Indexed OCR Text
Pages 1121-1140
١١٢١ سورة الأحزاب: الآية (٣٣) وعمل عملاً صالحاً: أنّ الله - جلّ وعلا - يؤتها أجرها مرتين، والقنوت: الطاعة، وما وعد الله به - جلّ وعلا - من أطاع منهن بإيتائها أجرها مرتين في هذه الآية الكريمة جاء الوعد بنظيره لغيرهن، في غير هذا الموضع، فمن ذلك وعده لمن آمن من أهل الكتاب بنبيه، ثم آمِن بمحمد ◌َ﴾ بإيتائه أجره مرتين، وذلك في قوله تعالى: ﴿﴾ وَلَقَدْ وَضَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴿ الَّذِينَ ءَاتَيْتَهُمُ الْكِتَبَ مِن قَبْلِهِ، هُم بِهِ، يُؤْمِنُونَ (٥٣) وَإِذَا يُثْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوَاْ ءَامَنَّا بِهَِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ، مُسْلِمِينَ ﴿﴿ أُوْلِكَ يُؤْتَونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ﴾ ... الآية [القصص: ٥١، ٥٤]. ومن ذلك وعده لجميع المطيعين من أمته وهو بإيتائهم كفلين من رحمته تعالى، وذلك في قولِه - جلّ وعلا -: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِ، يُؤْتِكُمْ كِعْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ، وَبَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ، وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الحديد: ٢٨]، الآية. وأعلم: أنّ ظاهر هذه الآية الكريمة من سورة الحديد، الذي لا ينبغي العدول عنه، أن الخطاب بقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنَّقُواْ اللَّهَ وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِ﴾ الآية [الحديد: ٢٨]. عام لجميع هذه الأمة كما ترى، وليس في خصوص مؤمني أهل الكتاب، كما في آية القصص المذكورة آنفاً، وكونه عاماً هو التحقيق إن شاء الله، لظاهر القرآن المتبادر الذي لم يصرف عنه صارف، فما رواه النسائي عن ابن عباس ◌ًّا من حمله آية الحديد هذه على خصوص أهل الكتاب كما في آية القصص، خلاف ظاهر القرآن، فلا يضح الحمل عليه إلا بدليل يجب الرجوع إليه، وإن وافق ابن عباس في ذلك الضحاك، وعتبة بن أبى حكيم، وغيرهما. واختاره ابن جرير الطبري. والصواب في ذلك إن شاء الله هو ما ذكرنا؛ لأن المعروف عند أهل العلم: أن ظاهر القرآن المتبادر منه، لا يجوز العدول عنه، إلا لدليل يجب الرجوع إليه. وقال ابن كثير: وقال سعيد بن جبير: لما افتخر أهل الكتاب بأنهم يؤتون أجرهم مرتين، أنزل الله تعالى على نبيه هذه الآية في حق هذه الأمة: ﴿يَأَيُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِ، يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ﴾، أي ضعفين ﴿مِّن رَّحْمَتِهِ﴾، وزادهم ﴿وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ، وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الحديد: ٢٨]، ففضلهم بالنور والمغفرة. اهـ نقله عنه ابن جرير، وابن كثير. والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الْرّحْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَظْهِيرًا﴾ . قد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يقول بعض العلماء في الآية قولاً، ويكون في نفس الآية قرينة تدل على عدم صحة ذلك القول، وذكرنا لذلك أمثلة متعددة في الترجمة، وفي مواضع كثيرة من هذا الكتاب المبارك. ومما ذكرنا من أمثلة ذلك في الترجمة قولنا فيها: ومن أمثلته قول بعض أهل العلم: إن أزواجه ﴿ لا يدخلن في أهل بيته في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِرَكُمْ تَظْهِيرًا﴾، فإن قرينة السياق صريحة في دخولهن؛ لأن الله تعالى ١١٢٢ سورة الأحزاب: الآية (٣٣) قال: ﴿قُل لِأَزْوَجِكَ إِن كُنْتُنَّ تُرِدْنَ﴾، ثم قال في نفس خطابه لهن: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرَّحْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ ثم قال بعده: ﴿وَأَذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ ... الآية. وقد أجمع جمهور علماء الأصول على أن صورة سبب النزول قطعية الدخول، فلا يصح إخراجها بمخصص، وروي عن مالك أنها ظنية الدخول، وإليه أشار في (مراقى السعود) بقوله : واجزم بإدخال ذوات السبب وارو عن الإمام ظنا تصب فالحق أنهن داخلات في الآية. اهـ من ترجمة هذا الكتاب المبارك. والتحقيق إن شاء الله: أنهن داخلات في الآية، وإن كانت الآية تتناول غيرهن من أهل البيت. أما الدليل على دخولهن في الآية، فهو ما ذكرناه آنفاً من أن سياق الآية صريح في أنها نازلة فيهن. والتحقيق: أن صورة سبب النزول قطعية الدخول كما هو مقرر في الأصول. ونظير ذلك من دخول الزوجات في اسم أهل البيت. قوله تعالى في زوجة إبراهيم: ﴿قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اُللهِّ رَحْمَثُ اللَّهِ وَبَرَكَتُمُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ اُلْبَيْتِ﴾ [هود: ٧٣]. وأما الدليل على دخول غيرهن في الآية، فهو أحاديث جاءت عن النبي ولو أنّه قال في علي، وفاطمة، والحسن، الحسين : ((إنهم أهل البيت)) ودعا لهم الله أن يذهب عنهم الرجس ويطهرهم تطهيراً. وقد روى ذلك جماعة من الصحابة عن النبي ◌َّل، منهم أم المؤمنين أم سلمة فيها، وأبو سعيد، وأنس، وواثلة بن الأسقع، وأم المؤمنين عائشة، وغيرهم وبما ذكرنا من دلالة القرآن والسنة: تعلم أن الصواب شمول الآية الكريمة الأزواج النبيِ نَّر، ولعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين عليه كلهم. تنبيه: فإن قيل: إن الضمير في قوله: ﴿لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرَّحْسَ﴾، وفي قوله: ﴿وَبُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾، ضمير الذكور، فلو كان المراد نساء النبي ◌َّ لقيل: ليذهب عنكن ويطهر كن . فالجواب من وجهين: الأول: هو ما ذكرنا من أن الآية الكريمة شاملة لهن، ولعلي، والحسن، والحسين، وفاطمة، وقد أجمع أهل اللسان العربي على تغليب الذكور على الإناث في الجموع ونحوها، كما هو معلوم في محله. الوجه الثاني: هو أن من أساليب اللغة العربية التي نزل بها القرآن أن زوجة الرجل يطلق عليها اسم الأهل، وباعتبار لفظ الأهل تخاطب مخاطبة الجمع المذكر، ومنه قوله تعالى في موسى: ﴿فَقَالَ لِأَهْلِهِ أَمْكُنُواْ﴾ [طه: ١٠]. وقوله: ﴿سَتَّتِكمُ﴾ [النمل: ٧]. وقوله: ﴿لَّعَلِّ ◌َائِيكُمْ﴾ [طه: ١٠]. والمخاطب امرأته كما قاله غير واحد، ونظيره من كلام العرب قول الشاعر: سورة الأحزاب: الآية (٣٧) - ١١٢٣ . فإن شئت حرمت النساء سواكم وإن شئت لم أطعم نقاخاً ولا برداً وبما ذكرنا تعلم أن قول من قال: إن نساء النبي 8ّ* لسن داخلات في الآية، يرد عليه صريح سياق القرآن، وأن من قال: إن فاطمة وعلياً والحسن والحسين ليسوا داخلين فيها، ترد عليه الأحاديث المشار إليها . وقال بعض أهل العلم: إن أهل البيت في الآية هم من تحرم عليهم الصدقة. والعلم عند الله تعالى. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الْرّحْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ ... الآية. يعني أنه يذهب الرجس عنهم، ويطهرهم بما يأمر به من طاعة الله، وينهى عنه من معصيته؛ لأن من أطاع الله أذهب عنه الرجس، وطهره من الذنوب تطهيراً. وقال الزمخشري في الكشاف: ثم بين أنه إنما نهاهن وأمرهن ووعظهن؛ لئلا يقارف أهل بيت رسول الله ﴿ المآثم، وليتصونوا عنها بالتقوى. واستعار للذنوب الرجس، وللتقوى الطهر؛ لأن عرض المقترف للمقبحات يتلوث بها ويتدنس كما يتلوث بدنه بالأرجاس. وأما الحسنات فالعرض منها نقي مصون كالثوب الطاهر، وفي هذه الاستعارة ما ينفر أولي الألباب عما كرهه الله لعباده، ونهاهم عنه، ويرغبهم فيما يرضاه لهم، وأمرهم به. وأهل البيت نصب على النداء أو على المدح. وفي هذا دليل بين على أنّ نساء النبي ◌ِّر من أهل بيته. تنبيه: اعلم أنّه يكثر في القرآن العظيم، وفي اللغة إتيان اللام المكسورة منصوباً بعدها المضارع بعد فعل الإرادة كقوله هنا: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الْرّجْسَ﴾ ... الآية. وقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٢٦]. وقوله: ﴿يُرِيدُونَ لِيُظْفِقُواْ نُورَ اللهِ﴾ الآية [الصف: ٨]. وقوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، إلى غير ذلك من الآيات. وكقول الشاعر: أريد لأنسى ذكرها فكأنما تمثل لي ليلى بكل سبيل وللعلماء في اللام المذكورة أقوال: منها أنها مصدرية بمعنى أن، وهو قول غريب. ومنها: أنها لام كي، ومفعول الإرادة محذوف والتقدير: إنما يريد الله أن يأمركم وينهاكم؛ لأجل أن يذهب عنكم الرجس: والرجس كل مستقذر تعافه النفوس، ومن أقذر المستقذرات معصية الله تعالى. قوله تعالى: ﴿وَتُخْفِى فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾. قد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان التي تضمنها بيان الإجمال الواقع بسبب الإبهام في صلة موصول، وذكرنا أن من أمثلة ذلك قوله تعالى: ﴿وَتُخْفِى فِى نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾؛ لأن جملة: الله مبديه صلة الموصول الذي هو ما. وقد قلنا في الترجمة المذكورة: فإنه هنا أبهم هذا الذي أخفاه وير في نفسه وأبداه الله، ولكنه أشار إلى أنّ المراد به زواجه والت ١١٢٤ سورة الأحزاب: الآية (٣٧) زينب بنت جحش *، حيث أوحى إليه ذلك، وهي في ذلك الوقت تحت زيد بن حارثة؛ لأن زواجه إياها هو الذي أبداه الله بقوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًّا زَوَّحْتَكَهَا﴾، وهذا هو التحقيق في معنى الآية الذي دل عليه القرآن، وهو اللائق بجنابه اليه . وبه تعلم أن ما يقوله كثير من المفسرين من أن ما أخفاه في نفسه هل﴿ وأبداه الله وقوع زينب في قلبه ومحبته لها، وهي تحت زيد، وأنها سمعته قال: سبحان مقلب القلوب إلى آخر القصة، كله لا صحة له، والدليل عليه أن الله لم يبد من ذلك شيئاً، مع أنه صرح بأنه مبدي ما أخفاه رسول الله وص له. انتهى محل الغرض من كلامنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك. وقال القرطبي كَُّ في تفسير هذه الآية: واختلف الناس في تأويل هذه الآية، فذهب قتادة، وابن زيد، وجماعة من المفسرين منهم: الطبري، وغيره: إلى أن النبي وَله وقع منه استحسان لزينب بنت جحش، وهي في عصمة زيد، وكان حريصاً على أن يطلقها زيد، فيتزوجها هو إلى أن قال: وهذا الذي كان يخفي في نفسه، ولكنه لزم ما يجب من الأمر بالمعروف يعني قوله: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾. اهـ. ولا شك أن هذا القول غير صحيح، وأنه غير لائق به إليه .. ونقل القرطبي نحوه عن مقاتل، وابن عباس أيضاً، وذكر القرطبي عن علي بن الحسين أن الله أوحى إلى نبيه و له أن زيداً سيطلق زينب، وأن الله يزوجها رسوله واله وبعد أن علم هذا بالوحي قال لزيد: أمسك عليك زوجك. وأن الذي أخفاه في نفسه: هو أن الله سيزوجه زينب ثا، ثم قال القرطبي بعد أن ذكر هذا القول: قال علماؤنا - رحمة الله عليهم -: وهذا القول أحسن ما قيل في تأويل هذه الآية. وهو الذي عليه أهل التحقيق من المفسرين، والعلماء الراسخين؛ كالزهري، والقاضي بكر بن العلاء القشيري، والقاضي أبي بكر بن العربي وغيرهم، إلى أن قال: فأما ما روي أن النبي وَلّلـ هوى زينب امرأة زيد، وربما أطلق بعض المجان لفظ عشق، فهذا إنما يصدر عن جاهل بعصمة النبي 18 عن مثل هذا أو مستخف بحرمته. قال الترمذي الحكيم في نوادر الأصول، وأسند إلى علي بن الحسين قوله: فعلي بن الحسين جاء بهذا من خزانة العلم جوهراً من الجواهر ودرًّا من الدرر أنه إنما عتب الله عليه في أنه قد أعلمه، أن ستكون هذه من أزواجك، فكيف قال بعد ذلك لزيد: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾، وأخذتك خشية الناس أن يقولوا: تزوج امرأة ابنه، والله أحق أن تخشاه. انتهى محل الغرض منه .. وقال ابن كثير كَثُ في تفسير هذه الآية: ذكر ابن أبي حاتم وابن جرير هاهنا آثاراً عن بعض السلف ﴿، أحببنا أن نضرب عنها صفحاً لعدم صحتها، فلا نوردها، إلى آخر كلامه. وفيه كلام علي بن الحسين الذي ذكرنا آنفاً . ١١٢٥ سورة الأحزاب: الآيات (٤١ - ٥٣). قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له -: التحقيق إن شاء الله في هذه المسألة: هو ما ذكرنا أن القرآن دل عليه، وهو أن الله أعلم نبيه و ل﴿ بأن زيداً يطلق زينب، وأنه يزوجها إياه ◌َ*، وهي في ذلك الوقت تحت زيد، فلما شكاها زيدٌ إليهِ وَ ل قال له: ﴿أَسِْكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَأَتَّقِ اللَّهَ﴾، فعاتبه الله على قوله: أمسك عليك زوجك بعد علمه أنها ستصير زوجته هو ◌َل وخشي مقالة الناس أن يقولوا: لو أظهر ما علم من تزويجه إياها أنه يريد تزويج زوجة ابنه في الوقت الذي هي فيه في عصمة زيد. والدليل على هذا أمران: الأول: هو ما قدّمنا من أنّ الله - جلّ وعلا - قال: ﴿وَتُخْفِى فِى نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾، وهذا الذي أبداه الله - جلّ وعلا -، هو زواجه إياها في قوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ ◌ِنْهَا وَطَرًّا زَفَّحْتَكَهَا﴾، ولم يبد - جلّ وعلا - شيئاً مما زعموه أنّه أحبها، ولو كان ذلك هو المراد لأبداه الله تعالى كما ترى. الأمر الثاني: أن الله - جلّ وعلا - صرح بأنه هو الذي زوجه إياها، وأن الحكمة الإلهية في ذلك التزويج هي قطع تحريم أزواج الأدعياء في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًّا زَوَّجْنَكَهَا لِكَنْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ خَرَجٌ فِيَّ أَزْوَجِ أَدْعِيَآيِهِمْ﴾ ... الآية، فقوله تعالى: ﴿لِكَنْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ﴾، تعليل صريح لتزويجه إياها لما ذكرنا، وكون الله هو الذي زوجه إياها لهذه الحكمة العظيمة صريح في أن سبب زواجه إياها ليس هو محبته لها التي كانت سبباً في طلاق زيد لها كما زعموا، ويوضحه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيِّدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ الآية؛ لأنه يدل على أن زيداً قضى وطره منها، ولم تبق له بها حاجة، فطلقها باختياره. والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذْكُرُواْ اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ما تضمنته هذه الآية الكريمة من الأمر بالإكثار من الذكر، جاء معناه في آيات أخر كقوله تعالى: ﴿فَأَذْكُرُوا اللَّهَ قِيَمًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٣]. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَمَا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١]. وقوله تعالى: ﴿ وَالذَّكِرِنَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّكِرَتِ﴾ الآية. إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى: ﴿وَبَشِرِ الْمُؤْمِنِينَّ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا ﴾﴾. لم يبين هنا المراد بالفضل الكبير في هذه الآية الكريمة، ولكنه بينة في سورة الشورى في قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ فِ رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِّ لَهُمْ مَا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ اُلْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [الشورى: ٢٢] قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَعًا فَسْشَلُوهُنَّ مِنْ وَرَآءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ. لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾. قد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان التي تضمنها، أن يقول بعض العلماء في الآية قولاً، وتكون في نفس الآية قرينة تدل على عدم صحة ذلك القول، وذكرنا له أمثلة في الترجمة، وأمثلة كثيرة في الكتاب لم تذكر في الترجمة، ومن أمثلته التي ذكرنا في الترجمة هذه الآية الكريمة؛ فقد قلنا في ترجمة هذا الكتاب ١١٢٦ - سورة الأحزاب: الآية (٦٣) المبارك، ومن أمثلته قول كثير من الناس: إن آية الحجاب أعني قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَعًا فَسْئَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ﴾، خاصة بأزواج النبي وَّ، فإن تعليله تعالى لهذا الحكم الذي هو إيجاب الحجاب بكونه أطهر لقلوب الرجال والنساء من الريبة في قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَظْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾، قرينة واضحة على إرادة تعميم الحكم، إذ لم يقل أحد من جميع المسلمين، إن غير أزواج النبي ◌َّ لا حاجة إلى أطهرية قلوبهن وقلوب الرجال من الريبة منهن. وقد تقرر في الأصول: أن العلة قد تعم معلولها، وإليه أشار في مراقي السعود بقوله: وقد تخصص وقد تعمم لأصلها لكنها لا تـخـرم انتهى محل الغرض من كلامنا في الترجمة المذكورة. وبما ذكرنا تعلم أن في هذه الآية الكريمة، الدليل الواضح على أن وجوب الحجاب حكم عام في جميع النساء، لا خاص بأزواجه مل*، وإن كان أصل اللفظ خاصاً بهن؛ لأن عموم علته دليل على عموم الحكم فيه .. وقد بسط الشيخ القول في مسألة الحجاب فَليرجع من أراد الوقوف على ما ذكر إلى الأصل. قوله تعالى: ﴿يَسْتَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللّهِ﴾. أمر الله تعالى نبيه وَل في هذه الآية الكريمة أن يقول للناس الذين يسألونه عن الساعة ﴿إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَهِ﴾، ومعلوم