Indexed OCR Text
Pages 1201-1220
١٢٠١ سورة الزمر: الآيات (٣٨ - ٤٧) وقد بيّن - جلّ وعلا - في موضع آخر، أن الشيطان يخوف المؤمنين أيضاً، الذين هم أتباع الرسل من أتباعه وأوليائه، من الكفار، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَآءَهٍ، فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٥)﴾ [آل عمران]. والأظهر أن قوله: ﴿يُحَوِّفُ أَوْلِيَآءَةٌ﴾ [آل عمران: ١٧٥]، حذف فيه المفعول الأول، أي يخوفكم أولياءه، بدليل قوله بعده: ﴿فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونٍ﴾ ... الآية [آل عمران: ١٧٥]. قوله تعالى: ﴿قُلْ أَفََّيْتُمِ مَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍ هَلْ هُنَّ كَشِفَتُ ضُرِِّةٍ أَوْ أَرَدَنِى بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَتُ رَحْمَتِهٍ﴾. ما ذكره - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة، من أن المعبودات من دونه، لا تقدر أن تكشف ضرًّا أراد الله به أحداً، أو تمسك رحمة أراد بها أحداً، جاء موضحاً في آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِى عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢]. وقوله تعالى: ﴿قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ قَالُواْ بَلْ وَجَدْنَا ءَابََّنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (19)﴾ [الشعراء]. وقوله ﴿ أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُونَ تعالى: ﴿مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكَ فَلَ مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِيٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾﴾ [فاطر]. وقوله تعالى: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اَللَّهُ بِضُرٍ فَلَ كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَّ وَإِنْ يُرِدَكَ بِخَيْرٍ فَلَ رَآدَ لِفَضْلِهِ، يُصِيبُ بِهِ، مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ،﴾ [يونس: ١٠٧]، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ أَشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ اَلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِّ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِ، إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ قد قدّمنا الآيات الموضحة له في سورة الصافات، في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِلْمُجْرِمِينَ ﴿ إِنَّهُمْ كَانُّوْاْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَّ إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ يَسْتَكْبُونَ (٣٥)﴾ [الصافات]. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا وَعَتْلَهُ مَعَهُم لَأَفْتَدَوْ بِهِ، مِن سُوَّهِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة أن الذين ظلموا وهم الكفار لو كان لهم في الآخرة ما في الأرض جميعاً ومثله معه، لفدوا أنفسهم به من سوء العذاب الذي عاينوه يوم القيامة، وبيّن هذا المعنى في مواضع أخر وصرح فيها بأنه لا فداء البتة يوم القيامة كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ ٩١ أَحَدِهِم مِّلُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ أَفْتَدَى بِّ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلٌِّ وَمَا لَهُم مِّنْ تَّصِرِينَ [آل عمران]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوَّ أَّ لَهُم مَّا فِ اَلْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَدُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ، مِنْ عَذَابٍ يَوْمِ اٌلْقِيَمَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمّ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦َ يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ النَّارِ وَمَا هُم ◌ِخَرِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (®﴾ [المائدة]. وقوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنَكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مَأْوَنَكُمُ النَّارِ هِىَ مَوْلَئِكُمْ وَيِْسَ الْمَصِيرُ [الحديد]. وقوله تعالى: ﴿وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَّا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُوْلَكَ الَّذِينَ أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ﴾ [الأنعام: ٧٠]. فقوله: ﴿وَإِن ١٢٠٢ سورة الزمر: الآيات (٤٨ - ٦٠) تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ﴾، أي وإن تفتد كل فداء، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ [البقرة: ٤٨]. وقوله: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ ... الآية [البقرة: ١٢٣]، والعدل الفداء وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِىِ الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ: لَفْتَدَوْ بِه٤َِ أُوْلَئِكَ لَمْ سُوَءُ الْحِسَابٍ وَمَأْوَنُهُمْ جَهَّمْ وَيَتْسَ لِلِهَادُ﴾ [الرعد: ١٨]. وقد قدَّمنا طرفاً من هذا في سورة آل عمران، في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ آَفْتَدَى بِهِ﴾﴾ ... الآية [آل عمران: ٩١]. قوله تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ﴾. قوله: ﴿وَبَدَا لَّمْ﴾ أي ظهر لهم سيئات ما كسبوا؛ أي جزاء سيئاتهم التي اكتسبوها في الدنيا، فالظاهر أنه أطلق السيئات هنا مراداً بها جزاؤها . ونظيره من القرآن قوله تعالى: ﴿وَجَزَّوُاْ سَيِّئَةٍ سَبِئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]. ونظير ذلك أيضاً إطلاق العقاب، على جزاء العقاب، في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُفِىَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ ... الآية [الحج: ٦٠]. وما تضمنته هذه الآية الكريمة، من أنّهم يبدو لهم يوم القيامة، حقيقة ما كانوا يعملونه في الدنيا، جاء موضحاً في آيات أخرى، كقوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ﴾ [يونس: ٣٠]. وقوله تعالى: ﴿يُّوْ اْلْإِنَنُ يَوْمَيِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (٣)﴾ [القيامة]. وقوله تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَرَتْ ﴾﴾ [الانفطار]. وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ يَوَيْلَنَنَا مَالٍ هَذَا اُلْكِتَبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّ أَحْصَنهَأْ وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرً﴾ الآية [الكهف: ٤٩]. وقوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسَنٍ أَلْزَمْنَهُ طَهِرَهُ فِ عُنُقِهِ، وَتُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ كِتَبَا يَلْقَنَهُ مَنْشُورًا اقْرَأْ كِتَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَيْكَ حَسِيبًا ﴾﴾ [الإسراء]، إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى: ﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَهُ نِعْمَةً مِّنَا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيْتُهُ عَلَى . قد قدَّمنا الآيات الموضحة له في سورة يونس، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسََّ الْإِنسَنَ الضُّرُّ دَعَنَا لِجَنْبِهِ﴾﴾ الآية [يونس: ١٢]. قوله تعالى: ﴿وَأَنَّبِعُواْ أَحْسَنَ مَآ أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ قد قدَّمنا الآيات الموضحة له في هذه السورة الكريمة في قوله تعالى: ﴿فَشِّرْ عِبَادِ ﴿ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ؟﴾، وقدَّمنا طرفاً منه في سورة النحل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَنَجْزِنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]. قوله تعالى: ﴿أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوَ أَننَّ لِ كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾﴾. قد قدَّمنا الآيات الموضحة له من جهات في سورة الأعراف، في الكلام على قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَتْ رُسُلُ رَيِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُواْ لَنَّاً أَوْ نُرَدُ فَتَعْمَلَ غَيْرَ أَلَّذِى كُنَّا نَعْمَلٌ﴾ [الأعراف: ٥٣]. : : قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُسْوَدَّةٌ﴾ ١٢٠٣ سورة الزمر: الآيات (٦٥ - ٧٠) قد قدَّمنا الكلام عليه وعلى ما يماثله من الآيات في سورة آل عمران، في الكلام على قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُ وُجُوهُ وَتَسْوَذُ وُجُوٌ﴾ ... الآية [آل عمران: ١٠٦]. قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوَى لِلْمُتَكَِّينَ﴾. تقدم إيضاحه بالآيات القرآنية، مع بيان جملة من آثار الكِبر السيئة، في سورة الأعراف، في الكلام على قوله تعالى: ﴿قَالَ فَأَهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّفِينَ (٣)﴾ [الأعراف]. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوْجِىَ إِلَيَّكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَبِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾. تقدم الكلام عليه في سورة الأنعام، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم ◌َّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٨]. وقد ذكرنا في سورة المائدة، الآية المتضمنة للقيد الذي لم يذكر في هذه الآيات على قوله تعالى: ﴿وَمَن يَكْفُرَّ بِالْإِيَمَنِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُمُ﴾ ... الآية [المائدة: ٥]. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنَظُرُونَ﴾، قد قدَّمنا الآيات الموضحة له في سورة يس، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِ الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ اُلْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ یَنسِلُونَ (@)﴾ [يس]. قوله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَبُ﴾. قد قدَّمنا إيضاحه بالآيات القرآنية في سورة الكهف، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَبُ فَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَا فِيهِ﴾ [الكهف: ٤٩]، وفي سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَتُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ اٌلْقِيَامَةِ كِتَبًا يَلْقَئُهُ مَنشُورًا﴾ [الإسراء: ١٣]. قوله تعالى: ﴿وَجِأْىَّ بِلنَّبِنَ وَالشُّهَدَآءِ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ وَؤُفِيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ﴾ اختلف العلماء في المراد بالشهداء في هذه الآية الكريمة، فقال بعضهم: هم الحفظة من الملائكة الذين كانوا يحصون أعمالهم في الدنيا، واستدل من قال هذا بقوله تعالى: ﴿وَحَتْ كُلُّ نَفْسِ مَعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ (4)﴾ [ق]. وقال بعض العلماء: الشهداء أمة محمد * يشهدون على الأمم، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطَّا لِّنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. وقيل: الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله، وأظهر الأقوال في الآية عندي، أن الشهداء هم الرسل من البشر، الذين أرسلوا إلى الأمم؛ لأنه لا يقضي بين الأمة حتى يأتي رسولها، كما صرح تعالى بذلك في سورة يونس في قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ زَّسُولٌّ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ قُضِىَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (﴾﴾ [يونس]. فصرح - جلّ وعلا - بأنه يسأل الرسل عما أجابتهم به أممهم، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتٌ﴾ [المائدة: ١٠٩]. وقال تعالى: ﴿فَلَنَسْتَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَ اٌلْمُرْسَلِينَ ﴾﴾ [الأعراف]، وقد يشير إلى ذلك قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّتِم ١٢٠٤ ـ - سورة الزمر: الآي (٧١) (٣)﴾ [النساء]؛ لأنّ كونه ول هو الشهيد على هؤلاء بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا الذين هم أمته، يدل على أن الشهيد على كل أمة هو رسولها . وقد بيّن تعالى أنّ الشهيد على كل أمة من أنفس الأمة، فدل على أنه ليس من الملائكة، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِى كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ﴾ [النحل: ٨٩]، والرسل من أنفس الأمم، كما قال تعالى في نبينا محمد وله: ﴿لَقَدْ بَكُمْ رَسُوكُ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨]. وقال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيِهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ﴾ الآية [آل عمران: ١٦٤]. والمسوغ للايجاز بحذف الفاعل في قوله تعالى: ﴿وَحِْقَّ بِالنَّبْنَ﴾ هو أنّه من المعلوم الذي لا نزاع فيه، أنّه لا يقدر على المجيء بهم إلا الله وحده - جلّ وعلا -. وقرأ هذا الحرف عامة السبعة غير الكسائي وهشام عن ابن عامر: ((وجيء)) بكسر الجيم كسرة خالصة، وقرأ الكسائي وهشام عن ابن عامر بإشمام الكسرة الضم. وإنّما كان الإشمام هنا جائزاً، والكسر جائزاً؛ لأنّه لا يحصل في الآية البتة لَبْسٌ بين المبني للفاعل، والمبني للمفعول، إذ من المعلوم أن قوله هنا: ((وجيء)) مبني للمفعول ولا يحتمل البناء للفاعل بوجه، وما كان كذلك جاز فيه الكسر الخالص وإشمام الكسرة الضم، كما أشار له في الخلاصة بقوله: واكسر أو اشمم ((فا)) ثلاثي أعل عيناً وضم جاء كبوع فاحتمل أما إذا أسند ذلك الفعل إلى ضمير الرفع المتصل، فإن ذلك قد يؤدي إلى اللبس فيشتبه المبني للمفعول، بالمبني للفاعل، فيجب حينئذ اجتناب الشكل الذي يوجب اللبس، والإتيان بما يزيل اللبس من شكل أو إشمام كما أشار له في الخلاصة بقوله: وإن بشكل خيف لبس يجتنب. ومن أمثلة ذلك قول الشاعر، وقد أنشده صاحب اللسان: دفوع إذا ما صمت غير صبور وإني على المولى وإن قل نفعه فقوله صمت أصله صيمت بالبناء للمفعول؛ فيجب الإشمام أو الضم؛ لأن الكسر الخالص يجعله محتملاً للبناء للفاعل كبعت وسرت. وقول جرير يرثي المرار بن عبد الرحمن بن أبي بكرة: ودموع عيني في الرداء غزار وأقول من جزع وقد فتنا به لله ما ضمنت بك الأحجار للدافنين أخا المكارم والندا أصله فوتنا بالبناء للمفعول فيجب الكسر أو الإشمام؛ لأن الضم الخالص يجعله محتملاً للبناء للفاعل، كقلنا وقمنا . قوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾. الزمر الأفواج المتفرقة، ١٢٠٥ سورة الزمر: الآيات (٧١ - ٧٤) . واحده زمرة، وقد عبر تعالى عنها هنا بالزمر، وعبر عنها في الملك بالأفواج في قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَلْفِىَ فِيهَا فَوٌْ﴾ ... الآية [الملك: ٨]، وعبر عنها في الأعراف بالأمم في قوله تعالى: ﴿قَالَ ادْخُلُواْ فِىّ أُمَرٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِسِ فِ النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ أَّمَنَتْ أُخْتَهَا حَتََّ إِذَا أَذَّارَكُواْ فِيهَا جَِيعًا قَالَتْ أُخْرَهُمْ لِأُولَئِهُمْ﴾ الآية [الأعراف: ٣٨]. وقال في فصلت: ﴿وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِيَّ أُمَمٍ قَدْ خَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ اُلْبِنِّ وَالْإِنسِّ إِنَّهُمْ كَانُواْ خَسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢٥]. وقال تعالى: ﴿هَذَا فَوْجٌ مُّقْنَحِمٌ مَّعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمَّ إِنَهُمْ صَالُواْ النَّارِ (@)﴾ [ص]. ومن إطلاق الزمر على ما ذكرنا قوله: وترى الناس إلى منزله وقول الراجز: زمراً تنتابه بعد زمر إن العفاة بالسيوب قد غمر حتى احزألَّتَ زمراً بعد زمر قوله تعالى: ﴿حَتَّىَ إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَبُهَا﴾. لم يبين - جلّ وعلا - هنا عدد أبوابها المذكورة، ولكنه بين ذلك في سورة الحجر، في قوله: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿ لَمَا سَبْعَةُ أَبْوَبٍ لِكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَفْسُومُ ﴾﴾ [الحجر]. وقوله تعالى: ﴿فُتِحَتْ أَبَوَبُهَا﴾، قرأه نافع وابن كثير أبو عمرو وابن عامر: (فُتِّحت) بتشديد التاء دلالة على التكثير. وقرأه عاصم وحمزة والكسائي ﴿فُتِحَتْ﴾ بتخفيف التاء. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَنَنُهَا أَلَّ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ ءَايَتِ رَيَّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُواْ بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَفِرِينَ﴾. قد قدَّمنا الآيات الموضحة له في سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَّ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَنُهَا سَلَمْ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَلِينَ﴾. قد قدَّمنا الآيات الموضحة له في سورة النحل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ تَوَقَّهُمُ الْمَلَبِكَةُ ﴾ [النحل]. (٣٢) طَيِِّنٌّ يَقُولُونَ سَلَمُ عَلَيْكُمْ أَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَقَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءٍ﴾. ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة أن أهل الجنة إذا دخلوها وعاينوا ما فيها من النعيم، حمدوا ربهم وأثنوا عليه، ونوهوا بصدق وعده لهم، وذكر هذا المعنى في آيات أخر من كتاب الله كقوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِ صُدُورِهِمٍ مِّنْ عِلِ تَجْرِى مِن تَحِمُ الْأَنْهَرِّ وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى هَدَمَنَا لِهَذَا وَمَا كُنَا لِنَْتَدِىَ لَوْلَا أَنْ هَدَنَا اللَّهُ لَقَدْ جَتْ رُسُلُ رَيِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُواْ أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُوْرِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣)﴾ [الأعراف]. وقوله تعالى: ﴿وَنَدَّ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَبَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا﴾ الآية [الأعراف: ٤٤]. ١٢٠٦ - سورة غافر: الآيتان (٣ - ٤) وقوله تعالى: ﴿جَنَّتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيَهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ، وَلُؤْلُؤَّْ وَلِبَاسُهُمْ وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَّنِّ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورُ ﴿ الَّذِىّ أَحَلَّنَا ٣٣ فِيهَا حَرِيرٌ [فاطر] . دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ، لَا يَمَشُّنَا فِيَهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَشُّنَا فِيَهَا لُغُوبٌ براس الرحمن الرحيم سورة غافر قوله تعالى: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوَّبِ شَدِيدٍ الْعِقَابِ ذِى اُلْطَّوْلِ﴾. جمع - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة بين الترغيب والترهيب والوعد والوعيد؛ لأن مطامع العقلاء محصورة في أمرين، هما جلب النفع ودفع الضر، وهذا المعنى الذي تضمنته هذه الآية الكريمة جاء موضحاً في آيات كثيرة من كتاب الله كقوله تعالى: ﴿﴿ نَبِّ عِبَادِىّ أَنَّ أَنَا اَلْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴿ وَأَنَّ عَذَابِ هُوَ الْعَذَابُ اَلْأَلِمُ ﴾﴾ [الحجر]. وقوله تعالى: ﴿قَالَ عَذَابِ أُصِيبُ بِ مَنْ أَشَأَةُ وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ فَسَأَكْتُهَا لِلَّذِينَ يَثَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦]. وقوله تعالى في آخر الأنعام: ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الِْقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. [الأنعام: ١٦٥]. وقوله في الأعراف: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِّ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٦٧]، والآيات بمثل ذلك كثيرة معروفة. قوله تعالى: ﴿مَا يُجَدِلُ فِىّ ءَايَتِ اَللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾. ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة أنّه لا يجادل في آيات الله، أي لا يخاصم فيها محاولاً ردها، وإبطال ما جاء فيها، إلا الكفار. وقد بيّن تعالى في غير هذا الموضع الغرض الحامل لهم على الجدال فيها مع بعض صفاتهم، وذلك في قوله: ﴿وَتُحَدِلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِالْبَطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ اٌلَْنَّ وَأَتَّخَذُوَأْ ءَايَتِى وَمَآ أُنْذِرُواْ هُزُوًا﴾ [الكهف: ٥٦]، وأوضح ذلك الغرض في هذه السورة الكريمة، في قوله: ﴿وَجَدَلُواْ بِاَلْبَطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ الْحَقَّ﴾ . وقد قدَّمنا في سورة الحج، أن الذين يجادلون في الله منهم، أتباع يتبعون رؤساءهم المضلين، مِن شياطين الإنس والجن، وهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُحَدِلُ فِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَنَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ قَرِيدٍ ﴾ كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن نَوَلَاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُ وَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ ﴾﴾ [الحج]. وأنّ منهم قادة هم رؤساؤهم المتبوعون وهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَدِلُ فِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلٍْ وَلَ هُدَّى وَلَا كِتَبٍ مُِّيرِ جَ ثَانِىَ عِطْفِهِ، لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٨، ٩]. ١٢٠٧ سورة غافر: الآيات (٦ - ٨) . وبيّن تعالى في موضع آخر أنّ من أنواع جدال الكفار، جدالهم للمؤمنين الذين استجابوا لله وآمنوا به وبرسوله؛ ليردوهم إلى الكفر بعد الإيمان، وبين بطلان حجة هؤلاء، وتوعدهم بغضبه عليهم، وعذابه الشديد وذلك في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا أَسْتُجِيبَ لَهُ مُّنْهُمْ دَاخِضَةُ عِندَ رَبِهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ (٣)﴾ [الشورى]. قوله تعالى: ﴿فَلَ يَغْرُرَكَ تَقَلُهُمْ فِى الْبِلَدِ﴾. نهى الله - جلّ وعلا - نبيه ◌َّ في هذه الآية الكريمة، ليشرع لأمته عن أن يغره تقلب الذين كفروا في بلاد الله بالتجارات والأرباح، والعافية وسعة الرزق، كما كانت قريش تفيض عليها الأموال من أرباح التجارات، وغيرها من رحلة الشتاء والصيف المذكورة في قوله تعالى: ﴿إِلَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّنَاءِ وَالصَّيْفِ ﴾﴾ [قريش]، أي إلى اليمن والشام، وهم مع ذلك كفرة فجرة، يكذبون نبي الله ويعادونه. والمعنى: لا تغتر بإنعام الله عليهم وتقلبهم في بلاده في إنعام وعافية، فإن الله - جلّ وعلا - يستدرجهم بذلك الإنعام، فيمتعهم به قليلاً، ثم يهلكهم فيجعل مصيرهم إلى النار. وقد أوضح هذا المعنى في آيات من كتابه كقوله تعالى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِىِ الْبِلَدِ ﴿ مَتَعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَنُهُمْ جَهَنَّمْ وَبِئْسَ الِهَادُ (١)﴾ [آل عمران]. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلاَ يَحْزُئِكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيُمْ بِذَاتِ الصُّدُورِ ثُمِنَّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَاٍ غَلِيِظٍ ﴾ [لقمان]. وقوله تعالى: ﴿قَالَ وَمَنْ كُفُرَ ٢٣ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ اَلْمَصِيُ﴾ [البقرة: ١٢٦]. وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ ﴿١ مَتَعُ فِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ اُلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ ( الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ (٣)﴾ [يوسف]، إلى غير ذلك من الآيات. والفاء في قوله: ﴿فَلَ يَغْرُرْكَ﴾، سببية أي لا يكن تقلبهم في بلاد الله؛ متنعمين بالأموال والأرزاق، سبباً لاغترارك بهم فتظن بهم ظناً حسناً؛ لأن ذلك التنعم، تنعم استدراج، وهو زائل عن قريب، وهم صائرون إلى الهلاك والعذاب الدائم. قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَِّينَ كَفَرُوَاْ أَنَهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ قرأ هذا الحرف نافع وابن عامر (كلمات) بصيغة الجمع المؤنث السالم، وقرأه الباقون ﴿كَلِمَتُ رَيِّكَ﴾ بالإفراد. وقد أوضحنا معنى الكلمة والكلمات فيما يماثل هذه الآية في سورة يس في الكلام على قوله تعالى: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوّلُ عَلَّ أَكْثَرِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾﴾ [يس]. قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّتِ عَدْنٍ أَلَتِى وَعَدَتَّهُمْ وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَآبِهِمْ وَأَزْوَجِهِمْ وَذُرِّيَّتِهِنَّ﴾. لم يبيّن هنا الآية المتضمنة لوعدهم بالجنات، هم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم. ولكنه - جلّ وعلا - أوضح وعده إياهم بذلك في سورة الرعد في قوله تعالى: ﴿وَالَِّنَ صَبَرُواْ أَبْتِغَلَّهَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوةَ وَأَنْفَقُواْ مِمَا رَزَقْنَهُمْ بِرًَّ ١٢٠٨ سورة غافر: الآيات (١١ - ١٢) جَنَّثُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَا وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَّبِهِمْ وَعَلَائِيَّةً وَيَدْرَهُونَ بِلَْنَّةِ السَِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَ الذَّارِ. الآية [الرعد]. ﴾﴾ ... وَأَزْوَجِهِمْ وَذُرِيَّتِهِمْ وَالْعَلَئِكَةُ يَدْخُلُنَ عَتِهِم مِّنْ كُلِّ ◌َابٍ قوله تعالى: ﴿قَالُواْ رَبَّنَا أَمْتَّنَا أَثْنَيْنِ وَأَحْبَيْتَنَا أَثْنَتَيْنِ﴾ . التحقيق الذيّ لا ينبغي العدول عنه، أن المراد بالإماتتين في هذه الآية الكريمة، الإماتة الأولى، التي هي كونهم في بطون أماتهم نطفاً وعلقاً ومضغاً قبل نفخ الروح فيهم، فهم قبل نفخ الروح فيهم لا حياة لهم، فأطلق عليهم بذلك الاعتبار اسم الموت. والإماتة الثانية هي إماتتهم وصيرورتهم إلى قبورهم عند انقضاء آجالهم في دار الدنيا . وأنّ المراد بالإحياءتين، الإحياءة الأولى في دار الدنيا، والإحياءة الثانية، التي هي البعث من القبور إلى الحساب والجزاء والخلود الأبدي، والذي لا موت فيه، إما في الجنة وإما في النار. والدليل من القرآن على أن هذا القول في الآية هو التحقيق، أن الله صرح به واضحاً في قوله - جلّ وعلا -: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَتًا فَأَخْيَكُمِّ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْبِيَكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾﴾ [البقرة]، وبذلك تعلم أن ما سواه من الأقوال في الآية لا معوّل عليه. والأظهر عندي أن المسوغ الذي سوغ إطلاق اسم الموت على العلقة والمضغة مثلاً، في بطون الأمهات، أن عين ذلك الشيء، الذي هو نفس العلقة والمضغة، له أطوار كما قال تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقَّكُمْ أَطْوَارًا ﴾﴾ [نوح]، ﴿يَخْلُقُكُمْ فِى بُطُونِ أُمَّهَتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدٍ خَلْقٍ﴾، ولما كان ذلك الشيء تكون فيه الحياة في بعض تلك الأطوار، وفي بعضها لا حياة له، صح إطلاق الموت والحياة عليه من حيث إنه شيء واحد، ترتفع عنه الحياة تارة وتكون فيه أخرى، وقد ذكر له الزمخشري مسوغاً غير هذا، فانظره إن شئت. قوله تعالى: ﴿فَأَعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجِ مِّن سَبِيلٍ﴾. قد بين - جلّ وعلا - في غير هذا الموضع، أن الاعتراف بالذنب في ذلك الوقت لا ينفع، كما قال تعالى: ﴿فَأَعْتَفُواْ بِذَنْيِهِمْ فَسُحْقًا لِّأَصْحَبِ السَّعِيرِ ﴾﴾ [الملك]. وقال تعالى: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَلِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢]، إلى غير ذلك من الآيات. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ﴾، قد قدَّمنا إيضاحه بالآيات القرآنية في سورة الأعراف، في الكلام على قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُ يَقُولُ اَلَِّينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَمَتْ رُسُلُ رَيِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآَ فَيَشْفَعُواْ لَنَّاً أَوْ نُرَّدُّ فَتَعَمَلَ غَيّرَ الَّذِى كُنَّا نَعْمَلٌ﴾ [الأعراف: ٥٣]. قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ: إِذَا دُعِىَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ، ثُؤْمِنُواْ﴾ ... الآية. قد تقدم الكلام عليه في سورة الصافات، في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِلْمُجْرِمِينَ ﴿ إِنَهُمْ كَانُواْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَّ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبُونَ ﴾ [الصافات]. ١٢٠٩ سورة غافر: الآية (١٣) قوله تعالى: ﴿فَاَلْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيّ الْكَبِيرِ﴾، قد قدَّمنا الآيات الموضحة له في سورة الكهف، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَا يُشْرِكُ فِ حُكْمِهِ: أَحَدًا﴾ [الكهف: ٢٦] .. قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى يُرِيِكُمْ ءَايَتِهِ﴾. ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة، أنّه - جلّ وعلا - هو الذي يري خلقه آياته؛ أي الكونية القدرية ليجعلها علامات لهم على ربوبيته، واستحقاقه العبادة وحده. ومن تلك الآيات الليل والنهار والشمس والقمر، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ الَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ ... الآية [فصلت: ٣٧]. . ومنها السماوات والأرضون وما فيهما، والنجوم، والرياح، والسحاب، والبحار، والأنهار، والعيون، والجبال والأشجار، وآثار قوم هلكوا، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ فِى خَلْقِ الشَمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ أَلَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِ خَلْقِ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ أَلَيْلِ وَالنَّهَارِ لَيَتٍ لِأُوْلِ الْأَلْبَبِ ﴾ [آل عمران]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ لَيَتِ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣) وَفِى خَلْفِكُمْ وَمَا يَبُثُ مِن ◌َّةٍ ◌َيَتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴿﴿ وَأَخْظِلَفِ الَِّلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن رِّزْقٍ فَأَحْيَا ◌ِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَجِءَايَتْ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾﴾ [الجاثية]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِى أُخْتِلَافِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اَللَّهُ فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ لَآَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ ﴾﴾ [يونس]. وما ذكره - جلّ وعلا - في آية المؤمن هذه، من أنّه هو الذي يُري خلقه آياته بينه وزاده إيضاحاً في غير هذا الموضع، فبين أنه يريهم آياته في الآفاق وفي أنفسهم، وأن مراده بذلك البيان أن يتبين لهم أن ما جاء به محمد # حق، كما قال تعالى: ﴿سَؤُرِيِهِمْ مَئِنَا فِ آَلَفَاقِ وَفِىّ أَنْفُسِهِمْ حَّى يَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣]. والآفاق جمع أفق وهو الناحية، والله - جلّ وعلا - قد بيّن من غرائب صنعه، وعجائبه، في نواحي سماواته وأرضه، ما يتبين به لكل عاقل أنه هو الرب المعبود وحده. كما أشرنا إليه، من الشمس والقمر والنجوم والأشجار والجبال، والدواب والبحار، إلى غير ذلك. وبين أيضاً أن من آياته التي يريهم ولا يمكنهم أن ينكروا شيئاً منها تسخيره لهم الأنعام ليركبوها ويأكلوا من لحومها، وينتفعوا بألبانها، وزبدها وسمنها وأقطها، ويلبسوا من جلودها، وأصوافها وأوبارها وأشعارها، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِى جَعَلَ وَلَكُمْ فِيهَا مَنَفِعُ وَلِتَبْلُغُواْ عَلَيْهَا حَاجَةٌ فِى ٧٩ لَكُمُ الْأَنْعَمَ لِتَرْكَبُوا مِنِهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَيُرِيكُمْ ءَايَتِهِ فَأَىَّ مَايَتِ اَللَّهِ تُكِرُونَ ﴾ ٨٠ صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ. وبيّن في بعض المواضع، أن من آياته التي يريها بعض خلقه، معجزات رسله؛ لأن المعجزات آيات، أي دلالات، وعلامات على صدق الرسل، كما قال تعالى في فرعون: ﴿وَلَقَدْ أَرَّنَهُ ،َيَِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَ ﴿4﴾ [طه)، وبيّن في موضع آخر، أن من آياته التي يريها خلقه، عقوبته المكذبين رسله، كما قال تعالى في قصة إهلاكه قوم لوط: ﴿وَلَقَد تَرَكْنَا مِنْهَآ ءَايَةٌ مِنَةُ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٣٥)﴾ [العنكبوت]. ١٢١٠ - سورة غافر: الآية (١٣) وقال في عقوبته فرعون وقومه بالطوفان والجراد والقمل ... إلخ: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ اُلُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُعَّلَ وَالضَّفَائِعَ وَالذَّمَ ءَايَتِ مّفَصَّلَتٍ﴾ الآية [الأعراف: ١٣٣]. قوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّكُ لَكُمْ مِّنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ . أطلق - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة الرزق وأراد المطر؛ لأن المطر سبب الرزق، وإطلاق المسبب وإرادة سببه لشدة الملابسة بينهما، أسلوب عربي معروف، وكذلك عكسه الذي هو إطلاق السبب وإرادة المسبب كقوله: بعيدة مهوى القرط طيبة النشر أكلت دماً إن لم أرُعْكِ بضَّرةٍ فأطلق الدم وأراد الدية؛ لأنه سببها . وقد أوضحنا في رسالتنا المسماة: ((منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز)) أن أمثال هذا أساليب عربية، نطقت بها العرب في لغتها، ونزل بها القرآن، وأن ما يقوله علماء البلاغة من أن في الآية ما يسمونه المجاز المرسل الذي يعدون من علاقاته السببية والمسببية، لا داعي إليه، ولا دليل عليه يجب الرجوع إليه. وإطلاق الرزق في آية المؤمن هذه على المطر جاء مثله في غير هذا الموضع، كقوله تعالى في أول سورة الجاثية: ﴿وَمَّ أَنَزَّلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الجاثية: ٥]، فأوضح بقوله: ﴿فَأَحْيَا بِهِ اَلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الجاثية: ٥]، أن مراده بالرزق المطر؛ لأن المطر هو الذي يحيى الله به الأرض بعد موتها . وقد أوضح - جلّ وعلا -، أنّه إنّما سمى المطر رزقاً؛ لأن المطر سبب الرزق، في آيات كثيرة من كتابه، كقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَأَنَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ فَأَخْرَجَ بِهِ، مِنَ الثَّمَرَتِ رِزْقًا لَّكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٢]، والباء في قوله ﴿فَأَخَجَ بِهِ﴾ سببية كما ترى ... وكقوله تعالى في سورة إبراهيم: ﴿اَللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ فَأَخْرَجَ بِهِ، مِنَ الثَّمَرَتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ﴾ الآية [إبراهيم: ٣٢]. وقوله تعالى في سورة قّ: ﴿وَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ مُّبَرَّكَا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ اَْصِيدِ وَالنَّخْلَ بَاسِقَتٍ لَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ ﴾ رِزْقًا لِلْعِبَادِ﴾ [ق: ٩ -١١]. وبيّن في آيات أخر أن الرزق المذكور، شامل لما يأكله الناس، وما تأكله الأنعام؛ لأن ما تأكله الأنعام، يحصل بسببه للناس الانتفاع بلحومها، وجلودها وألبانها، وأصوافها وأوبارها، وأشعارها، كما تقدم كقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَآءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَتُخْرِجُ بِهِ، زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَمُهُمْ وَأَنْفُسُهُمَّ أَفَلاَ يُبْصِرُونَ ٢٧ [السجدة] وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَءَ لَّكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ ﴿ يُنْبِتُ لَكُ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَغْنَبَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَتِ﴾ ... الآية [النحل: ١٠، ١١]. فقوله: ﴿فِيهِ تُِيمُونَ﴾، أي تتركون أنعامكم سائمة فيه تأكل منه من غير أن ١٢١١ سورة غافر: الآيات (١٤ - ١٦) تتكلفوا لها مؤونة العلف كما تقدم إيضاحه بشواهده العربية، في سورة النحل وكقوله تعالى: ﴿وَأَنَزَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءَ فَأَخْرَحْنَا بِهِ أَزْوَجًا مِّن نَّبَاتٍ شَقَّ كُلُواْ وَأَرْعَوْاْ أَنْعَمَكُمْ﴾ الآية [طه: مَثَفًا لَّكُمْ وَلِأَنْغَيِكُ وَاِْبَالَ أَرْسَنُهَا ٥٤]. وقوله تعالى: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَ مَآءَهَا وَمَرْ عَنْهَا (W)﴾ [النازعات] إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى: ﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّ مَن يُنِبُ﴾. ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة، أن الناس ما يتذكر منهم؛ أي ما يتعظ بهذه الآيات المشار إليها في قوله: ﴿هُوَ الَّذِى يُرِكُمْ ءَايَتِهِ، وَيُتَزِّكُ لَكُمْ مِّنَ السَّمَاءِ رِزْقًاً وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّ مَن يُنِبُ (٣)﴾ أي من رزقه الله الإنابة إليه. والإنابة: الرجوع عن الكفر والمعاصي، إلى الإيمان والطاعة. . وهؤلاء المنيبون، المتذكرون، المتعظون، هم أصحاب العقول السليمة من شوائب الاختلال، المذكورون في قوله تعالى في أول سورة آل عمران: ﴿وَمَا يَذَكَّرُ إِلَّ أُوْلُواْ آلْأَلْبَبِ﴾ [آل عمران: ٧]. وفي قوله تعالى في سورة إبراهيم: ﴿وَلِيَعْلَمُوْ أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ﴾ [إبراهيم: ٥٢]، إلى غير ذلك من الآيات. وقد دلت آية المؤمن هذه، وما في معناها من الآيات، على أن غير أولي الألباب المتذكرين المذكورين آنفاً، لا يتذكر ولا يتعظ بالآيات، بل يعرض عنها أشد الإعراض. وقد جاء هذا المعنى موضحاً في آيات كثيرة من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴾ [يوسف]. ١٢٠٥ ﴿وَكَأَيْنِ مِنْ ءَةٍ فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ وقوله تعالى: ﴿وَإِن يَرَوْ ءَايَةً يُعْرِفُواْ وَيَقُولُوْ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌ ﴾﴾ [القمر]. وقوله: ﴿وَإِذَا رَأَوْأ ءَايَةٌ يَسْتَسْخِرُونَ ﴾ [الصافات]. وقوله تعالى: ﴿قُلِ أَنْظُرُواْ مَاذَا فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَمَا تُغْنِى [يونس]. وقوله: ﴿وَمَا تَأْنِهِم مِّنْ ءَايَةٍ مِّنْ ءَايَتِ الْآَيَثُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ رَبِهِمْ إِلَّا كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ ﴾﴾ [الأنعام]، في الأنعام ويَس إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى: ﴿فَادْعُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾. قد قدَّمنا الكلام على نحوه من الآيات في أول سورة الزمر، في الكلام على قوله: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ ﴿ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ اُلْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٢، ٣]. قوله تعالى: ﴿يُلْفِى الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ، عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، لِنَذِرَ يَوْمَ النَّلَافِ (٥) يَوْمَ هُم بَرِزُونَ﴾. قد قدّمنا إيضاحه بالآيات القرآنية، في أول سورة النحل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَتَبِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ، عَى مَن يَشَآَهُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُواْ أَنَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّ (١)) [النحل]. أَنَاْ فَاتَّقُونِ وقوله تعالى في آية المؤمن هذه: ﴿يَوْمَ هُم بَِزُونٌ لَا يَخْفَ عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَىْءٌ﴾ جاء مثله في آيات كثيرة، كقوله في بروزهم ذلك اليوم: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ اُلْأَرْضِ وَالسَّمَوَثُ وَبَرَزُواْ لِلَّى الْوَحِدِ الْقَهَّارِ (٨)﴾ [إبراهيم]. وقوله تعالى: ﴿وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَؤُأْ لِلَّذِينَ أُسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا﴾ ... الآية [إبراهيم: ٢١]. ١٢١٢ سورة غافر: الآية (١٨) وكقوله في كونهم لا يخفى على الله منهم شيء ذلك اليوم: ﴿يَوْمَيِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَی مِنْكُرْ خَافِيَةٌ (4﴾ [الحاقة]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَيِذٍ لَّخَبِيرٌ ﴾﴾ [العاديات]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَىْءٌ فِ اَلْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَآءِ جَ﴾ [آل عمران: ٥]، والآيات بمثل ذلك كثيرة، وقد بيناها في أول سورة هود في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَلَّ إِنَّهُمْ يَثُْنَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ﴾ ... الآية [هود: ٥]، وذكرنا طرفاً من ذلك، في أول سورة سبأ، في الكلام على قوله تعالى: ﴿عَلِمِ اٌلْغَيْبٍ لَا يَعْزُبُ عَنَّهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِ السَّمَوَتِ وَلَا فِىِ الْأَرْضِ﴾ الآية [سبأ: ٣]. قوله تعالى: ﴿وَأَنَذِرْهُمْ يَوْمَ الْأَزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَتَاجِرِ كَظِمِينَ﴾. الإنذار: الإعلام المقترن بتهديد خاصة، فكل إنذار إعلام، وليس كل إعلام إنذاراً. وقد أوضحنا معنى الإنذار وأنواعه في أول سورة الأعراف، في الكلام على قوله تعالى: ﴿كِتَبُ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَ يَكُنْ فِى صَدْرِكَ حَرٌَ مِنْهُ لِنُنذِرَ بِهِ﴾ ... الآية [الأعراف: ٢]. والظاهر أن قوله هنا: ﴿يَوْمَ الْأَزِفَةِ﴾ هو المفعول الثاني للإنذار لا ظرف له؛ لأن الإنذار والتخويف من يوم القيامة، واقع في دار الدنيا . والآزفة: القيامة. أي أنذرهم يوم القيامة، بمعنى خوفهم إياه وهددهم بما فيه من الأهوال العظام ليستعدوا لذلك في الدنيا بالإيمان والطاعة. وإنما عبر عن القيامة بالآزفة لأجل أزوفها أي قربها، والعرب تقول: أزف الترحل بكسر الزاي، يأزف بفتحها، أزفاً بفتحتين، على القياس، وأزوفاً فهو آزف، على غير قياس في المصدر الأخير، والوصف بمعنى قرب وقته وحان وقوعه، ومنه قول نابغة ذبيان: لما تزل برحالنا وكأن قد أزف الترحل غير أن ركابنا. ویروی أفد الترحل، ومعناهما واحد. والمعنى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآَزِفَةِ﴾ أي يوم القيامة القريب مجيئها ووقوعها. وما تضمنته هذه الآية الكريمة، من اقتراب قيام الساعة، جاء موضحاً في آيات أخر، كقوله تعالى: ﴿أَزِفَتِ الْأَزِفَةُ ﴿ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَشِفَةُ ﴾﴾ [النجم]. وقوله تعالى: ﴿أَقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ ... الآية [القمر: ١]. وقوله تعالى: ﴿اقْرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ الآية [الأنبياء: ١]. وقوله تعالى في الأحزاب: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحزاب: ٦٣]. وقوله تعالى في الشورى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى: ١٧]. وقد قدَّمنا هذا في أول سورة النحل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَ أَمْرُ اللَّهِ فَلَ تَسْتَعْجِلُهُ﴾ [النحل: ١]. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْخَتَاجِرِ كَظِينَ﴾، الظاهر فيه، أن ((إذ))، بدل من ((يوم))، وعليه فهو من قبيل المفعول به، لا المفعول فيه، كما بينا آنفاً ... والقلوب: جمع قلب وهو معروف. ولدى: ظرف بمعنى عند. والحناجر: جمع حنجرة وهي معروفة. سورة غافر: الآية (١٨) ١٢١٣ ومعنى كون القلوب لدى الحناجر، في ذلك الوقت فيه لعلماء التفسير وجهان معروفان: أحدهما: ما قاله قتادة وغيره، من أن قلوبهم يومئذ، ترتفع من أماكنها في الصدور حتى تلتصق بالحلوق، فتكون لدى الحناجر، فلا هي تخرج من أفواههم فيموتوا، ولا هي ترجع إلى أماكنها في الصدور فيتنفسوا. وهذا القول هو ظاهر القرآن. والوجه الثاني: هو أن المراد بكون القلوب لدى الحناجر، بيان شدة الهول، وفظاعة الأمر، وعليه فالآية كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَرُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُونَ بِاللَّهِ الْقُلُنُونَ ﴿ هُنَالِكَ أَبْتُلِى الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالًا شَدِيدًا (4﴾ [الأحزاب]، وهو زلزال خوف وفزع لا زلزال حركة الأرض. قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿كَظِمِينَ﴾ معناه مكروبين ممتلئين خوفاً وغماً وحزناً. والكظم: تردد الخوف والغيظ والحزن في القلب حتى يمتلئ منه، ويضيق به. والعرب تقول: كظمت السقاء إذا ملأته ماء، وشددته عليه. وقول بعضهم كاظمين؛ أي ساكتين، لا ينافي ما ذكرنا؛ لأن الخوف والغم الذي ملأ قلوبهم يمنعهم من الكلام، فلا يقدرون عليه، ومن إطلاق الكظم على السكوت قول