Indexed OCR Text
Pages 521-540
٥٢١ سورة الكهف: الآية (١٢) لَا رَيْبَ فِيهَا﴾. واعلم أن قوله - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَهُمْ لِنَعَلَمْ﴾ ... الآية لا يدل على أنه لم يكن عالماً بذلك قبل بعثهم، وإنما علم بعد بعثهم؛ كما زعمِهِ بعض الكفرة الملاحدة! بل هو - جل وعلا - عالم بكل ما سيكون قبل أن يكون، لا يخفى عليه من ذلك شيء، والآيات الدالة على ذلك لا تحصى كثرةً. وقد قدمنا أن من أصرح الأدلة على أنه - جل وعلا - لا يستفيد بالاختيار والابتلاء علماً جديداً وَ عن ذلك علواً كبيراً قوله تعالى في آل عمران: ﴿وَلِيَبْتَلِىَ اللهُ مَا فِى صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِ قُلُوبِكُمُّ وَاَللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١٥٤] فقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ بعد قوله: ﴿ وَلِيَبْتَلِىَ﴾ دليل واضح في ذلك. وإذا حققت ذلك فمعنى ﴿لِنَّعَلَّمَ أَىُّ الِّبَينِ﴾؛ أي نعلم ذلك علماً يظهر الحقيقة للناس، فلا ينافي أنه كان عالماً به قبل ذلك دون خلقه. واختلف العلماء في قوله: ﴿أَحْصَى﴾ فذهب بعضهم إلى أنه فعل ماض و﴿أَمَدًا﴾ مفعوله. ((وما)) في قوله: ﴿لِمَا لَبِثُواْ﴾ مصدرية؛ وتقرير المعنى على هذا لنعلم أي الحزبين ضبط أمداً للبثهم في الكهف. وممن اختار أن ﴿أَحْصَى﴾ فعل ماض: الفارسي، والزمخشري، وابن عطية وغيرهم. وذهب بعضهم إلى أن ﴿أَحْصَى﴾ صيغة تفضيل، و﴿أَمَدًا﴾ تمييز، وممن اختاره الزجاج والتبريزي وغيرهما. وجوز الحوفي وأبو البقاء الوجهين. والذين قالوا: إن ﴿أَحْصَى﴾ فعل ماض قالوا: لا يصح فيه أن يكون صيغة تفضيل؛ لأنها لا يصح بناؤها هي ولا صيغة فعل التعجب قياساً إلا من الثلاثي و﴿أَحْصَى﴾ رباعي فلا تصاغ منه صيغة التفضيل ولا التعجب قياساً. قالوا: وقولهم: ما أعطاه وما أولاًه للمعروف، وأعدى من الجرب، وأفلس من ابن المذلق شاذ لا يقاس عليه، فلا يجوز حمل القرآن عليه . واحتج الزمخشري في الكشاف أيضاً؛ لأن ﴿أَحْصَى﴾ ليست صيغة تفضيل بأن ﴿أَمَدًا﴾ لا يخلو إما أن ينتصب بأفعل، فأفعل لا يعمل. وإما أن ينتصب بـ((لبثوا)) فلا يسد عليه المعنى أن لا يكون سديداً على ذلك القول، وقال: فإن زعمت نصبه بإضمار فعل يدل عليه ((أحصى)) كما أضمر في قوله: (وأضرب منا بالسيوف القوانسا)؛ أي نضرب القوانس، فقد أبعدت المتناول وهو قريب، حيث أبيت أن يكون ((أحصى)) فعلاً، ثم رجعت مضطراً إلى تقديره وإضماره، انتهى كلام الزمخشري. وأجيب من جهة المخالفين عن هذا كله قالوا: لا نسلم أن صيغة التفضيل لا تصاغ من غير الثلاثي، ولا نسلم أيضاً أنها لا تعمل. وحاصل تحرير المقام في ذلك أن في كون صيغة التفضيل تصاغ من ((أفعل)) كما هنا، أو لا تصاغ منه؛ ثلاثة مذاهب لعلماء النحو: ٥٢٢ سورة الكهف: الآية (١٢) الأول: جواز بنائها من أفعل مطلقاً، وهو ظاهر كلام سيبويه، وهو مذهب أبي إسحاق كما نقله عنه أبو حيان في البحر. والثاني: لا يبنى مته مطلقاً، وما سمع منه فهو شاذ يحفظ ولا يقاس عليه، وهو الذي درج عليه ابن مالك في الخلاصة بقوله: وبالندور احكم لغير ما ذكر ولا تقس على الذي منه أثر كما قدمناه في سورة ((بني إسرائيل)) في الكلام على قوله: ﴿فَهُوَ فِ الأَخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٢]. الثالث: تصاغ من أفعل إذا كانت همزتها لغير النقل خاصة، كأظلم الليل، وأشكل الأمر، لا إن كانت الهمزة للنقل فلا تصاغ منها، وهذا هو اختيار أبي الحسن بن عصفور. وهذه المذاهب مذكورة بأدلتها في كتب النحو، وأما قول الزمخشري: فأفعل لا يعمل، فليس بصحيح؛ لأن صيغة التفضيل تعمل في التمييز بلا خلاف، وعليه درج في الخلاصة بقوله : مفضلاً كأنت أعلى منزلا والفاعل المعنى انصبن بأفعلا أَمَدًا تمييز كما تقدم؛ فنصبه بصيغة التفضيل لا إشكال فيه. و﴿ وذهب الطبري إلى أن: ﴿أَمَدَأ﴾ منصوب بـ ﴿لَبِثُواْ﴾ وقال ابن عطية: إن ذلك غير متجه. وقال ابن حيان: قد يتجه ذلك؛ لأن الأمد هو الغاية، ويكون عبارة عن المدة من حيث إن المدة غاية، و((ما)) بمعنى الذي، و﴿أَمَدَا﴾ منتصب على إسقاط الحرف؛ أي لما لبثوا من أمد، ويصير من أمد تفسيراً لما انبهم في لفظ ((ما لبثوا)) كقوله: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ﴾ [البقرة: ١٠٦]، ﴿مَّا يَفْتَجِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ﴾ [فاطر: ٢] ولما سقط الحرف وصل إليه الفعل. قال مقيده - عفا الله عنه -: إطلاق الأمد على الغاية معروف في كلام العرب، ومنه قول نابغة ذبيان: إلا لمثلك أو من أنت سابقه سبق الجواد إذا استولى على الأمد وقد قدمنا في سورة (النساء)) أن علي بن سليمان الأخفش الصغير أجاز النصب بنزع الخافض عند أمن اللبس مطلقاً، ولكن نصب قوله: ﴿أَمَدًا﴾ بقوله: ﴿لَبِثُواْ﴾ غير سديد كما ذكره الزمخشري وابن عطية، وكما لا يخفى، اهـ. وأجاز الكوفيون نصب المفعول بصيغة التفضيل، وأعربوا قول العباس بن مرداس السلمي : فلم أر مثل الحي حياً مصبحاً ولا مثلنا يوم التقينا فوار وأضرب منا بالسيوف القوانسا : أكر وأحمى للحقيقة منهم ٥٢٣ سورة الكهف: الآية (١٢) - بأن ((القوانس)) مفعول به لصيغة التفضيل التي هي أضرب. قالوا: ولا حاجة لتقدير فعل محذوف. ومن هنا قال بعض النحويين: إن ((من)) في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِةٍ﴾ [الأنعام: ١١٧] منصوب بصيغة التفضيل قبله نصب المفعول به. قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له -: ومذهب الكوفيين هذا أجرى عندي على المعنى المعقول؛ لأن صيغة التفضيل فيها معنى المصدر الكامن فيها، فلا مانع من عملها عمله، ألا ترى أن قوله: ((وأضرب منا بالسيوف القوانسا)) معناه: يزيد ضربنا بالسيوف القوانس على ضرب غيرنا، كما هو واضح. وعلى هذا الذي قررنا فلا مانع من كون ﴿أَمَدّأْ﴾ منصوب بـ ﴿أَحْصَى﴾ نصب المفعول به على أنه صيغة تفضيل، وإن كان القائلون بأن ﴿أَحْصَى﴾ صيغة تفضيل، أعربوا ﴿أَمَدًا﴾ بأنه تمييز. تنبيه: فإن قيل: ما وجه رفع ﴿أَىُّ﴾ من قوله: ﴿لِنَعْلَمَ أَىُّ الْخِزْبَنِ أَحْصَى﴾ ... الآية، مع أنه في محل نصب لأنه مفعول به؟ فالجواب أن العلماء في ذلك أجوبة، منها أن ﴿أَّ﴾ فيها معنى الاستفهام، والاستفهام يعلق الفعل عن مفعوليه كما قال ابن مالك في الخلاصة عاطفاً على ما يعلق الفعل القلبي عن مفعوليه: كذا والاستفهام ذا له انحتم وإن ولا لام ابتداء أو قسم ومنها ما ذكره الفخر الرازي وغيره من أن الجملة بمجموعها متعلق العلم؛ ولذلك السبب لم يظهر عمل قوله: ((لنعلم)) في لفظة ﴿أَفِ﴾ بل بقيت على ارتفاعها، ولا يخفى عدم اتجاه هذا القول كما ترى. قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له -: أظهر أوجه الأعاريب عندي في الآية أن لفظة ﴿أَِّ﴾ موصولة استفهامية. و﴿أَتِّ﴾ مبنية لأنها مضافة، وصدر صلتها محذوف على حد قوله في الخلاصة: · وصدر وصلها ضمير انحذف أي كما وأعربت ما لم تضف ولبنائها لم يظهر نصبها، وتقرير المعنى على هذا لنعلم الحزب الذي هو أحصى لما لبثوا أمداً ونميزه عن غيره. و﴿أَحْصَى﴾ صيغة تفضيل كما قدمنا توجيهه، نعم، للمخالف أن يقول: إن صيغة التفضيل تقتضى بدلالة مطابقتها الاشتراك بين المفضل والمفضل عليه في أصل الفعل، وأحد الحزبين لم يشارك الآخر في أصل الإحصاء لجهله بالمدة من أصلها، وهذا مما يقوي قول من قال: إن ((أحصى)) لعل، والعلم عند الله تعالى. فإن قيل: أي فائدة مهمة في معرفة الناس للحزب المحصي أمد اللبث من غيره، حتى يكون علّة غائية لقوله: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَهُمْ لِنَعْلَمَ ... ﴾ الآية؟ وأي فائدة مهمة في مساءلة بعضهم بعضاً، حتى يكون علة غائية لقوله: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَهُمْ لِيَتَسَآءَلُواْ بَيْنَهُمْ﴾؟ فالجواب: أنا لم نر من تعرض لهذا؛ والذي يظهر لنا - والله تعالى أعلم - أن ما ذكر من إعلام الناس بالحزب الذي هو أحصى أمداً لما لبثوا، ومساءلة بعضهم بعضاً ٥٢٤ سورة الكهف: الآيتان (١٣ - ١٤) عن ذلك، يلزمه أن يظهر للناس حقيقة أمر هؤلاء الفتية، وأن الله ضرب على آذانهم في الكهف ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعاً، ثم بعثهم أحياء طرية أبدانهم؛ لم يتغير لهم حال. وهذا من غريب صنعه - جل وعلا - الدال على كمال قدرته، وعلى البعث بعد الموت، ولاعتبار هذا اللازم جعل ما ذكرنا علة غائية والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿نَّحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةُ ءَامَنُواْ بِرَيْهِمْ وَزِدْنَهُمْ هُدَّى ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة لنبيه وسلو أنه يقص عليه نبأ أصحاب الكهف بالحق. ثم أخبره مؤكداً له أنهم فتية آمنوا بربهم، وأن الله - جل وعلا - زادهم هدى. ويفهم من هذه الآية الكريمة أن من آمن بربه وأطاعه زاده ربه هدى؛ لأن الطاعة سبب للمزيد من الهدى والإيمان. وهذا المفهوم من هذه الآية الكريمة جاء مبيناً في مواضع أخر، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ أَهْتَدَوْ زَادَهُمْ هُدَى وَءَانَهُمْ تَّقْوَنَّهُمْ (٣)﴾ [محمد]، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ جَهَدُواْ فِنَا لَتَهْدِيَتَّهُمْ سُبُلَا﴾ [العنكبوت: ٦٩]، وقوله تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تَنَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩] الآية، وقوله: ﴿فَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَنَا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤]، وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَنْزَلَ السَّكِيْنَةَ فِى قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُواْ إِيمَنَّا فَعَ إِيمَِهِمْ﴾. [الفتح: ٤]، وقوله تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِ، يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ، وَبَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ الآية [الحديد: ٢٨]، إلى غير ذلك من الآيات. وهذه الآيات المذكورة نصوص صريحة في أن الإيمان يزيد مفهوم منها أنه ينقص أيضاً، كما استدل بها البخاري تقذفُ على ذلك، وهي تدل عليه دلالة صريحة لا شك فيها، فلا وجه معها للاختلاف في زيادة الإيمان ونقصه كما ترى، والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُواْ﴾. أي ثبتنا قلوبهم وقويناها على الصبر، حتى لا يجزعوا ولا يخافوا من أن يصدعوا بالحق، ويصبروا على فراق الأهل والنعيم، والفرار بالدين في غار في جبل لا أنيس به، ولا ماء ولا طعام. ويفهم من هذه الآية الكريمة أن من كان في طاعة ربه - جل وعلا - أنه تعالى يقوي قلبه، ويثبته على تحمل الشدائد، والصبر الجميل. وقد أشار تعالى إلى وقائع من هذا المعنى في مواضع أخر كقوله في أهل بدر مخاطباً نبيه وَل﴿ وأصحابه: ﴿إِذْ يُغَشِيَكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَّةً مِّنْهُ وَيُِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ الشَّمَآءِ مَآءَ لِطَهِّرَكُمْ بِهِ، وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَنِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِتَ بِهِ اْأَقْدَامَ ﴿ إِذْ يُرِى رَبُّكَ إِلَى الْمَلَئِكَةِ أَنِى مَعَكُمْ فَشَبِتُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [الأنفال: ١١، ١٢]، وكقوله في أم موسى: ﴿وَأَصَْحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَرِئًا إِن كَادَتْ لَنُبْدِى بِهِ، لَوْلَّ أَنْ رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُنَ مِنَ اُلْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾ [القصص]. وأكثر المفسرين على أن قوله: ﴿إِذْ قَامُواْ﴾ أي بين يدي ملك بلادهم، وهو ملك جبار يدعو إلى عبادة الأوثان، يزعمون أن اسمه: دقیانوس. ٥٢٥ سورة الكهف: الآيتان (١٤ _ ١٥). وقصتهم مذكورة في جميع كتب التفسير، أعرضنا عنها لأنها إسرائيليات، وفي قيامهم المذكور هنا أقوال أخر كثيرة. والعامل في قوله: ((إذ)) هو ربطنا على قلوبهم حين قاموا. قوله تعالى: ﴿فَقَالُوْ رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَأْ مِن دُونِهِ، إِلَهَّاً لَّقَدْ قُلْنَاً إِذَا شَطَطًا﴾. ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن هؤلاء الفتية الذين آمنوا بربهم فزادهم ربهم هدى قالوا: إن ربهم هو رب السموات والأرض، وأنهم لن يدعوا من دونه إلهاً، وأنهم لو فعلوا ذلك قالوا شططاً، أي قولاً ذا شطط. أو هو من النعت بالمصدر للمبالغة؛ كأن قولهم هو نفس الشطط، والشطط: البعد عن الحق والصواب. وإليه ترجع أقوال المفسرين، كقول بعضهم: ((شططا)): جوراً، تعدياً، كذباً، خطأ، إلى غير ذلك من الأقوال. وأصل مادة الشطط: مجاوزة الحد، ومنه أشط في السوم: إذا جاوز الحد، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تُشْطِطْ﴾ ... الآية [ص: ٢٢] الآية. أو البعد، ومنه قول عمر بن أبي ربيعة: وللدار بعد غد أبعد تشط غداً دار جيراننا ويكثر استعمال الشطط في الجور والتعدي، ومنه قول الأعشى: أتنهون ولن ينهى ذوي شطط كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل وهذه الآية الكريمة تدل دلالة واضحة على أن من أشرك مع خالق السموات والأرض معبوداً آخر، فقد جاء بأمر شطط بعيد عن الحق والصواب في غاية الجور والتعدي؛ لأن الذي يستحق العبادة هو الذي يبرز الخلائق من العدم إلى الوجود؛ لأن الذي لا يقدر على خلق غيره مخلوق يحتاج إلى خالق يخلقه ویرزقه ويدبر شؤونه. وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة جاء مبيناً في آيات أخر كثيرة كقوله: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١) الَّذِی جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَشًا وَالسَّمَآءَ بِنَآءُ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءٍ فَأَخْرَجَ بِهِ، مِنَ الثَّمَرَتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلَاِ تَجْعَلُواْ لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾﴾ [البقرة]، وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَّا يَخْلُقُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ(٣)﴾ [النحل]، وقوله تعالى: ﴿أَمْ جَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ، فَتَشَبَهَ اْخَلْقُ عَلَيْهِمَّ قُلِ اللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ اُلْوَجِدُ اٌلْقَهَّرُ﴾ [الرعد: ١٦] أي الواحد القهار الذي هو خالق كل شيء هو المستحق للعبادة وحده - جل وعلا -. وقوله - جل وعلا -: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُ يُخْلَقُونَ ﴿4﴾ [الأعراف]. وقوله تعالى: ﴿وَأَتَّخَذُواْ مِن دُونِّ ◌َالِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الفرقان: ٣]، إلى غير ذلك من الآيات. وقوله - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة: ﴿لَّقَدْ قُلْنَا إِذَا شَطَطًّا﴾؛ أي إذا دعونا من دونه إلهاً فقد قلنا شططاً. قوله تعالى: ﴿هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اُتَخَذُواْ مِن دُونِهِ ءَالِهَةٌ لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيٍِّ﴾. (لولا)) في هذه الآية الكريمة للتحضيض، وهو الطلب بحث وشدة. والمراد بهذا ٥٢٦. سورة الكهف: الآيتان (١٥ - ١٦) الطلب التعجيز؛ لأنه من المعلوم أنه لا يقدر أحد أن