Indexed OCR Text

Pages 721-740

٧٢١
سورة طه: الآيتان (٥٨ - ٥٩).
موسى بسحر مثل آياتِ الله التي يزعم هو أنها سحر. وقد بين في غير هذا الموضع أن
إتيانهم بالسحر وجمعهم السحرة كان عن اتفاق ملئهم على ذلك كقوله في ((الأعراف)):
﴿ قَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِّ هَذَا لَسَحِّ عَلِيمٌ (٦ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُونَ
) قَالُواْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلٌ فِ اَلْمَدَآَيِنِ حَشِرِينَ ﴿ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحٍِ عَلِيمٍ (٣٧)﴾ [الأعراف]،
وقوله في ((الشعراء)): ﴿قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَحِرْ عَلِيمٌ (9) يُرِيدُ أَن يُخْرِحَكُمْ مِنْ أَرْضِكُم
بِسِحْرِهِ، فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (٢٥) قَالُواْ أَرْجِهِ وَخَاهُ وَيْعَثْ فِ اَلْدَإِنِ خَشِرِينَ ﴿ يَأْتُكَ بِكُلِّ سَخَارٍ
عَلِيمٍ ﴾﴾ [الشعراء]، لأن قوله: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ [الشعراء: ٣٥]، في الموضعين يدل على
أن قول فرعون: ﴿فَلَنَأْتِيَتَّكَ بِسِجْرٍ مِثْلِهِ﴾ وقع بعد مشاورة واتفاق الملأ منهم على ذلك.
قوله تعالى: ﴿فَأَجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَّا تُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَّ أَنْتَ مَكَنَا سُوَى ﴿ قَالَ
مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ اَلْزِينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحَى ®). ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة
أن فرعون لما وعد موسى بأنه يأتي بسحر مثل ما جاء به موسى في زعمه قال لموسى:
﴿فَأَجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَّا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ﴾ والإخلاف: عدم إنجاز الوعد، وقرر
أن يكون مكان الاجتماع للمناظرة والمغالبة في السحر في زعمه مكاناً سوى، وأصح
الأقوال في قوله: ﴿سُوَى﴾ على قراءة الكسر والضم أنه مكان وسط تستوي أطراف البلد
فيه؛ لتوسطها بينها، فلم يكن أقرب للشرق من الغرب، ولا للجنوب من الشمال. وهذا
هو معنى قول المفسرين ﴿مَكَانًا سُوَّى﴾ أي نصفاً وعدلاً ليتمكن جميع الناس أن يحضروا.
وقوله: ﴿سُوَى﴾ أصله من الاستواء؛ لأن المسافة من الوسط إلى الطرفين لا تفاوت فيها
بل هي مستوية. وقوله: ﴿سُوَّى﴾ فيه ثلاث لغات: الضم، والكسر مع القصر، وفتح
السين مع المد. والقراءة بالأوليين دون الثالثة هنا، ومن القراءة بالثالثة ﴿ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَآْ
بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٤]، ومن إطلاق العرب ﴿مَكَانًا سُوَّى﴾ على المكان المتوسط
بين الفريقين قول موسى بن جابر الحنفي، وقد أنشده أبو عبيدة شاهداً لذلك:
وإن أبانا كان حل ببلدة سوى بين قيس قيس عيلان والفزر
والفزر: سعد بن زيد مناة بن تميم؛ يعني حل ببلدة مستوية مسافتها بين قيس عيلان
والفزر، وأن موسى - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - أجاب فرعون إلى ما طلب منه
من الموعد، وقرر أن يكون وقت ذلك يوم الزينة. وأقوال أهل العلم في يوم الزينة راجعة
إلى أنه يوم معروف لهم، يجتمعون فيه ويتزيتون؛ سواء قلنا: إنه يوم عيد لهم، أو يوم
عاشوراء، أو يوم النيروز، أو يوم كانوا يتخذون فيه سوقاً ويتزينون فيه بأنواع الزينة.
قال الزمخشري: إنما واعدهم موسى ذلك اليوم ليكون علو كلمة الله وظهور دينه،
وكبت الكافر وزهوق الباطل على رؤوس الأشهاد في المجمع الغاص لتقوى رغبة من
رغب في اتباع الحق، ويكل حد المبطلين وأشياعهم، ويكثر المحدث بذلك الأمر؛
ليعلم في كل بدو وحضر، ويشيع في جميع أهل الوبر والحضر، اهـ منه. والمصدر

٧٢٢ -
سورة طه: الآيتان (٥٨ - ٥٩)
المنسبك من ((أن)) وصلتها في قوله: ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحَى﴾؛ في محل جر عطفاً على:
﴿اَلْزِينَةِ﴾؛ أي موعدكم يوم الزينة وحشر الناس، أو في محل رفع عطفاً على قوله:
﴿يَوْمُ الْزِينَةِ﴾ على قراءة الجمهور بالرفع. والحشر: الجمع، والضحى: من أول النهار
حين تشرق الشمس. والضحى يذكر ويؤنث؛ فمن أنه ذهب إلى أنه جمع ضحوة. ومن
ذكره ذهب إلى أنه اسم مفرد جاء على فعل بضم ففتح كصرد وزفر، وهو منصرف إذا
لم ترد ضحى يوم معين بلا خلاف. وإن أردت ضحى يومك المعين فقيل يمنع من
الصرف كسحر، وقيل لا
وما ذكره - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة من كون المناظرة بين موسى
والسحرة عين لوقتها يوم معلوم يجتمع الناس فيه؛ ليعرفوا الغالب من المغلوب أشير له
في غير هذا الموضع كقوله تعالى في ((الشعراء)): ﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِقَتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ
وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُ مُجْتَمِعُونَ ﴿ لَعَلَنَا نَِّعُ السَّحَرَةَ إِن كَانُوْ هُمُ الْفَلِينَ ﴾﴾ [الشعراء].
فقوله تعالى: ﴿لِقَتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ٣٨] اليوم المعلوم: هو يوم الزينة
المذكور هنا. وميقاته وقت الضحى منه المذكور في قوله: ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحَى﴾
تنبيه: اعلم أن في تفسير هذه الآية الكريمة أنواعاً من الإشكال معروفة عند
العلماء، وسنذكر - إن شاء الله تعالى - أوجه الإشكال فيها، ونبين إزالة الإشكال عنها.
اعلم أولاً أن الفعل الثلاثي إن كان مثالاً أعني واوي الفاء كوعد ووصل،
فالقياس في مصدره الميمي واسم مكانه وزمانه كلها المفعل - بفتح الميم وكسر العين -
ما لم يكن معتل اللام؛ فإن كان معتلها فالقياس فيه المفعل - بفتح الميم والعين - كما
هو معروف في فن الصرف.
فإذا علمت ذلك فاعلم أن قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَأَجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ
مَوْعِدًا﴾؛ صالح بمقتضى القياس الصرفي؛ لأن يكون مصدراً ميمياً بمعنى الوعد، وأن
يكون اسم زمان يراد به وقت الوعد، وأن يكون اسم مكان يراد به مكان الوعد، ومن
إطلاق الموعد في القرآن اسم زمان قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ [هود: ٨١]، أي
وقت وعدهم بالإهلاك الصبح، ومن إطلاقه في القرآن اسم مكان قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ
جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾﴾ [الحجر]، أي مكان وعدهم بالعذاب.
وأوجه الإشكال في هذا أن قوله: ﴿لَّا تُخْلِفُهُ غَمْنُ وَلَّ أَنْتَ﴾ يدل على أن الموعد
مصدر؛ لأن الذي يقع عليه الإخلاف هو الوعد لا زمانه ولا مكانه.
وقوله تعالى: ﴿مَكَانًا سُوَى﴾ يدل على أن الموعد في الآية اسم مكان.
وقوله: ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِينَةِ﴾ يدل على أن الموعد في الآية اسم زمان، فإن
قلنا إن الموعد في الآية مصدراً أشكل على ذلك ذكر المكان في قوله: ﴿مَكَانًا سُوَى﴾،
والزمان في قوله: ﴿يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ وإن قلنا: إن الموعد اسم مكان أشكل عليه قوله: ﴿لَّا

٧٢٣
سورة طه: الآيتان (٥٨ - ٥٩)
تُخْلِفُهُ﴾؛ لأن نفس المكان لا يخلف وإنما يخلف الوعد، وأشكل عليه أيضاً قوله:
﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾، وإن قلنا: إن الموعد اسم زمان أشكل عليه أيضاً قوله: ﴿لَّا
تُخْلِفُهُ﴾، وقوله: ﴿مَكَانًا سُوَى﴾ هذه هي أوجه الإشكال في هذه الآية الكريمة، وللعلماء
عن هذا أجوبة منها ما ذكره الزمخشري في الكشاف قال: لا يخلو الموعد في قوله:
﴿فَأَجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا﴾ من أن يجعل زماناً أو مكاناً أو مصدراً؛ فإن جعلته زماناً
نظراً في أن قوله: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ مطابق له لزمك شيئان: أن تجعل الزمان مخلفاً
وأن يعضل عليك ناصب ﴿مَكَانًا﴾، وإن جعلته مكانا لقوله تعالى: ﴿مَكَنَا سُوَى﴾ لزمك
أيضاً أن توقع الإخلاف على المكان، ولا يطابق قوله: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ إلى أن
قال: فبقي أن يجعل مصدراً بمعنى الوعد ويقدر مضاف محذوف، أي مكان الوعد،
ويجعل الضمير في ﴿نُخْلِفُهُ﴾ للموعد و﴿مَكَانًا﴾ بدل من المكان المحذوف.
فإن قلت: كيف طابقه قوله: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ ولا بد من أن تجعله زماناً
والسؤال واقع عن المكان لا عن الزمان؟
قلت: هو مطابق معنى وإن لم يطابق لفظاً؛ لأنهم لا بد لهم من أن يجتمعوا يوم
الزينة في مكان بعينه مشتهر باجتماعهم فيه في ذلك اليوم؛ فبذكر الزمان علم المكان،
انتهى محل الغرض منه. ولا يخفى ما في جوابه هذا من التعسف والحذف والإبدال من
المحذوف.
قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له -: أظهر ما أجيب به عما ذكرنا من الإشكال
عندي في هذه الآية الكريمة أن فرعون طلب من موسى تعيين مكان الموعد، وأنه يكون
مكاناً سوى؛ أي وسطاً بين أطراف البلد كما بينا، وأن موسى وافق وعين زمان الوعد
وأنه يوم الزينة ضحى؛ لأن الوعد لا بد له من مكان وزمان. فإذا علمت ذلك، فاعلم
أن الذي يترجح عندي المصير إليه هو قول من قال في قوله: ﴿فَأَجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ
مَوْعِدًا﴾؛ إنه اسم مكان أي مكان الوعد، وقوله: ﴿مَكَانًا﴾ بدل من قوله موعداً؛ لأن
الموعد إذا كان اسم مكان صار هو نفس المكان فاتضح كون ﴿مَكَانًا﴾ بدلاً. ولا إشكال
في ضمير ﴿نُخْلِّفُهُ﴾ على هذا، ووجه إزالة الإشكال عنه أن المعروف في فن الصرف أن
اسم المكان مشتق من المصدر كاشتقاق الفعل منه، فاسم المكان ينحل عن مصدر
ومكان، فالمنزل مثلاً مكان النزول، والمجلس مكان الجلوس، والموعد مكان الوعد،
فإذا اتضح لك أن المصدر كامن في مفهوم اسم المكان فالضمير في قوله: ﴿لَّا نُخْلِفُهُ﴾
راجع إلى المصدر الكامن في مفهوم اسم المكان، كرجوعه للمصدر الكامن في مفهوم
الفعل في قوله: ﴿أَعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلِتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨]: فقوله: ﴿هُوَ﴾ أي العدل
المفهوم من ﴿أَعْدِلُواْ﴾ وكذلك قوله تعالى: ﴿لَّا نُخْلِفُهُ﴾ أي الوعد الكامن في مفهوم
اسم المكان الذي هو الموعد؛ لأنه مكان الوعد، فمعناه مركب إضافي وآخر جزأيه لفظ
الوعد وهو مرجع الضمير في ﴿لَّا تُخْلِفُهُ﴾ .
١:

٧٢٤ -
سورة طه: الآيات (٦٠ - ٦٥)
" فإذا عرفت معنى هذا الكلام الذي أخبر الله أن فرعون قاله لموسى، فاعلم أن
قوله عن موسى: ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾؛ يدل على أنه وافق على طلب فرعون ضمناً،
وزاد تعيين زمان الوعد بقوله: ﴿ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾؛ ولا إشكال في ذلك، هذا هو
الذي ظهر لنا صوابه. وأقرب الأوجه التي ذكرها العلماء بعد هذا عندي قول من قال:
إن الموعد في الآية مصدر وعليه ف﴿لَا تُخْلِفُهُ﴾ راجع للمصدر، و﴿مَكَانًا﴾ منصوب بفعل
دل عليه الموعد؛ أي عدنا مكاناً سوى. ونصب المكان بأنه مفعول المصدر الذي هو
﴿مَوْعِدًا﴾ أو أحد مفعولي ﴿أَجْعَلْ﴾ غير صواب فيما يظهر لي والله تعالى أعلم.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿مَكَانًا سُوَى﴾ قرأه ابن عامر وعاصم وحمزة
((سوى)) بضم السين والباقون بكسرها، ومعنى القراءتين واحد كما تقدم.
٦٠
قوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّ فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَ
قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ﴾ قال بعض العلماء: معناه فتولى
فرعون، انصرف مدبراً من ذلك المقام ليهيئ ما يحتاج إليه مما تواعد عليه هو وموسى،
ويدل لهذا الوجه قوله تعالى في سورة ((النازعات)) في القصة بعينها ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَتْعَى
(٢٢
فَحَشَرَ فَنَادَى (٣)﴾ [النازعات] وقوله: ﴿فَحَشَرَ﴾ أي جمع السحرة.
وقال بعض العلماء: معنى قوله: ﴿فَتَوَ فِرْعَوْنُ﴾ أي أعرض عن الحق الذي جاءه
به موسى، ومن معنى هذا الوجه قوله تعالى: ﴿إِنَّا قَدْ أُوْجِىَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَن
كَذَّبَ وَتَوَلَ ﴿َ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ الظاهر أن المراد بـ((كيده)) ما جمعه
من السحر ليغلب به موسى في زعمه. وعليه فالمراد بقوله: ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ هو جمعه
للسحرة من أطراف مملكته، ويدل على هذا أمران: أحدهما: تسمية السحر في القرآن
كيداً كقوله: ﴿إِنََّا صَنَعُواْ كَيْدُ سَحٍِ﴾ ... الآية، وقوله تعالى عن السحرة: ﴿فَأَجِعُواْ
كَيْدَكُمْ﴾ وكيدهم سحرهم. الثاني: أن الذي جمعه فرعون هو السحرة كما دلت عليه
آيات من كتاب الله كقوله تعالى في ((الأعراف)): ﴿قَالُواْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِ اَلْمَدَآيِنِ
حَشِرِينَ ﴿ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحِرٍ عَلِيمِ (1)﴾ [الأعراف]. وقوله: ﴿حَشِرِينَ﴾ أي جامعينِ
يجمعون السحرة من أطراف مملكته، وقوله في ((الشعراء)): ﴿وَبْعَثْ فِىِ الْدَآَيْنِ حَشِرِينَ
يَأْتُكَ بِكُلِّ سَخَارٍ عَلِيمٍ ﴾ فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ (٣٨)﴾ [الشعراء]، وقوله
في ((يونس)): ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ أَثْتُونِ بِكُلِّ سَحِرٍ عَلِيمٍ (®﴾ [يونس].
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿ثُمَّ أَ﴾، أي جاء فرعون بسحرته للميعاد
ليغلب نبي الله موسى بسحره في زعمه .
قوله تعالى: ﴿قَالُواْ يَمُوسَىّ إِمَّا أَنْ تُلْفِىَ وَإِمَّ أَنْ تَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (9)﴾. ذكر
- جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة أن السحرة لما جمعهم فرعون واجتمعوا مع موسى
للمغالبة قالوا له متأدبين معه: ﴿إِمَّ أَنْ تُلْفِىَ وَإِقَّآ أَن تَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى﴾؛ وقد بيّن تعالى

٧٢٥
سورة طه: الآية (٦٦)
مقالتهم هذه في غير هذا الموضع؛ كقوله في ((الأعراف)): ﴿قَالُواْ يَمُوسَىَ إِمَّا أَنْ تُلْقِىَ
116﴾ [الأعراف]. وقد قدمناه فى ترجمة هذا الكتاب المبارك:
وَلِمَّآ أَنْ تَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْفِينَ
أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يحذف مفعول فعل في موضع، ثم يبين في موضع
آخر، فإنا نبين ذلك، وقد حذف هنا في هذه الآية مفعول ﴿تُلْفِىَ﴾، ومفعول أول من
﴿أَلْقَى﴾ وقد بين تعالى في مواضع أخر أن مفعول إلقاء موسى هو عصاه وذلك في قوله
• [الشعراء]، وقوله في
١٤٥
في ((الأعراف)): ﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ
((الشعراء)»: ﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (2)﴾ [الشعراء]، وقوله هنا: ﴿وَأَلْقِ
مَا فِى يَمِينِكَ ثَلْقَفْ مَا صَنَعُواْ﴾ الآية، وما في يمينه هو عصاه؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ
بِيَمِينِكَ يَمُوسَى ◌َقَالَ هِىَ عَصَاىَ﴾ .
وقد بين تعالى أيضاً في موضع آخر أن مفعول إلقائهم هو حبالهم وعصيهم،
وذلك في قوله في ((الشعراء)): ﴿فَأَلْقَوَّأْ حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُواْ بِعِزَّةٍ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ
الْغَالِبُونَ ﴾﴾ [الشعراء: ٤٤]. وقد أشار تعالى إلى ذلك أيضاً بقوله هنا: ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُواْ
فَإِذَا حِبَالهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَّا تَتْعَى ﴾﴾؛ لأن في الكلام حذفاً دل المقام
عليه، والتقدير: قال بل ألقوا فألقوا حبالهم وعصيهم فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه
من سحرهم أنها تسعى، والمصدر المنسبك من ((أن)) وصلتها في قوله: ﴿أَنْ تُلْقِىَ﴾ وفي
قوله: ﴿أَنْ تَّكُونَ﴾ فيه وجهان من الإعراب:
الأول: أنه في محل نصب بفعل محذوف دل المقام عليه، والتقدير: إما أن تختار
أن تلقي أي تختار إلقاءك أولاً، أو تختار إلقاءنا أولاً، وتقدير المصدر الثاني: وإما أن
تختار أن نكون أي كوننا أول من ألقى.
والثاني: أنه في محل رفع، وعليه فقيل: هو مبتدأ والتقدير إما إلقاءك أول، أو
إلقاؤنا أول. وقيل: خبر مبتدأ محذوف، أي إما الأمر إلقاؤنا أو إلقاؤك.
قوله تعالى: ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُواْ﴾. ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة أن نبيه موسى
- عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - لما خيره سحرة فرعون أن يلقي قبلهم أو يلقوا قبله
قال لهم: ﴿أَلْقُواْ﴾ يعني ألقوا ما أنتم ملقون كما صرح به في ((الشعراء)) في قوله تعالى:
﴿قَالَ لَهُم ◌ُوسَىَ أَلْقُواْ مَآ أَنْتُم مُّلْقُونَ﴾ [الشعراء: ٤٣]، وذلك هو المراد أيضاً بقوله في
(الأعراف)): ﴿قَالَ أَلْقُواْ فَلَمَّا أَلْقَوْ سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ ... الآية [الأعراف: ١١٦].
تنبيه: قول موسى للسحرة: ألقوا المذكور في ((الأعراف، وطه، والشعراء)) فيه
سؤال معروف، وهو أن يقال: كيف قال هذا النبي الكريم للسحرة ألقوا؛ أي ألقوا
حبالكم وعصيكم، يعني اعملوا السحر وعارضوا به معجزة الله التي أيد بها رسوله،
وهذا أمر بمنكر؟ والجواب: هو أن قصد موسى بذلك قصد حسن يستوجبه المقام؛ لأن
إلقاءهم قبله يستلزم إبراز ما معهم من مكائد السحر، واستنفاد أقصى طرقهم

