Indexed OCR Text

Pages 841-860

٨٤١
سورة الحج: الآية (٥)
رحمه الله تعالى، لا يظهر صوابه، وفي نفس الآية الكريمة قرينة تدل على ذلك وهي
قوله - جل وعلا - في أول الآية: ﴿فَإِنَّا خَلَقْنَكُم مِّنْ تُرَابٍ﴾؛ لأنه على القول المذكور
الذي اختاره الطبري يصير المعنى ثم خلقناكم من مضغة مخلقة، وخلقناكم من مضغة
غير مخلقة. وخطاب الناس بأن الله خلق بعضهم من مضغة غير مصورة، فيه من
التناقض كما ترى، فافهم.
فإن قيل: في نفس الآية الكريمة قرينة تدل على أن المراد بغير المخلقة: السقط؛
لأن قوله: ﴿وَنُفِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَتَّى﴾ يفهم منه أن هناك قسماً آخر لا
يقره الله في الأرحام، إلى ذلك الأجل المسمى، وهو السقط.
فالجواب أنه لا يتعين فهم السقط من الآية؛ لأن الله يقرّ في الأرحام ما يشاء أن يقرّه
إلى أجل مسمى، فقد يقرّه ستة أشهر، وقد يقرّه تسعة، وقد يقرّه أكثر من ذلك كيف شاء.
أما السقط: فقد دلّت الآية على أنه غير مراد بدليل قوله: ﴿فَإِنَّا خَلَقْشَكُمْ﴾ ...
الآية؛ لأن السقط الذي تلقيه أمه ميتاً، ولو بعد التشكيل والتخطيط، لم يخلق الله منه
إنساناً واحداً من المخاطبين بقوله: ﴿فَإِنَّا خَفْتَكُم مِّن تُرَابٍ﴾ ... الآية. فظاهر القرآن
يقتضي أن كلًّا من المخلقة، وغير المخلقة: يخلق منه بعض المخاطبين في قوله:
﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِ رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَكُم مِّن ثُرَابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ﴾ ... الآية.
وبذلك تعلم أن أولى الأقوال في الآية، هو القول الذي لا تناقض فيه؛ لأن
القرآن أنزل ليصدق بعضه بعضاً، لَا لِيتناقض بعضه مع بعض، وذلك هو القول الذي
قدمنا عن قتادة والضحاك، وقد اقتصر عليه الزمخشري في الكشاف ولم يحك غيره:
وهو أن المخلّقة: هي التامة، وغير المخلقة: هي غير التامة.
قال الزمخشري في الكشاف: والمخلقة المسوّاة الملساء من النقصان والعيب،
يقال: خلق السواك والعود: إذا سواه وملسه، من قولهم: صخرة خلقاء، إذا كانت
ملساء، كأن الله تعالى يخلق المضغ متفاوتة، منها ما هو كامل الخلقة أملس من
العيوب. ومنها ما هو على عكس ذلك، فيتبع ذلك التفاوت تفاوت الناس في خلقهم
وصورهم وطولهم وقصرهم وتمامهم ونقصانهم، انتهى منه.
وهذا المعنى الذي ذكره الزمخشري معروف في كلام العرب، تقول العرب: حجر
أخلق، أي أملس مصمت لا يؤثر فيه شيء، وصخرة خلقاء بينة الخلق: أي ليس فيها
وصم، ولا كسر، ومنه قول الأعشى:
قد يتركُ الدّهرُ في خلقاءَ راسية.
· وَهِيْاً وينزل منها الأعصم الصَّدعا
والدهر في البيت: فاعل يترك، والمفعول به: وهياً. يعني أن صرف الدهر قد
يؤثر في الحجارة الصم السالمة من الكسر والوصم، فيكسرها، ويوهيها، ويؤثر في
العصم من الأوعال برؤوس الجبال، فينزلها من معاقلها، ومن ذلك أيضاً قول ابن أحمر
يصف فرساً، وقد أنشده صاحب اللسان للمعنى المذكور:

٨٤٢
سورة الحج: الآية (٥)
كصفا الخليقة بالفضاء الملبَد
بمقلص درك الطريدة متنهُ
3
فقوله: كصفا الخليقة، يعني أن متن الفرس المذكور كالصخرة الملساء التي لا
كسر فيها، ولا وصم، وهو من إضافة الموصوف إلى صفته. والسهم المخلق: هو
الأملس المستوي.
قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له -: وهذا القول هو أَوْلى الأقوال بالصواب فيما يظهر
لي لجريانه على اللغة التي نزل بها القرآن وسلامته من التناقض، والله - جل وعلا - أعلم.
وقوله - جل وعلا - في الآية الكريمة؛ ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾؛ أي لنبيّن لكم بهذا النقل
من طور إلى طور، كمال قدرتنا على البعث بعد الموت، وعلى كل شيء؛ لأن من قدر
على خلق البشر من تراب أولاً، ثم من نطفة ثانياً، مع ما بين النطفة والتراب من
المنافاة والمغايرة، وقدر على أن يجعل النطفة علقة، مع ما بينهما من التباين والتغاير،
وقدر على أن يجعل العلقة مضغة، والمضغة عظاماً، فهو قادر بلا شك على إعادة ما
بدأه من الخلق، كما هو واضح، وقوله: ﴿لِّنُبَيِّنَ﴾ الظاهر أنه متعلق بخلقناكم، في
قوله: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنْتُمْ فِ رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَكُم مِّن تُرَابٍ﴾ ... الآية؛ أي
خلقناكم خلقاً من بعد خلق على التدريج المذكور: لنبيّن لكم قدرتنا على البعث وغيره.
وقال الزمخشري مبيناً نكتة حذف مفعول ﴿لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ ما نصه: وورود الفعل
غير مُعدَّى إلى المبين إعلام بأن أفعاله هذه يتبيّن بها من قدرته وعلمه ما لا يكتنهه
الذكر، ولا يحيط به الوصف. انتهى منه.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَنُقِرُّ فِ الْأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَى أَجَلٍ ◌ُسَنَّى﴾؛
أي نقرّ في أرحام الأمهات ما نشاء إقراره فيها، من الأحمال، والأجنّة إلى أجل
مسمى؛ أي معلوم معيّن في علمنا، وهو الوقت الذي قدّره الله لوضع الجنين، والأجنّة
تختلف في ذلك حسبما يشاؤه الله - جل وعلا - فتارة تضعه أمه لستة أشهر، وتارة
لتسعة، وتارة لأكثر من ذلك، وما لم يشأ الله إقراره من الحمل مجّته الأرحام وأسقطته،
ووجه رفع: ونقرّ أن المعنى ونحن نقرّ في الأرحام، ولم يعطف على قوله ﴿لَّنُبَيِّنَ
لَكُمْ﴾ لأنه ليس علة لما قبله، فليس المراد خلقناكم من تراب، ثم من نطفة، لنقرّ في
الأرحام ما نشاء، وبذلك يظهر لك رفعه، وعدم نصبه، وقراءة من قرأ: ونقرّ بالنصب
عطفاً على لنبيّن، على المعنى الذي نفيناه على قراءة الرفع، ويؤيد معنى قراءة النصب
قوله بعده: ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُواْ أَشُنَكُمْ﴾ .
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿ثُمَّ تُخْرِحُكُمْ طِفْلًا﴾: أي وذلك بعد أن
يخلق الله المضغة عظاماً، ثم يكسو العظام لحماً، ثم ينشئ ذلك الجنين خلقاً آخر،
فيخرجه من بطن أمه في الوقت المعين لوضعه في حال كونه طفلاً أي ولداً بشراً سوياً.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُواْ أَشُدَّكُمٌ﴾؛ أي لتبلغوا كمال قوتكم،
وعقلكم، وتمييزكم بعد إخراجكم من بطون أمهاتكم في غاية الضعف وعدم علم شيء.

