Indexed OCR Text

Pages 881-900

٨٨١٠
سورة الحج: الآيات (٤٢ - ٤٤)
قوله تعالى: ﴿وَإِن يُكَذِّبُوَكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ ﴾ وَقَوْمُ إِزْهِيَمَ
وَقَوْمُ لُوطٍ ﴿ وَأَصْحَبُ مَذْيَنٌَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَفِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمَّ فَكَيْفَ كَانَ
في هذه الآيات الكريمة تسلية للنبي ور بأن الذي عامله به قومه من
نَكِيرِ @
التكذيب عومل به غيره من الرسل الكرام، وذلك يسليه ويخفف عليه كما قال تعالى:
﴿وَكَّا نَّقُصُ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَيِتُ بِهِ، فُؤَادَكْ﴾ [هود: ١٢٠]. وقوله تعالى: ﴿مَّا يُقَالُ
لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلِرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ﴾ [فصلت: ٤٣] وقوله ﴿وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن
قَبْلِكَ﴾ [فاطر: ٤] إلى غير ذلك من الآيات، وذكر تعالى في هذه الآيات سبع أمم كل
واحدة منهم كذبت رسولها .
الأولى: قوم نوح في قوله: ﴿فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ والآيات الدالة على
تكذيب قوم نوح لا تكاد تحصى في القرآن، لكثرتها ولنقتصر على الأمثلة لكثرة الآيات
الدالة على تكذيب هذه الأمم رسلها كقوله: ﴿ كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوجِ الْمُرْسَلِينَ (٣٥)﴾ [الشعراء] وقوله:
﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا وَقَالُواْ مَجْنُونٌ وَلَزْدُجِرَ ﴾﴾ [القمر] إلى غير ذلك من الآيات.
الثانية: عاد، وقد بين تعالى في غير هذا الموضع في آيات كثيرة أنهم كذبوا
رسولهم هوداً، كقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ عَادُ الْمُرْسَلِينَ (٣)﴾ [الشعراء] وقوله: ﴿قَالُواْ يَهُودُ مَا
جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِيّ ◌َالِهَيْنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ﴾﴾﴾ [هود].
الثالثة: ثمود وقد بين تعالى في غير هذا الموضع تكذيبهم لنبيهم صالح في آيات
كثيرة كقوله تعالى: ﴿ كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (٣)﴾ [الشعراء] وقوله ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾
[الشمس: ١٤] إلى غير ذلك من الآيات.
الرابعة: قوم إبراهيم، وقد بين تعالى في غير هذا الموضع أنهم كذبوه في آيات كثيرة
كقوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ، إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَنُهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ﴾
[العنكبوت: ٢٤] وقوله: ﴿قَالُواْ حَرِّقُوَهُ وَأَنصُرُوَاْ ءَالِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٨]. وكقوله: ﴿أَرَاغِبُ أَنْتَ
عَنْ ءَالِهَتِى يَِّزَهِيمٌ لَكِن لَّمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَأَهْجُرْنِ مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٦] إلى غير ذلك من الآيات.
الخامسة: قوم لوط وقد بين تعالى في غير هذا الموضع أنهم كذبوه في آيات كثيرة
كقوله: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (٣)﴾ [الشعراء] وقوله: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّ أَنْ
قَالُواْ أَخْرِجُواْ عَلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ﴾ [النمل: ٥٦] إلى غير ذلك من الآيات.
السادسة: أصحاب مدين، وقد بين تعالى أنهم كذبوا نبيهم شعيباً في غير هذا
الموضع في آيات كثيرة كقوله: ﴿أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كُمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ [هود: ٩٥] وقوله:
﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبَأْ قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [هود: ٨٤] إلى قوله
﴿قَالُواْ يَشُعَيْبُ أَصَلَوْتُكَ تَأْمُرَُ أَنْ تَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا أَوْ أَن نَفْعَلَ فِيَّ أَمْوَلِنَا مَا نَشَتُؤْأَ
إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ ﴾﴾ [هود] وقوله: ﴿قَالُواْ يَشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا
لَغَفَكَ فِنَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَكٌ﴾ الآية [هود: ٩١]، إلى غير ذلك من الآيات.

٨٨٢
سورة الحج: الآيات (٤٢ - ٤٤)
السابعة: من كذبوا موسى وهم فرعون وقومه، وقد بين تعالى في غير هذا
الموضع أن فرعون وقومه كذبوا موسى في آيات كثيرة كقوله: ﴿لَيْنِ أَّخَذْتَ إِلَهَا غَيْرِى
لَأَجْعَلَتَكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩] وقوله: ﴿أَلَمَّ نُرَبِّكَ فِنَا وَلِدًا وَلَبِثْتَ فِنَا مِنْ عُمرِكَ سِنِينَ
وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِى فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَفِرِينَ ﴾﴾ [الشعراء] وقوله: ﴿وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْيِنَا
بِهِء مِنْ ءَايَةٍ لِّتَسْحَرَنَ بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٣)﴾ [الأعراف] إلى غير ذلك من الآيات.
وقوله تعالى في هذه الآية: ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلْكَفِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمِّ فَكَيْفَ كَانَ تَكِيرِ﴾ قد
بين تعالى نوع العذاب الذي عذب به كل أمة من تلك الأمم، بعد الإملاء لها
والإمهال، فبين أنه أهلك قوم نوح بالغرق في مواضع كثيرة كقوله تعالى: ﴿فَأَخَذَهُمُ
اُلُوفَاتُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ١٤] وقوله ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَبَ السَّمَ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ ﴿ وَفَجَرْنَا
اُلْأَرْضَ عُيُونًا فَلْنَقَى الْمَآءُ عَلَىَّ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ﴾﴾ [القمر] وقوله: ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعَدُ الْبَاقِينَ
[الشعراء] إلى غير ذلك من الآيات. وبين في مواضع كثيرة أنه بعد الإملاء والإمهال لعاد
ج﴾ [الحاقة]
أهلكهم بالريح العقيم كقوله تعالى: ﴿وَمَّا عَادٌ فَأَهْلِكُواْ بِرِيجٍ صَرْصَرٍ عَلِيَةٍ
الآيات، وقوله تعالى: ﴿وَفِ عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيَمَ ﴿٨َمَا نَذَرُ مِن شَىْءٍ أَنَتْ عَلَيْهِ إِلَّا
جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ ﴾﴾ [الذاريات] وقوله: ﴿بَلَ هُوَ مَا أَسْتَعْجَلْتُم بِهِّ رِيحٌ فِيَهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ()
تُدَمِّرُ كُلَّ شَىْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُواْ لَا يُرَى إِلَّا مَسَكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٤، ٢٥] إلى غير ذلك
من الآيات. وبين أنه أهلك ثمود بصيحة أهلكتهم جميعاً كقوله فيهم: ﴿وَأَخَذَ اٌلَّذِينَ
ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِ دِيَرِهِمْ جَئِمِينَ ﴾﴾ [هود] وقوله: ﴿وَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَهُمْ فَاسْتَحَبُواْ
أَلْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَعِقَةُ الْعَذَابِ الْمُونِ﴾ [فصلت: ١٧] إلى غير ذلك من الآيات.
وقوم إبراهيم الذين كذبوه هم نمرود، وقومه، وقد ذكر المفسرون أن العذاب الدنيوي
الذي أهلكهم الله به هو المذكور في قوله تعالى في سورة النحل: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ
مِن قَبْلِهِمْ فَأَنَ اَللَّهُ بُلْيَنَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَنَهُمُ الْعَذَابُ
· [النحل]. وقد بين تعالى أنه أهلك قوم لوط بجعل عالي
مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ﴾﴾
أرضهم سافلها، وأنه أرسل عليها مطراً من حجارة السجيل في مواضع متعددة كقوله
تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَتْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِيلٍ﴾ [هود: ٨٢]
ونحو ذلك من الآيات. وقد بين تعالى أنه أهلك أصحاب مدين بالصيحة في مواضع
كقوله فيهم: ﴿وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِىِ دِيَرِهِمْ خَثِمِينَ ﴿﴿ كَن لَّمْ يَغْنَواْ فِيهَاً
أَلَا بُعْدًا لِّمَدْيَنَ كُمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (٥)﴾ [هود] إلى غير ذلك من الآيات. وقد بين في مواضع
كثيرة أنه أهلك الذين كذبوا موسى، وهم فرعون وقومه بالغرق كقوله: ﴿وَأَتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًّا
إِنَّهُمْ جُنِدٌ مُّغْرَقُونَ (٣)﴾ [الدخان] وقوله تعالى: ﴿فَأَنَْعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُورِهِ، فَغَشِيَهُم مِّنَ اَلَّمِ مَا
غَشِيَهُمْ (٢٨)﴾ [طه]، وقوله تعالى: ﴿حَتَّىَ إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ ءَامَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِىّ
ءَامَنَتْ بِهِ بَنُواْ إِسْرَّهِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٩٠] إلى غير ذلك من الآيات.
ومعلوم أن الآيات كثيرة في بيان ما أهلكت به هذه الأمم السبع المذكورة، وقد

