Indexed OCR Text

Pages 941-960

٩٤١
سورة المؤمنون: الآيات (٧٦ - ٨٠) -
والشركاء، وقوله: يعمهون: يترددون متحيرين لا يميزون حقاً، من باطل. وقال بعض
أهل العلم: العمه: عمى القلب، والعلم عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَهُمْ بِلْعَذَابِ فَمَا أُسْتَكَانُواْ لِرَبِهِمْ وَمَا يَضَرَّعُونَ
ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أنه أخذ الكفار بالعذاب، والظاهر أنه
هنا العذاب الدنيوي كالجوع والقحط والمصائب، والأمراض والشدائد، ﴿فَمَا أُسْتَكَانُواْ
لِرَبِهِمْ﴾ أي ما خضعوا له، ولا ذلوا ﴿ وَمَا يَضَرَّعُونَ﴾ أي ما يبتهلون إليه بالدعاء متضرعين
عنهم ذلك العذاب لشدة قسوة قلوبهم، وبعدهم من الاتعاظ، ولو كانوا
له، ليكشف
متصفين بما يستوجب ذلك من إصابة عذاب الله لهم. وهذا المعنى الذي ذكره هنا جاء
موضحاً في غير هذا الموضع كقوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَرٍ مِّنِ
فَلَوْلَا إِذْ جَآءَهُم بَأَسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَكِنْ قَسَتْ
٤٢
قَّلِكَ: فَخَذْنَهُم بِالْبَأْسَلِ وَالضَّرّءِ لَعَلَّهُمْ بَضَّعُونَ
قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَئِنُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾﴾ [الأنعام] وقوله في سورة الأعراف:
﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مِن نَّبِيِّ إِلَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَآءِ وَالضَّرِِّ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (٦) ثُمَّ بَدَّلْنَا
اُلْحَسَنَّةَ حَتَّى عَفَواْ وَقَالُواْ قَدْ مَشَ ءَابَلَنَا الضَّرّاءُ وَالسَّرَّةُ فَأَخَذْنَهُم بَغْنَةً وَهُمْ لَا
مَكَانَ السَّيِّئَةِ
[الأعراف] إلى غير ذلك من الآيات.
٩٥
يَشْعُونَ
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِىّ أَنْشَأَ لَكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَ وَالْأَفْعِدَةُ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ
VA
قد ذكرنا الآيات التي فيها إيضاح لمعنى هذه الآية في سورة النحل في الكلام
على قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَالْأَفْئِدَةُ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨]،
وبينا هناك وجه إفراد السمع مع الجمع للأبصار والأفئدة، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى ذَرَأَ كُمْ فِىِ الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ مُحْشَرُونَ (®﴾. ذرأكم معناه: خلقكم،
ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِّ﴾ [الأعراف: ١٧٩] وقوله في
الأرض: أي خلقكم وبثكم في الأرض، عن طريق التناسل، كما قال تعالى: ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا
رِجَالًا كَثِيراً وَنِسَاءٌ﴾ [النساء: ١] وقال: ﴿إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنَشِرُونَ﴾ [الروم: ٢٠] وقوله: ﴿وَإِلَيْهِ
تُحْشَرُونَ﴾ أي إليه وحده، تجمعون يوم القيامة أحياء بعد البعث للجزاء والحساب.
وما تضمنته هذه الآية من أنه خلقهم وبئهم في الأرض وأنه سيحشرهم إليه يوم
القيامة، جاء معناه في آيات كثيرة كقوله في أول هذه السورة: ﴿وَلَغَدْ خَلَقْنَا اُلْإِنسَانَ مِن
سُلَلَةٍ مِّن طِينٍ ﴾﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ اُلْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (٣)﴾ وذكر - جل وعلا -
أيضاً هاتين الآيتين في سورة الملك في قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِىّ أَنشَأَكُمُ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ
وَالْأَبْصَرَ وَالْأَفْئِدَةٌ فَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ ﴿ قُلْ هُوَ الَّذِىِ ذَرَكُمْ فِى الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ
وَيَقُولُونَ مَتَى
هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ﴾﴾ [الملك] والآيات في هذا المعنى كثيرة.
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اَلَِّى يُحِ وَيُمِيتُ﴾. قد قدمنا الآيات الدالة على الإماتتين
والإحياءتين، وأن ذلك من أكبر الدواعي للإيمان به - جل وعلا - في سورة الحج في

٩٤٢
سورة المؤمنون: الآيات (٨٠ - ٨٢)
الكلام على قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِىّ أَحْيَاِكُمْ ثُمَّ يُمِتُكُمْ ثُمَّ يُحِيكُمْ﴾ [الحج: ٦٦] وفي
سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَكُمْ﴾
[البقرة: ٢٨]. فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
قوله تعالى: ﴿وَلَهُ أُخْتِلَفُ اَلَيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. بين - جل وعلا - في هذه
الآية الكريمة أن له اختلاف الليل والنهار، يعني: أن ذلك هو الفاعل له وهو الذي.
يذهب بالليل، ويأتي بالنهار، ثم يذهب بالنهار ويأتي بالليل، واختلاف الليل والنهار،
من أعظم آياته الدالة على كمال قدرته، ومن أعظم مننه على خلقه كما بين الأمرين في
سورة القصص في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَدَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْهِكُمُ الَّلَ سَرْهَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ
مَنْ إِلَهُ غَيْرُ الَّهِ يَأْتِيِكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ ﴿ قُلْ أَرَيْتُمْ إِن جَعَلَ اَللَّهُ عَلَيْكُمُ
النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهُ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلِ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ
وَمِن زَّحْمَتِهِ، جَعَلَ لَّكُ اَلَيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُواْ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.
[القصص]. أي لتسكنوا في الليل وتطلبوا معايشكم بالنهار، والآيات الدالة على أن
اختلاف الليل والنهار، من أعظم الآيات الدالة على عظمة الله، واستحقاقه للعبادة
وحده كثيرة جداً كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ الَّيْلُ وَالنَّهَارُ﴾ ... الآية [فصلت: ٣٧]
وقوله: ﴿وَءَايَةٌ لَّهُمُ الَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُظْلِمُونَ (٣)﴾ [يس] وقوله: ﴿يُغْشِى الَّيْلَ
النَّهَارَ﴾. [الأعراف: ٥٤]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا الَِّلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ [يس: ٤٠] وقوله تعالى:
﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الَِّلَ وَاَلنَّهَارَ﴾ [إبراهيم: ٣٣]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِى أَخْئِلَفِ اَلَيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا
(٦)﴾ [يونس] والآيات بمثل هذا كثيرة
خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ لَآَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ
جداً، وقوله تعالى: أفلا تعقلون؛ أي تدركون بعقولكم أن الذي ينشئ السمع والأبصار
والأفئدة، ويذرؤكم في الأرض وإليه تحشرون، وهو الذي يحيي ويميت ويخالف بين
الليل والنهار، أنه الإله الحق المعبود وحده - جل وعلا -، الذي لا يصح أن يسوى به
غيره سبحانه وتعالى علواً كبيراً .
قوله تعالى: ﴿بَلْ قَالُواْ مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ ﴿ قَالُواْ أَهِذَا مِنْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَمًا
(٨)﴾. لفظة بل هنا للإضراب الانتقالي.
أَِنَا لَمَبْعُونُونَ
والمعنى أن الكفار الذين كذبوا نبينا بَ ل﴿، قالوا مثل ما قالت الأمم قبلهم، من
إنكار البعث؛ لأن الاستفهام في قوله ﴿أَمِنَّا لَمَبْعُونُونَ﴾ إنكار منهم للبعث.
والآيات الدالة على إنكارهم للبعث كثيرة كقوله تعالى عنهم: ﴿مَنْ يُخِي الْعِظَمَ
وَهِىَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] وكقوله عنهم ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾ [الدخان:
٣٥] وقوله عنهم: ﴿أَِذَا كُنَّا عِظَمًا تَخِرَةٌ ﴿ قَالُواْ تِلْكَ إِذَا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (®)﴾ [النازعات].
والآيات بمثل هذا في إنكارهم البعث كثيرة، وقد بينا في سورة البقرة، في الكلام على
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ﴾ ... الآية [البقرة: ٢١]. وفي أول