العجاج: وربّ أسراب حجيج كظّم عن اللَّغا ورفتِ التكلُّمِ ويرجع إلى هذا القول معنى قول من قال: كاظمين؛ أي لا يتكلمون إلا من أذن له الله، وقال الصواب، كما قال تعالى: ﴿لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابً﴾ [النبأ: ٣٨]. وقوله: ﴿كَظِمِينٌ﴾ حال من أصحاب القلوب على المعنى، والتقدير ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى اٌلْخَنَاجِرِ﴾؛ أي إذ قلوبهم لدى حناجرهم في حال كونهم كاظمين، أي ممتلئين خوفاً وغماً وحزناً، ولا يبعد أن يكون حالاً من نفس القلوب، لأنها وصفت بالكظم الذي هو صفة أصحابها . ونظير ذلك في القرآن: ﴿إِّ رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْنُهُمْ لِ سَجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤]، فإنه أطلق في هذه الآية الكريمة، على الكواكب والشمس والقمر صفة العقلاء في قوله تعالى: ﴿رَأَيْنُهُمْ لِ سَجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤]، والمسوغ لذلك وصفه الكواكب والشمس والقمر بصفة العقلاء التي هي السجود. ونظير ذلك أيضاً قوله تعالى: ﴿إِن ثََّأْ نُنْزِّلْ عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَيَّةً فَظَلَّتْ أَعْتَقُهُمْ لَهَا ﴾ [الشعراء]. وقوله تعالى: ﴿قَالَتَآ أَنَّيْنَا طَآَبِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]. خَضِعِینَ قوله تعالى: ﴿مَا لِلَّالِمِينَ مِنْ حَمِيرٍ وَلَا شَفِيعِ يُطَاعُ﴾ . قد قدَّمنا الكلام عليه في سورة البقرة، وسورة الأعراف، وأحلنا عليه مراراً. ١٢١٤ سورة غافر: الآيات (١٩ - ٢٨) قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَبِنَّةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِى الصُّدُورُ (﴿﴾﴾. قد قدَّمنا الكلام على ما يماثله من الآيات في أول سورة هود، وفي غيرها، وأحلنا عليه أيضاً مراراً. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِشَايَتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ ﴿﴿ إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَمَانَ وَفَرُونَ فَقَالُواْ سَحِرٌ كَذَابٌ ﴾﴾. ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة، أنّه أرسل نبيه موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، بآياته وحججه الواضحة كالعصا واليد البيضاء إلى فرعون وهامان وقارون فكذبوه، وزعموا أنه ساحر. وأوضح هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله تعالى عن فرعون وقومه: ﴿وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْيِنَا بِهِ، مِنْ ءَايَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا﴾ [الأعراف: ١٣٢]، وقوله تعالى عن فرعون: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُّكُمُ الَّذِى عَلَّمَكُمُ السّحْرِّ﴾ [طه: ٧١]. وقوله تعالى: ﴿قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَحٍِ عَلِيمٌ (٣)﴾ [الأعراف] والآيات بمثل ذلك كثيرة. وقد بيناها في مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنِّ عُدْتُ بِرَبِ وَرَبِّكُمْ مِّن كُلِّ مُتَكٍَِّ لَّا يُؤْمِنُ بِيَّوْمِ الْحِسَابِ ﴾﴾. ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة أنّ نبيه موسى - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - عاذ بربه؛ أي اعتصم به، وتمنع من كل متكبر؛ أي متصف بالكبر، لا يؤمن بيوم الحساب؛ أي لا يصدق بالبعث والجزاء. وسبب عياذ موسى بربه المذكور، أن فرعون قال لقومه: ﴿ذَرُونِ أَقْتُلٌ مُوسَى وَلَيَدْعُ رَبٌَّ إِنَّ أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾. فعياذ موسى المذكور بالله إنما هو في الحقيقة من فرعون، وإن كانت العبارة أعم من خصوص فرعون؛ لأنّ فرعون لا شك أنه متكبر لا يؤمن بيوم الحساب، فهو داخل في الكلام دخولاً أولياً، وهو المقصود بالكلام. وما ذكره - جلّ وعلا - في آية المؤمن هذه، في عياذ موسى بالله من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب كفرعون، وعتاة قومه، ذكر نحوه في سورة الدخان في قوله تعالى عن موسى مخاطباً فرعون وقومه: ﴿وَإِى عُذْتُ بِرَبِى وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُونِ ﴾﴾ الآية [الدخان]. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِّنْ ءَالٍ فِرْعَوْنَ بَكْتُمُ إِيمَنَهُ، أَنَفْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبَِّ اَللَّهُ﴾. ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة أنّ رجلاً مؤمناً في آل فرعون يكتم إيمانه، أي يخفي عنهم أنه مؤمن، أنكر على فرعون وقومه إرادتهم قتل نبي الله موسى - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - حين قال فرعون: ﴿ذَرُونِّ أَقْتُلٌ مُوسَى وَلَيَدْعُ رَبٌَّ﴾ الآية. مع أنه لا ذنب له يستحق به القتل، إلا أنّه يقول: ربي الله. وقد بيّن في آيات أخر أن من عادة المشركين قتل المسلمين، والتنكيل بهم، وإخراجهم من ديارهم من غير ذنب، إلا أنهم يؤمنون بالله ويقولون: ربنا الله، كقوله تعالى في أصحاب الأخدود، الذين حرقوا المؤمنين: ﴿قُئِلَ أَضْحَبُ الْأُنْدُودِ ﴿ أَنَارِ ذَاتِ الْوَقُودِ ﴿َ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ ﴿ وَهُمْ عَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ ﴿٣ وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلَّ أَن يُؤْمِنُواْ ١٢١٥ سورة غافر: الآية (٢٩) . [البروج]. وقوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنَّ اللَّهَ بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيْرُ ﴿ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَرِهِم بِغَيْرِ حَقٍ إِلَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [الحج: ٣٩، ٤٠]. وقوله تعالى عن الذين كانوا سحرة لفرعون، وصاروا من خيار المؤمنين، لمّا هددهم فرعون قائلاً: ﴿لَأُقَطِعَنَّ أَيْدِيَّكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خَِفٍ ثُمَّ لَأُصَلِبَنَّكُمْ أَجْمُعِينَ (٣٤)) [الأعراف]، أنّهم أجابوه، بما ذكره الله عنهم في قوله: ﴿قَالُواْ إِنَّا إِلَى رَبِنَا مُنْقَلِبُونَ (٢٥) وَمَا نَنِمُ مِنَّ إِلَّ أَنْ ءَامَنَا بِثَايَتِ رَبَِّا لَمَّا جَاءَتْنَا﴾ [الأعراف: ١٢٦]، إلى غير ذلك من الآيات. والتحقيق أنّ الرجل المؤمن المذكور في هذه الآية من جماعة فرعون كما هو ظاهر قوله تعالى: ﴿مِّنْ ءَالٍ فِرْعَوْنَ﴾ [البقرة: ٤٩]. فدعوى أنّه إسرائيلي، وأن في الكلام تقديماً وتأخيراً، وأن من آل فرعون متعلق بيكتم؛ أي وقال رجل مؤمن يكتم إيمانه من آل فرعون؛ أي يخفي إيمانه عن فرعون وقومه، خلاف التحقيق كما لا يخفى. وقيل: إنّ هذا الرجل المؤمن هو الذي قال لموسى: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِّرُونَ بِكَ ◌ِيَقْتُلُوَكَ فَأَخْرُجْ﴾ [القصص: ٢٠]. وقيل غيره. واختلف العلماء في اسمه اختلافاً كثيراً فقيل: اسمه حبيب، وقيل: اسمه شمعان، وقيل: اسمه حزقيل، وقيل غير ذلك. ولا دليل على شيء من ذلك. والظاهر في إعراب المصدر المنسبك من أن وصلتها في قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿أَنْ يَقُولَ رَبَِّ اَللَّهُ﴾، أنّه مفعول من أجله. وقال البخاري كَّفُ في صحيحه في تفسير هذه الآية الكريمة: حدثنا علي بن عبد الله، حدّثنا الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعي قال: حدثني يحيى بن أبي كثير قال: حدّثني محمد بن إبراهيم التيمي، حدّثني عروة بن الزبير قال: قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص: أخبرني بأشد ما صنع المشركون برسول الله ؟ قال: ((بينا رسول الله الخيول يصلي بفناء الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط، فأخذ بمنكب رسول الله و له ولوى ثوبه في عنقه فخنقه خنقاً شديداً، فأقبل أبو بكر فأخذ بمنكبه ودفع عن رسول الله وصله وقال: ((أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله؟!