٨٤٣
سورة الحج: الآية (٥)
وقد قدمنا أقوال العلماء في المراد بالأشد، وهل هو جمع أو مفرد مع بعض
الشواهد العربية في سورة الأنعام، فأغنى ذلك عن إعادته هنا .
وقوله تعالى في هذه الآية: ﴿وَمِنكُم مَّن يُوَنَّ﴾؛ أي ومنكم أيها الناس من
يتوفى من قبل؛ أي من قبل بلوغه أشده، ومنكم من ينسأ له في أجله، فيعمر حتى يهرم
فيرد من بعد شبابه وبلوغه غاية أشده إلى أرذل العمر، وهو الهرم، حتى يعود كهيئته في
حال صباه من الضعف، وعدم العلم.
وقد أوضحنا كلام العلماء في أرذل العمر ومعنى ﴿لِكَنْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمِ شَيْئًا﴾ في
سورة [النحل: ٧٠]، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
وهذا الذي ذكره - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة من الاستدلال على كمال
قدرته، على بعث الناس بعد الموت، وعلى كل شيء بنقله الإنسان من طور إلى طور،
من تراب، ثم من نطفة، ثم من علقة إلى آخر الأطوار المذكورة، ذكره - جل وعلا -
في مواضع من كتابه مبيناً أنه من البراهين القطعية على قدرته، على البعث وغيره.
فمن الآيات التي ذكر فيها ذلك من غير تفصيل لتلك الأطوار قوله تعالى: ﴿كَلَّ
إِنَّا خَلَقْنَهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ
(١٤) وَقَدْ
﴿مَّا لَكُمْ لَا نَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا
[المعارج] وقوله تعالى:
١٣٩
خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (٣)﴾ [نوح]: أي طوراً بعد طور كما بيّنّا. وقوله تعالى: ﴿خَقَكُ مِّن نَّفْسِ
وَحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنَزَلَ لَكُم مِّنَ الْأَنْعَمِ ثَمَنِيَةَ أَزْوَجِ يَخْلُقُكُمْ فِى بُطُونِ أُمَّهَتِكُمْ خَلْقًا
مِنْ بَعْدٍ خَلْقٍ فِ تُلُمَتِ ثَلَثَّ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَّ فَّى تُصْرَفُونَ (
[الزمر] وقوله في آية الزمر هذه في ظلمات ثلاث: أي ظلمة البطن، وظلمة الرحم،
وظلمة المشيمة. فقد ركب تعالى عظام الإنسان بعضها ببعض وكساها اللحم، وجعل
فيها العروق والعصب، وفتح مجاري البول والغائط، وفتح العيون والآذان والأفواه
وفرّق الأصابع وشد رؤوسها بالأظفار إلى غير ذلك من غرائب صنعه، وعجائبه وكل
هذا في تلك الظلمات الثلاث، لم يحتج إلى شق بطن أمه وإزالة تلك الظلمات.
سبحانه - جل وعلا - ما أعظم شأنه وما أكمل قدرته هو الذي يصوركم في
الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم، ولأجل هذه الغرائب والعجائب من
صنعه تعالى قال بعد التنبيه عليها: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكٌّ لَا إِلَهَ إلَّا هُوَّ فَأَنَّى
تُصْرَفُونَ﴾ [الزمر: ٦]. ومن الآيات التي أوضح فيها تلك الأطوار على التفصيل قوله
تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَلَةٍ مِّن طِينٍ ﴿٥ ثُمَّ جَعَلْنَهُ نُطْفَةً فِ قَرَارٍ مَّكِينٍ ( ثُرَ
خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَمَ ◌َحْمًا ثُمَّ
أَنشَأْنَهُ خَلْقَا ءَآخَرْ فَتَبَارَكَ اَللَّهُ أَحْسَنُ الْخَلِقِينَ ﴿٣ ثُمَّ إِنَّكُم بَعْدَ ذَلِكَ لَمِنُونَ ﴿ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ
اُلْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١)﴾ [المؤمنون].
وقد ذكر تعالى تلك الأطوار مع حذف بعضها في قوله في سورة المؤمن: ﴿هُوَ اَلَّذِى

٨٤٤
سورة الحج: الآية (٥)
خَلَقَكُم مِّنِ تُرَابٍ ثُمَّ مِن تُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ ◌ِفْلَا ثُمَّ لِتَبْلُغُواْ أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا
﴾ [غافر] وقوله
شُيُوخَأْ وَمِنكُمْ مَن يُنَوَّى مِن قَبْلُ وَلِنَبْلُغُوْ أَجَلًا مُسَنَّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (4)
تعالى في الكهف: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرَتَ بِالَّذِى خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن تُطْفَةٍ ثُمَّ
سَوََّكَ رَجُلًا (٣)﴾ [الكهف] وقوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنسَنَ مِن تُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ﴾﴾
[النحل] وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيرٌ مُّبِينٌ (َ﴾ [يس]
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾ [الإنسان: ٢] الآية، وقوله تعالى: ﴿خَلَقَ
اُلْإِنسَنَ مِنْ عَلَقٍ ﴾﴾ [العلق] وقوله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَكُمْ﴾ [طه: ٥٥] إلى غير ذلك من
الآيات. وقد بيّنت السنّة الصحيحة القدر الذي تمكثه النطفة قبل أن تصير علقة، والقدر
الذي تمكثه العلقة، قبل أن تصير مضغة، والقدر الذي تمكثه المضغة قبل أن تصير مضغة.
قال مسلم بن الحجاج تَّفهُ في صحيحه حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو
معاوية ووكيع، وحدثنا محمد بن عبد الله بن نمير الهمداني واللفظ له، حدثنا أبي وأبو
معاوية، ووكيع قالوا: حدثنا الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الله قال: حدثنا
رسول الله ﴿ وهو الصادق المصدوق: ((إن أحدكم يُجمع خلقُه في بطن أُمِّه أربعين
يوماً ثم یکون في ذلك علقةً مثل ذلك، ثم یکون في ذلك مضغة مثل ذلك، ثم يُرسل
الملك فينفخ فيه الروحَ ويُؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد»
الحديث، ففي هذا الحديث الصحيح تصريحه ولو بأن الجنين يمكث أربعين يوماً نطفة،
ثم يصير علقة، ويمكث كذلك أربعين يوماً، ثم يصير مضغة، ويمكث كذلك أربعين
يوماً، ثم ينفخ فيه الروح، فنفخ الروح إذاً في أول الشهر الخامس من أشهر الحمل.
وقال البخاري کُّ في صحيحه: حدثنا أبو الوليد هشام بن عبد الملك، حدثنا
شعبة، أنبأني سليمان الأعمش، قال: سمعت زيد بن وهب، عن عبد الله قال: حدثنا
رسول الله * وهو الصادق المصدوق قال: ((إن أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوماً
ثم علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله ملكاً فيؤمر بأربعة: برزقه
وأجله وشقي أو سعيد)) الحديث. وهذه الرواية في البخاري ينقص منها ذكر العمل،
وهو مذكور في روايات أُخر صحيحة معروفة. وقد قدمنا وجه الدلالة المقصودة من
الحديث المذكور، والله أعلم.
وفي هذه الآية الكريمة سؤال معروف: وهو أن يقال: ما وجه الإفراد في قوله:
﴿نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ مع أن المعنى نخرجكم أطفالاً، وللعلماء عن هذا السؤال أجوبة.
منها: ما ذكره ابن جرير الطبري قال: ووحد الطفل وهو صفة للجمع؛ لأنه
مصدر مثل عذر وزور وتبعه غيره في ذلك.
ومنها: قول من قال: ﴿نُخْرِئُكُمْ طِفْلًا﴾: أي نخرج كل واحد منكم طفلاً، ولا
يخفى عدم اتجاه هذين الجوابين.

٨٤٥
سورة الحج: الآية (٥) .
قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له -: الذي يظهر لي من استقراء اللغة العربية التي
نزل بها القرآن، هو أن من أساليبها أن المفرد إذا كان اسم جنس، يكثر إطلاقه مراداً به
الجمع مع تنكيره كما في هذه الآية، وتعريفه بالألف واللام، وبالإضافة، فمن أمثلته في
القرآن مع التنكير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْثَّقِينَ فِي جَنَّتٍ وَنَهَرٍ (@)﴾ [القمر]: أي وأنهار بدليل
قوله تعالى: ﴿فِيَهَا أَنْهَرٌ مِّن مٍَّ غَيْرِ ءَاسِنٍ﴾ [محمد: ١٥]، وقوله: ﴿وَأَجْعَلْنَا لِلْمُنَّقِينَ إِمَامًا﴾
[الفرقان: ٧٤]؛ أي أئمة، وقوله تعالى: ﴿فَإِن ◌ِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَىْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا﴾ [النساء: ٤]؛ أي
أنفساً، وقوله تعالى: ﴿مُسْتَكْبِينَ بِهِ سَمِرًا تَهْجُرُونَ(٣)﴾ [المؤمنون]: أي سامرين، وقوله
تعالى: ﴿لَا نُفَرِقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٣٦]: أي بينهم، وقوله تعالى: ﴿وَحَسُنَ
أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]: أي رفقاء، وقوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَأَطَّهَّرُواْ﴾
[المائدة: ٦]: أي مجنبين أو أجناباً، وقوله تعالى: ﴿وَالْمَلَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم:
٤]: أي مظاهرون. ومن أمثلة ذلك مع التنكير في كلام العرب قول عقيل بن علفة
المري :
وكان بَنُو فزارَة شَرَّ عمِّ وكنتُ لهم كشرّ بني الأَخِينَا
يعني: شر أعمام. وقول قعنب ابن أم صاحب:
دين وليس لهم عقل إذا ائتمنوا
ما بال قوم صديق ثم ليس لهم
يعني: ما بال قوم أصدقاء. وقول جرير:
بأعين أعداء وهنّ صديق
نصبن الهوى ثم ارتمين قلوبنا
يعني: صديقات. وقول الآخر:
بكم مثل ما بي إنكم لصديق
لعمري لئن كنتم على النأى والنوى
وقول الآخر:
يا عاذلاتي لا تزدن ملامة إن العواذل ليس لي بأمير
أي: لسن لي بأمراء.
ومن أمثلته في القرآن واللفظ مضاف قوله تعالى: ﴿أَوْ هَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ، أَوْ
صَدِيقِكٌ﴾ [النور: ٦١]؛ أي أصدقائكم، وقوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾
[النور: ٦٣]؛ أي أوامره، وقوله: ﴿وَإِن تَعُذُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُخُضُوهَاً﴾ [إبراهيم: ٣٤]: أي
نِعَم الله، وقوله: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءٍ ضَيْفِ﴾ ... الآية [الحجر: ٦٨]: أي أضيافي، ونظير ذلك
من كلام العرب قول علقمة بن عبدة التميمي :
بها جيف الحسرى فأما عظامها
فبيض وأما جلدها فصليب
أي: وأما جلودها فصليبة. وقول الآخر:
كلوا في بعض بطنكم تعفُّوا فإن زمانكم زمنٌ خميصٌ

