Indexed OCR Text
Pages 701-720
٧٠١ سورة طه: الآية (١). فيها في أنهما من الحروف المقطعة، أما الطاء ففي فاتحة ((الشعراء)) ﴿طنمر [الشعراء] وفاتحة ((النمل)) ﴿طسَّ﴾ [النمل: ١]؛ وفاتحة ((القصص))، وأما الهاء ففي فاتحة ((مريم)) في قوله تعالى: ﴿كهيقصّ ﴾﴾ [مريم]، وقد قدمنا الكلام مستوفى على الحروف المقطعة في أول سورة ((هود)» وخير ما يفسر به القرآن القرآن. وقال بعض أهل العلم: قوله طه: معناه يا رجل، قالوا: وهي لغة بني عك بن عدنان، وبني طئ، وبني عكل، قالوا: لو قلت لرجل من بني عك: يا رجل. لم يفهم أنك تناديه حتى تقول: طه، ومنه قول متمم بن نويرة التميمي: دعوت بطه في القتال فلم يجب فخفت عليه أن يكون موائلا ويروى مزايلا. وقال عبد الله بن عمرو: معنى (طه) بلغة عك: يا حبيبي، ذكره الغزنوى. وقال قطرب: هو بلغة طئ، وأنشد ليزيد بن المهلهل: إن السفاهة طه في شمائلكم لا بارك الله في القوم الملاعين ویروی: لا قدس الله أرواح الملاعين إن السفاهة طه من خلائقكم وممن روي عنه أن معنى ((طه)): يا رجل، ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وعطاء ومحمد بن كعب وأبو مالك وعطية العوفي والحسن وقتادة والضحاك والسدى وابن أبزى وغيرهم، كما نقله عنهم ابن كثير وغيره. وذكر القاضي عياض في الشفاء عن الربيع بن أنس قال: كان النبي ﴿ إذا صلى قام على رجل ورفع الأخرى، فأنزل الله ﴿طه ﴾﴾ يعني طأ الأرض بقدميك يا محمد. وعلى هذا القول فالهاء مبدلة من الهمزة، والهمزة خففت بإبدالها أن ألفا كقول في الفرزدق: فارعي فزارة لا هناك المرتع راحت بمسلمة البغال عشية ثم بنى عليه الأمر والهاء للسكت، ولا يخفى ما في هذا القول من التعسف والبعد عن الظاهر. وفي قوله: ﴿طه ﴾﴾ أقوال أخر ضعيفة، كالقول بأنه من أسماء النبي قل *. والقول بأن الطاء من الطهارة، والهاء من الهداية يقول لنبيه: يا طاهراً من الذنوب، يا هادي الخلق إلى علام الغيوب، وغير ذلك من الأقوال الضعيفة. والصواب - إن شاء الله - في الآية هو ما صدرنا به، ودل عليه القرآن في مواضع أخر. قوله تعالى: ﴿مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لِتَشْفَقَ في قوله تعالى: ﴿مَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لِتَشْفَىَ ﴾﴾ وجهان من التفسير، وكلاهما یشهد له قرآن: الأول: أن المعنى ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى؛ أي لتتعب التعب الشديد بفرط تأسفك عليهم وعلى كفرهم؛ وتحسرك على أن يؤمنوا. وهذا الوجه جاءت بنحوه آيات ٧٠٢ - سورة طه: الآية (٣) كثيرة كقوله تعالى: ﴿فَلَا نَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَتِهِمْ حَسَرَتٍ﴾ ... الآية [فاطر: ٨]، وقوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَخِعُ نَّفْسَكَ عَلَىَّ ءَاثَرِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا ﴾﴾ [الكهف]، وقوله: ﴿لَعَلَّكَ بَنَجِعُ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ﴾﴾ [الشعراء]، والآيات بمثل ذلك كثيرة جداً، وقد قدمنا كثيراً منها في مواضع من هذا الكتاب المبارك .. الوجه الثاني: أنه ◌َلّ صلى بالليل حتى تورمت قدماه فأنزل الله: ﴿مَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لِتَشْقَى ﴾﴾؛ أي تنهك نفسك بالعبادة وتذيقها المشقة الفادحة؛ وما بعثناك إلا بالحنيفية السمحة. وهذا الوجه تدل له ظواهر آيات من كتاب الله، كقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٌ﴾ [الحج: ٧٨]، وقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَ يُرِيدُ بِكُمُ الْمُسْرَ﴾ [البقرة]. والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ويفهم من قوله: ﴿لِتَشْقَىَ﴾ أنه أنزل عليه ليسعد؛ كما يدل عليه الحديث الصحيح: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)) وقد روى الطبراني عن ثعلبة بن الحكم نظرته، عن النبي ◌َلّر أن الله يقول للعلماء يوم القيامة: ((إني لم أجعل علمي وحكمتي فيكم إلا وأنا أريد أن أغفر لكم على ما كان منكم ولا أبالي)) وقال ابن كثير: إن إسناده جيد، ويشبه معنى الآية على هذا القول الأخير قوله تعالى: ﴿فَقْرَءُواْ مَا تَسَّرَ مِنْهُ﴾ ... الآية [المزمل: ٢٠]. وأصل الشقاء في لغة العرب: العناء والتعب، ومنه قول أبي الطيب: وأخو الجهالة فى الشقاوة ينعم ذو العقل يشقى في النعيم بعقله ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَ يُخْرِجَنَُّا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَ﴾. ﴾. أظهر الأقوال فيه أنه مفعول لأجله، قوله تعالى: ﴿إِلَّا نَذْكِرَةً لِّمَنْ يَخْشَى ﴾ أي ما أنزلنا عليك القرآن إلا تذكرة، أي إلا لأجل التذكرة لمن يخشى الله ويخاف عذابه، والتذكرة: الموعظة التي تلين لها القلوب؛ فتمتثل أمر الله، وتجتنب نهيه وخص بالتذكرة من يخشى دون غيرهم؛ لأنهم هم المنتفعون بها، كقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِلْقُرْءَانِ مَن يَخَافُ وَعِيدٍ﴾ [ق: ٤٥]، وقوله: ﴿إِنَّمَا نُذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِىَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِّ﴾ [يس: ١١]، وقوله: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشَنُهَا ﴾﴾ [النازعات]. فالتخصيص المذكور في الآيات بـ((من تنفع فيهم الذكرى)) لأنهم هم المنتفعون بها دون غيرهم. وما ذكره هنا من أنه ما أنزل القرآن إلا للتذكرة بينه في غير هذا الموضع كقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَلَمِينَ لِمَنْ شَآءُ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيَمَ ﴾ [التكوير]، وقوله تعالى: ﴿قُل لَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًّا إِلَّا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَلَمِينَ﴾ [الأنعام: ٩٠]، إلى غير ذلك من الآيات، وإعراب نَذْكِرَةٌ﴾ بأنه بدل من ﴿لِتَشْقَى﴾ لا يصح؛ لأن التذكرة ليست بشقاء وإعرابه مفعولاً مطلقاً أيضاً غير ظاهر. وقال الزمخشري في الكشاف: ﴿مَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لِتَشْفَ ٢ إِلَّا نَذْكِرَةُ لِّمَن يَخْشَى ﴾﴾، ما أنزلنا عليك هذا المتعب الشاق إلا ليكون تذكرة. وعلى هذا الوجه يجوز أن يكون ﴿نَذْكِرَةُ﴾ حالاً ومفعولاً له. ٧٠٣ سورة طه : الآيات (٤ - ٧ ) _ـ قوله تعالى: ﴿تَزِيلاً مِّمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسََّوَتِ الْعُلَى في قوله: ﴿تَزِيلًا﴾ أوجه كثيرة من الإعراب ذكرها المفسرون، وأظهرها عندي أنه ؛ مفعول مطلق، منصوب بنزل مضمرة دل عليها قوله: ﴿مَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لِتَشْقَ أي نزله الله تنزيلاً ﴿مِّمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ﴾ الآية، أي فليس بشعر ولا كهانة، ولا سحر ولا أساطير الأولين، كما دل لهذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِلًا مَّا نُوْمِنُونَ (4) وَلَ بِقَوْلِ كَاهِنَّ قَلِيلًا مَّا نَذَكَّرُونَ ﴿٨ نَنِيِلُ مِّن رَّبِّ الْعَلَمِينَ ﴾﴾ [الحاقة]، والآيات المصرحة بأن القرآن منزل من رب العالمين كثيرة جدًّا معروفة، كقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَتَغِيلُ رَبِّ .. الآية [الشعراء]، وقوله: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ اَللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴾﴾ اُلْعَلَمِينَ [الزمر] وقوله: ﴿تَنْزِيلُ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾﴾ [فصلت]، والآيات بمثل ذلك كثيرة جدًّا. قوله تعالى: ﴿الرَّحَْنُ عَلَى الْعَرْشِ اُسْتَوَى تقدم إيضاح الآيات الموضحة لهذه الآية وأمثالها في القرآن في سورة ((الأعراف)) مستوفى، فأغنى عن إعادته هنا. قوله تعالى: ﴿وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوَلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ اَلِزَّ وَأَخْفَى ٧ خاطب الله نبيه وسير في هذه الآية الكريمة بأنه إن يجهر بالقول أي يقله جهرة في غير خفاء، فإنه - جلّ وعلا - يعلم السر وما هو أخفى من السر، وهذا المعنى الذي أشار إليه هنا ذكره في مواضع أخر كقوله: ﴿وَأَسِرُواْ قَوْلَكُمْ أَوِ أَجْهَرُواْ بِّهَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ﴾ [الملك]، وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُشِرُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (®)﴾ [النحل]، وقوله الصُّدُورِ تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ﴾ [محمد: ٢٦]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِى يَعْلَمُ الْسِرَّ فِى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ ... الآية [الفرقان: ٦]، إلى غير ذلك من الآيات. وفي المراد بقوله في هذه الآية: ﴿وَأَخْفَى﴾ أوجه معروفة كلها حق ويشهد لها قرآن، قال بعض أهل العلم ﴿يَعْلَمُ التِّرَّ﴾ أي ما قاله العبد سرًّا ﴿وَأَخْفَى﴾ أي ويعلم ما هو أخفى من السر، وهو ما توسوس به نفسه؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَنَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسَوِسُ بِهِ، نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ﴾﴾ [ق]. وقال بعض أهل العلم: ﴿فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ﴾: أي ما توسوس به نفسه ﴿وَأَخْفَى﴾ من ذلك، وهو ما علم الله أن الإنسان سيفعله قبل أن يعلم الإنسان أنه فاعله، كما قال تعالى: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَلٌ مِّنِ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَمِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٣]، وكما قال تعالى: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ ◌َجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَهَتِكُمْ فَلَا تُزَّكُواْ أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَ﴾ [النجم: ٣٢]، فالله يعلم ما يسره الإنسان اليوم؛ وما سيسره غداً. والعبد لا يعلم ما في غد كما قال زهير في معلقته: ولكنني عن علم ما في غد عم وأعلم علم اليوم والأمس قبله وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَأَخْفَى﴾ صيغة تفضيل كما بينا، أي ويعلم ما هو أخفى من السر. وقول من قال: إن ((أخفى)) فعل ماض بمعنى أنه يعلم سر الخلق، وأخفى عنهم ما يعلمه هو؛ كقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيُطُونَ بِهِ، عِلْمًا ﴾، ظاهر السقوط كما لا يخفى. ٠٠ ٧٠٤. سورة طه: الآيات (٨ - ٢٨) وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوّلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ﴾؛ أي فلا حاجة لك إلى الجهر بالدعاء ونحوه، كما قال تعالى: ﴿أَدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَُّعًا وَخُفْيَةٌ﴾ [الأعراف: ٥٥]، وقال تعالى: ﴿وَأَذْكُرُ رَّبَّكَ فِ نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةُ وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ ... الآية [الأعراف: ٢٠٥]. ويوضح هذا المعنى الحديث الصحيح؛ لأن النبي ◌ّلل لما سمع أصحابه رفعوا أصواتهم بالتكبير قال وقوله: ((أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً، إنما تدعون سميعاً بصيراً، إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته)). قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَّ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ﴾﴾. ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة أنه المعبود وحده، وأن له الأسماء الحسنى، وبين أنه المعبود وحده في آيات لا يمكن حصرها لكثرتها كقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقوله: ﴿فَأَعْلَمْ أَنَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ ... الآية [محمد: ١٩]. وبين في مواضع أخر أن له الأسماء الحسنى، وزاد في بعض المواضع الأمر بدعائه بها كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ آلْأَسْمَاءُ الْمُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، وقوله: ﴿قَلِ أَدْعُواْ اللَّهَ أَوِ أَدْعُواْ الرَّحْمَنَّ أَيَّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠]، وزاد في موضع آخر تهديد من ألحد في أسمائه وهو قوله: ﴿وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِيَّ أَسْمَنْيِهِ، سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠]. قال بعض العلماء: ومن إلحادهم في أسمائه أنهم اشتقوا العزى من اسم العزيز، واللات من اسم الله، وفي الحديث الصحيح عن النبي وَّه: ((إن لله تسعة وتسعين اسماً مائة إلا واحداً، من أحصاها دخل الجنة)). وقد دل بعض الأحاديث على أن من أسمائه - جلّ وعلا - ما استأثر به ولم يعلمه خلقه، كحديث: ((أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك)) الحديث. وقوله: ﴿اَلْمُسْنَى﴾ تأنيث الأحسن، وإنما وصف أسماءه - جل وعلا - بلفظ المؤنث المفرد؛ لأن جمع التكسير مطلقاً، وجمع المؤنث السالم يجريان مجرى المؤنثة الواحدة المجازية التأنيث، كما أشار له في الخلاصة بقوله: والتاء مع جمع سوى السالم من مذكر كالتاء من إحدى اللبن ونظير قوله هنا: ﴿اَلْأَسْمَاءُ الْمُسْنَى﴾ من وصف الجمع بلفظ المفرد المؤنث قوله: ﴿مِنْ ءَايَِنَا اُلْكُبْرَى﴾، وقوله: ﴿مَشَارِبُ أُخْرَى﴾. (١) ... الآيات، قد بينا الآيات وقوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَنكَ حَدِيثُ مُوسَى الموضحة لها في سورة ((مريم)) في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَنَدَيْنَهُ مِن جَانِبِ اُلُورِ اُلْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَهُ فِيَّا (٥٧)﴾ [مريم]، فأغنى ذلك عن إعادته هنا. (١٨)﴾. قال بعض العلماء: دل قوله تعالى: ﴿وَأَحْلُلْ عُقْدَةً مِّنْ لِسَانِ ﴿ يَفْقَهُواْ قَوْلِ (٨)، على قوله: ﴿عُقْدَةٌ مِّن ◌ِسَانِ﴾ بالتنكير والإفراد، وإتباعه لذلك بقوله: ﴿يَفْقَهُواْ قَوْلِ ٧٠٥ سورة طه: الآيات (٣٧ = ٣٩) أنه لم يسأل إزالة جميع ما بلسانه من العقد، بل سأل إزالة بعضها الذي يحصل بإزالته فهم كلامه مع بقاء بعضها. وهذا المفهوم دلت عليه آيات أخر كقوله تعالى عنه: ﴿وَأَخِى هَرُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّ لِسَانًا﴾ ... الآية [القصص: ٣٤]، وقوله تعالى عن فرعون: ﴿أَمْ أَنْ خَرٌ مِّنْ هَذَا أَلَّذِى هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُِينُ ﴾﴾ [الزخرف]، والاستدلال بقول فرعون في موسى، فيه أن فرعون معروف بالكذب والبهتان. والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَنْنَا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىِ ﴿ إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَىّ ﴿ أَنِ أَقْذِفِيهِ فِ النَّبُوتِ فَقْذِفِيهِ فِ الْيَمِّ فَلْيُلْفِهِ آلْيَمُّ بِلسَّاحِلِ يَأْخُذُهُ عَدُوٌّ لِ وَعَدُوٌّ لَّمْ﴾ ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أنه منَّ على موسى مرة أخرى قبل منّه عليه بالرسالة ورسالة أخيه معه، وذلك بإنجائه من فرعون وهو صغير، إذ أوحى إلى أمه أي ألهمها وقذف في قلبها، وقال بعضهم: هي رؤيا منام. وقال بعضهم: أوحى إليها ذلك بواسطة ملك كلمها بذلك، ولا يلزم من الإيحاء في أمر خاص أن يكون الموحى إليه نبياً، و((أن)) في قوله ﴿أَنِ أَقْذِفِيهِ﴾ هي المفسرة؛ لأن الإيحاء فيه معنى القول دون حروفه والتعبير بالموصول في قوله: ﴿مَا يُوحَى﴾ للدلالة على تعظيم شأن الأمر المذكور كقوله: ﴿فَشِيَهُم مِّنَ أَلْيَحْ مَا غَشِيَهُمْ﴾، وقوله: ﴿فَأَوْحَىّ إلَى عَبْدِهِ، مَآ أَوْحَى ﴾﴾ [النجم]، والتابوت: الصندوق. واليم: البحر. والساحل: شاطئ البحر. والبحر المذكور: نيل مصر. والقذف: الإلقاء والوضع، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَذَفَ فِ قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ [الأحزاب: ٢٦]. ومعنى: ﴿أَنِ أَقْذِفِيهِ فِى الَّابُوتِ﴾ أي ضعيه في الصندوق. والضمير في قوله: ﴿أَنِ أَقْذِفِيهِ﴾ راجع إلى موسى بلا خلاف، وأما الضمير في قوله: ﴿فَقْذِفِهِ فِ آلْيَمْ﴾ وقوله: ﴿فَلْيُلْفِهِ﴾ فقيل: راجع إلى التابوت، والصواب رجوعه إلى موسى في داخل التابوت؛ لأن تفريق الضمائر غير حسن، وقوله: ﴿يَأْخُذُّهُ عَدُوٌّ لِ وَعَدُوٌّ لَّمْ﴾، هو فرعون، وصيغة الأمر في قوله: ﴿فَلْيُلْقِهِ اَلْيَمُّ بِالسَّاحِلِ﴾ فيها وجهان معروفان عند العلماء: أحدهما: أن صيغة الأمر معناها الخبر، قال أبو حيان في البحر المحيط: و﴿فَلْيُلْقِهِ﴾ أمر معناه الخير، وجاء بصيغة الأمر مبالغة، إذ الأمر أقطع الأفعال وأوجبها . وثانيهما: أن صيغة الأمر في قوله: ﴿فَيُلْقِهِ﴾ أريد بها الأمر الكوني القدري كقوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ، إِذَا أَرََّدَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (19)﴾ [يس]، فالبحر لا بد أن يلقيه بالساحل؛ لأن الله أمره بذلك كوناً وقدراً. وقد قدمنا ما يشبه هذين الوجهين في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدَّأَ﴾ [مريم: ٧٥]. وما ذكره - جلّ وعلا - في هذه الآيات أوضحه في غير هذا الموضع كقوله في ((القصص)): ﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيَّةٌ فَإِذَا خِفْتِ عَيْهِ فَأَلَّقِيهِ فِى أَلْيَمِّ وَلَا تَخَافِ وَلَا تَحْزَّ إِنَّا رَآَثُوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴿ فَالْقَطَهُ ءَالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًا وَجَزًَّا﴾ [القصص: ٧ - ٨]، وقد بيّن تعالى شدة جزع أمه عليه لما ألقته في البحر، ٧٠٦ سورة طه: الآية (٤٠) وألقاه اليم بالساحل، وأخذه عدوه فرعون في قوله تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىْ فَرِقَاً إِن كَادَتْ لَنُبْدِى بِهِ، لَوْلَا أَنْ رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾﴾ [القصص]. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿يَأْخُذْهُ﴾ مجزوم في جواب الطلب الذي هو ﴿فَلْيُلْقِهِ آلْيَمُّ ◌ِالسَّاحِلِ﴾، وعلى أنه بمعنى الأمر الكوني، فالأمر واضح، وعلى أنه بمعنى الخبر فالجزم مراعاة لصيغة اللفظ، والعلم عند الله تعالى. وذكر في قصتها أنها صنعت له التابوت وطلته بالقار - وهو الزفت - لئلا يتسرب منه الماء إلى موسى في داخل التابوت، وحشته قطناً محلوجاً، وقيل: إن التابوت المذكور من شجر الجميز، وأن الذي نجره لها هو مؤمن آل فرعون، قيل: واسمه حزقيل. وكانت عقدت في التابوت خبلاً فإذا خافت على موسى من عيون فرعون أرسلته في البحر وأمسكت طرف الحبل عندها، فإذا أمنت جذبته إليها بالحبل. فذهبت مرة لتشد الحبل في منزلها فانفلت منها وذهب البحر بالتابوت الذي فيه موسى فحصل لها بذلك من الغم والهم ما ذكره الله تعالى في قوله: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَدُ أُمِّ مُوسَى فَرِّقًا﴾ ... الآية [القصص: ١٠]. وما ذكره - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة من مننه المتتابعة على موسى حيث قال: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَ (٣)﴾ أشار إلى ما يشبهه في قوله: ﴿وَلَقَدْ مُنَنَّا عَلَى مُوسَى الآية [الصافات]. وَهَرُونَ (١٤)﴾ قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةٌ مِّنِّى﴾. من آثار هذه المحبة التي ألقاها الله على عبده ونبيه موسى - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - ما ذكره - جلّ وعلا - في ((القصص)) في قوله: ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِ وَلَكَّ لَا نَقْتُلُوهُ﴾ ... الآية [القصص: ٩]، قال ابن عباس: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةُ مِّنِّى﴾ أي أحبه الله وحببه إلى خلقه. وقال ابن عطية: جعل عليه مسحة من جمال؛ لا يكاد يصبر عنه من رآه، وقال قتادة: كانت في عيني موسى ملاحة، ما رآه أحد إلا أحبه وعشقه؛ قاله القرطبي. قوله تعالى: ﴿إِذْ تَمْشِىّ أُغْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدْلُكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلٌُ، فَرَجَعْتَكَ إِلَى أُمِّكَ كَىْ نَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَّ﴾. اختلف في العامل الناصب للظرف الذي هو ((إذ)) من قوله: ﴿إِذْ تَمْشِقٌ أُخْتُكَ﴾ فقيل: هو ((ألقيت)) أي ألقيت عليك محبة مني حين تمشي أختك، وقيل: هو (تصنع)) أي تصنع على عيني حين تمشي أختك. وقيل: هو بدل من ((إذ)) في قوله: ﴿إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ﴾. قال الزمخشري: فإن قلت: كيف يصح البدل والوقتان مختلفان متباعدان؟ قلت: كما يصح وإن اتسع الوقت وتباعد طرفاه أن يقول لك الرجل: لقيت فلاناً سنة كذا. فتقول: وأنا لقيته إذ ذاك. وربما لقيه هو في أولها وأنت في آخرها . وهذا الذي ذكره - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة من كون أخته مشت إليهم، وقالت لهم: ﴿هَلْ أَدُلُكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلْمُ﴾ أوضحه - جلّ وعلا - في سورة ((القصص)) فبين ٧٠٧ سورة طه: الآية (٤٠) - أن أخته المذكورة مرسلة من قبل أمها لتتعرف خبره بعد ذهابه في البحر، وأنها أبصرته من بعد وهم لا يشعرون بذلك، وأن الله حرم عليه المراضع غير أمه تحريماً كونياً قدرياً. فقالت لهم أخته: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُمِ﴾ أي على مرضع يقبل هو ثديها وتكفله لكم بنصح وأمانة وذلك في قوله تعالى: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ، قُضِيَةٍ فَصُرَتْ بِهِ، عَن وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدْلُكُمُ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ ◌ُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَصِحُونَ ﴿ فَرَدَدْنَهُ إِلَى أُقِهِ، كَىْ نَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣)﴾ [القصص]، فقوله تعالى في آية (القصص)) هذه ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ﴾ [القصص: ١١]، أي قالت أم موسى لأخته وهي ابنتها ﴿قُضِيةٍ﴾ [القصص: ١١]، أي اتبعي أثره، وتطلبي خبره حتى تطلعي على حقيقة أمره. وقوله: ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ، عَن جُنُبٍ﴾ [القصص: ١١]؛ أي رأته من بعيد كالمعرضة عنه، تنظر إليه وكأنها لا تريده ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُونَ﴾ [الأعراف: ٩٥]، بأنها أخته جاءت لتعرف خبره فوجدته ممتنعاً من أن يقبل ثدي مرضعة؛ لأن الله يقول: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ﴾ [القصص: ١٢]، أي تحريماً كونياً قدرياً؛ أي منعناه منها ليتيسر بذلك رجوعه إلى أمه؛ لأنه لو قبل غيرها أعطوه لذلك الغير الذي قبله ليرضعه ويكفله فلم يرجع إلى أمه. وعن ابن عباس أنها لما قالت لهم: ﴿هَلّ أَوْكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَصِحُونَ﴾ [القصص: ١٢]، أخذوها وشكوا في أمرها وقالوا لها: ما يدريك بنصحهم له وشفقتهم عليه؟! فقالت لهم: نصحهم له، وشفقتهم عليه رغبة في سرور الملك، ورجاء منفعته، فأرسلوها. فلما قالت لهم ذلك وخلصت من أذاهم، ذهبوا معها إلى منزلهم فدخلوا به على أمه فأعطته ثديها فالتقمه ففرحوا بذلك فرحاً شديداً، وذهب البشير إلى امرأة الملك فاستدعت أم موسى، وأحسنت إليها، وأعطتها عطاء جزيلاً وهي لا تعرف أنها أمه في الحقيقة، ولكن لكونه قبل ثديها. ثم سألتها (آسية)) أن تقيم عندها فترضعه فأبت عليها وقالت: إن لي بعلاً وأولاداً، ولا أقدر على المقام عندك، ولكن إن أحببت أن أرضعه في بيتي فعلت، فأجابتها امرأة فرعون إلى ذلك، وأجرت عليها النفقة والصلات والكساوي والإحسان الجزيل. فرجعت أم موسى بولدها قد أبدلها الله بعد خوفها أمناً في عز وجاه، ورزق دار. (اهـ) من ابن كثير. وقوله تعالى في آية ((القصص)): ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ﴾ [القصص: ١٣]، وعد الله المذكور هو قوله: ﴿وَلَ تَّخَافِى وَلَا تَحْزَبِّ إِنَّا رَآَدُوهُ إِلَيْكٍ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧]، والمؤرخون يقولون: إن أخت موسى المذكورة اسمها ((مريم)) وقوله: ﴿كَىْ نَقَرَّ عَيْنُهَا﴾ إن قلنا فيه: إن (كي)) حرف مصدري فاللام محذوفة، أي لكي تقر. وإن قلنا : إنها تعليلية، فالفعل منصوب بأن مضمرة. وقوله: ﴿فَقَرَّ عَيْنُهَا﴾ قيل: أصله من القرار؛ لأن ما يحبه الإنسان تسكن عينه عليه، ولا تنظر إلى غيره: كما قال أبو الطيب: كأن عليه من حدق نطاقا وخصر تثبت الأبصار فيه ٧٠٨ سورة طه: الآية (٤٠) وقيل: أصله من القر - بضم القاف - وهو البرد، تقول العرب: يوم قر - بالفتح - أي بارد، ومنه قول امرئ القيس: وكندة حولي جميعاً صبر تميم بن مر وأشياعها إذا ركبوا الخيل واستلأموا تحرقت الأرض واليوم قر ومنه أيضاً قول حاتم الطائي الجواد: أوقد فإن الليل ليل قر والريح يا واقد ريح صر إن جلبت ضيفاً فأنت حر عل يرى نارك من يمر وعلى هذا القول: فقرة العين من بردها؛ لأن عين المسرور باردة، ودمع البكاء من السرور بارد جدًّا، بخلاف عين المحزون فإنها حارة، ودمع البكاء من الحزن حار جدًّا. ومن أمثال العرب: أحر من دمع المقلات. وهي التي لا يعيش لها ولد، فيشتد حزنها لموت أولادها فتشتد حرارة دمعها لذلك. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْزَنُّ وَقَثَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَنَّكَ﴾. لم يبين هنا - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة سبب قتله لهذه النفس، ولا ممن هي، ولم يبين السبب الذي نجاه به من ذلك الغم، ولا الفتون الذي فتنه، ولكنه بين في سورة ((القصص)) خبر القتيل المذكور في قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ اٌلْمَدِينَةَ عَلَى حِينٍ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَئِلَانِ هَذَا مِن شِيَعَتِهِ، وَهَذَا مِنْ عَدُوْمٍ، فَأَسْتَغَهُ الَّذِى مِنْ شِيعَتِهِ، عَلَى الَّذِى مِنْ عَدُوِّهِ، فَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِّ إِنَّهُ عَدُوٌ مُضِلُّ ◌ُّبِينٌ ﴾ قَالَ رَبِّ إِنِّىِ ظَلَمْتُ نَفْسِى فَاغْفِرْ لِ فَغَفَرَ لَهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾﴾ [القصص]، وأشار إلى القتيل [القصص]، وهو المذكور في قوله: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّ قَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ المراد بالذنب في قوله تعالى عن موسى: ﴿فَأَرْسِلْ إِلَى هَرُونَ ﴾ وَلَهُمْ عَلَّ ذَتْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ ﴾ [الشعراء]، وهو مراد فرعون بقوله لموسى فيما ذكره الله عنه: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ أَلَتِى فَعَلْتَ﴾ ... الآية [الشعراء: ١٩]. وقد أشار تعالى في ((القصص) أيضاً إلى غم موسى، وإلى السبب الذي أنجاه الله به منه في قوله: ﴿وَجَآءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَمُوسَىّ إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَفْتُلُوَكَ فَأَخْرُجْ إِنِّى لَكَ مِنَ النَّصِحِينَ ﴾ ◌َجَ مِنْهَا خَلِفًا ـ) وَلَّا تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْنَ قَالَ عَسَى رَّتِ أَنْ يَهْدِيَنِ يَتَرَقَّبِّ قَالَ رَبِّ نَجْنِى مِنَ الْقَوْمِ الَّالِمِينَ ( سَوَآءَ السَّبِيلِ ﴾﴾، إلى قوله: ﴿قَالَ لَا تَّخَفٌْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢٢ - ٢٥]. وقوله: ﴿وَفَتَّكَ فُونًا﴾ قال بعض أهل العلم: الفتون مصدر، وربما جاء مصدر الثلاثي المتعدي على فعول. وقال بعضهم: هو جمع فتنة. وقال الزمخشري في الكشاف: ﴿قُونًا﴾ يجوز أن يكون مصدراً على فعول في المتعدي كالثبور والشكور والكفور. وجمع فتن أو فتنة على ترك الاعتداد بتاء التأنيث كحجوز وبدور في حجزة وبدرة؛ أي فتناك ضروباً من الفتن. وقد جاء في تفسير الفتون المذكور حديث معروف ٧٠٩ سورة طه: الآيتان (٤٢ - ٤٣) عند أهل العلم بحديث ((الفتون))، أخرجه النسائي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وساقه ابن كثير في تفسيره عن النسائي بسنده. وهو حديث طويل يقتضي أن الفتون يشمل كل ما جرى على موسى من المحن من فرعون في صغره وكبره، كالخوف عليه من الذبح وهو صغير، ومن أجل ذلك ألقي في التابوت وقذف في اليم فألقاه اليم بالساحل، وكخوفه وهو كبير من أن يقتله فرعون بالقبطي الذي قتله. وعلى هذا فالآيات التي ذكرت فيها تلك المحن مبينة للفتون على تفسير ابن عباس للفتون المذكور. وقال ابن كثير تَغْلُهُ بعد أن ساق حديث الفتون بطوله: هكذا رواه النسائي في السنن الكبرى، وأخرجه أبو جعفر بن جرير، وابن أبي حاتم في تفسيريهما، كلهم من حديث يزيد بن هرون به، وهو موقوف من كلام ابن عباس، وليس فيه مرفوع إلا قليل منه، وكأنه تلقاه ابن عباس ظبه مما أبيح نقله من الإسرائيليات عن كعب الأحبار أو غيره، والله أعلم. وسمعت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي يقول ذلك أيضاً، اهـ. قوله تعالى: ﴿فَلِثْتَ سِنِينَ فِىّ أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَمُوسَى﴾ . السنين التي لبثها في مدين هي المذكورة في قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّ أُرِيدُ أَنْ أُنْكِمَكَ إِحْدَى أَبْنَىَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَبِ ثَمَنِىَ حِجَجْ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكٌ﴾ [القصص: ٢٧]، وقد قدمنا في سورة ((مريم)) أنه أتم العشر، وبينا دليل ذلك من السنة، وبه تعلم أن الأجل في قوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ﴾ [القصص: ٢٩]، أنه عشر سنين لا ثمان. وقال بعض أهل العلم: لبث موسى في مدين ثماناً وعشرين سنة، عشر منها مهر ابنة صهره، وثمان عشرة أقامها هو اختياراً، والله تعالى أعلم. وأظهر الأقوال في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَمُوسَى﴾؛ أي جئت على القدر الذي قدرته وسبق في علمي أنك تجيء فيه فلم تتأخر عنه ولم تتقدم كما قال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْتَهُ بِقَدَرٍ (٨)﴾ [القمر]، وقال: ﴿وَكُلُ شَىْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد: ٨]، وقال: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًّا مَّقْدُورًا﴾ [الأحزاب: ٣٨]. وقال جرير يمدح عمر بن عبد العزيز: كما أتى ربه موسى على قدر نال الخلافة أو كانت له قدرا قوله تعالى: ﴿أَذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوَكَ بِشَايَتِى وَلَا نَنِيَا فِ ذِكْرِى ﴿﴿ أَذْهَبَآً إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ ◌َغَى (03)). قال بعض أهل العلم: المراد بالآيات في قوله هنا: ﴿أَذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوَكَ بِكَايَتِ﴾ الآيات التسع المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى نِسْعَ ءَايَتٍِ بَيِّنَتٍ﴾ ... الآية [الإسراء: ١٠١]، وقوله: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِى جَمْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوْءٌ فِيِ نِشْع. ءَايَتٍ﴾ ... الآية [النمل: ١٢]. والآيات التسع المذكورة هي: العصا واليد البيضاء ... إلى آخرها، وقد قدمنا الكلام عليها مستوفى في سورة ((بني إسرائيل)). وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ طَغَى﴾ أصل الطغيان: مجاوزة الحد، ومنه: ﴿إِنَّا لَمَا طَغَا الْمَآءُ (١)﴾ [الحاقة]، وقد بيّن الله تعالى شدة طغيان فرعون ومجاوزته الحد في. حَمَلْنَكُمْ فِ الْجَارِيَةِ ٧١٠ سورة طه: الآية (٤٤) قوله عنه: ﴿فَقَالَ أَنَاْ رَّكُمُ الْأَعْلَى (19)﴾ [النازعات]، وقوله عنه: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَاهِ غَيْرِى﴾ [القصص: ٣٨]، وقوله عنه أيضاً: ﴿لَيْنِ أَّخَذْتَ إِلَهَا غَيْرِى لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩]. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَا نَّنِيَا﴾ مضارع وني يني، على حد قول ابن مالك في الخلاصة: فَا أَمْرأَ ومضارع من كوعد احذف وفي كعدة ذاك اطرد والوني في اللغة: الضعف، والفتور، والكلال والإعياء، ومنه قول امرئ القيس في معلقته : مسح إذا ما السابحات على الونى أثرن غباراً بالكديد المركل وقول العجاج: فما ونى محمد مذ أن غفر له الإله ما مضى وما غبر فقوله: ﴿وَلَا نَِّيَا فِى ذِكْرِى﴾ أي لا تضعفا ولا تفترا في ذكري، وقد أثنى الله على من يذكره في جميع حالاته في قوله: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَمًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١]، وأمر بذكر الله عند لقاء العدو في قوله: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَأَثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اَللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأنفال: ٤٥] كما تقدم إيضاحه. وقال ابن كثير تَخْفُ في تفسيره هذه الآية الكريمة: والمراد أنهما لا يفتران في ذكر الله في حال مواجهة فرعون؛ ليكون ذكر الله عوناً لهما عليه، وقوة لهما وسلطاناً كاسراً له، كما جاء في الحديث: ((إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني وهو مناجز قرنه))، اهـ منه. وقال بعض أهل العلم: ﴿وَلَا نَِّيَا فِى ذِكْرِى﴾ لا تزالا في ذكري، واستشهد لذلك بقول طرفة : كأن القدور الراسيات أمامهم قباب بنوها لا تني أبداً تغلي أي لا تزال تغلي. ومعناه راجع إلى ما ذكرنا، والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيْنَا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ٤٤ أمر الله - جل وعلا - نبيه موسى وهارون - عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام - أن يقولا لفرعون في حال تبليغ رسالة الله إليه ﴿قَوْلًا لَبً﴾؛ أي كلاماً لطيفاً سهلاً رقيقاً، ليس فيه ما يغضب وينفر. وقد بين - جلّ وعلا - المراد بالقول اللين في هذه الآية بقوله: ﴿أَذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ﴾ فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَنْ تَزََّى ﴾ وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَيِّكَ فَخْشَى [النازعات]، وهذا والله غاية لين الكلام ولطافته ورقته كما ترى، وما أمر به موسى وهارون في هذه الآية الكريمة أشار له تعالى في غير هذا الموضع، كقوله: ﴿آدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَحَدِلْهُم بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنٌ﴾ [النحل: ١٢٥]. ٧١١ سورة طه: الآية (٤٧) . مسألة: يؤخذ من هذه الآية الكريمة: أن الدعوة إلى الله يجب أن تكون بالرفق واللين لا بالقسوة والشدة والعنف. كما بينا في سورة ((المائدة)) في الكلام على قوله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ ... الآية [المائدة: ١٠٥]. وقال ابن كثير كَُّ في تفسير هذه الآية: قال يزيد الرقاشي عند قوله: ﴿فَقُولَا لَهُم قَوْلاً لَِّنًا﴾: یا من یتحبب إلى من يعاديه، فكيف بمن يتولاه ويناديه؟ اهـ، ولقد صدق من قال: وقال على الله إفكا وزورا ولو أن فرعون لما طغى لما وجد الله إلا غفورا أناب إلى الله مستغفراً وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ قد قدمنا قول بعض العلماء: إن (لعل)) في القرآن بمعنى التعليل، إلا التي في سورة ((الشعراء)): ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَائِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُونَ (٣)﴾ [الشعراء]، فهي بمعنى كأنكم. وقد قدمنا أيضاً أن ((لعل)) تأتي في العربية للتعليل؛ ومنه قوله: نكف ووثقتم لنا كل موثق فقلتم لنا كفوا الحروب لعلنا كشبه سراب بالملا متألق فلما كففنا الحرب كانت عهودكم فقوله: (لعلنا نكف))؛ أي لأجل أن نكف. وقال بعض أهل العلم: ﴿لَعَلَُّ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ معناه على رجائكما وطمعكما، فالترجي والتوقع المدلول عليه بلعل راجع إلى جهة البشر، وعزا القرطبي هذا القول لكبراء النحويين كسيبويه وغيره. قوله تعالى: ﴿فَأَنِيَاءُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِىّ إِسْرَِّيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمَّ قَدْ جِثْنَكَ ◌ِثَايَةٍ مِّن رَّبِّكَ وَالسَّلَمُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْمُدَى (®﴾. ألف الاثنين في قوله: ﴿فَأَنِيَاهُ﴾ راجعة إلى موسى وهرون، والهاء راجعة إلى فرعون، أي فأتيا فرعون ﴿فَقُولًا﴾ له: ((إنا رسولان إليك من ربك فأرسل معنا بني إسرائيل» أي خل عنهم وأطلقهم لنا يذهبون معنا حيث شاءوا، ولا تعذبهم. العذاب الذي نهى الله فرعون أن يفعله ببني إسرائيل هو المذكور في سورة (البقرة)» في قوله: ﴿وَإِذْ نَّنَكُمْ مِنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَّادِ يَُّتِحُونَ أَبْنَاءَ كُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآَ كُّ [البقرة]، وفي سورة ((إبراهيم)) في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ ٤٩ وَفِ ذَلِكُمْ بَلَّهُ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ ( قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ أَذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ أَنْجَنَكُمْ مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوَّءَ اُلْعَذَابِ وَيَُّبِعُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ ... الآية [إبراهيم: ٦]، وفي سورة ((الأعراف)) في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَنَيْنَكُمْ مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوّءَ الْعَذَانِّ يُقَطِّلُونَ أَبْنَآءَ كُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ ... الآية [الأعراف: ١٤١]؛ وفي سورة ((الدخان)) في قوله: ﴿وَلَقَدْ نَّنَا بَنِىِّ إِسْرَِّيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ جَ مِن فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِّنَ الْمُسْرِفِينَ (٣)﴾ [الدخان]؛ وفي سورة ((الشعراء)) في قوله: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمَنُّهَا عَلَّ أَنْ عَبَّدَتَ بَنِىّ إِسْرَِّيَلَ (﴾﴾ الآية [الشعراء]. ٧١٢ سورة طه: الآية (٤٨) وما أمر به الله موسى وهرون في آية ((طه)) هذه من أنهما يقولان لفرعون إنهما رسولا ربه إليه، وأنه يأمره بإرسال بني إسرائيل ولا يعذبهم أشار إليه تعالى في غير هذا الموضع، كقوله في سورة ((الشعراء)): ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوَّنَ فَقُولَا إِنَّا تَسُولُ رَبِّ الْعَلَمِينَ أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِىّ إِسْرَوِيلَ ﴾﴾ [الشعراء]. تنبيه: فإن قيل: ما وجه الإفراد في قوله: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦]، في (الشعراء))؟ مع أنهما رسولان؟ كما جاء الرسول مثنى في (طه)) فما وجه التثنية في ((طه)) والإفراد في ((الشعراء))، وكل واحد من اللفظين: المثنى والمفرد يراد به موسى وهرون؟ . .. فالذي يظهر لي - والله تعالى أعلم - أن لفظ الرسول أصله مصدر وصف به، والمصدر إذا وصف به ذكر وأفرد كما قدمنا مراراً فالإفراد في ((الشعراء)) نظراً إلى أن أصل الرسول مصدر، والتثنية في (طه)) اعتداداً بالوصفية العارضة وإعراضاً عن الأصل؛ ولهذا يجمع الرسول اعتداداً بوصفيته العارضة، ويفرد مراداً به الجمع نظراً إلى أن أصله مصدر. ومثال جمعه قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ﴾ ... الآية [البقرة: ٢٥٣]، وأمثالها في القرآن. ومثال إفراده مراداً به الجمع قول أبي ذؤيب الهذلي: ألكني إليها وخير الرسول أعلمهم بنواحي الخبر ومن إطلاق الرسول مراداً به المصدر على الأصل قوله: يقول ولا أرسلتهم برسول . لقد كذب الواشون ما فهت عندهم أي برسالة. وقول الآخر: ألا بلغ بني عصم رسولا بأني عن فتاحتكم غشي يعني أبلغهم رسالة. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿قَدّ ◌ِثْنَكَ بَِايَةٍ﴾ يراد بِه جنس الآية الصادق بالعصا واليد وغيرهما؛ لدلالة آيات أخر على ذلك. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَالسَّلَمُ عَلَى مَنِ اتَّعَ الْمُدَى﴾ يدخل فيهِ السلام على فرعون إن اتبع الهدى. ويفهم من الآية أن من لم يتبع الهدى لا سلام عليه، وهو كذلك؛ ولذا كان في أول الكتاب الذي كتبه رسول الله ﴿ إلى هرقل عظيم الروم ((بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله منه إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام ... )) إلى آخر كتابه ◌َّـ قوله تعالى: ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِىَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَن كَذَّبَ وَتَوَّ: ما ذكره - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة عن موسى وهرون أن الله أوحى إليهما أن العذاب على من كذب وتولى أشير إلى نحوه في آيات كثيرة من كتاب الله تعالى كقوله: ﴿فَمَّا مَنْ طَفَىِِّ ﴿ وَمَثَرَ الْحَيَةَ الدُّنْيَاَ ﴿َ فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِىَ الْمَأْوَى (﴾﴾ ٧١٣ سورة طه: الآيتان (٤٩ - ٥٠) [النازعات]، وقوله تعالى: ﴿فَذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَّى ﴿ لَا يَصْلَنْهَا إِلَّ الْأَنْقَى (٥ أَلَّذِى كَذَّبَ وَتَوَلَّى [الليل]، وقوله تعالى: ﴿فَلَّ صَلَّقَ وَلَّ صَلَى ﴿ وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣) ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ، [القيامة]، إلى غير ذلك من الآيات. ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَ. (٣٤) يَتَمَطَّىَّ ◌َ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى قَالَ رَبَُّا الَّذِىّ أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ قوله تعالى: ﴿قَالَ فَمَنْ رَّبُّكُمَا يَمُوسَى هَدَى ﴾﴾، ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة أن موسى وهرون لما بلغا فرعون ما أمرا بتبليغه إياه قال لهما: من ربكما الذي تزعمان أنه أرسلكما إلي!؟ زاعماً أنه لا يعرفه؛ وأنه لا يعلم لَهُما إلهاً غير نفسه، كما قال تعالى: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَّهِ غَيْرِى﴾ [القصص: ٣٨]، وقال: ﴿لَيْنِ أَّخَذْتَ إِلَهَا غَيْرِى لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩]، وبيّن - جلّ وعلا - في غير هذا الموضع أن قوله: ﴿فَمَن رَّبُّكُمَا﴾ تجاهل عارف بأنه عبد مربوب لرب العالمين، وذلك في قوله تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلَاءٍ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ بَصَآِرَ﴾ ... الآية [الإسراء: ١٠٢]، وقوله: ﴿فَمَّا جَاءَتْهُمْ ءَايَثُنَا مُبْصِرَةٌ قَالُوْ هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴿ وَحَحَدُواْ بِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوا﴾ [النمل: ١٣ - ١٤]، كما تقدم إيضاحه. وسؤال فرعون عن رب موسى، وجواب موسى له جاء موضحاً في سورة (الشعراء)) بأبسط مما هنا، وذلك في قوله: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَلَمِينَ (٣) قَالَ رَبُّ ﴿﴿ قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَّأَّ إِن كُم ◌ُوقِنِينَ ﴿ قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ: أَلَا تَسْتَعُونَ ءَبَّبِكُمُ الْأَوَّلِينَ ﴾ قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِىّ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ ﴿٨َ قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِنٍ وَمَا بَيْنَهُمَاْ إِن كُمْ تَعْقِلُونَ ﴿ قَالَ لَيْنِ أَتَّخَذْتَ إِلَهَا غَيْرِى لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ ﴿﴿ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ قَالَ فَأْتِ بِهِ إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ (49) ٣٠ ◌ِشىءٍ مُبِينٍ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِىَ بَيْضَآءُ لِلنَّظِرِينَ (٣)﴾ [الشعراء] إلى آخر القصة. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِىّ أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى @))؛ فيه للعلماء أوجه لا يكذب بعضها بعضاً، وكلها حق، ولا مانع من شمول الآية لجميعها، منها أن معنى ﴿أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾؛ أنه أعطى كل شيء نظير خلقه في الصورة والهيئة، كالذكور من بني آدم أعطاهم نظير خلقهم من الإناث أزواجاً. وكالذكور من البهائم أعطاها نظير خلقها في صورتها وهيئتها من الإناث أزواجاً؛ فلم يعط الإنسان خلاف خلقه فيزوجه بالإناث من البهائم، ولا البهائم بالإناث من الإنس، ثم هدى الجميع لطريق المنكح الذي منه النسل والنماء، كيف يأتيه، وهدى الجميع لسائر منافعهم من المطاعم والمشارب وغير ذلك. وهذا القول مروي عن ابن عباس ثها من طريق علي بن أبي طلحة، وعن السدي وسعيد بن جبير، وعن ابن عباس أيضاً: ﴿ثُمَّ هَدَى﴾ أي هداه إلى الألفة والاجتماع والمناكحة . . وقال بعض أهل العلم: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾؛ أي أعطى كل شيء صلاحه ثم هداه إلى ما يصلحه، وهذا مروي عن الحسن وقتادة. ٧١٤ سورة طه: الآيتان (٤٩ - ٥٠) : وقال بعض أهل العلم: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾؛ أي أعطى كل شيء صورته المناسبة له؛ فلم يجعل الإنسان في صورة البهيمة، ولا البهيمة في صورة الإنسان، ولكنه خلق كل شيء على الشكل المناسب له فقدره تقديراً، كما قال الشاعر: وكذلك الله ما شاء فعل وله في كل شيء خلقة يعني بالخلقة: الصورة، وهذا القول مروي عن مجاهد ومقاتل وعطية وسعيد بن جبير ﴿ثُمَّ هَدَى﴾ كل صنف إلى رزقه وإلى زوجه. وقال بعض أهل العلم: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ﴾: أي أعطى كل شيء صورته وشكله الذي يطابق المنفعة المنوطة به، كما أعطى العين الهيئة التي تطابق الإبصار، والأذن الشكل الذي يوافق الاستماع، وكذلك الأنف والرجل واللسان وغيرها، كل واحد منها مطابق لما علق به من المنفعة غير ناب عنه. وهذا القول روي عن الضحاك، وعلى جميع هذه الأقوال المذكورة فقوله تعالى: ﴿كُلَّ شَىْءٍ﴾ هو المفعول الأول لـ ﴿أَعْطَى﴾، و﴿خَلْقَهُ﴾ هو المفعول الثاني. وقال بعض أهل العلم: إن ﴿خَلَقَهُ﴾ هو المفعول الأول، و﴿كُلَّ شَىْءٍ﴾ هو المفعول الثاني. وعلى هذا القول فالمعنى أنه تعالى أعطى الخلائق كل شيء يحتاجون إليه، ثم هداهم إلى طريق استعماله. ومعلوم أن المفعول من مفعولي باب كسا ومنه ﴿أَعْطَى﴾ في الآية لا مانع من تأخيره وتقديم المفعول الأخير إن أمن اللبس، ولم يحصل ما يوجب الجري على الأصل كما هو معلوم في علم النحو؛ وأشار له في الخلاصة بقوله : ويلزم الأصل لموجب عرا وترك ذاك الأصل حتما قد يرى قال مقيده - عفا الله عنه -: ولا مانع من شمول الآية الكريمة لجميع الأقوال المذكورة؛ لأنه لا شك أن الله أعطى الخلائق كل شيء يحتاجون إليه في الدنيا، ثم هداهم إلى طريق الانتفاع به، ولا شك أنه أعطى كل صنف شكله وصورته المناسبة له، وأعطى كل ذكر وأنثى الشكل المناسب له من جنسه في المناكحة والألفة والاجتماع، وأعطى كل عضو شكله الملائم للمنفعة المنوطة به، فسبحانه - جل وعلا - ما أعظم شأنه وأكمل قدرته؟! وفي هذه الأشياء المذكورة في معنى هذه الآية الكريمة براهين قاطعة على أنه - جل وعلا - رب كل شيء، وهو المعبود وحده - جل وعلا -: ﴿لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَىْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهْ لَهُ الْحُكْرُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٨٨]. وقد حرر العلامة الشيخ تقي الدين أبو العباس ابن تيمية كَُّ في رسالته في علوم القرآن أن مثل هذا الاختلاف من اختلاف السلف في معاني الآيات ليس اختلافاً حقيقياً متضاداً يكذب بعضه بعضاً، ولكنه اختلاف تنوعي لا يكذب بعضه بعضاً، والآيات ٧١٥ سورة طه: الآيتان (٥٣ - ٥٤) تشمل جميعه، فينبغي حملها على شمول ذلك كله، وأوضح أن ذلك هو الجاري على أصول الأئمة الأربعة ظه، وعزاه لجماعة من خيار أهل المذاهب الأربعة، والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَّكُمْ فِيَهَا سُبُلًا وَأَنَزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءَ فَأَخْرَحْنَا بِهِ أَزْوَجًا مِّن نَّبَاتٍ شَتَّىَ ﴿٨ كُوْ وَأَرْعَوْاْ أَنْعَمَكُمْ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَتٍ لِّأُوْلِ النُّهَى ٥٤ قرأ هذا الحرف عاصم وحمزة والكسائي ((مهداً)) بفتح الميم وإسكان الهاء من غير ألف، وقرأ الباقون من السبعة بكسر الميم وفتح الهاء بعدها ألف. والمهاد: الفراش. والمهد بمعناه. وكون أصله مصدراً لا ينافي أن يستعمل اسماً للفراش. وقوله في هذه الآية: ﴿اَلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ﴾ في محل رفع نعت ل(ربي)) من قوله قبله: ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبٍ فِ كِتَبِّ لَّا يَضِلُ رَبٍِّ وَلَا يَسَى ﴾﴾؛ أي لا يضل ربي الذي جعل لكم الأرض مهداً. ويجوز أن يكون خبراً لمبتدأ محذوف؛ أي هو الذي جعل لكم الأرض. ويجوز أن ينصب على المدح، وهو أجود من أن يقدر عامل النصب لفظة أعني، كما أشار إلى هذه الأوجه من الإعراب في الخلاصة بقوله: وارفع أو انصب إن قطعت مضمراً مبتدأ أو ناصباً لن يظهرا هكذا قال غير واحد من العلماء، والتحقيق أنه يتعين كونه خبر مبتدأ محذوف؛ لأنه كلام مستأنف من كلام الله. ولا يصح تعلقه بقول موسى: ﴿لَّا يَضِلُّ رَبٍ﴾ لأن قوله: ﴿فَأَخْرَحْنَا﴾ يعين أنه من كلام الله، كما نبه عليه أبو حيان في البحر، والعلم عند الله تعالى. وقد بين - جل وعلا - في هاتين الآيتين أربع آيات من آياته الكبرى الدالة على أنه المعبود وحده، ومع كونها آيات على كمال قدرته واستحقاقه العبادة وحده دون غيره، فهي من النعم العظمى على بني آدم. الأولى: فرشه الأرض على هذا النمط العجيب. الثانية: جعله فيها سبلاً يمر معها بنو آدم ويتوصلون بها من قطر إلى قطر. الثالثة: إنزاله الماء من السماء على هذا النمط العجيب. الرابعة: إخراجه أنواع النبات من الأرض. أما الأولى: التي هي جعله الأرض مهداً فقد ذكر الامتنان بها مع الاستدلال بها على أنه المعبود وحده في مواضع كثيرة من كتابه كقوله تعالى: ﴿وَلَيْنِ سَأَلْنَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَّتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ جَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾ الآية [الزخرف: ٩ - ١٠]، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ آلْأَرْضَ مِهَدًا ﴿ وَالْجِبَالَ أَوْتَدًا (٣)﴾ [النبأ]، (٣)﴾ [الذاريات]، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى وقوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ فَرَشْتَهَا فَنِعْمَ الْمَهِدُونَ مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيَهَا رَوَسِىَ وَأَنْهَرًّا﴾ [الرعد: ٣]، والآياتِ بمثل ذلك كثيرة جدًّا. ٧١٦ سورة طه: الآيتان (٥٣ - ٥٤) وأما الثانية: التي هي جعله فيها سبلاً، فقد جاء الامتنان والاستدلال بها في آيات كثيرة كقوله في ((الزخرف)): ﴿وَلَيْنِ سَأَلْنَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ اٌلْعَزِيزُ الْعَلِيمُ جَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيَهَا سُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾﴾ [الزخرف]، وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيَهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣١]، وقد قدمنا الآيات الدالة على هذا في سورة ((النحل)) في الكلام علي قوله: ﴿وَأَنْهَرَّا وَسُبُلَاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٥]. وأما الثالثة والرابعة: وهما إنزال الماء من السماء، وإخراج النبات به من الأرض فقد تكرر ذكرهما في القرآن على سبيل الامتنان والاستدلال معاً كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَاءٌ لَّكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ ثُسِيمُونَ ﴿ يُنِبِتُ لَكُمُ ◌ِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَبَ﴾ ... الآية [النحل: ١٠ -١١]. وقد قدمنا الآيات الدالة على ذلك. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَأَنَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ فَأَخْرَجْنَا﴾، فيه التفات من الغيبة إلى التكلم بصيغة التعظيم؛ ونظيره في القرآن قوله تعالى في ((الأنعام)): ﴿الَّذِىّ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءٍ فَأَخْرَجْنَا بِهِ، نَّبَاتَ كُلِّ شَىْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا أُخْرِجُ مِنْهُ حَبَّا مُتَرَاكِبًا﴾ الآية [الأنعام: ٩٩]، وقوله في ((فاطر)): ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ فَأَخْرَحْنَا بِهِ، ثَمَرَّتٍ تُخْتَلِفًا أَلْوَنُها﴾ الآية [فاطر: ٢٧]، وقوله في ((النمل)): ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِّنَ السَّمَاءِ مَآءَ فَأَنْجَتْنَا بِهِ حَدَابِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ ... الآية [النمل: ٦٠]. وهذا الالتفات من الغيبة إلى التكلم بصيغة التعظيم في هذه الآيات كلها في إنبات النبات يدل على تعظيم شأن إنبات النبات؛ لأنه لو لم ينزل الماء ولم ينبت شيئاً لهلك الناس جوعاً وعطشاً، فهو يدل على عظمته - جلّ وعلا -، وشدة احتياج الخلق إليه ولزوم طاعتهم له - جلّ وعلا -. وقوله في هذه الآية: ﴿أَزْوَجًا مِن نََّاتٍ شَفَّ﴾؛ أي أصنافاً مختلفة من أنواع النبات، فالأزواج: جمع زوج، وهو هنا الصنف من النبات، كما قال تعالى في سورة ((الحج)): ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَآءَ أَهْتَزَتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجَ بَهِيجٍ﴾ [الحج: ٥]، أي من كل صنف حسن من أصناف النبات، وقال تعالى في سورة (لقمان)): ﴿خَلَقَ السَّمَوَتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِ الْأَرْضِ رَوَسِىَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَنَزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ فَأَنْنَ فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجِ كَرِيمٍ ﴾﴾ [لقمان]، أي من كل نوع حسن من أنواع النبات، وقال تعالى في سورة (يس)): ﴿سُبْحَنَ اُلَّذِى خَلَقَ الْأَزْوَجَ كُلَّهَا [يس]، إلى غير ذلك من الآيات. مِمَّا تُنِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ وقوله: ﴿شَتَّىَ﴾ نعت لقوله: ﴿أَزْوَجًا﴾. ومعنى قوله: ﴿أَزْوَجًا مِّن نَّبَاتٍ شَفَّ﴾ أي أصنافاً مختلفة الأشكال والمقادير، والمنافع والألوان، والروائح والطعوم. وقيل: ٧١٧ سورة طه: الآيتان (٥٣ - ٥٤) ﴿شَفَ﴾ جمع (((نبات)) أي نبات مختلف كما بينا. والأظهر الأول، وقوله: ﴿شَقَّ﴾ جمع شتيت؛ كمريض ومرضى. والشتيت: المتفرق؛ ومنه قول رؤية يصف إبلا جاءت مجتمعة ثم تفرقت، وهي تثير غباراً مرتفعاً: جاءت معاً وأطرقت شتيتاً. وهي تثير الساطع السختيتا وثغر شتيت: أي متفلج لأنه متفرق الأسنان؛ أي ليس بعضها لاصقاً ببعض. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا﴾؛ قد قدمنا أن معنى السلك: الإدخال. وقوله: (سلك) هنا معناه أنه جعل في داخل الأرض بين أوديتها وجبالها سبلاً فجاجاً يمر الخلق معها، وعبر عن ذلك هنا بقوله: ﴿وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا﴾؛ وعبر في مواضع أخر عن ذلك بالجعل كقوله في ((الأنبياء)): ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣١]، وقوله في (الزخرف)): ﴿الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيَهَا سُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾﴾ [الزخرف]، وعبر في بعض المواضع عن ذلك بالإلقاء كقوله في ((النحل)): ﴿وَأَلْقَى فِى الْأَرْضِ رَوَسِىَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَرَّاً وَسُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾﴾ [النحل]؛ لأن عطف السبل على الرواسي ظاهر في ذلك. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿كُواْ وَأَرْعَوْاْ أَنْعَمَكُمْ﴾؛ أي كلوا أيها الناس من الثمار والحبوب التي أخرجناها لكم من الأرض بالماء الذي أنزلنا من جميع ما هو غذاء لكم من الحبوب والفواكه ونحو ذلك، وارعوا أنعامكم؛ أي أسيموها وسرحوها في المرعى الذي يصلح لأكلها، تقول: رعت الماشية الكلأ، ورعاها صاحبها أي أسامها وسرحها يلزم ويتعدى، والأمر في قوله: ﴿كُواْ وَأَرْعَوْاْ﴾ للإباحة، ولا يخفى ما تضمنه من الامتنان والاستدلال على استحقاق المنعم بذلك للعبادة وحده. وما ذكره في هذه الآية الكريمة من الامتنان على بني آدم بأرزاقهم وأرزاق أنعامهم جاء موضحاً في مواضع أخر كقوله في سورة ((السجدة)): ﴿فَنُخْرِجُ بِهِ، زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَمُهُمْ وَأَنْفُسُهُمّ أَفَلاَ يُبْصِرُونَ﴾ [السجدة: ٢٧]، وقوله في ((النازعات)): ﴿أَخْرَجَ مِنْهَ مَآءَهَا وَمَرْعَنَا (4) وَالْجِبَالَ أَرْسَنُهَا (٣٠) مَنَعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَمِكُ (4﴾ [النازعات]، وقوله في ((عبس)): ﴿أَنَّا صِيَّنَا الْمَآءَ صَبًّا ﴿ وَزَيْتُنَا وَنَخْلَا (٩) وَحَدَآئِقَ غُلْبَ (َّ ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقَّا ﴿٨َ فَبَنَا فِيهَا حَبََّ (9َ وَعِنَبًا وَقَضْبًا ٢٥ ﴾ [عبس]، وقوله في ((النحل)): ﴿هُوَ اَلَّذِىّ أَنزَلَ مِنَ وَفَكِهَةً وَأَبَّا جَ مَنَعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَمِكُمْ (9َ) ﴾ [النحل)، إلى غير ذلك من الآيات. ١٠ السَّمَاءِ مَةٍ لَّكُ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُِّيمُونَ وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿لِأُوْلِ النُّهَى﴾ أي لأصحاب العقول، فالنهى: جمع نهية بضم النون، وهي العقل؛ لأنه ينهي صاحبه عما لا يليق. تقول العرب: نهو الرجل بصيغة فعل بالضم: إذا كملت نهيته أي عقله. وأصله نهي بالياء فأبدلت الياء واواً لأنها لام فعل بعد ضم؛ كما أشار له في الخلاصة بقوله: وواو إثر الضم رد إليا متى ألفى لام فعل أو من قبل تا ٧١٨ - سورة طه : الآية (٥٥) قوله تعالى: ﴿﴿ مِنْهَا خَلَقْتَكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا تُخْرِئُكُمْ تَارَةً أُخْرَى الضمير في قوله: ﴿مِنْهَا﴾ معاً، وقوله: ﴿فِيهَا﴾ راجع إلى ﴿الْأَرْضَ﴾ المذكورة في قوله: ﴿الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾ . وقد ذكر في هذه الآية الكريمة ثلاث مسائل : الأولى: أنه خلق بني آدم من الأرض. الثانية: أنه يعيدهم فيها . الثالثة: أنه يخرجهم منها مرة أخرى، وهذه المسائل الثلاث المذكورة في هذه الآية جاءت موضحة في غير هذه الموضوع. أما خلقه إياهم من الأرض، فقد ذكره في مواضع من كتابه كقوله: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِن كُمْ فِ رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَفْسَكُم مِّن تُرَابٍ﴾ ... الآية [الحج: ٥]، وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ، أَنْ خَلَقَكُمْ مِّنْ تُرَابٍ﴾ ... الآية [الروم: ٢٠]، وقوله في سورة ((المؤمن)): ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّنْ تُرَابٍ﴾ ... الآية [غافر: ٦٧]، إلى غير ذلك من الآيات. والتحقيق أن معنى خلقه الناس من تراب أنه خلق أباهم آدم منها كما قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اُلَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَّ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ﴾ ... الآية [آل عمران: ٥٩]. ولما خلق أباهم من تراب وكانوا تبعاً له في الخلق صدق عليهم أنهم خلقوا من تراب. وما يزعمه بعض أهل العلم من أن معنى خلقهم من تراب أن النطفة إذا وقعت في الرحم انطلق الملك الموكل بالرحم فأخذ من تراب المكان الذي يدفن فيه فيذره على النطفة فيخلق الله النسمة من النطفة والتراب معاً - فهو خلاف التحقيق؛ لأن القرآن يدل على أن مرحلة النطفة بعد مرحلة التراب بمهلة؛ فهي غير مقارنة لها بدليل الترتيب بينهما بـ(ثم)) في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِن كُمْ فِ رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَكُمْ مِّنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ﴾ ... الآية [الحج: ٥]، وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ﴾ ... الآية [غافر: ٦٧]، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَلَةٍ مِن طِينٍ (١) ﴾ ... الآية [المؤمنون]، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ عَلِمُ الْغَيْبِ ثُمَّ جَعَلْنَهُ نُطْفَةً فِي قَرَارِ مَّكِينٍ وَالشَّهَدَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴿ الَّذِىّ أَحْسَنَ كُلّ شَىْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ اَلْإِنسَنِ مِن طِينٍ (٦ ثُمّ جَعَلَ نَسْلَمُ مِن سُلَلَةٍ مِن مَّآءٍ مَّهِيرٍ ﴾﴾ [السجدة]، وكذلك ما يزعمه بعض المفسرين من أن معنى خلقهم من تراب أن المراد أنهم خلقوا من الأغذية التي تتولد من الأرض فهو ظاهر السقوط كما ترى. وأما المسألة الثانية فقد ذكرها تعالى أيضاً في غير هذا الموضع وذلك في قوله تعالى: ﴿أَلَ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَانًا(٥َ أَحْيَةً وَأَمْوَقًّا كِفَاتًا﴾ ﴾ [المرسلات]، فقوله: [المرسلات: ٢٥]، أي موضعهم الذي يكفتون فيه أي يضمون فيه أحياء على ظهرها، وأمواتا في بطنها؛ وهو معنى قوله: ﴿وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ ٧١٩ سورة طه: الآية (٥٥). وأما المسألة الثالثة: وهي إخراجهم من الأرض أحياء يوم القيامة فقد جاءت موضحة في آيات كثيرة كقوله: ﴿وَيُّجِى الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَاً وَكَذَلِكَ تُخْرَُّونَ﴾ [الروم: ١٩]؛ أي من قبوركم أحياء بعد الموت، وقوله تعالى: ﴿وَأَحْبَيْنَا بِهِ، بَلْدَةً مَّيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوِيُ﴾ [ص: ١١]، أي من القبور بالبعث يوم القيامة، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةٌ مِّنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم: ٢٥]، وقوله تعالى: ﴿حََّ إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَهُ لِبَلَدٍ فَيِّتٍ فَلْنَا بِهِ الْمَآءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ، مِن كُلِّ الثَّمَزَّتِ كَذَلِكَ تُخْرِجُ الْمَوْقَ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٥٧]، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَخْجُونَ مِنَ الْأَعْدَاثِ سِرَاعًا كَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٣)﴾ [المعارج]، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِلْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ ﴾﴾ [ق]، والآيات بمثل ذلك كثيرة جداً. وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿مِنْهَا خَلَقْتَكُمْ﴾ الآية، كقوله تعالى: ﴿قَالَ فِيهَا تَحْوَّنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ ﴾﴾ [الأعراف]، والتارة في قوله: ﴿تَارَةً أُخْرَى﴾ بمعنى المرة. وفي حديث في السنن أن رسول الله وَل حضر جنازة، فلما أرادوا دفن الميت أخذ قبضة من التراب فألقاها في القبر وقال: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَكُمْ﴾ ثم أخذ أخرى وقال: ﴿وَفِيَهَا نُعِيذُكُمْ﴾ ثم أخرى وقال: ﴿وَمِنْهَا نُخْرِحُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ (@). أظهر القولين أن الإضافة قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرَهُ ءَايَتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَ في قوله: ﴿ءَايِنَا﴾ مضمنة معنى العهد كالألف واللام. والمراد بآياتنا المعهودة لموسى كلها وهي التسع المذكورة في قوله: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى نِسْعَ ◌َيَتٍ بَيْنَةٍ﴾ ... الآية [الإسراء: ١٠١]، وقوله تعالى: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِى جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوْءٌ فِي تَسْعِ ◌َيْتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهٍ﴾ ... الآية [النمل: ١٢]. وقال بعضهم: الآيات التسع المذكورة هي: العصا، واليد البيضاء، وفلق البحر، والحجر الذي انفجرت منه اثنتا عشرة عينا، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، ونتق الجبل فوقهم كأنه ظلة. وقد قدمنا كلام أهل العلم في الآيات التسع في سورة ((الإسراء)). وقال بعض أهل العلم: العموم على ظاهره، وإن الله أرى فرعون جميع الآيات التي جاء بها موسى، والتي جاء بها غيره من الأنبياء، وذلك بأن عرفه موسى جميع معجزاته ومعجزات سائر الأنبياء، والأول هو الظاهر. وقد بيّن - جلّ وعلا - في غير هذا الموضع أن الآيات التي أراها فرعون وقومه بعضها أعظم من بعض، كما قال تعالى في سورة ((الزخرف)): ﴿وَمَا نُرِيِهِم مِّنْ ءَايَةٍ إِلَّا هِىَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾ [الزخرف: ٤٨]، وقوله: ﴿لِّيَكَ مِنْ ءَايَتِنَا الْكُبْرَى (٣)﴾، وقوله: ﴿فَرَنَهُ الْآَيَةَ الْكُبْرَى ﴾ [النازعات]؛ لأن الكبرى في الموضعين تأنيث الأكبر، وهي صيغة تفضيل تدل على أنها أكبر من غيرها . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَكَذَّبَ وَأَبَ﴾ يعني أنه مع ما أراه الله من الآيات المعجزات الدالة على صدق نبيه موسى، كذب رسول ربه موسى، وأبى عن قبول الحق. وقد أوضح ــ جلّ وعلا - في غير هذا الموضع شدة إبائه وعناده وتكبره ٧٢٠ سورة طه: الآيتان (٥٧ - ٥٨) على موسى في مواضع كثيرة من كتابه كقوله: ﴿وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ، مِنْ ءَايَةٍ، لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا (٤٧) نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِينَ (٣)﴾ [الأعراف]، وقوله تعالى: ﴿فَمَّا جَآءَهُم بِتَابَئِنَآَ إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ [الزخرف: ٤٧]، وقوله: ﴿لَيْنِ أَتَّخَذْتَ إِلَهَا غَيْرِى لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩]، وقوله تعالى: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِى قَوْمِهِ، قَالَ يَقَّوْمِ أَلَيْسَ لِىِ مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَرُ تَجْرِى مِن تَحْنِىّ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴿ أَمْ أَنَأْ خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِى هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُِينُ ﴿﴿ فَلَوْلَا أُلْفِىَ. عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَ مَعَهُ الْمَلَبِكَةُ مُقْتَرِنِنَ ﴿6﴾ [الزخرف]. ومقصوده بذلك كله تعظيم أمر نفسه وتحقير أمر موسى، وأنه لا يمكن أن يتبع الفاضل المفضول. وقد بيّن - جلّ وعلا -: أن فرعون كذب وأبى، وهو عالم بأن ما جاء به موسى حق، وأن الآيات التي كذب بها وأبى عن قبولها ما أنزلها إلا الله، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَحَحَدُواْ بِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوَّ﴾ [النمل: ١٤]؛ وقوله: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآَ (١٨)﴾ [الإسراء]، أَنزَلَ هَؤُلَاءٍ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ بَصَابِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُكَ يَفِرْعَوْنُ مَثْبُورًا. إلى غير من ذلك من الآيات، وقوله: ﴿أَرَنَهُ﴾ أصله من رأى البصرية على الصحيح. قوله تعالى: ﴿قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَمُوسَى (9﴾﴾ ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة أنه لما أرى فرعون آياته على يد نبيه موسى - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - قال: إن الآيات التي جاء بها موسى سحر، وأنه يريد بها إخراج فرعون وقومه من أرضهم. أما دعواه هو وقومه أن موسى ساحر فقد ذكره الله - جلّ وعلا - في مواضع كثيرة من كتابه كقوله: ﴿فَمَّا جَتْهُمْ ءَيَتُنَا مُبْصِرَةٌ قَالُواْ هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾﴾ [النمل]، وقوله: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ (٣)﴾ [يونس]، وقوله: ﴿إِنَّهُ لَكِرَّكُمُ الَّذِى عَلَّمَكُمُ السّخْرٌ﴾، وقوله: ﴿وَقَالُواْ بَأَيُّهَ السَّاحِرُ أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ ... الآية [الزخرف: ٤٩]، إلى غير ذلك من الآيات. وأما ادعاؤهم أنه يريد إخراجهم من أرضهم بالسحر، فقد ذكره الله - جلّ وعلا - أيضاً في مواضع من كتابه كقوله تعالى في هذه السورة: ﴿أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِخْرِكَ يَمُوسَى﴾، وقوله في ((الأعراف)): ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَخِر عَلِيمٌ ﴿ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (19)﴾ [الأعراف]، وقوله في ((الشعراء)): ﴿قَالَ لِلْمَلِإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَحِرْ عَلِمٌ ◌َ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِحَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (٥)﴾ [الشعراء]، وقوله في (يونس)): ﴿قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبرِيَمُ فِي الْأَرْضِ﴾ ... الآية [يونس: ٧٨]. وقال سحرة فرعون: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَحِزَنِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِخْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَ﴾. قوله تعالى: ﴿فَلَتَأْتِنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ﴾. ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة أن فرعون - لعنه الله - لما رأى آيات الله ومعجزاته الباهرة، وادعى أنها سحر أقسم ليأتين