٨٨٣
سورة الحج: الآية (٤٥).
ذكرنا قليلاً منها كالمثال لغيره، وكل ذلك يوضح معنى قوله تعالى بعد أن ذكر تكذيب
الأمم السبع لأنبيائهم ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ثُمَّ أَخَذُْهُمْ﴾ [الرعد: ٣٢] أي بالعذاب، وهو
ما ذكرنا بعض الآيات الدالة على تفاصيله.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَكَيْفَ كَانَ تَكِيرٍ﴾ النكير: اسم مصدر
بمعنى الإنكار أي كيف كان إنكاري عليهم منكرهم، الذي هو كفرهم بي، وتكذيبهم
رسلي، وهو ذلك العذاب المستأصل الذي بينا وبعده عذاب الآخرة الذي لا ينقطع
نرجو الله لنا ولإخوننا المسلمين العافية من كل ما يسخط خالقنا، ويستوجب عقوبته.
والجواب إنكارك عليهم بذلك العذاب واقع موقعه على أكمل وجه؛ لأن الجزاء من
جنس العمل، فجزاء العمل البالغ غاية القبح بالنكال العظيم جزاء وفاق واقع موقعه،
فسبحان الحكيم الخبير الذي لا يضع الأمر إلا في موضعه ولا يوقعه إلا في موقعه،
وقرأ هذا الحرف ورش وحده عن نافع: (فكيف كان نكير) بياء المتكلم بعد الراء وصلاً
فقط وقرأ الباقون بحذفها اكتفاء بالكسرة عن الياء.
قوله تعالى: ﴿فَكَأَتِنِ مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَهَا وَهِىَ ظَالِمَةٌ فَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا
وَبِثْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ (
بين تعالى في هذه الآية الكريمة أنه أهلك كثيراً من القرى في حال كونها ظالمة؛
أي بسبب ذلك الظلم، وهو الكفر بالله وتكذيب رسله، فصارت بسبب الإهلاك والتدمير
ديارها متهدمة وآبارها معطلة، لا يسقى منها شيء لإهلاك أهلها الذين كانوا يستقون
منها. وهذا المعنى الذي ذكره تعالى في هذه الآية: جاء موضحاً في آيات كثيرة كقوله
تعالى: ﴿وَكَتْنِ مِّن قَرْيَةٍ عَنَتْ عَنْ أَمْرِ رَتِهَا وَرُسُلِهِ، فَحَاسَبْنَهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْتَهَا عَذَابًا شَكْرًا (@)
فَذَاقَتْ وَبَالَ أَقْرِهَا وَكَانَ عَقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا ﴿ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ [الطلاق: ٨ - ١٠] وقوله
تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَيِّكَ إِذَا أَخَذَ اُلْقُرَى وَهِىَ ظَلِمَّةُ إِنَّ أَخْذَهُ: أَلِيمٌ شَدِيدُ (19)﴾ [هود:
١٠٢]. وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري، ظنه أن النبي وَّلـ
قال: ((إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته)) ثم قرأ واَية: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا
أَخَذَ اُلْقُرَى وَهِىَّ ظَلِمَّةُ إِنَّ أَخْذَهُ، أَلِمٌ شَدِيدُ (٣)﴾)) [هود] إلى غير ذلك من الآيات.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَهِىَ خَاوِيَةُ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ العروش السقوف
والخاوية الساقطة ومنه قول الخنساء:
كان أبو حسان عرشاً خوى
مما بناه الدهر دان ظليل
والمعنى أن السقوف سقطت ثم سقطت عليها حيطانها على أظهر التفسيرات،
والقصر المشيد المطلي بالشيد بكسر الشين، وهو الجص، وقيل المشيد الرفيع
الحصين، كقوله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِكِكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُمْ فِ بُرُوجِ تُشَيِّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨]
أي حصون رفيعة منيعة. والظاهر أن قوله ﴿وَيَثْرِ مُعَطَّلَةٍ﴾ معطوف على قرية: أي

٨٨٤ -
-
سورة الحج: الآية (٤٥)
وكأين من قرية أهلكناها، وكم من بئر عطلناها بإهلاك أهلها، وكم من قصر مشيد
أخليناه من ساكنيه، وأهلكناهم لما كفروا وكذبوا الرسل. وفي هذه الآية وأمثالها:
تهديد لكفار قريش الذين كذبوه ◌َ *، وتحذير لهم من أن ينزل بهم ما نزل بتلك القرى
من العذاب لما كذبت رسلها .
تنبيه: يظهر لطالب العلم في هذه الآية سؤال وهو أن قوله: ﴿فَهِىَ خَاوِيَةُ عَلَى
عُرُوشِهَا﴾ يدل على تهدم أبنية أهلها، وسقوطها وقوله: ﴿وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ﴾ يدل على
بقاء أبنيتها قائمة مشيدة.
قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له -: الظاهر لي في جواب هذا السؤال أن قصور
القرى التي أهلكها الله، وقت نزول هذه الآية، منها ما هو متهدم كما دل عليه قوله:
﴿فَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾، ومنها ما هو قائم باق على بنائه، كما دل عليه قوله تعالى:
﴿وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ﴾ وإنما استظهرنا هذا الجمع؛ لأن القرآن دل عليه، وخير ما يفسر به
القرآن القرآن، وذلك في قوله - جل وعلا - في سورة هود: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُهُ.
عَلَيْكَ مِنْهَا قَآَبِهٌ وَحَصِيدٌ ﴾﴾ [هود] فصرح في هذه الآية بأن منها قائماً، ومنها حصيداً.
وأظهر الأقوال وأجراها على ظاهر القرآن أن القائم هو الذي لم يتهدم. والحصيد
هو الذي تهدم وتفرقت أنقاضه، ونظيره من كلام العرب قوله :
والناس في قسم المنية بينهم
كالزرع منه قائم وحصيد
وفي معنى القائم والحصيد، أقوال أخر غير ما ذكرنا، ولكن ما ذكرنا هو
أظهرها. وذكر الزمخشري ما يفهم منه وجه آخر للجمع، وهو أن معنى قوله: خاوية:
خالية من أهلها من قوله: خوى المكان إذ خلا من أهله، وأن معنى: على عروشها أن
الأبنية باقية أي هي خالية من أهلها مع بقاء عروشها قائمة على حيطانها. وما ذكرناه
أولاً هو الصواب - إن شاء الله تعالى -.
وقد دلت هذه الآية الكريمة وأمثالها في القرآن أن لفظ القرية يطلق تارة على نفس
الأبنية، وتارة على أهلها الساكنين بها، فالإهلاك في قوله: ﴿أَهْلَكْنَهَا﴾، والظلم في
قوله: ﴿وَهِىَ ظَلِمَّةُ﴾: يراد به أهلها الساكنون بها وقوله: ﴿فَهِىَ خَاوِيَةُ عَلَى عُرُوشِهَا﴾
يراد به الأبنية كما قال في آية: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِىِ كُنَّا فَِهَا﴾ [يوسف: ٨٢] وقال في
أخرى ﴿حَّ إِذَا أَنْيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ أَسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا﴾ [الكهف: ٧٧]. وقد بينا في رسالتنا
المسماة منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز أن ما يسميه البلاغيون مجاز
النقص، ومجاز الزيادة، ليس بمجاز حتى عند جمهور القائلين بالمجاز من الأصوليين،
وأقمنا الدليل على ذلك.
وقرأ هذا الحرف ابن كثير: وكائن بألف بعد الكاف، وبعد الألف همزة مكسورة،
فنون ساكنة وقرأه الباقون: وكأين بهمزة مفتوحة بعد الكاف بعدها ياء مكسورة مشددة

٨٨٥
سورة الحج: الآية (٤٦) .
فنون ساكنة، ومعنى القراءتين واحد، فهما لغتان فصيحتان، وقراءتان سبعيتان
صحيحتان. وأبو عمرو يقف على الياء، والباقون يقفون على النون، وقرأ أبو عمرو:
أهلكتها بتاء المتكلم المضمومة بعد الكاف من غير ألف، والباقون بنون مفتوحة بعد
الكاف، وبعد النون ألف، والمراد بصيغة الجمع، على قراءة الجمهور التعظيم، كما هو
واضح، وقرأ ورش والسوسي وبير بإبدال الهمزة ياء والباقون بالهمزة الساكنة، وهناك
مسألة تتعلق بالآية يرجع من أحب الوقوف عليها في الأصل.
قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِىِ الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ ءَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِّ ﴾ .
بين الله - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن كفار مكة الذين كذبوا نبينا صلوات
الله وسلامه عليه، ينبغي لهم أن يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها، أو
آذان يسمعون بها؛ لأنهم إذا سافروا مروا بأماكن قوم صالح، وأماكن قوم لوط، وأماكن
قوم هود، فوجدوا بلادهم خالية وآثارهم منطمسة لم يبق منهم داع ولا مجيب، لتكذيبهم
رسلهم، وكفرهم بربهم، فيدركون بعقولهم: أن تكذيبهم نبيهم لا يؤمن أن يسبب لهم من
سخط الله مثل ما حل بأولئك الذين مروا بمساكنهم خالية، قد عم أهلها الهلاك، وتكون
لهم آذان يسمعون بها ما قص الله في كتابه على نبيه من أخبار تلك الأمم، وما أصابها
من الإهلاك المستأصل والتدمير، فيحذروا أن يحل بهم مثل ما حل بأولئك.
والآيات الدالة على هذا المعنى كثيرة كقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِىِ الْأَرْضِ فَيَنْظُرُواْ
كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [محمد: ١٠] ثم بين تهديده لكفار مكة بما
فعل بالأمم الماضية في قوله: ﴿وَلِلْكَفِرِنَ أَمْثَلُهَا﴾ [محمد: ١٠] وكقوله في قوم لوط:
وَيَلَيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٣)﴾ [الصافات] وكقوله فيهم: ﴿وَ إِنَّمَا
﴿وَإِنَّكُرْ لَمُونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَّ ◌َـ
◌َبِسَبِيلٍ تُقِيمٍ ﴾﴾ [الحجر]، وكقوله في قوم لوط وقوم شعيب: ﴿أَضْحَبُ الْأَتْكَةِ﴾ [الحجر:
٧٨]، ﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ﴾ [الحجر: ٧٩]؛ لأن معنى الآيتين: أن ديارهم على ظهر
الطريق الذي يمرون فيه المعبر عنه بالسبيل والإمام، والآيات بمثل هذا كثيرة، وقد
قدمنا منها جملاً كافية في سورة المائدة وغيرها .
والآية تدل على أن محل العقل: في القلب، ومحل السمع: في الأذن، فما
يزعمه الفلاسفة من أن محل العقل الدماغ باطل، كما أوضحناه في غير هذا الموضع،
وكذلك قول من زعم أن العقل لا مركز له أصلاً في الإنسان؛ لأنه زماني فقط لا مكاني
فهو في غاية السقوط والبطلان كما ترى.
قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَرُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِ فِ الصُّدُورِ﴾.
قد قدمنا الآيات الموضحة لمعنى هذه الآية في سورة بني إسرائيل، في الكلام
على قوله تعالى: ﴿وَمَن كَانَ فِى هَذِهِةٍ أَعْمَى فَهُوَ فِى الْآَخِرَةِ أَعْمَى﴾ [الإسراء: ٧٢]. مع
بعض الشواهد العربية، فأغنى ذلك عن إعادته هنا .

