Indexed OCR Text

Pages 361-380

٣٦٢
سورة النحل: الآية (٦١).
وقال القرطبي في تفسيره: فإن قيل: فكيف يعم بالهلاك مع أن فيهم مؤمناً ليس
بظالم؟ قيل: يجعل هلاك الظالم انتقاماً وجزاء، وهلاك المؤمن معوضاً بثواب الآخرة.
وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله صل يقول: ((إذا
أراد الله بقوم عذاباً أصاب العذاب من كان فيهم ثم بعثوا على أعمالهم))، اهـ محل
الغرض منه بلفظه. والأحاديث بمثله كثيرة معروفة.
- وإذا ثبت في الأحاديث الصحيحة أن العذاب إذا نزل بقوم عمَّ الصالح والطالح،
فلا إشكال في شمول الهلاك للحيوانات التي لا تعقل. وإذا أراد الله إهلاك قوم أمر
نبيهم ومن آمن منهم أن يخرجوا عنهم؛ لأن الهلاك إذا نزل عمَّ.
تنبيه: قوله: ﴿مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَآبَةٍ﴾ الضمير في ((عليها)) راجع إلى غير مذكور وهو
الأرض؛ لأن قوله: ﴿مِن دَابَّةٍ﴾ يدل عليه؛ لأن من المعلوم أن الدواب إنما تدب على
الأرض، ونظيره قوله تعالى: ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَةٍ﴾ [فاطر: ٤٥]، وقوله:
﴿حَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢] أي الشمس ولم يجر لها ذكر، ورجوع الضمير إلى غير
مذكور يدل عليه المقام كثير في كلام العرب؛ ومنه قول حميد بن ثور:
وصهباء منها كالسفينة نضجت
به الحمل حتى زاد شهراً عديدها
فقوله: ((صهباء منها)) أي من الإبل، وتدل عليه قرينة ((كالسفينة)) مع أن الإبل لم
يجر لها ذكر، ومنه أيضاً قول حاتم الطائي:
إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر
أماوي ما يغني الثراء عن الفتى
فقوله: ((حشرجت وضاق بها)) يعني النفس، ولم يجر لها ذكر، كما تدل عليه
قرينة ((وضاق بها الصدر))، ومنه أيضاً قول لبيد في معلقته:
وأجن عورات الثغور ظلامها
حتى إذا ألقت يداً في كافر
فقوله ((ألقت)) أي الشمس، ولم يجر لها ذكر، ولكن يدل عليه قوله:
وأجن عورات الثغور ظلامها
لأن قوله: ((ألقت يداً في كافر)) أي دخلت في الظلام، ومنه أيضاً قول طرفة في معلقته:
؛ ألا ليتني أفديك منها وأفتدي
على مثلها أمضي إذا قال صاحبي
فقوله: ((أفديك منها)) أي الفلاة، ولم يجر لها ذكر، ولكن قرينة سياق الكلام تدل
علیھا .
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿يُؤَاخِذُ﴾ الظاهر أن المفاعلة فيه بمعنى الفعل
المجرد؛ فمعنى آخذ الناس يؤاخذهم: أخذهم بذنوبهم؛ لأن المفاعلة تقتضي الطرفين،
ومجيئها بمعنى المجرد مسموع نحو: سافر وعافى. وقوله ((يؤاخذ)) إن قلنا: إن
المضارع فيه بمعنى الماضي فلا إشكال، وإن قلنا: إنه بمعنى الاستقبال فهو على إيلاء
لو المستقبل وهو قليل، كقوله: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرَِّّةً ضِعَفًا خَافُوا
عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٩]، وقول قيس بن الملوح:

٣٦٢
- سورة النحل: الآية (٦٢)
ومن دون رمسینا من الأرض سيسب
ولو تلتقي أصداؤنا بعد موتنا
لصوت صدى ليلى يهش ويطرب
ولظل صدى صوتي وإن كنت رمة
والجواب بحمله على المضي في الآية تكلف ظاهر، ولا يمكن بتاتاً في البيتين،
وأمثلته كثيرة في القرآن وفي كلام العرب، وقد أشار لذلك في الخلاصة بقوله:
إيلاؤها مستقبلاً لكن قبل
لو حرف شرط في مضى ويقل
قوله تعالى: ﴿وَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾. أبهم - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة
هذا الذي يجعلونه لله ويكرهونه؛ لأنه عبر عنه بـ((ما)) الموصولة، وهي اسم مبهم، وصلة
الموصول لن تبين من وصف هذا المبهم إلا أنهم يكرهونه. ولكنه بين في مواضع أخر
أنه البنات والشركاء وجعل المال الذي خلق لغيره، قال في البنات: ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَتِ﴾
ثم بين كراهيتهم لها في آيات كثيرة، كقوله: ﴿وَإِذَا بُشْرَ أَحَدُهُم بِالْأُنْثَ﴾. وقال في
الشركاء: ﴿وَجَعَلُواْ لِلَِّ شُرَكَآءَ﴾ [الأنعام: ١٠٠] ونحوها من الآيات، وبين كراهيتهم للشركاء
في رزقهم بقوله: ﴿ضَرَبَ لَكُم مَّثَلاَ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ هَل لَّكُم مِّنِ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَئُكُم مِّنِ شُرَكَآءَ فِى
مَا رَزَقْتَكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَّهُ تَخَافُونَهُمْ كَخِيَفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْأَيَتِ لِقَوْمٍ
[الروم]؛ أي إذا كان الواحد منكم لا يرضى أن يكون عبده المملوك شريكاً
يَعْقِلُونَ(
له مثل نفسه في جميع ما عنده؛ فكيف تجعلون الأوثان شركاء لله في عبادته التي هي
حقه على عباده! وبين جعلهم بعض ما خلق الله من الرزق للأوثان في قوله: ﴿وَجَعَلُواْ لِلَّهِ
مِئَا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَمِ نَصِيبًا﴾ إلى قوله: ﴿سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٦].
وقوله: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِّمَّا رَزَقْتَهُمْ﴾ [النحل: ٥٦] كما تقدم.
قوله تعالى: ﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ اَلْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْمُسْنَى﴾ ذكر - جل وعلا - في هذه
الآية الكريمة أن الكفار يقولون بألسنتهم الكذب؛ فيزعمون أن لهم الحسنى، والحسنى
تأنيث الأحسن، قيل: المراد بها الذكور؛ كما تقدم في قوله: ﴿وَلَهُم مَا يَشْتَهُونَ﴾ والحق
الذي لا شك فيه أن المراد بالحسنى هو زعمهم أنه إن كانت الآخرة حقاً فسيكون لهم
فيها أحسن نصيب كما كان لهم في الدنيا، ويدل على صحة هذا القول الأخير دليلان:
أحدهما: كثرة الآيات القرآنية المبينة لهذا المعنى، كقوله تعالى عن الكافر: ﴿وَلَيِن
تُجِعْتُ إِلَى رَبِّ إِنَّ لِ عِندَهُ لَلْحُسْنَى﴾ [فصلت: ٥٠]، وقوله: ﴿وَلَبِن رُّدِدْتُ إِلَى رَبِّ لَأَجِدَنَّ خَيْرَاً مِّنْهَا
مُنقَلَبًا﴾ [الكهف: ٣٦]، وقوله: ﴿وَقَالَ لَأُوْنَيَنَّ مَالَّا وَوَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧]، وقوله: ﴿وَقَالُواْ فَحْنُ
أَكْثَرُ أَمْوَلًا وَأَوْلَدًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٥)﴾ [سبأ] وقوله: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِذُهُم بِهِ، مِنْ قَالٍ وَبَنِنٌ
﴾ [المؤمنون: ٥٥، ٥٦]، إلى غير ذلك من الآيات.
◌َُارِعُ لَّمْ فِى الْخَيَتَّ بَل لَّا يَشْعُرُونَ لَ﴾
والدليل الثاني: أن الله أتبع قوله: ﴿أَنَّ لَهُمُ اَلُْنَى﴾ بقوله: ﴿لَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ
النَّارَ﴾ الآية، فدل ذلك دلالة واضحة على ما ذكرنا، والعلم عند الله. والمصدر
المنسبك من ((أن)) وصلتها في قوله: ((أن لهم الحسنى)) في محل نصب، بدل من قوله
((الكذب)) ومعنى وصف ألسنتهم الكذب قولها للكذب صريحاً لا خفاء به.