٩٤٣
سورة المؤمنون: الآية (٨٣) -
سورة النحل، وغيرهما الآيات الدالة على البعث بعد الموت، وأوردنا منها كثيراً كقوله
﴿قُلْ يُحْبِيهَا الَّذِىّ أَشَأَهَا أَوَّلَ مَزَّةٍ﴾ ... الآية [يس: ٧٩]. وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِى يَبْدَؤُأْ الْخَلْقَ
ثُمَّا يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] وقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِن كُتُمْ فِ رَيْبٍ
مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَفْتَكُم مِّن تُرَابٍ﴾ [الحج: ٥] الآيات. وأوضحنا أربعة براهين قرآنية دالة
على البعث بعد الموت، وأكثرنا من ذكر الآيات الدالة على ذلك، فأغنى ذلك عن
التطويل هنا. وقوله تعالى في هذه الآية: ﴿أَوِذَا مِثْنَا﴾ قرأ نافع والكسائي، بالاستفهام
في: أئذا متنا، وحذف همزة الاستفهام، في أئنا لمبعوثون بل قرأ إنا لمبعوثون بصيغة
الخبر لدلالة الاستفهام الأول، على الاستفهام الثاني المحذوف وقرأه ابن عامر
بالعكس، فحذف همزة الاستفهام، من أئذا، وقرأ إذا بدون استفهام، وأثبت همزة
الاستفهام في قوله: ﴿أَوْنَا لَمَبْعُوتُونَ﴾ وقد دل الاستفهام الثاني المثبت في قراءة ابن عامر،
على الاستفهام الأوّل المحذوف فيها، وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة
بالاستفهام فيهما معا ﴿أَهِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَمَا أَوِّنَا لَبْعُونُونَ﴾ وهم على أصولهم في
الهمزتين، فنافع وابن كثير وأبو عمرو يسهلون الثانية، والباقون يحققونها، وأدخل
قالون، وأبو عمرو وهشام عن ابن عامر ألفاً بين الهمزتين. وقرأ الباقون بالقصر دون
الألف، وقرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص، عن عاصم: متنا بكسر الميم، والباقون:
بضم الميم. وقد قدمنا في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى: ﴿قَالَتْ يَلَيْتَنِ مِثُ قَبْلَ
هَذَا﴾ ... الآية [مريم: ٢٣] وجه كسر الميم في إسناد الفعل الذي هو مات إلى تاء
الفاعل، وبينا أنه يخفى على كثير من طلبة العلم. وأوضحنا وجهه غاية مع بعض
الشواهد العربية، فأغنى ذلك عن إعادته هنا .
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَمَابَآؤُنَا هَذَا مِن قَبْلُ إِنْ هَذَّا إِلَّ أَسَطِيرُ الْأَوَِّينَ
ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن الكفار المنكرين للبعث قالوا: إنهم
وعدوا بالبعث، ووُعد به آباؤهم من قبلهم، والظاهر أنهم يعنون أجدادهم، الذين جاءتهم
الرسل، وأخبرتهم بأنهم يبعثون بعد الموت للحساب والجزاء، وقالوا: إن البعث الذي
وعدوا به هم وآباؤهم كذب لا حقيقة له، وأنه ما هو إلا أساطير الأولين؛ أي ما سطروه
وكتبوه من الأباطيل والترهات، والأساطير: جمع أسطورة، وقيل: جمع أسطارة. وهذا
الذي ذكره عنهم من إنكارهم البعث ذكر مثله في سورة النمل في قوله ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ
أَعِذَا كُنَّا تُرَبًا وَءَابَاؤُنَا أَبِنَا لَمُخْرَجُونَ (٧) لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَءَابَآؤُنَا مِن قَبْلُ إِنْ هَذَآ إِلَّ أَسَطِيرُ
اُلْأَوَّلِينَ ﴾ [النمل] ثم إنه تعالى أقام البرهان على البعث، الذي أنكروه في هذه الآية
بقوله ﴿قُل لِّمَنِ اٌلْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ إلى قوله: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾
لأن من له الأرض، ومن فيها، ومن هو رب السموات السبع، ورب العرش العظيم،
ومن بيده ملكوت كل شيء، وهو يجير ولا يجار عليه، لا شك أنه قادر على بعث الناس
بعد الموت، كما أوضحنا فيما مر البراهين القرآنية القطعية، الدالة على ذلك.

٩٤٤
سورة المؤمنون: الآيات (٨٤ - ٨٩)
سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلّ
قوله تعالى: ﴿قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ
سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلّ
١٨٦
أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴿﴿ قُلّ مَن رَّبُّ السَّمَوَتِ السَّْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ.
أَفَلاَ تَتَّقُونَ (
◌َ قُلْ مَنْ بِيَدِهِهِ مَلَكُونُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ يُجِبِرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ
(٨٩)
﴿َ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَنَّى تُسْحَرُونَ
تَعْلَمُونَ
قدمنا ما دلت عليه هذه الآيات الكريمة، من كماله وجلاله وأوصاف ربوبيته
المستلزمة لإخلاص العبادة له وحده، في سورة يونس في الكلام على قوله تعالى: ﴿قُلْ
مَن يَرْزُقُكُمْ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيْتِ وَيُخْرِجُ الْمَيْتَ
مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِرُ آلْأَمْنَّ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا ذَنَّقُونَ (4)﴾ [يونس] وفي سورة بني إسرائيل
في الكلام عَلَى قوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] وأوضحنا
دلالة توحيده في ربوبيته، على توحيده في عبادته وقد ذكرنا كثيراً من الآيات القرآنية
الدالة عَلَى ذلك، مع الإيضاح، فأغنى ذلك عن إعادته هنا .
وقوله في هذا الآية الكريمة: ﴿مَنْ بِيِّدِهِ، مَلَكُونُ كُلِّ شَىْءٍ﴾ الملكوت: فعلوت
من الملك؛ أي من بيده ملك كل شيء، بمعنى: من هو مالك كل شيء كائناً ما كان:
وقال بعض أهل العلم: زيادة الواو والتاء في نحو: الملكوت، والرحموت، والرهبوت
بمعنى الملك والرحمة، والرهبة: تفيد المبالغة في ذلك، والله تعالى أعلم.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَهُوَ يُجِبِرُ وَلَ يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ أي هو يمنع من
شاء ممن شاء، ولا يمنع أحد منه أحداً شاء أن يهلكه أو يعذبه؛ لأنه هو القادر وحده،
عَلى كل شيء، وهو القاهر فوق عباده، وهو الحكيم الخبير. ومنه قول الشاعر:
أراك طفقت تظلم من أجرنا
وظلم الجار إذلال المجير
وقوله تعالى: ﴿فَّى تُسْحَرُونَ﴾ أي كيف تخدعون، وتصرفون عن توحيد ربكم، وطاعته
مع ظهور براهينه القاطعة وأدلته الساطعة، وقيل ﴿فَّى تُسْحَرُونَ﴾ أي كيف يخيل إليكم: أن
تشركوا به ما لا يضر، ولا ينفع، ولا يغني عنكم شيئاً بناء على أن السحر هو التخييل.
وقد قدمنا الكلام على السحر مستوفى في سورة طه في الكلام على قوله تعالى:
﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَنَى﴾ [طه: ٦٩] والظاهر أن معنى تسحرون هنا: تخدعون بالشبه
الباطلة فيذهب بعقولكم، عن الحق كما يفعل بالمسحور، والله تعالى أعلم.
[الصافات] قرأه حفص عن عاصم، وحمزة، والكسائي
وقوله ﴿أَفَلَا نَذَكَّرُونَ
بتخفيف الذال بحذف إحدى التاءين، والباقون بالتشديد الإدغام إحدى التاءين في الذال.
وقوله تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهَ﴾ جاء في هذه الآيات ثلاث مرات.
الأول: سيقولون لله، قل أفلا تذكرون. وهذه اتفق جميع السبعة عى قراءتها بلام
الجر الداخلة على لفظ الجلالة؛ لأنها جواب المجرور بلام الجر، وهو قوله: ﴿قُل لِمَنِ
اُلْأَرْضُ وَمَن فِيهَا﴾ فجواب لمن الأرض، هو أن تقول: لله، وأما الثاني الذي هو

٩٤٥
سورة المؤمنون: الآية (٩١)
﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهّ قُلْ أَفَلَ نَنَّقُونَ ﴾﴾ والثالث: الذي هو قوله: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِّ قُلْ فَأَنَّى
تُسْحَرُونَ ﴾﴾ فقد قرأهما أبو عمرو بحلف لام الجر ورفع الهاء من لفظ الجلالة.
والمعنى على قراءة أبي عمرو المذكورة واضح لا إشكال فيه؛ لأن الظاهر في
جواب من رب السموات السبع، ورب العرش العظيم أن تقول: الله بالرفع أي رب ما
ذكر هو الله، وكذلك جواب قوله ﴿مَنْ بِيَدِهِ، مَلَكُونُ كُلِّ شَىْءٍ﴾ الآية، فالظاهر في
جوابه أيضاً أن يقال: الله بالرفع: أي الذي بيده ملكوت كل شيء هو الله، فقراءة أبي
عمرو جارية على الظاهر، الذي لا إشكال فيه. وقرأ الحرفين المذكورين غيره من
السبعة، بحرف الجر وخفض الهاء من لفظ الجلالة كالأول.
وفي هذه القراءة التي هي قراءة الجمهور سؤال معروف وهو أن يقال: ما وجه
الإتيان بلام الجر، مع أن السؤال لا يستوجب الجواب بها؛ لأن قول: ﴿مَنْ رَّبُّ
السَمَوَتِ السَّيْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ الظاهر أن يقال في جوابه: ربهما الله، وإذاً يشكل
وجه الإتيان بلام الجر. والجواب عن هذا السؤال معروف واضح؛ لأن قوله تعالى:
﴿ مَن رَّبُّ السَّمَوَتِ﴾ ... الآية، وقوله: ﴿مَنْ بِدِهِ، مَلَكُونُ كُلِّ شَىْءٍ﴾ فيه معنى من هو
مالك السموات والأرض، والعرش وكل شيء، فيحسن الجواب بأن يقال: لله؛ أي كل
ذلك ملك الله، ونظيره من كلام العرب قول الشاعر:
إذا قيل من رب المزالف والقرى
ورب الجياد الجرد قلت لخالد
لأن قوله: من رب المزالف فيه معنى من هو مالكها، فحسن الجواب باللام؛ أي
هي لخالد. والمزالف: جمع مزلفة كمرحلة. قال في القاموس: هي كل قرية تكون بين
البر والريف، وجمعها مزالف.
قوله تعالى: ﴿مَا أَّخَذَ اللّهُ مِن وَلٍَ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍّ إِذَا لَذَهَبَ كُلُّ إِلٍَ بِمَا خَلَقَ
وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضَِّ سُبْحَنَ اَللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾﴾. بين الله - جل وعلا - في هذه
الآية الكريمة ثلاث مسائل :
الأولى: أنه لم يتخذ ولداً سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً.
والثانية: أنه لم يكن معه إلّه آخر سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً.
والثالثة: أنه أقام البرهان على استحالة تعدد الآلهة بقوله: ﴿إِذَا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَمٍ بِمَا
خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍَّ﴾ أما ادعاؤهم له الأولاد، فقد بينا الآيات الدالة على عظم
فريتهم في ذلك، وظهور بطلان دعواهم، ورد الله عليهم في ذلك في مواضع متعددة،
فقد أوضحناه في سورة النحل في الكلام، على قوله تعالى: ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَتِ سُبْحَتَهُ
وَلَهُم مَا يَشْتَهُونَ ﴿ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنْنَى﴾ ... الآية [النحل: ٥٧، ٥٨]. وذكرنا طرفاً منه
في أول الكهف في الكلام على قوله: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُواْ أَتَّخَذَ اَللَّهُ وَلَدًا (
[الكهف] وفي مواضع غير ما ذكر، فأغنى ذلك عن إعادته.