٨٤٦
سورة الحج: الآية (٥)
أي بطونكم. وهذا البيت والذي قبله أنشدهما سيبويه في كتابه مستشهداً بهما لما ذكرنا .
ومن أمثلة ذلك قول العباس بن مرداس السلمي :
وقد سلِمَت من الإِحَنِ الصّدور
فقلنا أسْلموا إنَّا أخوكم
أي إنا إخوانكم، وقول جریر:
أبان المقرفات من العراب
إذا آباؤنا وأبوك عدوا
أي إذا آباؤنا وآباؤك عدوا، وهذا البيت، والذي قبله يحتمل أن يراد بهما جمع
التصحيح للأب وللأخ، فيكون الأصل: أبون وأخون فحذت النون للإضافة، فصار
كلفظ المفرد.
ومن أمثلة: جمع التصحيح في جمع الأخ بيت عقيل بن علفة المذكور آنفاً، حيث
قال فيه: كشر بني الأخينا. ومن أمثلة تصحيح جمع الأب قول الآخر:
فلما تبيَّن أصواتنا
بكين وفديننا بالأبينا
ومن أمثلة ذلك في القرآن، واللفظ معرف بالألف واللام قوله تعالى: ﴿وَتُؤْمِنُونَ
بِلْكِنَبِ كُلِّ﴾ [آل عمران: ١٩٩]؛ أي بالكتب كلها، بدليل قوله: ﴿كُلُّ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَلَئِكَتِهِ،
وَكُهِ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٥]، وقوله: ﴿وَقُلْ ءَامَنْتُ بِمَا أَنزَلَ اُللَّهُ مِن كِتَبٍ﴾ [الشورى: ١٥]
وقوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُواْ﴾ [الفرقان: ٧٥]؛ أي الغرف بدليل
قوله: ﴿لَهُمْ عُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفُ مَبْنِيَّةٌ﴾ [الزمر: ٢٠] وقوله: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَتِ ءَامِنُونَ﴾
[سبأ: ٣٧] وقوله تعالى: ﴿وَجَءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٣)﴾ [الفجر]: أي الملائكة بدليل
قوله: ﴿هَلْ يَظُرُونَ إِلَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِى ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَبِكَةُ﴾ [البقرة: ٢١٠] وقوله
)﴾ [القمر]؛ أي الأدبار بدليل قوله تعالى: ﴿فَلَاَ
٤٥
تعالى: ﴿سَيُهْزَمُ لْجَمْعُ وَبُوُلُّونَ الدُّبُرَ
تُوَلُّوهُمُ الْأَرْبَارَ﴾ [الأنفال: ١٥] وقوله تعالى: ﴿أَوِ اُلْطِّفْلِ الَّذِينَ لَّمْ يَظْهَرُواْ عَلَى عَوْرَتِ
اُلِسَاءِ﴾ [النور: ٣١]؛ أي الأطفال، وقوله تعالى: ﴿هُ الْعَدُوُ فَأَحْذَرْهُمْ﴾ [المنافقون: ٤]؛
أي الأعداء، ونحو هذا كثير في القرآن، وفي كلام العرب: وهو في النعت بالمصدر
مطرد، كما تقدم مراراً .
ومن أمثلة ذلك قول زهير:
.. هم بيننا هم رضى وهم عدل
متى يَشْتَجِر قومٌ يقل سرواتهم
أي: عدول مرضيون. وهناك مسائل تتعلق بمعاني الآية يرجع من أراد الوقوف
إلى الأصل.
قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنَزَلْنَا عَلَّهَا الْمَآءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِن
كُلِّ زَوْجِ بَهِيج﴾، هذا برهان قاطع آخر على البعث، وقوله: ﴿وَتَرَى﴾: أي يا نبي الله؛
وقيل: وترى أيها الإنسان المخاطب: وهي رؤية بصرية تتعدى إلى مفعول واحد.

٨٤٧
سورة الحج: الآية (٥) .
فقوله: ﴿هَامِدَةً﴾ حال من الأرض، لا مفعول ثان لترى. وقوله: هامدة؛ أي يابسة
قاحلة لا نبات فيها .
وقال بعض أهل العلم: هامدة: أي دارسة الآثار من النبات، والزرع. قالوا:
وأصل الهمود الدروس والدثور. ومنه قول الأعشى ميمون بن قيس:
قالت قتيلةُ ما لجسْمك شاحِباً
وأرى ثيابَك بالياتِ هُمّدا
أي وأرى ثيابك باليات دارسات. ﴿فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيَّهَا الْمَآءَ﴾؛ أي سواء كان من
المطر، أو الأنهار أو العيون أو السواقي ﴿أَهْتَزَّتْ﴾؛ أي تحركت بالنبات. ولما كان
النبات نابتاً فيها متصلاً بها، كان اهتزازه كأنه اهتزازها فأطلق عليها بهذا الاعتبار، أنها
اهتزت بالنبات؛ وهذا أسلوب عربي معروف.
وقال أبو حيان في البحر المحيط: واهتزازها تخلخلها واضطراب بعض أجسامها
لأجل خروج النبات، وقوله: ﴿وَرَبَتْ﴾؛ أي زادت وارتفعت. وقال بعض أهل العلم:
وربت: انتفخت لأجل خروج النبات. وقال ابن جرير الطبري: وربت؛ أي أضعفت
النبات بمجيء الغيث.
قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له -: أصل المادة التي منها ربت: الزيادة،
والظاهر أن معنى الزيادة الحاصلة في الأرض هي أن النبات لما كان نابتاً فيها متصلاً
بها صار كأنه زيادة حصلت في نفس الأرض ..
وقال الفخر الرازي في تفسير هذه الآية الكريمة: والاهتزاز: الحركة على سرور،
فلا يكاد يقال: اهتز فلان لكيت وكيت، إلا إذا كان الأمر من المحاسن والمنافع. اهـ منه.
والاهتزاز أصله: شدة الحركة. ومنه قوله :
تَثنى إذا قامتْ وتهتزُّ إن مشتْ
كما اهتزّ غضْنُ البانِ في وَرَقٍ خُضْر
وقوله: ﴿وَأَنْبَتَتْ﴾؛ أي أنبت الله فيها ﴿مِنْ كُلِّ زَوْج﴾؛ أي صنف من أصناف
النبات، والزرع، والثمار ﴿بَهِيجٍ﴾: أي حسن، والبهجة: الحسن. ومنه قوله تعالى:
﴿فَأَنْجَتْنَا بِهِ، حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ [النمل: ٦٠] تقول: بُهج بالضم بهاجة فهو بهيج، إذا
كان حسناً. وقرأ عامة السبعة: وربت، وهو من قولهم: ربا يربو إذا نَما وزاد. وقرأ من
الثلاثة أبو جعفر يزيد بن القعقاع: وربأت بهمزة مفتوحة بعد الباء: أي ارتفعت، كأنه من
الربيئة أو الربيئي، وهو الرقيب الذي يعلو على شيء مشرف يحرس القوم ويحفظهم.
ومنه قول امرئ القيس :
كذئبِ الغَضا يمشي الضَّراء ويتَّقى
بَعثنا ربيئاً قبل ذاكٍ محمَّلا.
وما أشار إليه - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة من أن إحياء الأرض بعد
موتها، برهان قاطع على قدرة من فعل ذلك على إحياء الناس بعد موتهم؛ لأن الجميع

