Indexed OCR Text

Pages 801-820

٨٠١
سورة الأنبياء: الآية (٤٤)
قوله تعالى: ﴿بَلّ مَنَّعْنَا هَؤُلَاءٍ وَمَابَآءَ هُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُّ﴾
الظاهر أن الإضراب بـ ﴿بَلْ﴾ في هذه الآية الكريمة انتقالي، والإشارة في قوله
﴿هَؤُلاءِ﴾، راجعة إلى المخاطبين من قبل في قوله: ﴿قُلْ مَن يَكْلَؤُكُمْ بِلَتْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ
الرَّحْمَنْ﴾ ... الآية، وهم كفار قريش، ومن اتخذ آلهة من دون الله. والمعنى أنه متع
هؤلاء الكفار وآباءهم قبلهم بما رزقهم من نعيم الدنيا حتى طالت أعمارهم في رخاء
ونعمة، فحملهم ذلك على الطغيان واللجاج في الكفر.
وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أنه تعالى يمهل الكفار ويملي لهم في النعمة،
وأن ذلك يزيدهم كفراً وضلالاً، جاء موضحاً في مواضع كثيرة من كتاب الله تعالى،
كقوله: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوَاْ أَنَّمَا تُعْلِى لَمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمَّ إِنَّمَا ثُمْلِ لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَّأَ وَلَهُمْ
عَذَابٌ مُّهِينٌ (4)﴾ [آل عمران]، وقوله تعالى: ﴿سَنَتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (٨) وَأُمَلِ لَهُمَّ
إِنَّ كَيْدِى مَنِينُ (٣)﴾ [الأعراف]، وقوله تعالى: ﴿قَالُواْ سُبْحَنَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِ لَنَا أَنْ تَّتَّخِذَ مِن
دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَآءُ وَلَكِنَ متَّعْتَهُمْ وَءَابَآءَ هُمْ حَتَّى نَسُواْ النَّكْرَ وَكَانُواْ قَوْمًّاً بُورًا (®﴾ [الفرقان]،
وقوله تعالى: ﴿بَلَّ مَثَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَءَابَآءَهُمْ حَتَّى جَآءَ هُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ ﴿ وَلَمَّا جَآءَهُمُ الْحَقُّ
قَالُواْ هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ، كَفِرُونَ ﴾﴾ [الفرقان]، والآيات بمثل ذلك كثيرة. والعمر يطلق
على مدة العيش.
قوله تعالى: ﴿أَفَلَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِى الْأَرْضَ نَقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَلِبُونَ﴾ .
في معنى إتيان الله الأرض ينقصها من أطرافها في هذه الآية الكريمة أقوال معروفة
للعلماء، وبعضها تدل له قرينة قرآنية:
قال بعض العلماء: نقصها من أطرافها: موت العلماء، وجاء في ذلك حديث
مرفوع عن أبي هريرة. وبعد هذا القول عن ظاهر القرآن بحسب دلالة السياق، ظاهر
كما ترى، وقال بعض أهل العلم: نقصها من أطرافها خرابها عند موت أهلها.
وقال بعض أهل العلم: نقصها من أطرافها هو نقص الأنفس والثمرات، إلى غير
ذلك من الأقوال، وأما القول الذي دلت عليه القرينة القرآنية، فهو أن معنى ﴿نقُصُهَا مِنْ
أَطْرَافِهَا﴾ أي ننقص أرض الكفر ودار الحرب، ونحذف أطرافها بتسليط المسلمين عليها
وإظهارهم على أهلها، وردها دار إسلام. والقرينة الدالة على هذا المعنى هي قوله
بعده: ﴿أَفَهُمُ الْغَلِبُونَ﴾. والاستفهام الإنكار غلبتهم. وقيل: لتقريرهم بأنهم مغلوبون لا
غالبون، فقوله: ﴿أَفَّهُمُ الْغَلِبُونَ﴾ دليل على أن نقص الأرض من أطرافها سبب لغلبة
المسلمين للكفار، وذلك إنما يحصل بالمعنى المذكور، ومما يدل لهذا الوجه قوله
تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيُهُم بِمَا صَنَعُواْ فَارِعَةُ أَوْ تَّهُلُّ قَرِيبًا مِّنَ دَارِهِمْ خَّى يَأَِْ وَعْدُ
اللَّهِ﴾ [الرعد: ٣١]، على قول من قال: إن المراد بالقارعة التي تصيبهم سرايا النبي ◌َل
تفتح أطراف بلادهم، أو تحل أنت يا نبي الله قريباً من دارهم. وممن يروى عنه هذا

٨٠٢ -
سورة الأنبياء: الآية (٤٧)
القول: ابن عباس وأبو سعيد وعكرمة ومجاهد وغيرهم. وهذا المعنى الذي ذكر الله هنا
ذكره في آخر سورة ((الرعد)) أيضاً في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأَنِىِ الْأَرْضَ نَنَقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَاً
وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾﴾ [الرعد]. وقال ابن كثير الظُّ في
تفسير آية ((الأنبياء)) هذه: إن أحسن ما فسر به قوله تعالى: ﴿أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِ الْأَرْضَ
نَنَقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَاً﴾؛ هو قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُم مِّنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا اُلْأَيْنَتِ
◌َعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٣)﴾ [الأحقاف].
قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له -: ما ذكره ابن كثير تَُّ صواب، واستقراء
القرآن العظيم يدل عليه. وعليه فالمعنى: أفلا يرى كفار مكة ومن سار سيرهم في
تكذيبك يا نبي الله، والكفر بما جئت به ﴿أَنَّا نَأْتِى الْأَرْضَ نَقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَاً﴾
[الرعد: ٤١]، أي بإهلاك الذين كذبوا الرسل كما أهلكنا قوم صالح وقوم لوط، وهم
يمرون بديارهم. وكما أهلكنا قوم هود، وجعلنا سبأ أحاديث ومزقناهم كل ممزق، كل
ذلك بسبب تكذيب الرسل، والكفر بما جاءوا به. وهذا هو معنى قوله: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا
حَوْلَكُمْ مِّنَ اُلْقُرَى﴾ [الأحقاف: ٢٧]، كقوم صالح وقوم لوط وقوم هود وسبأ، فاحذروا من
تكذيب نبينا محمد وَّلر؛ لئلا ننزل بكم مثل ما أنزلنا بهم. وهذا الوجه لا ينافي قوله
بعده ﴿أَفَهُمُ الْغَلِبُونَ﴾ والمعنى أن الغلبة لحزب الله القادر على كل شيء، الذي أهلك
ما حولكم من القرى بسبب تكذيبهم رسلهم، وأنتم لستم بأقوى منهم، ولا أكثر أموالاً
ولا أولاداً كما قال تعالى: ﴿أَهُمْ خَيْرُ أَمْ قَوْمُ تُبَّعِ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَهُمْ﴾ [الدخان: ٣٧].
وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِ الْأَرْضِ فَيَنَظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُواْ أَكْثَرَ
مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَمَاثَارًا فِى الْأَرْضِ فَمَآ أَغْفَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ (بَ﴾﴾ [غافر]، وقال
تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُواْ فِ الْأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمَّ كَانُواْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً
وَأَثَارُواْ الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَآ أَكْثَرَ مِمَا عَمَرُوهَا﴾ [الروم: ٩]، إلى غير ذلك من الآيات.
وإنذار الذين كذبوه وسي* بما وقع لمن كذب من قبله من الرسل كثير جدًّا في
القرآن. وبه تعلم اتجاه ما استحسنه ابن كثير تَّهُ من تفسير آية ((الأنبياء)) هذه بآية
((الأحقاف)) المذكورة كما بينا.
وقال الزمخشري فى تفسير هذه الآية الكريمة: فإن قلت: أي فائدة فى قوله:
﴿فَأَتِ الْأَرْضَ﴾؟ قلت: فيه تصوير ما كان الله يجريه على أيدي المسلمين، وأن
عساكرهم وسراياهم كانت تغزو أرض المشركين، وتأتيها غالبة عليها ناقصة من
أطرافها. (اهـ منه)، والله - جل وعلا - أعلم.
قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَزِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَئِمَةِ فَلَ نُظْلَمُ نَفْسُ شَيْئاً وَإِن كَانَ
مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَنْيَنَا بِهَأْ وَكَفَى بِنَا حَسِينَ ﴾﴾.
ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة أنه يضع الموازين القسط ليوم القيامة؛
:

٨٠٣
سورة الأنبياء: الآية (٤٧) .
فتوزن أعمالهم وزناً في غاية العدالة والإنصاف؛ فلا يظلم الله أحداً شيئاً، وأن عمله
من الخير أو الشر، وإن كان في غاية القلة والدقة كمثقال حبة من خردل، فإن الله يأتي
به؛ لأنه لا يخفى عليه شيء، وكفى به - جلّ وعلا - حاسباً؛ لإحاطة علمه بكل شيء.
وبين في غير هذا الموضع أن الموازين عند ذلك الوزن منها ما يخف، ومنها ما
يثقلٍ، وأن من خفت موازينه هلك، ومن ثقلت موازينه نجا كقوله تعالى: ﴿وَأُلْوَزْنُ يَوْمَيْدٍ
وَمَنْ خَفَّتْ مَوَزِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ
الْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَزِينُهُ فَأُوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ()
أَنْفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِشَايَتِنَا يَظْلِمُونَ ﴾﴾ [الأعراف]، وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا تُفِيخَ فِ الصُّورِ فَلَّ
: فَمَن ثَّقُلَتْ مَوَزِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (49) وَمَنْ
أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَيِذٍ وَلَا يَسَلُونَ ◌َ
خَفَتْ مَوَزِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوَاْ أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَلِدُونَ (6)﴾ [المؤمنون]، وقوله
وَأَمَّا مَنْ خَقَّتْ
V
تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَزِينُهُ ﴾ فَهُوَ فِ عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ
مَوَزِينٌ ﴿ فَأُقُّمُ هَاوِيَةٌ ﴾﴾ [القارعة] إلى غير ذلك من الآيات.
وما ذكره - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة من أن موازين يوم القيامة موازين
قسط، ذكره في ((الأعراف)) في قوله: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَيِذٍ الْحَقّ﴾ [الأعراف: ٨]؛ لأن الحق
عدل وقسط. وما ذكره فيها: من أنه لا تظلم نفس شيئاً بينه في مواضع أخر كثيرة كقوله:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنَّهُ أَبْرًا عَظِيمًا
٢٤٠
[النساء]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
٤٤
[يونس]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩]، وقد قدمنا الآيات الدالة
على هذا في سورة ((الكهف))
وما ذكره - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة من كون العمل وإن كان مثقال ذرة من
خير أو شر أتى به - جلّ وعلا - أوضحه في غير هذا الموضع كقوله عن لقمان مقرراً له:
﴿َبُنَّ إِنَّا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِ صَخْرَةٍ أَوْ فِ السَّمَوَتِ أَوْ فِ اُلْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا
اَللَّهَ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفُ خَبِيرٌ ﴾﴾ [لقمان]، وقوله تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ
[الزلزلة] إلى غير ذلك من الآيات.
وَمَّن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا بَرَهُ ﴾
٧
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَزِينَ﴾ جمع ميزان، وظاهر القرآن تعدد
الموازين لكل شخص، لقوله: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَزِينُهُ﴾ [الأعراف: ٨]، وقوله: ﴿وَمَنْ خَقَّتْ
مَوَزِينُهُ﴾ [الأعراف: ٩]، فظاهر القرآن يدل على أن للعامل الواحد موازين يوزن بكل
واحد منها صنف من أعماله، كما قال الشاعر:
ملك تقوم الحادثات لعدله فلكل حادثة لها ميزان
والقاعدة المقررة في الأصول أن ظاهر القرآن لا يجوز العدول عنه إلا بدليل
يجب الرجوع إليه. وقال ابن كثير في تفسير هذه الآية الكريمة: الأكثر على أنه إنما هو
ميزان واحد، وإنما جمع باعتبار تعدد الأعمال الموزونة فيه. وقد قدمنا في آخر سورة
((الكهف)) كلام العلماء في كيفية وزن الأعمال، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.

٨٠٤
سورة الأنبياء: الآية (٤٧)
وقوله في هذه الآية: ﴿اَلْقِسْطَ﴾ أي العدل، وهو مصدر وصف به؛ ولذا لزم
إفراده، كما قال في الخلاصة:
ونعتوا بمصدر كثيراً. فالتزموا الإفراد والتذكيرا
كما قدمنا مراراً، ومعلوم أن النعت بالمصدر يقول فيه بعض العلماء: إنه
للمبالغة. وبعضهم يقول: هو بنية المضاف المحذوف، فعلى الأول كأنه بالغ في عدالة
الموازين حتى سماها القسط الذي هو العدل. وعلى الثاني فالمعنى: الموازين ذوات
القسط .
واللام في قوله: ﴿لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ فيها أوجه معروفة عند العلماء:
منها: أنها للتوقيت، أي الدلالة على الوقت، كقول العرب: جئت لخمس ليال
بقين من الشهر، ومنه قول نابغة ذبيان:
توهمت آيات لها فعرفتها
لستة أعوام وذا العام سابع
ومنها: أنها لام كي، أي نضع الموازين القسط لأجل يوم القيامة، أي لحساب
الناس فيه حساباً في غاية العدالة والإنصاف.
ومنها: أنها بمعنى في، أي نضع الموازين القسط في يوم القيامة.
والكوفيون يقولون: إن اللام تأتي بمعنى في، ويقولون: إن من ذلك قوله تعالى:
﴿وَنَضَعُ الْمَوَزِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ اٌلْقِيَامَةِ﴾؛ أي في يوم القيامة، وقوله تعالى: ﴿لَا يُحِّهَا لِوَقِهَاً
إِلَّا هُوْ﴾ [الأعراف: ١٨٧]؛ أي في وقتها. ووافقهم في ذلك ابن قتيبة من المتقدمين،
وابن مالك من المتأخرين، وأنشد مستشهداً لذلك قول مسكين الدارمي:
أولئك قومي قد مضوا لسبيلهم كما قد مضى من قبل عاد وتبع
يعني مضوا في سبيلهم. وقول الآخر:
مقيمين مفقود لوقت وفاقد
وكل أب وابن وإن عمرا معاً
أي في وقت.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَلَ نُظْلَمُ نَفْسُ شَيْئًا﴾ يجوز أن يكون
﴿شَيْئًا﴾ هو المفعول الثاني ل﴿نُظْلَمُ﴾ ويجوز أن يكون ما ناب عن المطلق؛ أي شيئاً
من الظلم لا قليلاً ولا كثيراً. ومثقال الشيء: وزنه. والخردل: حب في غاية الصغر
والدقة. وبعض أهل العلم يقول: هو زريعة الجرجير. وأنث الضمير في قوله: ﴿بِهَا﴾
وهو راجع إلى المضاف الذي هو ﴿مِثْقَالَ﴾ وهو مذكر لاكتسابه التأنيث من المضاف
إليه الذي هو: ﴿حَبَّدٍ مِّنْ خَرَدَلٍ﴾ على حد قوله في الخلاصة:
تأنيثا إن كان لحذف مؤهلا
وربما أكسب ثان أولا
ونظير ذلك من كلام العرب قول عنترة في معلقته:

٨٠٥
سورة الأنبياء: الآيات (٥٠ - ٦٨) .
-
فتركن كل قرارة كالدرهم
جاد عليه كل عين ثرة
وقول الراجز:
نقضن كلي ونقضن بعضي
طول الليالي أسرعت في نقضي
وقول الأعشى:
كما شرقت صدر القناة من الدم
وتشرق بالقول الذي قد أذعته
وقول الآخر:
أعاليها مر الرياح النواسم
مشين كما اهتزت رماح تسفهت
فقد أنث في البيت الأول لفظة ((كل)) لإضافتها إلى ((عين))، وأنث في البيت الثاني
لفظة ((طول)) لإضافتها إلى ((الليالي)) وأنث في البيت الثالث ((الصدر)) لإضافته إلى
((القناة)) وأنث في البيت الرابع ((مر)) لإضافته إلى ((الرياح)). والمضافات المذكورة لو
حذفت لبقي الكلام مستقيماً، كما قال في الخلاصة:
إن كان لحذف مؤهلا
وقرأ هذا الحرف عامة القراء ما عدا نافعاً ﴿وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ﴾ بنصب
﴿مِثْقَالَ﴾ على أنه خبر ﴿كَانَ﴾ أي وإن كان العمل الذي يراد وزنه مثقال حبة من
خردل. وقرأ نافع وحده (وإن كان مثقالُ) بالرفع فاعل ﴿كَنَ﴾ على أنها تامة كقوله
تعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَقٍ﴾ ... الآية [البقرة: ٢٨٠].
قوله تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكُ أَنزَلْنَهُ أَفَنْتُمْ لَهُ مُنِكِرُونَ (@). ذكر - جل وعلا - في
هذه الآية الكريمة أن هذا القرآن العظيم ﴿ذِكْرٌ مُبَارَكُ﴾ أي كثير البركات والخيرات؛ لأنه
فيه خير الدنيا والآخرة، ثم ويخ من ينكرونه منكراً عليهم بقوله: ﴿أَفَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ .
وما ذكره - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة من أن هذا القرآن مبارك بينه في مواضع
متعددة من كتابه كقوله تعالى في ((الأنعام)): ﴿وَهَذَا كِثَبُ أَنْزَلْنَهُ مُبَارَكٌ فَأَتَّبِعُوهُ وَأَتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ
تُرْحَمُونَ ﴾﴾، وقوله فيها أيضاً: ﴿وَهَذَا كِتَكُ أَنْزَلْتَهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [الأنعام:
٩٢]؛ وقوله تعالى في ((ص)): ﴿كِتَبُ أَنزَلْنَهُ إِلَيَّكَ مُبَرَّقٌ لِيَدَّبَرُوْ ءَايَتِهِ، وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ
®﴾، إلى غير ذلك من الآيات، فنرجو الله تعالى القريب المجيب أن تغمرنا بركات
هذا الكتاب العظيم المبارك بتوفيق الله تعالى لنا لتدبر آياته، والعمل بما فيها من الحلال
والحرام، والأوامر والنواهي، والمكارم والآداب: امتثالاً واجتناباً، إنه قريب مجيب ..
قوله تعالى: ﴿وَقَدْ ءَانَيْنَآ إِتَهِيَمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ﴾ إلى قوله ﴿ ... أَفَلَا تَعْقِلُونَ
قد قدمنا ما يوضح هذه الآيات إلى آخر القصة من القرآن في سورة ((مريم))،
فأغنى ذلك عن إعادته هنا .
(٨) ﴾. ذكر - جل وعلا -
قوله تعالى: ﴿قَالُواْ حَرِفُهُ وَأَنصُرُوَاْ ءَالِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَعِلِينَ

٨٠٦
سورة الأنبياء: الآيتان (٦٩ - ٧٠)
في هذه الآية الكريمة أن نبيه إبراهيم - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - لما أفحم قومه
الكفرة بالبراهين والحجج القاطعة، لجأوا إلى استعمال القوة فقالوا: ﴿حَرِّفُوهُ وَأَنْصُرُوّاً
ءَالِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَعِلِينَ﴾ أي بقتلكم عدوها إبراهيم شر قتلة، وهي الإحراق بالنار.
ولم يذكر هنا أنهم أرادوا قتله بغير التحريق، ولكنه تعالى ذكر في سورة
((العنكبوت)) أنهم ﴿قَالُواْ أَقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ﴾، وذلك في قوله: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ.
إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ﴾ ... الآية [العنكبوت: ٢٤].
وقد جرت العادة بأن المبطل إذا أفحم بالدليل لجأ إلى ما عنده من القوة
ليستعملها ضد الحق.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿إِن كُنتُمْ فَعِلِينَ﴾ أي إن كنتم ناصرين آلهتكم
نصراً مؤزراً. فاختاروا له أفظع قتلة، وهي الإحراق بالنار. وإلا فقد فرطتم في نصرها.
قوله تعالى: ﴿قُلْنَا يَنَارُ كُنِى بَّا وَسَلَمَا عَلَى إِزَهِيمَ ﴿ وَأَدُواْ بِهِ، كَيْدًا فَجَعَلْنَهُمُ
اُلْأَخْسَرِينَ ﴾. في الكلام حذف دل المقام عليه، وتقديره: قالوا حرقوه فرموه في
النار، فلما فعلوا ذلك قلنا يا نار كوني برداً وسلاماً، وقد بين في ((الصافات)) أنهم لما
أرادوا أن يلقوه في النار بنوا له بنياناً ليلقوه فيه.
وفي القصة أنهم ألقوه من ذلك البنيان العالي بالمنجنيق بإشارة رجل من أعراب
فارس (يعنون الأكراد)، وأن الله خسف به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة،
﴾ [الصافات: ٩٧]. والمفسرون يذكرون
٩٧
قال تعالى: ﴿قَالُواْ أَبُواْ لَهُ بُلِيَّنًا فَأَلْقُوهُ فِ الْجَحِيمِ
من شدة هذه النار وارتفاع لهبها، وكثرة حطبها شيئاً عظيماً هائلاً. وذكروا عن نبي الله
إبراهيم أنهم لما كتفوه مجرداً ورموه إلى النار، قال له جبريل: هل لك حاجة؟ قال:
أما إليك فلا، وأما الله فنعم! قال: لم لا تسأله؟ قال: علمه بحالي كاف عن سؤالي ..
وما ذكر الله - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة من أنه أمر النار بأمره الكوني
القدري أن تكون برداً وسلاماً على إبراهيم، يدل على أنه أنجاه من تلك النار؛ لأن
قوله تعالى: ﴿كُونِي بَرًّا﴾ يدل على سلامته من حرها، وقوله: ﴿وَسَلَمًا﴾ يدل على
سلامته من شر بردها الذي انقلبت الحرارة إليه. وإنجاؤه إياه منها الذي دل عليه أمره
الكوني القدري هنا جاء مصرحاً به في ((العنكبوت)) في قوله تعالى: ﴿فَأَنْجَنُهُ اَللَّهُ مِن
النَّارِ﴾ [العنكبوت: ٢٤] وأشار إلى ذلك هنا بقوله: ﴿ وَجَتْنَهُ وَلُوطًا﴾ ... الآية.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَأَرَدُواْ بِهِ، كَيْدًا فَجَعَلْنَهُمُ الْأَخْسَرِينَ (٣)﴾ يوضحه
ما قبله، فالكيد الذي أرادوه به؛ إحراقه بالنار نصراً منهم لآلهتهم في زعمهم، وجعله تعالى
إياهم الأخسرين؛ أي الذين هم أكثر خسراناً لبطلان كيدهم وسلامته من نارهم.
وقد أشار تعالى إلى ذلك أيضاً في سورة ((الصافات)) في قوله: ﴿فَأَرَادُواْ بِهِ . - كَيْداً
◌َعَلْنَهُمُ الْأَسْفَلِينَ ﴾﴾ [الصافات]، وكونهم الأسفلين واضح لعلوه عليهم وسلامته من

٨٠٧
سورة الأنبياء: الآية (٧١).
شرهم، وكونهم الأخسرين؛ لأنهم خسروا الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين.
وفي القصة أن الله سلط عليهم خلقاً من أضعف خلقه فأهلكهم وهو البعوض. وفيها
أيضاً أن كل الدواب تطفئ عن إبراهيم النار، إلا الوزغ فإنه ينفخ النار عليه.
وقد قدمنا الأحاديث الواردة بالأمر بقتل الأوزاغ في سورة ((الأنعام)). وعن أبي
العالية: لو لم يقل الله ﴿سَلَمًا﴾ [هود: ٦٩]، لكان بردها أشد عليه من حرها، ولو لم
يقل ﴿عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ لكان بردها باقياً إلى الأبد. وعن علي وابن عباس حثه لو لم يقل
﴿وَسَلَمًا﴾ لمات إبراهيم من بردها. وعن السدي: لم تبق في ذلك اليوم نار إلا طفئت.
وعن كعب وقتادة: لم تحرق النار من إبراهيم إلا وثاقه. وعن المنهال بن عمرو: قال
إبراهيم ما كنت أياماً قط أنعم مني في الأيام التي كنت فيها في النار. وعن شعيب
الحماني: أنه ألقي في النار وهو ابن ست عشر سنة. وعن ابن جريج: ألقي فيها وهو
ابن ست وعشرين. وعن الكلبي: بردت نيران الأرض جميعاً، فما أنضجت ذلك اليوم
كراعاً. وذكروا في القصة أن نمروذ أشرف على النار من الصرح فرأى إبراهيم جالساً
على السرير يؤنسه ملك الظل، فقال: نعم الرب ربك، لأقربن له أربعة آلاف بقرة،
وكف عنه. وكل هذا من الإسرائيليات. والمفسرون يذكرون كثيراً منها في هذه القصة
وغيرها من قصص الأنبياء.
وقال البخاري في صحيحه: حدثنا أحمد بن يونس، أراه قال: حدثنا أبو بكر عن
أبي حصين عن أبي الضحى عن ابن عباس: ((حسبنا الله ونعم الوكيل)) قالها إبراهيم الشَّلة
حين ألقي في النار، وقالها محمد وَ ﴿ حين قالوا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ
فَزَادَهُمْ إِيمَنَّا وَقَالُواْ حَسْبُنَا ◌َللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]. حدثنا مالك بن
إسماعيل، حدثنا إسرائيل عن أبي حصين عن أبي الضحى عن ابن عباس قال: كان آخر
قول إبراهيم حين ألقي في النار: ((حسبي الله ونعم الوكيل))، انتهى.
قوله تعالى: ﴿ وَجَيْنَهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِىِ بَرَّكْنَا فِيَهَا لِلْعَلَمِينَ ﴾﴾، الضمير في
قوله: ﴿وَنَجَّيْنَهُ﴾ عائد إلى إبراهيم، قال أبو حيان في البحر المحيط: وضمن قوله:
وَنَّيْنَهُ﴾ معنى أخرجناه بنجاتنا إلى الأرض؛ ولذلك تعدى ((نجيناه)) بإلى، ويحتمل
أن يكون ﴿إِلَى﴾ متعلقاً بمحذوف؛ أي منتهياً إلى الأرض، فيكون في موضع الحال.
ولا تضمين في ﴿ وَنَخَيْنَهُ﴾ على هذا، والأرض التي خرجا منها هي كوثى من أرض
العراق، والأرض التي خرجا إليها: هي أرض الشام، اهـ منه. وهذه الآية الكريمة تشير
إلى هجرة إبراهيم ومعه لوط من أرض العراق إلى الشام فراراً بدينهما .
وقد أشار تعالى إلى ذلك في غير هذا الموضع كقوله في ((العنكبوت)»: ﴿فَامَنَ لَهُ
لُوطُ وَقَالَ إِنِّ مُهَاجِرُ إِلَى رَبِّ﴾ الآية [العنكبوت: ٢٦]، وقوله في ((الصافات)): ﴿وَقَالَ إِ
(49)) [الصافات]، على أظهر القولين؛ لأنه فار إلى ربه بدينه من
ذَاهِبٌ إِلَى رَبِی سَیھدینِ

٨٠٨
سورة الأنبياء: الآية (٧٢)
١٩٩
الكفار. وقال القرطبي تَخَذَهُ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَالَ إِنِّ ذَاهِبُ إِلَى رَبِّ سَيَهْدِینِ
هذه الآية أصل في الهجرة والعزلة، وأول من فعل ذلك إبراهيم ظلّل، وذلك حين
خلصه الله من النار قال: ﴿إِنّ ذَاهِبُّ إِلَى رَبٍ﴾، أي مهاجر من بلد قومي ومولدي، إلى
حيث أتمكن من عبادة ربي ﴿فَإِنَّهُ سَيَهْدِينٍ﴾، فيما نويت إلى الصواب. وما أشار
إليه - جلّ وعلا - من أنه بارك للعالمين في الأرض المذكورة، التي هي الشام على قول
الجمهور في هذه الآية بقوله: ﴿إِلَى الْأَرْضِ اٌلَِّى بَرَّكْنَا فِيَهَا لِلْعَلَمِينَ﴾؛ بينِه في غير
الموضع كقوله: ﴿وَلِسُلَيْمَنَ الْرّيْحَ عَاصِفَةً تَجْرِى بِأَمْرِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِ بَرَكْنَا فِيهَا﴾، وقوله
تعالى: ﴿سُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا الَّذِىِ بَرَّكْنَا
حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: ١]. ومعنى كونه (بارك فيها)؛ هو ما جعل فيها من الخصب والأشجار
والأنهار والثمار كما قال تعالى: ﴿لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف:
٩٦]؛ ومن ذلك أنه بعث أكثر الأنبياء منها .
وقال بعض أهل العلم: ومن ذلك أن كل ماء عذب أصل منبعه من تحت الصخرة
التي عند بيت المقدس، وجاء في ذلك حديث مرفوع، والظاهر أنه لا يصح. وفي قوله
تعالى: ﴿ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِى بَرَّكْنَا فِيهَا﴾ أقوال أخر تركناها لضعفها في نظرنا ..
وفي هذه الآية الكريمة دليل على أن الفرار بالدين من دار الكفر إلى بلد يتمكن
فيه الفار بدينه من إقامة دينه واجب، وهذا النوع من الهجرة وجوبه باق بلا خلاف بين
العلماء فى ذلك
قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ: إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةٌ وَكُلََّ جَعَلْنَا صَلِحِينَ
ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة أنه وهب لإبراهيم ابنه إسحاق، وابن ابنه
يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، وأنه جعل الجميع صالحين، وقد أوضح البشارة بهما
في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿وَأَمْرَأَتُمُ قَيِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَآءِ
إِسْخَقَ يَعْقُوبَ ﴾ [هود]، وقوله: ﴿وَبَشَّرْنَهُ بِسْطَقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّلِحِينَ (٣)﴾ [الصافات]. وقد
أشار تعالى في سورة ((مريم)) إلى أنه لما هجر الوطن والأقارب عوضه الله من ذلك قرة
العين بالذرية الصالحة، وذلك في قوله: ﴿فَلَمَّا أَعْتَزَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُرْ
إِسْحَقَ وَيَعْقُوبٍّ وَكُلَّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (٨)﴾ [مريم].
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿ نَافِلَةً﴾ قال فيه ابن كثير: قال عطاء ومجاهد:
نافلة عطية. وقال ابن عباس وقتادة والحكم بن عتيبة: النافلة: ولد الولد، يعني أن
يعقوب ولد إسحاق.
قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له -: أصل النافلة في اللغة: الزيادة على الأصل،
ومنه النوافل في العبادات؛ لأنها زيادات على الأصل الذي هو الفرض، وولد الولد
زيادة على الأصل، الذي هو ولد الصلب، ومن ذلك قول أبي ذؤيب الهذلي:
٠

٨٠٩
سورة الأنبياء: الآية (٧٣).
فإن تك أنثى من معد كريمة ... علينا فقد أعطيت نافلة الفضل
أي أعطيت الفضل عليها والزيادة في الكرامة علينا، كما هو التحقيق في معنى
بيت أبي ذؤيب هذا، وكما شرحه به أبو سعيد الحسن بن الحسين السكري في شرحه
لأشعار الهذليين، وبه تعلم أن إيراد صاحب اللسان بيت أبي ذؤيب المذكور مستشهداً
به؛ لأنّ النافلة الغنيمة غير صواب، بل هو غلط، مع أن الأنفال التي هي الغنائم راجعة
في المعنى إلى معنى الزيادة؛ لأنها زيادة تكريم أكرم الله بها هذا النبي الكريم فأحلها له
ولأمته، أو لأن الأموال المغنومة أموال أخذوها زيادة على أموالهم الأصلية بلا ثمن.
وقوله: ﴿نَافِلَةٌ﴾ فيه وجهان من الإعراب، فعلى قول من قال: النافلة العطية،
فهو ما ناب عن المطلق من ((وهبنا)) أي وهبنا له إسحاق ويعقوب هبة، وعليه فالنافلة
مصدر جاء بصيغة اسم الفاعل كالعاقبة والعافية. وعلى أن النافلة بمعنى الزيادة فهو
حال من ((يعقوب))؛ أي وهبنا له يعقوب في حال كونه زيادة على إسحاق.
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَهُمْ أَبِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَتِ وَإِقَامَ
الصَّلَوةِ وَإِنَآءَ الزَّكَوَةٌ وَكَانُواْ لَنَا عَبِدِينَ (٣)﴾. الضمير في قوله: ﴿وَجَعَلْنَهُمْ﴾ يشمل
كل المذكورين: إبراهيم، ولوطاً وإسحاق، ويعقوب، كما جزم به أبو حيان في البحر
المحيط، وهو الظاهر.
وقد دلت هذه الآية الكريمة على أن الله جعل إسحاق ويعقوب من الأئمة، أي
جعلهم رؤساء في الدين يقتدى بهم في الخيرات وأعمال الطاعات، وقوله: ﴿بِأَمْرِنَا﴾ أي
بما أنزلنا عليهم من الوحي والأمر والنهي، أو يهدون الناس إلى ديننا بأمرنا إياهم،
بإرشاد الخلق ودعائهم إلى التوحيد.
وهذه الآية الكريمة تبين أن طلب إبراهيم الإمامة لذريته المذكور في سورة ((البقرة))
أجابه الله فيه بالنسبة إلى بعض ذريته دون بعضها، وضابط ذلك أن الظالمين من ذريته لا
ينالون الإمامة بخلاف غيرهم؛ كإسحاق ويعقوب فإنهم ينالونها كما صرح به تعالى في
قوله هنا: ﴿وَجَعَلْنَهُمْ أَبِنَّةً﴾، وطلب إبراهيم هو المذكور في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَبْتَّ
إِبْرَهِشَ رَبُّهُ بِكَلِمَةٍ فَأَتَمَّهُنِّ قَالَ إِ جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيٌَّ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِى
الظَّالِمِينَ
(١٤)﴾ [البقرة]. فقوله: ﴿وَمِن ذُرِّيٌَّ﴾ [البقرة: ١٢٤]، أي واجعل من ذريتي أئمة
يقتدى بهم في الخير فأجابه الله بقوله: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤]، أي لا
ينال الظالمين عهدي بالإمامة؛ على الأصوب، ومفهوم قوله: ﴿الَّلِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤]،
أن غيرهم يناله عهده بالإمامة، كما صرح به هنا. وهذا التفصيل المذكور في ذرية
إبراهيم أشار له تعالى في ((الصافات)) بقوله: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾
[الصافات: ١١٣]، وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَتِ﴾؛
أي أن يفعلوا الطاعات، ويأمروا الناس بفعلها، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة من جملة

٨١٠
سورة الأنبياء: الآيتان (٧٤ - ٧٥)
الخيرات، فهو من عطف الخاص على العام، وقد قدمنا مراراً النكتة البلاغية المسوغة
للإطناب في عطف الخاص على العام، وعكسه في القرآن، فأغنى ذلك عن إعادته هنا .
وقوله: ﴿وَكَانُوْ لَنَا عَبِدِينَ﴾؛ أي مطيعين باجتناب النواهي وامتثال الأوامر
بإخلاص؛ فهم يفعلون ما يأمرون الناس به، ويجتنبون ما ينهونهم عنه كما قال نبي الله
شعيب: ﴿وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَآ أَنْهَدُكُمْ عَنْهُ﴾ ... الآية [هود: ٨٨]. وقوله:
﴿أَبِنَّةُ﴾ معلوم أنه جمع إمام، والإمام: هو المقتدى به، ويطلق في الخير كما هنا،
وفي الشر كما في قوله: ﴿وَجَعَلْنَهُمْ أَبِمَّةُ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ ... الآية [القصص: ٤١]،
وما ظنه الزمخشري من الإشكال في هذه الآية ليس بواقع، كما نبه عليه أبو حيان.
والعلم عند الله تعالى.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَإِقَامَ الصَّلَوةِ﴾ لم تعوض هنا تاء عن العين
الساقطة بالاعتلال على القاعدة التصريفية المشهورة؛ لأن عدم تعويضها عنه جائز كما
هنا، كما أشار إلى ذلك فى الخلاصة بقوله:
وألف الإفعال واستفعال
أزل لذا الإعلال والتا الزم عوض وحذفها بالنقل ربما عرض
وقد أشار في أبنية المصادر إلى أن تعويض التاء المذكورة من العين هو الغالب بقوله:
واستعذ استعاذة ثم أقم إقامة وغالباً ذا التا لزم
وما ذكرناه من أن التاء المذكورة عوض عن العين أجود من قول من قال: إن
العين باقية وهي الألف الباقية، وأن التاء عوض عن ألف الإفعال ..
قوله تعالى: ﴿وَلُوطًا ءَانَيْنَهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَيْنَهُ مِنَ الْقَرْبَةِ الَّتِى كَانَتَ تَّعْمَلُ الْخَبَِّثُّ
إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْءٍ فَسِقِينَ ﴿﴿ وَأَدْخَلْنَهُ فِ رَحْمَتِنَآ إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ
٧٥)
قوله ﴿وَلُوطًا﴾ منصوب بفعل مضمر وجوباً يفسره آتيناه، كما قال في الخلاصة:
حتماً موافق لما قد أظهرا
فالساق انصبه بفعل أضمرا
قال القرطبي في تفسير هذه الآية: الحكم: النبوة. والعلم: المعرفة بأمر الدين،
وما يقع به الحكم بين الخصوم. وقيل: علماً: فهماً، وقال الزمخشري: حكماً:
حكمة، وهو ما يجب فعله، أو فصلاً بين الخصوم. وقيل: هو النبوة.
· قال مقيده - عفا الله عنه -: أصل الحكم في اللغة: المنع كما هو معروف، فمعنى
الآيات أن الله آتاه من النبوة والعلم ما يمنع أقواله وأفعاله من أن يعتريها الخلل. والقرية
التي كانت تعمل الخبائث: هي سدوم وأعمالها، والخبائث التي كانت تعملها جاءت
موضحة في آيات من كتاب الله: منها: اللواط، وأنهم هم أول من فعله من الناس، كما
قال تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَلَمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٠]، وقال:

٨١١
سورة الأنبياء: الآيتان (٧٦ - ٧٧)
١٦٦
﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَلَمِينَ (٨٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمُّ عَادُونَ
[الشعراء]. ومن الخبائث المذكورة إتيانهم المنكر في ناديهم، وقطعهم الطريق، كما قال
تعالى: ﴿أَبِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْنُونَ فِىِ نَادِيَكُمُ الْمُنكَرِ﴾ [العنكبوت:
٢٩]. ومن أعظم خبائثهم: تكذيب نبي الله لوط وتهديدهم له بالإخراج من الوطن كما
[الشعراء]، وقال تعالى:
قال تعالى عنهم: ﴿قَالُواْ لَيِنِ لَّمْ تَنَتَهِ يَلُ لَتَكُونَنَ مِنَ الْمُخْرَمِينَ
﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَخْرِعُوَاْ ءَلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسُ يَنَطَهَّرُونَ
[النمل]، إلى غير ذلك من الآيات، وقد بين الله في مواضع متعددة من كتابه أنه أهلكهم
فقلب بهم بلدهم، وأمطر عليهم حجارة من سجيل، كما قال تعالى: ﴿جَعَلْنَا عَلِيَهَا
سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِيلٍ﴾ [هود: ٨٢] والآيات بنحو ذلك كثيرة. والخبائث:
جمع خبيثة، وهي الفعلة السيئة كالكفر واللواط وما جرى مجرى ذلك.
وقوله: ﴿قَوْمَ سَوْءٍ﴾ أي أصحاب عمل سيئ، ولهم عند الله جزاء يسوءهم:
وقوله: ﴿فَسِقِينَ﴾ أي خارجين عن طاعة الله، وقوله: ﴿وَأَدْخَلْنَهُ﴾ يعني لوطاً: ﴿فِى
رَحْمَتِنَا﴾ شامل لنجاته من عذابهم الذي أصابهم، وشامل لإدخاله إياه في رحمته التي
هي الجنة، كما في الحديث الصحيح: ((تحاجت النار والجنة)). الحديث، وفيه: ((فقال
للجنة: أنت رحمتي أرحم بها من أشاء من عبادي)).
قوله تعالى: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ فَأَسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ
﴿ وَنَصَرْتَهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَُّواْ بِثَايَتِنَاْ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَهُمْ أَجْمَعِينَ
اَلْعَظِيمِ
قوله: ﴿وَنُوحًا﴾ منصوب بـ(اذكر)) مقدراً، أي واذكر نوحاً حين نادى من قبل، أي
من قبل إبراهيم ومن ذكر معه. ونداء نوح هذا المذكور هنا هو المذكور في قوله تعالى:
وَجَعَلْنَا ذُرِيَتَهُ هُ
وَنَجَيْنَهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (®
٧٥
﴿وَلَقَدْ نَادَثَنَا نُوحُ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ
الْبَاقِينَ (٣)﴾ [الصافات] وقد أوضح الله هذا النداء بقوله: ﴿وَقَالَ نُحُ رَّبٍّ لَا نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ
مِنَ الْكَفِرِينَ دَيَّارًا (٨) إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُواْ إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (٣)﴾ [نوح]،
وقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا وَقَالُواْ مَجْنُونٌ وَأَزْدُجِرَ ﴿ فَدَعَا رَبَّهُ: أَنِّ مَغْلُوبٌ
[القمر]. والمراد بالكرب العظيم في الآية:
٠
فَفَتَحْنَا أَبْوَبَ السَّمَآءَ بٍِّ مُّنْهٍَِ (١)
فَانتَصِرْ
الغرق بالطوفان الذي تتلاطم أمواجه كأنها الجبال العظام، كما قال تعالى: ﴿وَهِىَ تَجْرِى
بِهِمْ فِى مَوْجِ كَالْجِبَالِ﴾ [هود: ٤٢]، وقال تعالى: ﴿فَأَمْنَهُ وَأَصْحَبَ السَّفِينَةِ﴾ [العنكبوت:
١٥]، إلى غير ذلك من الآيات، والكرب: هو أقصى الغم، والأخذ بالنفس.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَجَّيْفَهُ وَأَهْلَهُ﴾ يعني إلا من سبق عليه
القول من أهله بالهلاك مع الكفرة الهالكين، كما قال تعالى: ﴿قُلْنَا أَحِْلْ فِيَهَا مِن كُلٍ
زَوْجَيْنِ أَثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ ... الآية [هود: ٤٠]. ومن سبق عليه القول
منهم ابنه المذكور في قوله: ﴿وَحَالَ بَيْنَهُمَا اُلْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَفِينَ﴾ [هود: ٤٣]، وامرأته

٨١٢
سورة الأنبياء: الآيتان (٧٨ - ٧٩)
المذكورة في قوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُواْ أَمْرَأَتَ نُوحٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَقِيلَ أُدْخُلَا
النَّارَ مَعَ الَّارِينَ﴾ [التحريم: ١٠].
قوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَنَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِى الْحَرَّثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا
) فَفَهَمْنَهَا سُلَيْمَنَّ وَكُلًا ءَانَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمَاً﴾، قوله تعالى: ﴿وَدَاوُرِدَ﴾
◌ِحُكْمِهِمْ شَهِدِينَ
منصوب بـ(اذكر)) مقدراً. وقيل: معطوف على قوله: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ﴾ أي
واذكر نوحاً إذ نادى من قبل: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَنَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِ الْحَرَّتِ﴾ ... الآية، وقوله:
﴿إِذْ﴾ بدل من ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَنَ﴾ بدل اشتمال كما أوضحناه في سورة ((مريم)) وذكرنا
بعض المناقشة فيه، وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان التي
تضمنها أن يقول بعض العلماء في الآية قولاً ويكون في نفس الآية قرينة تدل على
خلاف ذلك القول. وذكرنا في هذا الكتاب مسائل كثيرة من ذلك، فإذا علمت ذلك
فاعلم أن جماعة من العلماء قالوا: إن حكم داوود وسليمان في الحرث المذكور في
هذه الآية كان بوحي: إلا أن ما أوحي إلى سليمان كان ناسخاً لما أوحي إلى داوود.
وفي الآية قرينتان على أن حكمهما كان باجتهاد لا بوحي، وأن سليمان أصاب
فاستحق الثناء باجتهاده، وإصابته، وأن داوود لم يصب فاستحق الثناء باجتهاده ولم
يستوجب لوماً ولا ذماً بعدم إصابته؛ كما أثنى على سليمان بالإصابة في قوله: ﴿فَفَهَّمْنَهَا
سُلَيْمَنّ﴾، وأثنى عليهما في قوله: ﴿وَكُلّ ◌َنَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ فدل قوله: ﴿إِذْ
يَحْكُمَانِ﴾ على أنهما حكما فيها معاً، كل منهما بحكم مخالف لحكم الآخر، ولو كان
وحياً لما ساغ الخلاف. ثم قال: ﴿فَفَهَّمْنَهَا سُلَيْمَنَّ﴾ فدل ذلك على أنه لم يفهمها
داوود، ولو كان حكمه فيها بوحي لكان مفهماً إياها كما ترى. فقوله: ﴿إِذْ يَحْكُمَانِ﴾
مع قوله: ﴿فَفَهَّمْنَهَا سُلَيْمَنَّ﴾ قرينة على أن الحكم لم يكن بوحي بل باجتهاد، وأصاب
فيه سليمان دون داوود بتفهيم الله إياه ذلك.
والقرينة الثانية: هي أن قوله تعالى: ﴿فَفَهَمْنَهَا﴾ ... الآية، يدل على أنه فهمه
إياها من نصوص ما كان عندهم من الشرع؛ لا أنه أنزل عليه فيها وحياً جديداً ناسخاً؛
لأن قوله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَهَا﴾ أليق بالأول من الثاني، كما ترى. وهناك مسائل عديدة
تتعلق بالآية يُرجع من أراد الوقوف عليها إلى الأصل.
وقوله: ﴿فَفَهَّمْنَهَا﴾ أي القضية أو الحكومة المفهومة من قوله: ﴿إِذْ يَحْكُمَانِ فِى
اَلْحَرَّثِ﴾ وقوله: ﴿وَكُلَا ءَانَيْنَا﴾ أي أعطينا كلا من داوود وسليمان حكماً وعلماً،
والتنوين في قوله: ﴿وَكُلًا﴾ عوض عن كلمة أي كل واحد منهما.
قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرُ وَكُنَّا فَعِلِينَ﴾. ذكر
- جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة أنه سخر الجبال أي ذللها، وسخر الطير تسبح مع
داوود. وما ذكره - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة من تسخيره الطير، والجبال تسبح مع

٨١٣
سورة الأنبياء: الآية (٨٠) --
نبيه داوود بينه في غير هذا الموضع كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانِيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلاً يَجِبَالُ أَوِّبِى مَعَهُم
وَالظَّيْرٌ﴾ [سبأ: ١٠]. وقوله: ﴿أَوِّبِ مَعَهُ﴾ أي رجعي معه التسبيح. ﴿وَالطَّيْرَ﴾ أي ونادينا
الطير بمثل ذلك من ترجيع التسبيح معه، وقول من قال: ﴿أَوِّبِ مَعَهُ﴾ أي سيرى معه، وأن
التأويب سير النهار ساقط كما ترى. وكقوله تعالى: ﴿وَأَذَكُرُ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيَدِّ إِنَّهُ: أَوَابُ
١٧
﴿ وَاَلَّيَرَ مَحْشُورَةٌ كُلٌّ لَّهُ، أَوَّابُ (﴾﴾ [ص].
إِنَّا سَخَرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ, يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِّ وَالْإِشْرَاقِ (
والتحقيق أن تسبيح الجبال والطير مع داوود المذكور تسبيح حقيقي؛ لأن الله
- جلّ وعلا - يجعل لها إدراكات تسبح بها، يعلمها هو - جل وعلا - ونحن لا نعلمها كما
قال: ﴿وَإِن ◌ِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِحُ بِهَذِهِ، وَلَكِنْ لَّا نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤]، وقال تعالى:
﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَُّ مِنْهُ الْأَنْهَدُّ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَفَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَةً وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهِْطُ
مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ
فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾ [الأحزاب: ٧٢]. وقد ثبت في صحيح البخاري أن الجذع
الذي كان يخطب عليه النبي وسي لما انتقل عنه بالخطبة إلى المنبر سمع له حنين، وقد ثبت
في صحيح مسلم أن النبي قال: ((إني لأعرف حجراً كان يسلم علي في مكة)) وأمثال هذا
كثيرة، والقاعدة المقررة عند العلماء أن نصوص الكتاب والسنة لا يجوز صرفها عن
ظاهرها المتبادر منها إلا بدليل يجب الرجوع إليه، والتسبيح في اللغة: الإبعاد عن السوء،
وفي اصطلاح الشرع: تنزيه الله - جل وعلا - عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله.
وقال القرطبي في تفسير هذه الآية: ﴿ وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ﴾؛ أي جعلناها
بحيث تطيعه إذا أمرها بالتسبيح. والظاهر أن قوله: ﴿وَكُنَّا فَعِلِينَ﴾ مؤكد لقوله:
﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرٌ﴾؛ والموجب لهذا التأكيد أن تسخير الجبال
وتسبيحها أمر عجب خارق للعادة، مظنة لأن يكذب به الكفرة الجهلة.
وقال الزمخشري: ﴿وَكُنَّا فَعِلِينَ﴾؛ أي قادرين على أن نفعل هذا، وقيل: كنا
نفعل بالأنبياء مثل ذلك. وكلا القولين اللذين قال ظاهر السقوط؛ لأن تأويل ﴿وَكُنَّا
فَعِلِينَ﴾ بمعنى كنا قادرين؛ بعيد، ولا دليل عليه كما لا دليل على الآخر كما ترى.
وقال أبو حيان ﴿وَكُنَّا فَعِلِينَ﴾؛ أي فاعلين هذه الأعاجيب من تسخير الجبال
وتسبيحهن، والطير لمن نخصه بكرامتنا، اهـ، وأظهرها عندي هو ما تقدم، والعلم
عند الله تعالى.
وقوله تعالى: ﴿ وَعَلَّمْنَهُ صَنْعَةَ لَبُوُسٍ لَّكُمْ لِنُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ
شَكِّرُونَ ﴾﴾. الضمير في قوله: ﴿عَلَّمْنَهُ﴾ راجع إلى داوود. والمراد بصنعة اللبوس:
صنعة الدروع ونسجها؛ والدليل على أن المراد باللبوس في الآية الدروع أنه أتبعه
بقوله: ﴿لِنُحْصِنَكُمْ مِّنْ بَأْسِكُمْ﴾؛ أي لتحرز وتقي بعضكم من بأس بعض؛ لأن الدرع
تقيه ضرر الضرب بالسيف، والرمي بالرمح والسهم، كما هو معروف، وقد أوضح هذا
المعنى بقوله: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ ﴿ أَنِ أَعْمَلْ سَبِغَتٍ وَقَدِّرْ فِ السَّرْدِ﴾ [سبأ: ١٠، ١١]،

٨١٤ -
سورة الأنبياء: الآية (٨٠)
فقوله: ﴿أَنِ أَعْمَلْ سَبِغَتٍ﴾؛ أي أن اصنع دروعاً سابغات من الحديد الذي ألناه لك،
والسرد: نسج الدرع. ويقال فيه الزرد، ومن الأول قول أبي ذؤيب الهذلي:
داود أو صنع السوابغ تبع
وعليهما مسرودتان قضاهما
ومن الثاني قول الآخر:
نقريهم لهذميات نقدبها ، ما كان خاط عليهم كل زراد
ومراده بالزراد: ناسج الدرع. وقوله: ﴿وَقَدِّرْ فِ السَّرْدِ﴾؛ أي اجعل الحلق والمسامير
في نسجك للدرع بأقدار متناسبة؛ فلا تجعل المسمار دقيقاً لئلا ينكسر، ولا يشد بعض
الحلق ببعض، ولا تجعله غليظاً غلظاً زائداً فيفصم الحلقة. وإذا عرفت أن اللبوس في الآية
الدروع فاعلم أن العرب تطلق اللبوس على الدروع كما في الآية؛ ومنه قول الشاعر:
عليها أسود ضاويات لبوسهم
سوابغ بيض لا يخرقها النبل
فقوله «سوابغ) أي دروع سوابخ، وقول کعب بن زهير:
شم العرانيين أبطال لبوسهم من نسج داود في الهيجا سرابيل
ومراده باللبوس التي عبر عنها بالسرابيل: الدروع. والعرب تطلق اللبوس أيضاً
على جميع السلاح درعاً كان أو جوشناً أو سيفاً أو رمحاً، ومن إطلاقه على الرمح قول
أبي كبير الهذلي يصف رمحاً:
ومعي لبوس للبئيس كأنه روق بجبهة ذي نعاج مجفل
وتطلق اللبوس أيضاً على كل ما يلبس؛ ومنه قول بيهس:
إما نعيمها وإما بوسها
البس كل حالة لبوسها
وما ذكره هنا من الامتنان على الخلق بتعليمه صنعة الدروع ليقيهم بها من بأس
السلاح تقدم إيضاحه في سورة ((النحل)) في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَسَرَبِيلَ تَقِيكُمْ
بَأْسَكُمْ﴾ ... الآية [النحل: ٨١].
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ شَكِرُونَ﴾؛ الظاهر فيه أن صيغة
الاستفهام هنا يراد بها الأمر، ومن إطلاق الاستفهام بمعنى الأمر في القرآن قوله تعالى:
﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَوَةَ وَالْبَغْضَآءَ فِى الْخَمْرِ وَالْمَيْسِ وَيَصُدُّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ
[المائدة]؛ أي انتهوا؛ ولذا قال عمر مظلته: انتهينا يا رب.
٩١
اُلْضَّلَوَةِ فَهَلْ أَنُْم ◌ُنْنَهُونَ
وقوله تعالى: ﴿وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ وَالْأُمِِّنَ ءَأَسْلَمْتُمَّ﴾ [آل عمران: ٢٠]؛ أي أسلموا،
وقد تقرر في فن المعاني أن من المعاني التي تؤدى بصيغة الاستفهام: الأمر، كما ذكرنا.
وقوله: ﴿شَكِّرُونَ﴾ شكر العبد لربه، هو أن يستعين بنعمه على طاعته، وشكر
الرب لعبده هو أن يثيبه الثواب الجزيل من عمله القليل، ومادة ((شكر)) لا تتعدى غالباً
إلا باللام، وتعديتها بنفسها دون اللام قليلة، ومنه قول أبي نخيلة:

٨١٥
سورة الأنبياء: الآية (٨١)
وما كل من أوليته نعمة يقضى
شكرتك إن الشكر حبل من التقى
وفي قوله: ﴿لِنُحْصِنَكُم﴾ ثلاث قراءات سبعية، قرأه عامة السبعة ما عدا ابن عامر
وعاصماً (ليحصنكم) بالياء المثناة التحتية، وعلى هذه القراءة فضمير الفاعل عائد إلى
داود، أو إلى اللبوس؛ لأن تذكيرها باعتبار معنى ما يلبس من الدروع جائز، وقرأه ابن
عامر وحفص عن عاصم ﴿لِنُحْصِنَكُم﴾ بالتاء المثناة الفوقية، وعلى هذه القراءة فضمير
الفاعل راجع إلى اللبوس وهي مؤنثة، أو إلى الصنعة المذكورة في قوله: ﴿صَنْعَةَ
لَبُوُسٍ﴾، وقرأه شعبة عن عاصم (لنحصنكم) بالنون الدالة على العظمة، وعلى هذه
القراءة فالأمر واضح.
قوله تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَنَ الرّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِى بِأَمْرِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِىِ بَرَكْنَا فِيَأْ وَكُنَّا بِكُلِّ شَىْءٍ
عَلِمِينَ ﴾﴾. قوله: ﴿وَلِسُلَيْمَنَ الرِّيحَ﴾ معطوف على معمول ((سخرنا)) في قوله: ﴿وَسَخَّرْنَا
مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ﴾؛ أي وسخرنا لسليمان الريح في حال كونها عاصفة؛ أي شديدة الهبوب.
يقال عصفت الريح أي اشتدت، فهي ريح عاصف وعصوف، وفي لغة بني أسد (أعصفت)
فهي معصف ومعصفة، وقد قدمنا بعض شواهده العربية في سورة (الإسراء).
وقوله: ﴿َّجْرِى بِأَمْرِهِ﴾ أي تطيعه وتجري إلى المحل الذي يأمرها به، وما ذكره في
هذه الآية من تسخير الريح لسليمان، وأنها تجري بأمره، بينه في غير هذا الموضع وزاد
بيان قدر سرعتها، وذلك في قوله: ﴿ وَلِسُلَيْمَنَ الْرِيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ: ١٢]،
وقوله: ﴿فَخَّْنَا لَهُ الْرِّيَجَ تَجْرِى بِأَمْرِهِ، رَُّةً حَيْثُ أَصَابَ ﴾﴾ [ص].
تنبيه: اعلم أن في هذه الآيات التي ذكرنا سؤالين معروفين:
الأول: أن يقال: إن الله وصف الريح المذكورة هنا في سورة ((الأنبياء)) بأنها
عاصفة؛ أي شديدة الهبوب، ووصفها في سورة ((ص)) بأنها تجري بأمره رخاء.
والعاصفة غير التي تجري رخاء.
والسؤال الثاني: هو أنه هنا في سورة ((الأنبياء)) خص جريها به بكونه إلى الأرض
التي بارك فيها للعالمين، وفي سورة ((ص)) قال: ﴿َّجْرِى بِأَمْرِهِ، رَُّةً حَيْثُ أَصَابَ﴾ [ص: ٣٦]،
وقوله: ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ [ص: ٣٦]، يدل على التعميم في الأمكنة التي يريد الذهاب إليها
على الريح، فقوله: ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ [ص: ٣٦]، أي حيث أراد؛ قاله مجاهد. وقال ابن
الأعرابي: العرب تقول: أصاب الصواب، وأخطأ الجواب؛ أي أراد الصواب وأخطأ
الجواب. ومنه قول الشاعر:
أصاب الكلام فلم يستطع
فأخطأ الجواب لدى المفصل
قاله القرطبي. وعن رؤبة أن رجلين من أهل اللغة تصداه ليسألاه عن معنى
((أصاب))؛ فخرج إليهما فقال: أين تصيبان؟ فقالا: هذه طلبتنا؛ ورجعا.
.أما الجواب عن السؤال الأول فمن وجهين: الأول: أنها عاصفة في بعض

٨١٦ -
سورة الأنبياء: الآية (٨٢)
الأوقات، ولينة رخاء في بعضها بحسب الحاجة؛ كأن تعصف ويشتد هبوبها في أول الأمر
حتی ترفع البساط الذي عليه سليمان وجنوده، فإذا ارتفع سارت به رخاء حيث أصاب.
الجواب الثاني: هو ما ذكره الزمخشري قال: فإن قلت: وصفت هذه الريح
بالعصف تارة وبالرخاء أخرى، فما التوفيق بينهما؟ قلت: كانت في نفسها رخية طيبة
كالنسيم، فإذا مرت بكرسيه أبعدت به في مدة يسيرة، على ما قال: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ
وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ: ١٢]. فكان جمعها بين الأمرين: أن تكون رخاء في نفسها،
وعاصفة في عملها مع طاعتها لسليمان، وهبوبها على حسب ما يريد ويحكم، اهـ محل
الغرض منه.
وأما الجواب عن السؤال الثاني فهو أن قوله: ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ [ص: ٣٦]، يدل على
أنها تجري بأمره حيث أراد من أقطار الأرض، وقوله: ﴿تَجْرِى بِأَمْرِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِى بَرَّكْنَاَ
فِيهاً﴾؛ لأن مسكنه فيها وهي الشام، فترده إلى الشام. وعليه فقوله: ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾
.[ص: ٣٦] في حالة الذهاب. وقوله: ﴿إِلَى الْأَرْضِ الَّتِى بَرَّكْنَا فِيهَا﴾؛ في حالة الإياب إلى
محل السكنی، فانفكت الجهة فزال الإشكال. وقد قال نابغة ذبيان:
إلا سليمان إذ قال الإله له قم في البرية فاحددها عن الفند
وخيس الجن إني قد أذنت لهم يبنون تدمر بالصفاح والعمد
وتدمر: بلد بالشام. وذلك مما يدل على أن الشام هو محل سكناه كما هو معروف.
قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكٌ وَكُنَّا لَهُمْ
حَفِظِينَ ﴾﴾. الأظهر في قوله: ﴿مَن يَغُوصُونَ﴾ أنه في محل نصب عطفاً على معمول
﴿سَخَّرْنَا﴾ [ص: ١٨]؛ أي وسخرنا له من يغوصون له من الشياطين. وقيل: ((من)) مبتدأ،
والجار والمجرور قبله خبره.
وقد ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة أنه سخر لسليمان من يغوصون له
من الشياطين؛ أي يغوصون له في البحار فيستخرجون له منها الجواهر النفيسة؛
كاللؤلؤ، والمرجان. والغوص: النزول تحت الماء. والغواص: الذي يغوص البحر
لیستخرج منه اللؤلؤ ونحوه، ومنه قول نابغة ذبيان:
أو درة صدفية غواصها.
بهج متى يرها يهل ويسجد.
وقد ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة أيضاً أن الشياطين المسخرين له
يعملون له عملاً دون ذلك؛ أي سوى ذلك الغوص المذكور؛ أي كبناء المدائن
والقصور، وعمل المحاريب والتماثيل، والجفان والقدور الراسيات، وغير ذلك من
اختراع الصنائع العجيبة.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَكُنَّا لَهُمْ حَفِظِينَ﴾؛ أي من أن يزيغوا عن أمره،
أو يبدلوا أو يغيروا، أو يوجد منهم فساد فيما هم مسخرون فيه، وهذه المسائل الثلاث

.٨١٧
سورة الأنبياء: الآيتان (٨٣ - ٨٤) -
التي تضمنتها هذه الآية الكريمة جاءت مبينة في غير هذا الموضع، كقوله في الغوص
الآية [ص]، وقوله في العمل غير
والعمل سواء: ﴿وَالشَّيَطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ
الغوص: ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِّ﴾ [سبأ: ١٢]، وقوله: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا
يَشَآءُ مِن تَحَرِيبَ وَتَمَثِيلَ وَحِفَانٍ كَلْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَتٍ﴾ [سبأ: ١٣]، وكقوله في حفظهم
من أن يزيغوا عن أمره: ﴿وَمَن يَزِعْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [سبأ: ١٢]،
وقوله: ﴿وَءَاخَرِينَ مُقَرَّتِيَنَ فِ اَلْأَصْفَادِ ﴾﴾ [ص).
وصفة البساط، وصفة حمل الريح له، وصفة جنود سليمان من الجن والإنس
والطير، كل ذلك مذكور بكثرة في كتب للتفسير، ونحن لم نطل به الكلام في هذا
الكتاب المبارك.
قوله تعالى: ﴿وَأَيُوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ، أَنِ مَسَنِىَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الزَّحِينَ
فَاسْتَجِبْنَا لَهُمْ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ، مِن ضُرِّ وَءَاتَيْنَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى
لِلْعَبِدِينَ (®﴾. الظاهر أن قوله: ﴿وَأَيُبَ﴾ منصوب بـ((ذكر)) مقدراً، ويدل على ذلك قوله
تعالى في ((ص)): ﴿وَأَذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ: أَنِى مَسَّنِىَ الشَّيْطَنُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ﴾﴾ [ص).
وقد أمر - جلّ وعلا - في هاتين الآيتين الكريمتين نبيه * أن يذكر أيوب حين
نادى ربه قائلاً: ﴿أَنِى مَسَّنِىَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الزَّحِمِينَ﴾؛ وأن ربه استجاب له فكشف
عنه جميع ما به من الضر، وأنه آتاه أهله، وآتاه مثلهم معهم رحمة منه - جل وعلا -
به، وتذكيراً للعابدين أي الذين يعبدون الله لأنهم هم المنتفعون بالذكرى.
وهذا المعنى الذي ذكر هنا ذكره أيضاً في سورة ((ص)) في قوله: ﴿وَأَذَكُرْ عَبْدُنَا أَتُوبَ إِذْ
نَادَى رَبَّهُ, أَنِى مَسَّنِىَ الشَّيْطَانُ بِنُصٍْ وَعَذَابٍ ﴾﴾، إلى قوله: ﴿لَأُوْلِىِ الْأَلْبَبِ﴾ [ص: ٤١ - ٤٣]،
والضر الذي مس أيوب، ونادى ربه ليكشفه عنه كان بلاء أصابه في بدنه وأهله وماله.
ولما أراد الله إذهاب الضر عنه أمره أن يركض برجله ففعل، فنبعت له عين ماء فاغتسل
منها فزال كل ما بظاهر بدنه من الضر، وشرب منها فزال كل ما بباطنه، كما أشار
تعالى إلى ذلك في قوله: ﴿أَرَّكُضْ بِرْلِكٌ هَذَا مُعْتَسَلْ بَرِدٌ وَشَرَابُ (43)﴾ [ص].
وما ذكره في ((الأنبياء)) من أنه آتاه أهله ومثلهم معهم رحمة منه وذكرى لمن يعبده -
بينه في ((ص)) في قوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُدْ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَى لِأُوْلِىِ الْأَلْبَبِ
١٤٣
[ص]، وقوله في ((الأنبياء)) ﴿وَذِكْرَى لِلْعَبِدِينَ﴾ مع قوله في ((ص)): ﴿وَذِكْرَىَ لِأُوْلِىِ
الْأَلْبَبِ﴾، فيه الدلالة الواضحة على أن أصحاب العقول السليمة من شوائب الاختلال،
هم الذين يعبدون الله وحده ويطيعونه. وهذا يؤيد قول من قال من أهل العلم: إن من
أوصى بشيء من ماله لأعقل الناس أن تلك الوصية تصرف لأتقى الناس وأشدهم
طاعة لله تعالى؛ لأنهم هم أولوا الألباب؛ أي العقول الصحيحة السالمة من الاختلال.
تنبيه: في هذه الآيات المذكورة سؤال معروف، وهو أن يقال: إن قول أيوب

٨١٨ -
سورة الأنبياء: الآيتان (٨٣ - ٨٤)
المذكور في ((الأنبياء)) في قوله: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِى مَسَّنِىَ الضُّرُّ﴾؛ وفي ((ص)) في قوله:
﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِ مَسَّتِىَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ [ص: ٤١]، يدل على أنه ضجر من المرض
فشكا منه مع أن قوله تعالى عنه: ﴿إِنَّا وَجَدْنَهُ صَابِأَ نِعْمَ الْعَبْدُّ إِنَّهُ، أَوَّابٌ﴾ [ص: ٤٤]، يدل
على كمال صبره؟
والجواب: أن ما صدر من أيوب دعاء وإظهار فقر وحاجة إلى ربه، لا شكوى
ولا جزع.
قال أبو عبد الله القرطبي تَُّ في تفسير هذه الآية الكريمة، ولم يكن قوله:
﴿مَسَنِىَ الُّرُّ﴾ جزءاً؛ لأن الله تعالى قال: ﴿إِنَّا وَجَدْنَهُ صَاِّأَ﴾ بل كان ذلك دعاء منه.
والجزع في الشكوى إلى الخلق لا إلا الله تعالى، والدعاء لا ينافي الرضا. قال
الثعلبي: سمعت أستاذنا أبا القاسم بن حبيب يقول: حضرت مجلساً خاصاً بالفقهاء
والأدباء في دار السلطان؛ فسئلت عن هذه الآية الكريمة بعد اجتماعهم على أن قول
أيوب كان شكاية وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَهُ صَاِراً﴾ فقلت: ليس هذا شكاية، وإنما
كان دعاء بيانه ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ والإجابة لتعقب الدعاء لا الاشتكاء. فاستحسنوه
وارتضوه. وسئل الجنيد عن هذه الآية الكريمة فقال: عَرَّفَهُ فَاقَةَ السُّؤَالِ لِيَمُنَّ عَلَيْهِ بِكَرَمِ
النَّوَالِ، انتھی منه.
ودعاء أيوب المذكور ذكره الله في سورة ((الأنبياء)) من غير أن يسند مس الضر
أيوب إلى الشيطان في قوله: ﴿أَنِّ مَسَّنِىَ اُلُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّحِينَ﴾، وذكره في سورة
((ص)) وأسند ذلك إلى الشيطان في قوله: ﴿أَنِّ مَسَِّىَ الشَّيْطَانُ بِنُصٍْ وَعَذَابٍ﴾ [ص: ٤١]،
والنصب على جميع القراءات معناه: التعب والمشقة، والعذاب: الألم. وفي نسبة ما
أصابه من المشقة والألم إلى الشيطان في آية ((ص)) هذه إشكال قوي معروف؛ لأن الله
ذكر في آيات من كتابه أن الشيطان ليس له سلطان على مثل أيوب من الأنبياء الكرام
كقوله: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانُّ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَى رَبِهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴿ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى
الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ (٣)﴾ [النحل]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم
مِن سُلْطَانٍ﴾ ... الآية [سبأ: ٢١]، وقوله تعالى عنه مقرراً له: ﴿وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مِّن
سُلْطَانٍ إِلََّّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِ﴾ [إبراهيم: ٢٢]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ
سُلْطَانُ إِلَّا مَنِ أَتَبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ ﴾﴾ [الحجر].
وللعلماء عن هذا الإشكال أجوبة، منها ما ذكره الزمخشري قال:
فإن قلت: لم نسبه إلى الشيطان، ولا يجوز أن يسلطه على أنبيائه ليقضي من
إتعابهم وتعذيبهم وطره، ولو قدر على ذلك لم يدع صالحاً إلا وقد نكبه وأهلكه، وقد
تكرر في القرآن أنه لا سلطان له إلا الوسوسة فحسب؟
قلت: لما كانت وسوسته إليه، وطاعته له فيما وسوس سبباً فيما مسه الله به من

٨١٩
سورة الأنبياء: الآيتان (٨٣ - ٨٤)
النصب والعذاب نسبه إليه، وقد راعى الأدب في ذلك حيث لم ينسبه إلى الله في
دعائه، مع أنه فاعله ولا يقدر عليه إلا هو، وقيل: أراد ما كان يوسوس به إليه في
مرضه من تعظيم ما نزل به من البلاء، ويغريه على الكراهة والجزع، فالتجأ إلى الله
تعالى في أن يكفيه ذلك بكشف البلاء، أو بالتوفيق في دفعه ورده بالصبر الجميل.
وروى أنه كان يعوده ثلاثة من المؤمنين، فارتد أحدهم فسأل عنه، فقيل: ألقى
إليه الشيطان أن الله لا يبتلي الأنبياء الصالحين. وذكر في سبب بلائه أن رجلاً استغاثه
على ظالم فلم يغثه. وقيل: كانت مواشيه في ناحية ملك كافر فداهنه ولم يغزه. وقيل:
أعجب بكثرة ماله، انتهى منه.
ومنها ما ذكره جماعة من المفسرين أن الله سلط الشيطان على ماله وأهله ابتلاء
لأيوب؛ فأهلك الشيطان ماله وولده، ثم سلطه على بدنه ابتلاء له فنفخ في جسده نفخة
اشتعل منها، فصار في جسده ثآليل، فحكها بأظافره حتى دميت، ثم بالفخار حتى
تساقط لحمه، وعصم الله قلبه ولسانه (وغالب ذلك من الإسرائيليات) وتسليطه للابتلاء
على جسده وماله وأهله ممكن، وهو أقرب من تسليطه عليه بحمله على أن يفعل ما لا
ينبغي؛ كمداهنة الملك المذكور، وعدم إغاثة الملهوف، إلى غير ذلك من الأشياء التي
يذكرها المفسرون. وقد ذكروا هنا قصة طويلة تتضمن البلاء الذي وقع فيه، وقدر مدته
(وكل ذلك من الإسرائيليات) وقد ذكرنا هنا قليلاً.
وغاية ما دل عليه القرآن أن الله ابتلى نبيه أيوب - عليه وعلى نبينا الصلاة
والسلام - وأنه ناداه فاستجاب له وكشف عنه كل ضر، ووهبه أهله ومثلهم معهم، وأن
أيوب نسب ذلك في ((ص)) إلى الشيطان. ويمكن أن يكون سلطه الله على جسده وماله
وأهله؛ ابتلاء ليظهر صبره الجميل، وتكون له العافية الحميدة في الدنيا والآخرة،
ويرجع له كل ما أصيب فيه، والعلم عند الله تعالى، وهذا لا ينافي أن الشيطان لا
سلطان له على مثل أيوب؛ لأن التسليط على الأهل والمال والجسد من جنس الأسباب
التي تنشأ عنها الأعراض البشرية كالمرض، وذلك يقع للأنبياء؛ فإنهم يصيبهم المرض،
وموت الأهل، وهلاك المال لأسباب متنوعة. ولا مانع من أن يكون جملة تلك
الأسباب تسليط الشيطان على ذلك للابتلاء، وقد أوضحنا جواز وقوع الأمراض
والتأثيرات البشرية على الأنبياء في سورة (طه)) وقول الله لنبيه أيوب في سورة (ص)):
﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْنًا فَأَضْرِبِ بِّهِ، وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤]، قال المفسرون فيه: إنه حلف في مرضه
ليضربن زوجه مائة سوط، فأمره الله أن يأخذ ضغئاً فيضربها به ليخرج من يمينه،
والضغث: الحزمة الصغيرة من حشيش أو ريحان أو نحو ذلك. والمعنى أنه يأخذ حزمة
فيها مائة عود فيضربها بها ضربة واحدة، فيخرج بذلك من يمينه. وقد قدمنا في سورة
(الكهف)) الاستدلال بآية: ﴿وَلَا تَحْنَتُ﴾ [ص: ٤٤]، على أن الاستثناء المتأخر لا يفيد،
إذ لو كان يفيد لقال الله لأيوب قل - إن شاء الله - ليكون ذلك استثناء في يمينك.

٨٢٠ -
-
سورة الأنبياء: الآيتان (٨٧ - ٨٨)
قوله تعالى: ﴿وَذَا الْتُونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَضِبًا فَنَّ أَن لَّنْ تَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَتَادَى فِ الظُّلُمَنِ
أَنْ لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ سُبْحَنَكَ إِ كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴿٨ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَغَيْنَهُ مِنَ الْغَمِّ
وَكَذَلِكَ نُشچِى الْمُؤْمِنِينَ (®)﴾.
أي واذكر ذا النون. والنون: الحوت. ((وذا)) بمعنى
صاحب. فقوله: ﴿وَذَا آَلُّونِ﴾ معناه صاحب الحوت؛ كما صرح الله بذلك في ((القلم))
في قوله: ﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبٍ الْمُتِ﴾ ... الآية [القلم: ٤٨]. وإنما أضافه إلى الحوت؛
لأنه التقمه كما قال تعالى: ﴿فَلْنَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (٣٦)﴾ [الصافات].
وقوله: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَّنْ نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾؛ فيه وجهان من التفسير لا يكذب أحدهما الآخر:
الأول: أن المعنى: ﴿لَّنْ نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾؛ أي لن نضيق عليه في بطن الحوت. ومن
إطلاق ((قدر)) بمعنى ((ضيق)) في القرآن قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾
[الرعد: ٢٦]، أي ويضيق الرزق على من يشاء، وقوله تعالى: ﴿لِنُفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ،
وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقُ مِمَّآ ءَانَنَهُ اللَّهُ﴾ ... الآية [الطلاق: ٧]. فقوله: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ
رِزْقُهُ﴾ أي ومن ضیق عليه رزقه.
الوجه الثاني: أن معنى ﴿لَّنْ نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ لن نقضي عليه ذلك. وعليه فهو من القدر
والقضاء، ((وقدر)) بالتخفيف تأتي بمعنى ((قدر)) المضعفة، ومنه قوله تعالى: ﴿فَالْنَقَى الْمَآءُ
عَلَّ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر: ١٢]، أي قدره الله. ومنه قول الشاعر وأنشده ثعلب شاهداً لذلك:
لنا أبداً ما أورق السلم النضر
فليست عشيات الحمى برواجع
تباركت ما تقدر يقع ولك الشكر
ولا عائد ذاك الزمان الذي مضى
والعرب تقول: قدر الله لك الخير يقدره قدراً، كضرب يضرب، ونصر ينصر،
بمعنى قدره لك تقديراً؛ ومنه على أصح القولين ((ليلة القدر))؛ لأن الله يقدر فيها
الأشياء؛ كما قال تعالى: ﴿فِهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ﴾﴾ [الدخان]، والقدر بالفتح،
والقدر بالسكون: ما يقدره الله من القضاء، ومنه قول هدية بن الخشرم:
ألا يا لقومي للنوائب والقدر
وللأمر يأتي المرء من حيث لا يدري
أما قول من قال: إن ﴿لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ من القدرة - فهو قول باطل بلا شك؛ لأن
نبي الله يونس لا يشك في قدرة الله على كل شيء، كما لا يخفى.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿مُغَضِبًا﴾ أي في حال كونه مغاضباً لقومه، ومعنى
المفاعلة فيه أنه أغضبهم بمفارقته وتخوفهم حلول العذاب بهم، وأغضبوه حين دعاهم
إلى الله مدة فلم يجيبوه، فأوعدهم بالعذاب. ثم خرج من بينهم على عادة الأنبياء عند
نزول العذاب قبل أن يأذن الله له في الخروج؛ قاله أبو حيان في البحر. وقال أيضاً:
وقيل معنى ﴿مُغَضِبًا﴾ غضبان، وهو من المفاعلة التي لا تقتضي اشتراكاً؛ نحو عاقبت
اللص، وسافرت، اهـ.
واعلم أن قول من قال: ﴿مُغَضِبًا﴾؛ أي مغاضباً لربه كما روي عن ابن مسعود،