٩٤٦
سورة المؤمنون: الآيات (٩٣ - ٩٨)
وأما تفرده تعالى بالألوهية مع إقامة الدليل على ذلك فقد بيناه، وذكرنا ما يدل
عليه من الآيات في سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿قُل لَّوْ كَنَ مَعَدُد
ءَإِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذَا لََّبَنَغَوْاْ إِلَى ◌ِى الْعَرْبِ سِيلًا
@﴾ [الإسراء] ولم نتعرض لما يسميه
المتكلمون دليل التمانع، لكثرة المناقشات الواردة على أهل الكلام فيه، وإنما بينا
الآيات بالقرآن على طريق الاستدلال القرآني بها فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
قوله تعالى: ﴿قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ ﴿﴿ رَبِّ فَلَ تَجْعَلْنِى فِى الْقَوْمِ
اَلَّالِمِينَ ﴾﴾. أمر - جلا وعلا - نبيه في هاتين الآيتين الكريمتين أن يقول: رب إما
تريني ما يوعدون؛ أي إن تُرني ما توعدهم من العذاب بأن تنزله بهم، وأنا حاضر شاهد
أرى نزوله بهم ﴿فَلاَ تَمْعَلْنِى فِىِ الْقَوْمِ الَّالِمِينَ﴾؛ أي لا تجعلني في جملة المعذبين
الظالمين، بل أخرجني منهم، ونجني من عذابهم، وقد بين تعالى في مواضع أخر أنه لا
ينزل بهم العذاب، وهو فيهم وذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ
فِهِمْ﴾ ... الآية [الأنفال: ٣٣]، وبين هنا أنه قادر على أن يُريَه العذاب، الذي وعدهم به
في قوله: ﴿وَإِنَّا عَلَى أَنْ تُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَدِرُونَ ﴾﴾ وبين في سورة الزخرف أنه إن ذهب
به قبل تعذيبهم، فإنه معذب لهم ومنتقم منهم لا محالة، وأنه إن عذبهم، وهو حاضر
فهو مقتدر عليهم. وذلك في قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ تُمْنَقِمُونَ ﴿ أَوْ ثُرِيَنَّكَ
الَّذِى وَعَدْنَهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِم مُّقْتَدِرُونَ ﴾﴾ [الزخرف].
قوله تعالى: ﴿ آَدْفَعْ بِلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةُ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ ﴿﴿ وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ
وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ
بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ ﴾
هذا الذي تضمّنته هذه الآيات الثلاث مما ينبغي أن يعامل به شياطين الإنس
وشياطين الجن. قد قدمنا الآيات الدالة عليه بإيضاح في آخر سورة الأعراف، في
الكلام على قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأَمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضِ عَنِ الْجَهِلِينَ (٣٩) وَإِنَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ
الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾ ... الآية [الأعراف: ١٩٩، ٢٠٠]. وقوله في هذه الآية ﴿يِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾
أي بالخصلة التي هي أحسن الخصال، والسيئة مفعول ادفع ووزن السيئة، فيعلة أصلها :
سيوئة وحروفها الأصلية السين والواو والهمزة، وقد زيدت الياء الساكنة بين الفاء
والعين، فوجب إبدال الواو التي هي عين الكلمة ياء وإدغام ياء الفيعلة الزائدة فيها على
القاعدة التصريفية المشار لها بقول ابن مالك في الخلاصة:
واتصلا ومن عروض عريا
إن يسكن السابق من واو ويا
فياء الواو اقلبن مدغما
وشذ معطي غير ما قد رسما
كما قدمناه مراراً، والسيئة في اللغة: الخصلة من خصال السوء. وقوله تعالى:
﴿فَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾ أي بما تصفه ألسنتهم من الكذب في تكذيبهم لك، وادعائهم
الأولاد والشركاء لله. وقد قدمنا في سورة المائدة أن اللين والصفح المطلوب في آيات

٩٤٧
سورة المؤمنون: الآيتان (٩٩ - ١٠٠).
القرآن بعد نزول القتال إنما هو بالنسبة إلى المؤمنين، دون الكافرين في الكلام على
قوله تعالى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِينَ﴾ [المائدة: ٥٤] وبينا الآيات الدالة على
ذلك كقوله في النبيِ وَ له وأصحابه ﴿أَشِدَُّ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَةُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] وقوله:
﴿وَأَخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٨] وقوله: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ جَهِدِ الْكُفَّارَ وَاُلْمُنَفِقِينَ وَأَغْلُظْ
[التوبة: ٧٣] إلى آخر ما تقدم، وقوله في هذه الآية: ﴿وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَتِ
عَلَيْهِمْ﴾
الشَّيَاطِينِ ﴾﴾ الهمزات: جمع همزة وهي المرة من فعل الهمز، وهو في اللغة:
النخس والدفع، وهمزات الشياطين نخساتهم لبني آدم ليحثوهم، ويحضوهم على
المعاصي، كما أوضحنا الكلام عليه في قوله تعالى: ﴿أَنَّآ أَرْسَلْنَا الشَّيَطِينَ عَلَى الْكَفِرِينَ
تَؤُزُّهُمْ أَزَّا﴾ [مريم: ٨٣] وكقوله تعالى: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ اُلَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَنَّا فَهُوَ لَهُ
قَرِيْنٌ ﴿٤َ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ ... الآية [الزخرف: ٣٦، ٣٧].
والظاهر في قوله: ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ ﴾﴾ أن المعنى أعوذ بك أن
يحضرني الشيطان في أمر من أموري كائناً ما كان، سواء كان ذلك وقت تلاوة القرآن،
كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَأْتَ الْقُرْءَانَ فَأَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِ ﴾﴾ [النحل: ٩٨] أو عند
حضور الموت أو غير ذلك من جميع الشؤون في جميع الأوقات، والعلم عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿حَّةٍ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ أَرْجِعُونِ (٨٦) لَعَلَّ أَعْمَلُ صَلِحًا فِيمَا
تَكْتُ كَلََّ﴾، الظاهر عندي أن حتى في هذه الآية هي التي يبتدأ بعدها الكلام، ويقال
لها: حرف ابتداء، كما قاله ابن عطية، خلافاً للزمخشري القائل: إنها غاية لقوله: ﴿نَحْنُ
أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾ ولأبي حيان القائل: إن الظاهر له أن قبلها جملة محذوفة هي غاية
لها يدل عليها ما قبلها، وقدر الجملة المذكورة بقوله فلا أكون كالكفار الذين تهمزهم
الشياطين ويحضرونهم، حتى إذا جاء أحدهم الموت قال: رب ارجعون. ونظير حذف
هذه الجملة قول الشاعر وهو الفرزدق:
كأن أباها نهشل أو مجاشع
فواعجباً حتى كليب تسبني
قال المعنى يسبني الناس حتى كليب، فدل ما بعد حتى على الجملة المحذوفة. وفي
الآية دل ما قبلها عليها. انتهى الغرض من كلام أبي حيان، ولا يظهر عندي كل الظهور.
بل الأظهر عندي: هو ما قدمته وهو قول ابن عطية، وما تضمنته هذه الآية
الكريمة، من أن الكافر والمفرط في عمل الخير إذا حضر أحدهما الموت طلبا الرجعة
إلى الحياة، ليعملا العمل الصالح الذي يدخلهما الجنة، ويتداركا به ما سلف منهما من
الكفر والتفريط وأنهما لا يجابان لذلك، كما دل عليه حرف الزجر والردع الذي هو كلا
جاء موضحاً في مواضع أخر كقوله تعالى: ﴿وَأَنِفِقُواْ مِن مَا رَزَقْنَكُم مِّن قَبْلِ أَنْ يَأْنِىَ أَحَدَكُمُ
الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَبِىّ إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّذَفَ وَأَكُن مِّنَ الصَّلِينَ * وَلَنْ يُؤَخِرَ اللَّهُ
نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ ... الآية [المنافقون: ١٠، ١١]. وقوله تعالى ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْنِمُ

٩٤٨
سورة المؤمنون: الآيتان (٩٩ - ١٠٠)
الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَا أَخِرْنَا إِلَى أَجَلِ فَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَتَّجِعِ الرُّسُلُّ أَوَلَمْ تَكُونُوا
أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ ﴾﴾ [إبراهيم] إلى غير ذلك من الآيات، وكما أنهم
يطلبون الرجعة عند حضور الموت، ليصلحوا أعمالهم فإنهم يطلبون ذلك يوم القيامة
ومعلوم أنهم لا یجابون إلى ذلك.
ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن
قَبْلُ قَدْ جَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُواْ لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَتَعَمَلَ غَيْرَ الَّذِى كُنَاً
نَعْمَلٌ﴾ [الأعراف: ٥٣] وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَىّ إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ
رَبَّنَّا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَأَرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَلِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ ﴾﴾ [السجدة] وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَّ
إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَيْكَنَا نُرَةُ وَلَا تُكَذِّبَ بِثَايَتِ رَيْنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمِينَ ﴿ بَلْ بَدَا لَمُ مَّا كَانُواْ
يُحْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ (٣)﴾ [الأنعام] وقوله تعالى ﴿وَتَرَى
الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوْ اُلْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرٍَّ مِّن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤٤] وقوله تعالى ﴿قَالُواْ
رَبَّنَّا أَمَثَّنَا أَثْنَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا أَثْنَتَيْنِ فَأَعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِّن سَبِيلِ (١)﴾ [غافر]
وقوله تعالى ﴿وَهُمْ يَصْطَرِثُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَلِحًا غَيْرَ أَلَّذِى كُنَّا نَعْمَلُّ أَوَلَمْ
نُعَمِّرَّكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيِّ فَذُوقُواْ فَمَا لِلَِّلِمِينَ مِن ◌َّصِيرٍ (*)﴾ [فاطر]
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَّ إِذْ فَزِعُواْ فَلَا فَوْنَ وَأُخِذُواْ مِنْ تَكَانٍ قَرِيبٍ ﴿ وَقَالُواْ ءَامَنَّا بِهِ، وَأَنَّى
لَمُمُ التَّنَاؤُشُ مِن ◌َّكَانٍ بَعِيدٍ ﴿﴿ وَقَدْ كَفَرُواْ بِهِ، مِن قَبْلُ﴾ ... الآية [سبأ: ٥١ - ٥٣].
وقد تضمنت هذه الآيات التي ذكرنا، وأمثالها في القرآن أنهم يسألون الرجعة فلا
يجابون عند حضور الموت، ويوم النشور ووقت عرضهم على الله تعالى، ووقت
عرضهم على النار.
وفي هذه الآية الكريمة سؤال معروف وهو أن يقال: ما وجه صيغة الجمع في
قوله: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ ولم يقل: رب ارجعني بالإفراد.
وقد أوضحنا الجواب عن هذا في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب
وبينا أنه يجاب عنه من ثلاثة أوجه:
الأول: وهو أظهرها أن صيغة الجمع في قوله: ارجعون، لتعظيم المخاطب وذلك
النادم السائل الرجعة يظهر في ذلك الوقت تعظيمه ربه، ونظير ذلك من كلام العرب قول
الشاعر حسان بن ثابت أو غيره:
فإن لم أكن أهلاً فأنت له أَهل
ألا فارحموني يا إله محمد
وقول الآخر يخاطب امرأة:
وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا
وإن شئت حرمت النساء سواكم
والنقاح: الماء البارد والبرد: النوم، وقيل: ضد الحر. والأول أظهر.
الوجه الثاني: قوله: رب استغاثة به تعالى، وقوله: ارجعون: خطاب للملائكة،

٩٤٩
سورة المؤمنون: الآية (١٠١)
ويستأنس لهذا الوجه بما ذكره ابن جرير، عن ابن جريج قال: قال رسول الله لهو لعائشة:
((إذا عاين المؤمن الملائكة قالوا نرجعك إلى دار الدنيا فيقول: إلى دار الهموم والأحزان،
فيقول: بل قدموني إلى الله وأما الكافر فيقولون له: نرجعك؟ فيقول: رب ارجعون)).
الوجه الثالث: وهو قول المازني: إنه جمع الضمير ليدل على التكرار فكأنه قال:
رب ارجعني أرجعني ارجعني، ولا يخفى بعد هذا القول كما ترى. والعلم عند الله تعالى.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿لَعَلَّّ أَعْمَلُ صَلِحًا﴾ الظاهر أن لعل فيه
للتعليل؛ أي ارجعون، لأجل أن أعمل صالحاً، وقيل: هي للترجي والتوقع؛ لأنه غير
جازم، بأنه إذا رد للدنيا عمل صالحاً، والأول أظهر، والعمل الصالح يشمل جميع
الأعمال من الشهادتين والحج الذي كان قد فرط فيه والصلوات والزكاة ونحو ذلك،
والعلم عند الله تعالى. وقوله كلا: كلمة زجر: وهي دالة على أن الرجعة التي طلبها لا
يعطاها كما هو واضح.
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِ الصُّورِ فَلَآ أَنَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (®﴾، في
هذه الآية الكريمة سؤالان معروفان يحتاجان إلى جواب مبين للمقصود مزيل للإشكال.
السؤال الأول: أنه تعالى ذكر في هذه الآية أنه إذا نفخ في الصور، والظاهر أنها
النفخة الثانية، أنهم لا أنساب بينهم يومئذٍ، فيقال: ما وجه نفي الأنساب بينهم، مع
وَأُمِّهِ،
(٣٤)
يَؤْمَ يَفِرُّ الْرَّهُ مِنْ أَخِهِ
أنها باقية كما دل عليه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّلَنَّةُ
وَأَبِهِ مّ
(4)﴾ [عبس) ففي هذه الآية ثبوت الأنساب بينهم.
وَصَحِبَتِهِ وَبَنِهِ
السؤال الثاني: أنه قال ﴿ وَلَا يَتَسَآءَلُونَ﴾ مع أنه ذكر في آيات أخر أنهم في الآخرة
يتساءلون، كقوله في سورة الطور ﴿ وَقْلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَلَّلُونَ (٣)﴾ [الطور] وقوله في
٥٠ ﴾ [الصافات] إلى غير ذلك من الآيات.
الصافات: ﴿فَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَآءَ لُونَ
وقد ذكرنا الجواب عن هذين السؤالين في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات
الكتاب بما حاصله:
أن الجواب عن السؤال الأول هو أن المراد بنفي الأنساب انقطاع آثارها، التي
كانت مترتبة عليها في دار الدنيا، من التفاخر بالآباء، والنفع والعواطف والصلات.
فكل ذلك ينقطع يوم القيامة، ويكون الإنسان لا يهمه إلا نفسه، وليس المراد نفي حقيقة
الأنساب، من أصلها بدليل قوله ﴿يَّمَ يَفِرُّ الْرَّهُ مِنْ أَخِهِ ﴿ وَأُمِّهِ، وَأَبِهِ (@)﴾ [سبأ] الآية.
وأن الجواب عن السؤال الثاني من ثلاثة أوجه:
الأول: هو قول من قال: إن نفي السؤال بعد النفخة الأولى، وقبل الثانية، وإثباته
وهذا الجواب فيما يظهر لا يخلو من نظر.
بعدهما معاً،
الثاني: أن نفي السؤال عند اشتغالهم بالصعق والمحاسبة، والجواز على الصراط
وإثباته فيما عدا ذلك وهو عن السدي، من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ..

٩٥٠
- سورة المؤمنون: الآيات (١٠٢ - ١٠٦)
الثالث: أن السؤال المنفي سؤال خاص، وهو سؤال بعضهم العفو من بعض،
فيما بينهم من الحقوق، لقنوطهم من الإعطاء، ولو كان المسؤول أباً أو ابناً أو أماً أو
زوجة، ذكر هذه الأوجه الثلاثة صاحب الإتقان.
قوله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَزِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿ وَمَنْ خَقَتْ مَوَزِنُهُ
فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُمْ فِ جَهَنَّمَ خَلِدُونَ ﴾﴾، قد قدمنا الآيات الموضحة، لمعنى
هاتين الآيتين في سورة الأعراف في الكلام على قوله: ﴿وَأَلْوَزْنُ يَوْمَيِذٍ أَلْحَقٌّ فَمَنْ ثَّقُلَتْ
﴿ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَزِينُهُ﴾ [الأعراف: ٨، ٩]. وقوله في سورة
مَوَزِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
مريم: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥] وغير ذلك. فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
١٠٤٦
قوله تعالى: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِهَا كَلِحُونَ
ما ذكره - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن الكفار تلفح وجوههم النار؛ أي
تحرقها إحراقاً شديداً، جاء موضحاً في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ
وُجُوهُهُمْ فِ النَّارِ﴾ [الأحزاب: ٦٦]. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ جَّءَ بِلسََِِّّّ قَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِ
النَّارِ﴾ [النمل: ٩٠]. وقوله تعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ
النَارَ وَلَا عَن ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنبياء: ٣٩]. وقوله تعالى: ﴿سَرَابِلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْثَى وُجُوهَهُمُ
النَّارُ ﴾﴾. [إبراهيم]. وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَنَّفِى بِوَجْهِهِ سُوْءَ الْعَذَابِ يَوْمَ اُلْقِيَمَةِ﴾
[الزمر: ٢٤] وقوله: ﴿يَشْوِى الْوُجُوهُ بِئْسَ الشَّرَابُ﴾ [الكهف: ٢٩]. إلى غير ذلك من
الآيات وقوله: ﴿وَهُمْ فِهَا كَلِحُونَ﴾ الكالح: هو الذي تقلصت شفتاه حتى بدت أسنانه،
والنار والعياذ بالله تحرق شفاههم، حتى تتقلص عن أسنانهم، كما يشاهد مثله في رأس
الشاة المشوي في نار شديدة الحر، ومنه قول الأعشى:
وله المقدم لا مثل له
ساعة الشدق عن الناب كلح
وعن ابن عباس: كالحون: عابسون.
◌َ قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ ءَايَتِى تُنْلَى عَلَيْكُمْ فَكُم بِهَا تُكَذُِّونَ
١١٠٦
شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ
ما ذكره - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة من أن أهل النار يسئلون يوم القيامة،
فيقول لهم ربهم: ﴿أَلَمْ تَكُنْ ءَايَِ تُثْلَى عَلَيْكُمْ﴾ أي في دار الدنيا على ألسنة الرسل فكنتم
بها تكذبون، وأنهم اعترفوا بذلك، وأنهم لم يجيبوا الرسل لما دعوهم إليه من الإيمان؛
لأن الله أراد بهم الشقاء وهم ميسرون لما خلقوا له، فلذلك كفروا، وكذبوا الرسل.
قد أوضحنا الآيات الدالة عليه في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى:
﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
وقوله هنا: ﴿قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا صَالِينَ ﴾﴾ الظاهر أن
معنى قولهم: ﴿غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ أن الرسل بلغتهم، وأنذرتهم وتلت عليهم آيات

٩٥١
سورة المؤمنون: الآيتان (١٠٧ - ١٠٨).
ربهم، ولكن ما سبق في علم الله من شقاوتهم الأزلية، غلب عليهم، فكذبوا الرسل،
ليصيروا إلى ما سبق في علمه جل وعلا، من شقاوتهم، ونظير الآية على هذا الوجه
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿٨ وَلَوْ حَتْهُمْ كُلُّ عَايَةٍ
حَقّ يَرَوَأْ اُلْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٣)﴾ [يونس] وقوله عن أهل النار: ﴿قَالُواْ بَلَى وَلَكِنْ حَقَتْ كَلِمَةُ
اُلْعَذَابِ عَلَى الْكَفِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١] إلى غير ذلك من الآيات، ويزيد ذلك إيضاحاً
قولهِ وَ﴾: ((كلَّ ميسر لما خلق له)) وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ فِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُ
مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢] وقوله: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينٌ (١٨) إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَإِذَلِكَ خَلَقَهُمُّ﴾
[هود: ١١٨، ١١٩] على أصح التفسيرين وقوله عنهم: ﴿وَكُنَّا قَوْمًا ضَآلِينَ﴾ اعتراف
منهم بضلالهم، حيث لا ينفع الاعتراف بالذنب ولا الندم عليه، كقوله تعالى: ﴿فَاعْتَرَفُواْ
يِذَلِبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَبِ السَّعِيرِ ﴾﴾ [الملك] ونحو ذلك من الآيات.
وهذا الذي فسرنا به الآية، هو الأظهر الذي دل عليه الكتاب والسنة، وبه تعلم
أن قول أبي عبد الله القرطبي في تفسير هذه الآية، وأحسن ما قيل في معناه: غلبت
علينا لذاتنا وأهواؤنا، فسمى اللذات والأهواء شقوة لأنهما يؤديان إليها كما قال الله مثل :
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ اَلْيَتَمَى كُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠]؛ لأن
ذلك يؤديهم إلى النار، اهـ تكلف مخالف للتحقيق.
ثم حكى القرطبي ما ذكرنا أنه الصواب بقيل ثم قال: وقيل: حسن الظن بالنفس،
وسوء الظن بالخلق، اهـ.
. ولا يخفى أن الصواب هو ما ذكرنا - إن شاء الله تعالى - وقوله هنا: ﴿قَوْمًا
ضَآلِينَ﴾ أي عن الإسلام إلى الكفر، وعن طريق الجنة إلى طريق النار، وقرأ هذا
الحرف: حمزة، والكسائي: شقاوتنا بفتح الشين، والقاف وألف بعدها، وقرأه الباقون:
بكسر الشين، وإسكان القاف وحذف الألف.
قوله تعالى: ﴿رَبَّنَّ أَخْرِحْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَلِمُونَ (َجَ قَالَ أَخْسَنُواْ فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ
٠٨)
ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أهل النار يدعون ربهم فيها فيقولون: ربنا
أخرجنا منها فإن عدنا إلى ما لا يرضيك بعد إخراجنا منها، فإنا ظالمون، وأن الله
يجيبهم بقوله: ﴿أَخْسَثُواْ فِيَهَا وَلَا تُكَلِّمُونٍ﴾ أي امكثوا فيها خاسئين؛ أي أذلاء صاغرين
حقيرين؛ لأن لفظة اخسأ إنما تقال للحقير الذليل، كالكلب ونحوه، فقوله: ﴿أُخْسَثُواْ
فِيهَا﴾ أي ذلوا فيها ماكثين في الصغار والهوان.
وهذا الخروج من النار الذي طلبوه قد بين تعالى أنهم لا ينالونه كقوله تعالى:
﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُواْ مِنَ النَّارِ وَمَا هُم بِخَرِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (*)﴾ [المائدة] وقوله
تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَلَهُمْ حَسَرَتٍ عَلَيْهِمٌّ وَمَا هُم بِخَرِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة: ١٦٧]
وقوله تعالى ﴿كُلَّمَا أَرَادُواْ أَنْ يَخْرُجُواْ مِنْهَا مِنْ غَمٍ أُعِيدُواْ فِهَا﴾ [الحج: ٢٢]، وقوله تعالى:
﴿كُلَّمَا أَرَادُوَاْ أَنْ يَخْرُجُواْ مِنْهَا أُعِيدُواْ فِيَهَا﴾ [السجدة: ٢٠] إلى غير ذلك من الآيات.

٩٥٢
سورة المؤمنون: الآيتان (١٠٩ - ١١٠)
وقد جاء في القرآن أجوبة متعددة لطلب أهل النار فهنا قالوا: ﴿رَبَّنَا أَخْرِحْنَا مِنْهَا﴾
فأجيبوا ﴿أَخْبَثُواْ فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾.
وفي السجدة ﴿رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ فأجيبوا ﴿وَلَكِنْ حَقَّ اُلْقَوْلُ
مِنِى لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ ... الآية [السجدة: ١٢ - ١٣].
وفي سورة المؤمن ﴿قَالُواْ رَبَّنَا أَمْتَّنَا أَتْنَيْنٍ وَأَحْيَيْتَنَا أَثْنَتَيْنِ فَأَعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى
خُرُوجٍ مِّنِ سَبِيلٍ ﴾ فأجيبوا ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ، إِذَا دُعِىَ اَللَّهُ وَحْدَمُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشَّرَكْ بِهِ،
تُؤْمِنُواْ فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (﴾﴾ [غافر].
وفي الزخرف ﴿وَنَادَوْ يَمَلِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ فأجيبوا ﴿إِنَّكُم مََّكِنُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧].
وفي سورة إبراهيم ﴿فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَا أَخِرْنَاً إِلَىَّ أَجَلٍ فَرِيبٍ نُحِبْ دَعْوَتَكَ وَنَشَيِحِ
الرُّسُلِّ﴾ فيجابون ﴿أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَفْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ﴾ [إبراهيم: ٤٤].
وفي سورة فاطر ﴿وَهُمْ يَصْطَرِثُونَ فِيَهَا رَبَّنَا أَخْرِحْنَا نَعْمَلْ صَلِحًا غَيْرَ أَلَّذِى كُنَّاً
نَعْمَلُ﴾ فيجابون ﴿أَوَلَمْ نُعَمَِّّكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرُ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرٌّ فَذُوقُواْ فَمَا لِلِظَّالِمِينَ
مِن نَّصِيرٍ﴾ [فاطر: ٣٧] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على مثل هذه الأجوبة.
وعن ابن عباس أن بين كل طلب منها وجوابه ألف سنة والله أعلم. وقوله في هذه
الآية ﴿وَلَا تُكَلِّمُونٍ﴾؛ أي في رفع العذاب عنكم، ولا إخراجكم من النار أعاذنا الله،
وإخواننا المسلمين منها .
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِى يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَأَغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ
.(@
﴿ فَتَّخَذْتُمْ سِخْرِيًّا حَتَّىَ أَنَوَّكُمْ ذِكْرِى وَكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ
الرَّحِمِينَ
قد تقرر في الأصول في مسلك الإيماء والتنبيه، أن إن المكسورة المشددة من
حروف التعليل كقولك: عاقبه إنه مسيء؛ أي لأجل إساءته. وقوله في هذه الآية: ﴿إِنَّهُ
كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِى﴾ الآيتين. يدل فيه لفظ إن المكسورة المشددة، على أن من الأسباب
التي أدخلتهم النار هو استهزاؤهم، وسخريتهم من هذا الفريق المؤمن الذي يقول:
﴿رَبَّنَآ ءَمَنَّا فَأَغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الزَّحِينَ﴾، فالكفار يسخرون من ضعفاء المؤمنين في
الدنيا حتى ينسيهم ذلك ذكر الله، والإيمان به فيدخلون بذلك النار ..
وما ذكره تعالى في هاتين الآيتين الكريمتين أشار له في غير هذا الموضع كقوله
تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ يَضْحَكُونَ ﴿٨َ وَإِذَا مَرُواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ
[المطففين] وكقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُواْ أَهَؤُلَاءِ مَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنْ
بَيْنِناً﴾ ... الآية [الأنعام: ٥٣] وكل ذلك احتقار منهم لهم، وإنكارهم أن الله يمن عليهم
بخير، وكقوله تعالى: ﴿أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ ... الآية
[الأعراف: ٤٩]. وقوله تعالى عنهم: ﴿لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَاً إِلَيْهٍ﴾ [الأحقاف: ١١] وكل
ذلك احتقار منهم لهم، وقوله: ﴿فَأَتَّخَذْتُمْ سِخْرِبًا﴾ والسخري بالضم والكسر: مصدر