يأتي بسلطان بين على جواز عبادة غير الله تعالى. والمراد بالسلطان البين: الحجة الواضحة. وما ذكره - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة من تعجيزهم عن الإتيان بحجة على شركهم وكفرهم، وإبطال حجة المشركين على شركهم، جاء موضحاً في آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَّا إِن تَذَّبِعُونَ إِلَّا الَّلَنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٨]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمُ مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِ مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرُ فِ السَّمَوَتِّ أَثْنُونِ بِكِتَبٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَرَةِ مِّنْ عِلْمِ إِن كُمْ صَدِقِينَ ﴾﴾ [الأحقاف]، وقوله تعالى منكراً عليهم: ﴿أَمْ ءَانْنَهُمْ كِتَبًا مِّن قَبْلِهِ، فَهُم بِهِ، مُسْتَمْسِكُونَ ﴾ [الزخرف]، وقوله - جل وعلا -: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَئًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا ٣٥ كَانُواْ بِهِ، يُشْرِكُونَ [الروم]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ شُرَكَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِ مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْلٌ فِ اٌلَّمَوَتِ أَمْ ◌َتَيْنَهُمْ كِنَبًا فَهُمْ عَلَى بَيِنَتِ مِّنْهُ بَلْ إِن يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا (٣)﴾ [فاطر]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا (١)﴾ [المؤمنون]، ءَخَرَ لَا بُرْهَنَ لَهُ بِهِ، فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِِّةٍ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ والآيات الدالة على أن المشركين لا مستند لهم في شركهم إلا تقليد آبائهم الضالين كثيرة جدًّا، وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿هَؤُلاءِ﴾ مبتدأ، و﴿قَوْمُنَا﴾ قيل: عطف بيان، والخبر جملة ﴿اَّخَذُواْ﴾ وقيل: ﴿قَوْمُنَا﴾ خبر المبتدأ، وجملة ﴿أَتَّخَذُواْ﴾ في محل حال، والأول أظهر، والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اُفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ﴾﴾. أي لا أحد أظلم ممن افترى على الله الكذب بادعاء أن له شريكاً كما افتراه عليه قوم أصحاب الكهف، كما قال عنهم أصحاب الكهف: ﴿هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا أَّخَذُواْ مِن دُونِهِ: ءَالِهَةً﴾ ... الآية. وهذا المعنى ذكره هنا من أن افتراء الكذب على الله يجعل الشركاء له هو أعظم الظلم جاء مبيناً في آيات كثيرة، كقوله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَآءَهٌ﴾ [الزمر: ٣٢]، وقوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَهُ مِمَنِ أَفْتَى عَلَى الَّهِ كَذِبًا أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ اَلْأَشْهَدُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمَّ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ١٨) [هود]، والآيات بمثل ذلك كثيرة جداً. قوله تعالى: ﴿وَإِذِ آَمْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأُوُواْ إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن (@)﴾. ﴿إِذ﴾ في قوله: ﴿وَإِذِ أَعْتَزَلْتُمُوهُمْ﴾ للتعليل على رَحْمَتِهِ، وَيُهَبِئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا التحقيق، كما قاله ابن هشام، وعليه فالمعنى ولأجل اعتزالكم قومكم الكفار وما يعبدونه من دون الله، فاتخذوا الكهف مأوى ومكان اعتصام، ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقاً، وهذا يدل على أن اعتزال المؤمن قومه الكفار ومعبوديهم من أسباب لطف الله به ورحمته. ٥٢٧ سورة الكهف: الآية (١٧) وهذا المعنى يدل عليه أيضاً قوله تعالى في نبيه إبراهيم - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام -: ﴿وَأَعْتَّزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اَلَّهِ وَأَدْعُواْ رَبِى عَسَىَ أَلَّ أَكُونَ بِدُعَِّ رَبِ شَفِيًّا ٤٨ فَلَمَّا أَعْتَزَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُرْ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبِ وَكُلَّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (﴿ وَوَهَبْنَا [مريم]، واعتزالهم إياهم هو مجانبتهم لَهُ مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا لهم، وفرارهم منهم بدینهم. وقوله: ﴿وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّ اللَّهَ﴾ اسم موصول في محل نصب معطوف على الضمير المنصوب في قوله: ﴿أَعْتَزَّلْتُهُوُهُمْ﴾؛ أي واعتزلتم معبوديهم من دون الله، وقيل: مصدرية، أي اعتزلتموهم واعتزلتم عبادتهم غير الله تعالى والأول أظهر. د .. وقوله: ﴿إِلَّ اللَّهَ﴾ قيل: هو استثناء متصل، بناء على أنهم كانوا يعبدون الله والأصنام. وقيل: هو استثناء منقطع؛ بناء على القول بأنهم كانوا لا يعبدون إلا الأصنام، ولا يعرفون الله ولا يعبدونه. وقوله: ﴿مِرْفَقًا﴾ أي ما ترتفقون به، أي تنتفعون به. وقرأه نافع وابن عامر - بفتح الميم وكسر الفاء مع تفخيم الراء - وقرأه باقي السبعة - بكسر الميم وفتح الفاء وترقيق الراء -، وهما قراءتان ولغتان فيما يرتفق به، وفي عضو الإنسان المعروف. وأنكر الكسائي في ((المرفق)» بمعنى عضو الإنسان - فتح الميم وكسر الفاء - وقال: هو بكسر الميم وفتح الفاء، ولا يجوز غير ذلك. وزعم ابن الأنباري أن ((من)) في قوله: ﴿وَيُّهَيِّئْ لَكُ مِّنْ أَمْرِكُمْ﴾ بمعنى البدلية، أي يهيئ لكم بدلاً من ((أمركم)) الصعب مرفقاً، وعلى هذا الذي زعم غاية كقوله تعالى: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَوَةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةَ﴾ [التوبة: ٣٨] أي بدلاً منها وعوضاً عنها. ومن هذا المعنى قول الشاعر: فليت لنا من ماء زمزم شربة مبردة باتت على طهيان أي بدلاً من ماء زمزم، والله تعالى أعلم. ومعنى ﴿يَنْشُرْ لَهُ﴾: يبسط لكم، كقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِى يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُواْ وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ [الشورى: ٢٨] الآية: وقوله: ﴿وَيُّهَيِّئْ﴾، أي ييسر ويقرب ويسهل. قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتَ تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِىِ فَجْوَةٍ مِّنْهُ ذَلِكَ مِنْ ءَايَتِ اَللَّهِ﴾. اعلم أولاً أنا قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يقول بعض العلماء في الآية قولاً، ويكون في نفس الآية قرينة تدل على خلاف ذلك القول، وذكرنا من ذلك أمثلة متعددة. وإذا علمت ذلك فاعلم أن العلماء اختلفوا في هذه الآية على قولين، وفي نفس الآية قرينة تدل على صحة أحدهما وعدم صحة الآخر. أما القول الذي تدل القرينة في الآية على خلافه، فهو أن أصحاب الكهف كانوا ٥٢٨ سورة الكهف: الآية (١٧) في زاوية من الكهف، وبينهم وبين الشمس حواجز طبيعية من نفس الكهف، تقيهم حر الشمس عند طلوعها وغروبها، على ما سنذكر تفضيله - إن شاء الله تعالى -. وأما القول الذي تدل القرينة في هذه الآية على صحته، فهو أن أصحاب الكهف كانوا في فجوة من الكهف على سمت تصيبه الشمس وتقابله؛ إلا أن الله منع ضوء الشمس من الوقوع عليهم على وجه خرق العادة؛ كرامة لهؤلاء القوم الصالحين، الذين فروا بدينهم طاعة لربهم - جل وعلا -. والقرينة الدالة على ذلك هي قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ ءَايَتِ اللَّهِ﴾، إذ لو كان