٨٤٨ -
سورة الحج: الآيتان (٨ - ٩)
إحياء بعد موت، وإيجاد بعد عدم بيّنه في آيات كثيرة، وقد قدمنا في سورة البقرة
والنحل، كثرة الاستدلال بهذا البرهان في القرآن على البعث، وذكرنا الآيات الدالة على
ذلك كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَئِهِ، أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَيِعَةٌ فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَآءَ أَهْتَرَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ
وَيِ
[فصلت] وقوله تعالى:
(٣٩)
الَّذِىّ أَحْيَاهَا لَمُحْىِ الْمَوْنَىَّ إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرُ (
اُلْأَرْضَ
ـشى
بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الروم: ١٩]: أي من قبوركم أحياء بعد الموت، وقوله تعالى:
﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ، بَلْدَةً مَّيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوِيجُ﴾ [ق: ١١]؛ أي خروجكم من القبور أحياء بعد
الموت وقوله تعالى: ﴿حَّ إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَهُ لِبَلَدٍ فَيْتٍ فَلْنَا بِهِ الْمَآءَ فَأَخْرَجْنَا
بِهِ، مِن كُلِّ الثَّعَزَنِ كَذَلِكَ ثُرِجُ الْمَوْقَ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٥٧] وقوله: ﴿فَانْظُرْ إِلَى
ءَثَرِ رَحْمَتِ الَّهِ كَيْفَ يُحِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْنِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحِى الْمَوْنِى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ
قَدِيرٌ ﴾﴾ [الروم] وقوله تعالى: ﴿فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ [فاطر: ٩]
وقوله تعالى: ﴿فَأَنْشَرْنَا بِهِ، بَلْدَةٌ مَّيْنَاً كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الزخزف: ١١] ومن ذلك قوله هنا:
﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيَّهَا الْمَآءَ أَهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ بدليل قوله بعده: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ
﴾.
٧
هُوَ الْحَقُّ وَنَّهُ يُحِي الْمَوْنَ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِ الْقُبُورِ
قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَدِلُ فِىِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدَّى وَلَا كِنَب ◌ُِّيرٍ
٨
ثَانِىَ عِطْفِهِ، لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ الَّهِ لَهُ فِ الدُّنْيَا خِزْىٌّ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ عَذَابَ الْحَرِقِ
قال بعض أهل العلم: الآية الأولى التي هي: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُحَدِلُ فِ اَللَّهِ بِغَيْرِ
عِلْمٍ وَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ ◌َّرِيدٍ ﴾﴾ نازلة في الأتباع الجهلة الذين يجادلون بغير علم،
اتباعاً لرؤسائهم، من شياطين الإنس والجن، وهذه الآية الأخيرة في الرؤساء الدعاة إلى
الضلال المتبوعين في ذلك، ويدل لهذا أنه قال في الأولى: ﴿وَتَِّعُ كُلَّ شَيْطَانٍ﴾
وقال في هذه: ﴿ثَانِىَ عِطْفِهِ، لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فتبين بذلك أنه مضل لغيره، متبوع في
الكفر والضلال، على قراءة الجمهور بضم ياء يضل. وأما على قراءة ابن كثير، وأبي
عمر: بفتح الياء، فليس في الآية دليل على ذلك، وقد قدمنا معنى جدال الكفرة في الله
بغير علم، فأغنى عن إعادته هنا .
وقال بعض العلماء في قوله في هذه الآية الكريمة: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾؛ أي بدون علم
ضروري، حاصل لهم بما يجادلون به ﴿وَلَا هُدَّى﴾؛ أي استدلال، ونظر عقلي، يهتدي
به العقل للصواب ﴿وَلَا كِتَبٍ مُِّيرٍ﴾؛ أي وحي نيّر واضح، يعلم به ما يجادل به،
فليس عنده علم ضروري ولا علم مكتسب بالنظر الصحيح العقلي، ولا علم من وحي،
فهو جاهل محض من جميع الجهات، وقوله: ﴿ثَانِىَ عِطْفِهِ،﴾ حال من ضمير الفاعل
المستكن في: يجادل؛ أي يخاصم بالباطل في حال كونه ثاني عطفه؛ أي لاوي عنقه
عن قبول الحق استكباراً وإعراضاً، فقوله: ثاني اسم فاعل ثنى الشيء إذا لواه، وأصل
العطف الجانب، وعطفا الرجل: جانباه من لدن رأسه إلى وركيه. تقول العرب: ثنى
فلان عنك عطفه: تعني أعرض عنك؛ وإنما عبّر العلماء هنا بالعنق فقالوا: ثاني عطفه:

٨٤٩
سورة الحج: الآيتان (٨ - ٩).
لاوي عنقه، مع أن العطف يشمل العنق وغيرها؛ لأن أول ما يظهر فيه الصدود عنق
الإنسان، يلويها، ويصرف وجهه عن الشيء بليّها. والمفسرون يقولون: إن اللام في
قوله: ﴿لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ونحوها من الآيات مما لم تظهر فيه العلة الغائبة، كقوله:
﴿فَالْتَقَطَهُ: ءَالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ الآية [القصص: ٨]. ونحو ذلك لام
العاقبة، والبلاغيون يزعمون أن في ذلك استعارة تبعية، في معنى الحرف. وقد وعدنا
بإيضاح ذلك في سورة القصص.
ونقول هنا: إن الظاهر في ذلك أن الصواب فيه غير ما ذكروا، وأن اللام في
الجميع لام التعليل، والمعنى واضح لا إشكال فيه كما نبّه عليه الحافظ ابن كثير ◌َُّ
في مواضع من تفسيره.
وإيضاح ذلك أن الله هو الذي قدّر على الكافر في أزله أن يجادل في الله بغير علم
في حال كونه لاوي عنقه إعراضاً عن الحق، واستكباراً. وقد قدّر عليه ذلك ليجعله ضالاً
مضلاً وله الحكمة البالغة في ذلك كقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ﴾
[الكهف: ٥٧]: أي لئلا يفقهوه وكذلك: ﴿فَلْنَقَطَهُ: عَلُ فِرْعَوْنَ﴾ [القصص: ٨]؛ أي قدّر الله
عليهم أن يلتقطوه لأجل أن يجعله لهم عدواً وحزناً؛ وهذا واضح لا إشكال فيه كما ترى.
وما ذكره - جل وعلا - في هذه الآية من إعراض بعض الكفار عن الحق
واستكبارهم أوضحه في آيات أُخر من كتاب الله كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِ ءَايَنُنَا وَلَّى
مُسْتَكْبِرًا كَن لَّمْ يَسْمَعْهَا﴾ [لقمان: ٧] وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوَاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ
﴾ [المنافقون] وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ
اللَّهِ لَقَّوْ رُؤُوسَهُمُ ورَأَيْتَهُمْ يَصُدُونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (
تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا (@)﴾ [النساء]
وقوله تعالى عن لقمان في وصيته لابنه: ﴿ وَلَا تُصَعِرْ خَذَّكَ لِلنَّاسِ﴾ [لقمان: ١٨]؛ أي لا
تمل وجهك عنهم، استكباراً عليهم، وقوله تعالى عن فرعون: ﴿وَفِ مُوسَىَّ إِذْ أَرْسَلْنَهُ إِلَى
فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُِّينٍ ﴿ فَتَوَّ بِّكْتِ، وَقَالَ سَحِرٌ أَوْ مَجْنُنٌ (٣)﴾ [الذاريات] فقوله: ﴿فَتَوَلَ
بِّكْيِهِ﴾ بمعنى: ثنى عطفه؛ وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِسَنِ أَعْرَضَ وَنَا بِجَانِةٍ﴾ ...
الآية [الإسراء: ٨٣] إلى غير ذلك من الآيات، وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿لَهُ فِى
الدُّنْيَا خِزْىٌ﴾؛ أي ذلّ وإهانة، وقد أذل الله الذين جادلوا في الله بغير علم، ولا هدى،
ولا كتاب منير كأبي جهل بن هشام، والنضر بن الحارث بالقتل يوم بدر.
ويفهم من هذه الآية الكريمة أن من ثنى عطفه استكباراً عن الحق وإعراضاً عنه عامله الله
بنقيض قصده فأذله وأهانه؛ وذلك الذل والإهانة نقيض ما كان يؤمله من الكبر والعظمة.
وهذا المفهوم من هذه الآية دلت عليه آيات أُخر كقوله تعالى: ﴿إِن فِي صُدُورِهِمْ
إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَلِغِيةٍ﴾ [غافر: ٥٦] وقوله في إبليس لما استكبر: ﴿فَأَهْبِطُ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ
لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّغِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٣] والصغار: الذل والهوان، عياذاً

٨٥٠ -
سورة الحج: الآية (١٠)
بالله من ذلك، كما قدمنا إيضاحه. وقوله: ﴿وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾؛ أي نحرقه
بالنار، ونذيقه ألم حرها يوم القيامة: وسمي يوم القيامة؛ لأن الناس يقومون فيه له -
جل وعلا -، كما قال تعالى: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُوْلَكَ أَنَّهُم مَّبْعُوتُونٌ ﴿٤ لِيَوَمِ عَظِيمِ (٥َ يَوْمَ يَقُومُ
النَّاسُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ ﴾﴾ [المطففين].
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّمِ لِلْعَبِيدِ ﴾﴾. المعنى أن
الكافر إذا أذيق يوم القيامة عذاب الحريق، يقال له ذلك؛ أي هذا العذاب الذي نذيقكه
بسبب ما قدمت يداك؛ أي قدمته في الدنيا من الكفر والمعاصي ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ
لِلْعَبِيدِ﴾ [آل عمران: ١٨٢] فلا يظلم أحداً مثقال ذرة ﴿وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَعِفْهَا وَيُؤْتٍ مِن
لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠] والظاهر أن المصدر المنسبك من أنّ وصلتها في قوله:
﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ في محل خفض عطفاً على ما المجرورة بالباء.
والمعنى هذا العذاب الذي يذيقكه الله حصل لك بسببين، وهما ما قدمته يداك،
من عمل السوء من الكفر والمعاصي وعدالة من جازاك، ذلك الجزاء الوفاق، وعدم
ظلمه. وقد أوضحنا فيما مضى إزالة الإشكال المعروف في نفي صيغة المبالغة، في
قوله: ﴿لَيْسَ بِظَلَامٍ﴾ فأغنى ذلك عن إعادته هنا، وفي هذه الآية الكريمة ثلاثة أسئلة:
الأول: هو ما ذكرنا آنفاً أنا أوضحنا الجواب عنه سابقاً، وهو أن المعروف في
علم العربية أن النفي إذا دخل على صيغة المبالغة، لم يقتضٍ نفي أصل الفعل.
فلو قلت: ليس زيد بظلام للناس، فمعناه المعروف: أنه غير مبالغ في الظلم،
ولا ينافي ذلك حصول مطلق الظلم منه. وقد قدمنا إيضاح هذا.
والسؤال الثاني: أنه أسند كل ما قدم إلى يديه في قوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاَكَ﴾ وكفره
الذي هو أعظم ذنوبه، ليس من فعل اليد، وإنما هو من فعل القلب واللسان، وإن كان
بعض أنواع البطش باليد، يدل على الكفر، فهو في اللسان والقلب أظهر منه في اليد،
وزناه لم يفعله بيده، بل بفرجه، ونحو ذلك من المعاصي التي تزاول بغير اليد.
والجواب عن هذا ظاهر وهو أن من أساليب اللغة العربية، التي نزل بها القرآن
إسناد جميع الأعمال إلى اليد، نظراً إلى أنها الجارحة التي يزاول بها أكثر الأعمال
فغلبت على غيرها، ولا إشكال في ذلك.
والسؤال الثالث: هو أن يقال ما وجه إشارة البعد في قوله: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ
يَدَاكَ﴾ مع أن العذاب المشار إليه قريب منه حاضر؟.
والجواب عن هذا أن من أساليب اللغة العربية وضع إشارة البعد موضع إشارة
القرب. وقد أوضحنا هذه المسألة في كتابنا: (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب)
في الكلام على قوله تعالى في أول سورة البقرة: ﴿الَّمَ ﴿ ذَلِكَ الْكِتَبُ﴾ ... الآية
[البقرة: ١، ٢]: أى هذا الكتاب.