٣٦٣
سورة النحل: الآية (٦٢)
وقال الزمخشري في (الكشاف) في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمْ
اَلْكَذِبَ﴾، ما نصه: فإن قلت: ما معنى وصف ألسنتهم الكذب؟ قلت: هو من فصيح الكلام
وبليغه، جعل قولهم كأنه عين الكذب ومحضه؛ فإذا نطقت به ألسنتهم فقد حلت الكذب
بحيلته، وصورته بصورته؛ كقولهم: وجهها يصف الجمال، وعينها تصف السحر، اهـ.
قوله تعالى: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُم ◌ُفْرَكُونَ﴾. في هذا الحرف قراءتان سبعيتان،
وقراءة ثالثة غير سبعية، قرأه عامة السبعة ما عدا نافعاً ((مفرطون)) بسكون الفاء وفتح الراء
بصيغة اسم المفعول؛ من أفرطه. وقرأ نافع بكسر الراء بصيغة اسم الفاعل؛ من أفرط،
والقراءة التي ليست بسبعية بفتح الفاء وكسر الراء المشددة بصيغة اسم الفاعل من فرط
المضعف، وتروى هذه القراءة عن أبي جعفر، وكل هذه القراءات له مصداق في كتاب الله.
أما على قراءة الجمهور ((مفرطون)) بصيغة المفعول فهو اسم مفعول أفرطه: إذا
نسيه وتركه غير ملتفت إليه؛ فقوله ((مفرطون)) أي متروكون منسيون في النار. ويشهد لهذا
المعنى قوله تعالى: ﴿فَلْيَوْمَ نَنسَهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾ [الأعراف: ٥١]،
وقوله: ﴿فَذُوقُواْ بِمَا نَسِتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَكُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْخُلْدِ﴾ [السجدة:
١٤]، وقوله: ﴿وَقِيلَ الْيَّوْمَ نَسَنَكُمْ كَا نَسِتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَنَّكُمُ النَّارُ﴾ [الجاثية: ٣٤]
فالنسيان في هذه الآيات معناه: الترك في النار. أما النسيان بمعنى زوال العلم فهو
مستحيل على الله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]، وقال: ﴿قَالَ عِلْمُهَا
عِنْدَ رَقٍِ فِي كِتَبٍ لَا يَضِلُّ رَبٍِّ وَلَا يَنسَى (@)﴾ [طه].
وممن قال بأن معنى ((مفرطون)) منسيون متركون في النار: مجاهد، وسعيد بن
جبير، وقتادة، وابن الأعرابي، وأبو عبيدة، والفراء وغيرهم. وقال بعض العلماء: معنى
قوله: ((مفرطون)) على قراءة الجمهور؛ أي مقدمون إلى النار معجلون، من أفرطت فلاناً
وفرطته في طلب الماء: إذا قدمته، ومنه حديث: ((أنا فرطكم على الحوض)) أي
متقدمكم، ومنه قول القطامي:
كما تقدم فراط لوراد
فاستعجلونا وكانوا من صحابتنا
وقول الشنفري :
وشمر مني فارط متمهل
هممت وهمت فابتدرنا وأسبلت
أي متقدم إلى الماء. وعلى قراءة نافع فهو اسم فاعل أفرط في الأمر: إذا أسرف
فيه وجاوز الحد. ويشهد لهذه القراءة قوله: ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَبُ النَّارِ﴾ [غافر:
٤٣] ونحوها من الآيات. وعلى قراءة أبي جعفر، فهو اسم فاعل، فرط في الأمر: إذا
ضيعه وقصر فيه، ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسُ بَحَسْرَقَ عَلَى مَا فَرَّطِتُ فِى
جَتْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦]. فقد عرفت أوجه القراءات في الآية، وما يشهد له القرآن منها.
وقوله: ﴿لَا جَرَمَ﴾ أي حقاً أن لهم النار. وقال القرطبي في تفسيره: لا رد

٣٦٤
سورة النحل: الآيتان (٦٦ - ٦٧)
لكلامهم (وتم الكلام) أي ليس كما تزعمون! جرم أن لهم النار! حقاً أن لهم النار! وقال
بعض العلماء: ((لا)) صلة، و((جرم)) بمعنى كسب؛ أي كسب لهم عملهم أن لهم النار.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِىِ الْأَنْعَمِ لَعِبْرَةٌ نُشْفِيكُ مِمَا فِي بُطُونِهِ.﴾ .
بيّن - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن في الأنعام عبرة دالة على تفرد من
خلقها، وأخلص لبنها من بين فرث ودم، بأنه هو وحده المستحق لأن يعبد، ويطاع ولا
يعصى. وأوضح هذا المعنى أيضاً في غير هذا الموضع، كقوله: ﴿وَإِنَّ لَكُ فِ آلْأَنْعَمِ
(@)﴾ [المؤمنون]، وقوله :
◌َعِبْرَةٌ تُسْفِيكُ مِمَا فِىِ بُطُونَا وَلَكُمْ فِيَهَا مَنَفِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُونَ
وقوله: ﴿أَوْلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا
﴿وَالْأَنْعَمَ خَلَقَهَأْ لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَفِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ
خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَكَمًّا فَهُمْ لَهَا مَلِكُونَ (٨) وَذَلَّلْنَهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَّكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ
وَلَمْ فِيَهَا مَنَفِعُ وَمَشَارِبٍّ أَفَلَا يَشْكُرُونَ ﴾ [يس]، وقوله: ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ
٧٢
كَيْفَ خُلِقَتْ ﴾﴾ [الغاشية]، إلى غير ذلك من الآيات.
: وقد دلت الآيات المذكورة على أن الأنعام يصح تذكيرها وتأنيثها؛ لأن ذكرها هنا
في قوله: ﴿ُشْقِيَكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ وأنثها (في سورة قد أفلح المؤمنون)) في قوله: ﴿نُشْقِيكُمْ
مِمَا فِىِ بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَفِعُ كَثِيرَةٌ﴾ [المؤمنون: ٢١].
ومعلوم في العربية: أن أسماء الأجناس يجوز فيها التذكير نظراً إلى اللفظ،
والتأنيث نظراً إلى معنى الجماعة الداخلة تحت اسم الجنس. وقد جاء في القرآن تذكير
الأنعام وتأنيثها كما ذكرناه آنفاً. وجاء في تذكير النخل وتأنيثها؛ فالتذكير في قوله:
﴿كَهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنَقَعٍِ﴾ [القمر: ٢٠]. والتأنيث في قوله: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَهْلٍ خَاوِيَةٍ﴾
[الحاقة: ٧]، ونحو ذلك، وجاء في القرآن تذكير السماء وتأنيثها؛ فالتذكير في قوله:
بـ ﴿السَّمَآءُ مُنْفَظِرٌ بِهِء﴾ [المزمل: ١٨]. والتأنيث في قوله: ﴿ وَالسَّمَءَ بَيْنَهَا بِأَتَيْدٍ﴾ [الذاريات:
٤٧]. ونحو ذلك من الآيات. وهذا معروف في العربية، ومن شواهده قول قيس بن
الحصين الحارثي الأسدي وهو صغير في تذكير النعم:
يلقحه قوم وتنتجونه
في كل عام نعم تحوونه
وقرأ هذا الحرف نافع وابن عامر وشعبة عن عاصم ((نسقيكم)) بفتح النون،
والباقون بضمها، كما تقدم بشواهده ((في سورة الحجر)).
قوله تعالى: ﴿وَمِن ثَمَرَتِ الَّخِيلِ وَالْأَغْتَبِ نَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنَّأَ﴾ .
جمهور العلماء على أن المراد بالسكر في هذه الآية الكريمة الخمر؛ لأن العرب
تطلق اسم السكر على ما يحصل به السكر، من إطلاق المصدر وإرادة الاسم، والعرب
تقول: سكر ((بالكسر)) سَكّراً ((بفتحتين)) وسُكْراً ((بضم فسكون)).
وقال الزمخشري في الكشاف: والسكر: الخمر؛ سميت بالمصدر من سَكَرَ سَكَراً
وسُكْراً، نحو رَشَدَ رَشَداً ورُشْداً. قال:

٣٦٥
سورة النحل: الآية (٦٧) ــــ
فأجلى اليوم والسكران صاحي
وجاءونا بهم سكر علينا
اه ...
ومن إطلاق السكر على الخمر قول الشاعر:
إذا جرى فيهم المزاء والسكر
بئس الصحاة وبئس شربهم
وممن قال: بأن السكر في الآية الخمر: ابن عباس، وابن مسعود، وابن عمر،
وأبو رزين، والحسن، ومجاهد، والشعبي، والنخعي، وابن أبي ليلى، والكلبي، وابن
جبير، وأبو ثور، وغيرهم، وقيل: السكر: الخل، وقيل: الطعم وقيل: العصير الحلو.
إذا عرفت أن الصحيح هو مذهب الجمهور، وأن الله امتنَّ على هذه الأمة بالخمر
قبل تحريمها، فاعلم أن هذه الآية مكية، نزلت بعدها آيات مدنية بينت تحريم الخمر،
وهي ثلاث آيات نزلت بعد هذه الآية الدالة على إباحة الخمر.
الأولى: آية البقرة التي ذكر فيها بعض معائبها ومفاسدها، ولم يجزم فيها
بالتحريم، وهي قوله تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِّ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَفِعُ
لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمًا﴾ [البقرة: ٢١٩] وبعد نزولها تركها قوم للإثم الذي فيها،
وشربها آخرون للمنافع التي فيها .
الثانية: آية النساء الدالة على تحريمها في أوقات الصلوات، دون الأوقات التي
يصحو فيها الشارب قبل وقت الصلاة، كما بين صلاة العشاء وصلاة الصبح، وما بين
صلاة الصبح وصلاة الظهر، وهي قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَوَةَ وَأَنْتُمْ
سُكَرَى﴾ [النساء: ٤٣].
الثالثة: آية المائدة الدالة على تحريمها تحريماً باتاً، وهي قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ إِنََّ الْخَتُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسُ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ فَاجْتَغِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (@)﴾ إلى
قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُم مُّنْنَهُونَ﴾ [المائدة: ٩٠ - ٩١].
وهذه الآية الكريمة تدل على تحريم الخمر أتم دلالة وأوضحها؛ لأنه تعالى صرح
بأنها رجس؛ وأنها من عمل الشيطان، وأمر باجتنابها أمراً جازماً في قوله: ﴿فَأَحْتَبُوهُ﴾
واجتناب الشيء: هو التباعد عنه، بأن تكون في غير الجانب الذي هو فيه، وعلق رجاء
الفلاح على اجتنابها في قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ ثُفْلِحُونَ﴾ ويفهم منه أنه من لم يجتنبها لم يفلح،
وهو كذلك. ثم بيّن بعض مفاسدها بقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ اُلْعَدَاوَةَ
وَالْبَغْضَآءَ فِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِ وَيَصُدُّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ العَّلَوَّةَ﴾. ثم أكد النهي عنها بأن أورده
بصيغة الاستفهام في قوله: ﴿فَهَلْ أَنْثُم مُنَهُونَ﴾؟ فهو أبلغ في الزجر من صيغة الأمر التي
هي (انتهوا)) وقد تقرر في فن المعاني أن من معاني صيغ الاستفهام التي ترد لها الأمر؛
كقوله: ﴿فَهَلْ أَنْثُم ◌ُّنْنَهُونَ﴾ .
وقوله: ﴿وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ وَالْأُمِعِنَ ءَ أَسْلَمْتُمَّ﴾ [آل عمران: ٢٠]؛ أي أسلموا،

٣٦٦
٠٠
سورة النحل: الآية (٦٧)
والجار والمجرور في قوله: ﴿وَمِن ثَمَرَتِ النَّخِيلِ﴾ يتعلق بـ ﴿نَّخِذُونَ﴾، وكرر لفظ ((من))
للتأكيد، وأفرد الضمير في قوله: ((منه)) مراعاة للمذكور؛ أي تتخذون منه، أي مما ذكر
من ثمرات النخيل والأعناب. ونظيره قول رؤية:
فيها خطوط من سواد وبلق
. كأنه في الجلد توليع البهق
فقوله: ((كأنه)) أي ما ذكر من خطوط السواد والبلق. وقيل: الضمير راجع إلى
محذوف دل المقام عليه؛ أي ومن عصير ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه، أي
عصير الثمرات المذكورة. وقيل: قوله: ﴿وَمِن ثَمَرَتِ النَّخِيلِ﴾ معطوف على قوله: ﴿مِمَا فِ
بُطُونِهِ﴾ أي نسقيكم مما في بطونه ومن ثمرات النخيل. وقيل: يتعلق بـ((نسقيكم)) محذوفة
دلت عليها الأولى؛ فيكون من عطف الجمل، وعلى الأول يكون من عطف المفردات
إذا اشتركا في العامل، وقيل: معطوف على ((الأنعام)) وهو أضعفها عندي.
وقال الطبري: التقدير، ومن ثمرات النخيل والأعناب ما تتخذون منه سكراً،
فحذف ((ما)).
قال أبو حيان (في البحر): وهو لا يجوز على مذهب البصريين. وقيل: يجوز أن
يكون صفة موصوف محذوف، أي ومن ثمرات النخيل والأعناب ثمر تتخذون منه.
ونظير هذا من كلام العرب قول الراجز:
وغير كبداء شديدة الوتر
مالك عندي غير سوط وحجر
جادت بكفي كان من أرمى البشر
أي بكفي رجل كان ... إلخ. ذكره الزمخشري وأبو حيان.
قال مقيده - عفا الله عنه -: أظهر هذه الأقوال عندي: أن قوله: ﴿وَمِنْ ثَمَرَتِ﴾ يتعلق
بـ((تتخذون)) أي تتخذون من ثمرات النخيل، وأن ((من)) الثانية توكيد للأولى، والضمير في
قوله ((منه)) عائد إلى جنس الثمر المفهوم من ذكر الثمرات، والعلم عند الله تعالى.
تنبيه: اعلم أن التحقيق على مذهب الجمهور أن هذه الآية الكريمة التي هي قوله
- جل وعلا -: ﴿وَمِنْ ثَمَتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَبِ﴾ منسوخة بآية المائدة المذكورة، فما جزم به
صاحب (مراقي السعود) فيه وفي شرحه (نشر البنود) من أن تحريم الخمر ليس نسخاً
لإباحتها الأولى بناء على أن إباحتها الأولى إباحة عقلية، والإباحة العقلية هي البراءة
الأصلية، وهي بعينها استصحاب العدم الأصلي، وهي ليست من الأحكام الشرعية؛
فرفعها ليس بنسخ. وقد بيّن في (المراقي): أنها ليست من الأحكام الشرعية بقوله:
قد أخذت فليست الشرعية
وما من البراءة الأصلية
وقال أيضاً في إباحة الخمر قبل التحريم:
أباحها في أول الإسلام
براءة ليست من الأحكام

٣٦٧
سورة النحل: الآيات (٦٨ - ٧٠) -
كل ذلك ليس بظاهر، بل غير صحيح؛ لأن إباحة الخمر قبل التحريم دلت عليها
هذه الآية الكريمة، التي هي قوله: ﴿وَمِن ثَمَرَتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَبِ نَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا﴾،
وما دلت على إباحته آية من كتاب الله لا يصح أن يقال: إن إباحته عقلية، بل هي إباحة
شرعية منصوصة في كتاب الله، فرفعها نسخ، نعم! على القول بأن معنى السكر في
الآية: الخل أو الطعم أو العصير؛ فتحريم الخمر ليس نسخاً لإباحتها، وإباحتها الأولى
عقلية. وقد بينا هذا المبحث في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب.
فإن قيل: الآية واردة بصيغة الخبر، والأخبار لا يدخلها النسخ كما تقرر في الأصول.
فالجواب: أن النسخ وارد على ما يفهم من الآية من إباحة الخمر، والإباحة
حكم شرعي كسائر الأحكام قابل للنسخ، فليس النسخ وارداً على نفس الخبر، بل على
الإباحة المفهومة من الخبر؛ كما حققه ابن العربي المالكي وغيره.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَرِزْقًا حَسَنَّاً﴾؛ أي التمر، والرطب، والعنب،
والزبيب، والعصير ونحو ذلك.
قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النََّلِ﴾. المراد بالإيحاء هنا: الإلهام، والعرب تطلق
الإيحاء على الإعلام بالشيء في خفية؛ ولذا تطلقه على الإشارة، وعلى الكتابة، وعلى
الإلهام؛ ولذلك قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّْلِ﴾؛ أي ألهمها. وقال: ﴿فَأَوْحَىّ إِلَيَّهِمْ أَنْ
سَبِّحُواْ بَكْرَةً﴾ [مريم: ١١]؛ أي أشار إليهم، وسمى أمره للأرض إيحاء في قوله: ﴿يَوْمَيِذٍ
تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَاْ ﴾ بِأَنَّ رَّكَ أَوْحَى لَهَا ﴾﴾ [الزلزلة] ومن إطلاق الوحي على الكتابة قول
لبيد في معلقته :
خلقاً كما ضمن الوحي سلامها
فمدافع الريان غرى رسمها
فـ((الوحي)) في البيت - بضم الواو وكسر الحاء وتشديد الياء - جمع وحي بمعنى
الكتابة، وسيأتي لهذه المسألة - إن شاء الله - زيادة إيضاح.
قوله تعالى: ﴿وَمِنكُ مَن يُرَةُ إِلَى أَزْوَلِ الْعُمُرِ لِكَنْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِ شَيْئًاْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾.
بيّن - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن من الناس من يموت قبل بلوغ أرذل
العمر، ومنهم من يعمر حتى يرد إلى أرذل العمر، وأرذل العمر: آخره الذي تفسد فيه
الحواس، ويختل فيه النطق والفكر، وخص بالرذيلة؛ لأنه حال لا رجاء بعدها الإصلاح
ما فسد، بخلاف حال الطفولة، فإنها حالة ينتقل منها إلى القوة وإدراك الأشياء.
وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر؛ كقوله في سورة الحج: ﴿وَمِنكُم مَّن يُوَلَّك
وَمِنْكُمْ مَن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ [الحج: ٥]، وقوله في
الروم: ﴿اللَّهُ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدٍ ضَعْفٍ قُوَةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّقِ ضَعْفًا
وَشَيْبَةٌ﴾ [الروم: ٥٤]. وأشار إلى ذلك أيضاً بقوله: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ
عُمُرِهِ: إِلَّا فِى كِنَبٍ﴾ [فاطر: ١١]، وقوله في سورة المؤمن: ﴿ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخَاً وَمِنكُمْ
مَن يُنَوَى مِن قَبْلُ وَلِنَبْلُغُواْ أَجَلًا مُسَنَّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [غافر: ٦٧].

