Indexed OCR Text
Pages 1141-1160
١١٤١ سورة فاطر: الآيات (٤ - ١٠) قوله تعالى: ﴿وَإِن يُكَذِّبُكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ﴾﴾. ما تضمنته هذه الآية الكريمة من تسليته و 19، بأن ما لاقاه من قومه من التكذيب لاقاه الرسل الكرام من قومهم قبله - صلوات الله وسلامه عليهم جميعاً - جاء موضحاً في آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حََّ أَنَهُمْ نَصْرُنَا﴾ [الأنعام: ٣٤]. وقوله تعالى: ﴿مَّا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلِرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ﴾ [فصلت: ٤٣]، والآيات بمثل ذلك كثيرة معروفة. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُنْ عَدُوٌّ فَتَّخِذُوهُ عَدُوًّاً﴾. قد قدمنا الآيات التي بمعناه في مواضع من هذا الكتاب المبارك كقوله تعالى في الكهف: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ، أَوْلِيَآءَ مِنْ دُونِ وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌ﴾ [الكهف: ٥٠]. قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَبِ السَّعِيرِ﴾. قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الحج، في الكلام على قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَبَدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ ﴾﴾ [الحج]. قوله تعالى: ﴿فَلَا نَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَزَتٍ﴾. قد قدّمنا الآيات الموضحة له في سورة الأنعام، في الكلام على قوله تعالى: ﴿قَدْ نَعَلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِى يَقُولُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣]، وفي الكهف في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَخِعُ نَّفْسَكَ عَلَى ءَاتَدِهِمْ﴾ الآية [الكهف: ٦]. وغير ذلك من المواضع. قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الَّذِىّ أَرْسَلَ الرَّحَ فَتُثِرُ سَحَابًا فَسُقْنَهُ إِلَى بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْبَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ ﴾﴾. ما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن إحياءه تعالى الأرض بعد موتها المشاهد في دار الدنيا برهان قاطع على قدرته على البعث، قد تقدم إيضاحه بالآيات القرآنية في مواضع كثيرة في سورة البقرة، والنحل، والأنبياء، وغير ذلك، وقد تقدمت الإحالة عليه مراراً. قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِدُ الْعِزَّةَ فَلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًاً﴾. بين - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة: أن من كان يريد العزة فإنها جميعها لله وحده، فليطلبها منه وليتسبب لنيلها بطاعته - جلّ وعلا -، فإن من أطاعه أعطاه العزة في الدنيا والآخرة، أما الذين يعبدون الأصنام لينالوا العزة بعبادتها، والذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، يبتغون عندهم العزة، فإنهم في ضلال وعمى عن الحق؛ لأنهم يطلبون العزة من محل الذل. وهذا المعنى، الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة جاء موضحاً في آيات من كتاب الله تعالى كقوله تعالى: ﴿وَاَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ ءَالِهَةُ لِيَكُونُواْ لَهُمْ عِزَّا (٨ كَلَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِذًا ﴾﴾ [مريم]. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَفِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ اٌلْمُؤْمِنِينَّ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (9)﴾ [النساء]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمُ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًاً هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾﴾ [يونس]. ١١٤٢ سورة فاطر: الآيات (١٠ - ١٢) وقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَبِن رَّجَعْنَآ إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ﴾ ... الآية [المنافقون: ٨]. وقوله تعالى: ﴿سُبْحَنَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّوْ عَمَّا يَصِفُونَ (٣)﴾ [الصافات] والعزة: الغلبة والقوة، ومنه قول الخنساء: كأن لم يكونوا حمى يختشى إذ الناس إذ ذاك مَنْ عَزَّبَزَّا أي من غلب استلب، ومنه قوله تعالى: ﴿وَعَزَِّ فِ الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٣]، أي غلبني وقوي علي في الخصومة. وقول من قال من أهل العلم: إن معنى الآية: من كان يريد العزة أي يريد أن يعلم لمن العزة؛ أصوب منه ما ذكرنا. والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿ وَلَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾. قد تقدم بعض الكلام عليه في سورة النحل، مع إعراب السيئات. وقد قدَّمنا في مواضعٍ أخر أن من مكرهم السيئات كفرهم بالله وأمرهم أتباعهم به، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ أَسْتَكْبَرُواْ بَلْ مَكْرُ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَآ أَنْ تَكْفُرَ بَاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا﴾ [سبأ: ٣٣]. وكقوله تعالى: ﴿وَمَكَرُواْ مَكْرًا كُبَّارًا ﴿ وَقَالُواْ لَا نَذَرُنَّ ◌َالِهَتَّكُمْ وَلَا نَذَرُنَّ وَدَّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُونَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٣)﴾ [نوح]. والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةِ﴾ . قد تقدم إيضاحه بالآيات القرآنية في أول سورة الحج، في الكلام على قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنْتُمْ فِ رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَا خَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ﴾ [الحج: ٥]. قوله تعالى: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾. قد قدّمنا الآيات الموضحة له في سورة الرعد، في الكلام على قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ اَلْأَزْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُ شَىْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ ﴾﴾ [الرعد] مع بيان الأحكام المتعلقة بالآية. قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرِ وَلَا يُنقَّصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِ كِنٍَ﴾. قد قدّمنا بعض الكلام عليه في آخر سورة الأحزاب، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَحَلَهَا الْإِنسَنِّ ◌ِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب:، ٧٢] وفي سورة الفرقان في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ فِيَهَا سِرَجًا وَقَمَرًّا مُنِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٣]. قوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِى الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَآئِعٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْعُ أُجَيِّ﴾. · تقدم إيضاحه في سورة الفرقان، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْعُ أُجَاجٌ﴾ [الفرقان: ٥٣]. قوله تعالى: ﴿وَمِن كُلِّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةٌ تَلْبَسُونَهَا﴾. قد تقدم الكلام عليه مع يبسط أحكام فقهية تتعلق بذلك في سورة النحل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًا وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلِيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [النحل: ١٤]. ١١٤٣ سورة فاطر: الآيات (١٤ - ١٨) - وتقدم في سورة الأنعام، في الكلام على قوله تعالى: ﴿يَمَعْشَرَ أَلِْنْ وَالْإِنِسِ أَلَـ يَأْتُِّمْ رُسُلٌ مِّنِكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠]. أنّ قوله في آية فاطر هذه: ﴿وَمِن كُلِّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ ◌ِيَةٌ تَلْبَُّونَهَا﴾، دليل قرآني واضح على بطلان دعوى من ادعى من العلماء أن اللؤلؤ والمرجان لا يخرجان إلا من البحر الملح خاصة. قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾. قد قدّمنا الآيات الموضحة له في سورة مريم، في الكلام على قوله تعالى: ﴿كَلََّّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٤)﴾ [مريم]، وفي غيره من المواضع. قوله تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغِىُّ الْحَمِيدُ ١٥] بين جلَّ - وعلا - في هذه الآية الكريمة: أنه غني عن خلقه، وأن خلقه مفتقر إليه: أي فهو يأمرهم وينهاهم لا لينتفع بطاعتهم، ولا ليدفع الضر بمعصيتهم، بل النفع في ذلك كله لهم، وهو - جلّ وعلا - الغني لذاته، الغني المطلق. وما