٨٥١
سورة الحج: الآية (١٢)
ومن شواهد ذلك في اللغة العربية قول خفاف بن ندبة السلمي:
فعمْداً على عيني تيمَّمت مالِكًا
فإن تَكُ خيْلي قد أُصيب صَميمُها .
تأمَّل خِفافاً إنَّني أنا ذَلِكا".
أقول له والرُّمح يأُطِرُ متنُهُ
يعني أنا هذا، وما ذكره - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة من أن الكافر يقال له
يوم القيامة: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ الآية. لا يخفى أنه توبيخ، وتقريع، وإهانة له.
وأمثال ذلك القول في القرآن كثيرة كقوله تعالى: ﴿خُذُوهُ فَأَعْتِلُوهُ إِلَى سَوَآءِ الْجَحِيمِ
ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ ﴾ إِنَّ هَذَا مَا
٤٨
صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ، مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ
كُم بِهِ، تَمْتَرُونَ (@)﴾ [الدخان] وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُونَ إِلَى نَارٍ جَهَنَّمَ دَقًّا ( هَذِهِ
التَّارُ الَّتِي كُنْتُم بِهَا تُكَذِبُونَ ﴿ أَفَسِحُ هَذَآ أَمْ أَنْتُمْ لَا نُبْصِرُونَ ﴿ أَصْلَوْهَا فَأَصْبِرُواْ أَوْ لَا
تَصْبِرُواْ سَوَآءُ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (1)﴾ [الطور] والآيات بمثل ذلك كثيرة جداً.
قوله تعالى: ﴿يَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ
الْبَعِيدُ ﴾﴾، ضمير الفاعل في قوله: ﴿يَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ﴾ راجع إلى
الكافر المشار إليه في قوله: ﴿وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِئْنَهُ أَنْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ، خَسِرَ الذُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ
هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾؛ أي يدعو ذلك الكافر المذكور من دون الله، ما لا يضره، إن ترك
عبادته، وكفر به، وما لا ينفعه، إن عبده، وزعم أنه يشفع له.
وما ذكره - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة من أن الأوثان، لا تضر من كفر بها، ولا
تنفع من عبدها بيّنه في غير هذا الموضع كقوله تعالى: ﴿وَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُهُمْ
وَلَا يَنَفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَتُنَا عِندَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِ السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِّ
سُبْحَنَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨] وقوله تعالى عن نبيه إبراهيم: ﴿قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ
إِذْ تَدْعُونَ ﴿ أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُونَ ﴿٨َ قَالُواْ بَلْ وَجَدْنَآ ءَابَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (9)﴾ [الشعراء].
إذ المعنى أنهم اعترفوا بأنهم لا يسمعون، ولا ينفعون ولا يضرون، ولكنهم
عبدوهم تقليداً لآبائهم؛ والآيات بمثل ذلك كثيرة.
تنبيه: فإن قيل: ما وجه الجمع بين نفيه تعالى النفع والضر معاً، عن ذلك المعبود
من دون الله في قوله: ﴿مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنفَعُهُ﴾ مع إثباتهما في قوله: ﴿يَدْعُوْ لَمَنْ
ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِةٍ،﴾.
لأن صيغة التفضيل في قوله: أقرب دلت على أن هناك نفعاً، وضراً، ولكن الضر
أقرب من النفع، فالجواب أن للعلماء أجوبة عن ذلك.
منها: ما ذكره الزمخشري قال: فإن قلت: الضر والنفع منفيان عن الأصنام،
مثبتان لها في الآيتين، وهذا تناقض.
قلت: إذا حصل المعنى ذهب هذا الوهم؛ وذلك أن الله تعالى سفَّه الكافر، بأنه
يعبد جماداً لا يملك ضراً، ولا نفعاً، وهو يعتقد فيه بجهله وضلاله، أنه يستنفع به،

٨٥٢ -
سورة الحج: الآية (١٢)
حين يستشفع به، ثم قال يوم القيامة: يقول هذا الكافر بدعاء وصراخ حين يرى
استضراره بالأصنام ودخوله النار بعبادتها، ولا يرى أثر الشفاعة التي ادعاها لها لمن
ضره أقرب من نفعه لبئس المولى، ولبئس العشير؛ وكرّر يدعو كأنه قال: يدعو يدعو من
دون الله ما لا يضره، وما لا ينفعه. ثم قال لمن ضره بكونه معبوداً: أقرب من نفعه،
بكونه شفيعاً: لبئس المولى، ولبئس العشير، اهـ منه.
ولا يخفى أن جواب الزمخشري هذا غير مقنع؛ لأن المعبود من دون الله، ليس
فيه نفع البتة، حتى يقال فيه: إن ضره أقرب من نفعه، وقد بيّن أبو حيان عدم اتجاه
جوابه المذكور، ومنها: ما أجاب به أبو حيان في البحر.
وحاصله أن الآية الأولى في الذين يعبدون الأصنام، فالأصنام لا تنفع من
عبدها، ولا تضر من كفر بها؛ ولذا قال فيها: ما لا يضره وما لا ينفعه: والقرينة على
أن المراد بذلك الأصنام، هي التعبير بلفظة ((ما)) في قوله: ﴿مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا
يَنفَعُهُ﴾؛ لأن لفظة ((ما)) تأتي لما لا يعقل، والأصنام لا تعقل.
أما الآية الأخرى فهي فيمن عبد بعض الطغاة المعبودين من دون الله كفرعون
القائل: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِى﴾ [القصص: ٣٨] ﴿لَيْنِ اتَّخَذْتَ إِلَهَا غَيْرِى لَأَجْعَلَنَّكَ
مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩] ﴿أَنَّأْ رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤]، فإن فرعون ونحوه من
الطغاة المعبودين قد يغدقون نعم الدنيا على عابديهم؛ ولذا قال له القوم الذين كانوا
سحرة: ﴿أَبِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنََّ نَحْنُ الْغَلِينَ
(٤٧)﴾ [الشعراء]
قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذَا لَّمِنَ الْمُقَرَِّينَ
٤١
فهذا النفع الدنيوي بالنسبة إلى ما سيلاقونه، من العذاب، والخلود في النار كلا شيء،
فضرّ هذا المعبود بخلود عابده في النار، أقرب من نفعه، بعرض قليل زائل من حطام
الدنيا، القرينة على أن المعبود في هذه الآية الأخيرة: بعض الطغاة الذين هم مِنْ جنس
العقلاء: هي التعبير بمَن التي تأتي لمن يعقل في قوله: ﴿يَدْعُوْ لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن
نَّفْعِةٍ﴾ هذا هو خلاصة جواب أبي حيان وله اتجاه، والله تعالى أعلم.
واعلم أن اللام في ﴿يَدْعُواْ لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِةٍ﴾ فيها إشكال معروف،
وللعلماء عن ذلك أجوبة، ذكر ابن جرير الطبري تَّفُ منها ثلاثة:
أحدها: أن اللام متزحلقة عن محلها الأصلي، وأن ذلك من أساليب اللغة العربية
التي نزل بها القرآن، والأصل: يدعو من لضره أقرب من نفعه، وعلى هذا فمن
الموصولة في محل نصب مفعول به ليدعوا، واللام موطئة للقسم، داخلة على المبتدأ،
الذي هو وخبره صلة الموصول، وتأكيد المبتدأ في جملة الصلة باللام، وغيرها لا
إشكال فيه.
قال ابن جرير: وحكي عن العرب سماعاً: منها عندي لما غيره خير منه؛ أي
عندي ما لغيره خير منه، وأعطيتك لما غيره خير منه؛ أي ما لغيره خير منه.