٣٦٨
سورة النحل: الآية (٧١)
. وقال البخاري في صحيحه في الكلام على هذه الآية الكريمة: باب قوله تعالى:
﴿وَمِنْكُ مَن يُرَّةُ إِلَى أَوْقَلِ الْعُمُرِ﴾ حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا هارون بن موسى أبو
عبد الله الأعور، عن شعيب، عن أنس بن مالك ه أن رسول الله وَلو كان يدعو:
((أعوذ بالله من البخل والكسل، وأرذل العمر، وعذاب القبر، وفتنة الدجال، وفتنة المحيا
والممات))، اهـ، وعن علي ظه أن أرذل العمر خمس وسبعون سنة، وعن قتادة:
تسعون سنة، والظاهر أنه لا تحديد له بالسنين. وإنما هو باعتبار تفاوت حال
الأشخاص، فقد يكون ابن خمس وسبعين أضعف بدناً وعقلاً، وأشد خرفاً - من آخر
ابن تسعين سنة، وظاهر قول زهير في معلقته:
سئمت تكاليف الحياة ومن يعش
ثمانين حولاً لا أباً لك يسأم
أن ابن الثمانين بالغ أرذل العمر، ويدل عليه قول الآخر:
قد أحوجت سمعي إلى ترجمان
إن الثمانين وبلغتها
وقوله: ﴿لِكَنْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ أي يرد إلى أرذل العمر، لأجل أن يزول ما
كان يعلم من العلم أيام الشباب، ويبقى لا يدري شيئاً؛ لذهاب إدراكه بسبب الخرف،
ولله في ذلك حكمة.
وقال بعض العلماء: إن العلماء العاملين لا ينالهم هذا الخرف، وضياع العلم
والعقل من شدة الكبر؛ ويستروح لهذا المعنى من بعض التفسيرات في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ
رَدَدْنَهُ أَسْفَلَ سَفِلِينَ ﴿ إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ [التين: ٥ -٦] الآية.
قوله تعالى: ﴿وَلَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِىِ الْرِزْقَّ فَمَا الَّذِيْنَ فُضِلُواْ بِآَدِى رِزْقِهِمْ عَى
مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٍ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (4)﴾. أظهر التفسيرات في هذه
الآية الكريمة أن الله ضرب فيها مثلاً للكفار، بأنه فضل بعض الناس على بعض في
الرزق، ومن ذلك تفضيله المالكين على المملوكين في الرزق، وأن المالكين لا يرضون
لأنفسهم أن يكون المملوكون شركاءهم فيما رزقهم الله من الأموال والنساء وجميع
نعم الله، ومع هذا يجعلون الأصنام شركاء لله في حقه على خلقه، الذي هو إخلاص
العبادة له وحده، أي إذا كنتم لا ترضون بإشراك عبيدكم معكم في أموالكم ونسائكم -
فكيف تشركون عبيدي معي في سلطاني !.
ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُم مَّثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَل لَّكُم مِّن مَا مَلَكَتْ
أَيْمَنُكُمْ مِّن شُرَكَآءَ فِ مَا رَزَقْنَكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ [الروم:
[٢٨]. ويؤيده أن ((ما)) في قوله: ﴿فَمَا الَّذِينَ فُضِلُواْ بِآدِى رِزْقِهِمْ عَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ﴾
نافية؛ أي ليسوا برادي رزقهم عليهم حتى يسووهم مع أنفسهم، اهـ.
فإذا كانوا يكرهون هذا لأنفسهم - فكيف يشركون الأوثان مع الله في عبادته! مع
اعترافهم بأنها ملكه، كما كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو
لك، تملكه وما ملك.

٣٦٩
سورة النحل: الآية (٧٢)
وهذه الآية الكريمة نص صريح في إيطال مذهب الاشتراكية القائل: بأنه لا يكون
أحد أفضل من أحد في الرزق، ولله في تفضيل بعضهم على بعض في الرزق حكمة؛
قال تعالى: ﴿نَخْنُ قَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضَِ دَرَجَاتٍ
لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِنًا﴾ [الزخرف: ٣٢]، وقال: ﴿اللَّهُ يَّسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ كَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾
[الرعد: ٢٦]، وقال: ﴿عَلَى الْوُسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُفْتِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦] إلى غير ذلك من
الآيات، وفي معنى الآية الكريمة قولان آخران:
أحدهما: أن معناها أنه جعلكم متفاوتين في الرزق، فرزقكم أفضل مما رزق
مماليككم، وهم بشر مثلكم وإخوانكم؛ فكان ينبغي أن تردوا فضل ما رزقتموه عليهم،
حتى تساووا في الملبس والمطعم، كما ثبت عن النبي غير أنه أمر مالكي العبيد ((أن
يطعموهم مما يطعمون، ويكسوهم مما يلبسون)). وعلى هذا القول فقوله تعالى: ﴿فَمَا
الَّذِينَ فُضِّلُواْ بِرَآدِى رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَتُهُمْ﴾ لوم لهم، وتقريع على ذلك.
وثانيهما: أن معنى الآية: أنه - جل وعلا - هو رازق المالكين والمملوكين
جميعاً، فهم في رزقه سواء، فلا يحسبن المالكون أنهم يردون على مماليكهم شيئاً من
الرزق، فإنما ذلك رزق الله يجريه لهم على أيديهم. والقول الأول هو الأظهر وعليه
جمهور العلماء، ويدل عليه القرآن كما بينا، والعلم عند الله تعالى.
وقوله: ﴿أَفَِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ إنكار من الله عليهم جحودهم بنعمته؛ لأن الكافر
يستعمل نعم الله في معصية الله، فيستعين بكل ما أنعم به عليه على معصيته، فإنه يرزقهم
ويعافيهم، وهم يعبدون غيره. وجحد: تتعدى بالباء في اللغة العربية، كقوله: ﴿وَحَحَدُواْ
بِهَا﴾ [النمل: ١٤]، وقوله: ﴿فَلْيَوْمَ نَنسَهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُواْ بَِايَئِنَا
يَجْحَدُونَ﴾ [الأعراف: ٥١] والجحود بالنعمة هو كفرانها .
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾
ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أنه امتن على بني آدم أعظم منة بأن جعل
لهم من أنفسهم أزواجاً من جنسهم وشكلهم، ولو جعل الأزواج من نوع آخر ما حصل
الائتلاف والمودة والرحمة، ولكن من رحمته خلق من بني آدم ذكوراً وإناثاً، وجعل
الإناث أزواجاً للذكور، وهذا من أعظم المنن، كما أنه أعظم الآيات الدالة على أنه
- جل وعلا - هو المستحق أن يعبد وحده.
وأوضح في غير هذا الموضع أن هذه نعمة عظيمة، وأنها من آياته - جل وعلا -؛
كقوله: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ، أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَجَا لِتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ قَوَدَّةٌ وَرَحْمَةٌ
إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَتٍ لِقَوْمٍ يَنَفَكَّرُونَ ﴾﴾ [الروم] وقوله: ﴿أَيَخْسَبُ آلْإِسَنُ أَنْ يُتْرَ سُدَّى (٣٠) أَلَمْ يَكُ
نُطْفَةٌ مِّنْ تَّنِّ يُعْنَى (َ ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨ ◌َعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأَنَةِ ﴾ [القيامة]، وقوله
تعالى: ﴿هُوَ اَلَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسِ وَحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩].

٣٧٠ -
سورة النحل: الآية (٧٢)
واختلف العلماء في المراد بالحفدة في هذه الآية الكريمة؛ فقال جماعة من
العلماء الحفدة: أولاد الأولاد؛ أي وجعل لكم من أزواجكم بنين، ومن البنين حفدة.
وقال بعض العلماء: الحفدة الأعوان والخدم مطلقاً؛ ومنه قول جميل:
حفد الولائد حولهن وأسلمت
بأكفهن أزمة الأجمال
أي أسرعت الولائد الخدمة، والولائد الخدم، الواحدة وليدة، ومنه قول الأعشى:
إذا الحداة على أكسائها حفدوا
كلفت مجهولها نوقاً يمانية
أي أسرعوا في الخدمة، ومنه قوله في سورة الحفد التي نسخت: ((وإليك نسعى
ونحفد»؛ أي نسرع في طاعتك. وسورة الخلع وسورة الحفد اللتان نسختا يسن عند
المالكية القنوت بهما في صلاة الصبح كما هو معروف.
وقيل: الحفدة الأختان، وهم أزواج البنات، ومنه قول الشاعر:
لها حفد مما يعد كثير
فلو أن نفسي طاوعتني لأصبحت
عيوف لإصهار اللئام قذور
ولكنها نفس على أبية
والقذور: التي تتنزه عن الوقوع فيما لا ينبغي؛ تباعداً عن التدنس بقذره.
قال مقيده - عفا الله عنه -: الحفدة: جمع حافد، اسم فاعل من الحفد، وهو
الإسراع في الخدمة والعمل. وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أن من أنواع
البيان التي تضمنها أن يكون في نفس الآية قرينة دالة على عدم صحة قول بعض العلماء
في الآية؛ فنبين ذلك.
وفي هذه الآية الكريمة قرينة دالة على أن الحفدة أولاد الأولاد؛ لأن قوله: ﴿وَجَعَلَ
لَكُمْ مِّنْ أَزْوَجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ دليل ظاهر على اشتراك البنين والحفدة في كونهم من
أزواجهم، وذلك دليل على أنهم كلهم من أولاد أزواجهم. ودعوى أن قوله: ((وحفدة))
معطوف على قوله ((أزواجاً)) غير ظاهرة. كما أن دعوى أنهم الأختان، وأن الأختان
أزواج بناتهم، وبناتهم من أزواجهم، وغير ذلك من الأقوال - كله غير ظاهر. وظاهر
القرآن هو ما ذكر، وهو اختيار ابن العربي المالكي والقرطبي وغيرهما، ومعلوم أن أولاد
الرجل، وأولاد أولاده: من خدمه المسرعين في خدمته عادة. والعلم عند الله تعالى.
وهناك أقوال مستنبطة من الآية للعلماء في جواز وقوع النكاح بين الجن والإنس
والإنس والجن يرجع إليها من أراد للأصل وخلاصة رأي الشيخ في المسألة هو:
قال مقيده - عفا الله عنه -: لا أعلم في كتاب الله ولا في سنة نبيه وهملل نصاً يدل
على جواز مناكحة الإنس الجن، بل الذي يستروح من ظواهر الآيات عدم جوازه،
فقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَجًا﴾ ... الآية، ممتناً على
بني آدم بأن أزواجهم من نوعهم وجنسهم - يفهم منه أنه ما جعل لهم أزواجاً تباينهم