٩٥٣
سورة المؤمنون: الآيات (١١١ - ١١٣).
سخر منه، إذا استهزء به على سبيل الاحتقار. قال الزمخشري في ياء النسب: زيادة في
الفعل، كما قيل في الخصوصية بمعنى الخصوص، ومعناه أن الياء المشددة في آخره
تدل على زيادة سخرهم منهم: ومبالغتهم في ذلك، وقرأ نافع وحمزة والكسائي: سخريًّا.
يضم السين، والباقون بكسرها ومعنى القراءتين واحد، وهو سخرية الكفار واستهزاؤهم
بضعفاء المؤمنين، كما بينا. وممن قال بأن معناهما واحد: الخليل وسيبويه، وهو الحق
- إن شاء الله تعالى- وعن الكسائي والفراء أن السخري بكسر السين من قبيل ما ذكرنا
من الاستهزاء، وأن السخري بضم السين من التسخير، الذي هو التذليل والعبودية.
والمعنى أن الكفار يسخرون ضعفاء المؤمنين، ويستعبدونهم كما كان يفعله أمية بن
خلف ببلال، ولا يخفى أن الصواب هو ما ذكرنا - إن شاء الله تعالى - وحتى في قوله:
﴿حََّ أَنَوَكُمْ ذِكْرِى﴾ حرف غاية، لاتّخاذهم إياهم سخرياً؛ أي لم يزالوا كذلك، حتى
أنساهم ذلك ذكر الله والإيمان به، فكان مأواهم النار، والعياذ بالله.
قوله تعالى: ﴿إِنِّ جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُواْ أَنَّهُمْ هُمُ الْفَآِرُونَ
ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أنه جزي أولئك المؤمنين المستضعفين
في الدنيا بالفوز بالجنّةَ في الآخرة. وقوله ﴿بِمَا صَبَرُواْ﴾، أي بسبب صبرهم في دار
الدنيا، على أذى الكفار الذين اتخذوهم سخرياً، وعلى غير ذلك من امتثال أمر الله،
واجتناب نهيه، وما دلت عليه هذه الآية الكريمة، من أن أولئك المستضعفين الذين كان
الكفار يستهزأون بهم، جزاهم الله يوم القيامة الفوز بجنته، ورضوانه، جاء مبيناً في
مواضع أخر مع بيان أنهم يوم القيامة يهزؤون بالكفار، ويضحكون منهم، والكفار في
النارّ والعياذ بالله، كقوله تعالى: ﴿قَالْيَوْمَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ﴿ عَلَى الْأَرَّبِ يَظُرُونَ
هَلْ تُوِّبَ اَلْكُفَارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ (٣)﴾ [المطففين] وقوله تعالى: ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا
٣٥١
يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ أُدْ خُلُواْ الْخَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَّ أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٣)﴾ [الأعراف] وقوله: ﴿زُيِّنَ
لِلَِّينَ كَفَرُواْ أَلْحَيَوَةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ أَتَّقَوْاْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾
[البقرة: ٢١٢] إلى غير ذلك من الآيات، وقرأ حمزة والكسائي: إنهم هم الفائزون بكسر
همزة إن، وعلى قراءتهما فمفعول جزيتهم: محذوف أي جزيتهم جنتي إنهم هم
الفائزون، وعلى هذه القراءة فإن لاستئناف الكلام، وقرأ الباقون: أنهم هم الفائزون
بفتح همزة أن، وعلى قراءة الجمهور هذه فالمصدر المنسبك، من أن وصلتها: مفعول
به لجزيتهم: أي جزيتهم فوزهم كما لا يخفى، والفوز نيل المطلوب الأعظم.
قوله تعالى: ﴿قَلَ كُمْ لَبِئْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١٧) قَالُواْ لَيْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمِ
فَسْئَلِ الْعَآَدِّينَ (٣)﴾. في هذه الآية سؤال معروف وهو أنهم لما سئلوا يوم القيامة عن
قدر مدة لبثهم في الأرض في الدنيا أجابوا بأنهم لبثوا يوماً أو بعض يوم، مع أنه قد
دلت آيات أخر على أنهم أجابوا بغير هذا الجواب كقوله تعالى: ﴿يَتَّخَفَتُونَ بَيْنَهُمْ إِن

٩٥٤
سورة المؤمنون: الآيتان (١١٥ - ١١٦)
◌َبتْتُمْ إِلَّا عَشْرًا ﴾﴾ [طه] والعشر أكثر من يوم أو بعضه، وكقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ
السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [الروم: ٥٥] والساعة: أقل من يوم أو بعضه،
وقوله: ﴿كَهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْنُواْ إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُّحَهَا ﴿4﴾ [النازعات] وقوله: ﴿كَأَن لَّمْ يَلْبَغُواْ
إِلَّا سَاعَةٌ مِّنَ النََّارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: ٤٥] وقوله تعالى: ﴿لَمْ يَلْتُواْ إِلَّا سَاعَةً مِّن ◌َّهٍَّ بٌَ
فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ اُلْفَسِقُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٥].
: · وقد بينا الجواب عن هذا السؤال في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات
الكتاب في الكلام على هذه الآية بما حاصله أن بعضهم يقول لبثنا يوماً أو بعض يوم،
ويقول بعض آخر منهم: لبثنا ساعة ويقول بعض آخر منهم لبثنا عشراً.
والدليل على هذا الجواب من القرآن أنه تعالى بين أن أقواهم إدراكاً، وأرجحهم
عقلاً، وأمثلهم طريقة هو من يقول: إنهم ما لبثوا إلا يوماً واحداً، وذلك في قوله تعالى:
﴿يَتَخَفَتُونَ بَيْنَهُمْ إِن لَّئْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (٣٢َ نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن ◌ِّئْتُمْ إِلَّا
يَوْمًا (٣)﴾ [طه]، فالآية صريحة في اختلاف أقوالهم، وعلى ذلك فلا إشكال والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿فَسْئَلِ الْعَآدِينَ﴾ أي الحاسبين، الذين يضبطون مدة لبثنا، وقرأ ابن
كثير والكسائي بنقل حركة الهمزة إلى السين، وحذف الهمزة، والباقون: فاسأل بغير نقل،
وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي: قل كم لبثتم بضم القاف وسكون اللام بصيغة الأمر؛
وقرأ الباقون: قال كم لبثتم بفتح القاف بعدها ألف وفتح اللام بصيغة الفعل الماضي.
وقال الزمخشري ما حاصله أنه على قراءة قال بصيغة الماضي فالفاعل ضمير يعود
إلى الله، أو إلى من أمر بسؤالهم من الملائكة، وعلى قراءة قل بصيغة الأمر، فالضمير
راجع إلى الملك المأمور بسؤالهم أو بعض رؤساء أهل النار هكذا قال. والله تعالى
أعلم، وقد صدقهم الله - جل وعلا - في قلة لبثهم في الدنيا بقوله: ﴿قَكلَ إِن ◌َّثْتُمْ إِلَّا
قَلِيلًا لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (19)﴾ لأن مدة مكثهم في الدنيا قليلة جداً، بالنسبة إلى طول
مدتهم خالدين في النار، والعياذ بالله. وقرأ حمزة والكسائي: قل إن لبثتم إلا قليلاً
بصيغة الأمر والباقون بصيغة الماضي.
قوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْتَكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١٥) فَتَعَلَى اللَّهُ الْمَلِكُ
الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ﴾. الاستفهام في قوله: أفحسبتم للإنكار،
والحسبان هنا معناه: الظن. يعني أظننتم أنا خلقناكم عبثاً لا لحكمة، وأنكم لا ترجعون
إلينا يوم القيامة، فنجازيكم على أعمالكم، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، ثم نزه
- جل وعلا - نفسه، عن أن يكون خلقهم عبئاً، وأنهم لا يرجعون إليه للحساب والجزاء.
وقوله: ﴿فَتَعَلَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَّ لَّ إِلَهَ إِلَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيِ ﴾ أي
تعاظم وتقدس، وتنزه عن كل ما لا يليقُ بكماله وجلاله، ومنه خلقكم عبئاً سبحانه
وتعالى، عن ذلك علواً كبيراً .

٩٥٥
سورة المؤمنون: الآية (١١٧) -
وما تضمنته هذه الآية من إنكار الظن المذكور جاء موضحاً في غير هذا الموضع
كقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ
(٨) مَا
النَّارِ (َ﴾ [ص] وقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَكِعِينَ
أَلَمْ
خَلَقْتَهُمَّا إِلَّا بِالْحَقِ﴾ [الدخان: ٣٨، ٣٩] وقوله تعالى: ﴿أَيَخْسَبُ آلْإِنَنُ أَنْ يُتْرَكَ سُلَّى.
يَكُ نُطْفَةُ مِّن مَّنِّ يُعْنَى(َ ثُمَ كَانَ عَقَةً فَخَلَ فَسَوَّى (٣٨) ◌َعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَاُلْأَنَ (9)﴾ [القيامة]
وقوله: سدى؛ أي مهملاً لا يحاسب ولا يجازي، وهو محل إنكار ظن ذلك في قوله
﴿أَيَخْسَبُ آلْإَِنُ أَنْ يُتْرَكَ سُدَّى ﴾﴾ [القيامة] وقوله: ﴿عَبَثًا﴾: يجوز إعرابه حالاً؛ لأنه
مصدر منكر أي إنما خلقناكم في حال كوننا عابثين، ويجوز أن يعرب مفعولاً من أجله؛
أي إنما خلقناكم، لأجل العبث لا لحكمة اقتضت خلقنا إياكم، وأعربه بعضهم مفعولاً
مطلقاً، وليس بظاهر. قال القرطبي عبثاً: أي مهملين، والعبث في اللغة: اللعب، ويدل
على تفسيره في الآية باللعب قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا
(٨﴾ [الدخان] وقوله: ﴿اَلْمَلِكُ الْحَقّ﴾ قال بعضهم أي الذي يحق له الملك؛ لأن
لَعِیینَ
كل شيء منه وإليه. وقال بعضهم: الملك الحق: الثابت الذي لا يزول ملكه، كما
قدمنا إيضاحه في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ [النحل:
٥٢] وإنما وصف عرشه بالكرم لعظمته وكبر شأنه والظاهر أن قوله: ﴿وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا
تُجَعُونَ﴾ معطوف على قوله: ﴿أَنَّمَا خَلَقْتَكُمْ عَبَثًا﴾ خلافاً لمن قال: إنه معطوف على
قوله: عبثاً؛ لأن الأول أظهر منه والعلم عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا ءَخَرَ لَا بُرْهَنَ لَهُ بِهِ، فَإِنَّمَا حِسَابُ عِنْدَ رَبٍِِّّ إِنَّهُ
لَا يُفْلِحُ الْكُفِرُونَ ﴾. البرهان: الدليل الذي لا يترك في الحق لبساً، وقوله: لا
برهان له به كقوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ، سُلْطَانًا﴾ ... الآية [الحج:
٧١]. والسلطان: هو الحجة الواضحة وهو بمعنى: البرهان.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾﴾ قد بين أن حسابه الذي عند
ربه، لا فلاح له فيه بقوله بعده ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَفِرُونَ﴾ وأعظم الكافرين كفراً هو من
يدعو مع الله إلهاً آخر، لا برهان له به، ونفى الفلاح عنه يدل على هلاكه وأنه من أهلٍ
النار، وقد حذر الله من دعاء إله معه في آيات كثيرة كقوله: ﴿وَلَا تَّجْعَلُواْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرٌ
إِ لَكُمْ مِنْهُ نَّذِيْرٌ مُِّينٌ ﴾﴾ [الذاريات] وقوله: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا ءَاخَرٌ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ
كُلُّ شَىْءٍ هَالِكٌ إِلَّ وَجْهَهْ لَهُ الْحُكْرُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾﴾ [القصص] وقوله تعالى: ﴿لَّ تَجْعَلْ مَعَ
اَللَّهِ إِلَهًا ءَخَرَ فَنَفْعُدَ مَذْهُومًا تَخْذُولًا (4)﴾ [الإسراء] والآيات بمثل ذلك كثيرة جداً، ولا
خلاف بين أهل العلم أن قوله هنا ﴿لَا بُرْهَنَ لَهُ بِهِ﴾ لا مفهوم مخالفة له، فلا يصح
لأحد أن يقول: أما من عبد معه إلهاً آخر له برهان به فلا مانع من ذلك، لاستحالة
وجود برهان على عبادة إله آخر معه، بل البراهين القطعية المتواترة، دالة على أنه هو
المعبود وحده - جل وعلا - ولا يمكن أن يوجد دليل على عبادة غيره البتة، وقد تقرر