٨٨٦
____ سورة الحج: الآية (٤٧)
قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ اَللَّهُ وَعْدَهُ﴾. ذكر - جل وعلا - في هذه
الآية الكريمة أن الكفار يطلبون من النبي 18، تعجيل العذاب الذي يعدهم به طغياناً
وعناداً. والآيات الدالة على هذا المعنى كثيرة في القرآن كقوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ رَبَّنَا عَيِّل لَّنَا
قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ ﴾﴾ [ص] وقوله: ﴿يَسْتَعِْلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَفِرِينَ
﴾ [العنكبوت] وقوله: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمَّى لَّمَ هُمُ الْعَذَابُ﴾ [العنكبوت: ٥٣].
وقد أوضحنا الآيات الدالة على هذا المعنى في مواضع متعددة، من هذا الكتاب
المبارك في سورة الأنعام في الكلام على قوله: ﴿مَا عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِّ﴾
[الأنعام: ٥٧]؛ وفي يونس في الكلام على قوله: ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ ءَامَنتُم بِهِهِ﴾ [يونس: ٥١]
إلى غير ذلك من المواضع.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ الظاهر أن المراد
بالوعد هنا هو ما أوعدهم به من العذاب الذي يستعجلون نزوله.
والمعنى هو منجز ما وعدهم به من العذاب، إذا جاء الوقت المحدد لذلك كما
قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَجُلٌ مُسَمَّى لَّءَ هُمُ الْعَذَابُّ وَلَيَأْنِيَهُمْ بَغْتَّةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [العنبكوت: ٥٣]،
وقوله تعالى: ﴿أَلَا يَوْمَ يَأْنِهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِم ◌َا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ﴾
[هود: ٨]، وقوله تعالى ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ ءَامَنُ بِّهَ ءَالْقَنَ وَقَدْ كُم بِهِ، تَسْتَعْجِلُونَ
٥١
[يونس). وبه تعلم أن الوعد يطلق في القرآن على الوعد بالشر.
ومن الآيات الموضحة لذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَأُنِّئُكُمْ بِشَرِّ مِّنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا
اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ فإنه قال في هذه الآية في النار: وعدها الله بصيغة
الثلاثي الذي مصدره الوعد، ولم يقل أوعدها وما ذكر في هذه الآية، من أن ما وعد به
الكفار من العذاب واقع لا محالة، وأنه لا يخلف وعده بذلك، جاء مبيناً في غير هذا
الموضع كقوله تعالى في سورة قّ: ﴿قَالَ لَا تَخْنَصِمُواْ لَدَىَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ ﴿ مَا يُبَدَُّ
اُلْقَوَّلُ لَذَىَّ﴾ [ق: ٢٨، ٢٩]. والصحيح أن المراد بقوله: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوَّلُ لَدَىَّ﴾ أن ما أوعد
الكفار به من العذاب، لا يبدل لديه، بل هو واقع لا محالة، وقوله تعالى ﴿كُلُّ كَذَّبَ
الرُّسُلَ لَقَّ وَعِدٍ﴾ [ق: ١٤] أي وجب وثبت فلا يمكن عدم وقوعه بحال. وقوله تعالى:
﴿إِن كُلُّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابٍ ﴾﴾ [ص]، كما أوضحناه في كتابنا (دفع إيهام
الاضطراب، عن آيات الكتاب) في سورة الأنعام، في الكلام على قوله تعالى: ﴿قَالَ
النَّارُ مَثْوَنَكُمْ خَلِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَآءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٢٨]. وأوضحنا أنما أوعد به الكفار
لا يخلف بحال، كما دلت عليه الآيات المذكورة. أما ما أوعد به عصاة المسلمين،
فهو الذي يجوز ألا ينفذه وأن يعفو كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ
﴾ [النساء: ٤٨].
مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾
وبالتحقيق الذي ذكرنا: تعلم أن الوعد يطلق في الخير والشر كما بينا، وإنما شاع

٨٨٧
سورة الحج: الآية (٤٧)
على ألسنة كثير من أهل التفسير، من أن الوعد لا يستعمل إلا في الوعد بخير وأنه هو
الذي لا يخلفه الله، وأما إن كان المتوعد به شراً، فإنه وعيد وإيعاد. قالوا: إن العرب
تعد الرجوع عن الوعد لؤماً، وعن الإيعاد كرماً، وذكروا عن الأصمعي أنه قال: كنت
عند أبي عمرو بن العلاء، فجاءه عمرو بن عبيد فقال: يا أبا عمرو، هل يخلف الله
الميعاد؟ فقال: لا، فذكر آية وعيد، فقال له: أمن العجم أنت؟ إن العرب تعد الرجوع
عن الوعد لؤماً وعن الإيعاد كرماً، أما سمعت قول الشاعر:
ولا أنثني عن سطوة المتهدد
ولا يرهب ابن العم والجار سطوتي
لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
فإنّي وإن أوعدته أو وعدته
فيه نظر من وجهين :
الأول: هو ما بيناه آنفاً من إطلاق الوعد في القرآن على التوعد بالنار، والعذاب
كقوله تعالى: ﴿النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعِْلُونَكَ بِالْعَذَابٍ وَلَن.
يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾؛ لأن ظاهر الآية الذي لا يجوز العدول عنه، ولن يخلف الله وعده في
حلول العذاب الذي يستعجلونك به بهم؛ لأنه مقترن بقوله: ﴿وَيَسْتَعِْلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ فتعلقه
به هو الظاهر.
الثاني: هو ما بينا أن ما أوعد الله به الكفار لا يصح أن يخلفه بحال؛ لأن ادعاء
جواز إخلافه؛ لأنه إيعاد وأن العرب تعد الرجوع عن الإيعاد كرماً يبطله أمران:
الأول: أنه يلزمه جواز ألا يدخل النار كافر أصلاً؛ لأن إبعادهم بإدخالهم النار
مما زعموا أن الرجوع عنه كرم، وهذا لا شك في بطلانه.
الثاني: ما ذكرنا من الآيات الدالة على أن الله لا يخلف ما أوعد به الكفار من
العذاب كقوله: ﴿قَالَ لَا تَخْنَصِمُواْ لَدَىَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ ﴿ مَا يُبَدَّلُ الْقَوَّلُ لَدَىَّ﴾ [ق: ٢٨،
٢٩] وقوله تعالى فيهم: ﴿فَقَّ وَعِدٍ﴾ [ق: ١٤] وقوله فيهم: ﴿فَحَقَّ عِقَابٍ﴾ [ص: ١٤] ومعنى
حق: وجب وثبت، فلا وجه لانتفائه بحال، كما أوضحناه هنا وفي غير هذا الموضع.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَا تَعُدُّونَ﴾، بين - جل وعلا -
في هذه الآية الكريمة أن اليوم عنده - جل وعلا - كألف سنة مما يعده خلقه، وما ذكره
هنا من كون اليوم عنده كألف سنة، أشار إليه في سورة السجدة بقوله: ﴿يُدَبِرُ الْأَمْرَ مِنَ
السَّمَآءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ فِ يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ ﴾﴾ [السجدة].
وذكر في سورة المعارج أن مقدار اليوم خمسون ألف سنة وذلك في قوله ﴿تَعْرُجُ
الْمَلَبِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَّهِ فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةِ ﴾﴾ [المعارج]، فآية الحج، وآية
السجدة متوافقتان تصدق كل واحدة منهما الأخرى، وتماثلها في المعنى، وآية المعارج
تخالف ظاهرهما لزيادتها عليهما بخمسين ضعفاً. وقد ذكرنا وجه الجمع بين هذه
الآيات في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) وسنذكره - إن شاء الله - هنا
ملخصاً مختصراً، ونزيد عليه بعض ما تدعو الحاجة إليه.