٣٧١
سورة النحل: الآية (٧٣)
كمباينة الإنس للجن، وهو ظاهر، ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ: أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِّنْ
أَنْفُسِكُمْ أَزْوَجًا لِتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ قَوَدَّةً وَرَحْمَةٌ﴾ [الروم: ٢١]. فقوله: ﴿أَنْ خَلَقَ
لَكُمْ مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَجًا﴾ في معرض الامتنان - يدل على أنه ما خلق لهم أزواجاً من غير
أنفسهم؛ ويؤيد ذلك ما تقرر في الأصول من ((أن النكرة في سياق الامتنان تعم)) فقوله:
﴿جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَجًا﴾ جمع منكر في سياق الامتنان فهو يعم، وإذا عمَّ دل ذلك
على حصر الأزواج المخلوقة لنا فيما هو من أنفسنا، أي من نوعنا وشكلنا، مع أن
قوماً من أهل الأصول زعموا ((أن الجموع المنكرة في سياق الإثبات من صيغ العموم»،
والتحقيق أنها في سياق الإثبات لا تعم، وعليه درج في (مراقي السعود) حيث قال في
تعداده للمسائل التي عدم العموم فيها يصح:
منه منكر الجموع عرفا وكان والذي عليه انعطفا
أما في سياق الامتنان فالنكرة تعم. وقد تقرر في الأصول ((أن النكرة في سياق
الامتنان تعم))، كقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] أي فكل ماء نازل من
السماء طهور، وكذلك النكرة في سياق النفي أو الشرط أو النهي، كقوله: ﴿مَا لَكُمْ مِّنْ
إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩]، وقوله: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٦]، وقوله: ﴿وَلَا
تُطِعْ مِنْهُمْ ءَائِمًا﴾ [الإنسان: ٢٤]. ويستأنس لهذا بقوله: ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُم مِّنْ أَزَوَبِكُمْ
بَلْ أَنْتُمْ قَوْمُ عَادُونَ (٣)﴾ [الشعراء] فإنه يدل في الجملة على أن تركهم ما خلق الله لهم
من أزواجهم، وتعديه إلى غيره يستوجب الملام، وإن كان أصل التوبيخ والتقريع على
فاحشة اللواط؛ لأن أول الكلام: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَلَمِينَ (٣) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ
مِّنْ أَزْوَِكُمْ﴾ [الشعراء: ١٦٥ - ١٦٦] فإنه وبخهم على أمرين: أحدهما: إتيان الذكور.
والثاني: ترك ما خلق لهم ربهم من أزواجهم.
وقد دلت الآيات المتقدمة على أن ما خلق لهم من أزواجهم، هو الكائن من
أنفسهم؛ أي من نوعهم وشكلهم؛ كقوله: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَجًا﴾، وقوله:
﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ، أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَجًا﴾ ... الآية [الروم: ٢١]، فيفيد أنه لم يجعل
لهم أزواجاً من غير أنفسهم، والعلم عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا
(®). ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن الكفار يعبدون من دون الله
يَسْتَطِيعُونَ
ما لا يملك لهم رزقاً من السموات بإنزال المطر، ولا من الأرض بإنبات النبات، وأكد
عجز معبوداتهم عن ذلك بأنهم لا يستطيعون، أي لا يملكون أن يرزقوا، والاستطاعة
منفية عنهم أصلاً؛ لأنهم جماد ليس فيه قابلية استطاعة شيء.
ويفهم من الآية الكريمة أنه لا يصح أن يعبد إلا من يرزق الخلق؛ لأن أكلهم رزقه،
وعبادتهم غيره كفر ظاهر لكل عاقل، وهذا المعنى المفهوم من هذه الآية الكريمة بينه -

٣٧٢
سورة النحل: الآية (٧٧).
جل وعلا - في مواضع أخر، كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا
فَأَبْنَغُواْ عِندَ اللَّهِ الْرِزْقَ وَأَعْبُدُوهُ وَأَشْكُرُواْ لَهُ، إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت: ١٧]، وقوله: ﴿أَمَّنْ هَذَا
الَّذِى يَرْزُقُّكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَل لَّجُّواْ فِى عُنٍُّّ وَنُفُورٍ ﴾﴾ [الملك]، وقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ
إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّقُ ذُو الْقُوَّةِ
وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴿ مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ
الْمَتِينُ (6)﴾ [الذاريات] وقوله: ﴿قُلُّ أَغَيْرَ اللَّهِ أَقَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا
يُطْعَمْ﴾ [الأنعام: ١٤]، وقوله: ﴿وَأَمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوةِ وَأَصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْئَلُكَ رِزْقًاْ نَّحْنُ نَرْزُقُكُ
وَالْعَقِبَةُ لِلَّقْوَى (٣)﴾ [طه]، وقوله: ﴿هَلْ مِنْ خَلِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِّ﴾ [فاطر:
٣]، وقوله: ﴿قُلّ مَنْ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس: ١٣]، إلى غير ذلك من الآيات.
تنبيه: في قوله: ﴿شَيْئًا﴾ في هذه الآية الكريمة ثلاثة أوجه من الإعراب:
الأول: أن قوله ﴿رِزْقًا﴾ مصدر، وأن ﴿شَيْئًا﴾ مفعول به لهذا المصدر؛ أي
ويعبدون من دون الله ما لا يملك أن يرزقهم شيئاً من الرزق. ونظير هذا الإعراب قوله
تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَمٌ فِي يَوْرٍ ذِى مَسْغَبَةِ ﴿ يَنِمًا﴾ [البلد: ١٤، ١٥]. فقوله: ﴿يَتِمًا﴾ مفعول
به للمصدر الذي هو إطعام؛ أي أن يطعم يتيماً ذا مقربة. ونظيره من كلام العرب قول
المرار بن منقذ التميمي :
أزلنا هامهن عن المقيل
بضرب بالسيوف رؤوس قوم
فقوله: ((رؤوس قوم)) مفعول به للمصدر المنكر الذي هو قوله ((بضرب)) وإلى هذا
أشار في الخلاصة بقوله:
بفعله المصدر الحق في العمل
مضافاً أو مجرداً أو مع أل
الوجه الثاني: أن قوله: ﴿شَيْئًا﴾ بدل من قوله: ﴿رِزْقًا﴾ بناء على أن المراد بالرزق
هو ما يرزقه الله عباده؛ لا المعنى المصدري.
الوجه الثالث: أن يكون قوله: ﴿شَيْئًا﴾ ما ناب عن المطلق من قوله: ﴿يَمْلِكُ﴾؛
أي لا يملك شيئاً من الملك، بمعنى لا يملك ملكاً قليلاً أن يرزقهم.
قوله تعالى: ﴿فَلَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾. نهى الله - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة
خلقه أن يضربوا له الأمثال؛ أي يجعلوا له أشباهاً ونظراء من خلقه، سبحانه وتعالى عن
ذلك علواً كبيراً!
وبيّن هذا المعنى في غير هذا الموضع، كقوله: ﴿لَيَّسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾ [الشورى:
١١]، وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُوا أَحَدٌ (٣)﴾ [الإخلاصا، إلى غير ذلك من الآيات.
قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَمْحِ الْبَصَرِ﴾ أظهر الأقوال فيها، أن المعنى أن الله
إذا أراد الإتيان بها فهو قادر على أن يأتي بها في أسرع من لمح البصر؛ لأنه يقول للشيء كن
فيكون، ويدل على هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَمْرُنَا إِلَّا وَحِدَهُ كَلَمْجِ بِلْبَصَرِ ﴾﴾ [القمر].

٣٧٣
سورة النحل: الآيتان (٧٨ - ٧٩)
. وقال بعض العلماء: المعنى هي قريب عنده تعالى كلمح البصر وإن كانت بعيداً
عندكم؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا ﴾ وَرَّهُ قَرِيبًا ﴾﴾ [المعارج]، وقال: ﴿وَإِنَّ
يَوْمًا عِنْدَ رَيِّكَ كَأَلْفٍ سَنَةٍ مِّمَا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧]. واختار أبو حيان (في البحر
المحيط): أن ((أو)) في قوله ((أو هو أقرب)) للإبهام على المخاطب، وتبع في ذلك
الزجاج، قال: ونظيره ﴿وَأَرْسَلْنَهُ إِلَى مِائَةٍ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (٣٣)﴾ [الصافات]، وقوله:
﴿أَتَنْهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا﴾ [يونس: ٢٤].
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَالْأَفْئِدَةٌ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾
ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة: أنه أخرج بني آدم من بطون أمهاتهم لا يعلمون
شيئاً، وجعل لهم الأسماع والأبصار والأفئدة؛ لأجل أن يشكروا له نعمه. وقد قدمنا: أن
((لعل)) للتعليل. ولم يبيّن هنا هل شكروا أو لم يشكروا؛ ولكنه بيّن في مواضع أخر: أن
أكثرهم لم يشكروا؛ كما قال تعالى: ﴿فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَهُمَّ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى
النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (19)﴾ [البقرة: ٢٤٣]، وقال: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِىّ أَنشَأَكُمُ وَجَعَلَ
لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَالْأَفْئِدَّةٌ قَلِلًا مَّا تَشْكُرُونَ (شَا)
﴾ [الملك]، إلى غير ذلك من الآيات.
تنبيه: لم يأت السمع في القرآن مجموعاً، وإنما يأتي فيه بصيغة الإفراد دائماً، مع
أنه يجمع ما يذكر معه كالأفئدة والأبصار. وأظهر الأقوال في نكتة إفراده دائماً: أن
أصله مصدر سمع سمعاً، والمصدر إذا جعل اسماً ذكر وأفرد؛ كما قال في الخلاصة:
فالتزموا الإفراد والتذكيرا
ونعتوا بمصدر كثيراً
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَتٍ فِى جَوِّ السَّمَآءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهَ إِنَّ
فِي ذَلِكَ لَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٨)). ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن تسخيره
الطير في جو السماء ما يمسكها إلا هو - من آياته الدالة على قدرته، واستحقاقه لأن
يعبد وحده، وأوضح هذا المعنى في غير هذا الموضع كقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوّا إِلَى الَّيْرِ فَوْقَهُمْ
صَّغَّتٍ وَيَقْبِضِنَّ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُّ إِنَّهُ بِكُلِّ شَْمٍ بَصِيرُ ﴾﴾ [الملك].
تنبيه: لم يذكر علماء العربية الفعل - بفتح فسكون - من صيغ جموع التكسير.
قال مقيده - عفا الله عنه -: الذي يظهر لي من استقراء اللغة العربية أن الفعل
- بفتح فسكون - جمع تكسير لفاعل وصفاً لكثرة وروده في اللغة جمعاً له، كقوله هنا :
﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ﴾ [الملك: ١٩]، فالطير جمع طائر، وكالصحب فإنه جمع صاحب،
قال امرؤ القيس :
وقوفاً بها صحبي على مطيهم
يقولون لا تهلك أسى وتجمل
فقوله ((صحبي)) أي أصحابي، وكالركب فإنه جمع راكب، قال تعالى: ﴿وَالرَّكْبُ
كرمة:
أَسْفَلَ مِنكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٢] وقال
أستحدث الركب عن أشياعهم خبراً
أم راجع القلب من أطرابه طرب