، وقد جاءكم بالبينات من ربكم)). قوله تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ مَآ أُرِيَكُمْ إِلَّا مَآ أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾. الظاهر أن أرى في هذه الآية الكريمة علمية، عرفانية، تتعدى لمفعول واحد، كما أشار له في الخلاصة بقوله: لعلم عرفان وظَنٌّ تهمه تعديةٌ لِواحد ملتزمه وعليه فالمعنى: قال فرعون ما أعلمكم وأعرفكم، من حقيقة موسى وأنه ينبغي أن يقتل، خوف أن يبدل دينكم، ويظهر الفساد في أرضكم، إلا ما أرى؛ أي أعلم وأعرف أنه الحق والصواب، فما أخفي عنكم خلاف ما أظهره لكم، وما أهديكم بهذا إلا سبيل الرشاد؛ أي طريق السداد والصواب. ١٢١٦ سورة غافر: الآية (٤٠) وهذان الأمران اللذان ذكر تعالى عن فرعون أنه قالهما في هذه الآية الكريمة، قد بين في آيات أخرى أن فرعون كاذب في كل واحد منهما . أما الأول منهما وهو قوله: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّ مَآ أَرَى﴾، فقد بين تعالى كذبه فيه في آيات من كتابه، وأوضح فيها أنه يعلم ويتيقن أن الآيات التي جاءه بها موسى حق، وأنها ما أنزلها إلا الله، وأنه جحدها هو ومن استيقتها معه من قومه ليستخفوا بها عقول الجهلة منهم، كقوله تعالى في سورة النمل: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِى جَمْيِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءُ مِنْ غَيْرِ سُوْءٌ فِ تِسْعِ ءَيْتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِّ إِنَّهُمْ كَانُوْ قَوْماً فَِقِينَ (١) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ ءَايَنُنَا مُبْصِرَةً قَالُواْ هَذَا سِحْرٌ مُّبِيرٌ وَحَحَدُواْ بِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَاَ أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوَّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِيَةُ الْمُفْسِدِينَ ﴾ [النمل]. فقوله تعالى: في هذه الآية ﴿وَحَحَدُواْ بِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُواْ﴾ [النمل: ١٤]، دليل واضح على أن فرعون كاذب في قوله: ﴿مَآ أُرِيَكُمْ إِلَّ مَآ أَرَى﴾. وكقوله تعالى في سورة بني إسرائيل: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَؤُلَاءٍ إِلََّّ رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ بَصَابِرَ وَإِنِّي لَأَظْتُكَ يَفِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (٢)﴾ [الإسراء]. فقول نبي الله موسى لفرعون: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنْزَلَ هَؤُلَاءٍ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الإسراء: ١٠٢]، مؤكداً إخباره بأن فرعون عالم بذلك بالقسم، وقد دل أيضاً على أنه كاذب في قوله: ﴿مَا أُرِيَكُمْ إِلَّا مَا أَرَى﴾ وكان غرض فرعون بهذا الكذب التدليس والتمويه؛ ليظن جهلة قومه أن معه الحق، كما أشار تعالى إلى ذلك في قوله: ﴿فَأَسْتَخَفَّ قَوْمَهُ، فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوَمَاً ﴾ [الزخرف]. فَاسِقِينَ وأما الأمر الثاني وهو قوله: ﴿وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلَّ سَيِلَ الرَّشَادِ﴾ فقد بيّن تعالى كذبه فيه في آيات من كتابه، كقوله تعالى: ﴿فَنَّهُوَأْ أَ فِرْعَوْنٌ وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٧]. وقوله تعالى: ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى (4)﴾ [طه] .. وقال بعض العلماء في قوله: ﴿مَا أُرِّيَكُمْ إِلَّا مَآ أَرَى﴾؛ أي ما أشير عليكم إلا بما أرى لنفسي من قتل موسى. والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةُ فَلاَ يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهاً﴾. هذه الآية الكريمة، وأمثالها من الآيات الدالة عن أن السيئات لا تضاعف، ولا تجزى إلا بمثلها، بينها وبين الآيات الأخرى الدالة على أن السيئات ربما ضوعفت في بعض الأحوال، كقوله تعالى في نبينا وَلِ: ﴿إِذَا لَّأَذَقْتَكَ ضِعْفَ الْحَيَوَةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ [الإسراء: ٧٥]. وقوله تعالى في نسائه رضي الله عنهن: ﴿يَنِسَآءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِنَةٍ يُضَعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْ﴾ [الأحزاب: ٣٠]، إشكال معروف. وقد قدَّمنا الجواب عنه موضحاً في سورة النمل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَن جَّهُ بِلَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِ النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُمْ تَعْمَلُونَ ﴾﴾ [النمل]. ١٢١٧ سورة غافر: الآيات (٤٠ - ٤٥) قوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِرٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. قد أوضحنا معنى هذه الآية الكريمة، وبينا العمل الصالح بالآيات القرآنية، وأوضحنا الآيات المبينة لمفهوم المخالفة، في قوله: ﴿وَهُوَ مُؤْمِرٌ﴾ في مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك في سورة النحل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَتُحْبِيَنَهُ حَيَوَةً طَيِّبَةٌ﴾ [النحل: ٩٧]. وفي أول سورة الكهف، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَِّحَتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا ﴿ مَكِتِينَ فِيهِ أَبَدًا ﴾﴾ [الكهف]. قوله تعالى: ﴿وَتَدْعُونَنِىَ إِلَى النَّارِ ﴿٣ تَدْعُونَنِى لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ، مَا لَيْسَ لِ بِهِ، عِلْمٌ﴾. الظاهر أن جملة قوله: ﴿تَدْعُونَنِى لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ﴾، بدل من قوله: ﴿وَتَدْعُونَِىّ إِلَى النَّارِ﴾؛ لأن الدعوة إلى الكفر بالله والإشراك به دعوة إلى النار. .. . وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أنّ الكفر والإشراك بالله مستوجب لدخول النار، بيّنه تعالىٍ في آيات كثيرة من كتابه كقوله: ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَنُهُ النَّارُ﴾ [المائدة: ٧٢]، وقد قدَّمنا ما فيه كفاية من ذلك في سورة الحج، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَن يُثْرِكِ بِاللَّهِ فَكَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَآءِ﴾ ... الآية [الحج: ٣١] .. قوله تعالى: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُمْ وَأُقَوِّضُ أَمْرِى إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِلْعِبَادِ ﴿﴿ فَقَدَهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوْ وَحَاقَ بِثَالٍ فِرْعَوْنَ سُوَءُ الْعَذَابِ ٤٥) ﴾. التحقيق الذي لا شك فيه، أن هذا الكلام، من كلام مؤمن آل فرعون الذي ذكر الله عنه، وليس لموسی فیه دخلی . وقوله: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُمَّ﴾، يعني أنّهم يوم القيامة يعلمون صحة ما كان يقول لهم، ويذكرون نصيحته، فيندمون حيث لا ينفع الندم، والآيات الدالة على مثل هذا من أن الكفار تنكشف لهم يوم القيامة حقائق ما كانوا يكذبون به في الدنيا كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَكَذَّبَ بِ قَوَّمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلِ ﴾ لِكُلِّ نَبَرِ مُسْتَقَرٌ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٧)﴾ [الأنعام] وقوله تعالى: ﴿وَلَعَلَّمُنَّ نَبَمُ بَعْدَ حِينٍ ﴾﴾. وقوله تعالى: ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ﴿أَ ثُرَّ كَلَّ سَيَعْلَمُونَ ﴾﴾ [النبأ). وقوله تعالى: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ ثُمَّ كَلََّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ [التكاثر]. وقوله تعالى: ﴿فَكَتَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَصَرُكَ أَلْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢] إلى غير ذلك من الآيات. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَأَفَوِّضُ أَمْرِى إِلَى اللَّهُّ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ٤٤ فَوَقَدُهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُواْ﴾، دليل واضح على أنّ التوكل الصادق على الله، وتفويض الأمور إليه، سبب للحفظ والوقاية من كل سوء، وقد تقرر في الأصول أن الفاء من حروف التعليل، كقولهم سها فسجد؛ أي سجد لعلة سهوه، وسرق فقطعت يده؛ أي لعلة سرقته، كما قدَّعناه مراراً. ١٢١٨ سورة غافر: الآيات (٤٠ - ٤٥) وما تضمنته هذه الآية الكريمة، من كون التوكل على الله سبباً للحفظ، والوقاية من السوء، جاء مبيناً في آيات أخر، كقوله تعالى: ﴿وَمَن يَنَوَكَّلْ عَلَى اَللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ؟﴾ [الطلاق: ٣]. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَنَا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴿١٨) فَأَنْقَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اَللَّهِ وَفَضَّلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوَّءٌ﴾ [آل عمران: ١٧٣، ١٧٤]. وقد ذكرنا الآيات الدالة على ذلك بكثرة، في أول سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَلَّا تَتَّخِذُواْ مِن دُونِ وَكِيلًا﴾ [الإسراء: ٢]. والظاهر أن ((ما)) في قوله: ﴿سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُواْ﴾ مصدرية؛ أي فوقاه الله سيئات مكرهم؛ أي أضرار مكرهم وشدائده، والمكر: الكيد. فقد دلت هذه الآية الكريمة، على أنّ فرعون وقومه أرادوا أن يمكروا بهذا المؤمن الكريم وأن الله وقّاه، أي حفظه ونجاه، من أضرار مكرهم وشدائده بسبب توكله على الله، وتفویضه أمره إليه. وبعض العلماء يقول: نجاه الله منهم مع موسى وقومه، وبعضهم يقول: صعد جبلاً فأعجزهم الله عنه ونجاه منهم، وكل هذا لا دليل عليه، وغاية ما دل عليه القرآن أن الله وقاه سيئات مكرهم؛ أي حفظه ونجاه منها . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَحَاقَ بِثَالِ فِرْعَوْنَ سُوَءُ الْعَذَابِ﴾؛ معناه أنهم لمّا أرادوا أن يمكروا بهذا المؤمن، وقاه الله مكرهم، ورد العاقبة السيئة عليهم، فرد سوء مكرهم إليهم، فكان المؤمن المذكور ناجياً في الدنيا والآخرة، وكان فرعون وقومه هالكين، في الدنيا والآخرة والبرزخ. فقال في هلاكهم في الدنيا: ﴿وَأَغْرَقْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ﴾ الآية [البقرة: ٥٠]، وأمثالها من الآيات. وقال في مصيرهم في البرزخ: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾. وقال في عذابهم في الآخرة: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُواْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ أَلْعَذَابِ﴾ . وما دلت عليه هذه الآية الكريمة، من حيق المكر السيئ بالماكر، أوضحه تعالى في قوله: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ اَلسَّبِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾. والعرب تقول حاق به المكروه يحيق به حيقاً وحيوقاً، إذا نزل به وأحاط به، ولا يطلق إلا على إحاطة المكروه خاصة. يقال حاق به السوء والمكروه، ولا يقال حاق به الخير، فمادة الحيق من الأجوفِ الذي هو يائي العين، والوصف منه حائق على القياس، ومنه قول الشاعر: وحاق بهم من يأس ضِبَّة حائقُ فأوطأ جُزْد الخيل عقر ديارهم ١٢١٩ سورة غافر: الآيات (٤٧ - ٤٩) - وقد قدَّمنا أن وزن السيئة بالميزان الصرفي، ((فيعلة)) من السوء فأدغمت ياء الفيعلة الزائدة في الواو، التي هي عين الكلمة، بعد إبدال الواو ياء على القاعدة التصريفية المشار إليها في الخلاصة بقوله: واتصلا ومن عروض عَرِيا إن يسكن السابق من وَاوٍ وَيَا وشدَّ معطى غيرُ ما قد رسما فياء الواو اقلبَنَّ مدغما قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُونَ فِ النَّارِ فَيَقُولُ اُلْضُّعَفَوْاْ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُم مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِّنَ النَّارِ ـْجَ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُلُّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ ﴿٣)﴾. قوله تعالى: ﴿يَتَحَلَّجُونَ فِ النَّارِ﴾ أصله يتفاعلون؛ من الحجة أي يختصمون، ويحتج بعضهم على بعض، وما تضمنته هذا الآية الكريمة، جاء موضحاً في آيات من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ ﴾﴾ [ص]. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَ إِذِ الَِّلِمُونَ مَوْقُوُفُونَ عِندَ رَبِهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضِ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ أُسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ لَوْلاَ أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ ﴾ قَالَ الَّذِينَ أَسْتَكْبَرُواْ لِلَّذِينَ أُسْتُضْعِفُواْ أَنَحْنُ صَدَدْنَكُمْ عَنِ الْمُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُم تُجْرِمِينَ (*) وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِقُواْ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ بَلْ مَكْرُ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ لِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ تَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ: أَنْدَادًا﴾ [سبأ: ٣١ - ٣٣]. وقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُنَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْنَهَا حََّ إِذَا أَذَّارَكُواْ فِيهَا ◌َمِيعًا قَالَتْ أُخْرَهُمْ لِأُولَئُهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُونَا فَاتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلِّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ وَقَالَتْ أُولَئُهُمْ لِأُخْرَهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُمْ ٣٨ لَّا نَعْلَمُونَ تَكْسِبُونَ (﴿6﴾ [الأعراف]. وقوله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ اُلَّذِينَ أَتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ أَتَّبَعُواْ وَرَأَوْا اَلْعَذَابَ وَتَقَطّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ أَتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةٌ فَتَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّهُوأ مِنَّا﴾ [البقرة]. وقوله تعالى: ﴿وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَتُؤْ لِلَّذِينَ أُسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعَا فَهَلْ أَنْتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ الَّهِ مِن شَىْءٍ قَالُواْ لَوْ هَدَنَا اللَّهُ لَدَيْنَكُمُّ سَوَآءُ عَلَيْنَاَ أَجَزِعْنَآ أَمَّ صَبِّرْنَا مَا لَنَا مِن مَحِيصِ ﴿﴿ وَقَالَ الشَّيْطَنُ لَمَّا فُضِىَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَعَدَّتُّكُمْ فَأَغْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مِن سُلْطَانٍ إِلَّ أَنْ دَعَوْتُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِ فَلَ تَلُومُونِ وَلُومُوْ أَنْفُسَكُمْ مَّ أَنَأْ بِمُصْرِفِكُمْ وَمَآ أَنْتُم بِمُصْرِخِىٌَّ إِنِ كَفَرْتُ بِمَّآ أَثْرَكْتُونٍ مِن قَبْلٌ﴾ [إبراهيم: ٢١، ٢٢]، والآيات بمثل هذا كثيرة، وقد قدَّمنا الكلام عليها في مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِىِ النَّارِ لِخَزَنَةٍ جَهَنَّمَ أَدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ اُلْعَذَابِ ﴾﴾. ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة، أن أهل النار طلبوا من خزنة جهنم أن يدعوا لهم الله أن يخفف عنهم من شدة عذاب النار. وقد بيّن في سورة الزخرف أنهم نادوا مالكاً خاصة، من خزنة أهل النار، ليقضي الله عليهم، أي ليميتهم فيستريحوا بالموت من عذاب النار. ١٢٢٠ سورة غافر: الآيات (٥٠ - ٥٣) وقد أوضح - جلّ وعلا - في آيات من كتابه، أنهم لا يجابون في واحد من الأمرين. فلا يخفف عنهم العذاب، الذي سألوا تخفيفه، في سورة المؤمن هذه. ولا يحصل لهم الموت الذي سألوه في سورة الزخرف. فقال تعالى في عدم تخفيف العذاب عنهم في هذه الآية: ﴿قَالُواْ أَوَلَمْ نَكُ تَأْتِيَكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَتِّ قَالُواْ بَنْ قَالُواْ فَأَدْعُواْ وَمَا دُعَوَّا الْكَفِرِينَ إِلَّا فِ ضَلٍ ﴾﴾. وقال تعالى: ﴿وَلَا يُحَفَّفُ عَنْهُم مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِى كُلَّ كَفُورٍ﴾ [فاطر: ٣٦]. وقال تعالى: ﴿فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ ﴾ [الزخرف]. وقال تعالى: [النبأ: ٣٠]. وقال تعالى: ﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ [الفرقان: ٦٥]. وقال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ [الفرقان: ٧٧]. وقال تعالى: ﴿لَا يُحَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُظَرُونَ﴾ [البقرة: ١٦٢]. وقال تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٧]. وقال تعالى في عدم موتهم في النار: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ [فاطر: ٣٦]. وقال تعالى: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِحَيِّتٍ﴾ [إبراهيم: ١٧]. وقال تعالى: ﴿ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابٌ﴾ [النساء: ٥٦]. وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيَهَا وَلَا يَحَْى (®)﴾ [طه]. وقال تعالى: ﴿وَيَنَجَنَّها ـ) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِهَا وَلَا يَحْنَى (٣)﴾ [الأعلى]. ولما قالوا: OF الَّذِى يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرِى الأَشْغَی ﴿ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكٌ﴾ [الزخرف: ٧٧]، أجابهم بقوله: ﴿قَالَ إِنَّكُم مََّكِنُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧]. قوله تعالى: ﴿قَالُواْ أَوْلَمْ تَكُ تَأْتِيَكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيْنَتِّ﴾ . وقد قدَّمنا الكلام عليه مع الآيات التي بمعناه في سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَقَّ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]. قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ فِىِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَدُ ٥١ قد قدّمنا الآيات الموضحة له في سورة آل عمران، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَكَيِّنِ مِن نَّبِيٍّ قَتَلَ مَعَهُ رِبِيُّونَ كَثِيرٌ﴾ الآية [آل عمران: ١٤٦]، وذكرنا طرفاً من ذلك في إِنَّهُمْ لَمُ ١٧١ الصافات، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمِنْنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ [الصافات]، وستأتي له زيادة إيضاح إن شاء الله في سورة المجادلة. الْمَنصُورُونَ ◌َةَّ هُدَى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى اَلْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِىّ إِسْرَءِيلَ الْكِتَبَ وَذِكْرَى لِأُوْلِ الْأَلْبَبِ ﴾﴾. اللام في قوله: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى الْهُدَى﴾ موطئة للقسم، وصيغة الجمع في آتينا وأورثنا للتعظيم. والمراد بالهدى ما تضمنه التوراه من الهدى في العقائد والأعمال: ﴿وَأَوْرَثْنَا بَنِيّ إِسْرَوِيلَ الْكِتَبَ﴾ وهو التوراة، وقوله: ﴿هُدَّى وَذِكْرَى لِأُوْلِ الْأَلْبَبِ (@) مفعول من أجله؛ أي لأجل الهدى والتذكير. وقال بعضهم: هدى حال، وورود المصدر المنكر حالاً معروف، كما أشار له في الخلاصة بقوله :