الأمر كما ذكره أصحاب القول الأول لكان ذلك أمراً معتاداً مألوفاً، وليس فيه غرابة حتى يقال فيه : ﴿ذَلِكَ مِنْ ءَايَتِ اللَّهِ﴾، وعلى هذا الوجه الذي ذكرناه أنه تشهد له القرينة المذكورة، فمعنى تزاور الشمس عن كهفهم ذات اليمين عند طلوعها، وقرضها إياهم ذات الشمال عند غروبها هو أن الله يقلص ضوءها عنهم، ويبعده إلى جهة اليمين عند الطلوع، وإلى جهة الشمال عند الغروب؛ والله - جل وعلا - قادر على كل شيء، يفعل ما يشاء، فإذا علمت هذا، فاعلم أن أصحاب القول الأول اختلفوا في كيفية وضع الكهف. وجزم ابن كثير في تفسيره بأن الآية تدل على أن باب الكهف كان من نحو الشمال، قال: لأنه تعالى أخبر بأن الشمس إذا دخلته عند طلوعها تزاور عنه ذات اليمين، أي يتقلص الفيء يمنة. كما قال ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة: تزاور أي تميل؛ وذلك أنها كلما ارتفعت في الأفق تقلص شعاعها بارتفاعها حتى لا يبقى منه شيء عند الزوال في ذلك المكان؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِذَا غَرَبَتَ تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾؛ أي تدخل إلى غارهم من شمال بابه وهو من ناحية الشرق، فدل على صحة ما قلناه، وهذا بين لمن تأمله، وكان له علم بمعرفة الهيئة وسير الشمس والقمر والكواكب. وبيانه - أنه لو كان باب الغار من ناحية الشرق لما دخل إليه منها شيء عند الغروب، ولو كان من ناحية القبلة لما دخل إليه منها شيء عند الطلوع ولا عند الغروب، ولا تزاور الفيء يميناً وشمالاً، ولو كان من جهة الغرب لما دخلته وقت الطلوع، بل بعد الزوال، ولم تزل فيه إلى الغروب، فتعين ما ذكرناه، ولله الحمد، انتهى كلام ابن كثير. وقال الفخر الرازي في تفسيره: أصحاب هذا القول قالوا: إن باب الكهف كان مفتوحاً إلى جانب الشمال، فإذا طلعت الشمس كانت على يمين الكهف، وإذا غربت كانت على شماله، فضوء الشمس ما كان يصل إلى داخل الكهف، وكان الهواء الطيب والنسيم الموافق يصل إليه، انتهى كلام الرازي. وقال أبو حيان في تفسير هذه الآية: وهذه الصفة مع الشمس تقتضي أنه كان لهم حاجب من جهة الجنوب، وحاجب من جهة الدبور وهم في زاوية. وقال عبد الله بن مسلم: كان باب الكهف ينظر إلى بنات نعش، وعلى هذا كان أعلى الكهف مستوراً من المطر. ٥٣٩ سورة الكهف: الآية (١٧) قال ابن عطية: كان كهفهم مستقبل بنات نعش لا تدخله الشمس عند الطلوع ولا عند الغروب، اختار الله لهم مضجعاً متسعاً في مقنأة لا تدخل عليهم الشمس فتؤذيهم، انتهى الغرض من كلام أبي حيان. والمقناة: المكان الذي لا تطلع عليه الشمس، إلى غير ذلك من أقوال العلماء. والقول الأول أنسب للقرينة القرآنية التي ذكرنا. وممن اعتمد القول الأول لأجل القرينة المذكورة الزجاج، ومال إليه بعض الميل الفخر الرازي والشوكاني في تفسيريهما، لتوجيههما قول الزجاج المذكور بقرينة الآية المذكورة. وقال الشوكاني تَقْتُ في تفسيره: ويؤيد القول الأول قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ ءَايَتٍ اللَّهِ﴾ فإن صرف الشمس عنهم مع توجه الفجوة إلى مكان تصل إليه عادة أنسب، بمعنى كونها آية. ويؤيده أيضاً إطلاق الفجوة وعدم تقييدها بكونها إلى جهة كذا، ومما يدل على أن الفجوة المكان الواسع قول الشاعر: ألبست قومك مخزاة ومنقصة حتى أبيحوا وحلوا فجوة الدار انتهى كلام الشوكاني. ومعلوم أن الفجوة هي المتسع. وهو معروف في كلام العرب، ومنه البيت المذكور، وقول الآخر : ونحن ملأنا كل واد وفجوة ·رجالاً وخيلاً غير ميل ولا عنزل : ومنه الحدیث: «فإذا وجد فجوة نص)). وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت﴾؛ أي ترى أيها المخاطب الشمس عند طلوعها تميل على كهفهم، والمعنى أنك لو رأيتهم لرأيتهم كذلك، لا أن المخاطب رآهم بالفعل، كما يدل على هذا المعنى قوله تعالى: ﴿لَوِ أَطَلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا ... ﴾ الآية، والخطاب بمثل هذا مشهور في لغة العرب التي نزل بها هذا القرآن العظيم، وأصل مادة التزاور: الميل، فمعنى تزاور: تميل، والزور: الميل، ومنه شهادة الزور؛ لأنها ميل عن الحق. ومنه الزيارة؛ لأن الزائر يميل إلى المزور، ومن هذا المعنى قول عنترة في معلقته: وشكا إلي بعبرة وتحمحم فازور من وقع القنا بلبانه وقول عمر بن أبي ربيعة: وخفض عني الصوت أقبلت مشية الصحباب وشخصي خشية الحي أزور وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿ذَاتَ آلْيَمِينِ﴾ أي جهة اليمين، وحقيقتها الجهة المسماة باليمين. وقال أبو حيان في البحر: وذات اليمين: جهة يمين الكهف، وحقيقتها الجهة المسماة باليمين، يعني يمين الداخل إلى الكهف، أو يمين الفتية، اهـ وهو منصوب على الظرف. ٥٣٠ - سورة الكهف: الآية (١٧) وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ﴾ من القرض بمعنى القطيعة والصرم؛ أي تقطعهم وتتجافى عنهم ولا تقربهم. وهذا المعنى معروف في كلام العرب؛ ومنه قول غيلان ذي الرمة: ضحى وسواد العين في الماء شامس نظرت بجرعاء السبية نظرة شمالاً وعن أيمانهن الفوارس إلى ظعن يقرضن أقواز مشرف فقوله: ((يقرضن أقواز مشرف)) أي يقطعنها ويبعدنها ناحية الشمال وعن أيمانهن الفوارس، وهو موضع أو رمال الدهناء، والأقواز: جمع قوز - بالفتح - وهو العالي من الرمل كأنه جبل، ويروى أجواز مشرف - جمع جوز؛ من المجاز بمعنى الطريق. وهذا الذي ذكرنا هو الصواب في معنى قوله تعالى: ﴿تَّقْرِضُهُمْ﴾ خلافاً لمن زعم أن معنى تقرضهم تقطعهم من ضوئها شيئاً ثم يزول سريعاً كالقرض يسترد، ومراد قائل هذا القول أن الشمس تميل عنهم بالغداة، وتصيبهم بالعشي إصابة خفيفة، بقدر ما يطيب لهم هواء المكان ولا يتعفن. قال أبو حيان في البحر: ولو كان من القرض الذي يعطى ثم يسترد لكان الفعل رباعياً، فتكون التاء في قوله: ﴿تَّقْرِضُهُمْ﴾ مضمومة، لكن دل فتح التاء من قوله: ﴿تَقْرِضُهُمْ﴾ على أنه من القرض بمعنى القطع، أي تقطع لهم من ضوئها شيئاً، وقد علمت أن الصواب القول الأول. وقد قدمنا أن الفجوة: المتسع. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿َّزَوَرُ عَن كَهْفِهِمْ﴾ فیه ثلاث قراءات سبعیات: قرأه ابن عامر الشامي ((تزور)) بإسكان الزاي وإسقاط الألف وتشديد الراء؛ على وزن تحمر، وهو على هذه القراءة من الازورار بمعنى الميل؛ كقول عنترة المتقدم: فازور من وقع القنا ... البيت وقرأه الكوفيون وهم عاصم وحمزة والكسائي بالزاي المخففة بعدها ألف، وعلى هذه القراءة فأصله ((تتزاور)) فحذفت منه إحدى التاءين؛ على حد قوله في الخلاصة: وما بتاءين ابتدي قد يقتصر فيه على تاكتبين العبر وقرأه نافع المدني وابن كثير المكي وأبو عمرو البصري ((تزاور)) بتشديد الزاي بعدها ألف، وأصله ((تتزاور)) أدغمت فيه التاء في الزاي، وعلى هاتين القراءتين: أعني قراءة حذف إحدى التاءين، وقراءة إدغامها في الزاي فهو من التزاور بمعنى الميل أيضاً، وقد يأتي التفاعل بمعنى مجرد الفعل كما هنا، وكقولهم: سافر وعاقب وعافى. ... وعلى قول من قال: إن في الكهف حواجز طبيعية تمنع من دخول الشمس بحسب وضع الكهف فالإشارة في قوله: ﴿ذَلِكَ مِنْ ءَايَتِ اَللَّهِ﴾ راجعة إلى ما ذكر من حديثهم؛ أي ذلك المذكور إلى هدايتهم إلى التوحيد وإخراجهم من بين عبدة الأوثان، وإيوائهم إلى ذلك الكهف، وحمايتهم من عدوهم إلى آخر حديثهم من آيات الله، وأصل الآية ٥٣١ سورة الكهف: الآية (١٧). عند المحققين ((أيية)) بثلاثة فتحات، أبدلت فيه الياء الأولى ألفاً؛ والغالب في مثل ذلك أنه إذا اجتمع موجبا إعلال، كان الإعلال في الأخير؛ لأن التغير عادة أكثر في الأواخر؛ كما في طوى ونوى، ونحو ذلك، وهنا أعل الأول على خلاف الأغلب، كما أشار له في الخلاصة بقوله: وإن الحرفين ذا الإعلال استحق صحح أول وعكس