٩٥٦
- سورة النور: الآية (٢)
في فن الأصول أن من موانع اعتبار مفهوم المخالفة، كون تخصيص الوصف بالذكر
لموافقته للواقع فيرد النص ذاكراً لوصف الموافق للواقع ليطبق عليه الحكم، فتخصيصه
بالذكر إذاً ليس لإخراج المفهوم عن حكم المنطوق، بل لتخصيص الوصف بالذكر
لموافقته للواقع.
ومن أمثلته في القرآن هذه الآية لأن قوله: ﴿لَا بُرْهَنَ لَهُ﴾ وصف مطابق للواقع؛
لأنهم يدعون معه غيره بلا برهان، فذكر الوصف لموافقته الواقع، لا لإخراج المفهوم
عن حكم المنطوق.
ومن أمثلته في القرآن أيضاً قوله تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكُفِينَ أَوْلِيَّةَ مِن دُونِ
الْمُؤْمِنِينٌ﴾ [آل عمران: ٢٨]؛ لأنه نزل في قوم والوا اليهود دون المؤمنين، فقوله: ﴿مِن
دُونِ الْمُؤْمِنِينُّ﴾ ذكر لموافقته للواقع لا لإخراج المفهوم، عن حكم المنطوق. ومعلوم أن
اتخاذ المؤمنين الكافرين أولياء، ممنوع على كل حال، وإلى هذا أشار في (مراقي
السعود) في ذكره موانع اعتبار مفهوم المخالفة بقوله:
والجهل والتأكيد عند السامع
أو امتنان أو وفاق الواقع
وقوله تعالى في خاتمة هذه السورة الكريمة: ﴿وَقُل رَّبٍّ اغْفِرْ وَأَرْحَرْ وَأَنْتَ خَيْرٌ
الزَّحِينَ ﴾ فيه الدليل على أن ذلك الفريق الذين كانوا يقولون: ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا
وأنت خير الراحمين. موفقون في دعائهم ذلك؛ ولذا أثنى الله عليهم به، وأمر به نبيه وَلّ
لتقتدي به أمته في ذلك، ومعمول اغفر وارحم حذف هنا، لدلالة ما تقدم عليه في قوله
﴿فَأَغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَا﴾ [الأعراف: ١٥٥] والمغفرة: ستر الذنوب بعفو الله وحلمه حتى لا يظهر لها
أثر يتضرر به صاحبها، والرحمة صفة الله التي اشتق لنفسه منها اسمه الرحمن، واسمه
الرحيم: وهي صفة تظهر آثارها في خلقه الذين يرحمهم، وصيغة التفضيل في قوله: ﴿وَأَنْتَ
خَيْرُ الزَّحِينَ﴾؛ لأن المخلوقين قد يرحم بعضهم بعضاً، ولا شك أن رحمة الله تخالف رحمة
خلقه، كمخالفة ذاته وسائر صفاتِهِ لذواتهم، وصفاتهم كما أوضحناه في سورة الأعراف في
الكلام على قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أُسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] والعلم عند الله تعالى.
براه الرحمن الرحيم
سُورة النُور
قوله تعالى: ﴿اَلَِّيَةُ وَالَّفِىِ فَأَجْلِدُواْ كُلَّ وَحِدٍ مِنْهُمَا مِاْتَةٌ جَلْدَةٍ﴾.
ظاهر هذه الآية الكريمة أن كل زانية وكل زان يجب جلد كل واحد منهما مائة
جلدة؛ لأن الألف واللام في قولِه: ﴿الزّانِيَةُ وَلَّنِ﴾ إن قلنا: إنهما موصول وصلتهما

٩٥٧
سورة النور: الآية (٣) -
الوصف الذي هو اسم الفاعل الذي هو الزانية والزاني، فالموصولات من صيغ العموم.
وإن قلنا: إنهما للتعريف لتناسي الوصفية، وأن مرتكب تلك الفاحشة يطلق عليه
اسم الزاني، كإطلاق أسماء الأجناس، فإن ذلك يفيد الاستغراق، فالعموم الشامل لكل
زانية وكل زان، هو ظاهر الآية، على جميع الاحتمالات
وظاهر هذا العموم شموله للعبد، والحر، والأمة، والحرة، والبكر، والمحصن
من الرجال والنساء.
وظاهره أيضاً أنه لا تغرب الزانية، ولا الزاني عاماً مع الجلد، ولكن بعض
الآيات القرآنية دل على أن عموم الزانية يخصص مرتين.
إحداهما: تخصيص حكم جلدها مائة بكونها حرة، أما إن كانت أمة، فإنها
تجلد نصف المائة وهو خمسون، وذلك في قوله تعالى في الإماء: ﴿فَإِنَّ أَتَيَّ
بِفَحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] والمراد بالمحصنات
هنا: الحرائر، والعذاب الجلد، وهو بالنسبة إلى الحرة الزانية: مائة جلدة والأمة
عليها نصفه بنص آية النساء هذه، وهو خمسون، فآية ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَتِ
مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] مخصصة لعموم قوله: ﴿الَّانِيَةُ وَالَِّ﴾ ... الآية، بالنسبة
إلى الزانية الأنثى.
وأما التخصيص المرة الثانية لعموم الزانية في آية النور هذه فهو بآية منسوخة
التلاوة، باقية الحكم، تقتضي أن عموم الزانية هنا مخصص بكونها بكراً.
أما إن كانت محصنة، بمعنى أنها قد تزوجت من قبل الزنى، وجامعها زوجها في
نكاح صحيح فإنها ترجم.
والآية التي خصصتها بهذا الحكم الذي ذكرنا أنها منسوخة التلاوة باقية الحكم هي
قوله تعالى: ((الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم)).
وهذا التخصيص إنما هو على قول من يقول: لا يجمع للزاني المحصن، بين
الجلد والرجم، وإنما يرجم فقط بدون جلد.
أما على قول من يرى الجمع بينهما فلا تخصيص، وإنما في آية الرجم زيادته على
الجلد، فكلتا الآيتين أثبتت حكماً لم تثبته الأخرى، وسيأتي إيضاح هذا - إن شاء الله
- غير بعيد وأقوال أهل العلم فيه ومناقشة أدلتهم.
أما الزاني الذكر فقد دلت الآية التي ذكرنا، أنها منسوخة التلاوة، باقية الحكم
على تخصيص عمومه، وأن الذي يجلد المائة من الذكور، إنما هو الزاني البكر، وأما
المحصن فإنه يرجم، وهذا التخصيص في الذكر أيضاً إنما هو على قول من لا يرى
الجمع بين الجلد والرجم، كما أوضحناه قريباً في الأنثى.

