Indexed OCR Text
Pages 541-560
٥٤١ سورة الكهف: الآيات (٢٢ - ٢٤) - والظاهر في معنى الآية هو ما ذكرنا، وقد دلت السنة الصحيحة عليه في الجملة، واختاره بعض المحققين. والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرُ رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتٌ﴾. في هذه الآية الكريمة قولان معروفان لعلماء التفسير: الأول: أن هذه الآية الكريمة متعلقة بما قبلها، والمعنى أنك إن قلت سأفعل غداً كذا ونسيت أن تقول: إن شاء الله، ثم تذكرت بعد ذلك فقل إن شاء الله؛ أي اذكر ربك معلقاً على مشيئته ما تقول أنك ستفعله غداً إذا تذكرت بعد النسيان. وهذا القول هو الظاهر؛ لأنه يدل عليه قوله تعالى قبله: ﴿وَلَا نَقُولَنَ لِشَأَىْءٍ إِنِ فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (جَ إِلَّ أَنْ يَشَآءَ اللَّهُ﴾ وهو قول الجمهور. وممن قال به: ابن عباس والحسن البصري وأبو العالية وغيرهم. القول الثاني: أن الآية لا تعلق لها بما قبلها، وأن المعنى: إذا وقع منك النسيان لشيء فاذكر الله؛ لأن النسيان من الشيطان؛ كما قال تعالى عن فتى موسى: ﴿وَمَآ أَنْسَئِنِيهُ إِلَّ الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾، وكقوله: ﴿أَسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَهُمْ ذِكْرِ اللهِ﴾ [المجادلة: ١٩] وقال تعالى: ﴿وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَئِنُ فَلَ نَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨] وذكر الله تعالى يطرد الشيطان؛ كما يدل لذلك قوله تعالى: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُمْ شَيْطَنَّا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (﴾﴾ [الزخرف] وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ﴿ مَلِكِ النَّاسِ ﴿ إِلَهِ النَّاسِ ﴿ مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ ﴾﴾ ... الآية [الناس]؛ أي الوسواس عند الغفلة عن ذكر الله. الخناس؛ الذي يخنس ويتأخر صاغراً عند ذكر الله، فإذا ذهب الشيطان ذهب النسيان. وقال بعضهم: ﴿وَاذَكُرِ رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتٌ﴾ أي صل الصلاة التي كنت ناسياً لها عند ذكرك لها، كما قال تعالى: ﴿وَأَقِ الصَّلَوةَ لِذِكْرِىّ﴾ [طه: ١٤] وقول من قال: إذا نسيت؛ أي إذا غضبت، ظاهر السقوط. مسألة: اشتهر على ألسنة العلماء عن ابن عباس ما أنه استنبط من هذه الآية الكريمة أن الاستثناء يصح تأخيره عن المستثنى منه زمناً طويلاً. قال بعضهم: إلى شهر. وقال بعضهم: إلى سنة. وقال بعضهم عنه: له الاستثناء أبداً. ووجه أخذه ذلك من الآية أن الله تعالى نهى نبيه أن يقول: إنه سيفعل شيئاً في المستقبل إلا من الاستثناء بإن شاء الله. ثم قال: ﴿وَأَذْكُرِ رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتٌ﴾؛ أي إن نسيت تستثني بإن شاء الله فاستثن إذا تذكرت من غير تقييد باتصال ولا قرب. والتحقيق الذي لا شك فيه أن الاستثناء لا يصح إلا مقترناً بالمستثنى منه، وأن الاستثناء المتأخر لا أثر له ولا تحل به اليمين. ولو كان الاستثناء المتأخر يصح لما علم في الدنيا أنه تقرر عقد ولا يمين ولا غير ذلك، لاحتمال طرو الاستثناء بعد ذلك، وهذا في غاية البطلان كما ترى. ويحكى عن المنصور أنه بلغه أن أبا حنيفة تخلّفُ ٥٤٢ سورة الكهف: الآية (٢٦) يخالف مذهب ابن عباس المذكور؛ فاستحضره لينكر عليه ذلك، فقال الإمام أبو حنيفة للمنصور: هذا يرجع عليك! إنك تأخذ البيعة بالأيمان، افترض أن يخرجوا من عندك فیستثنوا فيخرجوا عليك!؟ فاستحسن كلامه ورضي عنه. فائدة: قال ابن العربي المالكي: سمعت فتاة ببغداد تقول لجارتها: لو كان مذهب ابن عباس صحيحاً في الاستثناء ما قال الله تعالى لأيوب: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْنًا فَأَضْرِبِ بِّهِ، وَلَ تَحْنَثٌ﴾ [ص: ٤٤] بل يقول: استثن بإن شاء الله، انتهى منه بواسطة نقل صاحب نشر البنود في شرح قوله في (مراقي السعود): بعض وأوجب فيه الاتصالا بشركة وبالتوطي قالا وأبطلن بالصمت للتذكار. وفي البواقي دون ما اضطرار فإن قيل: فما الجواب الصحيح عن ابن عباس ظمًا فيما نسب إليه من القول بصحة الاستثناء المتأخر. فالجواب: أن مراد ابن عباس ؤها أن الله عاتب نبيه على قوله إنه سيفعل كذا غداً ولم يقل إن شاء الله، وبين له أن التعليق بمشيئة الله هو الذي ينبغي أن يفعل، لأنه تعالى لا يقع شيء إلا بمشيئته، فإذا نسي التعليق بالمشيئة ثم تذكر ولو بعد طول فإنه يقول إن شاء الله؛ ليخرج بذلك من عهدة عدم التعليق بالمشيئة، ويكون قد فوض الأمر إلى من لا يقع إلا بمشيئة. فنتيجة هذا الاستثناء هي الخروج من عهدة تركه الموجب للعتاب السابق؛ لا أنه يحل اليمين؛ لأن تداركها قد فات بالانفصال. هذا هو مراد ابن عباس كما جزم به الطبري وغيره. وهذا لا محذور فيه ولا إشكال. وأجاب بعض أهل العلم بجواب آخر وهو - أنه نوى الاستثناء بقلبه ونسي النطق به بلسانه؛ فأظهر بعد ذلك الاستثناء الذي نواه وقت اليمين، هكذا قاله بعضهم. والأول هو الظاهر. والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿لَهُ غَيْبُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾. بين تعالى في هذه الآية الكريمة أنه هو المختص بعلم الغيب في السموات والأرض، وذكر هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله: ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ الْغَيّبَ إِلَّ اللَّهَ وَمَا يَشْعُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴾﴾ [النمل] وقوله ﴾ [الرعد]، وقوله تعالى: ﴿مَّا كَانَ تعالى: ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَيْثَ مِنَ الطَّيِّبِّ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبٍ﴾ [آل عمران: ١٧٩]، وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ الآية [هود: ١٢٣]، وقوله تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَّ وَيَعْلَمُ مَا فِى الْبَرِّ وَاَلْبَحْرِّ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَ حَّةٍ فِى ◌ُظُلُمَتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِ إِلَّا فِ كِلَبٍ مُِّينٍ ﴾﴾ [الأنعام]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ زَيِّكَ مِن مِثْقَالِ ذَرَّةِ ٥٤٣ سورة الكهف: الآية (٢٦) فِي الْأَرْضِ وَلَا فِىِ السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلَّ أَكْبَرَ إِلَّا فِ كِتَبٍ مُبِينٍ﴾ [يونس: ٦١]، وقوله تعالى: ﴿عَلِمِ الْغَيْبِّ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَتِ وَلَا فِ الْأَرْضِ وَلَّ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِ كِتَبٍ شِيرٍ﴾ [سبأ: ٣]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَىْءٌ فِ الْأَرْضِ وَلَا فِ السَّمَآءِ ﴾﴾ [آل عمران]. وبين في مواضع أخر أنه يطلع من شاء من خلقه على ما شاء من وحيه، كقوله تعالى: ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْسِهِ: أَحَدًا ﴿ إِلَّا مَنِ أَرْتَضَى مِن رَسُولٍ﴾ الآية [الجن: ٢٦ - ٢٧]. وقد أشار إلى ذلك بقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِى مِن رُّسُلِهِ، مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ١٧٩] إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى: ﴿أَبْصِرْ بِهِ، وَأَسْمِعْ﴾. أي ما أبصره وما أسمعه - جل وعلا - وما ذكره في هذه الآية الكريمة من اتصافه - جل وعلا - بالسمع والبصر، ذكره في مواضع أخر كقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] وقوله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ أَلَّى تُجَدِلُكَ فِ زَوْجِهَا وَتَشْتَكِنَ إِلَى الَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَّكُمَاْ إِنَّ اللَّهُ سَمِيعٌ بَصِيرُ ()﴾ [المجادلة] وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ الْمَلَئِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسَِّ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (®)﴾ [الحج]. والآيات بذلك كثيرة جدًّا. قوله تعالى: ﴿مَا لَّهُم مِّن دُونِهِ، مِن وَإٍِ﴾. ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن أصحاب الكهف ليس لهم ولي من دونه - جل وعلا -، بل وهو وليهم - جل وعلا - وهذا المعنى مذكور في آيات أخر، كقوله تعالى: ﴿ اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ يُخْرِجُهُمِ مِّنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، وقوله تعالى: ﴿أَلَّ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَ خَوْفُ عَلَيَّهِْ وَلَ هُمْ يَحْزَنُنَ (٣)﴾ [يونس] فبين أنه ولي المؤمنين، وأن المؤمنين أولياؤه، والولي هو من انعقد بينك وبينه سبب يواليك وتواليه به، فالإيمان سبب يوالي به المؤمنون ربهم بالطاعة، ويواليهم به الثواب والنصر والإعانة. وبين في مواضع أخر أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض، كقوله: ﴿إِنّا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ الآية [المائدة: ٥٥]، وقوله: ﴿وَأَلْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ ... الآية [التوبة: ٩١]. وبين في مواضع أخر أن نبينا و لل أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وهو قوله تعالى: ﴿النَِّىُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِينَ مِنْ أَنفُسِهِمِّ وَأَزْوَجُهُ: أُمَّهَدُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦]. وبين في موضع آخر أنه تعالى مولى المؤمنين دون الكافرين، وهو قوله تعالى: ﴿َلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَأَنَّ الْكَفِرِينَ لَا مَّوْلَ لَمْ (١)﴾ [محمد]. وهذه الولاية المختصة بالمؤمنين هي ولاية الثواب والنصر والتوفيق والإعانة، فلا تنافي أنه مولى الكافرين ولاية ملك وقهر ونفوذ مشيئة كقوله: ﴿وَرُدُّوَأْ إِلَى اللَّهِ مَوْلَئُهُمُ الْحَقِّ وَضَلَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٣٠]. وقال بعض العلماء: الضمير في قوله: ﴿مَا لَهُم مِّن دُونِهِ، مِنْ وَإٍِ﴾ راجع لأهل السموات والأرض المفهومين من قوله تعالى: ﴿لَهُمُ غَيْبُ السَّمَوَتِ ٥٤٤ سورة الكهف: الآية (٢٦) وَالْأَرْضِّ﴾. وقيل: الضمير في قوله: ﴿مَا لَم﴾ راجع لمعاصري النبي وثّق من الكفار؛ ذكره القرطبي. وعلى كل حال فقد دلت الآيات المتقدمة أن ولاية الجميع لخالقهم - جل وعلا ، وأن منها ولاية ثواب وتوفيق وإعانة، وولاية ملك وقهر ونفوذ مشيئة. والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿وَلَا يُشْرِكُ فِى حُكْمِهِ أَحَدًا﴾. قرأ هذا الحرف عامة السبعة ما عدا ابن عامر ﴿وَلَا يُثْرِكُ﴾ بالياء المثناة التحتية، وضم الكاف على الخبر، ولا نافية، والمعنى: ولا يشرك الله - جل وعلا - أحداً في حكمه، بل الحكم له وحده - جل وعلا - لا حكم لغيره البتة، فالحلال ما أحله تعالى، والحرام ما حرمه، والدين ما شرعه، والقضاء ما قضاه. وقرأه ابن عامر من السبعة؛ ((ولا تشرك)) بضم التاء المثناة الفوقية وسكون الكاف بصيغة النهي، أي لا تشرك يا نبي الله. أو لا تشرك أيها المخاطب أحداً في حكم الله - جل وعلا - بل أخلص الحكم لله من شوائب شرك غيره في الحكم، وحكمه - جل وعلا - المذكور في قوله: ﴿وَلَا يُشْرِكُ فِى حُكْمِهِ: أَحَدًا﴾ شامل لكل ما يقضيه - جل وعلا - ويدخل في ذلك التشريع دخولاً أولياً. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من كون الحكم لله وحده لا شريك له فيه على كلتا القراءتين جاء مبيناً في آيات أخر؛ كقوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِّ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلَّ إِيَّاهُ﴾ [يوسف: ٤٠] وقوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتٌ﴾ [يوسف: ٦٧]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَخْتَلَفْتُ فِيهِ مِن شَىْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اَللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠]، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ ◌ِأَنَّهُ، إِذَا دُعِىَ اللَّهُ وَحْدَمُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُواْ فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ [غافر]، وقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَتْ لَهُ الْحُكْرُ وَإِلَيْهِ تُرَجَعُونَ﴾ [القصص: ٨٨]، وقوله تعالى: و﴿لَّهُ الْحَمْدُ فِ الْأُولَى وَالْآَخِرَةٌ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٧٠]، وقوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَهِيَّةِ يَبْغُونَّ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اَللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾﴾ [المائدة]، وقوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اَللَّهِ أَبْتَغِى حَكَمَا وَهُوَ الَّذِىّ أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَبَ مُفَضَّلًا﴾ [الأنعام: ١١٤]، إلى غير ذلك من الآيات. ويفهم من هذه الآيات كقوله: ﴿وَلَا يُثْرِكُ فِ حُكْمِهِ: أَحَدًا﴾ أن متبعي أحكام المشرعين غير ما شرعه الله أنهم مشركون بالله، وهذا المفهوم جاء مبيناً في آيات أخر كقوله فيمن اتبع تشريع الشيطان في إباحة الميتة بدعوى أنها ذبيحة الله: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا ◌َّ ◌ُلْكَرِ أَسْمُ لَللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَطِينَ لَيُؤْحُونَ إِلَى أَوْلِيَآيِهِمْ لِيُجَدِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمْرِكُونَ (٦)﴾ [الأنعام] فصرح بأنهم مشركون بطاعتهم، وهذا الإشراك في الطاعة، واتباع التشريع المخالف لما شرعه الله تعالى هو المراد بعبادة الشيطان في قوله تعالى: ﴿أَلَّرْ أَغْهَدْ إِلَيْكُمْ يَبْنِ ءَمَ أَن لَّ تَعْبُدُواْ الشَّيْطَنِّ إِنَّهُ لَكُنْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ﴾ وَأَنِ لْبُدُونِ هَذَا صِرَطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴾ [سم]، وقوله تعالى عن نبيه إبراهيم: ﴿يَأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَنَّ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا ﴾﴾ [مريم]، وقوله تعالى: ﴿إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ، إِلَّ إِنَثًا وَإِنْ يَدْعُونَ ٥٤٥ سورة الكهف: الآية (٢٦) [النساء] أي ما يعبدون إلا شيطاناً، أي وذلك باتباع تشريعه؛ ولذا إِلَّ شَيْطَنَا قَرِيدًا سمى الله تعالى الذين يطاعون فيما زينوا من المعاصي شركاء في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٧]. وقد بين النبي 8 هذا لعدي بن حاتم ه لما سأله عن قوله تعالى: ﴿أَتَّخَذُوا أَخْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] فبين له أنهم أحلوا لهم ما حرم الله، وحرموا عليهم ما أحل الله فاتبعوهم في ذلك، وأن ذلك هو اتخاذهم إياهم أرباباً، ومن أصرح الأدلة في هذا أن الله - جل وعلا - في سورة النساء بين أن من يريدون أن يتحاكموا إلى غير ما شرعه الله يتعجب من زعمهم أنهم مؤمنون، وما ذلك إلا لأن دعواهم الإيمان مع إرادة التحاكم إلى الطاغوت بالغة من الكذب ما يحصل منه العجب؛ وذلك في قوله تعالى: ﴿أَمْ تَرَ إِلَى الَّذِيْنَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَّ: أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوّا أَنْ يَكْفُرُواْ بِهِ، وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا ﴾﴾ [النساء]. وبهذه النصوص السماوية التي ذكرنا يظهر غاية الظهور أن الذين يتبعون القوانين الوضعية التي شرعها الشيطان على ألسنة أوليائه مخالفة لما شرعه الله جل وعلا على ألسنة رسله - صلى الله عليهم وسلم - أنه لا يشك في كفرهم وشركهم إلا من طمس الله بصيرته، وأعماه عن نور الوحي مثلهم. تنبيه: اعلم أنه يجب التفصيل بين النظام الوضعي الذي يقتضي تحكيمه الكفر بخالق السموات والأرض، وبين النظام الذي لا يقتضي ذلك. وإيضاح ذلك أن النظام قسمان: إداري، وشرعي، أما الإداري الذي يراد به ضبط الأمور وإتقانها على وجه غير مخالف للشرع، فهذا لا مانع منه، ولا مخالف فيه من الصحابة، فمن بعدهم، وقد عمل عمر ظه من ذلك أشياء كثيرة ما كانت في زمن النبي #؛ ككتبه أسماء الجند في ديوان لأجل الضبط، ومعرفة من غاب ومن حضر كما قدمنا إيضاح المقصود منه في سورة ((بني إسرائيل)) في الكلام على العاقلة التي تحمل دية الخطأ، مع أن النبي ◌َّو لم يفعل ذلك، ولم يعلم بتخلف كعب بن مالك عن غزوة تبوك إلا بعد أن وصل تبوك ومَ ﴾. وكاشترائه - أعني عمر ظبه - دار صفوان بن أمية وجعله إياها سجناً في مكه المكرمة، مع أنه لو لم يتخذ سجناً هو ولا أبو بكر، فمثل هذا من الأمور الإدارية التي تفعل لإتقان الأمور مما لا يخالف الشرع - لا بأس به؛ كتنظيم شؤون الموظفين، وتنظيم إدارة الأعمال على وجه لا يخالف الشرع. فهذا النوع من الأنظمة الوضعية لا بأس به، ولا يخرج عن قواعد الشرع من مراعاة المصالح العامة. وأما النظام الشرعي المخالف لتشريع خالق السموات والأرض فتحكيمه كفر بخالق السموات والأرض كدعوى أن تفضيل الذكر على الأنثى في الميراث ليس ٥٤٦ سورة الكهف: الآية (٢٧) بإنصاف، وأنهما يلزم استواؤهما في الميراث. وكدعوى أن تعدد الزوجات ظلم، وأن الطلاق ظلم للمرأة، وأن الرجم والقطع ونحوهما أعمال وحشية لا يسوغ فعلها بالإنسان، ونحو ذلك. فتحكيم هذا النوع من النظام في أنفس المجتمع وأموالهم وأعراضهم وأنسابهم وعقولهم وأديانهم كفر بخالق السموات والأرض، وتمرد على نظام السماء الذي وضعه من خلق الخلائق كلها وهو أعلم بمصالحها من عن أن يكون معه مشرع آخر علواً كبيراً ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَتُؤَا شَرَعُواْ لَهُم مِّنَ الِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنُ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]، ﴿قُلْ أَرَ يْتُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَلَا قُلْ ءَاللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَُّونَ ﴾﴾ [يونس: ٥٩]، ﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَئُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّنَفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَّ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اَللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (1)﴾ [النحل: ١١٦] وقد قدمنا جملة وافية من هذا النوع في سورة ((بني إسرائيل)) في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَّتِ هِىَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩]. قوله تعالى: ﴿وَأَتْلُ مَآ أُوْحِىَ إِلَيْكَ مِن كِتَابٍ رَبِّكٌ﴾. أمر الله - جل وعلا - نبيه وَل في هذه الآية الكريمة أن يتلو هذا القرآن الذي أوحاه إليه ربه، والأمر في قوله: ﴿وَأَتْلُ﴾ شامل للتلاوة بمعنى القراءة. والتلو: بمعنى الاتباع. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أمره تعالى نبيه وَل 98 بتلاوة القرآن العظيم واتباعه جاء مبيناً في آيات أخر كقوله تعالى في سورة ((العنكبوت)): ﴿آتّلُ مَّ أُوْجِىَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَبِ وَأَقِمِ اٌلْضَّلَوَّةٌ﴾ [العنكبوت: ٤٥]. وكقوله تعالى في آخر سورة ((النمل)): ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِى خَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَىْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴿﴿ وَأَنْ أَتْلُواْ الْقُرْءَانَ﴾ [النمل: ٩١ - ٩٢]، ﴿وَرَقَّلِ الْقُرْءَانَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على الأمر بتلاوته، وكقوله تعالى في الأمر باتباعه ﴿الَّعْ مَا أُوحِىَ إِلَيْكَ مِن رَّيِّكَ لَآَ إِلَهَ إِلَّا هُوّ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [الأنعام: ١٠٦]، وقوله تعالى: ﴿فَأَسْتَمْسِكْ بِالَّذِىّ أُوْحِىَ إِلَيٌْ إِنَّكَ عَلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمِ ﴾﴾ [الزخرف]، وقوله تعالى: ﴿قُلّ مَا كُنُتُ بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِ وَلَا بِكُمْ إِنْ أَنَّعُ إِلَّ مَا يُوحَىَ إِلَىَّ وَمَا أَنَاْ إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴾﴾ [الأحقاف]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِيّ أَنْ أُبَدِّلَمُ مِن تِلْقَاتِ نَفْسِىٌّ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَىٌّ إِنَّ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥]، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على الأمر باتباع هذا القرآن العظيم. وقد بين في مواضع أخر بعض النتائج التي تحصل بسبب تلاوة القرآن واتباعه كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِنَبَ اللَّهِ وَأَقَامُواْ الصَّلَوةَ وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْتَهُمْ سِرًّا وَعَلَنِيَةٌ يَرْجُونَ نِجَرَةٌ لَّنْ تَبُوَرَ ﴾﴾ [فاطر]، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَاتَّيْنَهُمُ الْكِنَبَ يَتْلُونَُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِءُ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ، فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَدِرُونَ (m)﴾ [البقرة]. والعبرة في هذه الآية بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ٥٤٧ سورة الكهف: الآية (٢٧) قوله تعالى: ﴿لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَتِهٍ﴾. بين - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أنه لا مبدل لكلماته؛ أي لأن أخبارها صدق، وأحكامها عدل، فلا يقدر أحد أن يبدل صدقها كذباً، ولا أن يبدل عدلها جوراً. وهذا الذي ذكره هنا جاء مبيناً في مواضع أخر كقوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَثُ رَيِّكَ صِدْقًا وَعَدْلَا لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَتِهٍ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ١١٥ [الأنعام]. فقوله: ((صدقاً)) يعني في الإخبار. وقوله: ((عدلاً)) أي في الأحكام. وكقوله: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُوْ حَتَّىَ أَنَهُمْ نَصْرَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن نَّبَإِى الْمُرْسَلِينَ (®)﴾ [الأنعام]. وقد بين تعالى في مواضع أخر أنه هو يبدل ما شاء من الآيات مكان ما شاء منها كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءَايَةٌ فَكَانَ ءَايَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّدُ﴾ الآية [النحل: ١٠١]. وقوله: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُفسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَآَيَانُنَا بَيِّنَتٍ قَالَ الَّذِيْنَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا أَثْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلَهُ قُلّ مَا يَكُونُ لِىّ أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَآٍ نَفْسِىٌّ﴾ [يونس: ١٥]. قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَجِدَ مِن دُونِهِ، مُلْتَحَدًا﴾. أصل الملتحد: مكان الالتحاد وهو الافتعال، من اللحد بمعنى الميل، ومنه اللحد في القبر؛ لأنه ميل في الحفر، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي ءَايَِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَيْنَاً﴾ [فصلت: ٤٠]، وقوله: ﴿وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِيَّ أَسْمَئِدٍ﴾ [الأعراف: ١٨٠]، فمعنى اللحد والإلحاد في ذلك: الميل عن الحق. والملحد المائل عن دين الحق. وقد تقرر في فن الصرف أن الفعل إن زاد ماضيه على ثلاثة أحرف فمصدره الميمي واسم مكانه واسم زمانه كلها بصيغة اسم المفعول كما هنا. فالملتحد بصيغة اسم المفعول، والمراد به مكان الاتحاد، أي المكان الذي يميل فيه إلى ملجأ أو منجىّ ينجيه مما يريد الله أن يفعله به. وهذا الذي ذكره هنا من أن نبيه ﴿ لا يجد من دونه ملتحداً؛ أي مكاناً يميل له ويلجأ إن لم يبلغ رسالة ربه ويطعه جاء مبيناً في مواضع أخر كقوله: ﴿قُلْ إِنِّي لَّ أَمْلِكُ لَكُّ ضَرّاً وَلَا رَشَدًا ﴿﴿ قُلْ إِّ لَنْ يُحِيَرَنِ مِنَ اَللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِ، مُلْتَحَدًا (٣) إِلَّا بَلَغَا مِّنَ اللَّهِ وَرِسَلَتِهِ﴾ [الجن]، وقوله: ﴿وَلَوْ نَقَوَلَ عَلَيْنَا بَعْضَ آلْأَفَاوِيلِ جَ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِأَلْيَمِينِ لَقَطَعْنَا مِنْهُ أَلْوَقِينَ ﴿ فَمَا مِنْكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَجِرِينَ (٣)﴾ [الحاقة) .. وكونه ليس له ملتحد، أي مكان يلجأ إليه تكرر نظيره في القرآن بعبارات مختلفة؛ كالمناص، والمحيص، والملجأ، والموئل، والمفر، والوزر، كقوله: ﴿فَادَواْ وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ [ص: ٣] وقوله: ﴿وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا يَحِيصًا﴾ [النساء: ١٢١]، وقوله: ﴿فَقَّبُواْ فِىِ الْبِلَدِ هَلْ مِن ◌َحِيصٍ﴾ [ق: ٣٦]، وقوله: ﴿مَا لَكُم مِّن مَّلْجٍَ يَوْمَيِدٍ وَمَا لَكُمْ مِّن نَّكِيرٍ﴾ [الشورى: ٤٧]، وقوله: ﴿بَل لَّهُم ◌َّوْعِدٌ لَّنْ يَجِدُواْ مِن دُونِهِ، مَوْبِلًا﴾، وقوله: ﴿يَقُولُ الْإِنسَنُ يَوْمَيِذٍ أَيْنَ اَلْفَرُّ ◌َ كَلَّا لَّا وَزَرَ ﴾﴾ [القيامة] فكل ذلك راجع في المعنى إلى شيء واحد، وهو انتفاء مكان يلجؤون إليه ويعتصمون به. ٥٤٨ سورة الكهف: الآية (٢٨) قوله تعالى: ﴿وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَالْعَشِ يُرِيدُونَ وَجْهَةٌ﴾ . أمر الله - جل وعلا - نبيه وَلي في هذه الآية الكريمة: أن يصبر نفسه، أي يحبسها مع المؤمنين الذين يدعون ربهم أول النهار وآخره مخلصين له، لا يريدون بدعائهم إلا رضاه - جل وعلا -. وقد نزلت هذه الآية الكريمة في فقراء المهاجرين، كعمار، وصهيب، وبلال، وابن مسعود ونحوهم، لما أراد صناديد الكفار من النبي 8# أن يطردهم عنه، ويجالسهم بدون حضور أولئك الفقراء المؤمنين، وقد قدمنا في سورة ((الأنعام)) أن الله كما أمره هنا بأن يصبر نفسه معهم أمره بألا يطردهم، وأنه إذا رآهم يسلم عليهم، وذلك في قوله: ﴿وَلَا تَظْرُرِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوَةِ وَالْعَشِ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ, مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم (@) [الأنعام] إلى مِّنْ شَىْءٍ وَمَا مِنْ حِسَائِكَ عَلَيْهِمَ مِّن شَىْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ قوله: ﴿وَإِذَا جَءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِشَايَتِنَا فَقُلْ سَلَمَّ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام] وقد أشار إلى ذلك المعنى في قوله: ﴿عَسَ وَتَوٌَّ ﴿ أَن ◌َّهُ الْأَعْمَىِ ﴿ وَمَا بُدْرِبِكَ لَعَلَّمُ يَزََِّّ ج ◌َوْ يَذَكَّرُ فَفَعَهُ اٌلِذِكْرَىّ ﴿ أَمَّا مَنِ أُسْتَغْفِىٌ ﴿﴿ فَأَنْتَ لَمُّ تَصَدَّى ﴿ وَمَا عَلَّكَ أَلَّا يَزََّ (٣) وَأَمَّا مَن جَكَ يَسْعَنٌ. وَهُوَ يَخْشَىِّ ﴿ج فَتَ عَنْهُ فَلَقَّى ® ◌َلَّ﴾ [عبس). وقد قدمنا أن ما طلبه الكفار من نبينا وَل من طرده فقراء المؤمنين وضعفائهم تكبراً عليهم وازدراء بهم، طلبه أيضاً قوم نوح من نوح - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - وأنه امتنع من طردهم أيضاً، كقوله تعالى عنهم: ﴿قَالُواْ أَنُّؤْمِنُ لَكَ وَأَتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ ﴾ [الشعراء]، وقوله عنهم أيضاً: ﴿وَمَا نَرَكَ أَتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلْنَا بَادِىَ الرََّيِ﴾ [هود: ٢٧]، وقال عن نوح في امتناعه من ) إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴾ [الشعراء]، وكقوله تعالى طردهم: ﴿وَمَآ أَنْ بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ عنه: ﴿وَمَآ أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّهُم مُّلَقُواْ رَبِّهِمْ وَلَكِنِّى أَرَّكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ وَيَقَوْمِ مَنْ يَنصُرُنِ مِنَ اَللَّهِ إِن ◌َّهُمَّ أَفَلَا نَذَكَّرُونَ ﴾ [هود]. وقوله: ﴿وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ فيه الدليل على أن مادة الصبر تتعدى بنفسها للمفعول، ونظير ذلك من كلام العرب قول أبي ذؤيب أو عنترة: فصبرت عارفة بذلك حرة ترسو إذا نفس الجبان تطلع والغداة: أول النهار. والعشي آخره. وقال بعض العلماء: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوَةِ وَاُلْعَشِّ﴾ [الأنعام: ٥٢] أي يصلون صلاة الصبح والعصر. والتحقيق أن الآية تشمل أعم من مطلق الصلاة، والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَوَةِ الدُّنًْا﴾. نهى الله - جل وعلا - نبيه * في هذه الآية الكريمة - أن تعدو عيناه عن ضعفاء المؤمنين وفقرائهم، طموحاً إلى الأغنياء وما لديهم من زينة الحياة الدنيا. ومعنى ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاَ﴾؛ أي لا تتجاوزهم عيناك وتنبو عن رثاثة زيهم، محتقراً لهم طامحاً إلى أهل الغنى والجاه والشرف بدلاً منهم. وعدا يعدو: تتعدى بنفسها إلى المفعول وتلزم. والجملة في قوله: ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَوَةِ الدُّنًا﴾ في محل حال والرابط الضمير، على حد قوله في الخلاصة: ٥٤٩ سورة الكهف: الآية (٢٨). - حوت ضميراً ومن الواو خلت وذات بدء بمضارع ثبت وصاحب الحال المذكورة هو الضمير المضاف إليه في قوله: ((عيناك)) وإنما ساغ ذلك؛ لأن المضاف هنا جزء من المضاف إليه، على حد قوله في الخلاصة: إلا إذا اقتضى المضاف عمله ولا تجز حالاً من المضاف له. أو مثل جزئه فلا تحيفا أو كان جزء ماله أضيفا وما نهى الله عنه نبيه سير في هذه الآية الكريمة من طموح العين إلى زينة الحياة الدنيا، مع الاتصاف بما يرضيه - جل وعلا - من الثبات على الحق، كمجالسة فقراء المؤمنين - أشار له أيضاً في مواضع أخر كقوله: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوجِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوِهَا وَمِنْ ءَانَآٍ الَّتْلِ فَسَيِّحْ وَأَْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى (٢) وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَّكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَجًا مِنْهُمْ زَهْرَةً اٌلْحَيَّوَةِ الدُّنْيَا﴾ ... الآية [طه: ١٣٠ - ١٣١]، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِ وَالْقُرْءَانَ الْعَظِيمَ (٨) لَا تَعُدَّنَ عَيْنَكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ: أَزْوَجًا مِنْهُمْ﴾ ... الآية [الحجر: ٨٧ - ٨٨]. قوله تعالى: ﴿وَلَا نُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكِْنَا وَأَتَّبَعَ هَوَنَهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرْطَ﴾. نهى الله - جل وعلا - نبيه وَلهر في هذه الآية الكريمة عن طاعة من أغفل الله قلبه عن ذكره واتبع هواه، وكان أمره فرطاً. وقد كرر في القرآن نهي نبيه وَلّ عن اتباع مثل هذا الغافل عن ذكر الله المتبع هواه كقوله تعالى: ﴿فَأَصْبِرْ لِحَكْرِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ ءَائِمًا أَوْ كَفُورًا (٣)﴾ [الإنسان]، وقوله: ﴿وَلَا نُطِعِ الْكَفِرِينَ وَالْمُنَفِقِينَ وَدَعْ أَذَنُهُمْ﴾ ... الآية [الأحزاب: ٤٨]، وقوله تعالى: ﴿وَدُواْ لَوْ نُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ﴿ وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ هَمَّازٍ مَّشَكِ بِنَمِيمٍ (١) مَنَّاعِ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيرٍ ﴿٨ عُثُلٍ بَعْدَ ذَلِكَ زَئٍِ ﴾﴾ [القلم] إلى غير ذلك من الآيات. وقد أمره في موضع آخر بالإعراض عن المتولين عن ذكر الله، والذين لا يريدون غير الحياة الدنيا، وبين له أن ذلك هو مبلغهم من العلم؛ وذلك في قوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَن تَوَلَى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَ ﴿٨َ ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْ﴾ [النجم: ٢٩ -٣٠]. وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ﴾ يدل على أن ما يعرض للعبد من غفلة ومعصية، إنما هو بمشيئة الله تعالى؛ إذ لا يقع شيء البتة كائناً ما كان إلا بمشيئته الكونية القدرية - جل وعلا - ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلََّ أَنْ يَشَآءَ اللَّهُ﴾ ... الآية [الإنسان: ٣٠]، ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ مَّآ أَشْرَكُواْ﴾ [الأنعام: ١٠٧]، ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَنِيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَنهَا﴾ [السجدة: ١٣]، ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَىَّ﴾ [الأنعام: ٣٥]، ﴿خَتَمَ اَللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ ... الآية [البقرة: ٧]، ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةٌ أَنْ يَفْقَهُوُهُ وَفِيَ ءَاذَانِهِمْ وَقْرَأْ﴾ [الأنعام: ٢٥] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن كل شيء من خير وشر، لا يقع إلا بمشيئة خالق السموات والأرض. فما يزعمه المعتزلة، ويحاول الزمخشري في تفسيره دائماً تأويل آيات القرآن ٥٥٠ سورة الكهف: الآية (٢٩) على نحو ما يطابقه من استقلال قدرة العبد وإرادته بأفعاله دون مشيئة الله، لا يخفى بطلانه، كما تدل عليه الآيات المذكورة آنفاً، وأمثالها في القرآن كثيرة. ومعنى اتباعه هواه أنه يتبع ما تميل إليه نفسه الأمارة بالسوء وتهواه من الشر، كالكفر والمعاصي. وقوله: ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ قيل: هو من التفريط الذي هو التقصير، وتقديم العجز بترك الإيمان؛ وعلى هذا فمعنى ﴿وَكَانَ أَمْرُؤُ فُرْطًا﴾؛ أي كانت أعماله سفهاً وضياعاً وتفريطاً. وقيل: من الإفراط الذي هو مجاوزة الحد، كقول الكفار المحتقرين لفقراء المؤمنين: نحن أشراف مضر وساداتها إن اتبعناك اتبعك جميع الناس. وهذا من التكبر والإفراط في القول. وقيل: ﴿فُرُطًا﴾ أي قدماً في الشر ... من قولهم: فرط منه أمر، أي سبق. وأظهر الأقوال في معنى الآية الكريمة عندي بحسب اللغة العربية التي نزل بها القرآن أن معنى قوله: ((فرطاً»؛ أي متقدماً للحق والصواب، نابذاً له وراء ظهره؛ من قولهم: فرس فرط، أي متقدم للخيل. ومنه قول لبيد في معلقته: فرط وشاحي إذ غدوت لجامها ولقد حميت الخيل تحمل شكتي وإلى ما ذكرنا في معنى الآية ترجع أقوال المفسرين كلها، كقول قتادة ومجاهد: ((فرطاً)) أي ضياعاً. وكقول مقاتل بن حيان: ((فرطاً)) أي سرفاً. كقول الفراء: ((فرطاً)) أي متروكاً. وكقول الأخفش: ((فرطا)) أي مجاوزاً للحد، إلى غير ذلك من الأقوال. قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبَّكُمْ﴾. أمر الله - جل وعلا - نبيه وَّل في هذه الآية الكريمة أن يقول للناس: الحق من ربكم. وفي إعرابه وجهان: أحدهما: أن (الحق)) مبتدأ، والجار والمجرور خبره، أي الحق الذي جئتكم به في هذا القرآن العظيم، المتضمن لدين الإسلام كائن مبدؤه من ربكم جل وعلا. فليس من وحي الشيطان، ولا من افتراء الكهنة، ولا من أساطير الأولين، ولا غير ذلك. بل هو من خالقكم جل وعلا، الذي تلزمكم طاعته وتوحيده، ولا يأتي من لدنه إلا الحق الشامل للصدق في الأخبار، والعدل في الأحكام، فلا حق إلا منه - جل وعلا -. وثانيهما: أنه خبر مبتدأ محذوف، أي هذا الذي جئتكم به الحق. وهذا الذي ذكره تعالى في هذه الآية الكريمة ذكره أيضاً في مواضع أخر كقوله في سورة ((البقرة)): ﴿اَلْحَقُّ مِن رَّبِّكْ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ اُلْمُمْتَرِينَ ﴾ [البقرة]، وقوله في ((آل عمران)): ﴿اَلْحَقُّ مِن رَّيِّكَ فَلاَ تَكُ مِّنَ الْمُمْزِينَ ﴾﴾ [آل عمران] إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَنْ شَآءَ فَلْيَكْفُرَّ﴾ ظاهر هذه الآية الكريمة بحسب الوضع اللغوي - التخيير بين الكفر والإيمان - ولكن المراد من الآية الكريمة ليس هو التخيير، وإنما المراد بها التهديد والتخويف. والتهديد بمثل هذه الصيغة التي ظاهرها التخيير أسلوب من أساليب اللغة العربية، ٥٥١ سورة الكهف: الآية (٢٩) والدليل من القرآن العظيم على أن المراد في الآية التهديد والتخويف أنه أتبع ذلك بقوله: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلَِّمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَانُواْ بِمَآءٍ كَأْمُهْلِ يَشْوِى الْوُجُوهُ بِنْسَ الشَّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ وهذا أصرح دليل على أن المراد التهديد والتخويف؛ إذ لو كان التخيير على بابه لما توعد فاعل أحد الطرفين المخير بينهما بهذا العذاب الأليم، وهذا واضح كما ترى. وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿أَعْتَدْنَا﴾ أصله من الإعتاد، والتاء فيه أصلية وليست مبدلة من دال على الأصح؛ ومنه العتاد بمعنى العدة للشيء. ومعنى ﴿أَعْتَدْنَا﴾: أرصدنا وأعددنا. والمراد بالظالمين هنا: الكفار بدليل قوله قبله: ﴿وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ وقد قدمنا كثرة إطلاق الظلم على الكفر في القرآن كقوله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، وقوله تعالى: ﴿وَاُلْكَفِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكْ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذَا مِّنَ الَّلِينَ ﴾﴾ [يونس] ونحو ذلك من الآيات. وقد قدمنا أن الظلم في لغة العرب: وضع الشيء في غير محله، ومن أعظم ذلك وضع العبادة في مخلوق. وقد جاء في القرآن إطلاق الظلم على النقص في قوله: ﴿وَلَمْ تَظْلِ مِنْهُ شَيْئاً﴾ وأصل معنى مادة الظلم هو ما ذكرنا من وضع الشيء في غير موضعه، ولأجل ذلك قيل الذي يضرب اللبن قبل أن يروب: ظالم لوضعه ضرب لبنه في غير موضعه؛ لأن ضربه قبل أن يروب يضيع زبده، ومن هذا المعنى قول الشاعر: وقائلة ظلمت لكم سقائي وهل يخفى على العكد الظليم فقوله: ((ظلمت لكم سقائي)) أي ضربته لكم قبل أن يروب. ومنه قول الآخر في سقاء له ظلمه بنحو ذلك: وصاحب صدق لم تربني شكاته ظلمت وفي ظلمي له عامداً أجر وقوله: ﴿أَحَاطَ بِهِمْ﴾ أي أحدق بهم من كل جانب. وقوله: ﴿سُرَادِقُهَأَ﴾ أصل السرادق واحد السرادقات التي تمد فوق صحن الدار. وكل بيت من كرسف فهو سرادق. والكرسف: القطن. ومنه قول رؤية أو الكذاب الحرمازي: سرادق المجد عليك ممدود يا حكم ابن المنذر بن الجارود وبيتٍ مسردق: أي مجعول له سرادق، ومنه قول سلامة بن جندل يذكر أبريويز وقتله للنعمان بن المنذر تحت أرجل الفيلة: صدور الفيول بعد بيت مسردق هو المدخل النعمان بيتاً سماؤه. هذا هو أصل معنى السرادق في اللغة. ويطلق أيضاً في اللغة على الحجرة التي حول الفسطاط . وأما المراد بالسرادق في الآية الكريمة ففيه للعلماء أقوال مرجعها إلى شيء واحد، وهو إحداق النار بهم من كل جانب، فمن العلماء من يقول ((سرادقها)): أي سورها، قاله ٥٥٢ ٠٠٠. سورة الكهف: الآية (٢٩) ابن الأعرابي وغيره. ومنهم من يقول ((سرادقها)): سور من نار، وهو مروي عن ابن عباس. ومنهم من يقول ((سرادقها)): عنق يخرج من النار فيحيط بالكفار كالحظيرة، قاله الكلبي، ومنهم من يقول: هو دخان يحيط بهم. وهو المذكور في ((المرسلات)) في قوله تعالى: ﴿أَنْطَلِّقُواْ إِلَى ظِلّ ذِى ثَلَثِ شُعَبٍ (٣٥) لَّا ظَلِلٍ وَلَا يُغْنِى مِنَ اَللَّهَبِ (٣)﴾ [المرسلات]، و ((الواقعة)) في قوله: ﴿وَظِلّ مِّنْ يَحُْومِ (٣) لَّ بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (٣)﴾ [الواقعة]. ومنهم من يقول: هو البحر المحيط بالدنيا. وروى يعلى بن أمية عن النبي وَيقول أنه قال: ((البحر هو جهنم ثم تلا: ﴿نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ ثم قال: والله لا أدخلها أبداً ما دمت حياً ولا تصيبني منها قطرة)). ذكره الماوردي. وروى ابن المبارك من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي وَ ﴿ قال: («لسرادق النار أربعة جدر كثف، كل جدار مسيرة أربعين سنة)) وأخرجه أبو عيسى الترمذي وقال فيه: حديث حسن صحيح غريب. انتهى من القرطبي. وهذا الحديث رواه أيضاً الإمام أحمد وابن جرير وأبو يعلى وابن أبي حاتم وابن حبان، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، وابن مردويه وابن أبي الدنيا؛ قاله صاحب الدر المنثور وتبعه الشوكاني. وحديث يعلى بن أمية رواه أيضاً ابن جرير في تفسيره. قال الشوكاني: ورواه أحمد والبخاري وابن أبي حاتم والحاكم وصححه، ورواه صاحب الدر المنثور عن البخاري في تاريخه، وأحمد وابن أبي الدنيا وابن جرير والحاكم وصححه، وابن مردويه والبيهقي. وعلى كل حال، فمعنى الآية الكريمة أن النار محيطة بهم من كل جانب، كما قال تعالى: ﴿لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشِ﴾ [الأعراف: ٤١]، وقال: ﴿لَهُم مِّنِ فَوْقِهِمْ تُلَلُ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْنِمْ تُلَلٌ﴾ [الزمر: ١٦]، وقال: ﴿لَوْ يَعْلَمُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَن ظُهُورِهِمْ وَلَ هُمْ يُنْصَرُونَ (٣)﴾ [الأنبياء] إلى غير ذلك من الآيات. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَإِن يَسْتَغِيثُواْ﴾ يعني إن يطلبوا الغوث مما هم فيه من الكرب يغاثوا؛ يؤتوا بغوث هو ماء كالمهل. والمهل في اللغة: يطلق على ما أذيب من جواهر الأرض، كذائب الحديد والنحاس، والرصاص ونحو ذلك. ويطلق أيضاً على دردي الزيت وهو عكره، والمراد بالمهل في الآية ما أذيب من جواهر الأرض. وقيل: دردي الزيت. وقيل: هو نوع من القطران. وقيل: السم. فإن قيل: أي إغاثة في ماء كالمهل مع أنه من أشد العذاب، وكيف قال الله تعالى: ﴿يُغَاثُواْ بِمَآءِ كَلْمُهْلِ﴾؟ فالجواب: أن هذا من أساليب اللغة العربية التي نزل بها القرآن. ونظيره من كلام العرب قول بشر بن أبي حازم :. يوم النسار فأعتبوا بالصيلم غضبت تميم أن تقتل عامر فمعنى قوله: ((أعتبوا بالصيلم)): أي أرضوا بالسيف. يعني: ليس لهم منا إرضاء إلا بالسيف. وقول عمرو بن معديكرب: ٥٥٣ سورة الكهف: الآية (٢٩) وخيل قد دلفت لها بخيل تحية بينهم ضرب وجيع يعني: لا تحية لهم إلا الضرب الوجيع. وإذا كانوا لا يغاثون إلا بماء كالمهل، علم من ذلك أنهم لا إغاثة لهم البتة. والياء في قوله: ﴿يَسْتَغِيثُواْ﴾ والألف في قوله: ﴿يُغَانُوا﴾ كلتاهما مبدلة من واو، لأن مادة الاستغاثة من الأجوف الواوي العين، ولكن العين أعلت الساكن الصحيح قبلها، على حد قوله في الخلاصة: لساكن صح انقل التحريك من ذي لين آت عين فعل كابن وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿يَشْوِى الْوُجُوهُ﴾ أي يحرقها حتى تسقط فروة الوجه، أعاذنا الله والمسلمين منه! وعن النبي ◌َّ في تفسير هذه الآية الكريمة أنه قال: ﴿ كَالْمُهْلِ يَشْوِى الْوُجُوهُ﴾، هو كعكر الزيت فإذا قرب إليه سقطت فروة وجهه. قال ابن حجر تَخْفُ في (الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف): أخرجه الترمذي من طريق رشدين بن سعد، عن عمرو بن الحارث، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، واستغربه وقال: لا يعرف إلا من حديث رشدين بن سعد، وتعقب قوله بأن أحمد وأبا يعلى أخرجاه من طريق ابن لهيعة عن دراج، وبأن ابن حبان والحاكم أخرجاه من طريق وهب عن عمرو بن الحارث. وقوله فى هذه الآية الكريمة : الشَرَابُ﴾ المخصوص بالذم فيه محذوف، ﴿ بْس تقديره: بئس الشراب ذلك الماء الذي يغاثون به. والضمير الفاعل في قوله: ((ساءت)) عائد إلى النار. والمرتفق: مكان الارتفاق. وأصله أن يتكئ الإنسان معتمداً على مرفقه. وللعلماء في المراد بالمرتفق في الآية أقوال متقاربة في المعنى. قيل: مرتفقاً؛ أي منزلاً، وهو مروي عن ابن عباس. وقيل: مقراً، وهو مروي عن عطاء. وقيل: مجلساً، وهو مروي عن العتبي. وقال مجاهد: مرتفقاً أي مجتمعاً، فهو عنده مكان الارتفاق بمعنى مرافقة بعضهم لبعض في النار. وحاصل معنى الأقوال أن النار بئس المستقر هي، وبئس المقام هي. ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرًا وَمُقَامًا (٣)﴾ [الفرقان]، وكون أصل الارتفاق هو الاتكاء على المرفق، معروف في كلام العرب، ومنه قول أبي ذؤيب الهذلي: نام الخلي وبت الليل مرتفقاً كأن عيني فيها الصاب مذبوح ويروى ((وبت الليل مشتجراً)) وعليه فلا شاهد في البيت. ومنه قول أعشى باهلة: جيران ذا حذر لو ينفع الحذر قد بت مرتفقاً للنجم أرقبه وقول الراجز: يسوق بالقوم غزالات الضحا قالت له وارتفقت ألا فتى وهذا الذي ذكره - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة من صفات هذا الشراب ٥٥٤ سورة الكهف: الآية (٣٠) الذي يسقى به أهل النار، جاء نحوه في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَيْمٍ وَعَذَابٌ أَلِيٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ﴾ [يونس: ٤]، وقوله تعالى: ﴿وَسُقُواْ مَةً حَمِيعًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَ هُمْ﴾ [محمد: ١٥]، وقوله تعالى: ﴿تُتْقَى مِنْ عَيْنٍ ◌َِيَةٍ ﴾﴾ [الغاشية]، وقوله تعالى: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ ءَانٍ ﴾﴾ [الرحمن] والحميم الآني الماء المتناهي في الحرارة. وقوله تعالى: ﴿وَيُسْقَى مِن قَّآءٍ صَدِيدٍ ﴿﴿ يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ الآية [إبراهيم: ١٦ - ١٧]، وقوله تعالى :. ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ ٦٧ [الصافات]، وقوله تعالى: ﴿فَشَرِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَسِيمِ ﴿ فَشَرِبُونَ شُرْبَ اَلْهِمِ ٥٥ ﴾ [الواقعة]؛ وقوله تعالى: ﴿لَّا يَذُوقُنَ فِيَهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا ﴿ إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (٥)﴾ .. الآية [النبأ)؛ [ص] إلى غير وقوله تعالى: ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوُهُ حَمِيٌ وَغَسَّاقٌ ﴿ وَءَاخَرُ مِن شَكْلِهِةِ أَزْوَجُ ذلك من الآيات. وقد قدمنا طرفاً من هذا في سورة ((يونس)). قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّلِحَتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن من عمل صالحاً وأحسن في عمله أنه - جل وعلا - لا يضيع أجره، أي جزاء عمله، بل يجازى بعمله الحسن الجزاء الأوفى. وبيّن هذا المعنى في آيات كثيرة جداً، كقوله تعالى: ﴿فَأَسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِ لَّ أُضِيعُ عَمَلَ عَلِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىُّ﴾ [آل عمران: ١٩٥]؛ وقوله تعالى: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ ﴾ [آل عمران] وقوله: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَنِ مِّنَ اَللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (٥)﴾ [الرحمن] والآيات الدالة على هذا المعنى كثيرة جداً. إِلَّا الْإِحْسَنُ وفي هذه الآية الكريمة سؤالان معروفان عند العلماء: الأول: أن يقال: أين خبر ((إن)) في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ فإذا قيل: خبرها جملة ﴿إِنَّا لَا تُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ الآية توجه السؤال. الثاني: وهو أن يقال: أين رابط الجملة الخبرية بالمبتدأ الذي هو اسم ((إن))؟. اعلم أن خبر ((إن)) في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ قيل: هو جملة ﴿أُوْلَكَ لَمْ جَنَّتُ عَدْنٍ﴾ وعليه فقوله: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ جملة اعتراضية. وعلى هذا فالرابط موجود ولا إشكال فيه. وقيل: ((إن)) الثانية واسمها وخبرها، كل ذلك خبر ((إن)) الأولى. ونظير الآية من القرآن في الإخبار عن ((إن)) بـ((إن)) وخبرها واسمها قوله تعالى في سورة ((الحج)): ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّبِئِينَ وَالنَّصَرَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ... الآية [الحج: ١٧]، وقول الشاعر: سربال ملك به ترجى الخواتيم إن الخليفة إن الله ألبسه على أظهر الوجهين في خبر (إن)) الأولى في البيت. وعلى هذا فالجواب عن السؤال الثاني من وجهين : ٥٥٥ سورة الكهف: الآية (٣١) - الأول: أن الضمير الرابط محذوف، تقديره: لا نضيع أجر من أحسن منهم عملاً، كقولهم: السمن منوان بدرهم، أي: منوان منه بدرهم، كما تقدم في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَ﴾ ... الآية [البقرة: ٢٣٤]. أي: يتربصن بعدهم. الوجه الثاني: أن ﴿مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ هم الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وإذا كان الذين آمنوا، ومن أحسن عملاً ينظمها معنى واحد قام ذلك مقام الربط بالضمير. وهذا هو مذهب الأخفش، وهو الصواب؛ لأن الربط حاصل بالاتحاد في المعنى. قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِن تَخْنِهِمُ الْأَنْهُ يُحُلَوْنَ فِيَهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِّنِ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقِ مُتَّكِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَابِّ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (٣)﴾ بيّن - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أجر من أحسن عملاً، فذكر أنه جنات عدن تجري من تحتهم فيها الأنهار، ويحلون فيها أساور الذهب، ويلبسون فيها الثياب الخضر من السندس والإستبرق، في حال كونهم متكئين فيها على الأرائك وهي السرر في الحجال. والحجال: جمع حجلة؛ وهو بيت يزين للعروس بجميع أنواع الزينة، ثم أثنى على ثوابهم بقوله: ﴿نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾. وهذا الذي بيّنه هنا من صفات جزاء المحسنين الذين آمنوا وعملوا الصالحات، جاء مبيناً في مواضع كثيرة جداً من كتاب الله تعالى، كقوله تعالى في سورة ((الإنسان)): ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأَسِ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا ﴾﴾ [الإنسان] إلى قوله: ﴿وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإنسان: ٢٢]، وكقوله في سورة ((الواقعة)): ﴿وَالسَّبِقُونَ السَِّقُونَ ﴿ أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُنَ ® فِ جَنَّتِ النَّعِيمِ (19) إلى [الواقعة] وأمثال ذلك كثيرة في القرآن. ١٣٨ قوله: ﴿لِأَضْحَبِ الْيَمِينِ وقد بيّن في سورة ((السجدة)» أن ما أخفاه الله لهم من قرة أعين لا يعلمه إلا هو - جل وعلا - وذلك في قوله: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسُ مَّ أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧]. وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿جَثَّتِ عَدٍّ﴾ أي إقامة لا رحيل بعدها ولا تحول كما قال تعالى: ﴿لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ أصله من عدن بالمكان: إذا أقام به. وقد تقدم في سورة ((النحل)) معنى السندس والإستبرق بما أغنى عن إعادته هنا، والأساور: جمع. سوار. وقال بعضهم: جمع أسورة. والثواب: الجزاء مطلقاً على التحقيق؛ ومنه قول الشاعر : لكل أخي مدح ثواب علمته وليس لمدح الباهلي ثواب وقول من قال: إن الثواب في اللغة يختص بجزاء الخير بالخير غير صواب، بل يطلق الثواب أيضاً على جزاء الشر بالشر ومنه قوله تعالى: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ : [المطففين]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍ مِّن ذَلِكَ مَثُّوَةً عِندَ اللَّهِ مَن لَّمَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ ... الآية [المائدة: ٦٠]. ٥٥٦. - سورة الكهف: الآيتان (٣٥ - ٣٦) وقوله: ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ الضمير في قوله: ((حسنت)) راجع إلى ﴿جَّتِ عَنْذٍ﴾ [التوبة: ٧٢]. والمرتفق قد قدمنا أقوال العلماء فيه. وقوله هنا في الجنة: ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ يبيّن معناه قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُواْ وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةٌ خَكلِينَ فِيهَأَ حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًاً (٨)﴾ [الفرقان]. وَسَلَمًا ٥) وَمَآ قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، قَالَ مَآ أَظُنُّ أَنْ تِيَدَ هَذِهِهِ أَبَدًا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَآئِمَةٌ وَلَيِن رُدِدْتُ إِلَى رَبِي لَأَجِدَنَ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا (﴾﴾. ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة عن هذا الرجل الكافر الظالم لنفسه، الذي ضربه مثلاً مع الرجل المؤمن في هذه الآيات لرؤساء الكفار، الذين افتخروا بالمال والجاه على ضعفاء المسلمين الفقراء كما تقدم أنه دخل جنته في حال كونه ظالماً لنفسه وقال: إنه ما يظن أن تهلك جنته ولا تفنى، لما رأى من حسنها ونضارتها، وقال: إنه لا يظن الساعة قائمة، وإنه إن قدر أنه يبعث ويرد إلى ربه ليجدن عنده خيراً من الجنة التي أعطاه في الدنيا . وما تضمنته هذه الآية الكريمة من جهل الكفار واغترارهم بمتاع الحياة الدنيا، وظنهم أن الآخرة كالدنيا ينعم عليهم فيها أيضاً بالمال والولد، كما أنعم عليهم في الدنيا، جاء مبيناً في آيات أُخر، كقوله في ((فصلت)): ﴿وَلَيِنْ أَذَقْتَهُ رَحْمَةً مِّنَا مِنْ بَعْدٍ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِى وَمَآ أَظُنُّ السَّاعَةَ قَآَبِمَةٌ وَلَيِن رُّجِعْتُ إِلَى رَبِّ إِنَّ لِ عِندَهُ لَلْحُسْنَى﴾ [فصلت: ٥٠]، وقوله في ((مريم)): ﴿أَفَرَيْتَ الَّذِى كَفَرَ بِثَايَتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا [مريم]، وقوله في ((سبأ)): ﴿وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَلًا وَأَوْلَدًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ١٣٥ [سبأ]. وقوله في هذه السورة: ﴿فَقَالَ لِصَحِبِهِ، وَهُوَ يُحَاوِرُهُ، أَنَاْ أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ . وبيّن - جل وعلا - كذبهم واغترارهم فيما ادعوه من أنهم يجدون نعمة الله في الآخرة كما أنعم عليهم بها في الدنيا في مواضع كثيرة، كقوله: ﴿أَيَخْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِؤُهُم بِهِ، [المؤمنون]، وقوله: ﴿سَنَسْدَرِجُهُم مِّنَ ١٥٦ تُسَارِعُ لَهُمْ فِ الْخَيْرَنَّ بَل لَّا يَشْعُرُونَ ٥٥ مِن ◌َالٍ وَبِنٌ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ. وَأُمَلِى لَهُمَّ إِنَّ كَيْدِى مَتِينُ [الأعراف]، وقوله: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ (VA) [آل كَفَرُواْ أَنَّمَا نُهْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمَّ إِنََّا نُمْلِى لَمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَّأْ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ عمران]، وقوله: ﴿وَمَآ أَمْوَلُكُمْ وَلََّ أَوْلَدُكُمْ بِالَّتِى تُفَرِّئُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى﴾ ... الآية [سبأ: ٣٧]، وقوله تعالى: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ﴾﴾ [المسد] إلى غير ذلك من الآيات. وقوله: ﴿مُنقَلَبًا﴾ أي مرجعاً وعاقبة، وانتصابه على التمييز، وقوله: ﴿لَأَجِدَتَ خَيْراً مِّنْهَا﴾ قرأه ابن عامر ونافع وابن كثير ((منهما)) بصيغة تثنية الضمير. وقرأه الباقون ((منها)) بصيغة إفراد هاء الغائبة. فالضمير على قراءة تثنيته راجع إلى الجنتين في قوله: ﴿جَعَلْنَا ◌ِأَحَدِهِمَا جَنََّيْنٍ﴾، وقوله: ﴿كِلْنَا الْجَنََّيْنِ﴾، وعلى قراءة الإفراد راجع إلى الجنة في قوله: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ . فإن قيل: ما وجه إفراد الجنة مع أنهما جنتان؟ فالجواب: أنه قال ما ذكره الله عنه ٥٥٧ سورة الكهف: الآيتان (٣٧ - ٣٨) حين دخل إحداهما، إذ لا يمكن دخوله فيهما معاً في وقت واحد. وما أجاب به الزمخشري عن هذا السؤال ظاهر السقوط، كما نبّه عليه أبو حيان في البحر. قوله تعالى: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَغَرْتَ بِالَّذِى خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِن تُطْفَةٍ ثُمَّ سَوََّكَ رَجُلًا ﴿ لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّ وَلَا أُشْرِكُ بِرَقٍّ أَحَدًا ﴾﴾. بيّن - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن ذلك الرجل المؤمن المضروب مثلاً للمؤمنين، الذين تكبر عليهم أولو المال والجاه من الكفار، قال لصاحبه الآخر الكافر المضروب مثلاً لذوي المال والجاه من الكفار، منكراً عليه كفره: أكفرت بالذي خلقك من تراب، ثم من نطفة، ثم سواك رجلاً؛ لأن خلقه إياه من تراب، ثم من نطفة، ثم تسويته إياه رجلاً، كل ذلك يقتضي إيمانه بخالقه الذي أبرزه من العدم إلى الوجود، وجعله بشراً سوياً، ويجعله يستبعد منه كل البعد الكفر بخالقه الذي أبرزه من العدم إلى الوجود. وهذا المعنى المبين هنا بيّنه في مواضع أُخر كقوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَتًا فَأَخْيَكُمِّ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْبِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [البقرة]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا لِى لَآ أَعْبُدُ الَّذِى فَطَرَنِ ﴾ [يس]، وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَفَرَءَيْتُم مَّا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٢٥) أَنْتُمْ وَءَابَاؤُكُمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ الَّذِى خَلَقَنِ فَهُوَ يَدِينِ ﴿ وَالَّذِى هُوَ يُطْعِمُنِى VV فَإَِهُمْ عَدُوٌّ لِّ إِلَّا رَبَّ الْعَلَمِينَ الْأَقْدَمُونَ وَ [الشعراء]، وقوله وَأَلَّذِى يُسِتُنِىِ ثُمَّ يُحْيِينِ ٨٠ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ٧٩ ويسقینِ تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إَِهِيُمْ لِأَبِهِ وَقَوْمِهِ: إِنَّنِى بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِى فَطَرَبِ فَإِنَُّ سَيَهْدِینِ [الزخرف] إلى غير ذلك من الآيات، وقد قدمنا كثيراً من الآيات الدالة على أن ضابط من يستحق العبادة وحده دون غيره، أن يكون هو الذي يخلق المخلوقات، ويظهرها من العدم إلى الوجود بما أغنى عن إعادته هنا . وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿بِالَّذِى خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ﴾ معنى خلقه إياه من تراب؛ أي خلق آدم الذي هو أصله من التراب؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَدَمَّ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ﴾ ... الآية [آل عمران: ٥٩]، ونظير الآية التي نحن بصددها قوله تعالى: ﴿يََّأَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِ رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَقْنَكُم مِّن تُرَابٍ﴾ [الحج: ٥]. وقوله: ﴿ثُمَّ مِن ◌ُطْفَةٍ﴾ أي بعد أن خلق آدم من التراب، وخلق حواء من ضلعه، وجعلها زوجاً له، كانت طريق إيجاد الإنسان بالتناسل. فبعد طور التراب طور النطفة، ثم طور العلقة إلى آخر أطواره المذكورة في قوله: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (®)﴾ [نوح]، وقوله تعالى: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِى بُطُونِ أُمَّهَتِكُمْ خَلْقَا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِ ظُلُمَتٍ ثَلَثٍ﴾ [الزمر: ٦] وقد أوضحها تعالى إيضاحاً تاماً في قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَلَةٍ مِّن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَهُ نُطْفَةً فِ قَرَارِ مَّكِينٍ ﴿٨٣ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةٌ فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةٌ فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَمَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَهُ خَلْقَا ءَاخَرْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَلِقِينَ ﴾ [المؤمنون]. ومما يبين خلق الإنسان من تراب، ثم من نطفة. قوله تعالى في ((السجدة)): ﴿ذَلِكَ ز ٥٥٨ سورة الكهف: الآيتان (٣٧ - ٣٨) عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴿ الَّذِىّ أَحْسَنَ كُلَّ شَىْءٍ خَلَقَةٌ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَنِ مِن طِينٍ جَ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنِ سُلَلَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ ﴾ ثُمَّ سَوَّلَهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِةٍ وَحَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَالْأَفِدَةً قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ ﴾ [السجدة]. وقوله في هذه الآية: ﴿ثُمَّ سَوَّكَ رَجُلًا﴾، كقوله: ﴿خَلَقَ الْإِنسَنَ مِن تُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ﴾ [النحل]، وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْتَهُ مِن نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ ◌ُّبِينٌ ﴾ [يس] أي بعد أن كان نطفة صار إنساناً خصيماً شديد الخصومة في توحيد ربه. وقوله: ﴿سَوَّكَ﴾ أي خلقك مستوي الأجزاء، معتدل القامة والخلق، صحيح الأعضاء في أكمل صورة، وأحسن تقويم؛ كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَنَ فِىّ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾﴾ [التين]، وقوله: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر: ٦٤]، وقوله: ﴿يَأَيُهَ اُلْإِنسَنُ مَا غَّكَ بِرَبِّكَ اَلْكَرِيِ ﴿ الَّذِى خَقَكَ فَسَوَّنِكَ فَعَدَلَكَ ﴿٦ فِى أَبِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَّكَّبَكَ ٨ [الانفطار]، وقوله: ﴿رَجُلًا﴾ أي ذكراً بالغاً مبلغ الرجال، وربما قالت العرب للمرأة: رجلة، ومنه قول الشاعر: غير جيران بني جيله كل جار ظل مغتبطاً لم يراعوا حرمة الرجله مزقوا ثياب فتاتهم وانتصاب ﴿رَجُلًا﴾ على الحال. وقيل: مفعول ثان لسوى على تضمينه معنى جعلك أو صيّرك رجلاً. وقيل: هو تمييز. وليس بظاهر عندي، والظاهر أن الإنكار المدلول عليه بهمزة الإنكار في قوله: ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِى خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ﴾ مضمن معنى الاستبعاد؛ لأنه يستبعد جداً كفر المخلوق بخالقه، الذي أبرزه من العدم إلى الوجود، ويستبعد إنكار البعث ممن علم أن الله خلقه من تراب، ثم من نطفة، ثم سواه رجلاً كقوله: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنْتُمْ فِ رَيْبٍ مِّنَ اٌلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَفْنَكُم مِّن تُرَابٍ﴾ الآية [الحج: ٥]. ونظير الآية في الدلالة على الاستبعاد لوجود موجبه قول الشاعر: ولا يكشف الغماء إلا ابن حرة يرى غمرات الموت ثم يزورها لأن من عاين غمرات الموت يستبعد منه اقتحامها . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿لَّكِنَّأْ هُوَ اللَّهُ رَبِّ وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِ أَحَدًا (﴾﴾ بيّن فيه أن هذا الرجل المؤمن قال لصاحبه الكافر: أنت كافر! لكن أنا لست بكافر! بل مخلص عبادتي لربي الذي خلقني؛ أي لأنه هو الذي يستحق مني أن أعبده؛ لأن المخلوق محتاج مثلي إلى خالق يخلقه، تلزمه عبادة خالقه كما تلزمني. ونظير قول هذا المؤمن ما قدمنا عن الرجل المؤمن المذكور في ((يس)) في قوله تعالى: ﴿وَمَا لِ لَآ أَعْبُدُ الَّذِى فَطَرَبِ﴾ [يس: ٢٢] أي أبدعني وخلقني ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. وما قدمنا عن إبراهيم في الآية [الشعراء]، قوله: ﴿فَإنَهُمْ عَدُوٌّ لِيِّ إِلَّا رَبَّ الْعَلَمِينَ ﴿ الَّذِى خَلَقَنِى فَهُوَ يَدِينِ (﴿َ﴾ وقوله: ﴿إِنَّنِى بَرَآءُ مِّمَا تَعْبُدُونَ ﴿ إِلَّا الَّذِى فَطَرَبِ﴾ ... الآية [الزخرف: ٢٦ - ٢٧]. ٥٥٩ سورة الكهف: الآيتان (٣٧ - ٣٨). وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِى خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ﴾ بعد قوله: ﴿وَمَآ أَظُنُّ السَّاعَةً قَآئِمَةٌ﴾ يدل على أن الشك في البعث كفر بالله تعالى. وقد صرح بذلك في أول سورة ((الرعد)) في قوله تعالى: ﴿وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُمْ أَهِذَا كُنَّا تُرَبًا أَوِّنَا لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٌ أُوْلَكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِهِمْ وَأَوْلَئِكَ الْأَغَْلُ فِّ أَعْنَاقِهِمْ وَأُوْلَكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾﴾ [الرعد]. وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿لَّكِنَّ﴾ أصله ((لكن أنا)) فحذفت همزة (أنا)) وأدغمت نون ((لكن)) في نون ((أنا)) بعد حذف الهمزة. وقال بعضهم: نقلت حركة الهمزة إلى نون ((لكن)) فسقطت الهمزة بنقل حركتها، ثم أدغمت النون في النون؛ ونظير ذلك من كلام العرب قول الشاعر: وترمينني بالطرف أي أنت مذنب وتقلينني لكنا إياك لم أقل أي: لكن أنا إياك لم أقل. وقال بعضهم: لا يتعين في البيت ما ذكر؛ لجواز أن يكون المقصود لكنني، فحذف اسم ((لكن)) كقول الآخر: ولكن زنجي عظيم المشافر فلو كنت ضبياً عرفت قرابتي أي: لكنك زنجي، في رواية من روى زنجي بالرفع. وأنشد الكسائي لنحو هذا الحذف من ((لكن أنا)) قول الآخر: لهنك من عبسية لو سمية على هنوات كاذب من يقولها قال: أراد بقوله: (لهنك)) لله إنك؛ فحذف إحدى اللامين من (الله)) وحذف الهمزة من ((إنك)). نقله القرطبي عن أبي عبيد. وقوله تعالى: ﴿لَّكِنَّأْ هُوَ اللَّهُ رَبِ﴾ قرأه جماهير القراء في الوصل ((لكن)) بغير ألف بعد النون المشددة. وقرأه ابن عامر من السبعة ((لكنا)) بالألف في الوصل، ويروى ذلك عن عاصم، ورواه المسيلي عن نافع، ورويس عن يعقوب. واتفق الجميع على إثبات الألف في الوقف. ومد نون ((أنا)) لغة تميم إن كان بعدها همزة. وقال أبو حيان في البحر: إن إثبات ألف ((أنا)) مطلقاً في الوصل لغة بني تميم، وغيرها يثبتونها على الاضطرار، قال: فجاءت قراءة ((لكنا)) بإثبات الألف في الوصل على لغة تميم. ومن شواهد مد ((أنا)) قبل غير الهمزة قول الشاعر: حميداً قد تذريت السناما أنا سيف العشيرة فاعرفوني وقول الأعشى: فكيف أنا وانتحال القوافي بعد المشيب كفى ذاك عارا وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾ جملة حالية، والمحاورة: المراجعة في الكلام؛ ومنه قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِى تُجَدِلُكَ فِ زَوْجِهَا وَتَشْتَكِ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَّكُمَاً﴾ [المجادلة: ١]، وقول عنترة في معلقته: : ٥٦٠ سورة الكهف: الآيات (٤١ - ٤٤) لو كان يدري ما المحاورة اشتكى ولكان لو علم الجواب مكلمي وكلام المفسرين في الرجلين المذكورين هنا في قصتهما كبيان أسمائهما، ومن أي الناس هما، أعرضنا عنه لما ذكرنا سابقاً من عدم الفائدة فيه، وعدم الدليل المقنع عليه. والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْرًا فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا ٤١ معنى قوله: ((غورا)) أي غائراً؛ فهو من الوصف بالمصدر، كما قال في الخلاصة: فالتزموا الإفراد والتذكيرا ونعتوا بمصدر كثيراً والغائر: ضد النابع. وقوله: ﴿فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾؛ لأن الله إذا أعدم ماءها بعد وجوده، لا تجد من يقدر على أن يأتيك به غيره جل وعلا. وأشار إلى نحو هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرََّيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْرًا فَمَن يَأْتِيَكُ بِمٍَّ مَعِينٍ (٣)﴾ [الملك] ولا شك أن الجواب الصحيح: لا يقدر على أن يأتينا به إلا الله وحده؛ كما قال هنا: ﴿فَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ . هُنَالِكَ الْوَةُ لِلَّهِ ٤٣ قوله تعالى: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَُّ فِتَةٌ يَنَصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْنَصِرًا. اَلْحَقّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرُ عُقْبًا ﴾﴾، اعلم أن في هذه الآية الكريمة قراءات سبعية، وأقوالاً لعلماء التفسير، بعضها يشهد له قرآن، وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أن الآية قد تكون فيها مذاهب للعلماء، يشهد لكل واحد منها قرآن؛ فنذكر الجميع وأدلته في القرآن، فإذا علمت ذلك فاعلم أن قوله في هذه الآية: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ فِئَةٌ﴾ قرأه السبعة ما عدا حمزة والكسائي بالتاء المثناة الفوقية. وقرأه حمزة والكسائي: ((ولم يكن له فئة)) بالياء المثناة التحتية. وقوله: ﴿الْوَلَيَةُ لِلّهِ الْحَقّ﴾ قرأه السبعة ما عدا حمزة والكسائي أيضاً ﴿اَلْوَلَيَةُ﴾ بفتح الواو. وقرأه حمزة والكسائي بكسر الواو. وقوله: ﴿اَلْحَقُّ﴾ قرأه السبعة ما عدا أبا عمرو والكسائي بالخفض نعتاً (الله)). وقرأه أبو عمرو والكسائي بالرفع نعتاً للولاية. فعلى قراءة من قرأ ﴿الْوَلَيَةُ لِلَّهِ﴾ بفتح الواو، فإن معناها: الموالاة والصلة، وعلى هذه القراءة ففي معنى الآية وجهان: الأول: أن معنى ﴿هُنَالِك ◌ٌلْوَلَةُ لِلَّهِ﴾ أي في ذلك المقام، وتلك الحال تكون الولاية من كل أحد لله؛ لأن الكافر إذا رأى العذاب رجع إلى الله. وعلى هذا المعنى فالآية كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْ بَأْسَنَا قَالُوَاْ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِه مُشْرِكِينَ (﴾﴾ [غافر]، وقوله في فرعون: ﴿حَتَّىَ إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ ءَامَنتُ أَنَّهُ لَآّ إِلَهَ إِلَّا الَّذِىّ ءَامَنَتْ بِهِ بَنُواْ إِسْرَوِيلَ وَأَنْ مِنَ اُلْمُسْلِمِينَ ءَالْتَنَ وَقَّدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَّكُنتَ مِنَ اُلْمُفْسِدِينَ ﴾﴾ [يونس] ونحو ذلك من الآيات. الوجه الثاني: أن الولاية في مثل ذلك المقام وتلك الحال الله وحده، فيوالي فيه المسلمين ولاية رحمة، كما في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِىُّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ ... الآية [البقرة: