Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١
سورة البقرة: الآيات (٢١٦ - ٢٢١)
يَضْحَكُونَ ﴿ عَلَى الْأَرَابِكِ يَظُرُونَ (٣٥)﴾ [المطففين]. وقوله: ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ
اللَّهُ بِرَحْمَةٍ أُدْخُلُواْ لَبْنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (ج)﴾ [الأعراف].
قوله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾. لم يصف هذا الخير هنا
بالكثرة وقد وصفه بها في قوله: ﴿فَإِن كَرِفْتُمُوهُنَّ فَسَى أَنْ تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ
خَيْرًاً كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٢].
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَدِلُونَكُمْ حَ يَرُذُوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ أُسْتَطَعُواْ﴾. لم يبين
هنا هل استطاعوا ذلك أو لا؟ ولكنه بين في موضع آخر أنهم لم يستطيعوا، وأنهم
حصل لهم اليأس من رد المؤمنين عن دينهم، وهو قوله تعالى: ﴿اَلْيَوْمَ يَبِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ
مِن دِينِكُمْ﴾ ... الآية [المائدة: ٣]. وبين في مواضع أخر أنه مظهر دين الإسلام على كل
دين كقوله في براءة، والصف، والفتح: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِلْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ
◌ِظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [الفتح: ٢٨].
قوله تعالى: ﴿قُلْ فِهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾، لم يبين هنا ما هذا الإثم الكبير؟ ولكنه
بين في آية أخرى أنه إيقاع العداوة والبغضاء بينهم، والصد عن ذكر الله، وعن الصلاة،
وهي قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَوَةَ وَالْبَغْضَآءَ فِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ
اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَوَّةِ فَهَلْ أَنْتُم مُّنْنَهُونَ ﴾﴾ [المائدة: ٩١].
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَتِ﴾، ظاهر عمومه شمول الكتابيات، ولكنه بين
في آية أخرى أن الكتابيات لسن داخلات في هذا التحريم، وهي قوله تعالى: ﴿وَالْخُصَنَتُ
مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ﴾ [المائدة: ٥]، فإن قيل: الكتابيات لا يدخلن في اسم المشركات
بدليل قوله: ﴿لَمَّ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ [البينة: ١]. وقوله: ﴿إِنَّ
اُلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ [البينة: ٦].
وقوله: ﴿مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ١٠٥]،
والعطف يقتضي المغايرة. فالجواب أن أهل الكتاب داخلون في اسم المشركين كما
صرح به تعالى في قوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٍّ أَبْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَرَى الْمَسِيحُ أَبْنُ
اللَّهَ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَهِهِمْ يُضَهُونَ قَوَّلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قَانَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى
يُؤْفَكُونَ ﴿ أَخَذُوَاْ أَخْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَابًا مِن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ أَبْنَ مَرْيَمَ وَمَآ
أُمِرُوَاْ إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهَا وَحِدًاً لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ سُبْحَنَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ [التوبة].
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُربَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَّكُمُ اللَّهُ﴾؛ لم يبين هنا هذا المكان المأمور
بالإتيان منه المعبر عنه بلفظة ((حيث)) ولكنه بين أن المراد به الإتيان في القبل في آيتين:
إحداهما: هي قوله هنا: ﴿فَأْتُواْ حَرْئَكُمْ﴾؛ لأن قوله: ﴿فَأْتُوا﴾. أمر بالإتيان بمعنى
الجماع وقوله: ﴿حَرْتَكُمْ﴾؛ يبين أن الإتيان المأمور به إنما هو في محل الحرث يعني
بذر الولد بالنطفة، وذلك هو القبل دون الدبر كما لا يخفى؛ لأن الدبر ليس محل بذر
للأولاد، كما هو ضروري.
٦٢
سورة البقرة: الآیات (٢٢٨ - ٢٢٨)
ثانيهما: قوله تعالى: ﴿فَالْتَنَ بَشِرُوهُنَّ وَأَبْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمَّ﴾. لأن المراد بما
كتب الله لكم، الولد، على قول الجمهور، وهو اختيار ابن جرير، وقد نقله عن ابن عباس،
ومجاهد، والحكم، وعكرمة، والحسن البصري، والسدي، والربيع، والضحاك بن
مزاحم، ومعلوم أن ابتغاء الولد إنما هو بالجماع في القبل، فالقبل إذن هو المأمور بالمباشرة
فيه، بمعنى الجماع فيكون معنى الآية فالآن باشروهن ولتكن تلك المباشرة في محل ابتغاء
الولد، الذي هو القبل دون غيره، بدليل قوله: ﴿وَأَبْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾؛ يعني الولد.
ويتضح لك من هذا أن معنى قوله تعالى: ﴿أَّ شِئٌْ﴾ يعني أن يكون الإتيان في
محل الحرث على أي حالة شاء الرجل، سواء كانت المرأة مستلقية أو باركة أو على
جنب، أو غير ذلك، ويؤيد هذا ما رواه الشيخان وأبو داوود والترمذي عن جابر بنظُته
قال: كانت اليهود تقول: إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحول، فنزلت: ﴿نِسَآؤُكُمْ
حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْتَكُمْ أَنَّى شِئْهٌ﴾. فظهر من هذا أن جابراً ظُبه يرى أن معنى الآية،
فأتوهن في القبل على أية حالة شئتم ولو كان من ورائها .
قوله تعالى: ﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾. لم يصرح هنا بالمراد بما كسبته
قلوبهم، ولم يذكر هنا ما يترتب على ذلك إذا حنث، ولكنه بين في سورة المائدة أن
المراد بما كسبت القلوب، هو عقد اليمين بالنية والقصد، وبين أن اللازم في ذلك إذا
حنث كفارة، هي: إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة ومن عجز عن
واحد من الثلاثة فصوم ثلاثة أيام، وذلك في قوله: ﴿وَلَكِن يُؤَلِذُكُم بِمَا عَقَّدتُمُ الْأَيْمَنِّ
فَكَفَّرَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةٍ مَسَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَو كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيُرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ
لَّمْ يَجِدّ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيََِّّ ذَلِكَ كَفَّرَةُ أَيْمَئِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ ... الآية [المائدة: ٨٩].
قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَتُ يَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾. ظاهر هذه شمولها لجميع المطلقات،
ولكنه بين في آيات أخر خروج بعض المطلقات من هذه العموم، كالحوامل المنصوص على
أن عدتهن وَضع الحملِ، في قوله: ﴿وَلَِّى بَيِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ أَرْتَبْتُ فَعِذَّتُهُنَّ
ثَلَكَثَةُ أَشْهُرٍ وَالَِّى لَمْ يَحِضْنَّ﴾ [الطلاق: ٤]. وكالمطلقات قبل الدخول المنصوص على أنهن
لا عدة عليهن أصلاً، بقوله: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَتِ ثُمَّ طَلَّقْتُهُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنَ
﴾ [الأحزاب: ٤٩].
تَمَسُّوهُنَ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْنَذُونَهَا فَمَتَّعُوهُنَّ وَسَرِجُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (®
أما اللواتي لا يحضن لكبر أو صغر، فقد بين أن عدتهن ثلاثة أشهر في قوله: ﴿وَلَّتِى
بَيَسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِسَائِكُمْ إِنْ أَرْبَبْتُمْ فَعِذَُّهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَالَِّى لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤].
قوله تعالى: ﴿ثَلَثَةَ فُرُوٍَ﴾. فيه إجمال؛ لأن القرء يطلق لغة على الحيض، ومنه
قوله وَّة: ((دعي الصلاة أيام أقرائك)). ويطلق القرء لغة أيضاً على الطهر ومنه قول الأعشى:
تشد لأقصاها عزيم عزائكا
أفي كل يوم أنت جاشم غزوة
لِما ضاع فيها من قروء نسائكا
مورثةٍ مالاً وفي الحي رفعةٌ
٦٣
سورة البقرة: الآية (٢٢٨)
وخلاصة قول الشيخ: وأدلة من ذهب إلى أن المراد بالقرء الطهر: هو الأظهر لأن
مدار الخلاف هل القروء الحيضات أو الأطهار؟ وهذه الآية، وهذا الحديث، دلا على
أنها الأطهار. ولا يوجد في كتاب الله، ولا سنة نبيه وَ ل، شيء يقاوم هذا الدليل، لا من
جهة الصحة، ولا من جهة الصراحة في محل النزاع؛ لأنه حديث متفق عليه مذكور في
معرض بيان معنى آية من كتاب الله تعالى. وقد صرح فيه النبي ولو بأن الطهر هو العدة
مبيناً أن ذلك هو مراد الله جل وعلا، بقوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، فالإشارة
في قوله وَله: فتلك العدة، راجعة إلى حال الطهر الواقع فيه الطلاق؛ لأن معنى قوله
فليطلقها طاهراً؛ أي في حال كونها طاهراً، ثم بين أن ذلك الحال الذي هو الطهر هو
العدة مصرحاً بأن ذلك هو مراد الله في كتابه العزيز، وهذا نص صريح في أن العدة
بالطهر، وأنث الإشارة التأنيث الخبر، ولا تخلص من هذا الدليل لمن يقول هي الحيضات
إلا إذا قال: العدة غير القروء، والنزاع في خصوص القروء كما قال بهذا بعض العلماء.
وهذا القول يرده إجماع أهل العرف الشرعي، وإجماع أهل اللسان العربي، على
أن عدة من تعتد بالقروء هي نفس القروء لا شيء آخر زائد على ذلك. وقد قال تعالى:
﴿﴿وَأَحْصُواْ الْعِدَّةً﴾ [الطلاق: ١] وهي زمن التربص إجماعاً، وذلك هو المعبر عنه بثلاثة
قروء التي هي معمول قوله تعالى: ﴿يَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] في هذه الآية فلا يصح
لأحد أن يقول: إن على المطلقة التي تعتد بالأقراء شيئاً يسمى العدة. زائداً على ثلاثة
القروء المذكورة في الآية الكريمة البتة، كما هو معلوم ..
قوله تعالى: ﴿وَبُعُولَهُنَّ أَحَقُّ بِرَ ◌ّهِنَّ فِى ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلَحًا﴾. ظاهر هذه الآية الكريمة أن
أزواج كل المطلقات أحق بردهن، لا فرق في ذلك بين رجعية وغيرها. ولكنه أشار في موضع
آخر إلى أن البائن لا رجعة له عليها، وذلك في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَكَحْتُمُ
اُلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْنَذُونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩].
وذلك لأن الطلاق قبل الدخول بائن، كما أنه أشار هنا إلى أنها إذا بانت بانقضاء
العدة لا رجعة له عليها، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَبُعُولَُنَّ أَحَقُ بِهِنَ فِى ذَلِكَ﴾؛ لأن
الإشارة بقوله: ﴿ذلِك﴾؛ راجعة إلى زمن العدة المعبر عنه في الآية بثلاثة قروء.
واشترط هنا في كون بعولة الرجعيات أحق بردهن إرادتهم الإصلاح بتلك الرجعة،
في قوله: ﴿إِنْ أَرَدُوَاْ إِصْلَحًا﴾؛ ولم يتعرض لمفهوم هذا الشرط هنا، ولكنه صرح في
مواضع أخر: أن زوج الرجعية إذا ارتجعها لا بنية الإصلاح بل بقصد الإضرار بها؛
لتخالعه أو نحو ذلك، أن رجعتها حرام عليه، كما هو مدلول النهي في قوله تعالى:
﴿وَلَا تُنِكُوُهُنَ ضِرَارًا لِّعْنَدُوَّأْ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوّاْ ءَايَتِ اللَّهِ هُزُوَا﴾.
فالرجعة بقصد الإضرار حرام إجماعاً، كما دل عليه مفهوم الشرط المصرح به في
قوله: ﴿وَلَا تُسِكُهُنَّ ضِرَارًا﴾؛ الآية. وصحة رجعته حينئذ باعتبار ظاهر الأمر، فلو صرح
للحاكم بأنه ارتجعها بقصد الضرر، لأبطل رجعته كما ذكرنا، والعلم عند الله تعالى.
٦٤
سورة البقرة: الآيتان (٢٢٨ - ٢٢٩)
قوله تعالى: ﴿وَلِلرّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ .. لم يبين هنا ما هذه الدرجة التي للرجال على
النساء، ولكنه أشار لها في موضع آخر وهو قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّمُونَ عَلَى النِّسَاءِ
بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤]، فأشار إلى أن
الرجل أفضل من المرأة؛ وذلك لأن الذكورة شرف وكمال والأنوثة نقص خلقي طبيعي،
والخلق كأنه مجمع على ذلك؛ لأن الأنثى يجعل لها جميع الناس أنواع الزينة والحلى،
وذلك إنما هو لجبر النقص الخلقي الطبيعي الذي هو الأنوثة، بخلاف الذكر فجمال
ذكورته يكفيه عن الخلي ونحوه.
وقد أشار تعالى إلى نقص المرأة وضعفها الخلقيين الطبيعيين، بقوله: ﴿أَوَمَن
يُنَشَؤُّأْ فِى الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِىِ الْخِصَامِ غَيْرٌ مُبِينٍ ﴾﴾ [الزخرف]؛ لأن نشأتها في الحلية دليل
على نقصها، فلزم المرأة جبره، والتغطية عليه بالحلي كما قال الشاعر:
يتمم من حسن إذا الحسن قصرا
وما الحلي إلا زينة من نقيصة
كحسنك لم يحتج إلى أن يزورا
وأما إذا كان الجمال موفراً
ولأن عدم إبانتها في الخصام إذا ظلمت دليل على الضعف الخلقي، كما قال الشاعر:
ببعض الأذى لم يدر كيف يجيب
بنفسي وأهلي من إذا عرضوا له
به سكتة حتى يقال مريب
فلم يعتذر عذر البريء ولم تزل
ولا عبرة بنوادر النساء؛ لأن النادر لا حكم له.
. .. وأشار بقوله: ﴿وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤]، إلى أن الكامل في وصفه
وقوته وخلقته يناسب حاله، أن يكون قائماً على الضعيف الناقص خلقة.
ولهذه الحكمة المشار إليها جعل ميراثه مضاعفاً على ميراثها؛ لأن من يقوم على
غيره مترقب للنقص، ومن يقوم عليه غيره مترقب للزيادة، وإيثار مترقب النقص على
مترقب الزيادة ظاهر الحكمة.
كما أنه أشار إلى حكمة كون الطلاق بيد الرجل دون إذن المرأة بقوله: ﴿نِسَاؤُكُمْ
حرثٌ لَّكُمْ﴾؛ لأن من عرف أن حقله غير مناسب للزراعة لا ينبغي أن يرغم على
الازدراع في حقل لا يناسب الزراعة. ويوضح هذا المعنى أن آلة الازدراع بيد
الرجل، فلو أكره على البقاء مع من لا حاجة له فيها حتى ترضى بذلك، فإنها إن
أرادت أن تجامعه لا يقوم ذكره، ولا ينتشر إليها، فلم تقدر على تحصيل النسل منه،
الذي هو أعظم الغرض من النكاح بخلاف الرجل، فإنه يولدها وهي كارهة كما هو
ضروري.
قوله تعالى: ﴿اَلْطَّلَقُ مَرَّتَانٍ﴾. ظاهر هذه الآية الكريمة أن الطلاق كله منحصر في
المرتين، ولكنه تعالى بين أن المنحصر في المرتين هو الطلاق الذي تملك بعده الرجعة
لا مطلقاً، وذلك بذكره الطلقة الثالثة التي لا تحل بعدها المراجعة إلا بعد زوج.
٦٥
سورة البقرة: الآيتان (٢٢٨ - ٢٢٩) .
وهي المذكورة في قوله: ﴿فَإِنِ طَلَّقَهَا فَلَا تَعِلُ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾ الآية، وعلى هذا القول فقوله:
﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾؛ يعني به عدم الرجعة. وقال بعض العلماء: الطلقة الثالثة هي
المذكورة في قوله تعالى: ﴿أَوْ تَشْرِيحٌ بِحْسَانٍ﴾؛ وروي هذا مرفوعاً إليه وَله.
قوله تعالى: ﴿فَإِسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيٌ بِإِحْسَانٍ﴾.
لم يبين في هذه الآية ولا في غيرها من آيات الطلاق حكمة كون الطلاق بيد
الرجل دون إذن المرأة، ولكنه بين في موضع آخر أن حكمة ذلك أن المرأة حقل تزرع
فيه النطفة كما يزرع البذر في الأرض، ومن رأى أنَّ حقله غير صالح للزراعة فالحكمة
تقتضي أن لا يرغم على الازدراع فيه، وأن يترك وشأنِهِ؛ ليختار حقلاً صالحاً لزراعته
وذلك في قوله تعالى: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾ كما تقدم إيضاحه.
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُواْ مِمَّآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّ أَنْ يَخَافَآ أَلَّ يُقِيمَا
حُدُودَ اَللّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ الَّهِ فَلَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيَا أَفْتَدَتْ بِءُ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا
وَمَنْ يَنَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
صرح في هذه الآية الكريمة بأن الزوج لا يحل له الرجوع في شيء مما أعطى
زوجته، إلا على سبيل الخلع، إذا خافا ألا يقيما حدود الله فيما بينهما، فلا جناح
عليهما إذن في الخلع؛ أي: لا جناح عليها هي في الدفع، ولا عليه هو في الأخذ.
وصرح في موضع آخر بالنهي عن الرجوع في شيء مما أعطى الأزواج زوجاتهم،
ولو كان المعطى قنطاراً، وبين أن أخذه بهتان وإثم مبين، وبين أن السبب المانع من أخذ
شيء منه هو أنه أفضى إليها بالجماع. وذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدَّثُمُ اُسْتِبْدَالَ زَوْجٍ
مَكَانَ زَوْجِ وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَدُهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَنَا وَإِثْمًا مُّبِينًا
وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَقًّا غَلِيظًا
٢٠
[النساء]. وبين في موضع آخر أن محل النهي عن ذلك إذا لم يكن عن طيب النفس من
المرأة؛ وذلك في قوله: ﴿فَإِن ◌ِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُوهُ هَنِيْئًا فَرًِّا﴾ [النساء: ٤]. وأشارَ
إلى ذلك بقوله: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَضَيْتُم بِ مِنْ بَعْدِ اَلْفَرِيضَةِ﴾ [النساء:" ٢٤].
تنبيه: أخذ ابن عباس من هذه الآية الكريمة أن الخلع فسخ ولا يعد طلاقاً؛
لأن الله تعالى قال: ﴿الطَّلَقُ مَنَّتَانٍ﴾ ثم ذكر الخلع بقوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيَا أَقَْدَتْ
بِهُ﴾؛ فلم يعتبره طلاقاً ثالثاً، ثم ذكر الطلقة الثالثة بقوله: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُ لَهُ مِنْ
بَعْدُ﴾ ... الآية. وبهذا قال عكرمة وطاوس وهو رواية عن عثمان بن عفان وابن عمر،
وهو قول إسحاق بن راهويه، وأبي ثور وداود بن علي الظاهري كما نقله عنهم ابن كثير
وغيره، وهو قول الشافعي في القديم وإحدى الروايتين عن أحمد.
قال مقيده - عفا الله عنه -: الاستدلال بهذه الآية على أن الخلع لا يعد طلاقاً
ليس بظاهر عندي؛ لما تقدم مرفوعاً إليه ( من أن الطلقة الثالثة هي المذكورة في
قوله: ﴿أَوْ تَشْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ وهو مرسل حسن ...
٦.٦
سورة البقرة: الآية (٢٣١)
قال في فتح الباري: والأخذ بهذا الحديث أولى، فإنه مرسل حسن يعتضد بما أخرجه
الطبري من حديث ابن عباس بسند صحيح. قال: ((إذا طلق الرجل امرأته تطليقتين فليتق الله
في الثالثة. فإما أن يمسكها فيحسن صحبتها، أو يسرحها فلا يظلمها من حقها شيئاً)).
وعليه ففراق الخلع المذكور لم يرد منه إلا بيان مشروعية الخلع عند خوفهما ألا
يقيما حدود الله؛ لأنه ذكر بعد الطلقة الثالثة. وقوله: فإن طلقها إنما كرره؛ ليرتب عليه
ما يلزم بعد الثالثة، الذي هو قوله: ﴿فَلَا تَجِلُ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾. ولو فرعنا على أن قوله
تعالى: ﴿أَوْ تَسْرِيٌّ بِإِحْسَانٍ﴾. يراد به عدم الرجعة، وأن الطلقة الثالثة هي المذكورة في
قوله: ﴿ فَإِنْ طَلَقَهَا فَلَا تَعِلُّ لَهُ﴾. لم يلزم من ذلك أيضاً عدم عدّ الخلع طلاقاً؛ لأن الله
تعالى ذكر الخلع في معرض منع الرجوع فيما يعطاه الأزواج. فاستثنى منه صورة
جائزة، ولا يلزم من ذلك عدم اعتبارها طلاقاً، كما هو ظاهر من سياق الآية، وللعلماء
أقوال في الخلع وأحكامه وخلاصة قول الشيخ:
قال مقيده - عفا الله عنه -: وكون الخلع طلاقاً ظاهر من جهة المعنى: لأن العوض
المبذول للزوج من جهتها إنما بذلته في مقابلة ما يملكه الزوج، وهو الطلاق؛ لأنه لا
يملك لها فراقاً شرعاً إلا بالطلاق، فالعوض في مقابلته. ويدل له ما أخرجه البخاري في
قصة مخالعة ثابت بن قيس زوجه من حديث ابن عباس أن امرأة ثابت بن قيس، أتت
النبي ﴿ فقالت: يا رسول الله ثابت بن قيس ما أعتب عليه من خلق ولا دين، ولكني
أكره الكفر في الإسلام، فقال رسول الله وَ له: ((أتردين عليه حديقته؟)) قالت: نعم. قال
رسول الله : ((اقبل الحديقة وطلقها تطليقة)) فإن قوله وقال: ((اقبل الحديقة وطلقها
تطليقة))، فيه دليل على أن العوض مبذول في الطلاق الذي هو من حق الزوج.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ الْنِسَآءَ فَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ ◌َأَمْسِكُهُنَ بِّعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾
ظاهر قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ انقضاء عدتهن بالفعل، ولكنه
بيّن في موضع آخر أنه لا رجعة إلا في زمن العدة خاصة، وذلك في قوله تعالى:
﴿ وَبُعُوَنُنَّ أَحَقُّ بِرَوَّهِنَ فِي ذَلِكَ﴾؛ لأن الإشارة في قوله: ﴿ذَلِكَ﴾ راجعة إلى زمن العدة
المعبر عنه بثلاثة قروء في قوله تعالى: ﴿ وَالْمُطَلَّقَتُ يَرَبَّصْنَ﴾. فاتضح من تلك الآية أن
معنى فبلغن أجلهن. أي: قاربن انقضاء العدة، وأشرفن على بلوغ أجلها .
قوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوُهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْنَدُواْ﴾. صرخ تعالى في هذه الآية الكريمة
بالنهي عن إمساك المرأة مضارة لها؛ لأجل الاعتداء عليها بأخذه ما أعطاها؛ لأنها إذا
طال عليها الإضرار افتدت منه؛ ابتغاء السلامة من ضرره. وصرح في موضع آخر بأنها
إذا أتت بفاحشة مبينة جاز له عضلها، حتى تفتدي منه، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَا
تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ إِلََّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩]. واختلف
العلماء في المراد بالفاحشة المبينة. فقال جماعة منهم هي: الزنا، وقال قوم هي:
٦٧
سورة البقرة: الآيتان (٢٣٣ - ٢٣٤) -
النشوز والعصيان وبذاءة اللسان. والظاهر شمول الآية للكل كما اختاره ابن جرير.
وقال ابن كثير: إنه جيد، فإذا زنت أو أساءت بلسانها، أو نشرت جازت مضاجرتها؛
لتفتدي منه بما أعطاها على ما ذكرنا من عموم الآية.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدُِّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلَدَكُ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾. ذكر في هذه الآية الكريمة
أن الرجل إذا أراد أن يطلب لولده مرضعة غير أمه لا جناح عليه في ذلك، إذا سلم الأجرة
المعينة في العقد، ولم يبين هنا الوجه الموجب لذلك، ولكنه بينه في سورة الطلاق بقوله
تعالى: ﴿وَإِن تَعَسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ: أُخْرَى﴾ [الطلاق: ٦]، والمراد بتعاسرهم: امتناع الرجل من
دفع ما تطلبه المرأة، وامتناع المرأة من قبول الإرضاع بما يبذله الرجل ويرضى به.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوْفَوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجَا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ
وَعَثْرًا﴾. ظاهر هذه الآية الكريمة أن كل متوفى عنها تعتد بأربعة أشهر وعشر، ولكنه
بيّن في موضع آخر أن محل ذلك ما لم تكن حاملاً، فإن كانت حاملاً كانت عدتها
وضع حملها، وذلك في قوله: ﴿وَأُوْلَتُ الْأَعْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾ [الطلاق: ٤]،
ويزيده إيضاحاً ما ثبت في الحديث المتفق عليه من إذن النبي ◌َّلة لسبيعة الأسلمية في
الزواج بوضع حملها بعد وفاة زوجها بأيام، وكون عدة الحامل المتوفى عنها بوضع
حملها هو الحق، كما ثبت عنه ولم خلافاً لمن قال: تعتد بأقصى الأجلين. ويروى عن
علي وابن عباس. والعلم عند الله تعالى.
تنبيهان :
الأول: هاتان الآيتان أعني قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا يَتَرَّصْنَ
بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَثْرً﴾ وقوله: ﴿ وَأُوْلَتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾ [الطلاق: ٤]
من باب تعارض الأعمين من وجه، والمقرر في الأصول الترجيح بينهما، والراجح
منهما يخصص به عموم المرجوح كما عقده في (المراقي) بقوله:
فالحكم بالترجيح حتماً معتبر
وإن يك العموم من وجه ظهر
وقد بينت السنة الصحيحة أن عموم: ﴿وَأُوْلَتُ الْأَحْمَالِ﴾ [الطلاق: ٤] مخصص لعموم
﴿وَالَّذِينَ يُتَوَّقَّوْنَ مِنكُمْ﴾. مع أن جماعة من الأصوليين ذكروا أن الجموع المنكرة لا عموم
لها، وعليه فلا عموم في آية البقرة؛ لأن قوله: ﴿وَیَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ جمع منكر فلا يعم بخلاف
قوله: ﴿وَأُوْلَتُ الْأَحْمَالِ﴾ [الطلاق: ٤] فإنه مضاف إلى معرف بأل، والمضاف إلى المعرف بها
من صيغ العموم، كما عقده في (مراقي السعود) بقوله عاطفاً على صيغ العموم:
وما معرفا بأل قد وجدا.
. إذا تحقق الخصوص قد نفى
أو بإضافة إلى معرف
الثاني: الضمير الرابط للجملة بالموصول محذوف؛ لدلالة المقام عليه؛ أي
والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بعدهم أربعة أشهر وعشراً كقول العرب :..
السمن منوان بدرهم؛ أي منوان منه بدرهم ..
٦٨
سورة البقرة: الآية (٢٤١)
٢٤٦٦)
قوله تعالى: ﴿وَلْمُطَلَّقَتِ مَتَعٌ بِلْمَعْرُوفِّ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ
ظاهر هذه الآية الكريمة أن المتعة حق لكل مطلقة على مطلقها المتقي، سواء
أطلقت قبل الدخول أم لا فرض لها صداق أم لا؟ ويدل لهذا العموم قوله تعالى:
﴿يَأَيُّهَا النَِّىُّ قُل لِأَزْوَجِكَ إِن كُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعَكُنَّ وَأُسَيِّعْكُنَّ
سَرَاحً جَمِيلًا ﴾ [الأحزاب] مع قوله: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُشْوَّةُ حَسَنَةٌ﴾
[الأحزاب: ٢١] وقد تقرر في الأصول أن الخطاب الخاص به وَ ل يعم حكمه جميع الأمة
إلا بدليل على الخصوص كما عقده في (مراقي السعود) بقوله:
وما به قد خوطب النبي
تعميمه فى المذهب السني
وهو مذهب الأئمة الثلاثة، خلافاً للشافعي القائل بخصوصه به وهو إلا بدليل على
العموم، كما بيناه في غير هذا الموضع. وإذا عرفت ذلك فاعلم أن أزواج النبي مفروض
لهن ومدخول بهن، وقد يفهم من موضع آخر أن المتعة لخصوص المطلقة قبل الدخول.
وفرض الصداق معاً؛ لأن المطلقة بعد الدخول تستحق الصداق، والمطلقة قبل الدخول
وبعد فرض الصداق تستحق نصف الصداق. والمطلقة قبلهما لا تستحق شيئاً، فالمتعة لها
خاصة لجبر كسرِها وذلك في قوله تعالى: ﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ الْنِسَآءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ
تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةٌ وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ ثم قال: ﴿وَإِن طَلَقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ
فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَضْتُمْ﴾ فهذه الآية ظاهرة في هذا التفصيل، ووجهه ظاهر معقول.
وقد ذكر تعالى في موضع آخر ما يدل على الأمر بالمتعة للمطلقة قبل الدخول وإن
كان مفروضاً لها، وذلك في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لِأَزْوَِكَ إِن كُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَوةَ
الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعَكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (®﴾ [الأحزاب]؛ لأن ظاهر عمومها
يشمل المفروض لها الصداق وغيرها، وبكل واحدة من الآيات الثلاث أخذ جماعة من
العلماء. والأحوط الأخذ بالعموم، وقد تقرر في الأصول أن النص الدال على الأمر
مقدم على الدال على الإباحة، وعقده في (مراقي السعود) بقوله:
بعد النواهي ثم هذا الآخر
وناقل ومثبت والآمر
على إباحة ... إلخ.
فقوله: ثم هذا الآخر على إباحة. يعني: أن النص الدال على أمر مقدم على النص
الدال على إباحة، للاحتياط في الخروج من عهدة الطلب. والتحقيق أن قدر المتعة لا
تحديد فيه شرعاً؛ لقوله تعالى: ﴿عَلَى الْوُسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِ قَدَرُهُ﴾ فإن توافقا على قدر
معين فالأمر واضح، وإن اختلفا فالحاكم يجتهد في تحقيق المناط، فيعين القدر على
ضوء قوله تعالى: ﴿عَلَى الْوُسِعِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦] هذا هو الظاهر وظاهر قوله:
﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ وقوله: ﴿وَلْمُطَلَّقَتِ مَتَعٌ﴾ يقتضي وجوب المتعة في الجملة خلافاً لمالك ومن
وافقه في عدم وجوب المتعة أصلاً، واستدل بعض المالكية على عدم وجوب المتعة
٦٩
سورة البقرة: الآية (٢٤٣)
بأن الله تعالى قال: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ وقال: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُنَّقِينَ﴾ قالوا: فلو كانت
واجبة لكانت حقاً على كل أحد. وبأنها لو كانت واجبة لعين فيها القدر الواجب.
قال مقيده - عفا الله عنه -: هذا الاستدلال على عدم وجوبها لا ينهض فيما
يظهر؛ لأن قوله: ﴿عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [التوبة: ٩١]، و﴿عَلَى الْمُنَّقِينَ﴾ تأكيد للوجوب وليس
لأحد أن يقول لست متقياً مثلاً؛ لوجوب التقوى على جميع الناس. قال القرطبي في
تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَتِعُوهُنَّ﴾ ... الآية ما نصه: وقوله: ﴿عَلَى الْمُنَّقِينَ﴾ تأكيد
لإيجابها؛ لأن كل واحد يجب عليه أن يتقي الله في الإشراك به ومعاصيه، وقد قال
تعالى في القرآن: ﴿هُدَّى لِلْمُتَّقِينَ﴾، وقولهم: لو كانت واجبة لعين القدر الواجب فيها،
ظاهر السقوط. فنفقة الأزواج والأقارب واجبة ولم يعين فيها القدر اللازم، وذلك النوع
من تحقيق المناط مجمع عليه في جميع الشرائع كما هو معلوم.
قوله تعالى: ﴿أَلَمّ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفُّ حَذَرَ أُلْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ
اَللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَخْيَهُمْ﴾ .
المقصود من هذه الآية الكريمة، تشجيع المؤمنين على القتال بإعلامهم بأن الفرار
من الموت لا ينجي، فإذا علم الإنسان أن فراره من الموت أو القتل لا ينجيه، هانت
عليه مبارزة الأقران؛ والتقدم في الميدان. وقد أشار تعالى أن هذا هو مراده بالآية
حيث أتبعها بقوله: ﴿وَقَتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وصرح بما أشار إليه هنا في قوله: ﴿قُل لَّن
يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِ فَرَرَّتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذَا لَّا تُمَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [الأحزاب] وهذه
أعظم آية في التشجيع على القتال؛ لأنها تبين أن الفرار من القتل لا ينجي منه، ولو
فرض نجاته منه فهو ميت عن قريب، كما قال قعنب ابن أم صاحب.
فلا تتهيبك أن تقدما
إذا أنت لاقيت في نجدة
فسوف تصادفه أينما
فإن المنية من يخشها
فإن قصاراك أن تهـرما
وإن تتخطاك أسبابها
وقال زهير:
تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم
رأيت المنايا خبط عشواء من تصب
وقال أبو الطيب:
وإذا لم يكن من الموت بد
ولقد أجاد من قال:
فمن العجز أن تكون جبانا
والمرء فى الجبن لا ينجو من القدر
في الجبن عار وفي الإقدام مكرمة
وهذا هو المراد بالآيات المذكورة، ويؤخذ من هذه الآية عدم جواز الفرار من
الطاعون إذا وقع بأرض وأنت فيها، وقد ثبت عن النبي و ﴿ النهي عن الفرار من
الطاعون وعن القدوم على الأرض التي هو فيها إذا كنت خارجاً عنها .
٧٠
- سورة البقرة: الآيات (٢٤٥ - ٢٥٣)
تنبيه: لم تأت لفظة (ألم تر) ونحوها في القرآن مما تقدمه لفظ ألم، معداة إلا
بالحرف الذي هو إلى. وقد ظن بعض العلماء أن ذلك لازم والتحقيق عدم لزومه وجواز
تعديته بنفسه دون حرف الجر، كما يشهد له قول امرئ القيس :
ألم ترياني كلما جئت طارقا وجدت بها طيباً وإن لم تطيب
قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِى يُفْرِضُ اَللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَدَعِفَهُ لَهُ: أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ .
لم يبين هنا قدر هذه الأضعاف الكثيرة، ولكنه بين في موضع آخر أنها تبلغ
سبعمائة ضعف وتزيد عن ذلك. وذلك في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِى
سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَثْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِى كُلِّ سُتْلَةٍ مِّئَةُ حَبَّ وَاللَّهُ يُضَنِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَءَاتَنُهُ اَللَّهُ الْمُلْكَ وَاَلِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِنَا يَشَاءُ﴾.
لم يبين هنا شيئاً مما علمه، وقد بين في مواضع أخر أن مما علمه صنعة الدروع
كقوله: ﴿وَعَلَّمْنَهُ صَنْعَةَ لَبُوُسِ لَّكُمْ لِنُحْصِنَكُمْ مِّنْ بَأْسِكُمْ﴾ ... الآية [الأنبياء: ٨٠].
﴿ أَنِ أَعْمَلْ سَبِغَتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ [سبأ: ١٠، ١١].
وقوله: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ يفهم من تأكيده هنا بأن واللام أن الكفار
ينكرون رسالته كما تقرر في فن المعاني، وقد صرح بهذا المفهوم في قوله: ﴿وَيَقُولُ
الَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ ... الآية [الرعد: ٤٣].
قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضُِ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اَللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ
دَرَجَاتٍ﴾. لم يبين هنا هذا الذي كلمه الله منهم وقد بين أن منهم موسى - عليه وعلى
نبينا الصلاة والسلام - بقوله: ﴿وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]. وقوله: ﴿إِنِ
أَصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِسَلَتِ وَبِكَلَبِى﴾ [الأعراف: ١٤٤]. قال ابن كثير: منهم من كلم الله
يعني موسى ومحمداً وَل#، وكذلك آدم كما ورد في الحديث المروي في صحيح ابن
حبان عن أبي ذر
قال مقيده - عفا الله عنه -: تكليم آدم الوارد في صحيح ابن حبان يبينه قوله
تعالى: ﴿وَقُلْنَا بِكَدَمُ أَسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ وأمثالها من الآيات فإنه ظاهر في أنه بغير
واسطة الملك، ويظهر من هذه الآية نهي حواء عن الشجرة على لسانه، فهو رسول إليها
بذلك، قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿مِنْهُم مَن كَلَّمَ اللّهُ﴾ ما نصه: وقد سئل
رسول الله ـ عن آدم أنبي مرسل هو؟ فقال: نعم نبي مكلم، قال ابن عطية: وقد تأول
بعض الناس أن تكليم آدم كان في الجنة، فعلى هذا تبقى خاصية موسى. اهـ. وقال ابن
جرير في تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِى هُدَى﴾ في سورة البقرة ما نصه؛ لأن آدم
كان هو النبي ◌ُلَله أيام حياته، بعد أن أهبط إلى الأرض، والرسول من الله جل ثناؤه
إلى ولده، فغير جائز أن يكون معنياً وهو - الرسول وَل﴿ل ـ بقوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى
هُدَى﴾ أي: رسل. اهـ. محل الحجة منه يلفظه. وفيه وفي كلام ابن كثير المتقدم عن
٧١
سورة البقرة: الآية (٢٥٣)
صحيح ابن حبان التصريح بأن آدم رسول وهو مشكل مع ما ثبت في حديث الشفاعة
المتفق عليه من أن نوحاً عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام أول الرسل ويشهد له قوله
تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِنَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [النساء: ١٦٣] والظاهر أنه
لا طریق للجمع إلا من وجهين:
الأول: أن آدم أرسل لزوجه وذريته في الجنة، ونوح أول رسول أرسل في
الأرض، ويدل لهذا الجمع ما ثبت في الصحيحين وغيرهما: ويقول: ((ولكن ائتوا نوحاً
فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض)) ... الحديث. فقوله إلى أهل الأرض لو لم
يرد به الاحتراز عن رسول بعث لغير أهل الأرض، لكان ذلك الكلام حشواً، بل يفهم
من مفهوم مخالفته ما ذكرنا. ويُستأنس له بكلام ابن عطية الذي قدمنا نقل القرطبي له.
الوجه الثاني: أن آدم أرسل إلى ذريته وهم على الفطرة لم يصدر منهم كفر
فأطاعوه، ونوح هو أول رسول أرسل لقوم كافرين ينهاهم عن الإشراك بالله تعالى،
ويأمرهم بإخلاص العبادة له وحده، ويدل لهذا الوجه قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّ
أُمَةُ وَحِدَةً﴾ ... الآية [يونس: ١٩]. أي: على الدين الحنيف أي حتى كفر قوم نوح،
وقوله: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةٌ وَحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِنَ﴾ الآية. والله تعالى أعلم.
وقوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ .
أشار في مواضع أخر إلى أن منهم محمداً وَله كقوله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا
فَّحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] أو قوله: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلَّا كَافَّةُ لِلِنَّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨]، وقوله:
﴿إِنِّ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِى نَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى
عَبْدِهِ، لِيَكُونَ لِلْعَلَمِينَ نَذِيرًا ﴾﴾ [الفرقان]. وأشار في مواضع أخر إلى أن منهم إبراهيم
كقوله: ﴿وَأَّخَذَ اُللَّهُ إِنْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]، وقوله: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ إلى
غير ذلك من الآيات. وأشار في موضع آخر إلى أن منهم داود وهو قوله: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا
بَعْضَ النَّيْكِنَ عَلَى بَعْضٌِ وَءَاتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [الإسراء: ٥٥]. وأشار في موضع آخر إلى أن منهم
(63)﴾ [مريم]. وأشار هنا إلى أن منهم عيسى بقوله:
إدريس وهو قوله: ﴿وَرَفَعْنَهُ مَكَنًا عَلِيًّا
﴿وَءَاتَيْنَا عِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ الْبَيْنَتِ﴾
تنبيه: في هذه الآية الكريمة أعني: قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضُِ﴾
الآية. إشكال قوي معروف. ووجهه: أنه ثبت في حديث أبي هريرة المتفق عليه أنه وَالتّ
قال: ((لا تخيروني على موسى فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق، فإذا
موسى باطش بجانب العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم كان ممن استثنى الله)) وثبت أيضاً في
حديث أبي سعيد المتفق عليه ((لا تخيروا بين الأنبياء، فإن الناس يصعقون يوم
القيامة)) ... الحديث، وفي رواية ((لا تفضلوا بين أنبياء الله))، وفي رواية ((لا تخيروني من
بين الأنبياء)). وقال القرطبي في تفسير هذه الآية ما نصه: وهذه الآية مشكلة،
والأحاديث ثابتة بأنه النبي ◌َ لو قال: ((لا تخيروا بين الأنبياء ولا تفضلوا بين أنبياء الله))
٧٢ـ
سورة البقرة: الآية (٢٥٣)
رواها الأئمة الثقاة، أي: لا تقولوا فلان خير من فلان، ولا فلان أفضل من فلان. اهـ
قال ابن كثير في الجواب عن هذا الإشكال ما نصه: والجواب من وجوه؛ أحدها : أن
هذا كان قبل أن يعلم بالتفصيل، وفي هذا نظر الثاني: أن هذا قاله من باب الهضم
والتواضع. الثالث: أن هذا نهي عن التفضيل في مثل هذه الحال التي تحاكموا فيها عند
التخاصم والتشاجر. الرابع: لا تفضلوا بمجرد الآراء والعصبية. الخامس: ليس مقام
التفضيل إليكم، وإنما هو إلى الله عز وجل، وعليكم الانقياد والتسليم له والإيمان به.
اهـ. منه بلفظه، وذكر القرطبي في تفسيره أجوبة كثيرة عن هذا الإشكال، واختار أن منع
التفضيل في خصوص النبوة، وجوازه في غيرها من زيادة الأحوال والخصوص
والكرامات فقد قال ما نصه: قلت وأحسن من هذا قول من قال: إن المنع من التفضيل
إنما هو من جهة النبوة التي هي خصلة واحدة لا تفاضل فيها، وإنما التفضيل في زيادة
الأحوال والخصوص والكرامات والألطاف والمعجزات المتباينات.
وأما النبوة في نفسها فلا تتفاضل، وإنما تتفاضل بأمور أخر زائدة عليها؛ ولذلك
منهم رسل وأولو عزم، ومنهم من اتخذ خليلاً، ومنهم من كلم الله ورفع بعضهم
درجات. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبْعِنَ عَلَى بَعْضِّ وَءَاتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾ [الإسراء:
٥٥]. قلت: وهذا قول حسن فإنه جمع بين الآي والأحاديث من غير نسخ، والقول
بتفضيل بعضهم على بعض إنما هو بما منح من الفضائل وأعطي من الوسائل، وقد أشار
ابن عباس إلى هذا فقال: إن الله فضل محمداً ميل على الأنبياء وعلى أهل السماء
وَمَن
فقالوا: بم يا ابن عباس فضله على أهل السماء؟ فقال: إن الله تعالى قال:
[الأنبياء].
٢٩
يَقُلْ مِنْهُمْ إِّتِ إِلَهٌ مِّن دُونِهِ، فَذَلِكَ نَجْزِيِهِ جَهَنَّمُ كَذَلِكَ نَجْزِىِ اٌلِّمِينَ
وقال لمحمد وَّةٍ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِنَا جَ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا نَقَدَّمَ مِن ذَلْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾
[الفتح: ١، ٢]. قالوا: فما فضله على الأنبياء؟ قال: قال الله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن
زَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ، لِيُبَيِّنَ لَمْ﴾ [إبراهيم: ٤] وقال الله عز وجلّ - لمحمد ◌َله.
﴿وَمَا أَرْسَلْتَكَ إِلَّا كَانَّةُ لِلنَّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨] فأرسله إلى الجن والإنس، ذكره أبو محمد
الدارمي في مسنده، وقال أبو هريرة: خير بني آدم نوح وإبراهيم وموسى ومحمد 10
وهم أولو العزم من الرسل، وهذا نص من ابن عباس وأبي هريرة في التعيين، ومعلوم
أن من أرسل أفضل ممن لم يرسل؛ فإن لمن أرسل فضل على غيره بالرسالة، واستووا
في النبوة إلى ما يلقاه الرسل من تكذيب أممهم وقتلهم إياهم، وهذا مما لا خفاء به.
اهـ. محل الغرض منه بلفظه.
.... واختار ابن عطية كما نقله عنه القرطبي أن وجه الجمع جواز التفضيل إجمالاً
كقوله : ((أنا سيد ولد آدم ولا فخر)) ولم يعين ومنع التفضيل على طريق الخصوص
كقوله: ((لا تفضلوني على موسى)) وقوله: ((لا ينبغي لأحد أن يقول أنا خير من يونس بن
متَى)) ونحو ذلك والعلم عند الله تعالى.
٧٣
سورة البقرة: الآية (٢٦٢) .
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَهُمْ فِى سَبِيلِ اَلَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواْ مَنَّا وَلَّ أَذَّ
(6)﴾ يفهم من هذه الآية أن من
لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ
أتبع إنفاقه المنّ والأذى لم يحصل له هذا الثواب المذكور هنا في قوله: ﴿لَّهُمْ أَجْرُهُمْ
عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ وقد صرح تعالى بهذا المفهوم في قوله:
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُبْطِلُواْ صَدَقَتِكُمْ بِأَلْمَنِّ وَاَلْأَذَى﴾.
قوله تعالى: ﴿اَللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ اُلُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ﴾. صَرح في هذه
الآية الكريمة بأن الله ولي المؤمنين، وصرح في آية أخرى بأنه وليهم، وأن رسول الله والله
وليهم، وأن بعضهم أولياء بعض وذلك في قوله تعالى: ﴿إِنََّا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُ وَالَّذِينَ
ءَامَنُواْ﴾ [المائدة: ٥٥] الآية وقال: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١]،
وصرح في موضع آخر بخصوص هذه الولاية للمسلمين دون الكافرين وهو قوله تعالى:
﴿َذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَأَنَّ الْكَفِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ ﴾﴾﴾ [محمد]، وصرح في موضع آخر
بأن نبيه ﴿ ﴿ أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وهو قوله تعالى: ﴿النَِّىُّ أَوْلَى بِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ
أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦]، وبين في آية البقرة هذه، ثمرة ولايته تعالى للمؤمنين، وهي
إخراجه لهم من الظلمات إلى النور بقوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ
اُلُّلُمَتِ إِلَى النُّورِّ﴾، وبين في موضع آخر أن من ثمرة ولايته إذهاب الخوف والحزن عن
أوليائه، وبين أن ولا يتهم له تعالى بإيمانهم وتقواهم وذلك في قوله تعالى: ﴿أَلَآ إِنَّ
أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَ خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَ هُمْ يَحْزَنُونَ (٧ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ
[يونس]، وصرح في موضع آخر أنه تعالى ولي نبيه وَ له وأنه أيضاً يتولى الصالحين وهو
قوله تعالى: ﴿إِنَّ وَلِقِىَ اَللَّهُ الَّذِى نَزَّلَ اَلْكِنَبِّ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّلِحِينَ (٣)﴾ [الأعراف].
قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُهُم مِّنَ اَلُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ﴾ المراد بالظلماتِ الضلالة، وبالنور
الهدى، وهذه الآية يفهم منها أن طرق الضلال متعددة؛ لجمعه الظلمات وأن طريق
الحق واحدة؛ لإفراده النور، وهذا المعنى المشار إليه هنا بينه تعالى في مواضع أخر
كقوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَطِى مُسْتَقِيمًا فَتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُواْ السُبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَيِدٍِ﴾
[الأنعام: ١٥٣]. قال ابن كثير في تفسير هذه الآية ما نصه؛ ولهذا وحّد تعالى لفظ النور
وجمع الظلمات؛ لأن الحق واحد والكفر أجناس كثيرة وكلها باطلة كما قال: ﴿وَأَنَّ هَذَا
صِرَطِى مُسْتَقِيمًا فَتَّبِعُوهُ وَلَا تَنَّبِعُوا السُبُلَ فَنَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ، ذَلِكُمْ وَصَّنَّكُمْ بِهِ. لَعَلَّكُمْ
﴾ [الأنعام]، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلَ القُلُنَتِ وَالنُّورُ﴾ [الأنعام: ١]، وقال تعالى:
تَتَّقُونَ
﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ﴾ [ق: ١٧] إلى غير ذلك من الآيات التي في لفظها إشعار بتفرد
الحق وانتشار الباطل وتعدده وتشعبه منه بلفظه.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الَّاغُوتُ﴾. قال بعض العلماء: الطاغوت:
الشيطان ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءٌَ﴾ [آل عمران: ١٧٥] أي
يخوفكم من أوليائه وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقَائِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَائِلُونَ فِىِ
٧٤
سورة البقرة: الآيات (٢٦٤ - ٢٧٥)
سَبِيلِ الطّغُوتِ فَقَئِلُواْ أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِّ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَنِ كَانَ ضَعِيفًا (®)﴾ [النساء]، وقوله:
﴿أَفَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ: أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌ﴾ [الكهف: ٥٠]، وقوله: ﴿إِنَّهُمُ أَتَّخَذُواْ
الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَآءَ﴾ [الأعراف: ٣٠]. والتحقيق أن كل ما عبد من دون الله فهو طاغوت
والحظ الأكبر ذلك للشيطان كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَذْ إِلَيْكُمْ يَبَنِيِّ ءَادَمَ أَن لَّا تَعْبُدُواْ
الشَّيْطَنَّ إِنَّهُ﴾ [يس: ٦٠] وقال: ﴿إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلَّ إِنَثَّا وَإِن يَدْعُونَ إِلَّا
(١٧)﴾ [النساء]، وقال عن خليله إبراهيم: ﴿يَأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَنِّ﴾ [مريم:
شَيْطَنَا قَرِيدًا
٤٤]، وقال: ﴿وَإِنَّ الشَّبَطِينَ لَيُؤْحُونَ إِلَى أَوْلِيَآيِهِمْ لِيُجَدِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمْرِكُونَ﴾
[الأنعام: ١٢١] إلى غير ذلك من الآيات.
قوله تعالى: ﴿كَلَّذِى يُنفِقُ مَالَهُ رِقَآءَ النَّاسِ﴾. بين أن المراد بالذي: الذين بقوله:
يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍ مِّمَا كَسَبُواْ﴾
قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الَّذِينَ أُخْصِرُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾. لم يبين هنا سبب
فقرهم؛ ولكنه بين في سورة الحشر أن سبب فقرهم هو إخراج الكفار لهم من ديارهم
وأموالهم بقوله: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَرِهِمْ وَأَمْوَلِهِمْ﴾ الآية [الحشر: ٨].
قوله تعالى: ﴿فَمَنْ جَمُ مَوْعِظَةٌ مِّنْ زَّيِّهِ، فَأَنْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾. معنى هذه الآية
الكريمة أن من جاءه موعظة من ربه يزجره بها عن أكل الربا فانتهى أي: ترك المعاملة
بالربا؛ خوفاً من الله تعالى وامتثالاً لأمره: ﴿فَمُ مَا سَلَفَ﴾؛ أي ما مضى قبل نزول
التحريم من أموال الربا ويؤخذ من هذه الآية الكريمة أن الله لا يؤاخذ الإنسان بفعل أمر
إلا بعد أن يحرمه عليه، وقد أوضح هذا المعنى في آيات كثيرة فقد قال في الذين كانوا
يشربون الخمر، ويأكلون مال الميسر قبل نزول التحريم: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ﴾ [المائدة: ٩٣].
وقال في الذين كانوا يتزوجون أزواج آبائهم قبل التحريم: ﴿وَلَا نَنْكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَابَآؤُكُم
مِنَ النِّسَاءِ إِلَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢] أي: لكن ما سلف قبل التحریم فلا جناح عليكم
فيه، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُواْ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣].
وقال في الصيد قبل التحريم: ﴿عَفَا اَللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ [المائدة: ٩٥]. وقال في الصلاة
إلى بيت المقدس قبل نسخ استقباله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَتَكُمْ﴾ أي: صلاتكم إلى
بيت المقدس قبل النسخ.
ومن أصرح الأدلة في هذا المعنى أن النبي والله والمسلمين لما استغفروا لقربائهم
الموتى من المشركين وأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ
وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِ قُرَُّ مِنْ بَعْدِ مَا تَبََّ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَبُ الْجَحِيمِ (٣)﴾ [التوبة] وندموا على
استغفارهم للمشركين أنزل الله في ذلك: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَنهُمْ حَتَّى
يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥] فصرح بأنه لا يضلهم بفعل أمر إلا بعد بيان اتقائه.
٧٥
سورة البقرة: الآيات (٢٧٦ - ٢٨٢) -
قوله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الْرَبَوْ﴾. صرح في هذه الآية الكريمة بأنه يمحق الربا أي:
يذهبه بالكلية من يد صاحبه أو يحرمه بركة ماله فلا ينتفع به كما قاله ابن كثير وغيره،
وما ذكر هنا من محق الربا أشار إليه في مواضع آخر كقوله: ﴿وَمَآ ءَاتَيْتُم مِّن رِّبًا لِيَرْبُواْ فِىّ
أَمْوَلِ النَّاسِ فَلَ يَرْبُواْ عِندَ اللّهِ﴾ [الروم: ٣٩] وقوله: ﴿قُل لَّا يَسْتَوِى الْخَبِيثُ وَأَلَّيِّبُ وَلَوْ
أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ [المائدة: ١٠٠]. وقوله: ﴿وَيَجْعَلَ اُلْخَبِيثَ بَعْضَهُ, عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَةُ.
جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِى جَهَنََّ﴾ [الأنفال: ٣٧] كما أشار إلى ذلك ابن كثير في تفسير هذه الآية.
واعلم أن الله صرح بتحريم الربا بقوله: ﴿وَحَزَّمَ الرِّيَواْ﴾ وصرح بأن المتعامل بالربا
محارب الله بقوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الْرَّوْاْ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ ﴿ فَإِ لَّمْ
تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ الَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (®)﴾.
وصرح بأن آكل الربا لا يقوم، أي من قبره يوم القيامة إلا كما يقوم الذي يتخبطه
الشيطان من المس بقوله: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الْرّبُواْ لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِى يَتَخَبَّطُهُ
الشَيْطَانُ مِنَ الْمَسِّنَّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الْرَّوْ﴾ والأحاديث في ذلك كثيرة جدًّا .
واعلم أن الربا منه ما أجمع المسلمون على منعه ولم يخالف فيه أحد وذلك کربا
الجاهلية، وهو أن يزيده في الأجل على أن يزيده الآخر في قدر الدين، وربا النَّساء بين
الذهب والذهب، والفضة والفضة، وبين الذهب والفضة، وبين البُر والبُر، وبين الشعير
والشعير، وبين التمر والتمر، وبين الملح والملح، وكذلك بين هذه الأربعة بعضها مع بعض.
قوله تعالى: ﴿وَيُرْبِ الصَّدَفَتِ﴾. ذكر في هذه الآية الكريمة أنه تعالى يربي
الصدقات وبين في موضع آخر أن هذا الإرباء مضاعفة الأجر، وأنه يشترط في ذلك
إخلاص النية لوجه الله تعالى وهو قوله تعالى: ﴿وَمَآ ءَانَيَّتُم مِّن رَّكَوْمِ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ
فَأُوْلَكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم: ٣٩].
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِذَا تَدَايَنتُمُ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَنَّى فَاكْتُبُوهُ﴾ .
ظاهر هذه الآية الكريمة أن كتابة الدين واجبة؛ لأن الأمر من الله يدل على
الوجوب. ولكنه أشار إلى أنه أمر إرشاد لا إيجاب بقوله: ﴿وَإِن كُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ
كَلِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾؛ لأن الرهن لا يجب إجماعاً وهو بدل من الكتابة عند تعذرها في
الآية فلو كانت الكتابة واجبة لكان بدلها واجباً. وصرح بعدم الوجوب بقوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ
بَعْضُكُمْ بَعْضَا فَلْيُؤَّ الَّذِى أَقْتُمِنَ أَمَنَتَهُ﴾؛ فالتحقيق أن الأمر في قوله: ﴿فَأَكْتُبُوهُ﴾ للندب
والإرشاد؛ لأن لرب الدين أن يهبه ويتركه إجماعاً، فالندب إلى الكتابة فيه إنما هو على
جهة الحيطة للناس قاله القرطبي. وقال بعضهم: إن أشهدت فحزم، وإن ائتمنت ففي
حل وسعة ابن عطية، وهذا القول هو الصحيح، قاله القرطبي أيضاً.
وقال الشعبي: كانوا يرون أن قوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ﴾ ... الآية، ناسخ لأمره بالكتب،
وحكى نحوه ابن جريج، وقاله ابن زيد، وروى عن أبي سعيد الخدري وذهب الربيع إلى
٧٦
سورة البقرة الآيات (٢٧٦ - ٢٨٢)
أن ذلك واجب بهذه الألفاظ ثم خففه الله تعالى بقوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ وتمسك
جماعة بظاهر الأمر في قوله: ﴿فَأَكْتُبُوهُ﴾ فقالوا: كتابة الدين واجب فرض بهذه الآية
بيعاً كان أو قرضاً؛ لئلا يقع فيه نسيان أو جحود وهو اختيار ابن جرير الطبري في تفسيره.
وقال ابن جريج: من أدان فليكتب ومن باع فليشهد. اهـ من القرطبي وسيأتي له
زيادة بيان إن شاء الله قريباً
تنبيه: أخذ بعض العلماء من قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ﴾. أن الرهن لا يكون
مشروعاً إلا في السفر كما قاله مجاهد والضحاك وداود والتحقيق جوازه في الحضر.
وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة أنه پ# توفي ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين
صاعاً من شعير. وفي الصحيحين أنها درع من حديد.
وروى البخاري وأحمد والنسائي وابن ماجة عن أنس أنه { ل# رهن درعاً عند
يهودي بالمدينة وأخذ منه شعيراً لأهله. ولأحمد والنسائي وابن ماجه عن ابن عباس
مثل حديث عائشة فدل الحديث الصحيح على أن قوله: ﴿وَإِن كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ﴾ لا مفهوم
مخالفة له؛ لأنه جرى على الأمر الغالب، إذ الغالب أن الكاتب لا يتعذر في الحضر
وإنما يتعذر غالباً في السفر، والجري على الغالب من موانع اعتبار مفهوم المخالفة كما
ذكرناه في هذا الكتاب مراراً. والعلم عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوّا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾. ظاهر هذا الأمر الوجوب أيضاً فيجب
على من باع أن يشهد وبهذا قال أبو موسى الأشعري: وابن عمر والضحاك وسعيد بن
المسيب وجابر بن زيد ومجاهد وداود بن علي وابنه أبو بكر وعطاء وإبراهيم قاله
القرطبي، وانتصر له ابن جرير الطبري غاية الانتصار وصرح بأن من لم يشهد مخالف
لكتاب الله وجمهور العلماء على أن الإشهاد على المبايعة وكتابة الدين أمر مندوب إليه
لا واجب، ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِّنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ ... الآية.
وقال ابن العربي المالكي: إن هذا قول الكافة قال: وهو الصحيح ولم يحك عن
أحد ممن قال بالوجوب إلا الضحاك قال: وقد باع النبي وَله وكتب، قال: ونسخة كتابه
بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما اشترى العداء بن خالد بن هوذة من محمد رسول الله وَلا قه
اشترى منه عبداً أو أمة لا داء ولا غائلة ولا خبثة بيع المسلم للمسلم. وقد باع ولم
يشهد واشترى ورهن درعه عند يهودي ولم يشهد، ولو كان الإشهاد أمراً واجباً لوجب
مع الرهن لخوف المنازعة. اهـ.
: قال القرطبي بعد أن ساق كلام ابن العربي هذا ما نصه قلت: قد ذكرنا الوجوب
عن غير الضحاك وحديث العداء هذا أخرجه الدارقطني وأبو داوود وكان إسلامه بعد
الفتح وحنين، وهو القائل: قاتلنا رسول الله صَلّ يوم حنين فلم يظهرنا الله ولم ينصرنا.
ثم أسلم فحسن إسلامه. ذكره أبو عمر وذكر حديثه هذا.
٧٧
سورة البقرة الآيات (٢٧٦ - ٢٨٢) .
وقال في آخره: قال الأصمعي: سألت سعيد بن أبي عروبة عن الغائلة فقال:
الإباق والسرقة والزنى وسألته عن الخبثة فقال: بيع أهل عهد المسلمين.
وقال الإمام أبو محمد بن عطية: والوجوب في ذلك قلق، أما في الوثائق فصعب
شاق، وأما ما كثر فربما يقصد التاجر الاستئلاف بترك الإشهاد. وقد يكون عادة في بعض
البلاد. وقد يستحي من العالم والرجل الكبير الموقر فلا يشهد عليه فيدخل ذلك كله في
الائتمان ويبقى الأمر بالإشهاد ندباً لما فيه من المصلحة في الأغلب ما لم يقع عذر يمنع
منه كما ذكرنا، وحكى المهدوي والنحاس ومكي عن قوم أنهم قالوا: ﴿وَأَشْهِدُوَأَ إِذَا
تََّايَعْتُمْ﴾ منسوخ بقوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ وأسنده النحاس عن أبي سعيد الخدري
وأنه تلا: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِذَا تَدَايَنْتُ بِدَبْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَنَّى فَاكْتُبُوهُ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنْ
أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِى أَقْتُمِنَ أَمَتَهُ﴾ قال: نسخت هذه الآية ما قبلها .
قال النحاس: وهذا قول الحسن والحكم وعبد الرحمن بن زيد.
قال القرطبي: وهذا لا معنى له؛ لأن هذا حكم غير الأول وإنما هذا حكم من لم يجد كاتباً .
قال الله عز وجل: ﴿وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَلِبًا فَرِهَانُ مَّقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ
بَعْضًا﴾ أي: فلم يطالبه برهن ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِى أٌؤْتُمِنَ أَمَتَهُ﴾ قال: ولو جاز أن يكون هذا
ناسخاً للأول، لجاز أن يكون قوله عز وجل: ﴿وَإِن كُنُم ◌َّرْضَ أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ
مِّنكُم مِّنَ اُلْغَابِطِ﴾ [النساء: ٤٣]. ناسخاً لقوله عز وجل: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ
إِلَى الصَّلَوَةِ﴾ [المائدة: ٦]. ولجاز أن يكون قوله عز وجل: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ
شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء: ٩٢] ناسخاً لقوله عز وجل: ﴿فَتَحْرِيُ رَقَّبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢].
وقال بعض العلماء: إن قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا﴾ لم يتبين بآخر نزوله
عن صدر الآية المشتملة على الأمر بالإشهاد بل وردا معاً، ولا يجوز أن يرد الناسخ
والمنسوخ معاً جميعاً في حالة واحدة، قال: وقد روي عن ابن عباس أنه قال لما قيل
له: إن آية الدين منسوخة قال: لا والله إن آية الدين محكمة ليس فيها نسخ، قال:
والإشهاد إنما جعل للطمأنينة وذلك أن الله تعالى جعل لتوثيق الدين طرقاً منها الكتاب
ومنها الرهن ومنها الإشهاد ولا خلاف بين علماء الأمصار أن الرهن مشروع بطريق
الندب لا بطريق الوجوب فيعلم من ذلك مثله في الإشهاد، وما زال الناس يتبايعون
حضراً وسفراً وبراً وبحراً وسهلاً وجبلاً من غير إشهاد مع علم الناس بذلك من غير
نكير. ولو وجب الإشهاد ما تركوا النكير على تاركه، قلت: هذا كله استدلال حسن
وأحسن منه ما جاء من صريح السنة في ترك الإشهاد وهو ما أخرجه الدارقطني عن
طارق بن عبد الله المحاربي انه قال: أقبلنا في ركب من الربذة وجنوب الربذة حتى
نزلنا قريباً من المدينة ومعنا ظعينة لنا، فبينما نحن قعود إذ أتانا رجل عليه ثوبان أبيضان
فسلم فرددنا عليه، فقال: من أين القوم؟ فقلنا: من الربذة وجنوب الربذة قال: ومعنا
٧٨
-
سورة البقرة: الآية (٢٨٦)
جمل أحمر فقال: تبيعوني جملكم هذا؟ فقلنا: نعم قال: بكم؟ قلنا: بكذا وكذا صاعاً
من تمر. قال: فما استوضعنا شيئاً وقال: قد أخذته، ثم أخذ برأس الجمل حتى دخل
المدينة فتوارى عنا فتلاومنا بيننا وقلنا: أعطيتم جملكم من لا تعرفونه، فقالت الظعينة:
لا تلاوموا فقد رأيت وجه رجل ما كان ليخفركم. ما رأيت وجه رجل أشبه بالقمر ليلة
البدر من وجهه فلما كان العشاء أتانا رجل، فقال: السلام عليكم أنا رسول
رسول الله قيه إليكم وإنه أمركم أن تأكلوا من هذا حتى تشبعوا وتكتالوا حتى تستوفوا
قال: فأكلنا حتى شبعنا واكتلنا حتى استوفينا. وذكر الحديث الزهري عن عمارة بن
خزيمة أن عمه حدثه وهو من أصحاب النبي ور: أن النبي و لو ابتاع فرساً من
أعرابي، ... الحديث. وفيه فطفق الأعرابي يقول: هلم شاهداً يشهد أني بعتك قال
خزيمة بن ثابت: أنا أشهد أنك بعته. فأقبل النبي ◌َّ ر على خزيمة فقال: بم تشهد؟
قال: بتصديقك يا رسول الله ولو فجعل رسول الله وَير شهادة خزيمة بشهادة رجلين.
أخرجه النسائي وغيره. اهـ من القرطبي بلفظه.
قال مقيده - عفا الله عنه -: وفيما نقلنا الدلالة الواضحة على أن الإشهاد والكتابة
مندوب إليهما لا فرضان واجبان كما قاله ابن جرير وغيره، ولم يبين الله تعالى في هذه الآية
أعني: قوله - جلّ وعلا -: ﴿ وَأَشْهِدُوَأْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ اشتراط العدالة في الشهود ولكنه بينه في
مواضع أخر كقوله: ﴿مِمَن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ﴾ وقوله: ﴿ وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِنْكُنْ﴾ [الطلاق:
٢]. وقد تقرر في الأصول أن المطلق يحمل على المقيد كما بيناه في غير هذا الموضع.
قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآَ أَوْ أَخْطَأْنَ﴾ .
لم يبين هنا هل أجاب دعاءهم هذا أو لا؟ وأشار إلى أنه أجابه بقوله في الخطأ
﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ﴾ [الأحزاب: ٥] الآية. وأشار إلى أنه أجابه في
النسيان بقوله: ﴿وَإِمَّا يُلْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَ نَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ اُلْقَوْمِ الظَّلِينَ﴾ [الأنعام:
٦٨]، فإنه ظاهر في أنه قبل الذكرى لا إثم عليه في ذلك ولا يقدح في هذا أن آية ﴿وَإِمَّا
يُكْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ﴾ [الأنعام: ٦٨] مكية، وآية ﴿لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن ◌َّسِينَآ﴾ مدنية؛ إذ لا مانع من
بيان المدني بالمكي كعكسه. وقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي وسلّ لما قرأ ﴿رَبَّنَا لَا
تُؤَاخِذْنَآ إِن ◌َّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال الله تعالى نعم.
قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًّا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَّأَ﴾ .
لم يبين هنا هل أجاب دعاءهم هذا أو لا؟ ولم يبين الإصر الذي كان محمولاً
على من قبلنا، وبين أنه أجاب دعاءهم هذا في مواضع أخر كقوله: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ
إِصْرَهُمْ وَاَلْأَغْلَلَ الَّتِى كَانَتْ عَلَيَّهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا
وُسْعَهَا﴾ وقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجَ﴾ [الحج: ٧٨] وقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ
بِكُمُ الْيُسْرَ﴾. إلى غير ذلك من الآيات. وأشار إلى بعض الإصر الذي حمل على من
٧٩
سورة آل عمران: الآية (٧).
قبلنا بقوله: ﴿فَتُوبُواْ إِلَى بَارِيَكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ﴾؛ لأن اشتراط النفس في قبول التوبة من
أعظم الإصر، والإصر الثقل في التكليف ومنه قول النابغة.
والحامل الإصر عنهم بعد ما عرفوا
يا مانع الضيم أن يغشى سراتهم:
براسه الرحمن الرحيم
سُورَة آلَ عِمرانَ
قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ: إِلَّ اللّهُ﴾
يحتمل أن المراد بالتأويل في هذه الآية الكريمة التفسير وإدراك المعنى، ويحتمل
أن المراد به حقيقة أمره التي يؤول إليها وقد قدمنا في مقدمة هذا الكتاب أن من أنواع
البيان التي ذكرناها فيه أن كون أحد الاحتمالين هو الغالب في القرآن. يبين أن ذلك
الاحتمال الغالب هو المراد؛ لأن الحمل على الأغلب أولى من الحمل على غيره. وإذا
عرفت ذلك فاعلم أن الغالب في القرآن إطلاق التأويل على حقيقة الأمر التي يؤول إليها
كقوله: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُوْيَىَ مِن قَبْلُ﴾ [يوسف: ١٠٠] وقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَِّ يَوْمَ يَأْتِى
تَأْوِيلُهُ﴾ [الأعراف: ٥٣] ... الآية. وقوله: ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِطُواْ بِعِلْمِهِ، وَلَمَّا يَأْتِهِمْ
تَأْوِيلُ﴾ [يونس: ٣٩] وقوله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] إلى غير ذلك من
الآيات. قال ابن جرير الطبري: وأصل التأويل من آل الشيء إلى كذا إذا صار إليه
ورجع يؤول أو لا، وأولته أنا صيرته إليه، وقال: وقد أنشد بعض الرواة بيت الأعشى:
تأول ربعي السقاب فأصحباً
على أنها كانت تأول حبها
قال: ويعني بقوله: تأول حبها مصير حبها، ومرجعه وإنما يريد بذلك أن حبها كان
صغيراً في قلبه فآل من الصغر إلى العظم، فلم يزل ينبت حتى أصحب فصار قديماً كالسقب
الصغير الذي لم يزل يشب حتى أصحب، فصار كبيراً مثل أمه. قال وقد ينشد هذا البيت:
على أنها كانت توابع حبها. توالى ربعي السقاب فأصحبا))
وعليه فلا شاهد فيه، والربعي: السقب. الذي ولد في أول النتاج ومعنى أصحب
انقاد لكل من يقوده، ومنه قول امرئ القيس:
ولست بذي رئية إمر
إذا قيد مستكرها أصحبا
والرثية: وجع المفاصل. والإمر: بكسر الهمزة وتشديد الميم مفتوحة بعدها راء هو
الذي يأتمر لكل أحد؛ لضعفه وأنشد بيت الأعشى المذكور الأزهري وصاحب اللسان:
توالى ربعي السقاب فأصحبا
ولكنها كانت نوى أجنبية
٠
٨
سورة آل عمران: الآية (٧)
وأطالا في شرحه وعليه فلا شاهد فيه أيضاً.
تنبيه: اعلم أن التأويل يطلق ثلاثة إطلاقات:
الأول: هو ما ذكرنا من أنه الحقيقة التي يؤول إليها الأمر، وهذا هو معناه في القرآن.
الثاني: يراد به التفسير والبيان، ومنه بهذا المعنى قوله ◌َ ﴿ في ابن عباس: ((اللهم
فقهه في الدين، وعلمه التأويل)). وقول ابن جرير وغيره من العلماء، القول في تأويل
قوله تعالى: كذا وكذا أي: تفسيره وبيانه. وقول عائشة الثابت في الصحيح: كان
رسول الله ◌َ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: ((اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي))
يتأول القرآن تعني يمتثله ويعمل به. والله تعالى أعلم.
الثالث: هو معناه المتعارف في اصطلاح الأصوليين، وهو صرف اللفظ عن
ظاهره المتبادر منه إلى محتمل مرجوح بدليل يدل على ذلك، وحاصل تحرير مسألة
التأويل عند أهل الأصول أنه لا يخلو من واحدة من ثلاث حالات بالتقسيم الصحيح:
الأولى: أن يكون صرف اللفظ عن ظاهره بدليل صحيح في نفس الأمر يدل على ذلك،
وهذا هو التأويل المسمى عندهم بالتأويل الصحيح، والتأويل القريب كقوله ◌َي الثابت في
الصحيح: ((الجار أحق بصقبه)) فإن ظاهره المتبادر منه ثبوت الشفعة للجار، وحمل الجار في
هذا الحديث على خصوص الشريك المقاسم حمل له على محتمل مرجوح، إلا أنه دل عليه
الحديث الصحيح المصرح بأنه إذا صرفت الطرق وضربت الحدود، فلا شفعة.
الحالة الثانية: أن يكون صرف اللفظ عن ظاهره لأمر يظنه الصارف دليلاً وليس
بدليل في نفس الأمر، وهذا هو المسمى عندهم بالتأويل الفاسد، والتأويل البعيد، ومثل
له الشافعية، والمالكية، والحنابلة بحمل الإمام أبي حنيفة تغلفه المرأة في قوله وَثقه:
((أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها، فنكاحها باطل، باطل)) على المكاتبة، والصغيرة،
وحمله أيضاً كَثْتُ المسكين في قوله: ﴿سِتِينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤] على المد، فأجاز
إعطاء ستين مدًا لمسكين واحد.
الحالة الثالثة: أن يكون صرف اللفظ عن ظاهره لا لدليل أصلاً، وهذا يسمى في
اصطلاح الأصوليين لعباً، كقول بعض الشيعة ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةٌ﴾ [البقرة: ٦٧]
يعني عائشة نشا، وأشار في (مراقي السعود) إلى حد التأويل، وبيان الأقسام الثلاثة
بقوله معرفاً للتأويل:
واقسمه للفاسد والصحيح
حمل لظاهر على المرجوح
مع قوة الدليل عند المستدل
صحيحة وهو القريب ما حمل
وما خلا فلعبا يفيد
وغيره الفاسد والبعيد
إلى أن قال:
فجعل مسكين بمعنى المد عليه لائح سمات البعد