٩٥٨
سورة النور: الآية (٣)
وأما على قول من يرى الجمع بينهما فلا تخصيص، بل كل واحدة من الآيتين
أثبتت حكماً لم تثبته الأخرى.
وعموم الزاني في آية النور هذه، مخصص عند الجمهور أيضاً مرة أخرى، بکون جلد
المائة خاصًّا بالزاني الحر، أما الزاني الذكر العبد فإنه يجلد نصف المائة وهو الخمسون ..
ووجه هذا التخصيص إلحاق العبد بالأمة في تشطير حد الزنى بالرق؛ لأن مناط
التشطير الرق بلا شك؛ لأن الذكورة والأنوثة بالنسبة إلى الحدود وصفان طرديان، لا
يترتب عليهما حكم، فدل قوله تعالى في آية النساء في الإماء: ﴿فَعَلَتِهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى
اُلْمُحْصَنَتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] أن الرق مناط تشطير حد الزنى، إذ لا فرق بين
الذكر والأنثى في الحدود، فالمخصص لعموم الزاني في الحقيقة: هو ما أفادته آية
﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] وإن سماه الأصوليون
تخصيصاً بالقياس، فهو في الحقيقة تخصيص آية بما فهم من آية أخرى.
وهناك مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة يرجع من أراد الوقوف عليها إلى الأصل:
قوله تعالى: ﴿اَلَِّ لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَِّيَةُ لَا يَنْكِحُّهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ
وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾﴾. قد قدمنا مراراً أن من أنواع البيان التي تضمنها هذا
الكتاب المبارك أن يقول بعض العلماء في الآية قولاً، ويكون في نفس الآية قرينة دالة
على عدم صحة ذلك القول، ذكرنا هذا في ترجمة الكتاب وذكرنا فيما مضى من الكتاب
أمثلة كثيرة لذلك، ومن أمثلة ذلك هذه الآية الكريمة.
وإيضاح ذلك أن العلماء اختلفوا في المراد بالنكاح في هذه الآية، فقال جماعة:
المراد بالنكاح في هذه الآية: الوطء الذي هو نفس الزنى، وقالت جماعة أخرى من
أهل العلم: إن المراد بالنكاح في هذه الآية هو عقد النكاح، قالوا: فلا يجوز لعفيف
أن يتزوج زانية كعكسه، وهذا القول الذي هو أن المراد بالنكاح في الآية: التزويج لا
الوطء في نفس الآية قرينة تدل على عدم صحته، وتلك القرينة هي ذكر المشرك
والمشركة في الآية؛ لأن الزاني المسلم لا يحل له نكاح مشركة لقوله تعالى: ﴿وَلَا
تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنٌ﴾ [البقرة: ٢٢١] وقوله تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَّمْ وَلَ هُمْ يَحِلُونَ لَّ﴾
[الممتحنة: ١٠] وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الْكَوَافِ﴾ [الممتحنة: ١٠]، وكذلك الزانية
المسلمة لا يحل لها نكاح المشرك لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ﴾
[البقرة: ٢٢١] فنكاح المشركة والمشرك لا يحل بحال. وذلك قرينة على أن المراد
بالنكاح في الآية التي نحن بصددها الوطء؛ الذي هو الزنى؛ لا عقد النكاح، لعدم
ملاءمة عقد النكاح لذكر المشرك والمشركة، والقول بأن نكاح الزاني للمشركة والزانية
للمشرك منسوخ؛ ظاهر السقوط؛ لأن سورة النور مدنية، ولا دليل على أن ذلك أحل
بالمدينة، ثم نسخ. والنسخ لا بدله من دليل يجب الرجوع إليه.
:

٩٥٩
سورة النور: الآيتان (٤ - ٥).
وهناك مسائل تتعلق بالآية الكريمة يرجع من أراد الوقوف عليها للأصل وخلاصة
ما ذهب إليه الشيخ فيها هو أن هذه الآية الكريمة من أصعب الآيات تحقيقاً؛ لأن حمل
النكاح فيها على التزويج، لا يلائم ذكر المشركة والمشرك، وحمل النكاح فيها على
الوطء لا يلائم الأحاديث الواردة المتعلقة بالآية، فإنها تعين أن المراد بالنكاح في الآية:
التزويج، ولا أعلم مخرجاً واضحاً من الإشكال في هذه الآية إلا مع بعض تعسف، وهو
أن أصح الأقوال عند الأصوليين كما حرره أبو العباس بن تيمية تظلُّ في رسالته في علوم
القرآن، وعزاه لأجلاء علماء المذاهب الأربعة هو جواز حمل المشترك على معنييه، أو
معانيه، فيجوز أن تقول: عدا اللصوص البارحة على عين زيد، وتعني بذلك أنهم عوروا
عينه الباصرة وغوروا عينه الجارية، وسرقوا عينه التي هي ذهبه أو فضته.
وإذا علمت ذلك فاعلم أن النكاح مشترك بين الوطء والتزويج، خلافاً لمن زعم
أنه حقيقة في أحدهما مجاز في الآخر، كما أشرنا له سابقاً، وإذا جاز حمل المشترك
على معنييه، فيحمل النكاح في الآية على الوطء، وعلى التزويج معاً، ويكون ذكر
المشركة والمشرك على تفسير النكاح بالوطء دون العقد، وهذا هو نوع التعسف الذي
أشرنا له، والعلم عند الله تعالى.
وأكثر أهل العلم على إباحة تزويج الزانية، والمانعون لذلك أقل وهناك فروع
تتعلق بالآية يرجع من أراد الوقوف عليها للأصل.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَّ يَأْتُوْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَةَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَنِنَ جَلْدَةٌ وَلَا نَقْبَلُواْ
لَمْ شَهْدَةً أَبَدَّ وَأُوْلَكَ هُمُ الْفَسِقُونَ ﴿ إِلَّا الّذِينَ تَابُواْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَهُوْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
تَجِيرٌ ﴾﴾، قوله تعالى في هذه الآية: ﴿
يَرَُّ
معناه: يقذفون المحصنات بالزنا
صريحاً أو ما يستلزم الزنا كنفي نسب ولد المحصنة عن أبيه؛ لأنه إن كان من غير أبيه
كان من زنى، وهذا القذف هو الذي أوجب الله تعالى فيه ثلاثة أحكام:
الأول: جلد القاذف ثمانين جلدة.
والثاني: عدم قبول شهادته.
والثالث: الحكم عليه بالفسق.
فإن قيل: أين الدليل من القرآن على أن معنى (يرمون)) المحصنات في هذه الآية:
هو القذف بصريح الزنى، أو بما يستلزمه كنفي النسب؟.
فالجواب: أنه دلت عليه قرينتان من القرآن:
الأولى: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَ بَأْتُواْ بِأَزْبَعَةِ شُهَ﴾ بعد قوله: ﴿يَرَّمُونَ الْمُحْصَنَتِ﴾ ومعلوم
أنه ليس شيء من القذف يتوقف إثباته على أربعة شهداء إلا الزنى. ومن قال: إن
اللواط حكمه حكم الزنى أجرى أحكام هذه الآية على اللائط.
وقد قدمنا أحكام اللائط مستوفاة في سورة هود ..

٩٦٠
سورة النور: الآيتان (٤ - ٥)
القرينة الثانية: هي ذكر المحصنات بعد ذكر الزواني في قوله تعالى: ﴿الَِّ لَا
يَنَكِّمُ إِلَّا زَانِيَةً﴾ ... الآية. وقوله تعالى: ﴿الَّنَةُ وَالَِّ فَأَجْلِدُواْ كُلَّ وَجِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَدَّةٍ﴾.
فذكر المحصنات بعد ذكر الزواني، يدل على إحصانهن أي عفتهن عن الزنى، وأن
الذين يرمونهن إنما يرمونهن بالزنى، وقد قدمنا جميع المعاني التي تراد بالمحصنات في
القرآن، ومثلنا لها كلها من القرآن في سورة النساء في الكلام على قوله تعالى:
﴿وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] فذكرنا أن من المعاني التي
تراد بالمحصنات كونهن عفائف غير زانيات، كقوله: ﴿مُحْصَفَتٍ غَيْرَ مُسَفِحَةٍ﴾ [النساء:
٢٥] أي عقائف غير زانيات، ومن هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَاُلَّذِينَ يَرَّمُونَ الْمُحْصَنَتِ﴾ أيْ
العفائف، وإطلاق المحصنات على العفائف معروف في كلام العرب. ومنه قول جرير:
فلا تأمن الحي قيساً فإنهم بنو محصنات لم تدنس حجوزها
وإطلاق الرمي على رمي الشخص لآخر بلسانه بالكلام القبيح معروف في كلام
العرب. ومنه قول عمرو بن أحمر الباهلي:
بريئا ومن أجل الطوى رماني
رماني بأمر كنت منه ووالدي
فقوله رماني بأمر: يعني أنه رماه بالكلام القبيح، وفي شعر امرئ القيس أو غيره:
* وجرح اللسان کجرح اليد .
واعلم أن هذه الآية الكريمة مبينة في الجملة من ثلاث جهات:
الجهة الأولى: هي القرينتان القرآنيتان الدالتان على أن المراد بالرمي في قوله:
﴿يَمُونَ الْمُحْصَنَتِ﴾، هو الرمي بالزنى، أو ما يستلزمه كنفي النسب، كما أوضحناه قريباً.
الجهة الثانية: هي أن عموم هذه الآية ظاهر في شموله لزوج المرأة إذا رماها
بالزنى، ولكن الله رجل وعلا - بين أن زوج المرأة إذا قذفها بالزنى خارج من عموم
هذه الآية، وأنه إن لم يأت بالشهداء تلاعنا، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَِّيْنَ يَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ
وَلَمْ يَكُن لَّمْ شُهَدَلَهُ إِلَّ أَنْفُهُمْ﴾ ... الآية.
ومضمونها أن الزوج إذا قذف زوجته بالزنى ولم يكن له شاهد غير نفسه، والمعنى
أنه لم يقدر على الإتيان ببينة تشهد له على الزنى الذي رماها به، فإنه يشهد أربع
شهادات يقول في كل واحدة منها أشهد بالله إني لصادق فيما رميتها به من الزنى، ثم
يقول في الخامسة: عليَّ لعنة الله إن كنت كاذباً عليها فيما رميتها به، ويرتفع عنه الجلد
وعدم قبول الشهادة والفسق بهذه الشهادات. وتشهد هي أربع شهادات بالله تقول في كل
واحدة منها أشهد بالله إنه لكاذب فيما رماني به من الزنى، ثم تقول في الخامسة:
غضب الله عليّ إن كان صادقاً فيما رماني به من الزنى، كما هو واضح من نص الآية.
الجهة الثالثة: أن الله بين هنا حكم عقوبة من رمى المحصنات في الدنيا، ولم
يبين ما أعد له في الآخرة، ولكنه بين في هذه السورة الكريمة ما أعدّ له في الدنيا