٧٢٦
سورة طه: الآية (٦٦)
ومجهودهم؛ فإذا فعلوا ذلك كان في إلقائه عصاه بعد ذلك وابتلاعها لجميع ما ألقوا من
إظهار الحق وإبطال الباطل ما لا جدال بعده في الحق لأدنى عاقل، ولأجل هذا قال
لهم: ألقوا، فلو ألقى قبلهم وألقوا بعده لم يحصل ما ذكرنا، والعلم عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَالهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَّا تَتْعَى﴾ .
قرأ هذا الحرف ابن ذكوان عن ابن عامر (تخيل) بالتاء، أي تخيل هي أي الحبال
والعصي أنها تسعى، والمصدر في ﴿أَنَّا تَتْعَى﴾ بدل من ضمير الحبال والعصي الذي هو
نائب فاعل ((تخيل)) بدل اشتمال، وقرأ الباقون بالياء التحتية. والمصدر في ﴿أَنّها تَتْعَى﴾
نائب فاعل ((یخیل)).
وفي هذه الآية الكريمة حذف دل المقام عليه، والتقدير: قال بل ألقوا فألقوا
حبالهم وعصيهم، فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى، وبه تعلم أن
الفاء في قوله: ﴿فَإِذَا حِبَالهُمْ﴾ عاطفة على محذوف كما أشار لنحو ذلك ابن مالك في
الخلاصة بقوله :
وحذف متبوع بدا هنا استبح
و((إذا)) هي الفجائية، وقد قدمنا كلام العلماء فيها فأغنى ذلك عن إعادته هنا،
والحبال: جمع حبل، وهو معروف. ((والعصي)) جمع عصا، وألف العصا منقلبة عن
واو؛ ولذا ترد إلى أصلها في التثنية: ومنه قول غيلان ذي الرمة:
فجاءت بنسج العنكبوت كأنه
على عصويها سابري مشبرق
وأصل العصي عصوو على وزن فعول جمع عصا؛ فأعل بإبدال الواو التي في
موضع اللام ياء فصار عصويا، فأبدلت الواو ياء وأدغمت في الياء، فالياءان أصلهما
واوان. وإلى جواز هذا النوع من الإعلال في واوي اللام مما جاء على فعول أشار في
الخلاصة بقوله :
كذاك ذا وجهين جا الفعول من
ذي الواو لام جمع أو فرد يعن
وضمة الصاد في ((عصيهم)) أبدلت كسرة لمجانسة الياء، وضمة عين ((عصيهم))
أبدلت كسرة لاتباع كسرة الصاد، والتخيل في قوله: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّا تَتْعَى﴾؛ هو
إبداء أمر لا حقيقة له، ومنه الخيال. وهو الطيف الطارق في النوم. قال الشاعر:
ألا يا لقومي للخيال المشوق
وللدار تنأى بالحبيب ونلتقي
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿يُخَيِّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَّا تَسْعَى﴾؛ يدل على أن
السحر الذي جاء به سحرة فرعون تخييل لا حقيقة له في نفس الأمر، وهذا الذي دلت
عليه آية (طه)) هذه دلت عليه آية ((الأعراف)) وهي قوله تعالى: ﴿فَلَمََّ أَلْقَوْ سَحَرُواْ أَعْيُنَ
النَّاسِ﴾ ... الآية [الأعراف: ١١٦]؛ لأن قوله: ﴿سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ﴾، يدل على أنهم

٧٢٧
سورة طه: الآية (٦٩) -
خيلوا لأعين الناظرين أمراً لا حقيقة له، وبهاتين الآيتين احتج المعتزلة ومن قال بقولهم
على أن السحر خيال لا حقيقة له.
والتحقيق الذي عليه جماهير العلماء من المسلمين أن السحر منه ما هو أمر له
حقيقة لا مطلق تخييل لا حقيقة له، ومما يدل على أن منه ما له حقيقة قوله تعالى:
﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ، بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ﴾ [البقرة: ١٠٢]، فهذه الآية تدل على
أنه شيء موجود له حقيقة تكون سبباً للتفريق بين الرجل وامرأته وقد عبر الله عنه بما
الموصولة وهي تدل على أنه شيء له وجود حقيقي، ومما يدل على ذلك أيضاً قوله
تعالى: ﴿وَمِن شَرِّ النَّفَّشَتِ فِى الْعُقَدِ ﴾﴾ [الفلق]، يعني السواحر اللاتي يعقدن في
سحرهن وينفثن في عقدهن، فلولا أن السحر حقيقة لم يأمر الله بالاستعاذة منه، وسيأتي
- إن شاء الله - أن السحر أنواع: منها ما هو أمر له حقيقة، ومنها ما هو تخييل لا
حقيقة له، وبذلك يتضح عدم التعارض بين الآيات الدالة على أن له حقيقة، والآيات
الدالة على أنه خيال.
فإن قيل: قوله في ((طه)): ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ﴾ ... الآية، وقوله في ((الأعراف)):
﴿سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ [الأعراف: ١١٦]، الدالان على أن سحر سحرة فرعون خيال لا
حقيقة له، يعارضهما قوله في ((الأعراف)): ﴿وَجَةُ و بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦]، لأن
وصف سحرهم بالعظم يدل على أنه غير خيال، فالذي يظهر في الجواب - والله أعلم -
أنهم أخذوا كثيراً من الحبال والعصي، وخيلوا بسحرهم لأعين الناس أن الحبال
والعصي تسعى وهي كثيرة. فظن الناظرون أن الأرض ملئت حيات تسعى، لكثرة ما
ألقوا من الحبال والعصي فخافوا من كثرتها، وبتخييل سعى ذلك العدد الكثير وصف
سحرهم بالعظم. وهذا ظاهر لا إشكال فيه.
قوله تعالى: ﴿وَأَلْقِ مَا فِ يَمِنِكَ نَلْقَفْ مَا صَنَعُواْ إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَخِرِّ﴾ .
قرأ هذا الحرف نافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي وقنبل عن ابن كثير، وهشام
عن ابن عامر، وشعبة عن عاصم بتاء مفتوحة مخففة بعدها لام مفتوحة ثم قاف مفتوحة
مشددة بعدها فاء ساكنة، وهو مضارع تلقف وأصله تتلقف بتاءين فحذفت إحداهما
تخفيفاً، كما أشار له في الخلاصة بقوله:
وما بتاءين ابتد قد يقتصر
فيه على تاكتبين العبر
والمضارع مجزوم؛ لأنه جزاء الطلب في قوله: ﴿أَلِّ﴾ وجمهور علماء العربية
على أن الجزم في نحو ذلك بشرط مقدر دلت عليه صيغة الطلب، وتقديره هنا: إن تلق
ما في يمينك تلقف ما صنعوا، وقرأه البزي عن ابن كثير كالقراءة التي ذكرنا، إلا أنه
يشدد تاء تلقف وصلاً. ووجه تشديد التاء هو إدغام إحدى التاءين في الأخرى، وهو
جائز في كل فعل بدئ بتاءين كما هنا، وأشار إليه في الخلاصة بقوله:

٧٢٨ -
-
سورة طه: الآية (٦٩)
وحيي افكك وادغم دون خذرة كذاك نحو تتجلى واستتر
ومحل الشاهد منه قوله نحو «تتجلى)) ومثاله في الماضي قوله:
تولى الضجيع إذا ما التذها خصرا عذب المذاق إذا ما اتّابع القبل
أصله تتابع، وقرأه ابن ذكوان عن ابن عامر كالقراءة المذكورة للجمهور إلا أنه
يضم الفاء، فالمضارع على قراءته مرفوع، ووجه رفعه أن جملة الفعل حال، أي ألق
بما في يمينك في حال كونها متلقفة ما صنعوا، أو مستأنفة، وعليه فهي خبر مبتدأ
محذوف، أي فهي تلقف ما صنعوا، وقرأ حفص عن عاصم ﴿نَلْقَفْ﴾ بفتح التاءُ وسكون
اللام وفتح القاف مخففة مع الجزم، مضارع لقفه بالكسر يلقفه بالفتح ومعنى القراءتين
واحد؛ لأن معنى تلقفه لقفه إذا تناوله بسرعة، والمراد بقوله: ﴿نَلْقَفْ مَا صَنَعُواْ﴾ على
جميع القراءات أنها تبتلع كل ما زوروه وافتعلوه من الحبال والعصي التي خيلوا للناس
أنها تسعى وصنعهم في قوله تعالى: ﴿مَا صَنَعُواْ﴾ واقع في الحقيقة على تخييلهم إلى
الناس بسحرهم أن الحبال والعصي تسعى، لا على نفس الحبال والعصي لأنها من
صنع الله تعالى، ومن المعلوم أن كل شيء كائناً ما كان بمشيئته تعالى الكونية القدرية.
: وهذا المعنى الذي ذكره - جلّ وعلا - هنا في هذه الآية الكريمة من كونه أمر نبيه
موسى - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - أن يلقي ما في يمينه أي يده اليمنى، وهو
عصاه فإذا هي تبتلع ما يأفكون من الحبال والعصي التي خيلوا إليه أنها تسعى أوضحه
في غير هذا الموضع، كقوله في ((الأعراف)): ﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَىَ أَنْ أَلْقِ عَصَاكٌ فَإِذَا هِىَ
تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ ﴿ فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (١٨) فَغُلِيُواْ هُنَالِكَ وَأَنْقَبُواْ صَغِرِينَ
(١١٩)
[الأعراف]، وقوله تعالى في ((الشعراء)): ﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ
٤٥
[الشعراء]، فذكر العصا في ((الأعراف، والشعراء)) يوضح أن المراد بما في يمينه في ((طه))
أنه عصاه كما لا يخفى.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿مَا يَأْفِكُونَ﴾ [الشعراء: ٤٥]، أي يختلقونه
ويفترونه من الكذب، وهو زعمهم أن الحبال والعصي تسعى حقيقة، وأصله من قولهم:
أفكه عن الشيء يأفكه عنه (من باب ضرب): إذا صرفه عنه وقلبه. فأصل الأفك بالفتح
القلب والصرف عن الشيء. ومنه قيل لقرى قوم لوط (المؤتفكات)؛ لأن الله أفكها أتي
قلبها؛ كما قال تعالى: ﴿فَجَعَلْنَا عَلِيَهَا سَافِلَهَا﴾ [الحجر: ٧٤]. ومنه قوله تعالى: ﴿يُؤْفَثُ عَنْهُ
مَنْ أُفِكَ (٣)﴾ [الذاريات]، أي يصرف عنه من صرف، وقوله: ﴿قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ
ءَاِتِنَا﴾ [الأحقاف: ٢٢]، أي لتصرفنا عن عبادتها، وقول عمرو بن أذينة:
فوكاً ففي آخرين قد أفكوا
إن تك عن أحسن المروءة مأ
وأكثر استعمال هذه المادة في الكذب؛ لأنه صرف وقلب للأمر عن حقيقته
بالكذب والافتراء، كما قال تعالى: ﴿وَيَلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَشِ ﴾﴾ [الجاثية]، وقال تعالى:
﴿وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٨]، إلى غير ذلك من الآيات.

٧٢٩
سورة طه : الآية (٦٩)
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَحِرٍ﴾؛ ((ما)) موصولة وهي
اسم ((إن))، و((كيد)) خبرها، والعائد إلى الموصول محذوف؛ على حد قوله في الخلاصة:
والحذف عندهم كثير منجلي
في عائد متصل إن انتصب
بفعل أو وصف كمن نرجو يهب
والتقدير: إن الذي صنعوه كيد ساحر، وأما على قراءة من قرأ (كيدَ ساحر)
بالنصب فـ ((ما)) كافة و((كيد)) مفعول ((صنعوا)) وليست سبعية، وعلى قراءة حمزة
والكسائي («كيد سحر)) بكسر السين وسكون الحاء، فالظاهر أن الإضافة بيانية؛ لأنّ
الكيد المضاف إلى السحر هو المراد بالسحر، وقد بسطنا الكلام في نحو ذلك في غير
هذا الموضع. والكيد: هو المكر.
قوله تعالى: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَنَ﴾. قد قدمنا في سورة ((بني إسرائيل)) أن
الفعل في سياق النفي من صيغ العموم؛ لأنه ينحل عند بعض أهل العلم عن مصدر
وزمان، وعند بعضهم عن مصدر وزمان ونسبة؛ فالمصدر كامن في مفهومه إجماعاً،
وهذا المصدر الكامن في مفهوم الفعل في حكم النكرة فيرجع ذلك إلى النكرة في سياق
النفي وهي صيغة عموم عند الجمهور. فظهر أن الفعل في سياق النفي من صيغ العموم،
وكذلك الفعل في سياق الشرط؛ لأن النكرة في سياق الشرط أيضاً صيغة عموم، وأكثر
أهل العلم على ما ذكرنا من أن الفعل في سياق النفي أو الشرط من صيغ العموم،
خلافاً لبعضهم فيما إذا لم يؤكد الفعل المذكور بمصدر؛ فإن أكد به فهو صيغة عموم بلا
خلاف، كما أشار إلى ذلك في (مراقي السعود) بقوله عاطفاً على صيغ العموم:
ونحو لا شربت أو إن شربا
واتفقوا إن مصدر قد جلبا
والتحقيق في هذه المسألة أنها لا تختص بالفعل المتعدي دون اللازم، خلافاً لمن
زعم ذلك، وأنه لا فرق بين التأكيد بالمصدر وعدمه؛ لإجماع النحاة على أن ذكر
المصدر بعد الفعل تأكيد للفعل، والتأكيد لا ينشأ به حكم، بل هو مطلق تقوية لشيء
ثابت قبل ذلك كما هو معروف. وخلاف العلماء في عموم الفعل المذكور هل هو
بدلالة المطابقة أو الالتزام معروف. وإذا علمت ذلك، فاعلم أن قوله تعالى في هذه
الآية الكريمة: ﴿وَلَا يُفْلِعُ السَّاحِرُ﴾ ... الآية، يعم نفي جميع أنواع الفلاح عن الساحر،
وأكد ذلك بالتعميم في الأمكنة بقوله: ﴿حَيْثُ أَ﴾ وذلك دليل على كفره؛ لأن الفلاح
لا ينفى بالكلية نفياً عاماً إلا عمن لا خير فيه وهو الكافر، ويدل على ما ذكرنا أمران:
الأول: هو ما جاء من الآيات الدالة على أن الساحر كافر كقوله تعالى: ﴿وَمَا
كَفَرَ سُلَيْمَنُ وَلَكِنَّ الشَّيَطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السّحْرَ﴾ الآية [البقرة: ١٠٢]؛ فقوله:
﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَنُ﴾ يدل على أنه لو كان ساحراً - وحاشاه من ذلك - لكان كافراً،
وقوله: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ صريح في كفر معلم السحر،

٧٣٠
سورة طه: الآية (٦٩)
وقوله تعالى عن هاروت وماروت مقرراً له: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْرُ
فِتْنَةٌ فَلَ تَكْفُرّْ﴾ [البقرة: ١٠٢]، وقوله: ﴿وَيَنَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمَّ وَلَقَدْ عَلِّمُواْ
لَمَنِ اشْتَرَُّهُ مَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢] أي من نصيب، ونفي النصيب في
الآخرة بالكلية لا يكون إلا للكافر عياذاً بالله تعالى، وهذه الآيات أدلة واضحة على أن
من السحر ما هو كفر بواح، وذلك مما لا شك فيه.
الأمر الثاني: أنه عرف باستقراء القرآن أن الغالب فيه أن لفظة: ﴿ وَلَا يُفْلِحُ﴾ پِراد
بها الكافر كقوله تعالى في سورة ((يونس)): ﴿قَالُواْ أَتَّخَذَ اَللَّهُ وَلَدَّأْ سُبْحَنَةٌ هُوَ الْغَنِىُّ لَهُ
مَا فِي السَّمَوَتِ وَمَا فِ اُلْأَرْضَِّ إِنْ عِندَكُم مِّنِ سُلْطَانٍ بِهَذَاْ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا
تَعْلَمُونَ ﴿ قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ ﴿ مَتَعُ فِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا
مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ ﴾﴾ [يونس]، وقوله في ((يونس))
أيضاً: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنِ اُفْتَرَى عَلَى الَّهِ كَذِّبًا أَوْ كَذَّبَ بِحَايَتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ
(٣٧)﴾ [يونس]، وقوله في ((الأنعام)): ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِقَنِ اُفْتَى عَلَى اَللَِّ كَذِّبًا أَوْ كَذَّبَ بِكَايَتِهَّ إِنَّهُ
لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ﴾﴾ [الأنعام] إلى غير ذلك من الآيات.
ويفهم من مفهوم مخالفة الآيات المذكورة أن من جانب تلك الصفات التي
استوجبت نفي الفلاح عن السحرة والكفرة غيرهم أنه ينال الفلاح، وهو كذلك، كما
بينه - جل وعلا - في آيات كثيرة كقوله: ﴿أُوْلَبِكَ عَلَى هُدَّى مِّن رَّبِّهِمْ وَأَوْلَئِكَ هُمُ
اَلْمُفْلِحُونَ ﴾﴾ [البقرة: ٥]، وقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾﴾ الآية [المؤمنون: ١]،
والآيات بمثل ذلك كثيرة.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿ وَلَا يُفْلِحُ السَِّحِرُ﴾؛ مضارع أفلح بمعنى نال
الفلاح. والفلاح يطلق في العربية على الفوز بالمطلوب؛ ومنه قول لبيد:
فاعقلي إن كنت لما تعقلي ولقد أفلح من كان عقل
فقوله: ((ولقد أفلح من كان عقل)) يعني أن من رزقه الله العقل فاز بأكبر مطلوب.
ويطلق الفلاح أيضاً على البقاء والدوام في النعيم، ومنه قول لبيد:
لناله ملاعب الرماح
لو أن حيا مدرك الفلاح
فقوله: ((مدرك الفلاح)) يعني البقاء. وقول الأضبط بن قريع السعدي، وقيل
کعب بن زهير:
لكل هم من الهموم سعه
والمسى والصبح لا فلاح معه
يعني أنه ليس مع تعاقب الليل والنهار بقاء. وبكل واحد من المعنيين فسر بعض
أهل العلم ((حي على الفلاح)) في الأذان والإقامة.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿حَيْثُ أَ﴾ حيث كلمة تدل على المكان،
كما تدل حين على الزمان، ربما ضمنت معنى الشرط، فقوله: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ

٧٣١٠
سورة طه: الآية (٦٩)
أَنَى﴾؛ أي حيث توجه وسلك. وهذا أسلوب عربي معروف يقصد به التعميم؛ كقولهم:
فلان متصف بكذا حيث سير، وأية سلك، وأينما كان؛ ومن هذا القبيل قول زهير:
وزودوك اشتياقاً أية سلكوا
بان الخليط ولم يأووا لمن تركوا
وقال القرطبي كَّفُ في تفسير هذه الآية: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَنَ﴾؛ أي لا يفوز
ولا ينجو حيث أتى من الأرض. وقيل: حيث احتال. والمعنى في الآية هو ما بينا -
والله تعالى أعلم ..
وهناك مسائل تتعلق بالسحر وأحكامه من أراد الوقوف عليها فليرجع إلى الأصل
وخلاصة ما ذهب إليه الشيخ فيها هو: أنَّ التحقيق في هذه المسألة هو التفصيل؛ فإن
كان السحر مما يعظم فيه غير الله كالكواكب والجن وغير ذلك مما يؤدي إلى الكفر فهو
كفر بلا نزاع، ومن هذا النوع سحر هاروت وماروت المذكور في سورة (البقرة)) فإنه كفر
بلا نزاع كما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَنُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ
النَّاسَ السّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا غَحْنُ فِتْنَةٌ
فَلاَ تَكْفُرّ﴾ [البقرة: ١٠٢]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَنَهُ مَا لَهُ فِى الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَقٍ﴾
[البقرة: ١٠٢]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَنَى﴾؛ كما تقدم إيضاحه. وإن كان
السحر لا يقتضي الكفر كالاستعانة بخواص بعض الأشياء من دهانات وغيرها فهو حرام
حرمة شديدة ولكنه لا يبلغ بصاحبه الكفر. هذا هو التحقيق - إن شاء الله تعالى - في هذه
المسألة التي اختلف فيها العلماء. وخلاصة رأي الشيخ في قتل الساحر وعدمه:
أنَّ السحر نوعان كما تقدم: منه ما هو كفر، ومنه ما لا يبلغ بصاحبه الكفر، فإن
كان الساحر استعمل السحر الذي هو كفر فلا شك في أنه يقتل كفراً، لقوله وَالر: ((من
بدل دينه فاقتلوه)). وأظهر القولين عندي في استتابته أنه يستتاب، فإن تاب قبلت توبته.
وقد بينت في كتابي (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) في سورة ((آل عمران)) أن
أظهر القولين دليلاً أن الزنديق تقبل توبته؛ لأن الله لم يأمر نبيه ولا أمته وَّهو بالتنقيب عن
قلوب الناس، بل بالاكتفاء بالظاهر. وما يخفونه في سرائرهم أمره إلى الله تعالى، خلافاً
للإمام مالك كثّفُ وأصحابه القائلين بأن الساحر له حكم الزنديق؛ لأنه مستسر بالكفر
والزنديق لا تقبل توبته عنده إلا إذا جاء تائباً قبل الاطلاع عليه، وأظهر القولين عندي:
أن المرأة الساحرة حكمها حكم الرجل الساحر وأنها إن كفرت بسحرها قتلت كما يقتل
الرجل؛ لأن لفظة ((من)) في قوله: ((من بدل دينه فاقتلوه)) تشمل الأنثى على أظهر القولين
وأصحهما إن شاء الله تعالى. ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ
اُلْضَلِحَتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنْتَى﴾ الآية [النساء: ١٢٤]. فأدخل الأنثى في لفظة ((من))، وقوله
تعالى: ﴿يَنِسَآءَ النَّبِيّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ﴾ ... الآية [الأحزاب: ٣٠]، وقوله: ﴿وَمَن يَقْنُتْ مِنْكُنَّ
لِلَّهِ﴾ ... الآية [الأحزاب: ٣١]، إلى غير ذلك من الآيات. وإلى هذه المسألة التي هي
شمول لفظة ((من)) في الكتاب والسنة للأنثى أشار في (مراقي السعود) بقوله:

٧٣٢
سورة طه: الآيتان (٧٠ - ٧١)
ـا شمول من للأنثى جنف وفي شبيه المسلمين اخـ
وأما إن كان الساحر عمل السحر الذي لا يبلغ بصاحبه الكفر، فهذا هو محل
الخلاف بين العلماء. فالذين قالوا يقتل ولو لم يكفر بسحره قال أكثرهم: يقتل حداً ولو
قتل إنساناً بسحره، وانفرد الشافعي في هذه الصورة بأنه يقتل قصاصاً لا حداً.
والأظهر عندي أن الساحر الذي لم يبلغ به سحره الكفر ولم يقتل به إنساناً أنه لا
يقتل؛ لدلالة النصوص القطعية، والإجماع على عصمة دماء المسلمين عامة إلا بدليل
واضح. وقتل الساحر الذي لم يكفر بسحره لم يثبت فيه شيء عن النبي ◌ّ، والتجرؤ
على دم مسلم من غير دليل صحيح من كتاب أو سنة مرفوعة غير ظاهر عندي. والعلم
عند الله تعالى، مع أن القول بقتله مطلقاً قوي جداً لفعل الصحابة له من غير نكير.
قوله تعالى: ﴿فَأُلْفِىَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُواْ ءَامَنَّا بِرَبِّ هَرُونَ وَمُوسَى ﴾﴾. ذكر - جلّ وعلا -
في هذه الآية الكريمة أن سحرة فرعون لما عاينوا عصا موسى تبتلع جميع حبالهم
وعصيهم خروا سجداً لله تعالى قائلين: آمنا بالله الذي هو رب هارون وموسى.
فهداهم الله بذلك البرهان الإلهي، هذه الهداية العظيمة. وقد أوضح تعالى هذا المعنى
في مواضع أخر كقوله في ((الأعراف)): ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَىَ أَنْ أَلْقِ عَصَالِكٌ فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ مَا.
وَأُلْقِىَ
فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَأَنْقَلَبُواْ صَغِرِينَ ()
. فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
يَأَفِكُونَ
اُلسَّحَرَةُ سَجِدِينَ ﴿ قَالُواْ ءَامَنَا بِرَبِّ الْعَلَمِينَ (٣)
[الأعراف]، وقوله
رَبِّ مُوسَى وَهَرُونَ
في ((الشعراء)): ﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ ﴾ فَأُلْفِىَ السَّحَرَةُ سَجِدِينَ
قَالُواْ ءَامَنَّا بِرَبِّ الْعَلَمِينَ ﴿ رَبِّ مُوسَى وَهَرُونَ (®)﴾ [الشعراء]، وقوله: ﴿فَلْقِىَ﴾ يدل على قوة
البرهان الذي عاينوه؛ كأنهم أمسكهم إنسان وألقاهم ساجدين بالقوة لعظم المعجزة التي
عاينوها. وذكر في قصتهم أنهم عاينوا منازلهم في الجنة في سجودهم. والظاهر أن ذلك
من نوع الإسرائيليات، وأطلق عليهم اسم السحرة في حال سجودهم لله مؤمنين به نظراً
إلى حالهم الماضية كقوله: ﴿وَءَاتُوْ اَلْيَّ أَلَهُمْ﴾ [النساء: ٢]، فأطلق عليهم اسم اليتم بعد
البلوغ نظراً إلى الحال الماضية كما هو معروف في محله.
والظاهر أن تقديم هارون على موسى في هذه الآية لمراعاة فواصل الآيات.
واعلم أن علم السحر مع خسته، وأن الله صرح بأنه يضر ولا ينفع، قد كان سبباً
لإيمان سحرة فرعون؛ لأنهم لمعرفتهم بالسحر عرفوا أن معجزة العصا خارجة عن طور
السحر، وأنها أمر إلهي فلم يداخلهم شك في ذلك؛ فكان ذلك سبباً لإيمانهم الراسخ
الذي لا يزعزعه الوعيد والتهديد. ولو كانوا غير عالمين بالسحر جداً، لأمكن أن يظنوا
أن مسألة العصا من جنس الشعوذة. والعلم عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿قَالَ ءَامَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءَذَنَ لَكُمّ إِنَّهُ لَكِيْكُمُ الَّذِى عَلَّمَكُمُ السِّخْرِّ فَلَأُفِعَنَّ
أَدِيَّكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَفٍ وَلَّأُصَلِبَنَّكُمْ فِي جُدُوعِ النَّخْلِ وَلَنَعْلَمُنَّ أَيُّنَآَ أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى (®)﴾. ذكر

٧٣٣
سورة طه: الآيتان (٧٠ - ٧١).
- جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة أن سحرة فرعون لما آمنوا برب هارون وموسى قال
لهم فرعون منكراً عليهم: ﴿مَمَنْتُمْ لَهُ﴾ أي صدقتموه في أنه نبي مرسل من الله، وآمنتم بالله
قبل أن آذن لكم، يعني أنهم لم يكفوا عن الإيمان حتى يأذن لهم؛ لأنه يزعم أنهم لا يحق
لهم أن يفعلوا شيئاً إلا بعد إذنه هو لهم. وقال لهم أيضاً: إن موسى هو كبيرهم؛ أي كبير
السحرة وأستاذهم الذي علمهم السحر. ثم هددهم مقسماً على أنه يقطع أيديهم وأرجلهم
من خلاف: يعني اليد اليمنى والرجل اليسرى مثلاً؛ لأنه أشد على الإنسان من قطعهما
من جهة واحدة؛ لأنه إن كان قطعهما من جهة واحدة يبقى عنده شق كامل صحيح،
بخلاف قطعهما من خلاف، فالجنب الأيمن يضعف بقطع اليد، والأيسر يضعف بقطع
الرجل كما هو معلوم. وأنه يصلبهم في جذوع النخل، وجذع النخلة هو أخشن جذع من
جذوع الشجر، والتصليب عليه أشد من التصليب على غيره من الجذوع كما هو معروف.
وما ذكره - جلّ وعلا - عنه هنا أوضحه في غير هذا الموضع أيضاً كقوله في سورة
((الشعراء)): ﴿قَالَ ءَامَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ◌َذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكِيْرَكُمُ الَّذِى عَلَّمَكُمُ اَلْسِحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ
شعراء]. وذكر هذا أيضاً في سورة
لَأُقَطِعَنَّ أَيَدِيَكُ وَأَزْجُلَكُ مِّنْ خِلَفٍ وَلَأُصَلْتَّكُمْ أَجْمَعِينَ
((الأعراف)) وزاد فيها التصريح بفاعل قال. وادعاء فرعون أن موسى والسحرة تمالؤوا
على أن يظهروا أنه غلبهم مكراً ليتعاونوا على إخراج فرعون وقومه من مصر وذلك في
قوله: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ ءَامَنْتُم بِهِ، قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُّنْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِى الْمَدِينَةِ لِنُخْرِجُواْ مِنْهَآَ
أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) لَأَقَّطِعَنَّ أَيْدِيَّكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ ◌َِفِ ثُمَّ لَأُصَلِبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤)﴾
[الأعراف]، وقوله في ((طه)): ﴿وَلَأُصَلِيَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ يبين أن التصليب في جذوع
النخل هو مراده بقوله في ((الأعراف، والشعراء)»: ﴿لَأُصَلِبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾؛ أي في جذوع
النخل. وتعدية التصليب بـ((في)) أسلوب عربي معروف، ومنه قول سويد بن أبي كاهل:
هم صلبوا العبدي في جذع نخلة
فلا عطست شيبان إلا بأجدعا
ومعلوم عند علماء البلاغة: أن في مثل هذه الآية استعارة تبعية في معنى الحرف
كما سيأتي - إن شاء الله تعالى - إيضاح كلامهم في ذلك ونحوه في سورة ((القصص)).
وقد أوضحنا في كتابنا المسمى (منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز). أن ما
يسميه البلاغيون من أنواع المجاز مجازاً كلها أساليب عربية نطقت بها العرب في لغتها.
وقد بينا وجه عدم جواز المجاز في القرآن وما يترتب على ذلك من المحذور.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَنَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى﴾؛ قال بعض أهل
العلم: ﴿وَلَنَعْلَمُنَّ أَيُّنَا﴾: يعني أنا، أم رب موسى أشد عذاباً وأبقى. واقتصر على هذا
القرطبي؛ وعليه ففرعون يدعي أن عذابه أشد وأبقى من عذاب الله؛ وهذا كقوله: ﴿أَنّ
رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤]، وقوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِى﴾ [القصص: ٣٨]،
وقوله: ﴿لَيْنِ أَّخَذْتَ إِلَهَا غَيْرِى لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩]. وقال بعضهم:

٧٣٤
سورة طه: الآيتان (٧٢ - ٧٣)
﴿وَلَنَعْلَمُنَّ أَيُّنَآَ﴾ أنا، أم موسى أشد عذاباً وأبقى. وعلى هذا فهو كالتهكم بموسى
لاستضعافه له، وأنه لا يقدر على أن يعذب من لم يطعه؛ كقوله: ﴿أَمْ أَنْ خَيْرٌ مِّنْ هَذَا
الَّذِى هُوَ مَهِينٌ﴾ ... الآية [الزخرف: ٥٢]. والله - جلّ وعلا - أعلم.
واعلم أن العلماء اختلفوا: هل فعل بهم فرعون ما توعدهم به، أو لم يفعله بهم؟
فقال قوم: قتلهم وصلبهم. وقوم أنكروا ذلك، وأظهرهما عندي: أنه لم يقتلهم، وأن الله
عصمهم منه لأجل إيمانهم الراسخ بالله تعالى؛ لأن الله يقول لموسى وهرون: ﴿أَنْتُمَا
وَمَنِ أَتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ [القصص: ٣٥]، والعلم عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿قَالُوْ لَنْ تُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَآءَنَا مِنَ الْبَيْنَتِ وَالَّذِى فَطَرَنًا فَأَقْضِ مَآ أَنْتَ قَاضٌِ
٧٢
إِنَّمَا نَقْضِى هَذِهِ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَاً
قوله: ﴿لَن تُؤْثِرَكَ﴾؛ أي لن نختار اتباعك وكوننا من حزبك، وسلامتنا من عذابك
على ما جاءنا من البينات؛ كمعجزة العصا التي أتتنا وتيقنا صحتها. والواو في قوله:
﴿وَالَّذِى فَطَرَنًا﴾ عاطفة على ((ما)) من قوله: ﴿عَلَى مَا جَاءَنَا﴾؛ أي لن نختارك ﴿عَلَى مَا جَاءَنَا
مِنَ الْبَيْنَتِ﴾ ولا على ﴿ وَالَّذِى فَطَرَنًا﴾؛ أي خلقنا وأبرزنا من العدم إلى الوجود. وقيل:
هي واو القسم والمقسم عليه محذوف دل عليه ما قبله؛ أي ﴿وَالَّذِى فَطَرَّ﴾ لا نؤثرك
﴿عَلَى مَا جَآءَنَا مِنَ الْبَيْنَتِ﴾، ﴿فَقْضِ مَّا أَنْتَ قَاٌٍ﴾؛ أي اصنع ما أنت صانع. فلسنا
راجعين عما نحن عليه ﴿إِنَّمَا نَقْضِى هَذِهِ الْخَوَةَ الدُّنْيَا﴾؛ أي إنما ينفذ أمرك فيها. فـ((هذه))
منصوب على الظرف على الأصح. أي وليس فيها شيء يهم لسرعة زوالها وانقضائها .
وما ذكره - جل وعلا - عنهم في هذا الموضع من ثباتهم على الإيمان، وعدم
مبالاتهم بتهديد فرعون ووعيده رغبة فيما عند الله، قد ذكره في غير هذا الموضع كقوله
في ((الشعراء)) عنهم في القصة بعينها: ﴿قَالُواْ لَا ضَيْرٌّ لَِّ إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ ﴾﴾ [الشعراء].
وقوله في ((الأعراف)): ﴿قَالُواْ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (٢٥) وَمَا نَنِقِمُ مِنَّا إِلَّ أَنْ ءَامَنَا بَِايَتِ
﴾ [الأعراف]. وقوله: ﴿فَأَقْضِ مَآ أَنْتَ
رَيْنَا لَمَّا جَتْنَأْ رَبَّنَاً أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَّنَا مُسْلِمِينَ
قَاضٍ﴾؛ عائد الصلة محذوف، أي ما أنت قاضيه لأنه مخفوض بالوصف، كما أشار له
في الخلاصة بقوله:
كأنت قاض بعد أمر من قضى
كذاك حذف ما بوصف خفضا
ونظيره من كلام العرب قول سعد بن ناشب المازني:
يميني بإدراك الذي كنت طالباً
ويصغر في عيني تلادي إذا انثنت
أي طالبه.
قوله تعالى: ﴿إِنَّاَ ءَامَنَّا بِرَبْنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَنَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السّخْرِّ وَاللَّهُ خَيْرٌ
وَبْقَ (®)﴾. ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة أن فرعون لعنه الله لما قال
للسحرة ما قال لما آمنوا، قالوا له: ﴿إِنَّاَ ءَامَنَا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَنَا﴾؛ يعنون ذنوبهم

سورة طه: الآيتان (٧٢ - ٧٣)
٧٣٥
السالفة كالكفر وغيره من المعاصي ﴿وَمَّا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾؛ أي ويغفر لنا ما
أكرهتنا عليه من السحر. وهذا الذي ذكره عنهم هنا أشار له في غير هذا الموضع كقوله
تعالى في ((الشعراء)) عنهم: ﴿لِّ إِلَى رَيْنَ مُنْقَلِبُونَ إِنَا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَا أَنْ كُنَّاً أَوَّلَ
الْمُؤْمِنِينَ ﴾﴾ [الشعراء]، وقوله عنهم في ((الأعراف)): ﴿رَبَّنََّ أَفْرِعْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَقَنا
مُسْلِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٦]، وفي آية ((طه)) هذه سؤال معروف، وهو أن يقال: قولهم ﴿وَمَّا
أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السّخْرُ﴾؛ يدل على أنه أكرههم عليه، مع أنه دلت آيات أخر على أنهم
فعلوه طائعين غير مكرهين، كقوله في ((طه)): ﴿فَنَزَعُواْ أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ وَأَسَرُواْ النَّجْوَى
٦٣
قَالُواْ إِنْ هَذَنِ لَسَحِزَنِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيِفَتِكُمُ الْمُثْلَى
فَحِعُواْ كَيْدَكُمْ ثُمَّ أَقْتُواْ صَفَّا وَقَدْ أَفْلَعَ الْيَوْمَ مَنِ أُسْتَعْلَى ﴾، فقولهم: ﴿فَأَجِعُوْ كَيْدَكُمْ ثُمَّ
أَثْتُواْ صَفًا﴾ صريح في أنهم غير مكرهين. وكذلك قوله عنهم في ((الشعراء)): ﴿قَالُواْ
﴾ [الشعراء]،
(3
لِفِرْعَوْنَ أَبِنَّ لَنَا لَأَجْرًّا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَلِينَ ﴾ قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذَا لَّمِنَ الْمُقَرِِّينَ
قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ
١٣٦
وقوله في ((الأعراف)): ﴿قَالُواْ إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَلِينَ
اُلْمُقَرَّبِينَ ﴾ [الأعراف] فتلك الآيات تدل على أنهم غير مكرهين، وللعلماء عن هذا
السؤال أجوبة معروفة:
منها: أنه أكرههم على الشخوص من أماكنهم ليعارضوا موسى بسحرهم، فلما
أكرهوا على القدوم وأمروا بالسحر أتوه طائعين، فإكراههم بالنسبة إلى أول الأمر،
وطوعهم بالنسبة إلى آخر الأمر، فانفكت الجهة وبذلك ينتفي التعارض، ويدل لهذا
قوله: ﴿وَأَبْعَثْ فِى لَلَدَآَيِنِ خَشِينَ﴾ [الشعراء: ٣٦]، وقوله: ﴿وَأَرْسِلْ فِ اٌلْمَدَآيِنِ حَشِرِينَ﴾
[الأعراف: ١١١].
ومنها: أنه كان يكرههم على تعليم أولادهم السحر في حال صغرهم، وأن ذلك
هو مرادهم بإكراههم على السحر، ولا ينافي ذلك أنهم فعلوا ما فعلوا من السحر بعد
تعلمهم وكبرهم طائعين.
ومنها: أنهم قالوا لفرعون: أرنا موسى نائماً: ففعل فوجدوه تحرسه عصاه،
فقالوا: ما هذا بسحر الساحر؛ لأن الساحر إذا نام بطل سحره؛ فأبى إلا أن يعارضوه،
وألزمهم بذلك. فلما لم يجدوا بداً من ذلك فعلوه طائعين. وأظهرها عندي الأول،
والعلم عند الله تعالى.
وقوله: في هذه الآية الكريمة: ﴿خَطَيَنَا﴾ جمع خطيئة، وهي الذنب العظيم؛
كالكفر ونحوه. والفعيلة تجمع على فعائل، والهمزة في فعائل مبدلة من الياء في فعيلة،
ومثلها الألف والواو، كما أشار له في الخلاصة بقوله:
والمد زيد ثالثاً في الواحد
همزاً يرى في مثل كالقلائد
واواً ... إلخ.

٧٣٦
سورة طه: الآيتان (٧٤ - ٧٥)
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ ظاهره المتبادر منه أن المعنى خير
من فرعون وأبقى منه؛ لأنه باق لا يزول ملكه، ولا يذل ولا يموت، ولا يعزل. كما
أوضحنا هذا المعنى في سورة ((النحل)) في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الدِّينُ
وَصِيبًا﴾ ... الآية [النحل: ٥٢]. أي بخلاف فرعون وغيره من ملوك الدنيا فإنه لا يبقى،
بل يموت أو يعزل، أو يذل بعد العز. وأكثر المفسرين على أن المعنى: أن ثوابه خير
مما وعدهم فرعون في قوله: ﴿أَبِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَيِينَ ﴿٨ قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذَا لَّمِنَ
الْمُقَرَِّينَ ﴾﴾ [الشعراء]. وأبقى: أي أدوم؛ لأن ما وعدهم به فرعون زائل ، وثواب الله
باق؛ كما قال تعالى: ﴿مَا ◌ِنْدَكُمْ يَنَفَذُ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَانٍ﴾ [النحل: ٩٦]، وقال تعالى: ﴿بَلّ
تُؤْثِرُونَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَ ﴿ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَ ﴾﴾ [الأعلى]. وقال بعض العلماء: ﴿وَأَبْقَى﴾؛
أي أبقى عذاباً من عذابك، وأدوم منه. وعليه فهو رد لقول فرعون ﴿وَلَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ
عَذَابًا وَأَبْقَى﴾ ومعنى: ﴿وَأَبْقَى﴾ أكثر بقاء.
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَُّ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى
٧٤)
ذكر الله - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة: ﴿إِنَّهُ﴾؛ أي الأمر والشأن ﴿مَن يَأْتِ
رَبَُّ﴾ يوم القيامة في حال كونه ﴿تُجْرِمًا﴾؛ أي مرتكباً الجريمة في الدنيا حتى مات على
﴾ يعذب فيها ف﴿لَا يَمُوتُ﴾
ذلك كالكافر عياذاً بالله تعالى: ﴿فَإِنَّ لَمُ﴾ عند اللهِ.
فيستريح ﴿وَلَا يَحْيَى﴾ حياة فيها راحة.
وهذا الذي ذكره هنا أوضحه في غير هذا الموضع كقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ
جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُونُواْ وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمِ مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِى كُلَّ كَفُورٍ
[فاطر]، وقوله تعالى: ﴿وَأَسْتَفْتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَتَّارٍ عَنِيدٍ ﴿ مِن وَرَآَبِهِ، جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِن
يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ
١٦
مَّاءٍ صَدِيدٍ
[إبراهيم]، وقوله تعالى: ﴿كُلَّا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَهُمْ
بِحَيْتٍّ وَمِنْ وَرَآَبِهِ، عَذَابٌ غَلِظٌ )
جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ﴾ [النساء: ٥٦]، وقوله تعالى: ﴿وَيَنَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى * الَّذِى يَصْلَى
النَّارَ الْكُبرَى (١٩) ثُمَّ لَا يَعُوتُ فِهَا وَلَا يَحْبَى ﴾﴾ [الأعلى]، وقوله تعالى: ﴿وَنَادَوْاْ يَمَلِكُ لِيَقْضِ
[الزخرف] إلى غير ذلك من الآيات، ونظير ذلك من
٠
عَلَيْنَا رَبٌُّ قَالَ إِنَّكُم مَّمْكِّتُونَ (
كلام العرب قول عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أحد فقهاء المدينة السبعة:
شقاها ولا تحيا حياة لها طعم
ألا من لنفس لا تموت فينقضي
قوله تعالى: ﴿وَمَن يَأْتِهِ، مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَتِ فَأُوْلَكَ لَهُمُ الدَّرَحَتُ اَلْعُلَى
٧٥)
ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة ((أن)) ﴿وَمَنِ يَأْتِهِ﴾ يوم القيامة في حال
كونه ﴿مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَتِ﴾؛ أي في الدنيا حتى مات على ذلك ﴿فَأُوْلَكَ لَهُمْ﴾ عند الله
﴿الَّرَحَتُ الْعُلَى﴾ والعلى: جمع عليا وهي تأنيث الأعلى. وقد أشار إلى هذا المعنى في
غير هذا الموضع كقوله تعالى: ﴿ وَلَآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَحْتٍ وَأَكْبَرُ تَّفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٢١]،
وقوله: ﴿وَلِكُلٍ دَرَجَتٌ مَِّا عَمِلُواْ﴾ [الأنعام: ١٣٢] ونحو ذلك من الآيات.

٧٣٧
سورة طه: الآية (٧٧)
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَىَ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِى فَأَضْرِبْ لَمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَسًا لَا
تَخَفُ دَرَكًا وَلَا تَخْتَنِى (4)﴾، ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة أنه أوحى إلى نبيه
موسى - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام -: أن يسري بعباده، وهم بنو إسرائيل
فيخرجهم من قبضة فرعون ليلاً، وأن يضرب لهم طريقاً في البحر يبسا، أي يابساً لا
ماء فيه ولا بلل، وأنه لا يخاف دركاً من فرعون وراءه أن يناله بسوء. ولا يخشى من
البحر أمامه أن يغرق قومه. وقد أوضح هذه القصة في غير هذا الموضع كقوله في سورة
((الشعراء)): ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَقْ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِىّ إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ ﴿ فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِ الْمَدَآَيِنِ خَشِرِينَ
إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْزِمَةٌ قَلِيلُونَ ( وَإِنَهُمْ لَنَا لَغَيِظُونَ (® وَإِنَّا لَجَمِيعُ حَذِرُونَ ﴿٨) فَأَخْرَحْنَهُم مِّنْ جَنَّتٍ
٥٣
كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَهَا بَنِىّ إِسْرَِّيلَ ﴿ فَأَتْبَعُوهُم ◌ُشْرِقِينَ ﴾ فَلَمَّا
٥٨
وَكُزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (
وعُيُونٍ
فَأَوْخَيْنَآ إِلَى
تَّهَا الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَبُ مُوسَىّ إِنَّا لَمُدْرَّكُونَ ﴾ قَالَ كَلَّ إِنَّ مَعِىَ رَبِّ سَيَهْدِينِ
[الشعراء]. فقوله
٠
مُوسَىَ أَنِ أَضْرِبِ بِعَصَاكَ الْبَحْرٌّ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَلَطَّوْرِ الْعَظِيمِ
في ((الشعراء)): ﴿أَنِ أَضْرِبِ بِعَصَاَكَ الْبَحْرٌّ فَأَنْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣]، أي فضربه فانفلق -
يوضح معنى قوله: ﴿فَأَضْرِبْ لَمْ طَرِيقًا فِى الْبَحْرِ يَسًا﴾، وقوله: ﴿قَالَ أَصْحَبُ مُوسَى إِنَّا
لَمُدْرَكُونَ
ـ) قَالَ كَلَّ إِنَّ مَّعِىَ رَبِ سَيَهْدِينِ
الآية [الشعراء]، يوضح معنى قوله:
﴿لَّا تَخَفُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾؛ وقد أشار تعالى إلى ذلك في قوله في ((الدخان)): ﴿فَدَعَا رَبَّهُ:
﴿ وَأَتْرُكِ الْبَحْرَ رَهُوًّا إِنَهُمْ جُنْدٌ
أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ تُجْرِمُونَ ﴿ فَأَسْرِ بِعِبَادِى لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ
مُّغْرَفُونَ (13)﴾ [الدخان)، إلى غير ذلك من الآيات. وقد قدمنا طرفاً من ذلك في سورة
((البقرة)) والقصة معروفة واضحة من القرآن العظيم.
وقرأ نافع وابن كثير ﴿أَنْ أَسْرِ﴾ بهمزة وصل وكسر نون ((أن)) لالتقاء الساكنين،
والباقون قرؤوا ﴿أَنْ أَسْرٍ﴾ بهمزة قطع مفتوحة مع إسكان نون ((أن)). وقد قدمنا في سورة
((هود)) أن أسرى وسرى لغتان وبينا شواهد ذلك العربية، وقرأ حمزة (لا تخف) بسكون
الفاء بدون ألف بين الخاء والفاء، وهو مجزوم لأنه جزاء الطلب، أي فاضرب لهم
طريقاً في البحر يبساً لا تخف. وقد قدمنا أن نحو ذلك من الجزم بشرط محذوف تدل
عليه صيغة الطلب، أي أن تضرب لهم طريقاً في البحر يبساً لا تخف. وعلى قراءة
الجمهور ﴿لَا تَخَفُ﴾ بالرفع، فلا إشكال في قوله: ﴿وَلَا تَخْشَى﴾ لأنه فعل مضارع مرفوع
بضمة مقدرة على الألف، معطوف على فعل مضارع مرفوع هو قوله: ﴿لَّا تَخَفُ﴾. وأما
على قراءة حمزة ﴿لَا تَخَفْ﴾ بالجزم ففي قوله: ﴿وَلَا تَخْشَى﴾ إشكال معروف، وهو أنه
معطوف على مضارع مجزوم، وذلك يقتضي جزمه، ولو جزم لحذفت الألف من
﴿وَتَخْشَى﴾ على حد قوله في الخلاصة:
ثلاثهن تقض حكماً لازما
واحذف جازماً
والألف لم تحذف فوقع الإشكال بسبب ذلك.

٧٣٨
سورة طه: الآية (٧٧)
وأجيب عنه من ثلاثة أوجه:
الأول: أن ﴿وَلَا تَخْتَى﴾ مستأنف خبر مبتدأ محذوف، تقديره: وأنت لا تخشى،
أي ومن شأنك أنك آمن لا تخشى.
والثاني: أن الفعل مجزوم، والألف ليست هي الألف التي في موضع لام
الكلمة، ولكنها زيدت للإطلاق من أجل الفاصلة، كقوله: ﴿فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾
[الأحزاب: ٦٧]، وقوله: ﴿وَنَظُونَ بِاَللَّهِ الْقُلْنُونَ﴾ [الأحزاب: ١٠].
والثالث: أن إشباع الحركة بحرف مد يناسبها، أسلوب معروف من أساليب اللغة
العربية، كقول عبد يغوث بن وقاص الحارثي:
وتضحك مني شيخة عبشمية كأن لم ترا قبلي أسيراً يمانيا
وقول الراجز:
إذا العجوز غضبت فطلق
ولا ترضاها ولا تملق
وقول الآخر:
قلت وقد خرت على الكلكال
يا ناقتي ما جلت من مجال
وقول عنترة في معلقته:
ينباع من ذفري غضوب جسرة
زيافة مثل الفنيق المكدم
فالأصل في البيت الأول: كأن لم تر، ولكن الفتحة أشبعت. والأصل في الثاني:
ولا ترضها، ولكن الفتحة أشبعت. والأصل في الثالث: على الكلكل يعني الصدر،
ولكن الفتحة أشبعت. والأصل في الرابع: ينبع يعني أن العرق ينبع من عظم الذفري
من ناقته على التحقيق، ولكن الفتحة أشبعت، وإشباع الفتحة بألف في هذه الأبيات
وأمثالها مما لم نذكره ليس لضرورة الشعر لتصريح علماء العربية بأنه أسلوب عربي
معروف. ويؤيد ذلك أنه مسموع في النثر، كقولهم في النثر: كلكال، وخاتام، وداناق،
يعنون كلكلا، وخاتماً، ودائقاً. وقد أوضحنا هذه المسألة، وأكثرنا من شواهدها العربية
في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) في سورة ((البلد)) في الكلام على
قوله: ﴿لَاَ أَقِْمُ بِهَذَا الْبَلَدِ ﴾﴾ [البلد]، مع قوله: ﴿وَهَذَا الْبَدِ الْأَمِينِ ﴾﴾ [التين].
وقال الزمخشري في تفسير هذه الآية: ﴿فَأَضْرِبْ لَمْ طَرِيقًا﴾ فاجعل لهم طريقاً، من
قولهم: ضرب له في ماله سهماً، وضرب اللبن عمله، اهـ. والتحقيق أن ﴿ يَبًا﴾ صفة
مشبهة جاءت على فعل بفتحتين كبطل وحسن. وقال الزمخشري: اليبس مصدر وصف
به؛ يقال: يبس يبْساً ويبَساً، ونحوهما العدم والعدم، ومن ثم وصف به المؤنث، فقيل:
شاتنا يبس، وناقتنا يبس، إذا جف لبنها .
وقوله: ﴿لَّا تَّخَفُ دَرَكَ﴾ الدرك: اسم مصدر بمعنى الإدراك، أي لا يدركك
:

سورة طه: الآية (٧٨).
٧٣٩
فرعون وجنوده، ولا يلحقونك من ورائك، ولا تخشى من البحر أمامك. وعلى قراءة
الجمهور ﴿لَّا تَخَفُ﴾ فالجملة حال من الضمير في قوله: ﴿فَأَضْرِبِ﴾ [ص: ٤٤]؛ أي
فاضرب لهم طريقاً في حال كونك غير خائف دركاً ولا خاش. وقد تقرر في علم النحو
أن الفعل المضارع المنفي بلا إذا كانت جملته حالية وجب الربط فيها بالضمير وامتنع
بالواو؛ كقوله هنا: ﴿فَأَضْرِبْ لَمْ طَرِيقًا﴾ أي في حال كونك لا تخاف دركاً، وقوله:
﴿مَالِ لَّ أَرَىَ اُلْهُدْهُدَ﴾ [النمل: ٢٠] وقوله: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللّهِ﴾ [المائدة: ٨٤]، ونظير
ذلك من كلام العرب قول الشاعر:
دخلوا السماء دخلتها لا أحجب
ولو أن قوماً لارتفاع قبيله
يعني دخلتها في حال كوني غير محجوب، وبذلك تعلم أن قوله في الخلاصة:
حوت ضميراً ومن الواو خلت
وذات بدء بمضارع ثبت
في مفهومه تفصيل كما هو معلوم في علم النحو.
(٣)﴾. التحقيق أن أتبع
قوله تعالى: ﴿فَأَنْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُورِهِ، فَغَشِيَهُم مِّنَ الْبِ مَا غَئَِهُمْ
واتبع بمعنى واحد؛ فقوله: ﴿فَأَنْبَعَهُمْ﴾ أي اتبعهم، ونظيره قوله تعالى: ﴿فَأَنْتَعَلُ شِهَابٌ
ثَاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠]، وقوله: فـ ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾ الآية [الأعراف: ٧]. والمعنى: أن
موسى لما أسرى ببني إسرائيل ليلاً أتبعهم فرعون وجنوده ﴿فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَّمْ﴾ أي البحر
﴿مَا غَشَِهُمْ﴾ أي أغرق الله فرعون وجنوده في البحر فهلكوا عن آخرهم. وما ذكره
- جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة من أن فرعون أتبع بني إسرائيل هو وجنوده، وأن الله
أغرقهم في البحر - أوضحه في غير هذا الموضع. وقد بين تعالى أنهم اتبعوهم في أول
النهار عند إشراق الشمس، فمن الآيات الدالة على اتباعه لهم قوله تعالى في ((الشعراء)):
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِىّ إِنَّكُ مُتَّبَعُونَ (63)﴾ [الشعراء]، يعني سيتبعكم فرعون
وجنوده. ثم بين كيفية اتباعه لهم فقال: ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِ اَلْمَدَِّنِ خَشِرِينَ ﴿﴿ إِنَّ هَؤُلَاءٍ لَشِرْدِمَةٌ
قَلِيلُونَ
وگتُذٍ
فَأَخْرَحْنَهُم مِّنِ جَنَّتٍ وَعُونٍ
(٥٦
وَإِنَّا تَجَمِيعُ حَذِرُونَ
٥٥
﴿﴿ وَإِنَهُمْ لَنَا لَغَيِظُونَ
وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (@)
كَذَلِكَ وَأَوْرَتْنَهَا بَنِيّ إِسْرَِّيَ
٥٩
فَأَتْبَعُوهُمْ تُشْرِفِنَ ®
فَلَمَّا تَرَءَ الْجَمْعَانِ قَالَ
[الشعراء].
أَصْحَبُ مُوسَىَ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ﴾ قَلَ كَلَّ إِنَّ مَعِىَ رَبِ سَيَهْدِينِ
وقوله في هذه الآية: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ تُشْرِفِينَ ﴾﴾ [الشعراء: ٦٠]، أي أول النهار عند
إشراق الشمس، ومن الآيات الدالة على ذلك أيضاً قوله تعالى في ((يونس)): ﴿وَجَزْنَا بِبَنِىّ
إِسْرَهِ يلَ اٌلْبَحْرَ فَأَنْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًّاً﴾ [يونس: ٩٠]، وقوله في ((الدخان)): ﴿فَأَسْرِ
بِعِبَادِى لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٣)﴾ [الدخان)، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على إتباعه لهم.
وأما غرقه هو وجميع قومه المشار إليه بقوله هنا: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِّنَ الْيَّمْ مَا غَشِيَهُمْ﴾؛
فقد أوضحه تعالى في مواضع متعددة من كتابه العزيز كقوله في ((الشعراء)): ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى
وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآَخَرِينَ
مُوسَىَ أَنِ اضْرِبِ بِعَصَاكَ الْبَحْرٌّ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَلَّوْرِ الْعَظِيمِ

٧٤٠
سورة طه: الآيات (٧٩ - ٨١)
) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةٌ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ
ثُمَّ أَغْرَقْنَا أَلَْخَرِينَ
وَنْجَمْنَا مُوسَى وَمَن ◌َّعَهُ: أَجْمَعِينَ (٥)
٦٤
◌ُؤْمِنِينَ ﴿4﴾ ... الآية [الشعراء]، وقوله في ((الأعراف)): ﴿فَأْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْتَهُمْ فِى
أَلْيَمِ﴾ ... الآية [الأعراف: ١٣٦]، وقوله في ((الزخرف)): ﴿فَلَمَّآ ءَاسَفُونَا أَنْثَقَمْنَا مِنْهُمْ
فَأَغْرَقْنَهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾﴾ [الزخرف]، وقوله في ((البقرة)): ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنَيْنَكُمْ
وَأَغْرَقْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (ج)﴾ [البقرة]، وقوله في ((يونس)): ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ
اَلْغَرَقُ قَالَ ءَامَنْتُ أَنَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّ الَّذِىّ ءَامَنَتْ بِهِ، بَنُواْ إِسْرَِّيلَ وَأَنْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٩٠]،
وقوله في ((الدخان)): ﴿وَآَتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًّا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُّغْرَفُونَ ﴾ [الدخان]، إلى غير ذلك
من الآيات. والتعبير بالاسم المبهم الذي هو الموصول في قوله: ﴿فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِ مَا
غَشِيَهُمْ﴾، يدل على تعظيم الأمر وتفخيم شأنه، ونظيره في القرآن قوله: ﴿إِذْ يَغْثَى السّذْرَةَ
مَا يَغْشَى (13)﴾ [النجم]، وقوله: ﴿وَالْمُؤْنَفِكَةَ أَهْوَى ﴿﴿ فَغَشَّنْهَا مَا غَثَى (@)﴾ [النجم]، وقوله:
(5)﴾ [النجم]. واليم: البحر، والمعنى: فأصابهم من البحر ما
﴿فَأَوْحَىّ إِلَى عَبْدِهِ، مَآ أَوْحَى
أصابهم وهو الغرق والهلاك المستأصل.
٧٩
قوله تعالى: ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى
يعني أن فرعون أضل قومه عن طريق الحق وما هداهم إليها، وهذه الآية الكريمة
بين الله فيها كذب فرعون في قوله: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ مَآ أُرِيَكُمْ إِلَّا مَآ أَرَى وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلَّا
سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: ٢٩]، ومن الآيات الموضحة لذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى
◌ِئَايَِنَا وَسُلْطَانٍ تُبِينٍ (٨٦) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِيْلِ نَّعُواْ أَفَ فِرْعَوْنٌ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ
يَقْدُمُ قَوَّمَهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (٣)﴾ [هود]. والنكتة البلاغية
في حذف المفعول في قوله: ﴿وَمَا هَدَى﴾ ولم يقل وما هداهم، هي مراعاة فواصل
الآيات، ونظيره في القرآن قوله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣)﴾ [الضحى).
قوله تعالى: ﴿يَبَنِىّ إِسْرَِّيلَ قَدْ أَنَّنَكُ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَعَدْنَكُمْ جَانِبَ الُورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ
اُلْمَنَّ وَالسَّلْوَىْ جَ كُواْ مِن طَيِبَتِ مَا رَزَقْنَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَقَدْ هَوَى﴾. وذكر - جلّ وعلا -
في هذه الآية الكريمة امتنانه على بني إسرائيل بإنجائه إياهم من عدوهم فرعون، وأنه
واعدهم جانب الطور الأيمن، وأنه نزل عليهم المن والسلوى، وقال لهم: كلوا من
طيبات ما رزقناكم؛ ولا تطغوا فيغضب عليكم ربكم. وما ذكره هنا أوضحه في غير هذا
الموضع؛ كقوله في امتنانه عليهم بإنجائهم من عدوهم فرعون في ((سورة البقرة)): ﴿وَإِذْ
تََّكُمْ مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوَّهَ الْعَادِ يُدَّتِجُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِ ذَلِكُم
بَلَهُ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ ﴾﴾ [البقرة]، وقوله في ((الأعراف)): ﴿وَإِذْ أَنْجَيْنَكُمْ مِّنْ ءَالٍ
فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ يُقَئِّلُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلٌَّ مِّنْ
رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ ﴾ [الأعراف]، وقوله في ((الدخان)): ﴿وَلَقَدْ نَّنَا بَنِىَّ إِسْرَِّيلَ مِنَ الْعَذَابِ
(@)) [الدخان]، وقوله في سورة
مِن فِرْعَوْن إِنَّهُ كَانَ عَلِيًا مِّنَ الْمُسْرِفِينَ
المُھینِ
((إبراهيم)): ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ أَذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَنَكُمْ مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