ، أَنْ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُم بَشَرٌ
تَنْتَشِرُونَ
﴾ [الروم]. وقوله: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن
قَبْلِكُمْ﴾ ... الآية [البقرة: ٢١]. وقوله تعالى عن نبيه نوح: ﴿مَّا لَكُمْ لَا نَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا.
وَقَدْ خَلَقَّكُمْ أَطْوَارًا(٣)﴾ [نوح]، وقوله تعالى: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَتِكُمْ خَلْقًّا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ
فِي ظُلُمَتِ ثَلَثَّ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّكُمْ لَهُ الْمُلَّ لَا إِلَهَ إِلَّ هُوٌّ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [الزمر: ٦] وقوله:
﴿وَفِىّ أَنفُسِكُمْ أَفَلَا نُصِرُونَ (®﴾ [الذاريات]، والآيات بمثل ذلك كثيرة ومعلومة.
وأما الثالث منها: وهو خلقه الدواب المذكور في قوله: ﴿وَمَا يَبُثُ مِنْ دَآبَّةٍ﴾؛ فقد
جاء أيضاً موضحاً في آيات كثيرة من كتاب الله كقوله تعالى في سورة الشورى: ﴿وَمِنْ
ءَئِهِ، خَلْقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَلْبَةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٌ.
[الشورى]. وقوله تعالى في البقرة: ﴿وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن ◌َّآءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ
مَوْتِهَا وَبَثَ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَةٍ﴾ ... الآية [البقرة: ١٦٤]. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ
مِّنِ مَّاءٍ فَمِنْهُم مَّن يَمْشِى عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَن يَمْشِى عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِى عَلَى أَرْبَعَّ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا
يَشَآءَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ ثَوْءٍ قَدِيرٌ ﴾﴾ [النور]، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَّلَ لَكُم مِّنَ الْأَنْعَمِ
ثَمَنِيَّةَ أَزْوَجِ﴾ [الزمر: ٦]، والآيات بمثل ذلك كثيرة، معلومة.
وأما الرابع منها: وهو اختلاف الليل والنهار المذكور في قوله: ﴿وَأَخْتِلَفِ اَلَّيْلِ
وَالنَّهَارِ﴾ [البقرة: ١٦٣]. فقد جاء موضحاً أيضاً في آيات كثيرة من كتاب الله كقوله تعالى
في البقرة: ﴿إِنَّ فِى خَلْقِ السَمََّتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَاَلْفُلْكِ اَلَّتِى تَجْرِى فِىِ الْبَحْرِ
بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾. إلى قوله: ﴿لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤]. وقوله تعالى في
آل عمران: ﴿إِنَّ فِ خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ أَلَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَيَتَّ لِأُوْلِ الْأَلْبَبِ (5)﴾
[آل عمران]. وقوله تعالى في فصلت: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ الَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ ...
الآية [فصلت: ٣٧]، وقوله تعالى: ﴿وَءَايَةٌ لَّهُمُ الَّلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم
مُظْلِمُونَ ﴿ وَالشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرِّ لَّهَا﴾ ... الآية [يس: ٣٧، ٣٨]. وقوله تعالى:
﴿يُقَلِّبُ اَللَّهُ اَلَيْلَ وَالنَّهَارُ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَعِبْرَةُ لِّأُوْلِ الْأَبْصَرِ ﴾﴾ [النور]، وقوله تعالى: ﴿قُلّ
أَرَبَيْتُمْ إِنِ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الَّيْلَ سَرْهَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَةِ مَنْ إِلَهُ غَيْرُ أَلَهِ يَأْتِكُم بِضِبَاءٍ أَفَلَا
تَسْمَعُونَ ﴿ قُلْ أَرَدَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهُ غَيْرُ
اَللَّهِ يَأْتِكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيَةِ أَفَلاَ تُصِرُونَ () وَمِنْ تَحْمَتِهِ، جَعَلَ لَكُمُ الَّثْلَ وَالنَّهَارَ
لِتَسْكُ فِيْهِ وَلِتَبْثَغُواْ مِن فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣)﴾ [القصص]، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى
يُحِ وَيُمِتُ وَلَهُ لَخْتِلَفُ الَّلِ وَالنَّهَارِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾﴾ [المؤمنون]، والآيات بمثل ذلك
كثيرة معلومة.
وأما الخامس منها: وهو إنزال الماء من السماء وإحياء الأرض به وإنبات الرزق
فيها المذكور في قوله: ﴿وَمَّا أَنزَلَ اَللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْمَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْنِهَا﴾؛ فقد جاء