٣٧٤
سورة النحل: الآيات (٨١ - ٨٣)
فالركب جمع راكب، وقد رد عليه ضمير الجماعة في قوله: ((عن أشياعهم))
وكالشرب فإنه جمع شارب؛ ومنه قول نابغة ذبيان:
سفود شرب نسوه عند مفتأد
كأنه خارجاً من جنب صفحته
فإنه رد على الشرب ضمير الجماعة في قوله: ((نسوه ... )) إلخ. وكالسفر فإنه
جمع سافر؛ ومنه حديث ((أتموا فإنا قوم سفر))، وقول الشنفري:
كأن وغاها جرتيه وجاله
أضاميم من سفر القبائل نزل
وكالرجل جمع راجل؛ ومنه قراءة الجمهور: ((وأجلب عليهم بخيلك ورجلك))
بسكون الجيم، وأما على قراءة حفص عن عاصم بكسر الجيم، فالظاهر أن كسرة الجيم
إتباع لكسرة اللام؛ فمعناه معنى قراءة الجمهور، ونحو هذا كثير جدًّا في كلام العرب،
فلا نطيل به الكلام، والعلم عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَبِيلَ تَفِيكُمُ الْحَزَّ وَسَرَّبِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾. بِيّن
- جل وعلا - في هذه الآية الكريمة منته على خلقه بأن جعل لهم سرابيل تقيهم الحر،
أي والبرد؛ لأن ما يقي الحر من اللباس يقي البرد. والمراد بهذه السرابيل: القمصان
ونحوها من ثياب القطن والكتان والصوف، وقد بين هذه النعمة الكبرى في غير هذا
الموضع كقوله: ﴿يَبِّ ءَدَمَ قَدْ أَلْنَا عَلَيْكُمْ لِيَاسًا يُؤَرِى سَوْءَاتَّكُمْ وَرِثًا﴾ [الأعراف: ٢٦]،
وقوله: ﴿يَبَنِىّ ءَدَمَ خُذُواْ زِينَتَّكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]؛ أي وتلك الزينة هي ما
خلق الله لهم من اللباس الحسن، وقوله هنا: ﴿وَسَرَبِيلَ تَفِيكُمْ بَأَسَكُمْ﴾ المراد بها
الدروع ونحوها، مما يقي لابسه وقع السلاح، ويسلمه من بأسه. وقد بيّن أيضاً هذه
النعمة الكبرى، واستحقاق من أنعم بها لأن يشكر له في غير هذا الموضع، كقوله:
﴿وَعَّْنَهُ صَنْعَةَ لَبُوُسٍ لَّكُمْ لِنُحْصِنَكُمْ مِّنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَكِرُونَ
[الأنبياء].
١٨٠
وإطلاق السرابيل على الدروع ونحوها معروف، ومنه قول كعب بن زهير:
شم العرانين أبطال لبوسهم
من نسج داود في الهيجا سرابيل
قوله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُكِرُونَهَا﴾. ذكر - جل وعلا - في هذه الآية
الكريمة أن الكفار يعرفون نعمة الله؛ لأنهم يعلمون أنه هو الذي يرزقهم ويعافیھم،
ويدبر شؤونهم، ثم ينكرون هذه النعمة؛ فيعبدون معه غيره، ويسوونه بما لا ينفع ولا
يضر، ولا يغني شيئاً .
وقد أوضح - جل وعلا - هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ مِّنَ
السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنِ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيْتِ وَيُخْرِجُ الْمَيْتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ
اٌلْأَمْنَّ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا نَنَّقُونَ (٣)﴾ [يونس]. فقوله: ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ دليل على معرفتهم
نعمته. وقوله: ﴿فَقُلْ أَفَلَا نَثَّقُونَ﴾ دليل على إنكارهم لها، والآيات بمثل هذا كثيرة جدًّا.
وروي عن مجاهد أن سبب نزول هذه الآية الكريمة: أن أعرابيًّا أتى النبي وَل ◌ّ

٣٧٥
سورة النحل: الآيات (٨١ - ٨٣)
فسأله، فقرأ عليه رسول الله وَاله: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنَا﴾ فقال الأعرابي:
نعم! قال: ﴿وَجَعَلَ لَكُ مِّنِ جُلُودِ آلْأَنْعَمِ بُونًا ... ﴾ الآية، قال الأعرابي: نعم! ثم قرأ
عليه كل ذلك يقول الأعرابي: نعم! حتى بلغ ﴿ كَذَلِكَ يُنِؤُ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ
◌ُْلِمُونَ﴾ فولى الأعرابي؛ فأنزل الله: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُكِرُونَا ... ) الآية.
وعن السدي تَّفُهُ: ((يعرفون نعمة الله)) أي نبوة محمد بَّله ثم ينكرونها؛ أي
یکذبونه وینکرون صدقه.
وقد بيّن - جل وعلا -: أن بعثه نبيه وَّل﴿ فيهم من منن الله عليهم؛ كما قال تعالى:
﴿لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيِهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤]. وبين في
موضع آخر: أنهم قابلوا هذه النعمة بالكفران؛ وذلك في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ
[إبراهيم]. وقيل: يعرفون نعمة الله فى الشدة،
نِعْمَتَ الَهِ كُفْرًا وَأَحَلُواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (جَا﴾
ثم ينكرونها في الرخاء. وقد تقدمت الآيات الدالة على ذلك، كقوله: ﴿فَلَمَّا نَّنْهُمْ إِلَى
الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] ونحوها الآيات - إلى غير ذلك من الأقوال في الآية.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْكَفِرُونَ﴾ قال بعض العلماء:
معناه أنهم كلهم كافرون، أطلق الأكثر وأراد الكل، قاله القرطبي والشوكاني. وقال
الشوكاني: أو أراد بالأكثر العقلاء دون الأطفال ونحوهم. أو أراد كفر الجحود، ولم
يكن كفر كلهم كذلك، بل كان كفر بعضهم كفر جهل.
قوله تعالى: ﴿ثُرَّ لَا يُؤْذَثُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾. لم يبيّن تعالى في هذه الآية الكريمة
متعلق الإذن في قوله: ﴿لَا يُؤْذَثُ﴾ ولكنه بيّن في (المرسلات) أن متعلق الإذن
الاعتذار؛ أي لا يؤذن لهم في الاعتذار؛ لأنهم ليس لهم عذر يصح قبوله، وذلك في
قوله: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٢٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَغَنَذِرُونَ ﴾﴾ [المرسلات].
فإن قيل: ما وجه الجمع بين نفي اعتذارهم المذكور هنا، وبين ما جاء في القرآن
من اعتذراهم؛ كقوله تعالى عنهم: ﴿وَلَّهِ رَيْنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، وقوله: ﴿مَا
كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوْءٍ﴾، وقوله: ﴿بَل لَّْ نَكُنْ تَّدْعُواْ مِن قَبْلُ شَيْئًا﴾ [غافر: ٧٤]، ونحو ذلك
من الآيات. فالجواب من أوجه :
منها: أنهم يعتذرون حتى إذا قيل لهم: اخسئوا فيها ولا تكلمون، انقطع نطقهم
ولم يبق إلا الزفير والشهيق؛ كما قال تعالى: ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِم بِمَا ظَلَمُواْ فَهُمْ لَا
يَنْطِقُونَ (هـ)﴾ [النمل].
ومنها: أن نفي اعتذارهم يراد به اعتذار فيه فائدة، أما الاعتذار الذي لا فائدة فيه
فهو كالعدم، يصدق عليه في لغة العرب أنه ليس بشيء؛ ولذا صرح تعالى بأن المنافقين
بكم في قوله: ﴿ُّمْ بَحْمُ﴾ [البقرة: ١٨] مع قوله عنهم: ﴿وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِمْ﴾
[المنافقون: ٤]؛ أي لفصاحتهم، وحلاوة ألسنتهم. وقال عنهم أيضاً: ﴿فَإِذَا ذَهَبَ اُلْنَوْقُ

٣٧٦
سورة النحل: الآية (٨٤)
سَلَقُوكُم بِأَلِّنَةٍ حِدَادٍ﴾ [الأحزاب: ١٩] فهذا الذي ذكره - جل وعلا - من فصاحتهم وحدة
ألسنتهم، مع تصريحه بأنهم بكم - يدل على أن الكلام الذي لا فائدة فيه كلا شيء،
كما هو واضح. وقال هبيرة بن أبي وهب المخزومي:
وإن كلام المرء في غير كنهه
لكالنبل تهوي ليس فيها نصالها
وقد بينا هذا في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب في مواضع منه.
والترتيب بـ(ثم)) في قوله في هذه الآية الكريمة: ﴿ثُمَّ لَا يُؤْذَثُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ على
قوله: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ لأجل الدلالة على أن ابتلاءهم بالمنع من
الاعتذار المشعر بالإقناط الكلي أشد من ابتلائهم بشهادة الأنبياء عليهم بكفرهم.
قوله تعالى: ﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْنَبُونَ﴾ .
اعلم أولاً: أن استعتب تستعمل في اللغة بمعنى طالب العتبى؛ أي الرجوع إلى ما
يرضي العاتب ويسره. وتستعمل أيضاً في اللغة بمعنى أعتب: إذا أعطى العتبى؛ أي
رجع إلى ما يحب العاتب ويرضى، فإذا علمت ذلك - فاعلم أن في قوله: ﴿وَلَ هُمْ
يُسْتَعْنَبُونَ﴾ وجهين من التفسير متقاربي المعنى.
قال بعض أهل العلم: ﴿وَلَ هُمْ يُسْتَعْنَبُونَ﴾؛ أي لا تطلب منهم العتبى، بمعنى لا
يكلفون أن يرضوا ربهم؛ لأن الآخرة ليست بدار تكليف، فلا يردون إلى الدنيا ليتوبوا.
وقال بعض العلماء: ((ولا هم يستعتبون))؛ أي يعتبون، بمعنى يزال عنهم العتب،
ويعطون العتبى وهي الرضا؛ لأن الله لا يرضى عن القوم الكافرين، وهذا المعنى كقوله
تعالى في قراءة الجمهور: ﴿وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ فَمَا هُم مِّنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ [فصلت: ٢٤]؛ أي وإن
يطلبوا العتبى - وهي الرضا عنهم لشدة جزعهم - فما هم من المعتبين بصيغه اسم
المفعول؛ أي المعطين العتبى وهي الرضا عنهم؛ لأن العرب تقول: أعتبه إذا رجع إلى
ما يرضيه ويسره، ومنه قول أبي ذؤيب الهذلي :
والدهر ليس بمعتب من يجزع
أمن المنون وريبه تتوجع
أي لا يرجع الدهر إلى مسرة من جزع ورضاه. وقول النابغة:
وإن كنت ذا عتبى فمثلك يعتب
فإن كنت مظلوماً فعبد ظلمته
وأما قول بشر بن أبي خازم:
يوم النسار فأعتبوا بالصيلم
غضبت تميم أن تقتل عامر
يعني أعتبناهم بالسيف، أي أرضيناهم بالقتل؛ فهو من قبيل التهكم، كقول
عمرو بن معدي کرب:
تحية بينهم ضرب وجيع
وخيل قد دلفت لها بخيل
لأن القتل ليس بإرضاء، والضرب الوجيع ليس بتحية، وأما على قراءة من قرأ ((وإن

٣٧٧
سورة النحل: الآيتان (٨٥ - ٨٦) -
يستعتبوا)) بالبناء للمفعول ((فما هم من المعتبين)) بصيغة اسم الفاعل، فالمعنى أنهم لو
طلبت منهم العتبى وردوا إلى الدنيا ليعملوا بطاعة الله وطاعة رسله، فما هم من
المعتبين؛ أي الراجعين إلى ما يرضي ربهم، بل يرجعون إلى كفرهم الذي كانوا عليه
أولاً، وهذه القراءة كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُوْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨].
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَءَا الَّذِينَ ظَلَمُوْ اَلْعَذَابَ فَلَ يُحَفَّهُ عَنْهُمْ وَلاَ هُ يُظَرُونَ
٨٥
ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن الكفار إذا رأوا العذاب لا يخفف
عنهم، ولا ينظرون؛ أي لا يمهلون، وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر، وبيّن أنهم
يرون النار، وأنها تراهم، وأنها تكاد تتقطع من شدة الغيظ عليهم؛ كقوله تعالى: ﴿لَوْ
يَعْلَّمُ الَّيْنَّ كَفَرُواْ حِينَ لَّا يَكُفُّونَ عَنْ رُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَن ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَّرُونَ
بَلْ تَأْتِيهِمِ بَغْتَةً فَتَبْهَمُهُمْ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ ﴾﴾ [الأنبياء]، وقوله:
٣٩
﴿وَرَءَا الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّواْ أَنَّهُم ◌ُّوَفِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا مَصْرِفًا (٥)﴾ [الكهف]، وقوله:
﴿إِذَا رَأَتْهُم مِّن ◌َكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَمَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا ﴾ [الفرقان]، وقوله: ﴿إِذَا أُلْقُوْ فِيهَا سَمِعُواْ
لَمَا شَهِيقًا وَهِىَ تَفُورُ (٣ تَكَادُ تَمَّرُ مِنَ الْفَيْظِ﴾ [الملك: ٧ - ٨]، وقوله: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ
إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ١٦٥]، إلى غير ذلك من الآيات.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَءَا الَّذِينَ أَشْرَكُواْ شُرَكَاءَهُمْ قَالُواْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّاً
نَدْعُواْ مِنْ دُونِكٌ فَأَلْقُوْاْ إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَذِبُونَ (٨)﴾. ذكر - جل وعلا - في هذه الآية
الكريمة أن المشركين يوم القيامة إذا رأوا معبوداتهم التي كانوا يشركونها بالله في عبادته
قالوا لربهم: ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا من دونك! وأن معبوداتهم تكذبهم في
ذلك فيقولون لهم: كذبتم! ما كنتم إيانا تعبدون! وأوضح هذا المعنى في آيات كثيرة
كقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَبِهِمْ
غَفِلُونَ ﴿ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُواْ لَمْ أَعْدَاءُ وَكَانُواْ بِبَادَتِهِمْ كَفِرِينَ ﴾ [الأحقاف]، وقوله:
﴿وَأَخَذُواْ مِن دُونِ اَللَّهِ ◌َالِهَةُ لِيَكُونُواْ لَهُمْ عِزَّ: ﴿ كَلَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا
(6﴾ [مريم]، وقوله: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا
وَمَأْوَنِكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن ◌َّصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٥]، وقوله: ﴿وَقِيلَ أَدْعُواْ شُرَكَهُ
فَدَعَوْهُمْ فَرْ يَسْتَجِيبُواْ لَمْ﴾ [القصص: ٦٤]، وقوله: ﴿فَزَلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُم ◌َّا كُ إِنَّانَا
تَعْبُدُونَ﴾ [يونس: ٢٨]، إلى غير ذلك من الآيات.
فإن قيل: كيف كذبتهم آلهتهم ونفوا أنهم عبدوهم؟ مع أن الواقع خلاف ما قالوا،
وأنهم كانوا يعبدونهم في دار الدنيا من دون الله!
فالجواب: أن تكذيبهم لهم منصب على زعمهم أنهم آلهة، وأن عبادتهم حق، وأنها
تقربهم إلى الله زلفى، ولا شك أن كل ذلك من أعظم الكذب وأشنع الافتراء؛ ولذلك هم
صادقون فيما ألقوا إليهم من القول، ونطقوا فيه بأنهم كاذبون. ومراد الكفار بقولهم

٣٧٨
سورة النحل: الآيتان (٨٧ - ٨٨)
لربهم: هؤلاء شركاؤنا، قيل: ليحملوا شركاءهم تبعة ذنبهم. وقيل: ليكونوا شركاءهم في
العذاب، كما قال تعالى: ﴿رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُونَا فَاتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ﴾ [الأعراف: ٣٨].
وقد نص تعالى على أنهم وما يعبدونه من دون الله في النار جميعاً في قوله: ﴿إِنَّكُمْ
وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]. وأخرج من ذلك الملائكة وعيسى
وعزيراً بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا الْحُسْنَّ أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (4)﴾ [الأنبياء]؛
لأنهم ما عبدوهم برضاهم؛ بل لو أطاعوهم لأخلصوا العبادة لله وحده - جل وعلا -.
قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَوْاْ إِلَى اللَّهِ يَوْمَيِذٍ السَّلَّمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (®﴾ إلقاؤهم
إلى الله السلم، هو انقيادهم له، وخضوعهم؛ حيث لا ينفعهم ذلك كما تقدم في قوله: ﴿فَلْقَواْ
السَّلَوَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوَغَ﴾. والآيات الدالة على ذلك كثيرة كقوله: ﴿بَلْ هُمُ الْتَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ
﴾ [الصافات] وقوله: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيّ اَلْقَيُّومِ﴾ [طه: ١١١] ونحو ذلك من الآيات، وقد
٢٦
قدمنا طرفاً من ذلك في الكلام على قوله: ﴿فَلْقَوْ السَّلَمَّ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوْمٍ﴾.
وقوله: ﴿وَضَلَّ عَنْهُم ◌َّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ ؛ أي غاب عنهم واضمحل ما كانوا يفترونه من
أن شركاءهم تشفع لهم وتقربهم إلى الله زلفى؛ كما قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَتُنَا
عِندَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨]، وكقوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣].
وضلال ذلك عنهم مذكور في آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿وَرُدُّوَأَ إِلَى اللَّهِ مَوْلَئُهُمُ الْحَقِّ وَضَلَ
عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٣٠]، وقوله: ﴿فَعَلِّمُواْ أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ
يَفْتَرُونَ﴾ [القصص: ٧٥]. وقد قدمنا معاني ((الضلال)) في القرآن وفي اللغة بشواهدها.
قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُواْ عَن سَبِيلِ الَّهِ زِدْنَهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا
كَانُواْ يُفْسِدُونَ ﴾﴾. اعلم أولاً أن ((صد)) تستعمل في اللغة العربية استعمالين:
أحدهما: أن تستعمل متعدية إلى المفعول، كقوله تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ
اَلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾ [الفتح: ٢٥]، ومضارع هذه المتعدية ((يصد)) بالضم على القياس،
ومصدرها (الصد)) على القياس أيضاً. والثاني: أن تستعمل ((صد)) لازمة غير متعدية إلى
المفعول، ومصدر هذه ((الصدود)) على القياس، وفي مضارعها الكسر على القياس،
والضم على السماع؛ وعليهما القراءتان السبعيتان في قوله: ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُونَ﴾
[الزخرف: ٥٧] بالكسر والضم.
فإذا عرفت ذلك، فاعلم أن قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَصَدُّواْ عَن سَبِيلٍ
اُللَّهِ﴾ محتمل لأن تكون ((صد)) متعدية، والمفعول محذوف لدلالة المقام عليه؛ على حد
قوله في الخلاصة:
وحذف فضلة أجز إن لم يضر كحذف ما سيق جواباً أو حصر
ومحتمل لأن تكون ((صد)) لازمة غير متعدية إلى المفعول، ولكن في الآية الكريمة
ثلاث قرائن تدل على أن ((صد)) متعدية، والمفعول محذوف؛ أي وصدوا الناس عن سبيل الله.

٣٧٩
سورة النحل: الآية (٨٩)
الأولى: أنا لو قدرنا ((صد)) لازمة، وأن معناها: صدودهم في أنفسهم عن
الإسلام - لكان ذلك تكراراً من غير فائدة مع قوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ بل معنى الآية:
كفروا في أنفسهم، وصدوا غيرهم عن الدين فحملوه على الكفر أيضاً.
القرينة الثانية: قوله تعالى: ﴿زِدْنَهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾؛ فإن هذه الزيادة من
العذاب لأجل إضلالهم غيرهم، والعذاب المزيدة فوقه: هو عذابهم على كفرهم في
أنفسهم؛ بدليل قوله في المضلين الذين أضلوا غيرهم: ﴿لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةُ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾، وقوله: ﴿وَلَيَحْيِلُنَ أَنْقَهُمْ وَأَنْقَالًاً مَّعَ
أَنْقَاِهِمٌ﴾ [العنكبوت: ١٣]؛ كما تقدم إيضاحه.
القرينة الثالثة: قوله: ﴿بِمَّا كَانُواْ يُفْسِدُونَ﴾ فإنه يدل على أنهم كانوا يفسدون
على غيرهم مع ضلالهم في أنفسهم، وقوله: ﴿فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ أي الذي استحقوه
بضلالهم وكفرهم، وعن ابن مسعود: أن هذا العذاب المزيد: عقارب أنيابها كالنخل
الطوال، وحيات مثل أعناق الإبل، وأفاعي كأنها البخاتي تضربهم، أعاذنا الله وإخواننا
المسلمين منها! والعلم عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِى كُلِّ أُمّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنْفُسِهِمٌّ وَجِثْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى
هَؤُلاءٍ﴾. ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة: أنه يوم القيامة يبعث في كل أمة
شهيداً عليهم من أنفسهم يشهد عليهم بما أجابوا به رسولهم، وأنه يأتي بنبينا و # شاهداً
علينا. وبين هذا المعنى في غير هذا الموضع كقوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّتِ
بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا ﴿﴿ يَوْمَيِذٍ يَوَذُ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوا الرَّسُولَ لَوْ نُسَوَّى
بِهِمُ اٌلْأَرْضُ﴾ [النساء: ٤١ -٤٢]، وكقوله: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اَللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾
[المائدة: ١٠٩]، وكقوله: ﴿فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْعَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ
[الأعراف]، إلى غير ذلك من الآيات، وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما عن ابن
مسعود نظره أنه قال له رسول الله : ((اقرأ عليّ)) قال: فقلت: يا رسول الله، أاقرأ
عليك وعليك أنزل؟! قال: ((نعم، إني أحب أن أسمعه من غيري)) فقرأت ((سورة النساء))
حتى أتيت إلى هذه الآية: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِثْنَا مِن كُلِّ أُمَِّم بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ
شَهِيدًا ﴾﴾ [النساء] فقال: ((حسبك الآن)) فإذا عيناه تذرفان، اهـ.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة ﴿وَبَوْمَ نَبْعَثُ﴾ منصوب بـ((اذكرِ)) مقدراً، والشهيد
في هذه الآية فعيل بمعنى فاعل، أي شاهداً عليهم من أنفسهم.
قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ نِبْيَنَا لِكُلِّ شَىْءٍ﴾. ذكر - جل وعلا - في هذه
الآية الكريمة أنه نزل على رسوله هذا الكتاب العظيم تبياناً لكل شيء .. وبيّن ذلك في
غير هذا الموضع، كقوله: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِى الْكِتَبِ مِن شَىْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] على القول بأن
المراد بالكتاب فيها القرآن، أما على القول بأنه اللوح المحفوظ - فلا بيان بالآية،
:

٣٨٠ -
سورة النحل: الآية (٨٩)
وعلى كل حال فلا شك أن القرآن فيه بيان كل شيء، والسنة كلها تدخل في آية واحدة
منه؛ وهي قوله تعالى: ﴿وَمَآ ءَانَنْكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنَّكُمْ عَنْهُ فَأَنْتَهُواْ﴾ [الحشر: ٧].
وقال السيوطي في ((الإكليل في استنباط التنزيل)) قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ
اُلْكِتَبَ نِبْيَنَا لِكُلِّ شَىْءٍ﴾ وقال: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِىِ اَلْكِتَبِ مِن شَىْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، وقال ◌َلّى:
((ستكون فتن)). قيل: وما المخرج منها؟ قال: ((كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما
بعدكم، وحكم ما بينكم)). أخرجه الترمذي وغيره. وقال سعيد بن منصور في سننه:
حدثنا خديج بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن مرة، عن ابن مسعود قال: من أراد
العلم فعليه بالقرآن؛ فإن فيه خبر الأولين والآخرين. قال البيهقي: أراد به أصول العلم.
وقال الحسن البصري: أنزل الله مائة وأربعة كتب، أودع علومها أربعة: التوراة،
والإنجيل، والزبور، والفرقان، ثم أودع علوم الثلاثة الفرقان، ثم أودع علوم القرآن:
المفصل، ثم أودع علوم المفصل: فاتحة الكتاب؛ فمن علم تفسيرها كان كمن علم
تفسير الكتب المنزلة، أخرجه البيهقي في ((الشعب)).
وقال الإمام الشافعي نظراته: جميع ما تقوله الأمة شرح للسنة، وجميع شرح السنة
شرح للقرآن.
وقال بعض السلف: ما سمعت حديثاً إلا التمست له آية من كتاب الله.
وقال سعيد بن جبير: ما بلغني حديث عن رسول الله وسلم على وجهه إلا وجدت
مصداقه في كتاب الله .. أخرجه ابن أبي حاتم، وقال ابن مسعود: إذا حدثتكم بحديث
أنبأتكم بتصديقه من كتاب الله، أخرجه ابن أبي حاتم، وقال ابن مسعود أيضاً: أنزل في
القرآن كل علم، وبيّن لنا فيه كل شيء، ولكن علمنا يقصر عما بيّن لنا في القرآن.
أخرجه ابن جرير، وابن أبي حاتم.
وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((إن الله لو
أغفل شيئاً لأغفل الذرة والخردلة والبعوضة))، وقال الشافعي أيضاً: جميع ما حكم به
النبي ◌ُّ ور فهو مما فهمه من القرآن.
قلت: ويؤيد هذا قوله وَله: ((إني لا أحل إلا ما أحل الله في كتابه، ولا أحرم إلا
ما حرم الله في كتابه))، رواه بهذا اللفظ الطبراني في الأوسط من حديث عائشة.
وقال الشافعي أيضاً: ليست تنزل بأحد في الدين نازلة إلا في كتاب الله الدليل على
سبيل الهدى فيها. فإن قيل: من الأحكام ما ثبت ابتداء بالسنة؟ قلنا: ذلك مأخوذ من كتاب الله
في الحقيقة؛ لأن كتاب الله أوجب علينا اتباع الرسول وَله، وفرض علينا الأخذ بقوله.
.. وقال الشافعي مرة بمكة: سلوني عما شئتم، أخبركم عنه من كتاب الله. فقيل له:
ما تقول في المحرم يقتل الزنبور؟ فقال: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الله تعالى:
﴿وَمَآ ءَانَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا تَهَنَكُمْ عَنَّهُ فَأَنْتَهُواْ﴾ [الحشر: ٧] وحدثنا سفيان بن عيينة،