دلت عليه هذه الآية الكريمة مع كونه معلوماً من الدين بالضرورة، جاء في مواضع كثيرة، من كتاب الله كقوله تعالى: ﴿وَاَللَّهُ الْغَنِىُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ وَإِن تَتَوَلَّوْ يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيَرَّكُمْ﴾ الآية [محمد: ٣٨]. وقوله تعالى: ﴿فَكَفَرُواْ وَوَلَّا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِىُّ حِيدٌ﴾ [التغابن: ٦]، وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِن تَكْفُرُواْ أَنْتُمْ وَمَنْ فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَ اللَّهَ لَغَنِىُّ حَمدُ ﴾﴾ [إبراهيم] إلى غير ذلك من الآيات. وبذلك تعلم عظم افتراء الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء، وقد هددهم الله على ذلك بقوله: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ اَلْحَرِيقِ﴾ [آل عمران: ١٨١]. قوله تعالى: ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ﴿ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزِ (@)﴾. قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة النساء، في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِن يَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِثَاخَينْ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (٣٦)﴾ [النساء]. قوله تعالى: ﴿وَلَ نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. قد قدّمنا الآيات الموضحة له مع الجواب عن بعض الأسئلة الواردة على الآية في سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىُّ وَمَا كُنَا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]. قوله تعالى: ﴿وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةُ إِلَى حِلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْءٌ﴾. قد قدّمنا الآيات الموضحة له في سورة النحل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْجِيَمَةٌ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ ﴾﴾ [النحل]، ووجه الجمع بين أمثال هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿وَلَيَحْيِلُنَ أَثْقَهُمْ وَأَنْقَالًا مَعَ أَنَقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣]، ونحوها من الآيات. ١١٤٤ سورة فاطر: الآيات (١٨ - ٢٨) قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَّهُم بِالْغَيْبِ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ﴾. ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة: أن إنذاره ** محصور في الذين يخشون ربهم بالغيب، وأقامو الصلاة، وهذا الحصر الإضافي؛ لأنهم هم المنتفعون بالإنذار، وغير المنتفع بالإنذار، كأنه هو والذي لم ينذر سواء بجامع عدم النفع في كل منهما. وهذا المعنى، جاء موضحاً في آيات من كتاب الله تعالى كقوله تعالى: ﴿وَسَوَآء عَلَيْهِمْ ءَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿ إِنَّمَا نُذِرُ مَنِ أَتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِىَ الرَّحْمَنَ بِاَلْغَيْبٍ﴾ الآية [يس: ١٠، ١١]. وقوله: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشَنَهَا ﴾﴾ [النازعات]، ويشبه معنى ذلك في الجملة قوله تعالى: ﴿فَذَكِرْ بِالْقُرْءَانِ مَن يَخَافُ وَعِيدٍ﴾ [ق: ٤٥] وقد قدَّمنا معنى الإنذار وأنواعه موضحاً في سورة الأعراف، في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَلاَ يَكُنْ فِى صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِنُنذِرَ بِهِ، وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ٢]. قوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ ﴾﴾. قد قدَّمنا إيضاحه بالآيات في أول سورة هود، في الكلام على قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعْ﴾ [هود: ٢٤]. قوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِى اُلْأَخَُّْ وَلَ الْأَمْوَتُ﴾. الأحياء هنا المؤمنون، والأموات الكفار، فالحياة هنا حياة إيمان والموت موت كفر. وهذا المعنى، جاء موضحاً في غير هذا الموضع كقوله تعالى: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَّيِّنًا فَأَحْيَيِّنَهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِى بِهِ، فِىِ النَّاسِ كَمَنْ مَّثَلُهُ فِ اَلْظُلُمَتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا﴾ [الأنعام: ١٢٢]، فقوله: أو من كان ميتاً: أي موت كفر فأحييناه حياة إيمان، وكقوله تعالى: ﴿لَّيُنْذِرَ مَن كَانَ حَيًّا وَيَحِقَ الْقَوْلُ عَلَى الْكَفِرِينَ (٣)﴾ [يس]، فيفهم من قوله: ﴿مَن كَانَ حَيًّا﴾، أي وهي حياة إيمان أن الكافرين الذين حق عليهم القول ليسوا كذلك، وقد أطبق العلماء على أن معنى قوله: ﴿إِنََّا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَاَلْمَوْنَى يَبْعَثُهُمُ اللهُ﴾ [الأنعام: ٣٦] أن المعنى: والكفار يبعثهم الله. وقد قدَّمنا هذا موضحاً بالآيات القرآنية في سورة النمل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُتْمِعُ الْمَوْقَى وَلَا تُِّعُ الْقُمَّ الدُّعَ﴾ ... الآية [النمل: ٨٠]. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ وَمَآ أَنَتَ بِعُسْمِع ◌َمَن فِىِ الْقُرِ﴾. قد قدَّمنا الآيات الموضحة له وما جاء في سماع الموتى في سورة، النمل في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُتْمِعُ الْمَوْنَى﴾ الآية [النمل: ٨٠]. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءٍ فَأَخْرَحْنَا بِهِ، ثَمَرَتٍ تُخْتَلِفًا أَلْوَنُهَاْ وَمِنَ اُلْجِبَالِ جُدَّدٌأْ بِيِضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفُ أَلْوَتُهَا وَغَِبُ سُودٌ ﴿ وَمِنَ النَّاسِ وَالذَّوَآبِّ وَالْأَنْعَمِ تُخْتَلِفُ أَلْوَنُهُ كَذَلِكَ﴾. قد قدَّمنا الكلام عليه في سورة الروم، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ءَِهِ، خَلْقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفُ أَلْسِنَيْكُمْ وَأَلْوَيِّكُمْ﴾ الآية [الروم: ٢٢]، وبينا هناك دلالة الآيات على أنه - جلّ وعلا - هو المؤثر وحده، وأن الطبائع لا تأثير لها إلا بمشيئته تعالى. ١١٤٥ سورة يس: الآية (١) - قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِنَبَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾، إلى قوله ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيَهَا حَرِيرٌ﴾ . قد قدمنا الكلام على هذه الآية، مع نظائرها من آيات الرجاء استطراداً، وذكرنا معنى الظالم والمقتصد والسابق، ووجه تقديم الظالم عليهما بالوعد في الجنات في سورة النور، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُواْ الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْثُواْ أُوْلِ الْقُرْبَى﴾ ... الآية [النور: ٢٢]. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [الحج: ٢٣]، قد قدَّمناه مع الآيات المماثلة والمشابهة له في سورة النحل، في الكلام على قوله تعالى: وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [النحل: ١٤]. قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِثُونَ فِيَهَا رَبَّنَاَ أَخْرِحْنَا نَعْمَلْ صَلِحًا غَيْرَ الَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ﴾ . قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الأعراف، في الكلام على قوله تعالى: يَأْتِى تَأْوِيلُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَمَتْ رُسُلُ رَيْنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُواْ لَنَّا أَوْ ثُرَّدُ فَتَعْمَلَ غَيْرَ أَلَّذِى كُنَّا نَعْمَلٌ﴾ ... الآية [الأعراف: ٥٣]. قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَيْتُمْ شُرَّكََّكُمُ الَّذِينَ تَّدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِى مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ اْأَرْضِ﴾ قد قدَّمنا الآيات الموضحة له في سورة الفرقان، في الكلام على قوله تعالى: ﴿ وَأَّخَذُواْ مِن دُونِ: ءَالِهَةٌ لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الفرقان: ٣]، وفي سورة الرعد في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَمْ جَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَّةَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ، فَتَبَهَ الْخَلْقُّ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ﴾ الآية [الرعد: ١٦]. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَّنِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا﴾ قد قدَّمنا الآيات الموضحة له في سورة الحج، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَآءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهٍِ﴾ [الحج: ٦٥]. قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْفَتِهِمْ لَيْنِ جَهُمْ نَذِيْرٌ لَّيْكُنُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمُّمِ﴾ قد قدَّمنا الكلام عليه في سورة الأنعام، في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَوْ تَقُولُواْ لَوَّ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَبُ لَكُنَّ أَهْدَى مِنْهُمْ﴾ الآية [الأنعام: ١٥٧]. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَآَبَةٍ﴾ . قد قدَّمنا الآيات الموضحة له وشواهده العربية في سورة النحل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمِ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَابَّةٍ﴾ ... الآية [النحل: ٦١]. براسه الرحمن الرحيم سورة يس قوله تعالى: ﴿يسّ ﴾﴾. التحقيق أنه من جملة الحروف المقطعة في أوائل السور، والياء المذكورة فيه ذكرت في فاتحة سورة مريم في قوله تعالى: ﴿كهيعصّ (6). والسين المذكورة فيه ذكرت في أول الشعراء والقصص. في قوله: ١١٤٦ - سورة يس: الآيات (٢ - ٧) ﴿طسّرّ ﴾﴾، وفي أول النمل في قوله: ﴿طسَّ﴾، وفي أول الشورى في قوله تعالى: حَمّ ﴿أَ عَسَقَ ﴾﴾ [الشورى]. وقد قدَّمنا الكلام مستوفى على الحروف المقطعة في أوائل السور في أول سورة هود. قوله تعالى: ﴿وَالْقُرْءَانِ الْحَكِمِ ﴿ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾﴾. قد بيَّنا أنّ موجب التوكيد لكونه من المرسلين، هو إنكار الكفار لذلك في قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ [الرعد: ٤٣]، في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: ﴿تِلْكَ ﴾ [البقرة]. ٢٥٢١ ءَايَلِكُ اَللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ قوله تعالى: ﴿لِّنُنذِرَ قَوْمَا مَّ أُنْذِرَ ءَابَاؤُهُمْ فَهُمْ غَفِلُونَ ﴾﴾. لفظة ((ما)) في قوله تعالى: ﴿َّ أُنْذِرَ ءَابَآؤُهُمْ﴾، قيل نافية وهو الصحيح، وقيل: موصولة، وعليه فهو المفعول الثاني لتنذر. وقيل: مصدرية. وقد قدَّمنا دلالة الآيات على أنها نافية، وأن مما يدل على ذلك ترتيبه بالفاء عليه قوله بعده: ﴿فَهُمْ غَفِلُونَ﴾؛ لأن كونهم غافلين يناسب عدم الإنذار لا الإنذار، وهذا هو الظاهر مع آيات أخر دالة على ذلك كما أوضحنا ذلك كله في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]. قوله تعالى: ﴿لَقَدْ حَقَ الْقَوْلُ عَلَىَّ أَكْثَرِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ الظاهر أن القول في قوله: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَىَّ أَكْثَرِهِمْ﴾، وفي قوله تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيَدِهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ الآية [فصلت: ٢٥]. وفي قوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوَّلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَآَ أَغْوَيْنَهُمْ كَمَا غَوَيْئًا﴾ الآية [القصص: ٦٣]. وفي قوله تعالى: ﴿وَيَحِقَ الْقَوْلُ عَلَى الْكَفِرِينَ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَيْنَاْ إِنَا لَذَآئِقُونَ ﴾﴾ [الصافات]، والكلمة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ ءَةٍ حَتَّى يَرَوْ اْلْعَذَابَ الْأَلِيمَ (فَ﴾ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ [يونس]. وفي قوله تعالى: ﴿قَالُواْ بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَفِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١]، أن المراد بالقول والكلمة أو الكلمات على قراءة: ((حقت عليهم كلمات ربك)» بصيغة الجمع، هو قوله تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩]، كما دلت على ذلك آيات من كتاب الله تعالى: كقوله تعالى في آخر سورة هود: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ﴿ إِلَّا مَن زَِّمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمُّ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَيِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾ [هود]، وقوله تعالى في السجدة: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَنَّيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَنهَا وَلَكِنْ حَقَ الْقَوْلُ مِنِّى لَأَمْلَأَنَ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾﴾ [السجدة]. ﴿﴿ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنََّ مِنْكَ وَمِمَنْ وقوله تعالى في أخريات صّ: ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥)﴾ [ص] ١١٤٧ سورة يس: الآيات (٧ - ٩) وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَىَّ أَكْثَرِهِمْ﴾، يدل على أن أكثر الناس من أهل جهنم، كما دلت على ذلك آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [هود: ١٧]، ﴿وَمَآ أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ١٠٣ [يونس]، ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ ﴾﴾ [الصافات]، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَةٌ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾﴾ [الشعراء]. وقد قدَّمنا الكلام على هذا في سورة الأنعام، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِن تُطِعَ أَكْثَرَ مَن فِى الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦] الآية. . وبيَّنا بالسنة الصحيحة في أول سورة الحج: أن نصيب النار من الألف تسعة وتسعون وتسعمائة، وأن نصيب الجنة منها واحد. وَجَعَلْنَا مِنْ قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِىّ أَعْنَقِهِمْ أَغْذَلًا فَهِىَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ بَيْنِ أَيْدِيِهِمْ سَنًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَهُمْ فَهُمْ لَا يُصِرُونَ الأغلال: جمع غل وهو الذي يجمع الأيدي إلى الأعناق، والأذقان: جمع ذقن وهو ملتقى اللحيين، والمقمح بصيغة اسم المفعول، هو الرافع رأسه. والسد بالفتح والضم: هو الحاجز الذي يسد طريق الوصول إلى ما وراءه. وقوله: ﴿فَأَغْشَيْنَهُمْ﴾، أي جعلنا على أبصارهم الغشاوة، وهي الغطاء الذي يكون على العين يمنعها من الإبصار، ومنه قوله تعالى: ﴿وَعَلَى أَبْصَرِهِمْ غِشَوَةٌ﴾ [البقرة: ٧]، وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ، غِشَوَةً﴾ [الجاثية: ٢٣]. وقول الشاعر وهو الحارث بن خالد بن العاص: فلما انجلت قطعت نفسي ألومها هويتك إذ عيني عليها غشاوة والمراد بالآية الكريمة: أن هؤلاء الأشقياء الذين سبقت لهم الشقاوة في علم الله المذكورين في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ حَقَ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾﴾، صرفهم الله عن الإيمان صرفاً عظيماً مانعاً من وصوله إليهم؛ لأن من جعل في عنقه غل، وصار الغل إلى ذقنه، حتى صار رأسه مرفوعاً لا يقدر أن يطأطئه، وجعل أمامه سد، وخلفه سد، وجعل على بصره الغشاوة لا حيلة له في التصرف، ولا في جلب نفع لنفسه، ولا في دفع ضر عنها، فالذين أشقاهم الله بهذه المثابة لا يصل إليهم خير .. وهذا المعنى، الذي دلت عليه هذه الآية من كونه - جلّ وعلا - يصرف الأشقياء الذين سبقت لهم الشقاوة في علمه عن الحق ويحول بينهم وبينه، جاء موضحاً في آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِيَ ءَاذَانِمْ وَقْرًا﴾ [الكهف: ٥٧]. وقوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَرِهِمْ غِشَوَةٌ﴾ [البقرة: ٧]. وقوله تعالى: ﴿أَفَرََّيْتَ مَنِ أَّخَذَ إِلَهَمُ هَوَنُهُ وَأَضَلَّهُ اَللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ، وَقَلْبِهِ، وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَوَةٌ﴾ [الجائية: ٢٣]. وقوله تعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَمُ ضَيْقًا حَرَجًا ١١٤٨ - سورة يس: الآيات (٧ - ٩) كَأَنََّا يَصَغَدُ فِ السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥]. وقوله تعالى: ﴿مَن يُضْلِلِ اَللَّهُ فَلَا هَادِىَ لَّ﴾ [الأعراف: ١٨٦]. وقوله تعالى: ﴿وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْفَأَ أُوْ لَكَ الَّذِينَ لَمَّ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِرَ قُلُوبَهُمّ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْىٌّ وَلَهُمْ فِىِ اْلَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٤١]. وقوله تعالى: ﴿أُوْلَبِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَرِهِمٌّ وَأُوْلَئِكَ هُمُ [النحل]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَةُ يُضَنْعَفُ لَهُمُ اٌلْفَفِلُونَ الْعَذَابُّ مَا كَانُوْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ﴾ [هود: ٢٠]. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُهُمْ فِ غِطَآٍ عَن ذِكْرِى وَكَانُواْ لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا (4)﴾ [الكهف]، والآيات بمثل ذلك كثيرة. وقد قدَّمنا أن هذا الطبع والختم على القلوب وكذلك الأغلال في الأعناق، والسد. من بين أيديهم ومن خلفهم، أنّ جميع تلك الموانع المانعة من الإيمان، ووصول الخير إلى القلوب أنّ الله إنّما جعلها عليهم بسبب مسارعتهم لتكذيب الرسل، والتمادي على الكفر، فعاقبهم الله على ذلك بطمس البصائر والختم على القلوب والطبع عليها، والغشاوة على الأبصار؛ لأنّ من شؤم السيئات أنّ الله - جلّ وعلا - يعاقب صاحبها عليها بتماديه على الشر، والحيلولة بينه وبين الخير جزاه الله بذلك على كفره جزاءً وفاقاً . والآيات الدالة على ذلك كثيرة كقوله تعالى: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيَّهَا بِكُفِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥]، فالباء سببية، وفي الآية: تصريح منه تعالى أن سبب ذلك الطبع على قلوبهم هو كفرهم، وكقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ فَطْبَعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [المنافقون: ٣]، ومعلوم أنّ الفاء من حروف التعليل: أي فطبع على قلوبهم بسبب كفرهم ذلك، وقوله تعالى: ﴿فَلَمَا زَاعُواْ أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]. وقوله تعالى: ﴿وَنَقَلِبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ: أَوَّلَ مَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي ◌ُغْيَنِهِمْ يَعْمَهُونَ (13)﴾ [الأنعام]. وقوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِم قَرَضٌّ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضَّا﴾ [البقرة: ١٠]، إلى غير ذلك من الآيات كما تقدم إيضاحه. وقد دلت هذه الآيات على أنّ شؤم السيئات يجر صاحبه إلى التمادي في السيئات، ويفهم من مفهوم مخالفة ذلك، أن فعل الخير يؤدي إلى التمادي في فعل الخير، وهو كذلك كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ أُهْتَدَوْ زَادَهُمْ هُدَّى وَءَانَنْهُمْ تَقْوَهُمْ [محمد] وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَتَّهُمْ سُبُلَا﴾ [العنكبوت: ٦٩]. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهٌ﴾ [التغابن: ١١]، إلى غير ذلك من الآيات. واعلم: أنّ قول من قال من أهل العلم: إنّ معنى قوله تعالى في هذه الآية الكريمة ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِىَّ أَعْنَقِهِمْ أَغْلَلًا﴾، أن المراد بذلك الأغلال التي يعذبون بها في الآخرة كقوله تعالى: ﴿إِذِ الْأَغْلَلُ فِىّ أَعْتَقِهِمْ وَالسَّلَسِلُ يُسْحَبُونَ ﴾ فِ الْحَمِيِ ثُمَّ فِى أَلنَّارِ يُسْجَرُونَ (٣)﴾ [غافر]، خلاف التحقيق، بل المراد بجعل الأغلال في أعناقهم وما سورة يس: الآيتان (١١ - ١٢). ١١٤٩ ذكر معه في الآية هو صرفهم عن الإيمان والهدى في دار الدنيا كما أوضحنا. وقرأ هذه الحرف حمزة، والكسائي، وحفص، عن عاصم: ((سداً)) بالفتح في الموضعين، وقرأه الباقون بضم السين، ومعناهما واحد على الصواب. والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُذِرُ مَنِ أَنََّعَ الذِّكْرَ وَخَشِىَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِّ﴾. تقدم إيضاحه مع نظائره من الآيات في سورة فاطر، في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْتَّوْنَ رَهُم بِالْغَيْبٍ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ﴾ [فاطر: ١٨]. قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحِىِ الْمَوْقَ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَءَاثَرَهُمّ وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيْنَهُ فِ إِمَامٍ مُبِينٍ (﴾﴾. ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة أربعة أشياء. الأول: أنّه يحيى الموتى مؤكداً ذلك متكلماً عن نفسه بصيغة التعظيم. الثاني: أنّ یکتب ما قدموا في دار الدنيا. الثالث: أنّه يكتب آثارهم. الرابع: أنّه أحصى كل شيء في إمام مبين. أي في كتاب بيِّن واضح، وهذه الأشياء الأربعة جاءت موضحة في غير هذا الوضع. أما الأول منها: وهو كونه يحيي الموتى بالبعث فقد جاء في آيات كثيرة من كتاب الله تعالى. كقوله تعالى: ﴿قُلْ بَى وَرَبِّ ◌َنْتُعَنُنَّ﴾ [التغابن: ٧] وقوله تعالى: ﴿قُلّ إِى وَرَبٍِ إِنَّهُ لَحَقٌ﴾ [يونس: ٥٣]. وقوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَنِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ بَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّ﴾ [النحل: ٣٨]، والآيات بمثل ذلك كثيرة. وقد قدَّمناها بكثرة في سورة البقرة، وسورة النحل، في الكلام على براهين البعث، وقدمنا الإحالة على ذلك مراراً . وأما الثاني منها: وهو كونه يكتب ما قدموا في دار الدنيا فقد جاء في آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَجْوَنُهُمَّ بَى وَرُسُلْنَا لَدَيِّهِمْ يَكْثُبُونَ ٨٠ [الزخرف]. وقوله تعالى: ﴿هَذَا كِتَبُنَا يَنَطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ٢٩ [الجاثية]. وقوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِسَنٍ أَلْزَمْنَهُ ◌َِّرَهُ فِ عُنُقِهِ، وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ اُلْقِيَامَةِ كِتَبًا يَلْقَئُهُ مَنِشُورًا ﴿ اقْرَأْ كِتَبَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ﴾﴾ [الإسراء]. وقوله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَبُ فَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَوَيِّلَنْنَا مَالِ هَذَا الْكِتَبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةٌ وَلَا كَبِيرَةً إِلَّ أَحْصَنْهَا﴾ ... الآية [الكهف: ٤٩]. وقوله تعالى: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا (٧)﴾ [ق]. لَدَيْهِ رَقِيبُ عَيْدُ وقد قِدَّمنا بعض الكلام على هذا في سورة الكهف. وأما الثالث منها: وهو كونهم تكتب آثارهم فقد ذكر في بعض الآيات أيضاً. واعلم: أنّ قوله: ((وآثارهم)) فيه وجهان من التفسير معروفان عند العلماء : : ١١٥٠ - - سورة يس: الآية (١٥) الأول منهما: أن معنى ما قدموا ما باشروا فعله في حياتهم، وأن معنى آثارهم: هو ما سنّوه في الإسلام من سنة حسنة أو سيئة، فهو من آثارهم التي يعمل بها بعدهم. الثاني : أن معنى آثارهم خطاهم إلى المساجد ونحوها من فعل الخير، وكذلك خطاهم إلى الشر، كما ثبت عنه ولو أنه قال: ((يا بني سلمة دياركم تكتب آثاركم)) يعني خطاكم من بيوتكم إلى مسجده وَات . أما على القول الأول فالله - جلّ وعلا - قد نص على أنهم يحملون أوزار من أضلوهم وسنّوا لهم السنن السيئة كما في قوله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَمَةٌ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ الآية [النحل: ٢٥]. وقوله تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَنْقَهُمْ وَأَنْقَالًا مَّعَ أَنْقَاِهِمِّ﴾ [العنكبوت: ١٣]. وقد أوضحنا ذلك في سورة النحل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ الآية [النحل: ٢٥]، وذكرنا حديث جرير، وأبي هريرة في صحيح مسلم في إيضاح ذلك. ومن الآيات الدالة على مؤاخذة الإنسان بما عمل به بعده مما سنه من هدى أو ضلالة؛ قوله تعالى: ﴿يَّ الْإِنَنُ يَوْمَيِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (®﴾ [القيامة]، بناء على أن المعنى بما قدم مباشراً له، وأخر مما عمل به بعده مما سنه من هدى أو ضلال. وقوله تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَرَتْ ﴾﴾ [الانفطار]، على القول بذلك ... وأما على التفسير الثاني: وهو أن معنى آثارهم خطاهم إلى المساجد ونحوها، فقد جاء بعض الآيات دالاً على ذلك المعنى كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢١]، لأن ذلك يستلزم أن تكتب لهم خطاهم التي قطعوا بها الوادي في غزوهم. وأما الرابع: وهو قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيْنَهُ فِىَ إِمَامٍ مُبِينٍ﴾، فقد تدل عليه الآيات الدالة على الأمر الثاني، وهو كتابة جميع الأعمال التي قدموها بناء على أن المراد بذلك خصوص الأعمال. وأما على فرض كونه عاماً فقد دلت عليه آيات أخر كقوله تعالى: ﴿وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن :. ٢٨] وقوله تعالى: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِ اَلْكِتَبِ مِن شَىٍَّ﴾ [الأنعام: ٣٨]. بناء على أن المراد بالكتاب اللوح المحفوظ، وهو أصح القولين. والعلم عند الله تعالی. قوله تعالى: ﴿قَالُواْ مَآ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمَنُ مِن شَىْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ ١٥ قد قدَّمنا الآيات الموضحة له في سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُواْ إِذْ جَهُمُ الْهُدَىّ إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا زَّسُولًا (٣)﴾ [الإسراء]. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة عن الكفار ﴿وَمَآ أَنَزَلَ الرَّحْمَنُ مِن شَىْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا ١١٥١ سورة يس: الآيات (١٩ - ٢٤) تَكْذِبُونَ﴾، قد بيّن أنّهم قد قالوا ذلك في غير هذا الموضع كقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْفِىَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَمْ خَرَهَا أَلَمْ يَأْتِّكُمْ نَذِيرٌ ﴾ قَالُواْ بَى قَدْ جَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اَللَّهُ مِن شَىْءٍ﴾ [الملك: ٨، ٩]، وقد بين تعالى أن الذين أنكروا إنزال الله الوحي كهؤلاء أنهم لم يقدروه حق قدره: أي لن يعظموه حق عظمته وذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللّهَ حَقَّ قَدْرِوةٍ إِذْ قَالُواْ مَآ أَنْزَلَ اَللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّنْ شَىْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١]. قوله تعالي: ﴿قَالُواْ إِنَّا تَطََّرْنَا بِكُمْ لَيِن لَّمْ تَنْتَهُواْ لَتَُّمُنَّكُمْ وَلَيَمَسِّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِرٌ قَالُواْ طَهِرَّكُمْ مَعَكُمْ﴾. قد قدَّمنا الآيات الموضحة له في سورة الأعراف، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَنْ تَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٣١]، وذكرنا بعض الكلام عليه في سورة النمل في الكلام على قوله تعالى: ﴿قَالُواْ أَطَّيَّرْنَا بِكَ وَيِمَن مَعَكَّ﴾ ... الآية [النمل: ٤٧]. قوله تعالى: ﴿أَثَّبِعُواْ مَن لَّا يَشَلُكُمْ أَجْرً﴾. قد قدّمنا الآيات الموضحة له، وما يتعلق بها من الأحكام في سورة هود، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَيَقَوْمِ لَآَ أَسْلُكُمْ عَلَيْهِ مَالَا إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ [هود: ٢٩]. قوله تعالى: ﴿وَمَا لِىَ لَّ أَعْبُ الَّذِى فَطَرَبِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (®)﴾. قوله: فطرني معناه: خلقني وابتدعني، كما تقدم إيضاحه في أول سورة فاطر. والمعنى: أي شيء ثبت لي يمنعني من أن أعبد الذي خلقني، وابتدعني، وأبرزني من العدم إلى الوجود، وما دلت عليه هذه الآية الكريمة من أن الذي يخلق هو وحده الذي يستحق أن يعبد وحده، جاء موضحاً في آيات كثيرة من كتاب الله. وقد قدَّمنا إيضاح ذلك في سورة الفرقان، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَأَتَّخَذُواْ مِن دُونِ ءَالِهَةً لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الفرقان: ٣]، وفي سورة الرعد في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَمْ جَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ﴾ الآية [الرعد: ١٦]. قوله تعالى: ﴿وَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ ءَالِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍ لَّا تُغْنِ عَنِّ شَفَعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنقِذُونِ (٣) إِّ إِذَا لَّفِى ضَلَلٍ مُّبِينٍ ﴾﴾. الاستفهام في قوله تعالى: ﴿وَأَخِذُ﴾: للإنكار، وهو مضمن معنى النفي: أي لا أعبد من دون الله معبودات، إن أرادني الله بضر لا تقدر على دفعه عني، ولا تقدر أن تنقذني من کرب. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من عدم فائدة المعبودات من دون الله جاء موضحاً في آيات من كتاب الله تعالى: كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَدَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَتِيَ اللَّهُ بِضٍُّ هَلْ هُنَّ كَثِفَتُ ضُرٍِّ أَوْ أَرَدَنِ بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَتُ رَحْمَتِهِ، قُلْ حَسْىَ اَللَّهُ عَلَيَّهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِلُونَ﴾ [الزمر: ٣٨]. وقوله تعالى: ﴿قُلِ أَدْعُواْ الَّذِيْنَ زَعَمْتُم مِّنِ دُونِهِ، فَلاَ يَمْلِكُنَ كَتْفَ الغُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا ﴾﴾ [الإسراء]. وقوله تعالى: ﴿قُلِ أَدْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِ السَّمَوَتِ وَلَا فِىِ الْأَرْضِ﴾ [سبأ: ٢٢] الآية. وقوله تعالى: ١١٥٢ سورة يس: الآية (٣٠) ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَوْنَا عِندَ اللَّهِ قُلْ أَتْنَبُونَ اَللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِ السَّمَوَتِ وَلَا فِي الْأَرْضِّ سُبْحَنَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرٌُّ فَإِنِ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذَا مِنَ الظَِّينَ (6)﴾ [يونس]، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة ..... وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة ﴿لَّا تُغْنِ عَنِى شَفَعَتُهُمْ شَيْئًا﴾، أي لا شفاعة لهم أصلاً حتى تغني شيئاً، ونحو هذا أسلوب عربي معروف، ومنه قول امرىء القيس: على لاحب لا يهتدى بمناره إذا سافه العود النباطي جرجرا فقوله: لا يهتدى بمناره: أي لا منار له أصلاً حتى يهتدى به، وقول الآخر: ولا ترى الضب بها ينجحر لا تفزع الأرنب أهوالها أي لا أرنب فيها، حتى تفزعها أهوالها، ولا ضب فيها حتى ينجحر: أي يتخذ جحراً. وهذا المعنى، هو المعروف عند المنطقيين بقولهم: السالبة لا تقتضي وجود الموضوع. كما تقدم إيضاحه. قوله تعالى: ﴿يَحَسْرَةَ عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْنِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ ٣٠ بين - جلّ وعلا - أن العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزءون غير مكتفين بتكذيبه، بل جامعين معه الاستهزاء. وقوله تعالى في هذه الآية: الكريمة ﴿مَا يَأْتِهِم مِّن رَّسُولٍ﴾، نص صريح في تكذيب الأمم لجميع الرسل لما تقرر في الأصول، من أن النكرة في سياق النفي إذا زيدت قبلها من فهي نص صريح في عموم النفي، كما هو معروف في محله. وهذا العموم الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة جاء موضحاً في آيات أخر، وجاء في بعض الآيات إخراج أمة واحدة عن حكم هذا العموم بمخصص متصل، وهو الاستثناء. فمن الآيات الموضحة لهذا العموم قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا فِ قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَّا أُرْسِلْتُم بِهِ، كَفِرُونَ (0)﴾ [سبأ]. وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّ قَالَ مُثَْفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَنَا عَلَىَّ أُنَّةٍ وَإِنَّا عَلَىَّ ◌َاثَرِهِم ◌ُقْتَدُونَ [الزخرف]. وقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا فِىِ قَرْيَةٍ مِنِ نَّبِيّ إِلَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَآءِ وَالضَّرَآءِ﴾ إلى قوله: ﴿فَأَخَذْنَهُم بَعْنَةً وَهُمْ لَا يَشْعُونَ﴾ [الأعراف: ٩٤ - ٩٥]. وقد قدَّمنا الكلام على هذا في سورة قد أفلح المؤمنون، في الكلام على قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَقْآ كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةَ رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ﴾ ... الآية [المؤمنون: ٤٤]. وقدَّمنا طرفاً من الكلام عليه في سورة الأنعام، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِ كُلِّ قَرْبَةٍ أَكَبِرَ مُجْرِمِيهَا﴾ .. الآية [الأنعام: ١٢٣]. وأما الأمة التي أخرجت من هذا العموم فهي أمة يونس، والآية التي بيّنت ذلك هي قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةُ ءَامَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَنُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ ءَامَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ ١١٥٣ سورة يس: الآيات (٣٣ - ٥١) [يونس]. وقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَئُهُ إِلَى عَذَابَ الْخِرْىِ فِ اَلْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْتَهُمْ إِلَى حِينٍ (َ)﴾ مِئَةٍ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (٣٧) فَامَنُواْ فَمَتَّعْنَهُمْ إِلَى حِينٍ (٣٨)﴾ [الصافات]، والحسرة أشد الندامة، وهو منصوب على أنه منادى عامل في المجرور بعده، فأشبه المنادى المضاف ... والمعنى: يا حسرة على العباد تعالي واحضري فإن الاستهزاء بالرسل هو أعظم الموجبات لخضورك ... قوله تعالى: ﴿وَءَايَّةٌ لَُّمُ اُلْأَرْضُ الْمَّتَةُ﴾ .- إلى قوله: ﴿أَفَلاَ يَشْكُرُونَ﴾ قد قدَّمنا أن إحياء الأرض المذكور في هذه الآية، برهان قاطع على البعث في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءٍ فَأَخْرَجَ بِهِ، مِنَ الثَّمَرَتِ رِزْقًا لْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢]، وفي سورة النحل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ لَّكُ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ شِيمُونَ ﴾﴾ الآية [النمل]، وفي غير ذلك من المواضع. وأوضحنا في المواضع المذكورة، بقية براهين البعث بعد الموت. قوله تعالى: ﴿وَءَايَةٌ لَمْ أَنََّ حَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِىِ الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٨ وَغَفْنَا لَهُم مِّنِ مِثْلِهِ، مَا تَكَبُونَ (19)﴾. قد قدَّمنا الآيات الموضحة له في سورة النحل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَّذِى سَخَرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ ... الآية [النحل: ١٤]. ٤٦ قوله تعالى: ﴿وَمَا تَأْتِهِم مِّنْ ءَايَةٍ مِّنْ ءَايَتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ ذم - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة الكفار بإعراضهم عن آيات الله. وهذا المعنى، الذي تضمنته هذه الآية جاء في آيات أخر من كتاب الله كقوله تعالى في أول سورة الأنعام: ﴿وَمَا تَأْتِهِم مِّنْ ءَايَةٍ مِّنْ ءَايَتِ رَبِهِمْ إِلَّا كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ ﴿١ فَقَدْ كَذَّبُواْ بِأَلْحَقِّ لَنَّا جَهُمْ﴾ الآية [الأنعام: ٤، ٥]. وقوله تعالى في آخر يوسف: ﴿وَكَأَيْنِ مِنْ ءَايَةٍ فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (®)﴾ [يوسف]، وقوله تعالى: ﴿أَقْرَتِ السَّاعَةُ وَأَنشَقَّ الْقَمَرُ ﴿ وَإِن يَرَوْا ءَايَةً يُعْرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُسْتِرٌ ﴾﴾ [القمر]، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ذَّكِرُواْ لَا يَذَّكُونَ ﴿٣) وَإِذَا رَأَوْ ءَايَةً يَسْتَسْخِرُونَ ١٤ [الصافات]، وأصل الإعراض مشتق من العرض بالضم، وهو الجانب؛ لأن المعرض عن الشيء يوليه بجانب عنقه صاداً عنه. قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِ الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ اُلْأَبْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة النفخة الأخيرة، والصور قرن من نور ينفخ فيه الملك نفخة البعث، وهي النفخة الأخيرة، وإذا نفخها قام جميع أهل القبور من قبورهم، أحياءً إلى الحساب والجزاء. وقوله: ﴿فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ﴾، جمع حدث بفتحتين، وهو القبر، وقوله: ينسلون: أي يسرعون في المشي من القبور إلى المحشر، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَعْدَاثِ سِرَاءَا كَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (4)﴾ [المعارج]. وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعً﴾ الآية [ق: ٤٤]. وكقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَهُمْ جَارٌ مُنْتَشِرٌ ﴾ مُهْطِعِينَ ١١٥٤ سورة يس: الآيات (٥٢ - ٦٢) إِلَى النَّاعِ﴾ [القمر: ٧، ٨) الآية. وقوله: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعَ﴾، أي مسرعين مادي أعناقهم على أشهر التفسيرين. ومن إطلاق نسل بمعنى أسرع. قوله تعالى: ﴿حَقََّ إِذَا فُيُحَثْ بَأْجُوجُ وَمَأْجُوُجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ ٩٦ [الأنبياء] وقول لبيد: عسلان الذئب أمسى قارباً برد الليل عليه فنسل وما تضمنته هذه الآية الكريمة، من أن أهل القبور يقومون أحياء عند النفخة الثانية، جاء موضحاً في آيات كثيرة من كتاب الله تعالى كقوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِ الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِىِ السَّمَوَتِ وَمَن فِ الْأَرْضِ إِلَّ مَن شَآءَ الَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمِّ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (4)﴾ [الزمر]. وقوله تعالى: ﴿إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ ﴾﴾، وهذه الصيحة هي النفخة الثانية كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْفُرُوجِ ﴾﴾ [ق]، أي الخروج من القبور. وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا هِىَ زَجْرَةٌ وَحِدَةٌ فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ ﴾﴾ [النازعات]، والزجرة: هي النفخة الثانية. والساهرة: وجه الأرض والفلاة الواسعة، ومنه قول أبي كبير الهذلي: وعميمها أسداف ليل مظلم يرتدن ساهرة كأن جميعها: وقول الأشعث بن قيس: لأقطارها قد حببتها متلثماً وساهرة يضحى السراب مجللا وكقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا هِىَ زَجْرَةٌ وَجِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ ﴾﴾ [الصافات]. وقوله تعالى: ﴿َوَمِنْ عَنِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهٍ، ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةٌ مِّنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَّخْرُجُونَ [الروم]، وهذه الدعوة بالنفخة الثانية، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ ... الآية [الإسراء: ٥٢]. إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى: ﴿قَالُواْ يَوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَّأْ هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ اُلْمُرْسَلُونَ ). قد قدَّمنا الكلام عليه في سورة الروم، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِئْتُمْ فِ كِنَبِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِّ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ﴾ [الروم: ٥٦]. ﴿ أَمْ أَعْهَذْ إِلَيْكُمْ يَبَنِيّ ءَدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُواْ الشَّيْطَنِّ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ قوله تعالى: مُبِينٌ ٦٠ قد قدَّمنا الآيات الموضحة له بكثرة في ، وَأَنِ اعْبُدُونِيُّ هَذَا صِرَطْ مُسْتَقِيمٌ ﴾﴾. سورة الكهف، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَا يُشْرِكُ فِىِ حُكْمِهِ- أَحَدًا﴾ [الكهف: ٢٦]، وأوضحنا فيه التفصيل بين النظم الوضعية، وفي سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَتِى هِىَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩]. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلًا كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ قوله: جبلاً كثيراً. أي خلقاً كثيراً كقوله تعالى: ﴿وَثَّقُواْ الَّذِى خَلَقَكُمْ وَالْجِلَّةَ اُلْأَوَّلِينَ (®)﴾ [الشعراء]، وما تضمنته هذه الآية الكريمة، من كون الشيطان أضل خلقاً كثيراً من بني آدم جاء مذكوراً في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ١١٥٥ سورة يس: الآيات (٦٥ - ٦٨). يَمَعْشَرَ اُلْجِنِ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِّنَ اُلْإِنسِّ﴾ [الأنعام: ١٢٨]، أي قد استكثرتم أيها الشياطين، من إضلال الإنس، وقد قال إبليس: ﴿لَبِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٢]، وقد بين تعالى أن هذا الظن الذي ظنه بهم من أنه يضلهم جميعاً إلا القليل صدقه عليهم، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَ عَلَّهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾ [سبأ]، كما تقدم إيضاحه. وقرأ هذا الحرف نافع وعاصم: ((جبلاً)) بكسر الجيم والباء وتشديد اللام، وقرأه ابن كثير وحمزة والكسائي: ((جبلاً)) بضم الجيم، والباء وتخفيف اللام، وقرأه أبو عمرو وابن عامر: ((جبلاً)) بضم الجيم وتسكين الباء مع تخفيف اللام، وجميع القراءات بمعنى واحد؛ أي خلقاً كثيراً . قوله تعالى: ﴿ وَتُكَلِمُنََّ أَيْدِيِهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾، ما ذكره - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة من شهادة بعض جوارح الكفار عليهم يوم القيامة، جاء موضحاً في غير هذا الموضع كقوله تعالى في سورة النور: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَيْهِمْ أَلِّنَتُهُمْ وَأَدِيِهِمْ وَرَجُلُهُم بِمَا كَانُوْ يَعْمَلُونَ ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا ﴾ [النور]. وقوله تعالى فى فصلت: (٢٤) شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَرُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴿ وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَيْنَا قَالُواْ أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِىّ أَنْطَقَ كُلَّ شَىْءٍ﴾ ... الآية [فصلت: ٢٠، ٢١]. وقد قدَّمنا الكلام على هذا في سورة النساء، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَا يَكْثُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢]. وبيّنا هناك: أن آية يس هذه توضح الجمع بين الآيات كقوله تعالى عنهم: ﴿وَلَا يَكْتُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢]. مع قوله عنهم: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَفُهُمْ إِلَّ أَنْ قَالُواْ وَاللَّهِ رَبِنَا مَا (٣) ﴾ [الأنعام]، ونحو ذلك من الآيات. كُثَّا مُشْرِكِينَ ـة﴾. قوله تعالى: ننكسه في قوله تعالى: ﴿وَمَن ◌ُّعَِّّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِىِ الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ الخلق؛ أي نقلبه فيه، فنخلقه على عكس ما خلقناه من قبل، وذلك أنا خلقناه على ضعف في جسده، وخلو من عقل وعلم، ثم جعلناه يتزايد وينتقل من حال إلى حال، ويرتقي من درجة إلى درجة إلى أن يبلغ أشده، ويستكمل قوته ويعقل ويعلم ما له وما عليه، فإذا انتهى نكسناه في الخلق، فجعلناه يتناقص حتى يرجع في حال شبيهة بحال الصبي في ضعف جسده وقلة عقله وخلوه من العلم، وأصل معنى التنكيس: جعل أعلى الشيء أسفله. وهذا المعنى، الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة جاء موضحاً في غير هذا الموضع كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّقٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةٌ﴾ الآية [الروم: ٥٤]. وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا اُلْإِنسَنَ فِىّ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ جَثُمَّ رَدَدْنَهُ أَسْفَلَ سَفِلِينَ ﴾﴾ الآية [التين]. على أحد التفسيرين، وقوله تعالى في الحج: ﴿وَمِنكُمْ مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدٍ عِلِّمِ شَيْئًا﴾ [الحج: ٥]. وقوله تعالى في النحل: ﴿وَمِنْكُ مَن يُرَدُّ إِلَ أَزَلِ الْعُمُرِ لِكَنْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٠]. وقوله تعالى في سورة المؤمن: ﴿ثُمَّ لِتَكُونُواْ شُيُوخًا﴾ [غافر: ٦٧]. - وقد قدَّمنا الكلام على هذا في سورة النحل. وقرأ هذا الحرف عاصم، وحمزة: ١١٥٦ - سورة الصافات: الآيات (١ - ٥) (ننكسه)) بضم النون الأولى، وفتح الثانية وتشديد الكاف المكسورة من التنكيس: وقرأه الباقون بفتح النون الأولى، وإسكان الثانية، وضم الكاف مخففة مضارع نكسه المجرد وهما بمعنى واحد. وقرأ نافع وابن ذكوان عن ابن عامر: ((أفلا تعقلون)) بتاء الخطاب، وقرأه الباقون: ((أفلا يعقلون)) بياء الغيبة. قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتَهُ الشِّعْرَ وَمَا يَلْبَغِى لَهٍُ﴾. قد قدَّمنا الآيات الموضحة له في سورة الشعراء، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٣٤) ﴾ [الشعراء]، وذكرنا الأحكام المتعلقة بذلك هناك. 6)﴾. قد قدَّمنا الآيات قوله تعالى: ﴿لَّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيَّا وَبَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَفِرِينَ الموضحة له في سورة النمل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُتْمِعُ الْمَوْقَ وَلَا تُبِعُ القُمَّ الدُّعَّةَ﴾ الآية [النمل: ٨٠]. وفي سورة فاطر، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِى الْأَّحَّْةُ وَلَ الْأَمْوَتُ﴾ [فاطر]. ١٧٧ قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْتَهُ مِن نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ قد قدَّمنا الآيات الموضحة له في سورة النحل، في الكلام على قوله: ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ ﴾﴾ [النحل]. قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِىَ خَلْقَةٌ﴾ - إلى قوله - ﴿وَهُوَ الْخَلَّقُ الْعَلِيمُ﴾. قد بيّنا الآيات الموضحة له في سورة البقرة، والنحل، مع بيان براهين البعث. قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ، إِذَا أَرَدَ شَيْعًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٧)﴾. قد قدَّمنا الآيات الموضحة له في سورة النحل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ أَنْ تَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾﴾ [النحل)، وبينا هناك أن الآيات المذكورة لا تنافي مذهب أهل السنة في إطلاق اسم الشيء على الموجود دون المعدوم، وقد قدمنا القراءتين وتوجيههما في قوله: ((كن فيكون)) هناك. براسه الرحمن الرحيم سورة الصافات قوله تعالى: ﴿وَالْقَنَفَّتِ صَفّا ﴿﴿ فَالزَّجِرَتِ نَخْرًا ﴿ فَالنَّلِيَتِ ذِكْرًا (٣) إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَِّدٌ ﴿ رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَرِقِ أكثر أهل العلم على أن المراد بالصافات هنا، والزاجرات، والتاليات: جماعات الملائكة، وقد جاء وصف الملائكة بأنهم صافون، وذلك في قوله تعالى عنهم: ﴿وَإِنَّا وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (9)﴾، ومعنى كونهم صافين: أن يكونوا صفوفاً لَنَحْنُ الصَّافُونَ ١١٥٧ سورة الصافات: الآيات (١ - ٥) متراصين بعضهم جنب بعض في طاعة الله تعالى، من صلاة وغيرها. وقيل: لأنهم يصفون أجنحتهم في السماء، ينتظرون أمر الله، ويؤيد القول الأول حديث حذيفة الذي قدمنا في أول سورة المائدة في صحيح مسلم: وهو قوله وَلّ: ((فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجداً، وجعلت لنا تربتها طهوراً إذا لم نجد الماء)»، وهو دليل صحيح على أن الملائكة يصفون كصفوف المصلين في صلاتهم، وقد جاء في بعض الآيات ما يدل على أنهم يلقون الذكر على الأنبياء؛ لأجل الإعذار والإنذار به كقوله تعالى: ﴿فَالْمُلْقِيَتِ ذِكْرًا (@) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا [المرسلات]، فقوله: ﴿فَالْمُلْقِيَتِ ذِكْرًا ﴾﴾. كقوله هنا: ﴿فَالتَّلِيَتِ ذِكْرًا ﴾﴾؛ لأن الذكر الذي تتلوه تلقيه إلى الأنبياء كما كان جبريل ينزل بالوحي على نبينا وغيره من الأنبياء .صلوات الله وسلامه على الجميع، وقوله: ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾: أي لأجل الإعذار والإنذار، أي بذلك الذكر الذي تتلوه وتلقيه، والإعذار: قطع العذر بالتبليغ. والإنذار قد قدّمنا إيضاحه وبينا أنواعه في أول سورة الأعراف، في الكلام على قوله تعالى: ﴿الّصّ ﴿ كِثَبُّ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُنْ فِى صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِنُنذِرَ بِهِ، وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾﴾ [الأعراف]. وقوله في هذه الآية: ﴿فَالزَّجِزَتِ زَخْرًا ﴾﴾، الملائكة تزجر السحاب، وقيل تزجر الخلائق عن معاص الله بالذكر الذي تتلوه، وتلقيه إلى الأنبياء. وممن قال بأن الصافات والزاجرات والتاليات في أول هذه السورة الكريمة هي جماعات الملائكة: ابن عباس، وابن مسعود، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة؛ كما قاله القرطبي وابن كثير وغيرهما، وزاد ابن كثير وغيره ممن قال به: مسروقاً والسدي والربيع بن أنس، وقد قدمنا أنه قول أكثر أهل العلم. وقال بعض أهل العلم: الصافات في الآية الطير تصف أجنحتها في الهواء. واستأنس لذلك بقوله تعالى: ﴿أَوْلَمْ يَرَوْاْ إِلَى الَّيْرِ فَوَقَهُمْ صَغَّتٍ وَيَقْيِضِنَّ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ﴾ الآية [الملك: ١٩]. وقوله تعالى: ﴿أَّ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَالَطَّيْرُ ضََّّتٍ كُلّ قَدْ عَلِمَ صَلَائَهُ وَتَسْبِحَةٌ﴾ ... الآية [النور: ٤١]. وقال بعض العلماء: المراد بالصافات جماعات المسلمين يصفون في مساجدهم للصلاة، ويصفون في غزوهم عند لقاء العدو، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَتِلُونَ فِى سَبِيلِهِ، صَفَّا كَنَّهُمْ بُنْيَنٌ مَّرْصُوصُ ﴾﴾ [الصف]. وقال بعض العلماء أيضاً: المراد بالزاجرات زجزاً، والتاليات ذكراً: جماعات العلماء العاملين يلقون آيات الله على الناس، ويزجرون عن معاص الله بآياته، ومواعظه التي أنزلها على رسله. وقال بعضهم: المراد بالزاجرات زجراً: جماعات الغزاة يزجرون الخيل التسرع إلى الأعداء، والقول الأول أظهر وأكثر قائلاً، ووجه توكيده تعالى قوله: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ ١١٥٨ سورة الصافات: الآيات (١ - ٥) لَوَاحِدٌ ﴾﴾، بهذه الأقسام، وبإن واللام هو أن الكفار أنكروا كون الإله واحداً إنكاراً شديداً وتعجبوا من ذلك تعجباً شديداً، كما قال تعالى عنهم: ﴿أَجَعَلَ الَلِمَةَ إِلَهَا وَجِدًّا إِنَّ هَذَا لَشَىْء عُجَبٌ ﴾﴾ [ص]، ولما قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ ﴾﴾، أقام الدليل على ذلك بقوله: ﴿رَّبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَرِقِ ﴾﴾، فكونه خالق السماوات والأرض الذي جعل فيها المشارق والمغارب، برهان قاطع على أنه المعبود وحده. وهذا البرهان القاطع الذي أقامه هنا على أنه هو الإله المعبود وحده، أقامه على ذلك أيضاً في غير هذا الموضع كقوله تعالى في سورة البقرة؛ ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهُ وَحَةٌ لَّ إِلَهَ [البقرة]، فقد أقام البرهان على ذلك بقوله بعده متصلاً به: إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ﴿إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَنَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ اَلَيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِى تَخْرِى فِى الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ الشَّمَاءِ مِن ◌َّآءٍ فَأَحْيَا بِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الْرِيَجِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٣٤)﴾ [البقرة]. وقال الزمخشري في تفسير هذه الآية الكريمة: فإن قلت: ما حكم الفاء إذا جاءت عاطفة في الصفات؟ قلت: إما أن تدل على ترتب معانيها في الوجود کقوله: يا لهف زيابة للحارث الــصابح فالغانم فالآئب كأنه قيل: الذي صبح فغنم فآب، وإما على ترتبها في التفاوت من بعض الوجوه كقولك: خذ الأفضل فالأكمل، واعمل الأحسن فالأجمل، وإما على ترتب موصوفاتها في ذلك كقوله: رحم الله المحلقين فالمقصرين، فعلى هذه القوانين الثلاثة ينساق أمر الفاء العاطفة في الصفات. فإن قلت: فعلى أي هذه القوانين هي فيما أنت بصدده؟ قلت: إن وحَّدت الموصوف كانت للدلالة على ترتب الصفات في التفاضل، وإن ثلثته فهي للدلالة على ترتب الموصوفات فيه. بيان ذلك: أنك إذا أجريت هذه الأوصاف على الملائكة، وجعلتهم جامعين لها فعطفها بالفاء يفيد ترتبا لها في الفضل، إما أن يكون الفضل للصف، ثم للزجر ثم للتلاوة. وإما على العكس، وكذلك إن أردت العلماء وقواد الغزاة. وإن أجريت الصفة الأولى على طوائف والثانية والثالثة على أخر، فد أفادت ترتب الموصوفات في الفضل؛ أعني أن الطوائف الصافات ذوات فضل والزاجرات أفضل، والتاليات أبهر فضلاً أو على العكس، وكذلك إذا أردت بالصافات الطير، وبالزاجرات كل ما يزجر عن معصية، وبالتاليات كل نفس تتلو الذكر، فإن الموصوفات مختلفة. انتهى كلام الزمخشري في الكشاف. قال مقيده - عفا الله عنه وغفر لهـ: كلام صاحب الكشاف هذا نقله عنه أبو حيان، والقرطبي وغيرهما)) ولم يتعقبوه، والظاهر أنّه كلام لا تحقيق فيه، ويوضح ذلك ١١٥٩ سورة الصافات: الآيات (١ - ٥) - اعتراف الزمخشري نفسه بأنّه لا يدري ما ذكره: هل هو كذا أو على العكس، وذلك صريح في أنّه ليس على علم مما يقوله؛ لأن من جزم بشيء ثم جوز فيه النقيضين دل. ذلك على أنّه ليس على علم مما جزم به. والأظهر الذي لا يلزمه إشكال أن الترتيب بالفاء لمجرد الترتيب الذكري، والإتيان بأداة الترتيب لمجرد الترتيب الذكرى فقط دون إرادة ترتيب الصفات أو الموصوفات أسلوب عربي معروف جاء في القرآن في مواضع، وهو كثير في كلام العرب. ومن أمثلته في القرآن العظيم قوله تعالى: ﴿فَلَ أَقْتَحَمَ اُلْعَقَبَةَ ﴾ وَمَآ أَدْرَئِكَ مَا اُلْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَّبَةٍ ﴿ أَوْ إِطْعَمٌ فِي يَوْرٍ ذِى مَسْغَبَكِ ١٦ يَنِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ ﴿ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَةِ ﴿ ثَُ كَانَ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَوَصَوْاْ بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْاْ بِالْمَرْحَمَةِ ﴾﴾ الآية [البلد]، فلا يخفى أن ثم حرف ترتيب وأن المرتب به الذي هو كونه من الذين آمنوا لا ترتب له على ما قبله إلا مطلق الترتيب الذكري، ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَطِى مُسْتَقِيمًا فَتَبِعُوَةٌ وَلَا تَنَّبِعُواْ السُبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَضَّنَكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ (مَاثُمَّ ءَاتَّيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ تَمَامًا عَلَى الَّذِى أَحْسَنَ وَتَفْضِيلًا لِكُلِّ شَىْءٍ﴾ ... الآية [الأنعام: ١٥٣، ١٥٤]، كما لا يخفى أن الترتيب فيه ذكري. وقد قدَّمنا الكلام على هذا في سورة البقرة، في الكلام على قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩]. ومن أمثلة ذلك في كلام العرب قوله: إن من ساد ثم ساد أبوه ثم قد ساد قبل ذلك جده وقوله تعالى: في هذه الآية الكريمة: ﴿وَرَبُّ الْمَشَرِقِ﴾، لم يذكر في هذه الآية إلا المشارق وحدها، ولم يذكر فيها المغارب. وقد بيّنا في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب: وجه اختلاف ألفاظ الآيات في ذلك. فقلنا فيه في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَّهِ الْمَشْرِقُ وَأَغْرِبُ﴾ [البقرة: ١١٥]، ما لفظه: أفرد في هذه الآية الكريمة المشرق والمغرب، وثناهما في سورة الرحمن في قوله تعالى: ﴿رَبُّ الْشَرِقَيْنِ وَرَبُّ الْغَرِبَينِ (٣)﴾ [الرحمن]، وجمعهما في سورة سأل سائل في قوله تعالى: ﴿فَلَّ أُقِْمُ بِرَبِّ الْشَرِقِ وَالْغَزِدِ﴾ [المعارج: ٤٠]، وجمع المشارق في سورة الصافات في قوله تعالى: ﴿رَّبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَرِقِ والجواب: أنّ قوله هنا: ولله المشرق والمغرب المراد به جنس المشرق والمغرب، فهو صادق بكل مشرق من مشارق الشمس التي هي ثلاثمائة وستون، وكل مغرب من مغاربها التي هي كذلك كما روي عن ابن عباس وغيره. قال ابن جرير في تفسير هذه الآية الكريمة ما نصه: وإنما معنى ذلك: ولله المشرق الذي تشرق منه الشمس كل يوم، والمغرب الذي تغرب فيه كل يوم. فتأويله إذا كان ذلك معناه: ولله ما بين قطري المشرق وقطري المغرب إذا كان ١٢٦٠ سورة الصافات: الآيات (٦ - ١١) شروق الشمس كل يوم من موضع منه لا تعود لشروقها منه إلى الحول الذي بعده، وكذلك غروبها. انتهى منه بلفظه .. وقوله: ﴿رَبُّ الْثَرِقَيْنِ وَرَبُّ الْغَرِبَيْنِ ﴾﴾ [الرحمن]، يعني مشرق الشتاء، ومشرق الصيف، ومغربهما كما عليه الجمهور، وقيل: مشرق الشمس والقمر ومغربهما. وَقوله: ﴿رَبِّ الْشَرِقِ وَالْغَزِدِ﴾ [المعارج: ٤٠]، أي مشارق الشمس ومغاربها كما تقدم. وقيل: مشارق الشمس والقمر والكواكب ومغاربها. والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِنَةٍ الْكَوَكِ ﴾. قد قدَّمنا الآيات الموضحة له في سورة الأنعام، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى جُعَلَ لَّكُمُ النُّجُومَ لِهْتَدُواْ بِهَا﴾ الآية [الأنعام: ٩٧]. وقرأ هذا الحرف السبعة غير عاصم وحمزة، بإضافة زينة إلى الكواكب أي بلا تنوين في زينة، مع خفض الباء في الكواكب. وقرأه حمزة وحفص عن عاصم: بتنوين زينة، وخفض الكواكب على أنه بدل من زينة. وقرأه أبو بكر عن عاصم: ((بزينة الكواكب)) بتنوين زينة، ونصب الكواكب، وأعرب أبو حيان الكواكب على قراء النصب إعرابين: أحدهما: أنّ الكواكب بدل من السماء في قوله تعالى: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ﴾ والثاني: أنّه مفعول به لزينة بناء على أنه مصدر منكر، كقوله تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَمٌ فِي يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَكٍْ ﴿ يَتِمًا﴾ ... الآية [البلد: ١٤، ١٥]. والأظهر عندي: أنه مفعول فعل محذوف تقديره أعني الكواكب، على حد قوله في الخلاصة : وقد يكون حذفه ملتزما ويحذف الناصبها إن علما قوله تعالى: ﴿وَحِفْظًا مِنِ كُلِّ شَيْطَنِ مَارِمٍ ﴾﴾ - إلى قوله - ﴿شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾. قد قدمنا الآيات الموضحة له في الكلام على قوله تعالى: ﴿ وَحَفِظْتَهَا مِن كُلِّ شَيْطَيْنِ رَّحِيمٍ (٣) إِلَّا مَنِ أَسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ ... الآية [الحجر: ١٧، ١٨]. في سورة الحجر. قوله تعالى: ﴿فَأَسْتَغْنِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَم ◌َنْ خَلَقْنَاْ إِنَّا خَلَقْتَهُم مِّنَ طِيرٍ لََّزِبِ ذكر في هذه الآية الكريمة برهانين من براهين البعث، التي قدمنا أنها يُكثر في القرآن العظيم الاستدلال بها على البعث. الأول: هو المراد بقوله: ﴿فَأَسْتَّفْنِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَّنْ خَلَقْنَا﴾، لأن معنى فاستفتهم: استخبرهم، والأصل في معناه: اطلب منهم الفتوى: وهي الإخبار بالواقع فيما تسألهم عنه؛ أهم أشد خلقاً أي أصعب إيجاداً واختراعاً، أم من خلقنا من المخلوقات التي هي أعظم وأكبر منهم، وهي ما تقدم ذكره من الملائكة المعبر عن جماعاتهم بالصافات، والزاجرات، والتاليات، والسماوات والأرض، والشمس