٨٥٣
سورة الحج: الآية (١٥)
والثاني: منها أن قوله: يدعوا تأكيد ليدعوا في الآية التي لما قبلها، وعليه فقوله:
﴿لَمَنْ ضَرُّهُ﴾ في محل رفع بالابتداء، وجملة ﴿ضَرُّهُ أَقْرُبُ مِن نَّفْعِةٍ﴾ صلة الموصول
الذي هو من والخبر هو جملة ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى﴾ ... الآية. وهذا المعنى كقول العرب:
لما فعلت لهو خير لك.
قال ابن جرير: لما ذكر هذا الوجه: واللام الثانية في ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى﴾ جواب اللام
الأولى. قال: وهذا القول على مذهب أهل العربية أصح، والأول إلى مذهب أهل
التأويل أقرب، اهـ.
والثالث: منها أن ((من)) في موضع نصب بيدعوا، وأن اللام دخلت على المفعول
به، وقد عزا هذا لبعض البصريين مع نقله عمن عزاه إليه أنه شاذ، وأقربها عندي الأول.
وقال القرطبي تَّفُهُ: ولم يرَ منه نفعاً أصلاً، ولكنه قال: ﴿ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِةٍ﴾
ترفيعاً للكلام كقوله: ﴿وَإِنَّا أَوْ لِيَاكُمْ لَعَلَى هُدَّى أَوْ فِي ضَلَلٍ قُبِينٍ﴾ [سبأ: ٣٤] وباقي
الأقوال في اللام المذكورة تركناه، لعدم اتجاهه في نظرنا، والعلم عند الله تعالى.
وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْمَوْلَى وَلَيْسَ الْعَشِيرُ﴾، المولى: هو كل ما انعقد بينك وبينه
سبب، يواليك، وتواليه به. والعشير: هو المعاشر، وهو الصاحب والخليل.
والتحقيق: أن المراد بالمولى والعشير المذموم في هذه الآية الكريمة، هو المعبود
الذي كانوا يدعونه من دون الله، كما هو الظاهر المتبادر من السياق.
وقوله: ﴿ذَلِكَ هُوَ الضَّلَلُ الْبَعِيدُ﴾؛ أي البعيد عن الحق والصواب.
قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَّنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَآءِ
ثُمَّ لُيُقْطَعْ فَيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ ﴾﴾. في هذه الآية الكريمة أوجه من التفسير
معروفة عند العلماء، وبعضها يشهد لمعناه قرآن.
الأول: أن المعنى من كان من الكفرة الحسدة له وَلو، يظن أن لن ينصره الله؛ أي
أن لن ينصر الله نبيه محمداً وَ ل﴿ ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ﴾: أي بحبل إلى السماء؛ أي سماء بيته،
والمراد به السقف؛ لأن العرب تسمي كل ما علاك سماء كما قال:
وإنما الفضل حيث الشمس والقمر
وقد يسمى سماء كل مرتفع
كما أوضحناه في سورة الحجر.
والمعنى فليعقد رأس الحبل في خشبة السقف ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾؛ أي ليختنق بالحبل،
فيشده في عنقه، ويتدلى مع الحبل المعلق في السقف حتى يموت، وإنما أطلق القطع
على الاختناق؛ لأن الاختناق يقطع النفس بسبب حبس مجاريه؛ ولذا قيل للبهر وهو
تتابع النفس: قطع، فلينظر إذا اختنق ﴿هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ﴾: أي هل يذهب فعله ذلك ما
يغيظه من نصر الله نبيه و ﴿، في الدنيا والآخرة.

٨٥٤ -
سورة الحج: الآية (١٥)
والمعنى: لا يذهب ذلك الذي فعله ذلك الكافر الحاسد ما يغيظه ويغضبه من
نصر الله لنبيه محمد ﴾﴾ .
قال الزمخشري: وسمي فعله كيداً؛ لأنه وضعه موضع الكيد، حيث لم يقدر على
غيره، أو على سبيل الاستهزاء؛ لأنه لم يكد به محسوده، إنما كاد به نفسه، والمراد:
ليس في يده إلا ما ليس بمُذهب لما يغيظه، اهـ منه.
وحاصل هذا القول أن الله يقول الحاسديه *، الذين يتربصون به الدوائر،
ويظنون أن ربه لن ينصره، موتوا بغيظكم، فهو ناصره لا محالة على رغم أنوفكم،
وممن قال بهذا القول: مجاهد، وقتادة، وعكرمة، وعطاء، وأبو الجوزاء، وغيرهم.
كما نقله عنهم ابن كثير، وهو أظهرها عندي.
ومما يشهد لهذا المعنى من القرآن قوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ
الْغَيّظَّ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ﴾ .
الوجه الثاني: أن المعنى من كان يظن أن لن ينصر الله نبيه محمداً وَّل في الدنيا
والآخرة، والحال أن النصر يأتيه وَ ل من السماء، فليمدد بسبب إلى السماء فيرتقي بذلك
السبب، حتى يصعد إلى السماء، فيقطع نزول الوحي من السماء، فيمنع النصر عنه وَآلآر .
والمعنى أنه وإن غاظه نصر الله لنبيّه فليس له حيلة، ولا قدرة على منع النصر؛
لأنه لا يستطيع الارتقاء إلى السماء ومنع نزول النصر منها عليه وَّة. وعلى هذا القول
فصيغة الأمر في قوله: ﴿فَلْيَمْدُدْ﴾ وقوله: ﴿ثُمَّ لْيُقْطَعْ﴾ للتعجيز، ثم لينظر ذلك الحاسد
العاجز عن قطع النصر عنه * هل يذهب كيده إذا بلغ غاية جهده في كيد النبي وَّ ما
يغيظه من نصر الله لنبيه {آلچ.
والمعنى أنه إن أعمل كل ما في وسعه، من كيد النبي ◌َّ ليمنع عنه نصر الله،
فإنه لا يقدر على ذلك، ولا يذهب كيده ما يغيظه من نصر الله لنبيه وَثله.
ومما يشهد لهذا القول من القرآن قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُم مُّلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا
بَهُمَّ فَلْيَقُواْ فِى الْأَسْبَبِ ﴿٣ جُنْدٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّنَ الْأَحْزَابِ ﴾﴾ [ص] وقد أوضحنا
معنى هذه الآية في سورة الحجر.
ولبعض أهل العلم قول ثالث في معنى الآية الكريمة وهو أن الضمير في ﴿لَّن
يَنَصُرَهُ﴾ عائد إلى من في قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ﴾ وأن النصر هنا بمعنى الرزق،
وأن المعنى من كان يظن أن لن ينصره الله؛ أي لن يرزقه، فليختنق، وليقتل نفسه، إذ
لا خير في حياة ليس فيها رزق الله وعونه، أو فليختنق، وليمت غيظاً وغماً، فإن ذلك
لا يغيّر شيئاً مما قضاه الله وقدّره، والذين قالوا هذا القول قالوا: إن العرب تسمي
الرزق نصراً، وعن أبي عبيدة قال: وقف علينا سائل من بني بكر، فقال: من ينصرني
نصره الله، يعني: من يعطيني أعطاه الله، قالوا: ومن ذلك قول العرب: أرض منصورة:
أي ممطورة، ومنه قول رجل من بني فقعس:

٨٥٥
سورة الحج: الآيات (١٨ - ٢١) .
وإنك لا تُعطي امرأً فوق حقّه
ولا تملك الشّق الذي ألفيتَ ناصره
أي: معطيه.
قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له -: وهذا القول الأخير ظاهر السقوط، كما
ترى، والذين قالوا: إن الضمير في قوله: ﴿أَنْ لَّنْ يَنَصُرَهُ اللَّهُ﴾ راجع إلى الدِّين، أو
الكتاب، لا يخالف قولهم قول من قال: إن الضمير للنبي وَل﴾؛ لأن نصر الدين،
والكتاب هو نصره ﴿ كما لا يخفى، ونصر الله له وَل في الدنيا، بإعلائه كلمته، وقهره
أعداءه، وإظهار دينه، وفي الآخرة بإعلاء درجته، والانتقام ممن كذبه، ونحو ذلك كما
قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَدُ
[غافر] فإن قيل: قررتم أن الضمير في ينصره، عائد إليه وقّ، وهو لم يجر له ذكر،
فكيف قررتم رجوع الضمير إلى غير مذكور.
فالجواب: هو ما قاله غير واحد من أنه مَ له، وإن لم يجر له ذكر، فالكلام دال
عليه؛ لأن الإيمان في قوله في الآية التي قبلها تليها: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
اُلْضَلِحَتِ جَنَّاتٍ﴾ ... الآية. هو الإيمان بالله، وبمحمد وَلّه، والانقلاب عن الدين
المذكور في قوله: ﴿أَنْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ،﴾ انقلاب عما جاء به محمد ێ.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿ثُمَّ لَيَقْطَعْ﴾ قرأه أبو عمرو، وابن عامر، وورش،
عن نافع بكسر اللام على الأصل في لام الأمر، وقرأه الباقون بإسكان اللام تخفيفاً.
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَمَنْ فِ اٌلْأَرْضِ﴾ إلى قوله:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ﴾ قد قدمنا الآيات الموضحة لذلك في مواضع من هذا الكتاب
المبارك، فأغنى ذلك عن إعادته هنا .
قوله تعالى: ﴿وَِّينَ كَفَرُواْ قُطِعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن ثَّارِ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ
يُصْهَرُ بِهِ، مَا فِىِ بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ ﴿ وَلَمُ مَّقَمِعُ مِنْ حَدِيدٍ (®)﴾. ما ذكره - جل وعلا -
في هذه الآية الكريمة، من أنواع عذاب أهل النار، أعاذنا الله وإخواننا المسلمين منها،
ومن كل ما قرب إليها من قول وعمل، جاء مبيّناً في آيات أُخر من كتاب الله، فقوله
هنا: ﴿قُطِعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن ثَارٍ﴾؛ أي قطع الله لهم من النار ثياباً، وألبسهم إياها تَتَّقِدُ
عليهم كقوله فيهم: ﴿سَرَابِلُهُم مِّن قَطِرَانٍ﴾ [إبراهيم: ٥٠] والسرابيل: هي الثياب التي هي
القمص، كما قدمنا إيضاحه، وكقوله: ﴿لَهُمْ مِّن جَهَنََّ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشِّ﴾
[الأعراف: ٤١] والغواشي: جمع غاشية: وهي غطاء كاللحاف، وذلك هو معنى قوله
هنا: ﴿قُطِعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّنْ ثَارٍ﴾ وقوله تعالى هنا: ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾ ذكره
أيضاً في غير هذا الموضع كقوله: ﴿ثُمَّ صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ، مِنْ عَذَابِ اٌلْحَمِيمِ (@) ذُقْ
إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ ﴾﴾ [الدخان] والحميم: الماء البالغ شدة الحرارة، وكقوله
تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِى الْوُجُوهُ﴾ ... الآية [الكهف: ٢٩]. وقوله

٨٥٦
سورة الحج: الآيات (١٨ - ٢١)
هنا: ﴿يُصْهَرُ بِهِ، مَا فِ بُطُونِهِمْ﴾: أي يذاب بذلك الحميم، إذا سقوه فوصل إلى
بطونهم، كل ما في بطونهم من الشحم والأمعاء وغير ذلك، كقوله تعالى: ﴿وَسُقُواْ مَاءً
حَمِيعًا فَقَطَّعَ أَمْعَلَهُمْ﴾ والعرب تقول: صهرت الشيء فانصهر، فهو صهير: أي أذبته
فذاب، ومنه قول ابن أحمر يصف تغذية قطاة لفرخها في فلاة من الأرض:
تروي لِقى أُلْقِيَ في صَفْصَفٍ
تَصْهره الشَّمْس فما يَنْصَهِرْ
أي تذيبه الشمس، فيصبر على ذلك، ولا يذوب، وقوله: ﴿وَالْجُلُودُ﴾ الظاهر أنه
معطوف على ((ما)) من قوله: ﴿يُصْهَرُ بِهِ، مَا فِ بُطُوِهِمْ﴾ التي هي نائب فاعل يصهر،
وعلى هذا، الظاهر المتبادر من الآية، فذلك الحميم يذيب جلودهم، كما يذيب ما في
بطونهم؛ لشدة حرارته.
إذ المعنى: يصهر به ما في بطونهم، وتصهر به الجلود؛ أي جلودهم، فالألف
واللام قامتا مقام الإضافة، وقال بعض أهل العلم: والجلود مرفوع بفعل محذوف
معطوف على تصهر، وتقديره: وتحرق به الجلود، ونظير ذلك في تقدير العامل
المحذوف الرافع الباقي معموله مرفوعاً بعد الواو قول لبيد في معلقته:
فعلا فروعُ الأيْهِقَانِ وأطفَلت بالْجَهْلَتَيْنِ ظباؤُهَا ونَعَامُهَا
يعني: وباض نعامها؛ لأن النعامة لا تلد الطفل، وإنما تبيض، بخلاف الظبية فهي
تلد الطفل، ومثاله في المنصوب قول الآخر:
وزجَّجْنَ الحواجِبَ والعُيونَا
إذا ما الغانياتُ برزْنَ يوماً.
قِياماً راكعِينَ وسَاجِدينَا
ترى منَّا الأيور إذا رأَوْهَا
يعني: زججن الحواجب، وأکحلن العیون وقوله:
ورَأيْت زوجَك في الوَغَى: متقلِّداً سيفاً ورُمْحَا
أي: وحاملاً رمحاً؛ لأن الرمح لا يُتقلَّد، وقول الآخر:
وعينيه إنْ مولاه ثَابَ له وفْر
تراه كأنَّ الله يجدعُ أنفَه
يعني: ويفقأ عينيه، ومن شواهده المشهورة قول الراجز:
عَلَفْتها تِبناً وماءً بارداً
حتى شتتِ همالةً عيناها
يعني: وسقيتها ماءً بارداً، ومن أمثلة ذلك في القرآن قوله تعالى: ﴿وَاُلَِّيْنَ تَبَوَّهُو
الذَّارَ وَالْإِيمَنَ﴾ ... الآية [الحشر: ٩]: أي وأخلصوا الإيمان، أو ألفَوا الإيمان، ومثال
ذلك في المخفوض قولهم: ما كل بيضاء شحمة، ولا سوداء تمرة؛ أي ولا كل سوداء
تمرة، وإلى هذه المسألة أشار في الخلاصة بقوله:
وهي انفردت
: معمولُه دفعاً لوهم اتُّقي
د . بعطف عامل مُزال قَدْ بَقي

٨٥٧
سورة الحج: الآيات (٢٢ - ٢٥)
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَمُ تَّقَمِعُ مِنْ حَدِيدٍ ﴾ المقامع: جمع
مقمعة بكسر الميم الأولى، وفتح الميم الأخيرة، ويقال: مقمع بلا هاء، وهو في اللغة:
حديدة كالمحجن يضرب بها على رأس الفيل: وهي في الآية مرازب عظيمة من حديد
تضرب بها خزنة النار رؤوس أهل النار، وقال بعض أهل العلم: المقامع: سياط من
نار، ولا شك أن المقامع المذكورة في الآية من الحديد لتصريحه تعالى بذلك.
وقوله تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ لُخْتَصَمُواْ فِ رَبِمِّ فَلَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن
ثَّارِ﴾، نزل في المبارزين يوم بدر، وهم: حمزة بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب،
وعبيدة بن الحارث بن المطلب، وفي أقرانهم المبارزين من الكفار وهم: عتبة بن
ربيعة، وابنه الوليد بن عتبة، وأخوه شيبة بن ربيعة، كما ثبت في الصحيحين، وغيرهما .
٢٢
قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوْ أَنْ يَخْرُجُواْ مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُواْ فِيهَا وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ
ما ذكره - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة من أن أهل النار كلما أرادوا الخروج
منها، لما يصيبهم من الغم فيها عياذاً بالله منها، أعيدوا فيها، ومنعوا من الخروج منها
بيّنه في غير هذا الموضع، كقوله في المائدة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِى
اُلْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَدُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ، مِنْ عَذَابِ يَوْمِ اٌلْقِيَمَةِ مَا نُقُبِّلَ مِنْهُمِّ وَمْ عَذَابٌ أَلِيمُ
يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ النَّارِ وَمَا هُم بِخَرِينَ مِنْهَاْ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (®﴾ [المائدة]
وقوله في السجدة: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوْ أَنْ يَخْرُجُواْ مِنْهَا أُعِيدُواْ فِيهَا﴾ ... الآية، وقوله في آية الحج
هذه: ﴿وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ حذف فيه القول.
والمعنى أعيدوا فيها، وقيل لهم: ذوقوا عذاب الحريق، وهذا القول المحذوف
في الحج صرح به في السجدة في قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَرَدُوْ أَنْ يَخْرُواْ مِنْهَا أُعِيدُواْ فِيَهَا
وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُواْ عَذَابَ النَّارِ الَّذِى كُنتُم بِهِ، تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة: ٢٠] والمفسرون يقولون:
إن لهب النار يرفعهم، حتى يكاد يرميهم خارجها، فتضربهم خزنة النار بمقامع الحديد،
فتردهم في قعرها، نعوذ بالله منها، ومن كل ما يقرب إليها من قول وعمل.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَّامِ الَّذِى جَعَلْنَهُ
لِلنَّاسِ سَوَآءُ الْعَكِّفُ فِيهِ وَالْبَادِّ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمِ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِمٍ
اعلم أن خبر إن في قوله هنا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ محذوف كما ترى. والذي
تدل عليه الآية أن التقدير إن الذين كفروا، ويصدون عن سبيل الله، نذيقهم من عذاب
أليم. كما دلّ على هذا قوله في آخر الآية: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْرٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ
أَلِيمٍ﴾ وخير ما يفسر به القرآن القرآن.
فإن قيل: ما وجه عطف الفعل المضارع على الفعل الماضي في قوله: ﴿إِنَّ
الَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُونَ﴾؟ فالجواب من أربعة أوجه: واحد منها ظاهر السقوط.
الأول: هو ما ذكره بعض علماء العربية من أن المضارع، قد لا يلاحظ فيه زمان

٨٥٨
سورة الحج: الآيات (٢٢ - ٢٥)
معين من حال، أو استقبال، فيدل إذ ذاك على الاستمرار، ومنه: ﴿وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ
الَّهِ﴾ وقوله: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطْمَيِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهُ﴾ [الرعد: ٢٨] قاله أبو حيان وغيره ...
الثاني: أن يصدون خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: إن الذين كفروا، وهم
يصدون، وعليه فالجملة المعطوفة اسمية لا فعلية، وهذا القول استحسنه القرطبي.
الثالث: أن يصدون مضارع أريد به الماضي، أي كفروا، وصدوا وليس بظاهر.
الرابع: أن الواو زائدة، وجملة يصدون خبر إن؛ أي إن الذين كفروا يصدون.
وهذا هو الذي قدمنا أنه ظاهر السقوط، وهو كما ترى، وما ذكره - جل وعلا - في هذه
الآية من أن من أعمال الكفار الصد عن سبيل الله، وعن المسجد الحرام بيّنه في غير
هذا الموضع كقوله تعالى: ﴿وَصَدُّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ، وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ،
مِنْهُ أَكْبُ عِندَ اللهِ﴾ [البقرة: ٢١٧]. وقوله تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ
اُلْحَرَامِ وَالْهَدْىَ مَعُْوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥] وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَتَّكُمْ شَتَكَانُ قَوْرٍ أَنْ
صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ﴾ [المائدة: ٢] إلى غير ذلك من الآيات.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿سَوَآءَ الْعَكِّفُ فِيهِ وَالْبَارِ﴾ قرأه عامة السبعة
غير حفص عن عاصم: سواءٌ، بضم الهمزة، وفي إعرابه على قراءة الجمهور هذه برفع
سواء وجهان :
الأول: أن قوله ﴿ اَلْعَكِّفُ﴾ مبتدأ، والباد: معطوف عليه، وسواء خبر مقدم، وهو
مصدر أطلق وأريد به الوصف.
فالمعنى: العاكف والبادي سواء؛ أي مستويان فيه، وهذا الإعراب أظهر
الوجهين .
الثاني: أن سواء مبتدأ والعاكف فاعل سد مسد الخبر، والظاهر أن مسّوغ الابتداء
بالنكرة التي هي سواء، على هذا الوجه: هو عملها في المجرور الذي هو فيه، إذ
المعنى سواء فيه العاكف والبادي، وجملة المبتدأ وخبره في محل المفعول الثاني:
لجعلنا، وقرأ حفص عن عاصم: سواء بالنصب، وهو المفعول الثاني: لجعلنا التي
بمعنى صيرنا. والعاكف فاعل سواء؛ أي مستوياً فيه العاكف والبادي. ومن كلام
العرب: مررت برجل سواء هو والعدم. ومن قال: إن ((جعل)) في الآية تتعدى إلى
مفعول واحد. قال: إن سواء حال من الهاء في جعلناه؛ أي وضعناه للناس في حال
كونه سواء العاكف فيه والبادي كقوله: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ الآية [آل عمران: ٩٦].
وقال بعض أهل العلم: إن المراد بالمسجد الحرام في هذه الآية الكريمة: يشمل جميع
الحرم؛ ولذلك أخذ بعض العلماء من هذه الآية، أن رباع مكة لا تملك، وقد قدمنا
الكلام مستوفى في هذه المسألة، وأقوال أهل العلم فيها، ومناقشة أدلتهم في سورة
الأنفال، فأغنى ذلك عن إعادته هنا، والعاكف: هو المقيم في الحرم، والبادي:
الطارئ عليه من البادية، وكذلك غيرها من أقطار الدنيا .

٨٥٩
سورة الحج: الآيات (٢٢ - ٢٥) -
وقوله تعالى في الآية الكريمة: ((والبادي)) قرأه أبو عمرو وورش، عن نافع بإثبات
الياء، بعد الدال في الوصل، وإسقاطها في الوقف، وقرأه ابن كثير بإثباتها وصلاً
ووقفاً، وقرأه باقي السبعة بإسقاطها، وصلاً ووقفاً.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمِ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ
أَلِيمٍ﴾ قد أوضحنا إزالة الإشكال عن دخول الباء على المفعول في قوله: بإلحاد،
ونظائره في القرآن، وأكثرنا على ذلك من الشواهد العربية في الكلام على قوله تعالى:
﴿وَهُزِىّ إِلَيْكِ يِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم: ٢٥] فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
والإلحاد في اللغة أصله: الميل، والمراد بالإلحاد في الآية أن يميل، ويحيد عن دين الله
الذي شرعه، ويعم ذلك كل ميل وحيدة عن الدين، ويدخل في ذلك دخولاً أولياً الكفر بالله،
والشرك به في الحرم، وفعل شيء مما حرمه، وترك شيء مما أوجبه. ومن أعظم ذلك: انتهاك
حرمات الحرم. وقال بعض أهل العلم: يدخل في ذلك احتكار الطعام بمكة. وقال بعض أهل
العلم: يدخل في ذلك قول الرجل: لا والله، وبلى والله. وعن ابن عمر ظًا أنه كان له
فسطاطان: أحدهما: في طرف الحرم، والآخر: في طرف الحل، فإذا أراد أن يعاتب أهله، أو
غلامه فعل ذلك في الفسطاط الذي ليس في الحرم، يرى أن مثل ذلك يدخل في الإلحاد فيه بظلم.
قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له -: الذي يظهر في هذه المسألة أن كل مخالفة
بترك واجب، أو فعل محرم تدخل في الظلم المذكور، وأما الجائزات كعتاب الرجل
امرأته، أو عبده، فليس من الإلحاد، ولا من الظلم.
مسألة: قال بعض أهل العلم: من همَّ أن يعمل سيئة في مكة، أذاقه الله العذاب
الأليم بسبب همه بذلك، وإن لم يفعلها، بخلاف غير الحرم المكي من البقاع، فلا
يعاقب فيه بالهم. وعن عبد الله بن مسعود أنه لو أن رجلاً أراد بإلحاد فيه بظلم وهو
بعدن أبين، لأذاقه الله من العذاب الأليم، وهذا ثابت عن ابن مسعود، ووقفه عليه
أصح من رفعه، والذين قالوا هذا القول: استدلوا له بظاهر قوله تعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ
بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾؛ لأنه تعالى رتّب إذاقة العذاب الأليم، على إرادة
الإلحاد بالظلم فيه ترتيب الجزاء على شرطه، ويؤيد هذا قول بعض أهل العلم: إن الباء
في قوله: بإلحاد، لأجل أن الإرادة مضمنة معنى الهم؛ أي ومن يهمم فيه بإلحاد،
وعلى هذا الذي قاله ابن مسعود وغيره.
فهذه الآية الكريمة مخصصة لعموم قوله وَله : ((ومن همّ بسيئة فلم يعملها كُتبت له
حسنة)) الحديث، وعليه فهذا التخصيص لشدة التغليظ في المخالفة في الحرم المكي،
ووجه هذا ظاهر.
قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له -: ويحتمل أن يكون معنى الإرادة في قوله:
﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾ العزم المصمم على ارتكاب الذنب فيه، والعزم المصمم على
الذنب ذنب يعاقب عليه في جميع بقاع الله مكة وغيرها ..

٨٦٠
- سورة الحج: الآية (٢٦)
والدليل على أن إرادة الذنب إذا كانت عزماً مصمماً عليه أنها كارتكابه حديث أبي
بكرة الثابت في الصحيح: ((إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار))،
قالوا: يا رسول الله، قد عرفنا القاتل فما بال المقتول؟ قال: ((إنه كان حريصاً على قتل
صاحبه)). فقولهم: ما بال المقتول: سؤال عن تشخيص عين الذنب الذي دخل بسببه
النار مع أنه لم يفعل القتل، فبيّن النبي وَلته بقوله: ((إنه كان حريصاً على قتل صاحبه)) أن
ذنبه الذي أدخله النار، هو عزمه المصمم وحرصه على قتل صاحبه المسلم. وقد قدمنا
مراراً أن إن المكسورة المشددة تدل على التعليل كما تقرر في مسلك الإيماء والتنبيه.
ومثال المعاقبة على العزم المصمم على ارتكاب المحظور فيه، ما وقع بأصحاب
الفيل من الإهلاك المستأصل، بسبب طير أبابيل ﴿تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِيلٍ ﴾﴾ [الفيل]
لعزمهم على ارتكاب المناكر في الحرم، فأهلكهم الله بذلك العزم قبل أن يفعلوا ما
عزموا عليه، والعلم عند الله تعالى. والظاهر أن الضمير في قوله ((فيه)) راجع إلى المسجد
الحرام، ولكن حكم الحرم كله في تغليظ الذنب المذكور كذلك. والله تعالى أعلم ..
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَأْنَا لِإِبْرَهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَّا تُشْرِكْ بِ شَيْئًا وَطَهِّرُ بَيْتِيَ
لِلّطَّابِفِينَ وَالْقَآيِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ﴾﴾. أي اذكر حين بوأنا، تقول العرب: بوّأت له
منزلاً، وبوأته منزلاً، وبوّأته في منزل بمعنى واحد كلها بمعنى: هيأته له، ومكّنت له
فيه، وأنزلته فيه، فتبوأه: أي نزله، وتبوأت له منزلاً أيضاً هيّأته له، وأنزلته فيه فبوّأه
المتعدي بنفسه، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّلِحَتِ لَنُبَوِئَنَّهُم مِّنَ الْجَنَّةِ غُرَنَا﴾
[العنكبوت: ٥٨]. وقوله: ﴿وَلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبُوِّثَنَهُمْ فِىِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾
[النحل: ٤١]، ومنه قول عمرو بن معد يكرب الزبيدي:
كمْ من أخ لي ماجدٍ بوَأته بيدي لخـدا.
أي: هيأته له، وأنزلته فيه، وبوّأت له كقوله هنا: ﴿وَإِذْ بَوَأْنَا لِإِبْرَهِيمَ﴾ الآية،
وبوّأته فيه، كقول الشاعر:
وبُوْئت في صميم مَعْشَرِها وتمَّ في قومها مُبوّؤُها
أي نزلت من الكرم في صميم النسب، وتبوأت له منزلاً كقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَاً
إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُونًا﴾ [يونس: ٨٧] وتبوأه كقوله: ﴿وَأَثَنَا اُلْأَرْضَ نَتَّبَوَّأُ
مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ﴾ [الزمر: ٧٤]. وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِ الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ
مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ﴾ [يوسف: ٥٦] وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّهُوَ الدَّارَ وَالْإِيمَنَ﴾ [الحشر: ٩].
وأصل التبوء: من المباءة: وهي منزل القوم في كل موضع، فقوله: ﴿بَوَأْنَا لِإِبْرَهِيمُ
مَكَانَ الْبَيْتِ﴾؛ أي هيأناه له، وعرفناه إياه، ليبنيه بأمرنا على قواعده الأصلية
المندرسة، حين أمرناهُ ببنائه، كما يهيأ المكان لمن يريد النزول فيه.
والمفسرون يقولون: بوّأه له، وأراه إياه بسبب ريح تسمى الخجوج كنست ما فوق