٨٨٨
سورة الحج: الآية (٤٧)
فقد ذكرنا ما ملخصه أن أبا عبيدة روى عن إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن
ابن أبي مليكة أنه حضر كلًّا من ابن عباس، وسعيد بن المسيب، سئل عن هذه الآيات
فلم يدر ما يقوله فيها، ويقول: لا أدري، ثم ذكرنا أن للجمع بينهما وجهين:
الأول: هو ما أخرجه ابن أبي حاتم من طريق سماك، عن عكرمة عن ابن عباس
من أن يوم الألف في سورة الحج: هو أحد الأيام الستة التي خلق الله فيها السموات
والأرض ويوم الألف في سورة السجدة، هو مقدار سير الأمر وعروجه إليه تعالى ويوم
الخمسين ألفاً، هو يوم القيامة.
الوجه الثاني: أن المراد بجميعها يوم القيامة، وأن اختلاف زمن اليوم إنما هو
باعتبار حال المؤمن، وحال الكافر؛ لأن يوم القيامة أخف على المؤمن منه على الكافر
كما قال تعالى: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَيِذٍ يَوْمُّ عَسِيرُ جَ عَلَى الْكَفِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ ﴾﴾ [المدثر]، اهـ ذكر
هذين الوجهين صاحب الإتقان ..
وذكرنا أيضاً في كتابنا: (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) في سورة
الفرقان، في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَصْحَبُ الْجَنَّةِ يَوْمَيِذٍ خَيْرٌ مُسْتَفَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا
[الفرقان] ما ملخصه أن آية الفرقان هذه تدل على انقضاء الحساب في نصف
نهار؛ لأن المقيل القيلولة أو مكانها وهي الاستراحة نصف النهار في الحر، وممن قال
بانقضاء الحساب في نصف نهار: ابن عباس، وابن مسعود، وعكرمة، وابن جبير لدلالة
هذه الآية، على ذلك، كما نقله عنهم ابن كثير وغيره.
وفي تفسير الجلالين ما نصه: وأخذ من ذلك انقضاء الحساب في نصف نهار،
كما ورد في حديث انتهى منه، مع أنه تعالى ذكر أن مقدار يوم القيامة خمسون ألف سنة
في قوله تعالى: ﴿فِ يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] وهو يوم القيامة بلا
خلاف في ذلك. والظاهر في الجواب أن يوم القيامة يطول على الكفار ويقصر على
المؤمنين، ويشير لهذا قوله تعالى بعد هذا بقليل: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَيِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنَّ وَكَانَ يَوْمًا
عَلَى الْكَفِرِينَ عَسِيرًا (٣)﴾ [الفرقان] فتخصيصه عسر ذلك اليوم بالكافرين: يدل على أن
المؤمنين ليسوا كذلك وقوله تعالى: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَيِذٍ يَوْمَّ عَسِيرُ جَ عَى الْكَفِرِينَ غَيْرُ يَبِيرٍ
[المدثر] يدل بمفهوم مخالفته على أنه يسير على المؤمنين غير عسير كما دل عليه قوله
تعالى: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى النَّاعِ يَقُولُ الْكَفِرُونَ هَذَا يَوْمُ عَبِيرٌ ﴾﴾ [القمر].
وقال ابن جرير: حدثني يونس، أنبأنا ابن وهب، أنبأنا عمرو بن الحارث: أن
سعيد الصواف حدثه أنه بلغه أن يوم القيامة يقصر على المؤمنين، حتى يكون كما بين
العصر إلى غروب الشمس، وأنهم يتقلبون في رياض الجنة، حتى يفرغ من الناس وذلك
قوله: ﴿أَصْحَبُ الْجَنَّةِ يَوْمَيِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرَّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا ﴾﴾ [الفرقان] ونقله عنه ابن كثير
في تفسيره، وأما على قول من فسر المقيل في الآية بأنه المأوى والمنزل كقتادة كَّفهُ،

٨٨٩
سورة الحج: الآية (٤٧)
فِلا دلالة في الآية لشيء مما ذكرنا. ومعلوم أن من كان في سرور ونعمة، أنه يقصر
عليه الزمن الطويل قصراً شديداً، بخلاف من كان في العذاب المهين والبلايا
والكروب، فإن الزمن القصير يطول عليه جداً، وهذا أمر معروف، وهو كثير في كلام
العرب. وقد ذكرنا في كتابنا المذكور بعض الشواهد الدالة عليه، كقول أبي سفيان بن
الحارث نصي به
يرئي رسول الله وَلخير :
وليل أخي المصيبة فيه طول
· أرقت فبنات ليلي لا يزول
وقول الآخر:
وطوالهن مع السرور قصار
فقصارمن مع الهموم طويلة
وقول الآخر:
في الطول والطول طوبى لي لو اعتدلا
ليلى وليلي نفى نومي اختلافهما
بالطول ليلى وإن جادت به بخلا
يجود بالطول ليلي كلما بخلت
ونحو هذا کثیر جدًّا في كلام العرب، ومن أظرف ما قيل فيه ما روي عن يزيد بن
معاوية أنه قال:
نامت وقد أسهرت عيني عيناها
لا أسأل الله تغييراً لما فعلت
والليل أقصر شيء حين ألقاها
فالليل أطول شيء حين أفقدها
وقد ورد بعض الأحاديث بما يدل على ظاهر آية الحج، وآية السجدة.
وسنذكر هنا طرفاً منه بواسطة نقل ابن كثير في تفسير هذه الآية من سورة الحج.
قال ابن كثير: قال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثني عبدة بن سليمان،
عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أن رسول الله مه﴿ قال: ((يدخل
فقراء المسلمين الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم، خمسمائة عام)) ورواه الترمذي والنسائي
من حديث الثوري عن محمد بن عمرو به، وقال الترمذي: حسن صحيح.
وقد رواه ابن جرير عن أبي هريرة موقوفاً فقال: حدثني يعقوب، ثنا ابن علية، ثنا
سعيد الجريري عن أبي نضرة، عن سمير بن نهار قال: قال أبو هريرة: يدخل فقراء
المسلمين الجنة قبل الأغنياء، بمقدار نصف يوم، قلت: وما مقدار نصف يوم؟ قال:
أَوَما تقرأ القرآن؟ قلت: بلى قال ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَلْفٍ سَنَةٍ مِّمَا تَعُدُّونَ﴾. وقال
أبو داوود في آخر كتاب الملاحم من سننه: حدثنا عمرو بن عثمان، حدثنا أبو المغيرة،
حدثني صفوان عن شريح بن عبيد، عن سعيد بن أبي وقاص، عن النبي وَلو أنه قال:
((إني لأرجو ألا تعجز أمتي عند ربها أن يؤخرهم نصف يوم)) قيل لسعد: وكم نصف
يوم؟ قال: خمسمائة سنة.
حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن
وقال ابن أبي حاتم :
إسرائيل، عن سماك عن عكرمة، عن ابن عباس ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفٍ سَنَةٍ مِّمَا

٨٩٠
سورة الحج: الآية (٤٨)
تَعُدُّونَ﴾ قال: من الأيام التي خلق الله فيها السموات والأرض. ورواه ابن جرير عن
ابن بشار، عن ابن المهدي وبه قال مجاهد، وعكرمة، ونص عليه أحمد بن حنبل في
كتاب الرد على الجهمية. وقال مجاهد: هذه الآية كقوله: ﴿يُدَبِرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى
اُلْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِ يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ ﴾ [السجدة]، اهـ محل
الغرض من ابن كثير، وظواهر الأحاديث التي ساق يمكن الجمع بينها وبين ما ذكرنا من
أن أصل اليوم كألف سنة، ولكنه بالنسبة إلى المؤمنين يقصر ويخف، حتى يكون كنصف
نهار، والله تعالى أعلم، وقرأ هذا الحرف ابن كثير، وحمزة، والكسائي: ﴿كَأَلْفِ سَنَةٍ
مِمَّا يَعُدُّونَ﴾ بياء الغيبة، وقرأه الباقون ﴿تَعُدُّونَ﴾ بتاء الخطاب ومعنى القراءتين
واضح، والعلم عند الله تعالى.
٤٨
قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِنِ مِّنِ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَا وَهِىَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَىَّ اُلْمَصِيرُ
تقدمت قريباً الآيات الموضحة لمعنى هذه الآية في الكلام على قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ
قَبْلَهُمْ قَوَّمُ نُوحٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ﴾.
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَاْ لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾. أمر الله - جل وعلا - نبيه وَل
في هذه الآية أن يقول للناس ﴿إِنَّمَا أَنَاْ لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾؛ أي إني لست بربكم، ولا بيدي
هدايتكم ولا على عقابكم يوم القيامة، ولكني مخوف لكم من عذاب الله وسخطه.
والآيات بهذا المعنى كثيرة جداً كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾
[الرعد: ٤٠] وقوله: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ﴾ [الرعد: ٧] وقوله: ﴿إِنْ أَنَاْ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ
[الشعراء] وقوله: ﴿فَمَآ أَرْسَلْنَكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًاْ إِنْ عَلَيَّكَ إِلَّا الْبَغُ﴾ [الشورى: ٤٨] وقوله:
﴿إِلَّا نَذِيِرٌ لَّكُمْ بَيْنَ يَدَىْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٤٦] وقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِىِ نَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ،
لِيَكُونَ لِلْعَلَمِينَ نَذِيرًا ﴾ [الفرقان] والآيات في هذا المعنى كثيرة جداً، وقوله في هذه
الآية الكريمة مبيّن الظاهر أنه الوصف من أبان الرباعية اللازمة التي بمعنى بان،
والعرب تقول: أبان فهو بين بمعنى بان، فهو بين من اللازم الذي ليس بمتعد إلى
المفعول، ومنه قول كعب بن زهير:
قنواء في خرتيها للبصير بها
عتق مبين وفي الخدين تسهيل
فقوله عتق مبين؛ أي كرم ظاهر ومن أبان اللازمة قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي:
لو دب ذر فوق ضاحي جلدها
لأبان من آثارهن حدور
يعني لظهر وبان من آثارهن ورم ومنه قول جرير:
إذا آباؤنا وأبوك عدوا
أبان المقرفات من العراب
أي ظهر وبان المقرفات من العراب، ويحتمل أن يكون قوله في هذه الآية: مبين:
اسم فاعل أبان المتعدية، والمفعول محذوف للتعميم؛ أي مبين لكم في إنذاري كل ما
ينفعكم، وما يضركم لتجتلبوا النفع، وتجتنبوا الضر، والأول أظهر، والله تعالى أعلم ...

٨٩١
سورة الحج: الآيتان (٥٠ - ٥١)
قوله تعالى: ﴿فَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقُ كَرِيمٌ ﴾ وَالَّذِينَ سَعَوْاْ
٥١
فِيّ ءَِنَا مُعَجِزِينَ أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ الْجَحِيمِ
بين - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن الذين آمنوا به وبرسله، وكل ما يجب
الإيمان به، وعملوا الفعلات الصالحات من امتثال الأوامر، واجتناب النواهي لهم من
الله مغفرة لذنوبهم، ورزق كريم؛ أي حسن، وهو ما يرزقهم من أنواع النعيم في جناته،
وأن الذين عملوا بخلاف ذلك فهم أصحاب الجحيم: أي النار الشديد حرها، وفي هذه
الآية وعد لمن أطاعه ووعيد لمن عصاه. والآيات بمثل ذلك في القرآن كثيرة كقوله
تعالى: ﴿نَبِّ عِبَادِىّ أَنِّ أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴿ وَأَنَّ عَذَابِ هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ
٥٠
[الحجر] وقوله ﴿غَافِرِ الذَّتْبِ وَقَائِلِ التَّبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِى الطَّوْلِ﴾ ... الآية [غافر: ٣] إلى
غير ذلك من الآيات، وقد أوضحناها في غير هذا الموضع.
وقوله في هذه الآية الكريمة ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْ فِىِّ ءَايَتِنَا مُعَجِزِينَ﴾ قال مجاهد:
معاجزين يثبطون الناس عن متابعة النبي ﴿ وكذا قال عبد الله بن الزبير: مثبطين. وقال
ابن عباس: معاجزين أي مغالبين ومشاقين، وعن الفراء معاجزين: معاندين. وعن
الأخفش معاجزين: معاندين مسابقين، وعن الزجاج معاجزين: أي ظانين أنهم
يعجزوننا؛ لأنهم ظنوا ألا بعث، وأن الله لا يقدر عليهم.
واعلم أن في هذا الحرف قراءتين سبعيتين قرأه الجمهور معاجزين بألف بين العين
والجيم بصيغة المفاعلة اسم فاعل عاجزه، وقرأه ابن كثير وأبو عمرو معجزين بلا ألف
مع تشديد الجيم المكسورة على صيغة اسم الفاعل من عجزه. قال مقيده - عفا الله عنه
وغفر له -: الظاهر بحسب الوضع العربي في قراءة الجمهور معاجزين: هو اقتضاء
طرفين؛ لأن الظاهر لا يعدل عنه إلا لدليل يجب الرجوع إليه، والمفاعلة تقتضي
الطرفين إلا لدليل يصرف عن ذلك، واقتضاء المفاعلة الطرفين في الآية من طريقين:
الأولى: هي ما قاله ابن عرفة من أن معنى معاجزين في الآية أنهم يعاجزون
الأنبياء وأتباعهم، فيحاول كل واحد منهما إعجاز الآخر، فالأنبياء وأتباعهم يحاولون
إعجاز الكفار وإخضاعهم لقبول ما جاء عن الله تعالى، والكفار يقاتلون الأنبياء
وأتباعهم، ويمانعونهم ليصيروهم إلى العجز عن أمر الله، وهذا الوجه ظاهر كما قال
تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَدِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ أُسْتَطَعُواْ﴾ [البقرة: ٢١٧] وعليه
فمفعول معاجزين محذوف؛ أي معاجزين الأنبياء وأتباعهم، أي مغالبين لهم، ليعجزوهم
عن إقامة الحق.
الطريقة الثانية: هي التي ذكرناها آنفاً عن الزجاج أن معنى معاجزين ظانين أنهم
يعجزون ربهم، فلا يقدر عليهم لزعمهم أنه لا يقدر على بعثهم بعد الموت كما قال
تعالى: ﴿َزَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنْ أَنْ يُبْعَثُواْ﴾ [التغابن: ٧] وكما قال تعالى ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِىَ

٨٩٢
سورة الحج: الآيتان (٥٠ - ٥١)
(٧٨)﴾ [يس] وقال تعالى عنهم إنهم قالوا: ﴿وَمَا نَحْنُ
خَلْقَةٌ قَالَ مَن يُخِ الْعِظَمَ وَهِىَ رَمِيمٌ
بِعَبْعُوثِينَ﴾ [الأنعام: ٢٩]، ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ﴾ [الدخان: ٣٥] وعلى هذا القول فالكفار
معاجزين الله في زعمهم الباطل وقد بين تعالى في آيات كثيرة أن زعمهم هذا كاذب،
وأنهم لا يعجزون ربهم بحال كقوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُوْ أَنَّكُمُ غَيْرُ مُعْجِى اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْرِى
اُلْكَفِرِينَ﴾ [التوبة: ٢] وقوله ﴿فَأَعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى اَللَّهِ وَبَشْرِ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ
أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣] وقوله: ﴿وَمَآ أَنْتُم بِمُعْجِينَ فِ الْأَرْضِ وَلَا فِ السَّمَاءِ﴾ ... الآية
[العنبكوت: ٢٢] وقوله تعالى في الجن: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ أَّنْ تُعْجِزَ اَللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ تُتْجِزَهُ
هَرَبًا ﴾ [الجز] إلى غير ذلك من الآيات. وقد قدمنا أن مما يوضح هذا الوجه الأخير
رضى عنه :
قول كعب بن مالك
زعمت سخينة أن ستغلب ربها وليغلبن مغالب الغلاب
ومراده بسخينة قريش: يعني أنهم يحاولون غلبة ربهم، والله غالبهم بلا شك والوجه
الأول أظهر. وأما على قراءة ابن كثير، وأبي عمرو: معجزين بكسر الجيم المشددة، بلا
ألف، فالأظهر أن المعنى معجزين؛ أي مثبطين من أراد الدخول في الإيمان عن الدخول
فيه، وقيل معجزين من اتبع النبي وَل﴿، ومعنى ذلك أنهم ينسبونهم إلى العجز من قولهم:
عجزه بالتضعيف إذا نسبه إلى العجز الذي هو ضد الحزم، يعنون أنهم يحسبون المسلمين
سفهاء لا عقول لهم، حيث ارتكبوا أمراً غير الحزم والصواب، وهو اتباع دين الإسلام
في زعمهم كما قال تعالى عن إخوانهم المنافقين ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُواْ كَمَآ ءَامَنَ النَّاسُ قَالُواْ
أَنُؤْمِنُ كَمَآ ءَامَنَ الشُّفَهَةُ أَلَاَ إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَآءُ﴾ ... الآية [البقرة: ١٣].
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿ وَالَّذِينَ سَعَوْ فِيّ ◌َايَئِنَا﴾. اعلم أولاً أن السعي يطلق.
على العمل في الأمر لإفساده وإصلاحه، ومن استعماله في الإفساد قوله تعالى هنا
﴿َسَعَوْ فِيّ ءَايَيِّنَا﴾ أي سعوا في إبطالها وتكذيبها بقولهم: إنها سحر وشعر وكهانة
وأساطير الأولين، ونحو ذلك. ومن إطلاق السعي في الفساد أيضاً قوله تعالى: ﴿وَإِذَا
تَوَلَّى سَعَى فِىِ الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا﴾ ... الآية [البقرة: ٢٠٥] ومن إطلاق السعي في العمل
[الإنسان] وقوله:
للإصلاح قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَرَّاءَ وَكَانَ سَعْيُكُم ◌َشْكُورًا (9َ)﴾
﴿وَمَّا مَنْ جَكَ يَسْعَىٌّ ﴿ وَهُوَ يَخْشَى (ج) ... الآية [عبس] إلى غير ذلك من الآيات. ومن
إطلاق السعي على الخير والشر معاً قوله تعالى: ﴿إِنَّ سَعْلٌ لَشَقَّ ﴾﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا
يُغْنِىِ عَنّهُ مَالُهُمْ إِذَا تَرَّكَ (١)﴾ [الليل].
وهذه الآية التي ذكرها هنا في سورة الحج التي هي قوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ ءَامَنُواْ
وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴿ وَلَّذِيْنَ سَعَوْ فِيّ ◌َيَكِنَا مُعَجِينَ أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ
اْجَحِيمِ ﴾﴾ جاء معناها واضحاً في سورة سبأ في قوله تعالى: ﴿لِيَجْرِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِّ أُوْلَبِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌّ كَرِيمٌ ﴾ وَالَّذِينَ سَعَوْ فِى ءَايَتِنَا مُعَجِزِينَ أُوْلَئِكَ

٨٩٣
سورة الحج: الآية (٥٢) -
-
لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ ﴾﴾ [سبا] فالعذاب من الرجز الأليم المذكور في سبأ هو
عذاب الجحيم المذكور في الحج.
قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍ إِلَّ إِذَا تَمَنَّ أَلْفَى الشَّيْطَانُ فِىّ
أُقْنِيَّتِهِ. فَيَنْسَخُ اَللَّهُ مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ مَايَتِهِ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
معنى قوله تمنى في هذه الآية الكريمة فيه للعلماء وجهان من التفسير معروفان:
الأول: أن تمنى بمعنى قرأ وتلا ومنه قول حسان في عثمان بن عفان هاته :
وآخرها لاقى حمام المقادر
تمنى كتاب الله أول ليله
وقول الآخر:
تمنى داود الزبور على رسل
تمنى كتاب الله آخر ليله
فمعنى تمنى في البيتين قرأ وتلا.
وفي صحيح البخاري، عن ابن عباس أنه قال: إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته: إذا
حدث ألقى الشيطان في حديثه، وكون تمنى بمعنى: قرأ وتلا. هو قول أكثر المفسرين.
القول الثاني: أن تمنى في الآية من التمني المعروف وهو تمنيه إسلام أمته
وطاعتهم لله ولرسله، ومفعول ألقى محذوف فعلى أن تمنى بمعنى: أحب إيمان أمته،
وعلق أمله بذلك، فمفعول ألقى يظهر أنه من جنس الوساوس، والصد عن دين الله حتى
لا يتم للنبي أو الرسول ما تمنى. ومعنى كون الإلقاء في أمنيته على هذا الوجه: أن
الشيطان يلقي وساوسه وشبهه ليصدّ بها عما تمناه الرسول أو النبي، فصار الإلقاء كأنه
واقع فيها بالصد عن تمامها والحيلولة دون ذلك. وعلى أن تمنى بمعنى: قرأ. ففي
مفعول ألقى تقديران:
أحدهما: من جنس الأول: أي ألقى الشيطان في قراءة الرسول # أو النبي الشبه
والوساوس ليصد الناس عن اتباع ما يقرؤه، ويتلوه الرسول أو النبي، وعلى هذا التقدير
فلا إشكال.
وأما التقدير الثاني: فهو ألقى الشيطان في أمنيته أي قراءته ما ليس منها ليظن
الكفار أنه منها. وقوله ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِى الشَّيْطَنُ﴾ يستأنس به لهذا التقدير.
وقد ذكر كثير من المفسرين في تفسير هذه الآية قصة الغرانيق قالوا: سبب نزول
هذه الآية الكريمة أن النبي وَّ قرأ سورة النجم بمكة، فلما بلغ: ﴿أَفَهَيُّ الَّتَ وَالْعُزَّى
﴿ وَمَنَوَةَ الثَِّثَةَ الْأُخْرَى ﴾﴾
[النجم] ألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلى وإن
شفاعتهن لترتجى، فلما بلغ آخر السورة سجد وسجد معه المشركون والمسلمون. وقال
المشركون: ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم، وشاع في الناس أن أهل مكة أسلموا بسبب
سجودهم مع النبي ◌َّ، حتى رجع المهاجرون من الحبشة ظناً منهم أن قومهم أسلموا،
فوجدوهم على كفرهم.

٨٩٤.
سورة الحج: الآية (٥٢)
وقد قدمنا في هذا الكتاب المبارك أن من أنوع البيان التي تضمنها أن يقول بعض
العلماء في الآية قولاً، ويكون في الآية قرينة تدل على بطلان ذلك القول، ومثلنا لذلك بأمثلة
متعددة، وهذا القول الذي زعمه كثير من المفسرين: وهو أن الشيطان ألقى على لسان
النبي *، هذا الشرك الأكبر والكفر البواح الذي هو قولهم: تلك الغرانيق العلا وإن
شفاعتهن لترتجى، يعنون: اللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى، الذي لا شك في بطلانه
في نفس سياق آيات النجم التي تخللها إلقاء الشيطان المزعوم قرينة قرآنية واضحة على بطلان
هذا القول؛ لأن النبي ◌ّلو قرأ بعد موضع الإلقاء المزعوم بقليل قوله تعالى، في اللات
والعزى، ومناة الثالثة الأخرى: ﴿إِنْ هِىَ إِلَّ أَسْمٌَ سَيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَءَبَا ؤُكُمْ مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن
سُلْطَانٍ﴾ [النجم: ٢٣] وليس من المعقول أن النبي وَالقر يسب آلهتهم هذا السب العظيم في سورة
النجم متأخراً عن ذكره لها بخير المزعوم، إلا وغضبوا، ولم يسجدوا لأن العبرة بالكلام
الأخير، مع أنه قد دلت آيات قرآنية على بطلان هذا القول، وهي الآيات الدالة على أن الله
لم يجعل للشيطان سلطاناً على النبي وَله، وإخوانه من الرسل، وأتباعهم المخلصين كقوله
تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانُ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴿ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ
﴾ [النحل] وقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ إِلَّا
يَتَوَّلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ (
مَنِ أَّعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ ﴾﴾ [الأعراف] وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن
يُؤْمِنُ بِالْأَخِرَةِ﴾ [سبأ: ٢١] وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ﴾ [إبراهيم: ٢٢] وعلى القول
المزعوم أن الشيطان ألقى على لسانه و # ذلك الكفر البواح، فأي سلطان له أكبر من ذلك.
ومن الآيات الدالة على بطلان ذلك القول المزعوم قوله تعالى في النبي قلي:
﴿وَمَا يَطِقُ عَنِ الْمَوَّ (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُؤْجَى ﴾﴾ [النجم] وقوله: ﴿هَلْ أُنُبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ
الشَّيَاطِينُ
٤َ تَُّ عَلَى كُلِّ أَفٍَّ أَنِ ﴾﴾ [الشعراء] قوله في القرآن العظيم: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَلْنَا
الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَفِظُونَ (٣)﴾ [الحجر] وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَكِنَبُّ عَزِيزٌلَّا يَأْنِهِ الْبَطِلُ مِنْ بَيْنِ
يَدَيِّهِ وَلَا مِنْ خَلْفِةِ، تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾﴾ [فصلت]، فهذه الآيات القرآنية تدل على
بطلان القول المزعوم.
مسألة: اعلم أن مسألة الغرانيق مع استحالتها شرعاً، ودلالة القرآن على بطلانها
لم تثبت من طريق صالح للاحتجاج، وصرح بعدم ثبوتها خلق كثير من علماء الحديث
كما هو الصواب، والمفسرون يروون هذه القصة عن ابن عباس من طريق الكلبي، عن
أبي صالح، عن ابن عباس. ومعلوم أن الكلبيّ متروك، وقد بين البزار تظُّ أنها لا
تعرف من طريق يجوز ذكره إلا طريق أبي بشر عن سعيد بن جبير، مع الشك الذي وقع
في وصله، وقد اعترف الحافظ ابن حجر مع انتصاره، لثبوت هذه القصة بأن طرقها
كلها إما منقطعة أو ضعيفة إلا طريق سعيد بن جبير.
وإذا علمت ذلك فاعلم أن طريق سعيد بن جبير، لم يروها بها أحد متصلة إلا
أمية بن خالد، وهو وإن كان ثقة فقد شك في وصلها .

٨٩٥
سورة الحج: الآية (٥٢).
فقد أخرج البزار وابن مردويه من طريق أمية بن خالد عن شعبة عن أبي بشر عن
سعيد بن جبير، عن ابن عباس فيما أحسب، ثم ساق حديث القصة المذكورة، وقال
البزار: لا يرى متصلاً إلا بهذا الإسناد، تفرد بوصله أمية بن خالد، وهو ثقة مشهور، وقال
البزار: وإنما يروى من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس. والكلبي متروك.
فتحصل أن قصة الغرانيق، لم ترد متصلة إلا من هذا الوجه الذي شك راويه في
الوصل، ومعلوم أن ما كان كذلك لا يحتج به لظهور ضعفه، ولذا قال الحافظ ابن كثير
في تفسيره: إنه لم يرها مسندة من وجه صحيح.
وقال الشوكاني في هذه القصة: ولم يصح شيء من هذا، ولا يثبت بوجه من
الوجوه، ومع عدم صحته، بل بطلانه فقد دفعه المحققون بكتاب الله كقوله: ﴿وَلَوْ نَقَوَّلَ
عَلَيْنَا بَعْضَ آلْأَقَاوِيلِ ﴾﴾ ... الآية [الحاقة] وقوله: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْمَوَىَ (٣)﴾ ... الآية
[النجم]. وقوله ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّنْتَكَ لَقَدْ كِتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِلًا (@)﴾ [الإسراء] فنفى
المقاربة للركون فضلاً عن الركون، ثم ذكر الشوكاني عن البزار أنها لا تروى بإسناد
متصل، وعن البيهقي أنه قال: هي غير ثابتة من جهة النقل، وذكر عن إمام الأئمة ابن
خزيمة أن هذه القصة من وضع الزنادقة وأبطلها ابن العربي المالكي، والفخر الرازي
وجماعات كثيرة، وقراءته و لي سورة النجم وسجود المشركين ثابت في الصحيح، ولم
يذكر فيه شيء من قصة الغرانيق. وعلى هذا القول الصحيح وهو أنها باطلة فلا إشكال.
وأما على ثبوت القصة كما هو رأي الحافظ ابن حجر فإنه قال في فتح الباري:
إن هذه القصة ثابتة بثلاثة أسانيد كلها على شرط الصحيح، وهي مراسيل يحتج بمثلها
منْ يحتج بالمرسل، وكذلك من لا يحتج به لاعتضاد بعضها ببعض؛ لأن الطرق إذا
كَثُرَتْ وتباينت مخارجها، دل ذلك على أن لها أصلاً، فللعلماء عن ذلك أجوبة كثيرة
أحسنها، وأقربها أن النبي ولو كان يرتل السورة ترتيلاً تتخلله سكتات، فلما قرأ ﴿وَمَنَوةَ
الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٥)﴾ [النجم] قال الشيطان لعنه الله محاكياً لصوته: تلك الغرانيق
العلى ... إلخ، فظن المشركون أن الصوت صوته وَلير، وهو بريء من ذلك براءة
الشمس من اللمس، وقد أوضحنا هذه المسألة في رحلتنا إيضاحاً وافياً، واختصرناها
هنا، وفي كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب).
والحاصل أن القرآن دل على بطلانها، ولم تثبت من جهة النقل، مع استحالة
الإلقاء على لسانه * لما ذكر شرعاً، ومن أثبتها نسب التلفظ بذلك الكفر للشيطان.
فتبين أن نطق النبي و # بذلك الكفر، ولو سهواً مستحيل شرعاً، وقد دل القرآن على
بطلانه، وهو باطل قطعاً على كل حال، والغرانيق: الطير البيض المعروفة واحدها:
غرنوق كزنبور وفردوس، وفيه لغات غير ذلك، يزعمون أن الأصنام ترتفع إلى الله
كالطير البيض، فتشفع عنده لعابديها قبحهم الله ما أكفرهم، ونحن وإن ذكرنا أن قوله:

٨٩٦
سورة الحج: الآية (٥٢)
﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ﴾ يستأنس به لقول من قال: إن مفعول الإلقاء المحذوف
تقديره: ألقى الشيطان في قراءته ما ليس منها؛ لأن النسخ هنا هو النسخ اللغوي،
ومعناه الإبطال والإزالة من قولهم: نسخت الشمس الظل، ونسخت الريح الأثر، وهذا
كأنه يدل على أن الله ينسخ شيئاً ألقاه الشيطان، ليس مما يقرؤه الرسول أو النبي،
فالذي يظهر لنا أنه الصواب، وأن القرآن يدل عليه دلالة واضحة، وإن لم ينتبه له من
تكلم على الآية من المفسرين: هو أن ما يلقيه الشيطان في قراءة النبي: الشكوك.
والوساوس المانعة من تصديقها وقبولها، كإلقائه عليهم أنها سحر أو شعر، أو أساطير
الأولين، وأنها مفتراة على الله ليست منزلة من عنده.
والدليل على هذا المعنى أن الله بين أن الحكمة في الإلقاء المذكور امتحان
الخلق؛ لأنه قال: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلِّفِى الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِ قُلُوبِهِمْ قَرَضُ﴾ ثم قال ﴿ وَلِيَعْلَمَ
الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ أَنَّهُ أَلْحَقُّ مِن رَّيِّكَ فَيُؤْمِنُواْ بِهِ، فَتُخْتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ فقوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ
الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ ... الآية، يدل على أن الشيطان يلقي عليهم أن الذي
يقرأه النبي ليس بحق فيصدقه الأشقياء، ويكون ذلك فتنة لهم، ويكذبه المؤمنون الذين
أوتوا العلم، ويعلمون أنه الحق لا الكذب كما يزعم لهم الشيطان في إلقائه، فهذا
الامتحان لا يناسب شيئاً زاده الشيطان من نفسه في القراءة، والعلم عند الله تعالى.
وعلى هذا القول، فمعنى نسخ ما يلقي الشيطان: إزالته وإبطاله، وعدم تأثيره في
المؤمنين الذين أوتوا العلم.
ومعنى يحكم آيته يتقنها بالإحكام، فيظهر أنها وحي منزل منه بحق، ولا يؤثر في
ذلك محاولة الشيطان صد الناس عنها بإلقائه المذكور، وما ذكره هنا من أنه يسلط
الشيطان فيلقي في قراءة الرسول والنبي، فتنة للناس ليظهر مؤمنهم من كافرهم.
بذلك الامتحان، جاء موضحاً في آيات كثيرة قدمناها مراراً كقوله: ﴿وَمَا جَعَلْتَآ
أَصْحَبَ النَّارِ إِلَّ مَكَةُ وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّ فِتْنَهُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيَسْتَيْفِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ
◌َمَنُواْ إِيَّْ وَلَ يَرْقَبَ الَّيْنَ أُوتُواْ الْكِتَبَ وَالْمُؤْيُونُّ وَيَقُولَ الَّذِينَ فِ قُلُوبِم ◌ٌََّ وَالْكَفِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا
مَثَلَّ كَذَلِكَ يُضِلُّ ◌َلَهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِى مَنْ يَاءٌ﴾ [المدثر: ٣١] وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِى
كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِقَن يَنْقَلِبُ عَلَ عَقِبَيْةٍ﴾ [البقرة: ١٤٣] وقوله: ﴿وَمَا
جَعَلْنَا الرّغْيَا الَّتِىّ أَرَيْنَكَ إِلَّا فِتْنَةٌ لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِ الْقُرْءَانِ﴾ [الإسراء: ٦٠]؛ أي لأنها
فتنة، كما قال: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ ثُزُلًّا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُومِ ﴿ إِنَّا جَعَلْنَهَا فِتْنَةٌ لِلْظَّالِمِينَ (٣٢) إِنَّهَا
شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِيَ أَصْلِ الْجَحِيمِ ﴾﴾ [الصافات]؛ لأنه لما نزلت هذه الآية قالوا: ظهر
كذب محمد ؛ لأن الشجر لا ينبت في الموضع اليابس، فكيف تنبت شجرة في أصل
الجحيم إلى غير ذلك من الآيات، كما تقدم إيضاحه مراراً، والعلم عند الله تعالى.
واللام في قوله: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِى الشَّيْطَنُ﴾ ... الآية الأظهر أنها متعلقة بألقى؛

٨٩٧
سورة الحج: الآية (٥٢) -
أي ألقى الشيطان في أمنية الرسل والأنبياء، ليجعل الله ذلك الإلقاء فتنة للذين في
قلوبهم مرض،، خلافاً للحوفي القائل: إنها متعلقة بِيُحكم، وابن عطية القائل: إنها
متعلقة بينسخ. ومعنى كونه: فتنة لهم أنه سبب لتماديهم في الضلال والكفر، وقد
أوضحنا معاني الفتنة في القرآن سابقاً، وبينا أن أصل الفتنة في اللغة وضع الذهب في
النار، ليظهر بسبكه فيها أخالص هو أم زائف، وأنها في القرآن تطلق على معان متعددة
منها: الوضع في النار، ومنه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُقْنَنُونَ ﴾﴾ [الذاريات] أي
يحرقون بها، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَنُواْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ﴾ ... الآية [البروج: ١٠] أي
أحرقوهم بنار الأخدود على أظهر التفسيرين، ومنها: الاختبار وهو أكثر استعمالاتها في
القرآن، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمَّوَلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَهُ﴾ [التغابن: ١٥] وقوله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ
بِأَلِشَرِّ وَالْخَيَّرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥] وقوله تعالى: ﴿وَأَلَِّ اسْتَقَمُواْ عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَهُم مَّةٍ غَدَقًا
◌ِنَفْتِنَهُمْ فِيْ﴾ [الجن: ١٦، ١٧] ومنها نتيجة الابتلاء إن كانت سيئة كالكفر والضلال
كقولهِ: ﴿وَقَائِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِئْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣] أي شرك بدليل قوله: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾
[البقرة: ١٩٣] وقوله في الأنفال: ﴿وَيَكُونَ الِدِينُ كُلُّمُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩] ومما يوضح
هذا المعنى قوله ◌َ له: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله)) الحديث،
فالغاية في الحديث مبينة للغاية في الآية؛ لأن خير ما يفسر به القرآن بعد القرآن السنة،
ومنه بهذا المعنى قوله هنا ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِى الشَّيْطَنُ فِتْنَةُ لِّلَّذِينَ فِ قُلُوبِهِمْ فَرَضٌ﴾ وقد
جاءت الفتنة في موضع بمعنى الحجة، وهو قوله تعالى في الأنعام ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَهُهُمْ
﴾ [الأنعام] أي حجتهم كما هو الظاهر.
إِلَّ أَنْ قَالُواْ وَلَّهِ دَيْنَ مَا كُنَّ مُشْرِكِينَ (َـ
واعلم أن مرض القلب في القرآن يطلق على نوعين:
أحدهما: مرضه بالنفاق والشك والكفر، ومنه قوله تعالى في المنافقين: ﴿في
قُلُوبِهِم تَشُ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضَا﴾ ... الآية [البقرة: ١٠] وقوله هنا: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِى
الشَّيْطَنُ فِتْنَةٌ لِلَّذِينَ فِ قُلُوبِهِمْ غَرَضٌ﴾ أي كفر وشك.
وثانيهما: إطلاق مرض القلب على ميله للفاحشة والزنى، ومنه بهذا المعنى قوله
تعالى: ﴿فَلَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِى فِ قَلْبِهِ، مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ٣٢]؛ أي ميل إلى الزنى
ونحوه، والعرب تسمي انطواء القلب على الأمور الخبيثة: مرضاً وذلك معروف في
لغتهم ومنه قول الأعشى:
ليس ممن قلبه فيه مرض
حافظ للفرج راض بالتقى
وقوله هنا: ﴿وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ قد بينا في سورة البقرة الآيات القرآنية الدالة على
سبب قسوة القلوب في الكلام على قوله ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّنْ بَعْدٍ ذَلِكَ فَهِىَ كَلِحِجَارَةِ أَوْ
أَشَدُّ قَسْوَةٌ﴾ [البقرة: ٧٤] وآية الحج هذه تبين أن ما اشتهر على ألسنة أهل العلم، من أن
النبي هو من أوحي إليه وحي، ولم يؤمر بتبليغه، وأن الرسول هو النبي الذي أوحي

٨٩٨ -
سورة الحج: الآية (٥٥)
إليه، وأُمر بتبليغ ما أوحي إليه غير صحيح؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن
رَّسُولٍ وَلَا نَبٍِّ﴾ ... الآية. يدل على أن كلّ منهما مرسل، وأنهما مع ذلك بينهما
تغاير، واستظهر بعضهم أن النبي الذي هو رسول أنزل إليه كتاب وشرع مستقل مع
المعجزة التي ثبتت بها نبوته، وأن النبي المرسل الذي هو غير الرسول، هو من لم ينزل
عليه كتاب وإنما أوحى إليه أن يدعو الناس إلى شريعة رسول قبله، كأنبياء بني إسرائيل
الذين كانوا يرسلون ويؤمرون بالعمل بما في التوراة، كما بينه تعالى بقوله ﴿يَحْكُمُ بِهَا
النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ﴾ الآية [المائدة: ٤٤] وقوله في هذه الآية: ﴿فَتُخْتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾
أي تخشع وتخضع وتطمئن.
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِى مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْنِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ
يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ ﴾﴾. ذكر الله - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن الكفار
لا يزالون في مرية، أي شك وريب منه؛ أي من هذا القرآن العظيم كما هو الظاهر،
واختاره ابن جرير وهو قول ابن جريج، كما نقله عنهم ابن كثير: وقال سعيد بن جبير،
وابن زيد: في ﴿مِرْيَةٍ مِّنْهُ﴾ أي في شك مما ألقى الشيطان، وذكر تعالى في هذه الآية:
أنهم لا يزالون كذلك، حتى تأتيهم الساعة؛ أي القيامة بغتة؛ أي فجأة ﴿أَوْ يَأْنِيَهُمْ
عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾، قد روى مجاهد عن أبي بن كعب أن اليوم العقيم المذكور يوم
بدر، وكذا قال مجاهد وعكرمة، وسعد بن جبير وغير واحد: واختاره ابن جرير كما
نقله عنهم ابن كثير في تفسيره ثم قال: وقال مجاهد وعكرمة في رواية عنهما: هو يوم
القيامة لا ليل له، وكذا قال الضحاك والحسن البصري، ثم قال: وهذا القول هو
الصحيح، وإن كان يوم بدر من جملة ما أوعدوا به اهــ محل الغرض من ابن كثير.
وقد ذكرنا مراراً أنا بينا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان التي
تضمنها أن يقول بعض العلماء في الآية قولاً، ويكون في الآية قرينة تدل على عدم
صحة ذلك القول. وذكرنا لذلك أمثلة كثيرة. وبه تعلم أن القرينة القرآنية هنا دلت على
أن المراد باليوم العقيم: يوم القيامة، لا يوم بدر؛ وذلك أنه تعالى أتبع ذكر اليوم
العقيم، بقوله ﴿الْمُلْكُ يَوْمَيِذٍ لِلّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ ... الآية. وذلك يوم القيامة وقوله:
يومئذٍ: أي يوم إذ تأتيهم الساعة، أو يأتيهم عذاب عقيم، وكل ذلك يوم القيامة، فظهر
أن اليوم العقيم: يوم القيامة، وإن كان يوم بدر عقيماً على الكفار؛ لأنهم لا خير لهم
فيه، وقد أصابهم ما أصابهم.
قوله تعالى: ﴿اٌلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾. ذكر - جل وعلا - في هذه
الآية الكريمة أن الملك يوم القيامة له، وإن كان الملك في الدنيا له أيضاً؛ لأن في
الدنيا ملوكاً من المخلوقين، ويوم القيامة لا يكون فيه اسم الملك إلا الله - جل وعلا -
وحده، وما ذكره في هذه الآية الكريمة من أن الملك يوم القيامة له، ومعلوم أن الملك
هو الذي له الحكم بين الخلق. بيَّنه في غير هذا الموضع كقوله: ﴿مِلِكِ يَوْمِ الدِّينِ

٨٩٩
سورة الحج: الآيات (٥٧ - ٦٢) .
[الفاتحة] وقوله: ﴿اَلْمُلْكُ يَوْمَيِذٍ اُلْحَقُّ لِلرَّحْمَنَّ﴾ ... الآية [الفرقان: ٢٦] وقوله: ﴿لِّمَنِ
اَلْمُلْكُ الْيَوْمَّ لِلَّهِ الْوَحِدِ الْقَهَّارِ﴾ و[غافر: ١٦] قوله تعالى ﴿وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِىِ الصُّورِّ﴾
[الأنعام: ٧٣] إلى غير ذلك من الآيات.
قوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَِلُواْ الصَِّحَتِ فِى جَنَّتِ النَّعِيمِ﴾ ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ
(8)﴾، إدخال الذين آمنوا وعملوا
وَكَذَّبُواْ بِشَايَتِنَا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ
الصالحات الجنة المذكور هنا وكون الكفار المكذبين بآيات الله لهم العذاب المهين:
يتضمن تفصيل حكم الله بينهم في قوله: ﴿يَحَكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ وما ذكره هنا من الوعد والوعيد
قد بينا الآيات الدالة على معناه مراراً بكثرة، فأغنى ذلك عن إعادته هنا .
قوله تعالى: ﴿وَلَِّيْنَ هَاجَرُواْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُواْ أَوْ مَانُواْ لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ
رِزْقًا حَسَنَّأْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الَّزِقِينَ
ذكر - جل وعلا - في هذه الآية أن المؤمنين الذين هاجروا في سبيل الله، ثم
قتلوا بأن قتلهم الكفار في الجهاد؛ لأن هذا هو الأغلب في قتل من قتل منهم، أو ماتوا
على فرشهم حتف أنفهم في غير جهاد، أنه تعالى أقسم ليرزقنهم رزقاً حسناً وأنه خير
الرازقين، وما تضمنته هذه الآية الكريمة مما ذكرنا جاء مبيناً في غير هذا الموضع.
أما الذين قتلوا في سبيل الله، فقد بين الله - جل وعلا - أنه يرزقهم رزقاً حسناً،
وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَا بَلْ أَحْيَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ
﴾ [آل عمران] ولا شك أن ذلك الذي يرزقهم رزق حسن، وأما الذين ماتوا في
◌ْزَقُونَ
غير قتالِ المذكورين في قوله هنا: أو ماتوا، فقد قال الله فيهم: ﴿وَمَن يَخْرُجٌ مِنْ بَيْتِهِ، مُهَاجِرًا
إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ يُدْرِكُهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُءُ عَلَى الَّهُ﴾ [النساء: ١٠٠] ولا شك أن من وقع أجره
على الله أن الله يرزقه الرزق الحسن كما لا يخفى، والأحاديث الدالة على ذلك كثيرة.
وقد ذكر ابن كثير في تفسير هذه الآية طرفاً مِنْهَا والعلم عند الله تعالى، وقوله
تعالى في هذه الآية: ﴿ثُمَّ قُتِلُواْ﴾ قرأه ابن عامر بتشديد التاء والباقون بتخفيفها .
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ الَّيْلَ فِ النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي الَّيْلِ وَأَنَّ
اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ، هُوَ الْبَطِلُ
وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِىُّ الْكَبِيرُ (٣)﴾. ذكر غير واحد من المفسرين أن الإشارة في قوله:
ذلك راجعة إلى نصرة من ظلم من عباده المؤمنين المذكور قبله في قوله: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ
غَاقَبَ بِمِثْلٍ مَا عُوقِبَ بِهِ، ثُمَّ بُفِىَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ ... الآية؛ أي ذلك النصر
المذكور كائن بسبب أنه قادر لا يعجز عن نصرة من شاء نصرته، ومن علامات قدرته
الباهرة أنه يولج الليل في النهار، ويولج النهار في الليل، أو بسبب أنه خالق الليل
والنهار، ومصرفهما، فلا يخفى عليه ما يجري فيهما على أيدي عباده من الخير والشر
والبغي والانتصار، وأنه سميع لما يقولون، بصير بما يفعلون؛ أي وذلك الوصف بخلق
النهار والليل والإحاطة بما يجري فيهما، والإحاطة بكل قول وفعل بسبب أن الله هو

٩٠٠
سورة الحج: الآية (٦٣)
الحق؛ أي الثابت الإلهية والاستحقاق للعبادة وحده، وأن كل ما يدعى إلهاً غيره باطل
وكفر، ووبال على صاحبه، وأنه - جل وعلا - هو العلي الكبير، الذي هو أعلى من كل
شيء وأعظم وأكبر سبحانه وتعالى علواً كبيراً.
وقد أشار تعالى لأول ما ذكرنا، بقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اَلَيْلَ فِ
النَّهَارِ﴾ ... الآية، ولآخره بقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْخَقُّ﴾ ... الآية.
والأظهر عندي أن الإشارة في قوله ذلك: راجعة إلى ما هو أعم من نصرة
المظلوم، وأنها ترجع لقوله: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ إلى ما ذكره من نصرة
المظلوم؛ أي ذلك المذكور من كون الملك له وحده، يوم القيامة، وأنه الحاكم وحده
بين خلقه، وأنه المدخل الصالحين جنات النعيم والمعذب الذين كفروا العذاب المهين،
والناصر من بغي عليه من عباده المؤمنين، بسبب أنه القادر على كل شيء، ومن أدلة
ذلك أنه يولج الليل في النهار إلى آخر ما ذكرنا. وهذا الذي وصف به نفسه هنا من
صفات الكمال والجلال ذكره في غير هذا الموضع كقوله في سورة لقمان، مبيناً أن من
اتصف بهذه الصفات قادر على إحياء الموتى، وخلق الناس ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْتُكُمْ إِلَّا
كَنَفْسِ وَحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ
[لقمان].
ثم استدل على قدرته على الخلق والبعث، فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِيعُ الَّيْلَ فِ
النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فيِ اَلَيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلِّ يَجْرِىّ إِلَى أَجَلٍ مُسَنَّى وَأَنَ اَللَّهَ بِمَا
تَعْمَلُونَ خَبِيٌِّ ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الْبَطِلُ وَأَنَّ اللَّ هُوَ الْعَلِىُّ
)﴾ [لقمان]، فهذه الصفات الدالة على كمال قدرته، استدل بها على قدرته
الْكَبِيرُ
في الحج، وفي لقمان، وإيلاج كل من الليل والنهار في الآخر فيه معنيان:
الأول: وهو قول الأكثر: هو أن إيلاج كل واحد منهما في الآخر، إنما هو
بإدخال جزء منه فيه، وبذلك يطول النهار في الصيف؛ لأنه أولج فيه شيء من الليل
ويطول الليل في الشتاء؛ لأنه أولج فيه شيء من النهار، وهذا من أدلة قدرته الكاملة.
المعنى الثاني: هو أن إيلاج أحدهما في الآخر، هو تحصيل ظلمة هذا في مكان
ضياء ذلك، بغيبوبة الشمس، وضياء ذلك في مكان ظلمة هذا كما يضيء البيت المغلق
بالسراج، ويظلم بفقده، ذكر هذا الوجه الزمخشري، وكأنه يميل إليه والأول أظهر،
وأكثر قائلاً، والعلم عند الله تعالى.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ، هُوَ الْبَطِلُ﴾ قرأه
حفص وحمزة والكسائي: يدعون بالياء التحتية، وقرأه الباقون: بتاء الخطاب الفوقية.
قوله تعالى: ﴿أَلَّمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ الشَّمَآءِ مَآءُ فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْصَرَّةُ إِنَ
اللَّهَ لَطِيفُ خَبِيرٌ ﴾﴾. الظاهر أن (تر)) هنا من رأى بمعنى: علم؛ لأن إنزال المطر وإن
كان مشاهداً بالبصر فكون الله هو الذي أنزله، إنما يدرك بالعلم لا بالبصر، فالرؤية هنا
علمية علَى التحقيقِ