أن ((إنما)) صيغة حصر. فمعنى الآية: أن الساعة لا يعلمها إلا الله وحده. وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة، جاء واضحاً في آيات أخر من كتاب الله كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ الآية [لقمان: ٣٤]. وقد بيِّن ◌َ﴿ أنّ الخمس المذكورة في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ الآية [لقمان: ٣٤]. هي المراد بقوله تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوْ﴾ [الأنعام: ٥٩]. وكقوله تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَنَ مُرْسَهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّ لَا يُحِلِيهَا لِوَقِهَا إِلَّا هُوْ ثَقُلَتْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ لَا تَأْتِيَكُمْ إِلَّا بَغْنَةٌ يَسْتَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِىُّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٨٦)﴾ [الأعراف]. وقوله تعالى: ﴿يَسْشَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَانَ مُرُسَهَا فِيمَ أَنْتَ مِن فِكْرَهَا جَ إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَا (٣)﴾ [النازعات]. وقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُ عِلِمُ ٤٢ السَّاعَةِ﴾ الآية [فصلت: ٤٧]، وفي الحديث: ((ما المسئول عنها بأعلم من السائل)). قوله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾. ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة: أنّ الساعة التي هي القيامة لعلها تكون قريباً، وذكر نحوه في قوله في الشورى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى: ١٧]، وقد أوضح - جلّ وعلا - اقترابها في آيات أخر كقوله: ﴿أَقْتَرَتِ السَّاعَةُ﴾ . .، الآية [القمر: ١]. وقوله: ﴿اقْتَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِى غَفْلَةِ مُعْرِضُونَ (٣)﴾ [الأنبياء]. وقوله تعالى: ﴿أَفَ أَمْرُ اللَّهِ فَ تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ ... الآية [النحل: ١]. ١١٢٧ سورة الأحزاب: الآيات (٦٤ - ٧٢) قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ اُلْكَفِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٣)﴾ إلى قوله: ﴿لَعْنَّا كَبِيرًا﴾. تقدمت الآيات الموضحة له مراراً. قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا اُلْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْيِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَلَهَا الْإِنسَنُّ إِنَّهُ كَنَ ظَلُومًا جَهُولًا (®)﴾. ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة: أنّه عرض الأمانة، وهي التكاليف مع ما يتبعها من ثواب وعقاب، على السماوات والأرض والجبال، وأنهن أبين أن يحملنها، وأشفقن منها؛ أي خفن من عواقب حملها أن ينشأ لهن من ذلك عذاب الله وسخطه، وهذا العرض والإباء والإشفاق کله حق، وقد خلق الله السماوات والأرض والجبال إدراكاً بعلمه هو - جلّ وعلا -، ونحن لا نعلمه، وبذلك الإدراك أدركت عرض الأمانة عليها، وأبت وأشفقت؛ أي خافت. ومثل هذا تدل عليه آيات وأحاديث كثيرة، فمن الآيات الدالة على إدراك الجمادات المذكور قوله تعالى في سورة البقرة في الحجارة ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةٍ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٧٤]، فصرح بأن من الحجارة ما يهبط من خشية الله، وهذه الخشية التي نسبها الله لبعض الحجارة بإدراك يعلمه هو تعالى. ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: ﴿تُسَيِّحُ لَهُ السَّمَوَتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِهِنَّ وَإِن مِن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِعُ بِهِ وَلَكِنْ لَّا نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ الآية [الإسراء: ٤٤]. ومنها قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ﴾ ... الآية [الأنبياء: ٧٩]. إلى غير ذلك من الآيات. ومن الأحاديث الصحيحة الدالة على ذلك قصة حنين الجذع الذي كان يخطب عليه النبي وسير لما انتقل بالخطبة إلى المنبر، وهي في صحيح البخاري وغيره. ومنها: ما ثبت في صحيح مسلم عن النبي ◌ََّ أنّه قال: ((إني لأعرف حجراً كان يسلم عليّ في مكة)) وأمثال هذا كثيرة، فكل المذكور في الكتاب والسنة، إنما يكون بإدراك يعلمه الله، ونحن لا نعلمه. كما قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَّا نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤]، ولو كان المراد بتسبيح الجمادات، دلالتها على خالقها لكنا نفقهه كما هو معلوم، وقد دلت عليه آيات كثيرة. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة ﴿وَحَلَهَا الْإِنسَنُّ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾، الظاهر أن المراد بالإنسان آدم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وأن الضمير في قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾، راجع للفظ الإنسان مجرداً عن إرادة المذكور منه الذي هو آدم. والمعنى: أنه أي الإنسان الذي لا يحفظ الأمانة كان ظلوماً جهولاً: أي كثير الظلم والجهل، والدليل على هذا أمران: أحدهما: قرينة قرآنية دالة على انقسام الإنسان في حمل الأمانة المذكورة إلى معذب ومرحوم في قوله تعالى بعده متصلاً به: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَفِقِينَ وَالْمُنَفِقَتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكِتِ وَيَتُوُبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (®﴾، فدل هذا على أن الظلوم الجهول من الإنسان، هو المعذب والعياذ بالله، وهم المنافقون، ١١٢٨ - سورة سبأ: الآيتان (١ - ٢) والمنافقات، والمشركون، والمشركات، دون المؤمنين والمؤمنات. واللام في قوله: ((ليعذب)): لام التعليل وهي متعلقة بقوله: ((وحملها الإنسان)). الأمر الثاني: أن الأسلوب المذكور الذي هو رجوع الضمير إلى مجرد اللفظ دون اعتبار المعنى التفصيلي معروف في اللغة التي نزل بها القرآن، وقد جاء فعلاً في آية من كتاب الله، وهي قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِن ◌ُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِوِهِ إِلَّا فِ كِتَبٍ﴾ [فاطر: ١١]؛ لأن الضمير في قوله: ﴿وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾﴾، راجع إلى لفظ المعمر دون معناه التفصيلي كما هو ظاهر، وقد أوضحناه في سورة الفرقان في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا سِرَجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ [الفرقان: ٦١]، وبينا هناك أن هذه المسألة هي المعروفة عند علماء العربية بمسألة عندي درهم ونصفه: أي نصف درهم آخر كما ترى. وبعض من قال من أهل العلم إن الضمير في قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾، عائد إلى آدم، قال المعنى: أنه كان ظلوماً لنفسه جهولاً: أي غراً بعواقب الأمور، وما يتبع الأمانة من الصعوبات، والأظهر هو ما ذكرنا. والعلم عند الله تعالى. براسه الرحمن الرحيم سورة سبأ قوله تعالى: ﴿وَلَهُ اْحَمْدُ فِى الْآَخِرَةَّ﴾، قد ذكرنا ما هو بمعناه من الآيات في أول سورة الفاتحة، في الكلام على قوله: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ ﴾﴾ [الفاتحة). قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِ الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ اَلْزَّحِيمُ الْغَفُورُ ﴾﴾. بيّن - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة: أنّه يعلم ما يلج في الأرض، أي ما يدخل فيها كالماء النازل من السماء، الذي يلج في الأرض، كما أوضحه بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءُ فَسَلَكَهُ يَنَبِيَعَ فِى الْأَرْضِ﴾ ... الآية [الزمر: ٢١]. وقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الشَّمَاءِ مَُّ بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّهُ فِى الْأَرْضِ﴾ الآية [المؤمنون: ١٨]، فهو - جلّ وعلا -، يعلم عدد القطر النازل من السماء إلى الأرض، وكيف لا يعلمه من خلقه؛ ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اَللَّطِيفُ الْخِيرُ ﴾﴾ [الملك]، ويعلم أيضاً ما يلج في الأرض من الموتى الذين يدفنون فيها، كما قال - جلّ وعلا -: ﴿مِنْهَا خَلَقْتَكُمْ وَفِيَهَا نُعِيذُكُمْ﴾ [طه: ٥٥]، وقال: ﴿أَ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَانًا (١٥) أَحْيَاءُ وَأَقْوَنًا ﴾ [المرسلات]، والكفات من الكفت: وهو الضم؛ لأنها تضمهم أحياء على ظهرها، وأمواتاً في