قد يحق والآية تطلق في اللغة العربية إطلاقين. وتطلق في القرآن العظيم إطلاقين أيضاً، أما إطلاقها في اللغة: الأول منهما أنها تطلق بمعنى العلامة، وهو الإطلاق المشهور، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ ءَايَةَ مُلْكِهِ، أَن يَأْنِيَكُمُ الثَّابُوتُ ... ﴾ الآية [البقرة: ٢٤٨]، وقول عمر بن أبي ربيعة: بمدفع أكنان أهذا المشهر بآية ما قالت غداة لقيتها يعني أن قولها ذلك هو العلامة بينها وبين رسوله إليها المذكور في قوله قبله: يشهر إلمامي بها وينكر ألكني إليها بالسلام فإنه وقد جاء في شعر نابغة ذبيان وهو جاهلي تفسير الآية بالعلامة في قوله: توهمت آيات لها فعرفتها لستة أعوام وذا العام سابع ثم بين أن مراده بالآيات علامات الدار بقوله بعده: ونؤدي كجم الحوض أثلم خاشع رماد ككحل العين لأياً أبينه وأما الثاني منهما فهو إطلاق الآية بمعنى الجماعة، يقولون: جاء القوم بآيتهم، أي بجماعتهم، ومنه قول برج بن مسهر أو غيره: خرجنا من النقبين لا حي مثلنا بآياتنا نزجي اللقاح المطافلا فقوله: ((بآياتنا)) أي بجماعتنا . وأما إطلاقها في القرآن فالأول منهما: إطلاقها على الآية الكونية القدرية، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَيَتٍ لِأُوْلِ الْأَلْبَبِ (٣)﴾ [آل عمران]؛ أي علامات كونية قدرية، يعرف بها أصحاب العقول السليمة أن خالقها هو الرب المعبود وحده - جل وعلا - والآية الكونية القدرية في القرآن من الآية بمعنى العلامة لغة. وأما إطلاقها الثاني في القرآن فهو إطلاقها على الآية الشرعية الدينية؛ كقوله: ﴿رَسُولاً يَثْلُواْ عَلَيْكُمْ ءَايَتِ اللَّهِ ... ﴾ الآية [الطلاق: ١١]. ونحوها من الآيات. والآية الشرعية الدينية قيل: هي من الآية بمعنى العلامة لغة؛ لأنها علامات على صدق من جاء بها، أو أن فيها علامات على ابتدائها وانتهائها . وقيل: من الآية، بمعنى الجماعة، لاشتمال الآية الشرعية الدينية على طائفة وجماعة من كلمات القرآن. ٥٣٢ سورة الكهف: الآية (١٨) قوله تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَّدِّ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَن ◌َجِدَ لَهُ وَلِيًّا قُرْشِدًا﴾. بين - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن الهدى والإضلال بيده وحده - جل وعلا - فمن هداه فلا مضل له، ومن أضله فلا هادي له. وقد أوضح هذا المعنى في آيات كثيرة جداً، كقوله تعالى: ﴿وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ اَلْمُهْتَدِّ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَمْ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِّ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ اُلْقِيَمَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبِّكْمًا وَصُمّ ... ) الآية [الإسراء: ٩٧]، وقوله: ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِىّ وَمَن يُضْلِلْ فَأُوْلَكَ هُمُ الْخَسِرُونَ (٣٨)﴾ [الأعراف]، وقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [القصص: ٥٦]، وقوله: ﴿وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤١]، وقوله: ﴿إِن تَحْرِصِ عَلَى هُدَهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى مَن يُضِلُ وَمَا لَهُم مِّن نَّصِرِينَ ﴾﴾ [النحل]، وقوله تعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِ وَمَن يُرِدْ أَنْ يُضِلَّمُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَضَغَدُ فِ السَّمَلِ﴾ [الأنعام: ١٢٥]، والآيات بمثل هذا كثيرة جدًّا. ويؤخذ من هذه الآيات وأمثالها في القرآن بطلان مذهب القدرية: أن العبد مستقل بعمله من خير أو شر، وأن ذلك ليس بمشيئة الله بل بمشيئة العبد، سبحانه - جل وعلا - عن أن يقع في ملكه شيء بدون مشيئته! وتعالى عن ذلك علواً كبيراً! وسيأتي بسط هذا المبحث - إن شاء الله تعالى. وقد أوضحنا أيضاً في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) في سورة ((الشمس)) في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا لُجُورَهَا وَتَقْوَنَهَا (٦)﴾ [الشمس]، وقوله: ﴿فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيَّا قُرْشِدًا﴾؛ أي لن تكون بينه وبينه سبب للموالاة يرشده إلى الصواب والهدى، أي لن يكون ذلك لأن من أضله الله فلا هادي له، وقوله: ﴿فَهُوَ الْمُهْتَّدِّ﴾ قرأه بإثبات الياء في الوصل دون الوقف نافع وأبو عمرو. وبقية السبعة قرؤوه بحذف الياء في الحالين. قوله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُّهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ﴾. الحسبان بمعنى الظن، والأيقاظ: جمع يقظ - بكسر القاف وضمها -، ومنه قول عمر بن أبي ربيعة: فلما رأت من قد تنبه منهم وأيقاظهم قالت أشر كيف تأمر والرقود: جمع راقد وهو النائم، أي تظنهم أيها المخاطب لو رأيتهم أيقاظاً والحال أنهم رقود، ويدل على هذا المعنى قوله تعالى في نظيره: ﴿لَوِ أَطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا ... ) الآية. وقال بعض العلماء: سبب ظن الرائي أنهم أيقاظ هو أنهم نيام وعيونهم مفتحة. وقيل: لكثرة تقلبهم. وهذا القول يشير له قوله تعالى بعده: ﴿ وَتُقَلِيُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِمَالِّ﴾، وكلام المفسرين هنا في عدد تقلبهم من كثرة وقلة لا دليل عليه؛ ولذا أعرضنا عن ذكر الأقوال فيه. ٥٣٣ سورة الكهف: الآية (١٨) - وقوله في هذه الآية: ﴿ وَتَحْسَبُهُمْ﴾ قرأه بفتح السين على القياس ابن عامر وعاصم وحمزة. وقرأه بكسر السين نافع وابن كثير وأبو عمرو والكسائي، وهما قراءتان سبعيتان، ولغتان مشهورتان، والفتح أقيس والكسر أفصح. قوله تعالى: ﴿وَكَلْبُهُم بَسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾. اختلفت عبارات المفسرين في المراد بـ((الوصيد)) فقيل: هو فناء البيت، ويروى عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير، وقيل الوصيد: الباب، وهو مروي عن ابن عباس أيضاً. وقيل: الوصيد العتبة. وقيل: الصعيد. والذي يشهد له القرآن أن الوصيد هو الباب. ويقال له: ((أصيد)) أيضاً؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّهَ عَلَّهِمْ مُؤْصَدَةٌ ﴾﴾ [الهمزة]؛ أي مغلقة مطبقة؛ وذلك بإغلاق كل وصيد أو أصيد، وهو الباب من أبوابها، ونظير الآية من كلام العرب قول الشاعر: ومن دونها أبواب صنعاء مؤصدة تحن إلى أجبال مكة ناقتي وقول ابن قيس الرقيات: مصفقاً مؤصداً عليه الحجاب إن في القصر لو دخلنا غزالا فالمراد بالإيصاد في جميع ذلك: الإطباق والإغلاق؛ لأن العادة فيه أن يكون بالوصيد وهو الباب. ويقال فيه أصيد. وعلى اللغتين القراءتان في قوله: ﴿مُؤْصَدَةُ مهموزاً من الأصيد ... وغير مهموز من الوصيد. ومن إطلاق العرب الوصيد على الباب قول عبيد بن وهب العبسي، وقيل زهير: علي ومعروفي بها غير منكر بأرض فضاء لا يسد وصيدها أي لا يسد بابها علي، يعني ليست فيها أبواب حتى تسد علي، كقول الآخر: ولا ترى الضب بها ينجحر فإن قيل: كيف يكون الوصيد هو الباب في الآية، والكهف غار في جبل لا باب له؟. فالجواب: أن الباب يطلق على المدخل الذي يدخل للشيء منه، فلا مانع من تسمية المدخل إلى الكهف باباً. ومن قال: الوصيد الفناء لا يخالف ما ذكرنا؛ لأن فناء الكهف هو بابه. وقد قدمنا مراراً أن من أنواع البيان التي تضمنها هذا الكتاب المبارك أن يقول بعض العلماء في الآية قولاً وتكون في الآية قرينة تدل على خلافه. وقد قال بعض أهل العلم في هذه الآية الكريمة: إن المراد بالكلب في هذه الآية رجل منهم، لا كلب حقيقي. واستدلوا لذلك ببعض القراءات الشاذة، كقراءة ((وكالبهم باسط ذراعيه بالوصيد)) وقراءة ((وكالئهم باسط ذراعيه)). وقوله - جل وعلا -: ﴿بَسِطُ ذِرَاعَيْهِ﴾ قرينة تدل على بطلان ذلك القول؛ لأن بسط الذراعين معروف من صفات الكلب الحقيقي، ومنه حديث أنس المتفق عليه عن النبي وسلم أنه قال: ((اعتدلوا في السجود ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب)) وهذا المعنى مشهور في كلام العرب، فهو قرينة على أنه كلب حقيقي، وقراءة (وكالئهم)) بالهمزة لا تنافي كونه كلباً؛ لأن الكلب يحفظ أهله ويحرسهم. والكلاءة: الحفظ . ٥٣٤ سورة الكهف: الآية (١٩) فإن قيل: ما وجه عمل اسم الفاعل الذي هو ((باسط)) في مفعوله الذي هو (ذراعيه)) والمقرر في النحو أن اسم الفاعل إذا لم يكن صلة ((أل)) لا يعمل إلا إذا كان واقعاً في الحال أو المستقبل؟. فالجواب: أن الآية هنا حكاية حال ماضية، ونظير ذلك من القرآن قوله تعالى: ﴿إِنِّ جَاعِلٌ فِ الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ﴾ [البقرة: ٣٠]، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مُخْرِجُ مَّا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٧٢]. واعلم أن ذكره - جل وعلا - في كتابه هذا الكلب، وكونه باسطاً ذراعيه بوصيد كهفهم في معرض التنويه بشأنهم يدل على أن صحبة الأخيار عظيمة الفائدة. قال ابن كثير تَّقُ في تفسير هذه الآية الكريمة: وشملت كلبهم بركتهم، فأصابه ما أصابهم من النوم على تلك الحال، وهذا فائدة صحبة الأخيار، فإنه صار لهذا الكلب ذكر وخبر وشأن، اهـ. ويدل على هذا المعنى قوله ﴿ لمن قال إني أحب الله ورسوله: ((أنت مع من أحببت)) متفق عليه من حديث أنس. ويفهم من ذلك أن صحبة الأشرار فيها ضرر عظيم، كما بينه الله تعالى في سورة (@) إلى قوله: ﴿قَالَ تَللَّهِ إِن ((الصافات)) في قوله: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ إِنِ كَانَ لِ قَرِنٌ كِدِتَّ لَتُدِينِ ﴿ وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّ لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾﴾ [الصافات]. وما يذكره المفسرون من الأقوال في اسم كلبهم، فيقول بعضهم: اسمه قطمير. ويقول بعضهم: اسمه حمران، إلى غير ذلك لم نطل به الكلام لعدم فائدته. ففي القرآن العظيم أشياء كثيرة لم يبينها الله لنا ولا رسوله، ولم يثبت في بيانها شيء، والبحث عنها لا طائل تحته ولا فائدة فيه. وكثير من المفسرين يطنبون في ذكر الأقوال فيها بدون علم ولا جدوى، ونحن نعرض عن مثل ذلك دائماً؛ كلون كلب أصحاب الكهف، واسمه، وكالبعض الذي ضرب به القتيل من بقرة بني إسرائيل، وكاسم الغلام الذي قتله الخضر، وأنكر عليه موسى قتله، وكخشب سفينة نوح من أي شجر هو، وكم طول السفينة وعرضها، وكم فيها من الطبقات، إلى غير ذلك مما لا فائدة في البحث عنه، ولا دليل على التحقيق فيه. وقد قدمنا في سورة ((الأنعام)) في الكلام على قوله تعالى: ﴿قُل لََّ أَجِدُ فِ مَآ أُوحِىَ إِلَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] - حكم أكل لحم الكلب وبيعه، وأخذ قيمته إن قتل، وما " يجوز اقتناؤه منها وما لا يجوز. وأوضحنا الأدلة في ذلك وأقوال العلماء فيه. قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَهُمْ لِتَسَآءَ لُواْ بَيْنَهُمَّ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُرَّ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُواْ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِئْتُمْ﴾. ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أنه بعث أصحاب الكهف من نومتهم الطويلة ليتساءلوا بينهم، أي ليسأل بعضهم بعضاً عن مدة لبثهم في الكهف في تلك النومة، وأن بعضهم قال: إنهم لبثوا يوماً أو بعض يوم، وبعضهم رد علم ذلك إلى الله - جل وعلا -.. ٥٣٥ سورة الكهف: الآية (١٩) ولم يبين هنا قدر المدة التي تساءلوا عنها في نفس الأمر، ولكنه بين في موضع آخر أنها ثلاثمائة سنة بحساب الشمسية، وثلاثمائة سنة وتسع سنين بحساب السنة القمرية، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَبِثُواْ فِ كَهْفِهِمْ ثَثَ مِاْتَةٍ سِنِينَ وَأَزْدَادُواْ تِسْعًا ﴾﴾ كما تقدم. قوله تعالى: ﴿فَأَبْعَثُواْ أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ، إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزَكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِّنْهُ﴾. في قوله في هذه الآية: ((أزكى)) قولان للعلماء: أحدهما: أن المراد بكونه ((أزكى)) أطيب لكونه حلالاً ليس مما فيه حرام ولا شبهة. وثانيهما : أن المراد بكونه أزكى أنه أكثر، كقولهم: زكا الزرع إذا كثر، وكقول الشاعر: وللسبع أزكى من ثلاث وأطيب قبائلنا سبع وأنتم ثلاثة أي أكثر من ثلاثة. والقول الأول هو الذي يدل عليه القرآن؛ لأن أكل الحلال والعمل الصالح أمر الله به المؤمنين كما أمر المرسلين قال: ﴿يَأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ الَِّبَتِ وَأَعْمَلُواْ صَلِحًاً﴾ ... الآية [المؤمنون: ٥١]، وقال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِبَتِ مَا رَزَقْنَكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣)﴾ [البقرة]. ويكثر في القرآن إطلاق مادة الزكاة على الطهارة @﴾ ... . الآية [الأعلى]، وقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زََّّنْهَا كقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزََّ (٣)﴾ . الآية [الشمس]، وقوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبْدًا﴾ [النور: ٢١]، وقوله: ﴿فَأَرَدْنَآ أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَوَةً وَأَقْرَبَ رُحْماً (﴿4﴾ وقوله: ﴿أَقْلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾، إلى غير ذلك من الآيات. فالزكاة في هذه الآيات ونحوها: يراد بها الطهارة من أدناس الذنوب والمعاصي، فاللائق بحال هؤلاء الفتية الأخيار المتقين أن يكون مطلبهم في مأكلهم الحلية والطهارة، لا الكثرة، وقد قال بعض العلماء: إن عهدهم بالمدينة فيها مؤمنون يخفون إيمانهم، وكافرون، وأنهم يريدون الشراء من طعام المؤمنين دون الكافرين، وأن ذلك هو مرادهم بالزكاة في قوله: ﴿أَزْكَى طَعَامًا﴾ وقيل: كان فيها أهل كتاب ومجوس، والعلم عند الله تعالى. والورق في قوله تعالى: ﴿فَأَبْعَثُواْ أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ﴾: الفضة، وأخذ علماء المالكية وغيرهم من هذه الآية الكريمة مسائل من مسائل الفقه:٠. ، المسألة الأولى: جواز الوكالة وصحتها؛ لأن قولهم: ﴿فَأَبْعَثُواْ أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ﴾ ... الآية، يدل على توكيلهم لهذا المبعوث لشراء الطعام. وقال بعض العلماء: لا تدل الآية على جواز التوكيل مطلقاً بل مع التقية والخوف؛ لأنهم لو خرجوا كلهم لشراء حاجتهم لعلم بهم أعداؤهم في ظنهم فهم معذورون، فالآية تدل على توكيل المعذور دون غيره. وإلى هذا ذهب أبو حنيفة، وهو قول سحنون من أصحاب مالك في التوكيل على الخصام. ٠٥٣٦ سورة الكهف: الآية (١٩) قال ابن العربي: وكأن سحنون تلقه من أسد بن الفرات، فخكم به أيام قضائه. ولعله كان يفعل ذلك لأهل الظلم والجبروت إنصافاً منهم وإذلالاً لهم، وهو الحق، فإن الوكالة معونة ولا تكون لأهل الباطل، اهـ. وقال القرطبي: كلام ابن العربي هذا حسن؛ فأما أهل الدين والفضل فلهم أن يوكلوا وإن كانوا حاضرين أصحاء. والدليل على صحة جواز الوكالة للشاهد الصحيح ما أخرجه الصحيحان وغيرهما عن أبي هريرة قال: كان لرجل على النبي ◌ُطلّ سن من الإبل، فجاء يتقاضاه فقال: ((أعطوه)) فطلبوا سنه فلم يجدوا إلا سناً فوقها. فقال: ((أعطوه)) فقال: أوفيتني أوفى الله لك. وقال النبي ◌َّ: ((إن خيركم أحسنكم قضاء)) لفظ البخاري. فدل هذا الحديث مع صحته على جواز توكيل الحاضر الصحيح البدن، فإن النبي ﴿ أمر أصحابه أن يعطوا عنه السن التي عليه، وذلك توكيل منه لهم على ذلك، ولم يكن النبي ﴾ مريضاً ولا مسافراً. وهذا يرد قول أبي حنيفة وسحنون في قولهما: إنه لا يجوز توكيل الحاضر الصحيح إلا برضا خصمه، وهذا الحديث خلاف قولهما، اهـ كلام القرطبي. ولا يخفى ما فيه؛ لأن أبا حنيفة وسحنوناً إنما خالفا في الوكالة على المخاصمة بغير إذن الخصم فقط، ولم يخالفا في الوكالة في دفع الحق. وبهذه المناسبة سنذكر - إن شاء الله - الأدلة من الكتاب والسنة على صحة الوكالة وجوازها، وبعض المسائل المحتاج إليها من ذلك، تنبيهاً بها على غيرها. اعلم أولاً: أن الكتاب والسنة والإجماع كلها دل على جواز الوكالة وصحتها في الجملة، فمن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى هنا: ﴿فَأَبْعَثُواْ أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ﴾ هذه الآية، وقوله تعالى: الآية [التوبة: ٦٠]، فإن عملهم عليها ﴿ وَالْعَمِلِينَ عَلَيْهَا﴾ توكيل لهم على أخذها . واستدل لذلك بعض العلماء أيضاً بقوله: ﴿أَذْهَبُواْ بِقَمِيصِى هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِىِ﴾ [يوسف: ٩٣]؛ فإنه توكيل لهم من يوسف على إلقائهم قميصه على وجه أبيه ليرتد بصيراً. واستدل بعضهم لذلك أيضاً بقوله تعالى عن يوسف: ﴿قَالَ أَجْعَلْنِى عَلَى خَزَآبِنِ الْأَرْضِ﴾ [يوسف: ٥٥]، فإنه توكيل على ما في خزائن الأرض. وأما السنة فقد دلت أحاديث كثيرة على جواز الوكالة وصحتها؛ من ذلك حديث أبي هريرة المتقدم في كلام القرطبي، الدال على التوكيل في قضاء الدين، وهو حديث متفق عليه، وأخرج الجماعة إلا البخاري من حديث أبي رافع عن النبي ◌َّ نحوه .. ومنها: حديث عروة بن أبي الجعد البارقي أن النبي ◌ّلل أعطاه ديناراً ليشتري به له شاة، فاشترى له به شاتين. فباع إحداهما بدينار وجاءه بدينار وشاة، فدعا بالبركة في بيعه؛ وكان لو اشترى التراب لربح فيه، رواه الإمام أحمد والبخاري وأبو داود . والترمذي وابن ماجه والدارقطني، وفيه التوكيل على الشراء. ٥٣٧ سورة الكهف: الآية (١٩) ـ ومنها: حديث جابر بن عبد الله ظما قال: أردت الخروج إلى خيبر، فأتيت رسول الله وسلم فقلت: إني أردت الخروج إلى خيبر؟ فقال: ((إذا أتيت وكيلي فخذ منه خمسة عشر وسقاً، فإن ابتغى منك آية فضع يدك على ترقوته)) أخرجه أبو داود والدار قطني، وفيه التصريح منه ◌َلّ بأن له وكيلاً. ومنها: قوله ◌َّ في الحديث الصحيح: ((واغدُ يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها)» وهو صريح في التوكيل في إقامة الحدود. ومنها: حديث علي ◌ّه قال: أمرني رسول الله وَ ﴿ أن أقوم على بدنة وأن أتصدق بلحومها وجلودها وأجلتها، وألا أعطي الجازر منها شيئاً، وقال: ((نحن نعطيه من عندنا))، متفق عليه. وفيه التوكيل على القيام على البدن والتصدق بلحومها وجلودها وأجلتها. وعدم إعطاء الجازر شيئاً منها . . ومنها: حديث عقبة بن عامر : أن النبي ولو أعطاه غنماً يقسمها على أصحابه فبقي عتود، فذكره للنبي وَلّ فقال: ((ضح أنت به). متفق عليه أيضاً. وفيه الوكالة في تقسيم الضحايا، والأحاديث بمثل ذلك كثيرة. وقد أخرج الشيخان في صحيحيهما طرفاً كافياً منها، ذكرنا بعضه هنا. وقد قال ابن حجر في ((فتح الباري)) في كتاب الوكالة ما نصه: اشتمل كتاب الوكالة - يعني من صحيح البخاري - على ستة وعشرين حديثاً، المعلق منها ستة، والبقية موصولة. المكرر منها فيه وفيما مضى اثنا عشر حديثاً، والبقية خالصة وافقه مسلم على تخريجها سوى حديث عبد الرحمن بن عوف في قتل أمية بن خلف، وحديث كعب بن مالك في الشاة المذبوحة، وحديث وفد هوازن من طريقيه، وحديث أبي هريرة في حفظ زكاة رمضان، وحديث عقبة بن الحرث في قصة النعيمان، وفيه من الآثار عن الصحابة وغيرهم ستة آثار، والله أعلم، انتهى من فتح الباري. وكل تلك الأحاديث دالة على جواز الوكالة وصحتها . وأما الإجماع فقد أجمع المسلمون على جواز الوكالة وصحتها في الجملة، وقال ابن قدامة في المغني: وأجمعت الأمة على جواز الوكالة في الجملة؛ ولأن الحاجة داعية إلى ذلك؛ فإنه لا يمكن كل أحد فعل ما يحتاج إليه فدعت الحاجة إليها، انتهى منه. وهذا مما لا، نزاع فيه. وهناك وسائل متعلقة بالوكالة يُرجع إليها من أراد الوقوف عليها إلى الأصل. وأما شركة المضاربة وهي القراض، فأصلها من الضرب في الأرض؛ لأن التاجر يسافر في طلب الربح، والسفر يكنى عنه بالضرب في الأرض، كما في قوله تعالى: ﴿وَءَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِى الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠]، وقوله: ﴿وَإِذَا ضَرَهُمْ فِ اَلْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاعُ أَن نَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَوَةِ﴾ [النساء: ١٠١]. ٥٣٨ سورة الكهف: الآيتان (٢٠ - ٢١) وهناك أقوال للعلماء في الشركة وأنواعها راجع الأصل. قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِى مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُواْ إِذَا أَبَدًا (6)). ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة عن أصحاب الكهف أنهم قالوا: إن قومهم الكفار الذين فروا منهم بدينهم إن يظهروا عليهم، أي يطلعوا عليهم ويعرفوا مكانهم، يرجموهم بالحجارة، وذلك من أشنع أنواع القتل. وقيل: يرجموهم بالشتم والقذف، أو يعيدوهم في ملتهم، أي يردوهم إلى ملة الكفر. وهذا الذي ذكره هنا من فعل الكفار مع المسلمين من الأذى أو الرد إلى الكفر ذكر في مواضع أخر أنه هو فعل الكفار مع الرسل وأتباعهم؛ كقوله - جل وعلا -: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَمُخْرِحَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُدَُ فِى مِلَّتِنَا﴾ [إبراهيم: ١٣]، وقوله تعالى: ﴿ قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ أُسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِ، لَنُخْرِجَّكَ يَشُعَيْبُ وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَ فِ ◌ِلَتِيَأْ قَالَ أَوَلَوْ كُنَّ كَرِهِينَ ﴿َ قَدِ آَفْتَزَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِى مِلَّيِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَنَّنَا اَللَّهُ مِنْهَاَ وَمَا يَكُونُ لَّنَا أَنْ تَّعُودَ فِيهَا إِلَّ أَنْ يَشَآءَ اللّهُ﴾ [الأعراف: ٨٨ - ٨٩]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَدِلُنَّكُمْ حَّى يَرُدُوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ أَسْتَطَعُواْ﴾ [البقرة: ٢١٧] إلى غير ذلك من الآيات. مسألة: أخذ بعض العلماء من هذه الآية الكريمة أن العذر بالإكراه من خصائص هذه الأمة؛ لأن قوله عن أصحاب الكهف: ﴿إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوَكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِ مِلَّتِهِمْ﴾ ظاهر في إكراههم على ذلك وعدم طواعيتهم، ومع هذا قال عنهم: ﴿وَلَن تُفْلِحُواْ إِذَا أَبَدًا﴾ فدل ذلك على أن ذلك الإكراه ليس بعذر. ويشهد لهذا المعنى حديث طارق بن شهاب في الذي دخل النار في ذباب قربه مع الإكراه بالخوف من القتل؛ لأن صاحبه الذي امتنع أن يقرب ولو ذباباً قتلوه. ويشهد له أيضاً دليل الخطاب، أي مفهوم المخالفة في قوله ومثل : ((إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)). فإنه يفهم من قوله: ((تجاوز لي عن أمتي)) أن غير أمته من الأمم لم يتجاوز لهم عن ذلك، وهذا الحديث وإن أعله الإمام أحمد وابن أبي حاتم فقد تلقاه العلماء قديماً وحديثاً بالقبول، وله شواهد ثابتة في القرآن العظيم والسنة الصحيحة. وقد أوضحنا هذه المسألة في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) في سورة ((الكهف))، في الكلام على قوله: ﴿إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُنْ يَرَجُمُوَكُمْ﴾ ... الآية؛ ولذلك اختصرناها هنا، أما هذه الأمة فقد صرح الله تعالى بعذرهم بالإكراه في قوله: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُظْمَيِنٌ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] والعلم عند الله تعالى. اهـ. قوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَبُواْ عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ لم يبين الله هنا من هؤلاء الذين غلبوا على أمرهم، هل هم من المسلمين، أو من الكفار؟ وذكر ابن جرير وغيره فيهم قولين: أحدهما: أنهم كفار، والثاني: أنهم مسلمون، وهي قولهم: ٥٣٩ سورة الكهف: الآيات (٢٢ - ٢٤) ﴿لَنَتَّخِذَنَ عَلَيْهِم مَسْجِدًا﴾؛ لأن اتخاذ المساجد من صفات المؤمنين لا من صفات الكفار. هكذا قال بعض أهل العلم. ولقائل أن يقول: اتخاذ المساجد على القبور من فعل الملعونين على لسان رسول الله وَ﴾، لا من فعل المسلمين، وقد قدمنا ذلك مستوفى بأدلته في سورة ((الحجر)) في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَبُ اَلِجْرِ ®﴾ [الحجر]. اُلْمُرْسَلِينَ قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَّبِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَهْمًا بِالْغَيْبٍ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُل ◌َّبِ أَعْلَمُ بِعِذَتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِلٌ﴾. أخبر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة عن اختلاف الناس في عدة أصحاب الكهف، فذكر ثلاثة أقوال، على أنه لا قائل برابع، وجاء في الآية الكريمة بقرينة تدل على أن القول الثالث هو الصحيح والأولان باطلان؛ لأنه لما ذكر القولين الأولين بقوله : ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ تبع ذلك بقوله: ﴿رَيْمًا بِالْغَيْبٍ﴾ أي قولاً بلا علم، كمن يرمى إلى مكان لا يعرفه فإنه لا يكاد يصيب، وإن أصاب بلا قصد، كقوله: ﴿ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِن مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [سبأ: ٥٣] وقال القرطبي: الرجم القول بالظن، يقال لكل ما يخرص رجم فيه ومرجوم ومرجم كما قال زهير: وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم وما هو عنها بالحديث المرجم ثم حكى القول الثالث بقوله: ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ فأقره، ولم يذكر بعده أن ذلك رجم بالغيب، فدل على أنه الصحيح. وقوله: ﴿مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِلٌ﴾ قال ابن عباسٍ: أنا من ذلك القليل الذي يعلمهم، كانوا سبعة. وقوله: ﴿قُل تَقِّ أَعْلَمُ بِعِدَتِهِم﴾ فيه تعليم للناس أن يردوا علم الأشياء إلى خالقها - جل وعلا - وإن علموا بها، كما أعلم نبيه وَ له بمدة لبثهم في قوله: ﴿وَلَبِثُواْ فِ كَهْفِهِمْ ثَثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَأَزْدَادُواْ تِسْعًا (9)﴾ ثم أمره مع ذلك برد العلم إليه - جل وعلا - في قوله - جل وعلا -: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ لَهُ غَيْبُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ ... الآية. وما قدمنا من أنه لا قائل برابع قاله ابن كثير أخذاً من ظاهر الآية الكريمة، مع أن ابن إسحاق وابن جريج قالا: كانوا ثمانية. والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿وَلَا نَقُولَنَّ لِشَأَىْءٍ إِنِّ فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا ﴿ إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ﴾ نهى الله نبيه 9 في هذه الآية الكريمة أن يقول: إنه سيفعل شيئاً في المستقبل إلا معلقاً ذلك على مشيئة الله الذي لا يقع شيء في العالم كائناً ما كان إلا بمشيئته - جل وعلا -، فقوله: ﴿وَلَا نَقُولَنَ لِشَأَىْءٍ﴾ أي لا تقولن لأجل شيء تعزم على فعله في المستقبل إني فاعل ذلك الشيء غداً. والمراد بالغد: ما يستقبل من الزمان؛ لا خصوص الغد. ومن أساليب العربية إطلاق الغد على المستقبل من الزمان؛ ومنه قول زهير: وأعلم علم اليوم والأمس قبله ولكنني عن علم ما في غد عم ٥٤٠ - سورة الكهف: الآيات (٢٢ - ٢٤) يعني أنه لا يعلم ما يكون في المستقبل، إذ لا وجه لتخصيص الغد المعين بذلك. وقوله: ﴿إِلَّ أَنْ يَشَآءَ اللّهُ﴾ [الأنعام: ١١١] إلا قائلاً في ذلك: إلا أن يشاء الله، أي معلقاً بمشيئة الله. أو لا تقولنه إلا بإن شاء الله، أي إلا بمشيئة الله. وهو في موضع الحال، يعني إلا متلبساً بمشيئة الله قائلاً إن شاء الله، قاله الزمخشري وغيره. وسبب نزول هذه الآية الكريمة أن اليهود قالوا لقريش: سلوا محمداً وَل عن الروح، وعن رجل طواف في الأرض (يعنون ذا القرنين)، وعن فتية لهم قصة عجيبة في الزمان الماضي (يعنون أصحاب الكهف). فقال لهم رسول الله وَلجر: ((سأخبركم غداً عما سألتم عنه)) ولم يقل - إن شاء الله - فلبث عنه الوحي مدة، قيل خمس عشرة ليلة، وقيل غير ذلك. فأحزنه تأخر الوحي عنه، ثم أنزل عليه الجواب عن الأسئلة الثلاثة، قال في الروح: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ اُلُّوَجَّ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرٍ رَبِ﴾ [الإسراء: ٨٥]. وقال في الفتية ﴿فَّحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ﴾ ... الآيات إلى آخر قصتهم. وقال في الرجل الطواف: الآيات إلى آخر قصته. ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَن ذِى الْقَرْنَيْنِّ قُلْ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا ﴾﴾ .. فإذا عرفت معنى هذه الآية الكريمة وسبب نزولها، وأن الله عاتب نبيه فيها على عدم قوله - إن شاء الله - لما قال لهم سأخبركم غداً، فاعلم أنه دلت آية أخرى بضميمة بيان السنة لها على أن الله عاتب نبيه سليمان على عدم قوله - إن شاء الله - كما عاتب نبيه في هذه الآية على ذلك. بل فتنة سليمان بذلك كانت أشد؛ فقد أخرج الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي هريرة عنه أن النبي وَ ﴿ قال: ((قال سليمان بن داود - عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام -: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة - وفي رواية تسعين امرأة، وفي رواية مائة امرأة - تلد كل امرأة منهن غلاماً يقاتل في سبيل الله فقيل له - وفي رواية قال له الملك: قل إن شاء الله فلم يقل. فطاف بهن فلم تلد منهن إلا امرأة واحدة نصف إنسان)) فقال رسول الله وَلير: ((والذي نفسي بيده لو قال إن شاء الله لم يحنث وكان دركاً لحاجته)). وفي رواية: ((ولقاتلوا في سبيل الله فرساناً أجمعون)) اهـ. فإذا علمت هذا فاعلم أن هذا الحديث الصحيح بين معنى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَنَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ، جَسَدًا﴾ [ص: ٣٤]. وأن فتنة سليمان كانت بسبب تركه قول: ((إن شاء الله))، وأنه لم يلد من تلك النساء إلا واحدة نصف إنسان، وأن ذلك الجسد الذي هو نصف إنسان هو الذي ألقي على كرسيه بعد موته في قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِهِ، جَسَدًا﴾ [ص: ٣٤]، فما يذكره المفسرون في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَنَ﴾ [ص: ٣٤]، من قصة الشيطان الذي أخذ الخاتم وجلس على كرسي سليمان، وطرد سليمان عن ملكه؛ حتى وجد الخاتم في بطن السمكة التي أعطاها له من كان يعمل عنده بأجر مطروداً عن ملكه، إلى آخر القصة لا يخفى أنه باطل لا أصل له، وأنه لا يليق بمقام النبوة؛ فهو من الإسرائيليات التي لا يخفى أنها باطلة ...