بطنها، ويعلم أيضاً ما يلج في الأرض من البذر كما قال تعالى: ﴿وَلَ حَبَّةٍ فِى ◌ُظُلُمَتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا ١١٢٩ سورة سبأ: الآية (٣) يَابِسٍ إِلَّا فِى كِتَبٍ تُبينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩]. وكذلك ما في بطنها من المعادن وغير ذلك. قوله: ﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾، أي من الأرض كالنبات، والحبوب، والمعادن، والكنوز، والدفائن وغير ذلك، ويعلم ما ينزل من السماء من المطر، والثلج، والبرد، والرزق وغير ذلك، وما يعرج: أي يصعد فيها أي السماء كالأعمال الصالحة، كما بينه بقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ اَلْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّلِحُ بَرْفَعُمْ﴾ [فاطر: ١٠]، وكأرواح المؤمنين وغير ذلك، كما قال تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَبِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِ يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَّةٍ ﴾﴾ ... الآية [المعارج]. وقال تعالى: ﴿يُدَّبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِ يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ﴾﴾ [السجدة]، وما ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة من أنه يعلم جميع ما ذكره؛ ذكره في سورة الحديد في قوله: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِى الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: ٤]. وقد أوضحنا الآيات الدالة على كمال إحاطة علم الله بكل شيء في أول سورة هود، في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَلَّ إِنَّهُمْ يَثْنُنَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ﴾ الآية [هود: ٥]، وفي مواضع أخر متعددة. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَأْتِنَا السَّاعَةٌ قُلْ بَلَى وَرَبٍ لَتَأْتِنَّكُمْ﴾ ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة: أنّ الكفار أنكروا البعث، وقالوا: لا تأتينا الساعة؛ أي القيامة، وأنه - جلّ وعلا - أمر نبيه أن يقسم لهم بربه العظيم أن الساعة سوف تأتيهم مؤكداً ذلك توكيداً متعدداً. وما ذكره - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة من إنكار الكفار للبعث جاء موضحاً في آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿وَأَفْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَئِنِهِمٌّ لَا يَبَعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوثٌ﴾ [النحل: ٣٨]. وقوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِىَ خَلْقَةٌ قَالَ مَن يُخِى الْعِظَمَ وَهِىَ رَمِيمٌ [يس] وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ آلْإِنسَنُ أَوِذَا مَارِ مِتُ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (﴾﴾ [مريم]. وقوله VA تعالى عنهم ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوْثِينَ﴾ [الأنعام: ٢٩]، ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ﴾ [الدخان: ٣٥]، والآيات بمثل ذلك كثيرة جداً، وما ذكره - جلّ وعلا - من أنه أمر نبيه بالإقسام لهم على أنهم يبعثون، جاء موضحاً في مواضع أخر. قال ابن كثير تَّفُ في تفسير هذه الآية الكريمة: هذه إحدى الآيات الثلاث التي لا رابعة لهن مما أمر الله رسوله قر أن يقسم بربه العظيم على وقوع المعاد، لما أنكره من أنكره من أهل الكفر والعناد، فإحداهن في سورة يونس عليه السلام وهي قوله تعالى: وَيَسْتَغُونَكَ أَحَقُّ هُوَّ قُلْ إِى وَرَبِ إِنَّهُ لَحَقِّ وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ (69)﴾ [يونس]، والثانية هذه . وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَأْتِنَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّ لَتَأْتِنَّكُمْ﴾ الثالثة: في سورة التغابن وهي قوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنْ لَنْ يُبْعَنُواْ قُلْ بَى وَرَبٍي ◌َنْتُعَنُنَّ ثُمَّ لَنْنَوَنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ﴾ ... الآية [التغابن: ٧]. ١١٣٠ - سورة سبأ: الآية (٣) وقد قدّمنا البراهين الدالة على البعث بعد الموت من القرآن في سورة البقرة، وسورة النحل وغيرهما . وقد قدّمنا الآيات الدالة على إنكار الكفار البعث، وما أعد الله لمنكري البعث من العذاب في الفرقان في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِلشَّاعَةِ سَعِيرًا﴾ [الفرقان: ١١] وفي مواضع أخر. وقوله: ((قل بلى)) لفظة بلى قد قدّمنا معانيها في اللغة العربية بإيضاح في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَلْقَواْ السَّلَوَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوْعِ بَلَ﴾ ... الآية [النحل: ٢٨]. قوله تعالى: ﴿عَلِمِ الْغَيْبِّ لَا يَغْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِ السَّمَوَتِ وَلَا فِىِ الْأَرْضِ وَلَآَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلَّ أَكْبَرُ إِلَّا فِ كِتَبٍ مُبِينٍ﴾. ما ذكره - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة من أنه لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، جاء موضحاً في آيات أخر كقوله تعالى: ﴿وَمَا تَكُنُ فِي شَأَنٍ وَمَا نَتْلُواْ مِنْهُ مِنْ قُرْءَانٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيَةٍ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ زَّيِكَ مِن مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِ السَّمَاءِ وَلَّ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلَآ أَكْبَرَ إِلَّ فِ كِتَبٍ مُّبِينٍ ﴾﴾ [يونس]. وقوله تعالى: ﴿﴾ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَّ وَيَعْلَمُ مَا فِ الْبَرِّ وَاَلْبَحْرِّ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَبُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِ خُلُمَتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِ إِلَّا فِ كِتَبٍ مُِّينٍ ﴾﴾ [الأنعام]، والآيات بمثل ذلك كثيرة، وقد بيناها في مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ((لا يعزب)): أي لا يغيب عنه مثقال ذرة، ومنه قول کعب بن سعد الغنوي: أخى كان أما حلمه فمروح عليه وأما جهله فعزيب يعني: أن الجهل غائب عنه ليس متصفاً به. وقرأ هذا الحرف نافع وابن عامر: ((عالم الغيب)) بألف بعد العين، وتخفيف اللام المكسورة، وضم الميم على وزن فاعل. وقرأه حمزة والكسائي: ((علَّام الغيب)) بتشديد اللام وألف بعد اللام المشددة وخفض الميم على وزن فعال. وقرأه ابن كثير وأبو عمرو وعاصم: ((عالم الغيب)) كقراءة نافع وابن عامر؛ إلا أنهم يخفضون الميم. وعلى قراءة نافع، وابن عامر: بضم الميم من قوله: عالم الغيب، فهو مبتدأ خبره جملة ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ﴾ ... الآية. أو خبر مبتدأ محذوف أي هو عالم الغيب. وعلى قراءة ابن كثير وأبي عمرو وعاصم: ((عالم الغيب)) بخفض الميم فهو نعت لقوله ربي: أي قل بلى وربي عالم الغيب لتأتينكم، وكذلك على قراءة حمزة، والكسائي: ((علَّام الغيب)). وقرأ هذا الحرف عامة القراء غير الكسائي: ((لا يعزب عنه)) بضم الزاي من يعزب، وقرأه الكسائي بكسر الزاي. ١١٣١ سورة سبأ: الآيات (٥ - ٩) ﴾. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْ فِىّ ءَايَيِّنَا مُعَجِزِينَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِمٌ لم يبين هنا نوع هذا العذاب، ولكنه بينه بقوله في الحج: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْاْ فِىِّ مَئِنَا مُعَجِزِينَ أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ الْجَحِيمِ﴾﴾ [الحج]. وقوله: معاجزين: أي مغالبين، ومسابقين يظنون أنهم يعجزون ربهم، فلا يقدر على بعثهم وعذابهم، والرجز: العذاب كما قال: ﴿فَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزًا﴾ الآية [البقرة: ٥٩]، وقرأ هذا الحرف ابن كثير، وأبو عمرو: (معجّزين)) بلا ألف بعد العين مع تشديد الجيم المكسورة. وقرأه الباقون بألف بعد العين، وتخفيف الجيم، ومعنى قراءة التشديد أنهم يحسبون أنهم يعجزون ربهم، فلا يقدر على بعثهم وعقابهم. وقال بعضهم: أن معنى ((معجّزين)) بالتشديد: أي مثبطين الناس عن الإيمان. وقرأ ابن كثير، وحفص «من رجز أليمٌ)»: بضم الميم من قوله: أليم على أنه نعت لقوله: عذاب. وقرأ الباقون: ((أليم)) بالخفض على أنه نعت لقوله: رجز. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوْ هَلْ نَدُلُكُمُ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِقْتُمْ كُلَّ مُعَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِى خَلْقِ جَدِيدٍ ﴾﴾ إلى قوله: ﴿وَاَلْضَّلَلِ اَلْبَعِيدِ﴾ [٧ - ٨]. ما تضمنته هذه الآية الكريمة من إنكار البعث، وتكذيب الله لهم في ذلك قدم موضحاً في مواضع كثيرة من هذا الكتاب، في البقرة والنحل وغيرهما . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة ﴿إِذَا مُزِقْتُمْ كُلَّ مُعَزَّقٍ﴾، أي تمزقت أجسادكم وتفرقت وبليت عظامكم، واختلطت بالأرض، وتلاشت فيها. وقوله عنهم: ﴿إِنَّكُمْ لَفِى خَلْقِ جَدِيدٍ﴾، أي البعث بعد الموت وهو مصب إنكارهم قبحهم الله، وهو - جلّ وعلا - يعلم ما تلاشى في الأرض من أجسادهم، وعظامهم كما قال تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمّ وَعِنْدَنَا كِتَبُّ حَفِيظُ ﴾﴾ [ق]. قوله تعالى: ﴿أَفَمَّ يَرَوْاْ إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِّ﴾. ما دلت عليه هذه الآية الكريمة من توبيخ الكفار، وتقريعهم على عدم تفكرهم ونظرهم إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض؛ ليستدلوا بذلك على كمال قدرة الله على البعث، وعلى كل شيء، وأنّه هو المعبود وحده، جاء موضحاً في مواضع أخر، كقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوَا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَيْنَهَا وَزَيَّنَهَا وَمَا لَمَا مِن فُرُوُجٍ ﴿﴿ وَالْأَرْضَ مَدَدْنَهَا وَأَلْفَيْنَا فِيَهَا رَوَسِىَ وَأَنْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجِ بَهِيجِ ﴿َ تَبْصِرَةَ وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُِّيبٍ ﴾﴾ [ق]. وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِ مَلَكُوتِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ ج مِن شَىْءٍ وَأَنْ عَسَّ أَنْ يَكُونَ قَدِ أَقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ [الأعراف: ١٨٥]. وقوله تعالى: ﴿وَكَأَيِنِ مِّنْ ءَآيَةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (®)﴾ [يوسف]، والآيات بمثل ذلك كثيرة معروفة. وقال ابن كثير تَخْفُ في تفسير هذه الآية: قال عبد بن حميد: أخبرنا عبد الرزاق، ١١٣٢ سورة سبأ: الآيتان (٩ - ١٠) عن معمر عن قتادة: ﴿أَفَمَّ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيَدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضَِّ﴾، قال: إنك إن نظرت عن يمينك، أو عن شمالك، أو من بين يديك، أو من خلفك، رأيت السماء والأرض. قوله تعالى: ﴿إِن ◌َّشَأْ نَخْسِفِ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ؟ ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة أمرين: أحدهما: أنّه إن شاء خسف الأرض بالكفار خسفها بهم لقدرته على ذلك. والثاني: أنّه إن شاء أن يسقط عليهم كسفاً من السماء فعل ذلك أيضاً لقدرته عليه .. أما الأول الذي هو أنّه لو شاء أن يخسف بهم الأرض لفعل، فقد ذكره تعالى في غير هذا الموضع كقوله تعالى: ﴿َأَمِنْثُم مَّن فِ السَّمَاءِ أَنْ يَخِْفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِىَ تُمُورُ (٨٣)﴾ [الملك]، وقوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَاِبَ الْبَرِّ﴾ ... الآية [الإسراء: ٦٨]. وقوله تعالى: ﴿لَوْلَا أَنْ مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَّاً﴾ [القصص: ٨٢]. وقوله تعالى في الأنعام: ﴿أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ الآية [الأنعام: ٦٥]. وقوله هنا: ﴿أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفَّا مِّنَ السَّمَاءِ﴾، قد بينا في سورة بني إسرائيل، أنّه هو المراد بقوله تعالى عن الكفار: ﴿أَوْ تُتْقِطَ السَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾ ... الآية [الإسراء: ٩٢]. وقرأه حمزة والكسائي: ((إن يشأ يخسف بهم الأرض، أو يسقط عليهم كسفاً من السماء)) بالياء المثناة التحتية في الأفعال الثلاثة. أعني يشأ. ويخسف. ويسقط، وعلى هذه القراءة فالفاعل ضمير يعود إلى الله تعالى؛ أي إن يشأ هو؛ أي الله، يخسف بهم الأرض، وقرأ الباقون بالنون الدالة على العظمة في الأفعال الثلاثة أي إن نشأ نحن إلخ. وقرأ حفص عن عاصم: ((كسفاً)) بفتح السين، والباقون بسكونها. والكسف بفتح السين القطع، والكسف بسكون السين واحدها. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًا﴾. ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة: أنّه آتى داوود منه فضلاً تَفَضَّلَ به عليه، وبين هذا الفضل الذي تفضل به على داود في آيات أخر، كقوله تعالى: ﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَءَاتَلُهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَلِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِنَا يَشَآءُ﴾ [البقرة: ٢٥١]. وقوله تعالى: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَءَاتَيْنَهُ الْحِكْمَةً وَفَصْلَ ◌ِْطَابِ ﴾ [ص]. وقوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَنَّ نِعْمَ الْعَبْدُّ إِنَّهُ، أَوَّابُ (٣)﴾ [ص). وقوله تعالى: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكٌ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَثَابٍ ﴾﴾ [ص] وقوله تعالى: ﴿يَدَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةً فِ اَلْأَرْضِ﴾ [ص: ٢٦]. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَنَ عِلْمًّاً وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾﴾ [النمل]. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ التَّبِيْتِنَ عَلَى بَعْضِّ وَءَاتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾ [الإسراء: ٥٥] إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى: ﴿يَجِبَالُ أَوِّبِى مَعَهُ وَالقَلَيْرِّ﴾. قد بيّنا الآيات الموضحة له مع إيضاح معنى ((أوبي معه)) في سورة الأنبياء، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ اَلْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرِ وَكُنَّا فَعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٩]. ١١٣٣ سورة سبأ: الآيات (١٠ - ٢٤) قوله تعالى: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ ﴿أَنِ أَعْمَلْ سَبِغَتٍ وَقَدِّرْ فِ السَّرْدِ﴾. قد قدّمنا الآيات التي فيها إيضاحه، مع بعض الشواهد وتفسير قوله: ﴿وَقَدِّرْ فِ السَّرْدِ﴾، في سورة الأنبياء في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَهُ صَنْعَةَ لَبُوُسِ لَّكُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠]. وفي النحل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَسَرَّبِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾. قوله تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَنَ الْرِيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاِحُهَا شَهْرٌ﴾. قد بينا الآيات التي فيها إيضاحه له في سورة الأنبياء، في الكلام على قوله: ﴿ وَلِسُلَيْمَنَ الرِّيحَ عَاصِفَةٌ تَجْرِى بِأَمْرٍِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ الآية [الأنبياء: ٨١]. مع الأجوبة عن بعض الأسئلة الواردة، على الآيات المذكورة. قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهٌِ﴾، إلى قوله تعالى: ﴿وَقُدُورٍ رَّاسِيَتٍ﴾. قد قدّمنا الآيات الموضحة له في سورة الأنبياء، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الشَّيَطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكٌ وَكُنَّا لَهُمْ حَفِظِينَ (٨)﴾ [الأنبياء]. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِسُ ظَنَّهُ فَتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾﴾. قد قدّمنا الآيات الموضحة له في سورة الحجر، في الكلام على قوله تعالى عنه: ﴿لَأُزَّيِّنَنَّ لَهُمْ فِ الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ... الآية [الحجر: ٣٩]، وفي سورة الأعراف، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَكِينَ﴾ [الأعراف: ١٧]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَ﴾، قرأه عاصم، وحمزة والكسائي بتشديد الدال والباقون بالتخفيف. قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالْآَخِرَةِ﴾ الآية. قد بيّنا الآيات الموضحة له في سورة الحجر، في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِلَّا ﴾ [الحجر]، وفي غير ذلك من المواضع. عِيَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ قوله تعالى: ﴿قُلِ أَدْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّنِ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّعْ فِي اُلسَمَوَتِ وَلَا فِى الْأَرْضِ﴾ قد قدّمنا الآيات الموضحة له في سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿قُلِ أَدْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّنِ دُونِهِ، فَلَ يَمْلِكُونَ كَثْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (69)﴾ [الإسراء]. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَفَعُ الشَّفَعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُمْ﴾. قد قدّمنا الآيات الموضحة له في سورة البقرة، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَعَةٌ﴾ [البقرة: ٤٨]. قوله تعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ قُلِ اللَّهُ﴾. أمر الله - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة، نبيه محمداً ﴾ أن يقول للكفار: ﴿مَن يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾، أي يرزقكم من السماوات بإنزال المطر مثلاً، والأرض بإنبات الزورع والثمار ونحو ذلك. ثم أمره أن يقول: الله: أي الذي يرزقكم من السماوات والأرض هو الله، وأمره تعالى له وس﴿ بأن يجيب بأن رازقهم هو الله يفهم منه أنهم مقرون بذلك، وأنه ليس محل نزاع. ١١٣٤ - سورة سبأ: الآيات (٢٥ - ٢٧) وقد صرح تعالى بذلك، في آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَاْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيْتِ وَيُخْرِجُ الْمَيْتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ اُلْأَمْرُّ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ الآية [يونس: ٣١]، وإقرارهم بربوبيته تعالى يلزمه الاعتراف بعبادته وحده، والعمل بذلك. وقد قدّمنا كثيراً من الآيات الموضحة لذلك في سورة بني إسرائيل، في الكلام. على قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩]. قوله تعالى: ﴿قُل لَّا تُتْشَلُونَ عَمَّا أَجْرَقْنَا وَلَا تُشْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾﴾. أمر الله - جلّ وعلا - نبيه ◌َ ﴿ في هذه الآية الكريمة أن يقول للكفار: إنَّهُ وإياهم ليس أحد منهم مسؤولاً عما يعمله الآخر، بل كل منهم مؤاخذ بعمله، والآخر بريء منه. وأوضح هذا المعنى في غير هذا الموضع كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوَكَ فَقُل لِّ عَمَلِى وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُم بِعُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِىٌّ مِّمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [يونس]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ ٤١ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ ﴿ لَآ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴾﴾، إلى قوله: ﴿لگُزْ دِینُگُمْ وَلَِ دِينِ [الكافرون]، وفي معنى ذلك في الجملة قوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ [البقرة]. وكقوله تعالى عن نبيه هود عليه وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمَّ وَلَا تُشْتَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ®) مِن دُونِهِ، وعلى نبينا الصلاة والسلام: ﴿قَالَ إِنّ أُشْهِدُ اللَّهَ وَأَشْهَدُوّأْ أَنِى بَرِىَءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ فَكِيدُونِ جَمِيعًا ثُمَّ لَا نُظِرُونِ (٥٥)﴾ [هود]. قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُم بِهِ، شُرَكَاءٍ كَلَّا بَلْ هُوَ اللّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾﴾. أمر الله - جلّ وعلا - نبيه وَل في هذه الآية الكريمة أن يقول لعبدة الأوثان: أروني أوثانكم التي ألحقتموها بالله شركاء له في عبادته كفراً منكم، وشركاً وافتراء. وقوله: ﴿أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُم بِهِ، شُرَكَاءَ﴾؛ لأنّهم إن أروه إياها تبين برؤيتها أنها جماد لا ينفع ولا يضر، واتضح بعدها عن صفات الألوهية. فظهر لكل عاقل برؤيتها بطلان عبادة ما لا ينفع ولا يضر، فإحضارها والكلام فيها، وهي مشاهدة أبلغ من الكلام فيها غائبة، مع أنّه وسير يعرفها، وكما أنه في هذه الآية الكريمة أمرهم أن يروه إياها ليتبين بذلك بطلان عبادتها، فقد أمرهم في آية أخرى أن يسموها بأسمائها؛ لأن تسميتها بأسمائها يظهر بها بعدها عن صفات الألوهية، وبطلان عبادتها لأنها أسماء إناث حقيرة كاللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى، كما قال تعالى: ﴿إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ: إِلَّ إِنَثًا﴾ [النساء: ١١٧]، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ قُلْ سَمُّوهُمَّ أَمْ تُنِعُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِى الْأَرْضِ أَمَ بِظَاهِرٍ مِّنَ الْقَوْلُ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ وَصُدُواْ عَنِ السَّبِيلِ وَمَن يُضْلِلِ اَللَهُ فَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الرعد: ٣٣]. والأظهر في قوله: ﴿أَرُونَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُم بِهِ﴾، في هذه الآية: هو ما ذكرنا من أنّ الرؤية بصرية وعليه فقوله: شركاء: حال، وقال بعض أهل العلم: إنها من رأى العلمية، : ١١٣٥ سورة سبأ: الآية (٢٨)- وعليه فشركاء: مفعول ثالث لأروني. قال القرطبي: يكون أروني هنا من رؤية القلب فيكون شركاء مفعولاً ثالثاً أي عرفوني الأصنام والأوثان التي جعلتموها شركاء لله ◌َ، وهل شاركت في خلق شيء، فبينوا ما هو وإلا فلم تعبدونها. اهـ محل الغرض منه. واختار هذا أبو حيان في البحر المحيط. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: (كلا)) ردع لهم، وزجر عن إلحاق الشركاء به. وقوله: ﴿بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾: أي والمتصف بذلك هو المستحق للعبادة، وقد قدّمنا معنى العزيز الحكيم بشواهده مراراً. قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْتَكَ إِلَّا حكَاَفَّةُ لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾. قد قدّمنا الآيات الموضحة له في سورة الأعراف، في الكلام على قوله تعالى: ﴿قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنِ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وفي غير ذلك من المواضع. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا كَانَّةٌ لِلنَّاسِ﴾، استشهد به بعض علماء العربية على جواز تقدم الحال على صاحبها المجرور بالحرف كما أشار له ابن مالك في الخلاصة بقوله : أبوا ولا أمنعه فقد ورد وسبق حال ما بحرف جر قد قالوا: لأن المعنى: وما أرسلناك إلا للناس كافة: أي جميعاً، أي أرسلناك للناس، في حال كونهم مجتمعين في رسالتك، وممن أجاز ذلك أبو علي الفارسي، وابن كيسان، وابن برهان، ولذلك شواهد في شعر العرب، كقول طليحة بن خويلد الأسدي: فلن يذهبوا فرغاً بقتل حيال فإن تك أذواد أصبن ونسوة وكقول كثير : إلي حبيباً إنها لحبيب لئن كان برد الماء هيمان صاديا وقول الآخر: تسليت طراً عنكم بعد بينكم وقول الآخر: بذكركم حتى كأنكم عندي غافلاً تعرض المنية للمر ء فيدعى ولات حين إياء وقوله: حم الفراق فما إليك سبيل مشغوفة بك قد شغفت وإنما و قوله: فمطلبها كهلاً عليه شديد إذا المرء أعيته المروءة ناشئاً. فقوله في البيت الأول فرغاً: أي هدراً حال وصاحبه المجرور بالباء الذي هو بقتل، وحبال اسم رجل. وقوله في البيت الثاني: هيمان صادياً: حالان من ياء المتكلم المجرورة بإلي في قوله: إليَّ حبيباً. وقوله في البيت الثالث: طراً: حال من الضمير المجرور بعن في قوله: عنكم، وهكذا .. وتقدم الحال على صاحبها المجرور بالحرف منعه أغلب النحويين. ١١٣٦ سورة سبأ: الآيات (٢٨ - ٣٤) وقال الزمخشري في الكشاف في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْتَكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾، إلا رسالة عامة لهم محيطة بهم؛ لأنها إذا شملتهم، فإنها قد كفتهم أن يخرج منها أحد منهم. وقال الزجاج: المعنى: أرسلناك جامعاً للناس في الإنذار والإبلاغ، فجعله حالاً من الكاف، وحق التاء على هذا أن تكون للمبالغة كتاء الراوية، والعلامة، ومن جعله حالاً من المجرور متقدماً عليه فقد أخطأ؛ لأن تقدم حال المجرور عليه في الإحالة بمنزلة تقدم المجرور على الجار، وكم ترى ممن يرتكب هذا الخطأ ثم لا يقنع به حتى يضم إليه أن يجعل اللام بمعنى إلى؛ لأنه لا يستوي له الخطأ الأول إلا بالخطأ الثاني، فلا بد له من ارتكاب الخطأين. اهـ منه. وقال الشيخ الصبان في حاشيته على الأشموني: جعل الزمخشري ((كافة)) صفة لمصدر محذوف أي رسالة كافة للناس، ولكن اعترض بأن كافة مختصة بمن يعقل وبالنصب على الحال كطراً، وقاطبة. انتهى محل الغرض منه. وما ذكره الصبان في (كافة)) هو المشهور المتداول في كلام العرب، وأوضح ذلك أبو حيان في البحر. والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ قد بيّنا الآيات الموضحة له في سورة الأنعام، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَنِ فِى الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ﴾ الآية [الأنعام: ١١٦]. وغير ذلك من المواضع قوله تعالى: ﴿قُل لَّكُ مِيعَادُ يَوْمٍ لَّا تَسْتَفْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةٌ وَلَا تَسْتَقْدِعُونَ ()﴾ قد قدّمنا الآيات الموضحة له في سورة يونس في الكلام على قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلُّ إِذَا جَءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَفْخِرُونَ سَاعَةٌ وَلَا يَسْتَقْدِعُونَ﴾ [يونس: ٤٩]. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَّ إِذِ الَّلِمُونَ مَوْفُوفُونَ عِندَ رَبِهِمْ﴾. إلى قوله: ﴿إِذْ تَأْمُرُونَنَّ أَنْ تَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا﴾. ذكرنا بعض الآيات التي فيها بيان له في سورة البقرة، في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ أَتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ أَتَّبَعُوا﴾ [البقرة: ١٦٦]، وبيناه في مواضع أخر من هذا الكتاب المبارك. قوله تعالى: ﴿وَحَعَلْنَا الْأَغْلَلَ فِىَّ أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ . جاء موضحاً في مواضع أخر كقوله تعالى: ﴿إِذِ الْأَغْظَلُ فِىَ أَعْتَقِهِمْ وَالسَّلَسِلُ﴾ . ج [غافر: ٧١] وقوله: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ الْأَعْلَلُ فِىَ أَعْنَاقِهِرٌ﴾ [الرعد: ٥]، وقوله: ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (٣)﴾ [الحاقة]، إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مِّن ◌َّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ، كَفِرُونَ (9 قد بيّنا الآيات الموضحة له في سورة الأنعام، في الكلام على قوله تعالى: ١١٣٧ سورة سبأ: الآيات (٣٥ - ٤٧) ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِ كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَبِرَ مُجْرِمِيهَا﴾ [الأنعام: ١٢٣]، وأوضحنا ذلك في سورة قد أفلح المؤمنون في الكلام على قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَقْرًا كُلَّ مَا جَ أَنَّةُ رَسُولُا الآية [المؤمنون: ٤٤]. كذّبُوءٌ﴾ ... قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَلًا وَأَوْلَدًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ٣٥] وقوله تعالى: ﴿وَمَّا أَنْوَلُكُمْ وَلَا أَوْلَدُكُمْ بِلَتِى تُقَرِّيَكُمْ عِندَنَا زُلْفَىَ﴾ قد قدّمنا الآيات الموضحة لذلك في سورة الكهف، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَيِن رُدِدْتُ إِلَى رَبِي لَأَجِدَتَ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا﴾ [الكهف: ٣٦]. قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْثُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَتِكَةِ أَهَوْلَاءٍ إِيَّاكُ كَانُواْ يَعْبُدُونَ ﴿ قَالُواْ سُبْحَنَكَ أَنْتَ وَلِتُّنَا مِن دُونِهِمْ بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾. قد قدّمنا الآيات الموضحة له في سورة الفرقان، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَقُولُ ءَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِى هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّواْ السَّبِيلَ ﴿ قَالُواْ سُبْحَتَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِى لَنَآ أَنْ تَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَآءَ وَلَكِن مَّتَّعْتَهُمْ﴾ ... الآية [الفرقان: ١٧، ١٨]. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا نُّْلَى عَلَيْهِمْ مَيَتُنَا نَبَِّتِ قَالُواْ مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءَبَآؤُكُمْ﴾. قد قدّمنا الآيات الموضحة له في سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَهُمْ أَلْهُدَىَ إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَبَعَثَ اَللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٣)﴾ [الإسراء]. قوله تعالى: ﴿وَمَآ ءَانِيْنَهُمْ مِن كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَآ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَّذِيرٍ. قد قدّمنا الآيات التي بمعناه في سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَا مُعَذِّبِينَ حَقَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]. قوله تعالى: ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُواْ مِعْشَارَ مَآ ءَانَيْنَهُمْ فَكَتَُّواْ رُسُلِىٌّ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ®﴾. ما ذكره - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة من أنّه أهلك الأمم الماضية لما كذبت رسله، وأن الأمم الماضية أقوى، وأكثر أموالاً وأولاداً، وأن كفار مكة عليهم أن يخافوا من إهلاك الله لهم بسبب تكذيب رسوله ول®، كما أهلك الأمم التي هي أقوى منهم، ولم يؤتوا: أي كفار مكة معشار ما أتى الله الأمم التي أهلكها من قبل من القوة، جاء موضحاً في آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿ كَانُواْ أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَءَاتَارًا فِى الْأَرْضِ﴾ [غافر: ٨٢]، وقد قدّمنا بعض الكلام على هذا في سورة الروم، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَأَثَارُواْ الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾ [الروم: ٩]. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نَفَكَّرُوْ مَا بِصَاحِبِكُ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّ نَذِيرٌ لَّكُمْ بَيْنَ يَدَىْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾. قد قدّمنا الآيات الموضحة له في سورة المؤمنون، في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ، ◌ِنَّهُ بَلّ جَاءَهُمْ بِلْحَقِّ وَأَكْتَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَزِمُونَ (®)﴾ [المؤمنون]. قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرِ فَهُوَ لَكُمْ﴾. قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة هود، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَيَقَوْمِ لَآ أَمْثَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالَا إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ [هود: ٢٩]. ١١٣٨ - - سورةفاطر: الآية (١) ٤٩ قوله تعالى: ﴿قُلْ جَآءَ الْمَقُّ وَمَا يُبْدِىُّ الْبَطِلُ وَمَا يُعِيدُ قد قدّمنا الآيات الموضحة له في سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَطِلُّ إِنَّ الْبَطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١]. قوله تعالى: ﴿قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإنَّا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِىٌّ وَإِنِ أَهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوْجِىّ إِلَىَ رَّتٍ﴾ . قد قدمنا الآيات التي بمعناه في سورة الأنبياء، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَنَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِ الْحَرَّثِ﴾ [الأنبياء: ٧٨]، في معرض بيان حجج الظاهرية في دعواهم منع الاجتهاد. قوله تعالى: ﴿وَقَالُوَاْ ءَامَنَّا بِهِ، وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ تَكَانٍ بَعِيدٍ ٥٢ ما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن الكفار يوم القيامة يؤمنون بالله، وأن ذلك الإيمان لا ينفعهم لفوات وقت نفعه، الذي هو مدة دار الدنيا جاء موضحاً في آيات كثيرة. وقد قدمنا الآيات الدالة عليه في سورة الأعراف، في الكلام على قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَمَتْ رُسُلُ رَيِّنَا بِالْحَقِّ﴾ الآية [الأعراف: ٥٣]. وفي سورة مريم في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَّا لَكِنِ الظَّالِمُونَ اَلْيَوْمَ فِي ضَلَلٍ مُّبِينٍ (٣٨)﴾ [مريم]، وفي غير ذلك من المواضع. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَأَّ لَهُمُ الشَّنَاؤُشُ مِنْ تَكَانٍ بَعِيدٍ﴾، ((أنى)) تدل على كمال الاستبعاد هنا، والتناوش: التناول، وقال بعضهم: هو خصوص التناول السهل للشيء القريب. والمعنى: أنه يستبعد كل الاستبعاد ويبعد كل البعد، أن يتناول الكفار الإيمان النافع في الآخرة بعد ما ضيعوا ذلك وقت إمكانه في دار الدنيا، وقيل الاستبعاد لردهم إلى الدنيا مرة أخرى ليؤمنوا، والأول أظهر، ويدل عليه قوله قبله: ﴿ وَقَالُواْ ءَمَنَّا بِهِ﴾ ، ومن أراد تناول شيء من مكان بعيد لا يمكنه ذلك. والعلم عند الله تعالى. براسم الرحمن الرحيم سورة فاطر قوله تعالى: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَئِكَةِ رُسُلَّا أُوْلٍ أَجْنِحَةٍ مَّثْنَ وَثُلَكَ وَرُبَعْ﴾. الألف واللام في قوله: ((الحمد لله)) للاستغراق: أي جميع المحامد ثابت لله - جلّ وعلا -، وقد أثنى - جلّ وعلا - على نفسه بهذا الحمد العظيم، معلماً خلقه في كتابه: أن يثنوا عليه بذلك، مقترناً بكونه فاطر السموات والأرض، جاعل الملائكة رسلاً، وذلك يدل على أن خلقه السماوات والأرض، وما ذكر معه يدل على عظمته، وكمال قدرته، واستحقاقه للحمد لذاته لعظمته وجلاله وكمال قدرته مع ما في خلق ١١٣٩ سورة فاطر: الآية (٢). السماوات والأرض. من النعم على بني آدم فهو بخلقهما مستحق للحمد لذاته، ولإنعامه على الخلق بهما، وكون خلقهما جامعاً بين استحقاق الحمدين المذكورين، جاءت آيات من كتاب الله تدل عليه. أما كون ذلك يستوجب حمد الله لعظمته وكماله، واستحقاقه لكل ثناء جميل فقد جاء في آيات من كتاب الله تعالى كقوله تعالى في أول سورة الأنعام: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ اْلْتُلُمَتِ وَالنُّورِّ﴾ الآية [الأنعام: ١]. وقوله في أول سورة سبأ: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى لَهُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِ﴾ [سبأ: ١]. وقوله تعالى في أول سورة الفاتحة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ ﴾)﴾ [الفاتحة]، وقد قدّمنا أن قوله: رب العالمين بيّنه قوله تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَلَمِينَ (٢٤) ﴾ [الشعراء]. وكقوله تعالى: قَالَ رَبُّ السَّمَوَتِ وَاْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَاْ إِن كُم ◌ُوقِنِينَ ( ٢٣ ﴿وَسَلَمُ عَلَى الْمُرْسَلِينَ ﴿١٨) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [الصافات: ١٨١، ١٨٢]. وقوله: ﴿وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [الزمر: ٧٥]. وأما استحقاقه للحمد على خلقه بخلق السماوات والأرض، لما في ذلك من إنعامه على بني آدم؛ فقد جاء في آيات من كتاب الله، فقد بيّن تعالى أنه أنعم على خلقه، بأن سخر لهم ما في السماوات وما في الأرض في آيات من كتابه كقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُ مَّا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣]. وقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَأَبِبَيْنِ﴾ الآية [إبراهيم: ٣٣]. وقوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخََّتٍِ بِأَمْرِهُِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]. وقد قدّمنا الآيات الموضحة لمعنى تسخير ما في السماوات لأهل الأرض في سورة الحجر، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَحَفِظْنَهَا مِن كُلِّ شَيْطَنِ رَّجِيمٍ (®﴾ ... الآية [الحجر]. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿جَاعِلِ الْمَلَتِكَةِ رُسُلًا﴾، قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الحج، في الكلام على قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ الْمَلَبِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَاطِرِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾، أي خالق السماوات والأرض، ومبدعهما على غير مثال سابق. وقال ابن كثير تَُّ في تفسير هذه الآية الكريمة: قال سفيان الثوري، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، عن ابن عباس رضيًا قال: كنت لا أدري ما فاطر السماوات والأرض: حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما لصاحبه: أنا فطرتها؛ أي بدأتها . قوله تعالى: ﴿مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكَ فَلَ مُرْبِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِيدٍ﴾. ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة: أنّ ما يفتحه للناس من رحمته وإنعامه عليهم بجميع أنواع النعم، لا يقدر أحد كائناً من كان أن يمسكه عنهم، وما ١١٤٠ - سورة فاطر: الآية (٣) يمسكه عنهم من رحمته وإنعامه لا يقدر أحد كائناً من كان أن يرسله إليهم، وهذا معلوم بالضرورة من الدين والرحمة المذكورة في الآية عامة في كل ما يرحم الله به خلقه من الإنعام الدنيوي والأخروي، كفتحه لهم رحمة المطر، كما قال تعالى: ﴿فَأَنْظُرْ إِلَى ءَاثَرٍ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم: ٥٠]. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يُرْسِلُ الْرِّيَحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف: ٥٧]. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُواْ وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ ... الآية [الشورى: ٢٨]، ومن رحمته إرسال الرسل، وإنزال الكتب، كقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُواْ أَنْ يُلْقَىَ إِلَيْكَ الْكِتَبُ إِلَّا رَحْمَةً مِّن رَّيِّكٌ﴾ [القصص: ٨٦]، كما تقدم إيضاحه في سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَآ ءَانَيْنَهُ رَحْمَةٌ مِنْ عِندِنَا﴾ ... الآية [الكهف: ٦٥]. وما تضمنته هذه الآية الكريمة جاء موضحاً في آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اَللَّهُ بِضُرٍ فَلَ كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَّ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَ رَآَذَ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس: ١٠٧]. وقوله تعالى: ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِّنَ الَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَ بِكُمْ ضَرَّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا﴾ ... الآية [الفتح: ١١]. وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَن ذَا الَّذِى يَعْصِمُكُم مِّنَ اللَّهِ إِنْ أَرَدَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةٌ﴾ الآية [الأحزاب: ١٧]. إلى غير ذلك من الآيات. وقد قدّمنا بعض الكلام على هذا في سورة الأنعام، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَ كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوٌ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَمْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [الأنعام]، و﴿مَا﴾ في قوله تعالى: ﴿مَّا يَفْتَجِ اَللَّهُ﴾. وقوله: ﴿وَمَا يُمْسِكَ﴾ شرطية، وفتح الشيء التمكين منه وإزالة الحواجز دونه والإمساك بخلاف ذلك. قوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَلِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ . الاستفهام في قوله: ﴿هَلْ مِنْ خَلِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ إنكاري، فهو مضمن معنى النفي. والمعنى: لا خالق إلا الله وحده، والخالق هو المستحق للعبادة وحده. وقد قدّمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة الرعد، في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَمْ جَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَّةَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ﴾ [الرعد: ١٦]، وفي سورة الفرقان، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَّخَذُواْ مِن دُونِّ مَالِهَةً لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الفرقان: ٣]، وفي غير ذلك من المواضع. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿يَرْزُقُّكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾، يدل على أنه تعالى هو الرازق وحده، وأن الخلق في غاية الاضطرار إليه تعالى. والآيات الدالة على ذلك كثيرة كقوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِى يَرْزُقُّكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ [الملك: ٢١] وقوله: ﴿فَأَبْثَغُواْ عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ [العنبكوت: ١٧]. · وقد قدمنا كثيراً من الآيات الدالة على ذلك في سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَّتِ هِىَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩].