Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
قوله تعالى : فسبح بحمد ربك . سورة النصر .
أن يكون حالا، ومعناه سبح حامداً كقولك اخرج بسلاحك أى متسلحاً (ورابعها) يجوز أن
يكون معناه سبح مقدرا أن تحمد بعد التسبيح كأنه يقول لا يتأتى لك الجمع لفظاً فاجمعهما نية كما أنك
يوم النحر تنوى الصلاة مقدراً أن تنجر بعدها ، فيجتمع لك الثوابان فى تلك الساعة كذا ههنا
(وخامسها) أن تكون هذه الباء هى التى فى قولك: فعلت هذا بفضل الله، أى سبحه بحمد الله
وإرشاده وإنعامه، لا بحمد غيره، ونظيره فى حديث الإفك قول عائشة ((بحمد الله لا بحمدك))
والمعنى : فسبحه بحمده ، فإنه الذى هداك دون غيره ، ولذلك روى أنه عليه السلام كان يقول
((الحمد لله على الحمدلله)) (وسادسها) روى السدى بحمد ربك، أى بأمر ربك (وسابعها) أن
تكون الباء صلة زائدة ، ويكون التقدير: سبح حمد ربك ، ثم فيه احتمالات (أحدها) اختر له
أطهر المحامد وأزكاها (والثانى) ظهر محامد ربك عن الرياء والسمعة، والتوسل بذكرها إلى
الأغراض الدنيوية الفاسدة ( والثالث) طهر محامد ربك عن أن تقوله جئت بها كما يليق به .
وإليه الإشارة بقوله ( وما قدروا الله حق قدره) (وثامنها). أى انت بالتسبيح بدلا عن الحمد
الواجب عليك، وذلك لأن الحمد إنما يجب فى مقابلة النعم، ونعم الله علينا غير متناهية، حمدها
لا يكون فى وسع البشر، ولذلك قال ( وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها) فكانه تعالى يقول: أنت
عاجز عن الحد، فأت بالتسبيح والتنزيه بدلا عن الحمد ( وتاسعها) فيه إشارة إلى أن التسبيح
والحمد أمر ان لا يجوز تأخير أجدهما عن الثانى، ولا يتصور أيضاً أن يؤتى بهما معاً، فنظيره من
ثبت له حق الشفعة وحق الرد بالعيب ، وجب أن يقول : اخترت الشفعة بردى ذلك المبيع ،
كذا قال ( نسبح بحمد ربك ) ليقعا معاً، فيصير حامداً مسبحاً فى وقت واحد معاً (وعاشرها)
أن يكون المراد سبح قلبك، أى طهر قلبك بواسطة مطالعة حمد ربك، فإنك إذا رأيت أن الكل
من الله ، فقد طهرت قلبك عن الالتفات إلى نفسك وجهدك، وفيقوله (فسبح) إشارة إلى
نفى ماسوى الله تعالى، وقوله (بحمد ربك) إشارة إلى رؤية كل الأشياء من الله تعالى.
المسألة الخامسة﴾ فىقوله (واستغفره) وجوه (أحدها) لعله عليه السلام كان يتمنى أن ينتقم
من آذاه، ويسأل الله أن ينصره، فلما سمع (إذا جاء نصر الله) استبشر، لكن لوقرن بهذه البشارة
شرط أن لا ينتقمَ لتنغصت عليه تلك البشارة، فذكر لفظ الناس وأنهم يدخلون فى دين الله وأمره
بأن يستغفر الداخلين لكن من المعلوم أن الاستغفار لمن لاذنب له لا يحسن فعلم الذى هو اليه بهذا الطريق
أنه تعالى ندبه إلى العفو وترك الانتقام، لأنه لما أمره بأن يطلب لهم المغفرة فكيف يحسن منه أن
يشتغل بالانتقام منهم ؟ ثم ختم بلفظ التواب كأنه يقول إن قبول التوبة حرفته فكل من طلب منه التوبة
أعطاه كما أن البياع حرفته بيع الأمتعة التى عنده فكل من طلب منه شيئاً من تلك الأمتعة باعه
منه ، سواء كان المشترى عدواً أو ولياً ، فكذ الرب سبحانه يقبل التوبة سواء كان التائب مكياً
أو مدنياً، ثم إنه عليه السلام امتثل أمر الرب تعالى حين قالوا له أخ كريم وابن أخ كريم قال لهم
الفخر الرازي - ج ٣٢ م ١١

١٦٢
قوله تعالى : فسبح بحمد ربك . سورة النصر .
( لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم) أى أمرنى أن استغفر لكم فلا يجوز أن يردنى ( وثالثها)
أن قوله ( واستغفره) إما أن يكون المراد واستغفر الله لنفسك أو لأمتك، فإن كان المراد هو
الأول فهو يتفرع على أنه هل صدرت عنه معصية أم لا فمن قال صدرت المعصية عنه ذكر
فى فائدة الاستغفار وجوهاً: (أحدها) أنه لا يمتنع أن تكون كثرة الاستغفار منه تؤثر فى
جعل ذنبه صغيرة ( وثانيها) لزمه الاستغفار لينجو عن ذنب الإصرار ( وثالثها) لزمه الاستغفار
ليصير الاستغفار جابراً للذنب الصغير فلا ينتقض من ثوابه شىء أصلا، وأما من قال ما صدرت
المعصية عنه فذكر فى هذا الاستغفار وجوهاً: (أحدها ) أن استغفار النبى جار مجرى التسبيح
وذلك لأنه وصف الله بأنه غفار ( و ثانيها) تعبده الله بذلك لیقتدى به غيره إذ لا يأمن كل مكلف
عن تقصير يقع منه فى عبادته ، وفيه تنبيه على أنه مع شدة اجتهاده وعصمته ما كان يستغنى عن
الاستغفار فكيف من دونه ( وثالثها ) أن الاستغفار كان عن ترك الأفضل (ورابعها ) أن
الاستغفار كان بسبب أن كل طاعة أتى بها العبد فإذا قابلها بإحسان الرب وجدها قاصرة عن الوفاء
بأداء شكر تلك النعمة، فليستغفر الله لأجل ذلك ( وخامسها) الاستغفار بسبب التقصير الواقع
فى السلوك لأن السائر إلى اللّه إذا وصل إلى مقام فى العبودية، ثم تجاوز عنه فبعد تجاوزه عنه يرى
ذلك المقام قاصراً فيستغفر اللّه عنه، ولما كانت مراتب السير إلى الله غير متناهية لا جرم كانت
مناقب هذا الاستغفار غير متناهية، أما الاحتمال (الثانى) وهو أن يكون المراد واستغفره الذنب
أمتك فهو أيضاً ظاهر، لأنه تعالى أمره بالاستغفار لذنب أمته فى قوله ( واستغفر لذنبك وللمؤمنين
والمؤمنات ) فهنا لما كثرت الأمة صار ذلك الاستغفار أوجب وأهم ، وهكذا إذا قلنا المراد
هههنا أن يستغفر لنفسه ولأمته .
﴿ المسألة السادسة﴾ فى الآية إشكال، وهو أن التوبة مقدمة على جميع الطاعات، ثم الحمد
مقدم على التسبيح، لأن الحمد يكون بسبب الإنعام، والإقدام كما يصدر عن المنزه فقد يصدر عن
غيره، فكان ينبغى أن يقع الابتداء بالاستعفار، ثم بعده يذكر الحمد، ثم بعده يذكر التسبيح ،
فما السبب فى أن صار مذكوراً على العكس من هذا الترتيب؟ (وجوابه) من وجوه (أولها)
أهله ابتدأ بالأشرف، فالأشرف ناولا إلى الاخس فالأخس ، تنبيهاً على أن النزول من الخالق
إلى الخلق أشرف من الصعود من الخلق إلى الخالق ( وثانيها) فيه تنبيه على أن التسبيح والحمد
الصادر عن العبد إذا صار مقابلا بجلال الله وعزته صار عين الذنب ، فوجب الاستغفار منه
(وثالثها) التسبيح والحمد إشارة إلى التعظيم لأمر الله، والاستغفار إشارة إلى الشفقة على خلق
[اللّه]، والأول كالصلاة، والثانى كالزكاة، وكما أن الصلاة مقدمة على الزكاة ، فكذا ههنا.
﴿ المسألة السابعة﴾ الآية تدل على أنه عليه الصلاة والسلام كان يجب عليه الإعلان بالتسبيح
والاستغفار، وذلك من وجره ( أحدها ) أنه عليه الصلاة والسلام كانٍ مأموراً بإبلاغ السورة

١٦٣
قوله تعالى : فسبح بحمد ربك . سورة النصر .
إلى كل الأمة حتى يبقى نقل القرآن متواتراً، وحتى نعلم أنه أحسن القيام بتبليغ الوحى ، فوجب
عليه الإتيان بالتسبيح والاستغفار على وجه الإظهار ليحصل هذا الغرض ( وثانيها ) أنه من جملة
المقاصد أن يصير الرسول قدوة للأمة حتى يفعلوا عند النعمة والمحنة ، ما فعله الرسول من تجديد
الشكر والحمد عند تحديد النعمة ( وثالثها ) أن الأغلب فى الشاهد أن يأتى بالحمد فى ابتداء الأمر،
فأمر الله رسوله بالحمد والاستغفار دائماً، وفى كل حين وأوان ليقع الفرق بينه وبين غيره، ثم
قال واستغفره حين نعيت نفسه إليه ليفعل الأمة عند اقتراب آجالهم مثل ذلك .
و المسألة الثامنة﴾ فى الآية سؤالات (أحدها ) وهو أنه قال (إنه كان تواباً ) على الماضى
وحاجتنا إلى قبوله فى المستقبل ( وثانها) هلا قال غفاراً كما قاله فى سورة نوح (وثالثها ) أنه قال
(نصر الله) وقال (فى دين الله) علم لم يقل بحمد الله بل قال (بحمد ربك) (والجواب) عن الأول من
وجوه (أحدها) أن هذا أبلغ كانه بقول ألست أثنيت عليكم بأنكم ( خير أمة أخرجت للناس) ثم
من كان دونكم كنت أقبل توبتهم كاليهود فإنهم بعد ظهور المعجزات العظيمة ، وفلق البحر ونتق
الجبل، ونزول المن والسلوى عصوا ربهم. وأتوا بالقبائح، فلما تابوا قبلت توبتهم فإذا كنت قابلا
للتوبة ممن دونكم أملا أقبلها منكم (وثانيها) مئذ كثير كنت شرعت فى قبول توبة العصاة والشروع
ملزم على قبول النعمان فكيف فى كرم الرحمن (وثالثها) كنت تواباً قبل أن آمركم بالاستغفار أفلا
أقبل وقد أمرتكم بالاستغفار (ورابعها) كأنه إشارة إلى تخفيف جنايتهم أى لستم بأول من جنى
وتاب بل هو حرفتى ، والجناية مصيبة للجانى والمصيبة إذا عمدت خفت (وخامسها) كأنه نظير ما يقال :
لقد أحسن الله فيما مضى كذلك يحسن فيما يقى
( والجواب) عن السؤال الثانى من وجوه (أحدها) لعله خص هذه الأمة بزيادة شرف
لأنه لا يقال فى صفات العبد غفار ، ويقال تواب إذا كان آتياً بالتوبة ، فيقول تعالى كنت لى سمياً
من أول الأمر أنت مؤمن ، وأنا مؤمن ، وإن كان المعنى مختلفاً فتب حتى تصير سمياً لى آخر
الأمر ، فأنت تواب، وأنا تواب، ثم إن التواب فى حق الله، هو أنه تعالى يقبل التوبة كثيراً فنيه
على أنه يجب على العبد أن يكون إتيانه بالتوبة كثيراً (وثانيها ) إنما قيل تواباً لأن القائل قد يقول
أستغفر الله وليس بتائب، ومنه قوله ((المستغفر بلسانه المصر بقله كالمستهزى. بربه)) إن قيل فقد يقول
أتوب، وليس بتائب ، قلنا فإذاً يكون كاذباً، لأن التوبة اسم للرجوع والندم ، بخلاف الاستغفار
فإنه لا يكون كاذباً فيه ، فصار تقدير الكلام، واستغفره بالتوبة، وفيه تنبيه على أن خواتيم الأعمال
يجب أن تكون بالتوبة والاستغفار، وكذا خواتيم الأعمال، وروى أنه لم يجلس مجلساً إلا ختمه
بالاستغفار (والجواب) عن السؤال الثالث أنه تعالى راعى العدل فذكر اسم الذات مرتين وذكراسم
الفعل مرتين (أحدهما) الرب (والثانى) التواب ، ولما كانت التربية تحصل أولا والتوابية
آخراً، لاجرم ذكر اسم الرب أولا واسم التواب آخراً .

١٦٤
قوله تعالى : فسبح بحمد ربك . سورة النصر .
المسألة التاسعة﴾ الصحابة اتفقوا على أن هذه السورة دلت على أنه فعى لرسول إنه مؤ لّ}
روى أن العباس عرف ذلك وبكى فقال النبى صلى الله عليه وسلم ما يبكيك فقال نعيت إليك
نفسك فقال الأمر كما تقول ، وقيل إن ابن عباس هو الذى قال ذلك فقال عليه الصلاة والسلام
((لقد أوفى هذا الغلام علماً كثيراً)) روى أن عمر كان يعظم ابن عباس ويقربه ويأذن له مع أهل
بدر ، فقال عبدالرحمن أتأذن لهذا الفتى معنا ، وفى أبنائنا من هو مثله؟ فقال لأنه ممن قد علمتم قال
ابن عباس فأذن لهم ذات يوم وأذن لى معهم فسألهم عن قول الله (إذا جاء نصر الله) وكأنه
ماسألهم إلا من أجلى فقال بعضهم أمر الله نبيه إذا فتح أن يستغفره ويتوب إليه ، فقلت ليس
كذلك ولكن نعيت إليه نفسه فقال عمر ما أعلم منها إلا مثل ما تعلم، ثم قال كيف تلومونى عليه
بعد ماترون، وروى أنه لما نزلت هذه السورة خطب وقال « إن عبدا خيره الله بین الدنیا و بین
لقائه والآخرة فاختار لقاء الله)) فقال السائل وكيف دلت هذه السورة على هذا المعنى؟ (الجواب)
من وجوه (أحدها ) قال بعضهم إنما عرفوا ذلك لما روينا أن الرسول خطب عقيب السورة
وذكر التخيير (وثانيها) أنه لما ذكر حصول النصر والفتح ودخول الناس فى الدين أفواجاً دل
ذلك على حصول الکال والتمام ، وذلك يعقبه الزوال كما قيل:
إذا تم شىء دنا نقصه توقع زوالا إذا قيل تم
(وثالثها ) أنه أمره بالتسبيح والحمد والاستغفار مطلقا واشتغاله به يمنعه عن الاشتغال بأمر
الأمة فكان هذا كالتنبيه على أن أمر التبليغ قد تم وكمل ، وذلك يوجب الموت لأنه لو بقى بعد
ذلك لكان كالمعزول عن الرسالة وأنه غير جائز(ورابعها) قوله ( واستغفره) تنبيه علی قرب
الأجل كأنه يقول قرب الوقت ودنا الرحيل فتأهب للأمر ، ونبه به على أن سبيل العاقل
إذا قرب أجله أن يستكثر من التوبة (وخامسها) كأنه قيل له كان منتهى مطلوبك فى الدنيا
هذا الذى وجدته، وهو النصر والفتح والاستيلاء، والله تعالى وعدك بقوله ((والآخرة خير
لك من الأولى)) قلماوجدت أقصى مرادك فى الدنيا فانتقل إلى الآخرة لتفوز بتلك السعادات العالية.
المسألة العاشرة﴾ ذكرنا أن الأصح هو أن السورة نزلت قبل فتح مكة. وأما الذين قالوا
إنها نزلت بعد فتح مكة ، فذكر الماوردى أنه عليه السلام لم يلبت بعد نزول هذه السورة إلاستين
يوماً مستديماً للتسبيح والاستغفار ، وقال مقاتل عاش بعدها حولا ونزل (اليوم أكملت لكم
دينكم) فعاش بعده ثمانين يوماً ثم نزل آية الكلالة ، فعاش بعدها خمسين يوماً ، ثم نزل (لقد جاءكم
رسول من أنفسكم) فعاش بعدها خمسة وثلاثين يوماً ثم نزل (واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله)
فعاش بعدها أحد عشر يوماً وفى رواية أخرى عاش بعدها سبعة أيام ، والله أعلم كيف كان ذلك.
:

١٦٥
سورة المسد
(١١١) سورة المِسِمَكِيَّة
وَأَيَّانِها خِسُ،
بسم الله الرحمن الرحيم
اعلم أنه تعالى قال ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) ثم بين فى سورة ( قل يا أيها
الكافرون ) أن محمداً عليه الصلاة والسلام أطاغ ربه وصرح بنفى عبادة الشر كاء والأضداد وأن
الكافر عصى ربه واشتغل بعبادة الأضداد والأنداد ، فكأنه قيل: إلهنا ما ثواب المطيع ، وما
عقاب العاصى ؟ فقال ثواب المطيع حصول النصر والفتح. والاستيلاء فى الدنيا والثواب الجزيل
فى العقبى، كما دل عليه سورة ( إذا جاء نصر الله) وأما عقاب العاصى فهو الخسار فى الدنيا والعقاب
العظيم فى العقبى، كما دلت عليه سورة (تبت) ونظيره قوله تعالى فى آخر سورة الأنعام (وهو الذى
جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات) فكأنه قيل إلهنا أنت الجواد المنزه
عن البخل والقادر المنزه عن العجز، فما السبب فى هذا التفاوت ؟ فقال (ليبلوكم فيما آتا كم) فكأنه قيل
إلهنا فإذا كان العبد مذنباً عاصياً فكيف حاله؟ فقال فى الجواب (إن ربك سريع العقاب) وإن كان
مطيعاً منقاداً كان جزاؤه أن الرب تعالى يكون غفوراً لسيئاته فى الدنيا رحيما كريما فى الآخرة،
وذكروا فى سبب نزول هذه السورة وجوهاً (أحدها) قال ابن عباس كان رسول الله يكتم
أمره فى أول المبعث ويصلى فى شعاب مكة ثلاث سنين إلى أن نزل قوله تعالى (وأنذر عشيرتك
الأقربين ) فصعد الصفا ونادى يا آل غالب فرجت إليه غالب من المسجد فقال أبو لهب هذه
غالب قد أنتك فما عندك؟ ثم نادى ياآل لؤى فرجع من لم يكن من لؤى فقال أبو لهب هذه لؤى
قد أتتك فما عندك ؟ ثم قال يا آل مرة فرجع من لم يكن من مرة ، فقال أبو لهب هذه مرة قد
أتتك فما عندك؟ ثم قال يا آل كلاب، ثم قال بعده يا آل قصى، فقال أبو لهب هذه قصى قد
أنتك فما عندك؟ فقال إن الله أمرنى أن أنذر عشيرتى الأقربين وأنتم الأقربون، اعلموا أنى
لا أملك لكم من الدنيا حظاً ولا من الآخرة نصيباً إلا أن تقولوا لا إله إلا الله فأشهد بها لكم
عند ربكم فقال أبو لهب عند ذلك تباً لك ألهذا دعوتنا ، فنزلت السورة (وثانيها) روى أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم صعد الصفا ذات يوم وقال ياصباحاه فاجتمعت إليه قريش فقالوا مالك؟
قال أرأيتم إن أخبر تكم أن العدو مصبحكم أو ،سیکم أما کنتم تصدقونی ؟ قالوا بلى قال فإنى نذير
لكم بين يدى عذاب شديد، فقال عند ذلك أبو لهب ماقال فنزلت السورة (وثالثها) أنه جمع أعمامه
وقدم إليهم طعاماً فى صحفة فاستحقروه وقالوا إن أحدنا يأكل كل الشاة ، فقال كلوا فأكلوا
حتى شبعوا ولم ينقص من الطعام إلا اليسير، ثم قالوا فما عندك؟ فدعاهم إلى الإسلام فقال أبو لهب
ماقال ، وروى أنه قال أبو لهب فمالى إن أسلمت فقال ما للمسلمين، فقال أفلا أفضل عليهم؟ فقال

١٦٦
قوله تعالى : تبت يداأ بي لهب . سورة المسد .
بِسُـ
١٠٩١
13.
تَّبَّتْ يَدَآ أَبِ لَِ
النبى عليه الصلاة والسلام بماذا تفضل! فقال تباً لهذا الدين يستوى فيه أنا وغيرى (ورابعها)
كان إذا وفد على النبى وفد سألوا عمه عنه وقالوا أنت أعلم به فيقول لهم إنه ساحر فيرجعون عنه
ولا يلقونه ، فأتاه وفد فقال لهم مثل ذلك فقالوا لا ننصرف حتى نراه فقال إنا لم نزل نعالجه من
الجنون فتباً له وقعساً، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك تحزن ونزلت السورة.
قوله تعالى: ﴿ تبت يدا أبى لهب ) اعلم أن قوله (تبت ) فيه أقاويل (أحدها ) التباب
الهلاك ، ومنه قولهم شابة أم تابة أى هالكة من الهرم ، ونظيره قوله تعالى (وما كيد فرعون
إلا فى تباب) أى فى هلاك، والذى يقرر ذلك أن الأعرابى لما واقع أهله فى نهار رمضان قال:
هلكت وأهلكت، ثم إن النبى عليه الصلاة والسلام ما أنكر ذلك، فدل على أنه كان صادقاً فى
ذلك ، ولا شك أن العمل إما أن يكون داخلا فى الإيمان ، أو إن كان داخلا لكنه أضعف
أجزائه ، فإذا كان بترك العمل حصل الهلاك ، ففى حق أبى لهب حصل ترك الاعتقاد والقول
والعمل، وحصل وجود الاعتقاد الباطل ، والقول الباطل، والعمل الباطل، فكيف يعقل أن
لا يحصل معنى الهلاك، فلهذا قال (تبت) (وثانيها) تبت خسرت، والتياب هو الخسران المفضى
إلى الهلاك ، ومنه قوله تعالى (وما زادوهم غير تتبيب ) أى تخسير بدليل أنه قال فى موضع آخر
غير تخسير (وثالثها) تبت خابت ، قال ابن عباس لأنه كان يدفع القوم عنه بقوله إنه ساحر ،
فينصرفون عنه قبل لقائه لأنه كان شيخ القبيلة وكان له كالأب فكان لايتهم ، فلما نزلت السورة
وسمع بها غضب وأظهر العداوة الشديدة فصار متهماً فلم يقبل قوله فى الرسول بعد ذلك، فكأنه
خاب سعيه وبطل غرضه، ولعله إنما ذكر اليد لأنه كان يضرب بيده على كتف الوافد عليه ،
فيقول انصرف راشداً فانه مجنون ، فإن المعتاد أن من يصرف إنساناً عن موضع وضع يده على
كتفه ودفعه عن ذلك الموضع (ورابعها) عن عطاء تبت أى غلبت لأنه كان يعتقد أن يده هى
العليا وأنه يخرجه من مكة ويذله ويغلب عليه ( وخامسها) عن ابن وثاب ؛ صفرت يداه على كل
خير ، وإن قيل مافائدة ذكر اليد ؟ قلنا فيه وجوه ( أحدها ) ما يرى أنه أخذ حجراً ليرمى به
رسول الله، روى عن طارق المحاربى أنه قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فى السوق
يقول: يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، ورجل خلفه يرميه بالحجارة وقد أدمى عقبيه ،
:

١٦٧
قوله تعالى : وتب . سورة المسد .
وَتَبَّ
لا تطيعوه فإنه كذاب ، فقلت من هذا، فقالوا: محمد وعمه أبو لهب (وثانيها) المراد من اليدين
الجملة كقوله تعالى ( ذلك بما قدمت يداك) ومنه قولهم: يداك أو كتا، وقوله تعالى (ما عملت
أيد ينا) وهذا التأويل متأكد بقوله (وتب) (وثالثها) تبت يداه أى دينه ودنياه
أولاه وعقباه ، أو لأن بإحدى اليدين تجر المنفعة ، وبالأخرى تدفع المضرة ، أو لأن اليمنى
سلاح والأخرى جنة ( ورابعها) روى أنه عليه السلام لما دعاه نهاراً فأنى ، فلما جن الليل
ذهب إلى داره مستنا بسنة نوح ليدعوه ليلا كما دعاه نهاراً ، فلما دخل عليه قال له جئتنى معتذراً
جلس النبى عليه السلام أمامه كالمحتاج ، وجعل يدعوه إلى الإسلام وقال : إن كان يمنعك العار
فأجبنى فى هذا الوقت واسكت ، فقال لا أومن بك حتى يؤمن بك هذا الجدى ، فقال عليه الصلاة
والسلام للجدى : من أنا؟ فقال رسول الله. وأطلق لسانه يثنى عليه، فاستولى الحسد على أبى لهب،
فأخذ يدى الجدى ومرقه وقال : تباً لك أثر فيك السحر، فقال الجدى: بل قبآ لك، فنزلت السورة
على وفق ذلك (تبت يدا أبي لهب) لتمزيقه يدى الجدى (وخامسها) قال محمد بن إسحق : يروى أن
أبالهب كان يقول: يعدنى محمد أشياء، لا أرى أنها كائنة يزعم أنها بعد الموت، فلم يضع فى يدى من
ذلك شيئا، ثم ينفخ فى يديه ويقول: تباً لكما ما أرى فيكما شيئا، فنزلت السورة .
أما قوله تعالى ﴿وتب﴾ ففيه وجوه (أحدها) أنه أخرج الأول مخرج الدعاء عليه كقوله
( قتل الإنسان ما أكفره ) والثانى مخرج الخبر أى كان ذلك وحصل ، وبؤيده قراءة ابن مسعود
وقد تب ( وثانيها) كل واحد منهما إخبار ولكن أراد بالأول هلاك عمله، وبالثانى هلاك نفسه
ووجهه أن المرء إنما يسعى لمصلحة نفسه وعمله، فأخبر الله تعالى أنه محروم من الأمرين (وثالثها )
( تبت يدا أبى لهب) يعنى ماله ومنه يقال ذات اليد (وتب) هو بنفسه كما يقال (خسروا أنفسهم
وأهليهم) وهو قول أبى مسلم (ورابعها) (تبت يدا أبى لهب) يعنى نفسه (وتب) يعنى ولده عتبة
على ما روى أن عتبة بن أبى لهب خرج إلى الشأم مع أناس من قريش فلما هموا أن يرجعوا قال لهم
عتبة بلغوا محمداً عى أنى قد كفرت بالنجم إذا هوى، وروى أنه قالذلك فى وجه رسول الله و تفل
فى وجهه ، وكان مبالعاً فى عداوته ، فقال اللهم سلط عليه كلباً من كلابك فوقع الرعب فى قلب عتبة وكان
يحترز فسار ليلة من الليالى فلما كان قريباً من الصبح، فقال له أصحابه هلكت الركاب فما زالوا به حتى
نزل وهو مر عوب وأناخ الإبل حوله كالسرادق فسلط الله عليه الأسد وألقى السكينة على الإبل
فجعل الأسد يتخلل حتى افترسه ومزقه، فإن قيل نزول هذه السورة كان قبل هذه الوقعة، وقوله
(وتب ) إخبار عن الماضى ، فكيف يحمل عليه ؟ قلنا لأنه كان فى معلومه تعالى أنه محصل ذلك

١٦٨
قوله تعالى : تبت يدا أبي لهب . سورة المسد .
(وخامسها) ( تبت يدا أبى لهب) حيث لم يعرف حق ربه (وتب) حيث لم يعرف حق رسوله
وفى الآية سؤالات :
﴿ السؤال الأول) لماذا كناه مع أنه كالكذب إذ لم يكن له ولد اسمه لهب، وأيضاً
فالتكنية من باب التعظيم؟ ( والجواب) عن الأول أن التكنية قد تكون اسماً ، ويؤيذه قراءة
من قرأ تبت يدا أبو لهب كما يقال على بن أبو طالب ومعاوية بن أبو سفيان، فإن هؤلاء أسماؤهم
كناهم، وأما معنى التعظيم فأجيب عنه من وجوه (أحدها) أنه لما كان اسما خرج عن إفادة
التعظيم ( والثانى) أنه كان اسمه عبد العزى فعدل عنه إلى كنيته ( والثالث) أنه لما كان من أهل
النار ومآ له إلى نار ذات لهب وافقت حاله كنيته ، فكان جديراً بأن يذكر بها، ويقال أبو لهب
كما يقال أبو الشر للشرير وأبو الخير للخير (الرابع) كنى بذلك لتلهب وجنتيه وإشرافهما، فيجوز
أن یذ کر بذلك تهکما به واحتقاراً له .
السؤال الثانى) أن محمداً عليه الصلاة والسلام كان فى الرحمة والخلق العظيم ، فكيف
يليق به أن يشافه عمه بهذا التغليظ الشديد، وكان نوح مع أنه فى نهاية التغليظ على الكفار قال فى
ابنه الكافر إن ابنى من أهلى وإن وعدك الحق ، وكان إبراهيم عليه السلام يخاطب أباه بالشفقة فى
قوله يا أبت يا أبت وأبوه كان يخاطبه بالتغليظ الشديد، ولما قال له (لأرجمنك واهجرفى ملياً) قال
( سلام عليك سأستغفر لك ربى ) وأما موسى عليه السلام فلما بعثه إلى فرعون قال له ولهرون
(فقولا له قولا ليناً) مع أن جرم فرعون كان أغلظ من جرم أبى لهب، كيف ومن شرع محمد عليه
الصلاة والسلام أن الأب لا يقتل بابنه قصاصاً ولا يقيم الرجم عليه وإن خاصمه أبوه وهو كافر
فى الحرب فلا يقتله بل يدفعه عن نفسه حتى يقتله غيره ( والجواب) من وجوه ( أحدها ) أنه
كان يصرف الناس عن محمد عليه الصلاة والسلام بقوله : إنه مجنون والناس ما كانوا يتهمونه ،
لأنه كان كالأب له ، فصار ذلك كالمانع من أداء الرسالة إلى الخلق فشافهه الرسول
بذلك حتى عظم غضبه وأظهر العداوة الشديدة ، فصار بسبب تلك العداوة متهماً فى
القدح فى محمد عليه الصلاة والسلام ، فلم يقبل قوله فيه بعد ذلك ( وثانيها ) أن الحكمة فى ذلك ،
أن محمداً لو كان يداهن أحداً فى الدين ويسامحه فيه ، لكانت تلك المداهنة والمسامحة مع عمه الذى
هو قائم مقام أبيه ، فلما لم تحصل هذه المداهنة معه انقطعت الأطماع وعلم كل أحد أنه لا يسامح أحداً
فى شىء يتعلق بالدين أصلا ( وثالثها) أن الوجه الذى ذكرتم كالمتعارض ، فإن كونه عماً يوجب
أن يكون له الشفقة العظيمة عليه ، فلما انقلب الأمر وحصلت العداوة العظيمة، لا جرم استحق
التغليظ العظيم .
﴿ السؤال الثالث) ما السبب فى أنه لم يقل قل (تبت يدا أبى لهب وتب ) وقدا، فى سورة
الكافرون (قل يا أيها الكافرون)؟ (الجواب) من وجوه (الأول) لأن قرابة العمومة تقتضى

١٦٩
قوله تعالى : ما اغنى عنه ماله . سورة المسد .
مَا أَنْنَى عَنْهُ مَالُهُ، وَمَا كَسَبَ
٢
رعاية الحرمة فلهذا السبب لم يقل له قل ذلك لئلا يكون مشافهاً لعمه بالشتم بخلاف السورة الأخرى
فإن أولئك الكفار ما كانوا أعماماً له (الثانى) أن الكفار فى تلك السورة طعنوا فى اللّه فقال الله
تعالى يا محمد أجب عنهم ( قل يا أيها الكافرون) وفى هذه السورة طعنوا فى محمد، فقال الله تعالى
أسكت أنت فإنى أشتفهم ( تبت يدا أبى لهب) (الثالث ) لما شتموك،. فاسكت حتى تندرج
تحت هذه الآية ( وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما) وإذا سكت أنت أكون أنا المجيب عنك،
يروى أن أبا بكر كان يؤذيه واحد فبق ساكتا ، جعل الرسول يدفع ذلك الشاتم ويزجره ، فلما
شرع أبو بكر فى الجواب سكت الرسول، فقال أبو بكر: ما السبب فى ذلك؟ قال : لأنك حين
كنت ساكناً كان الملك يجيب عنك، فلما شرعت فى الجواب انصرف الملك وجاء الشيطان.
واعلم أن هذا تنبيه من اللّه تعالى على أن من لا يشافه السفيه كان الله ذاباً عنه وناصراً له ومعيناً
﴿السؤال الرابع) ما الوجه فى قراءة عبد الله بن كثير المكى حيث كان يقرأ (أبي لهب) ساكنة الهاء؟
(الجواب) قال أبو على يشبه أن يكون لهب ولهب لغتين كالشمع والشمع والنهر والنهر، وأجمعوا
فى قوله (سيصلى ناراً ذات لهب) على فتح الهاء، وكذا قوله (ولا يغنى من اللهب ) وذلك يدل على
أن الفتح أوجه من الإسكان، وقال غيره إنما اتفقوا على الفتح فى الثانية مراعاه لو فاق الفواصل.
قوله تعالى: ﴿ ما أغنى عنه ماله وما كسب﴾ فى الآية مسائل:
المسألة الأولى﴾ ما فى قوله (ما اغنى) يحتمل أن يكون استفهاماً بمعنى الإنكار، ويحتمل
أن يكون نفياً ، وعلى التقدير الأول يكون المعنى أى تأثير كان لماله وكسبه فى دفع البلاء عنه ،
فإنه لا أحدا كثر مالا من قارون فهل دفع الموت عنه ، ولا أعظم ملكا من سليمان فهل دفع
الموت عنه، وعلى التقدير الثانى يكون ذلك إخباراً بأن المال والكسب لا ينفع فى ذلك .
المسألة الثانية ﴾ ما كسب مرفوع وما موصولة أو مصدریة یعنی مکسوبه أو كسبه، يروى
أنه كان يقول إن كان ما يقول ابن أخى حقاً فأنا أفتدى منه نفسى بمالى وأولادى، فأنزل الله تعالى
هذه الآية، ثم ذكروا فى المعنى وجوهاً: ( أحدها) لم ينفعه ماله وما كسب بماله يعنى رأس
المال والأرباح (وثانيها) أن المال هو الماشية وما كسب من نسلها، ونتاجها ، فإنه كان
صاحب النعم والنتاج ( وثالثها) ( ماله) الذى ورثه من أبيه والذی کسبه بنفسه ( ورابعها) قال
ابن عباس (ما كسب) ولده، والدليل عليه قوله عليه السلام ((إن أطيب ما يأكل الرجل من
كسبه وإن ولده من كسبه)) وقال عليه السلام ((أنت ومالك لأبيك)) وروى أن بنى أبى لهنيه
احتكموا إليه فاقتتلوا فقام يحجز بينهم فدفعه بعضهم فوقع : فغضب فقال أخرجوا عنى الكسب

١٧٠
قوله تعالى : سيصلى ناراً ذات لهب . سورة المسد .
٣
سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهْبِ
الخبيث ( وخامسها) قال الضحاك ما ينفعه ماله وعمله الخبيث يعنى كيده فى عداوة رسول الله
(وسادسها) قال قتادة (وما كسب) أى عمله الذى ظن أنه منه على شىء كقوله ( وقدمنا إلى ما عملوا
من عمل ) وفى الآية سؤالات :
﴿ السؤال الأول) قال ههنا ( ما أغنى عنه ماله وما كسب) وقال فى سورة (والليل إذا
يغشى): (وما يغنى عنه ماله إذا تردى ) فما الفرق؟ (الجواب) التعبير بلفظ الماضى يكون آكد
كقوله ( ما أغنى عنى ماليه) وقوله ( أتى أمر الله).
﴿ السؤال الثانى) ما أغنى عنه ماله وكسبه فيماذا ؟ (الجواب) قال بعضهم فى عداوة الرسول
فلم يغلب عليه ، وقال بعضهم بل لم يغنيا عنه فى دفع النار ولذلك قال (سيصلى).
قوله تعالى: ﴿سيصلى ناراً ذات لهب﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ لما أخبر تعالى عن حال أبى لهب فى الماضى بالتباب وبأنه ما أغنى عنه
ماله وكسبه، أخبر عن حاله فى المستقبل بأنه ( سيصلى ناراً) .
﴿ المسألة الثانية﴾ ( سيصلى) قرى. بفتح الياء وبضمها مخففاً ومشدداً.
﴿ المسألة الثالثة﴾ هذه الآيات تضمنت الإخبار عن الغيب من ثلاثة أوجه (أحدها) الإخبار
عنه بالتباب والخسار، وقد كان كذلك ( وثانيها) الإخبار عنه بعدم الانتفاع بماله وولده ، وقد
كان كذلك . روى أبو رافع مولى رسول الله رائم قال: كنت. غلاماً للعباس بن عبد المطلب
وكان الإسلام دخل بيتنا ، فأسلم العباس وأسلمت أم الفضل وأسلمت أنا ، وكان العباس يهاب
القوم ويكتم إسلامه، وكان أبو لهب تخلف عن بدر ، فبعث مكانه العاص بن هشام ، ولم يتخلف
رجل منهم إلا بعث مكانه رجلا آخر ، فلما جاء الخبر عن واقعة أهل بدر وجدنا فى أنفسنا قوة ،
وكنت رجلا ضعيفاً وكنت أعمل القداح الحيها فى حجرة زمزم ، فكنت جالساً هناك وعندى
أم الفضل جالسة، وقد سرنا ما جاءنا من الخبر إذ أقبل أبو لهب يجر رجليه، جلس على طنب
الحجرة وكان ظهرى إلى ظهره ، فبينا هو جالس إذ قال الناس : هذا أبو سفيان بن الحرث
ابن عبد المطلب ، فقال له أبو لهب: كيف الخبر يا ابن أخى؟ فقال لقينا القوم ومنحناهم أ كتافنا
يقتلوننا كيف أرادوا، وايم الله مع ذلك تأملت الناس، لقينا رجال بيض على خيل بلق بين السماء
والأرض، قال أبو زافع: فرفعت طنب الحجرة، ثم قلت أولئك والله الملائكة ، فأخذنى وضرنى
على الأرض ، ثم برك على فضربنى وكنت رجلا ضعيفاً ، فقامت أم الفضل إلى عمود فضربته
على رأسه وشجته ، وقالت تستضعفه أن غاب سيده ، والله نحن مؤمنون منذ أيام كثيرة، وقد
صدق فيما قال ، فانصرف ذليلا ، فوالله ما عاش إلا سبع ليال حتى رماه اللّه بالعدسة فقتلته ،

١٧١
قوله تعالى : وامرأته حمالة الحطب . سورة المسد .
١١٤٠٠ ٠٠٠
وَأَمْرَ أَتُ حَمَّلَةَ الْخَطَبِ
ولقد تركه ابناه ليلتين أو ثلاثاً ما يدفنانه حتى أنتن فى بيته ، وكانت قريش تنقى العدسة وعدواها
كما يتقى الناس الطاعون، وقالوا نخشى هذه القرحة ، ثم دفنوه وتركوه، فهذا معنى قوله ( ما أغنى
عنه ماله وما كسب) (وثالثها) الإخبار بأنه من أهل النار، وقد كان كذلك لأنه مات على الكفر.
المسألة الرابعة﴾ احتج أهل السنة على وقوع تكليف ما لا يطاق بأن الله تعالى كلف أبا لهب
بالإيمان، ومن جملة الإيمان تصديق الله فى كل ما أخبر عنه، ومما أخبر عنه أنه لا يؤمن وأنه من
أهل النار ، فقد صار مكلفاً بأنه يؤمن بأنه لا يؤمن، وهذا تكليف بالجمع بين النقيضين وهو محال.
وأجاب الكعبى وأبو الحسين البصرى بأنه لو آمن أبو لهب لكان لهذا الخبر خبراً بأنه آمن ، لا بأنه
ما آمن ، وأجاب القاضى عنه فقال متی قیل لو فعل الله ما أخبر أنه لا يفعله فكيف يكون ؟ جوابنا
أنه لا یصح الجواب عن ذلك بلا أو نعم .
واعلم أن هذين الجوابين فى غاية السقوط، أما (الأول) فلأن هذه الآية دالة على أن خبر
الله عن عدم إيمانه واقع، والخبر الصدق عن عدم إيمانه ينافيه وجود الإيمان منافاة ذاتية متفعة
الزوال فإذا كان كلفه أن يأتى بالإيمان مع وجود هذا الخبر فقد كلفه بالجمع بين المتنافيين.
وأما الجواب (الثانى) فأرك من الأول لأنا لسنا فى طلب أن يذكروا بلسانهم لا أو نعم، بل
صريح العقل شاهد بأن بين كون الخبر عن عدم الإيمان صدقاً ، وبين وجود الإيمان منافاة
ذاتية ، فكان التكليف بتحصيل أحد المتضادين حال حصول الآخر تكليفاً بالجمع بين الضدين ،
وهذا الإشكال قائم سواء ذكر الخصم بلسانه شيئاً أو بقى ساكتاً .
قوله تعالى: ﴿وامرأته حمالة الجطب﴾ ففيه مسائل:
المسألة الأولى ) قرى. ومريقته بالتصغير وقرى. حمالة الحطب بالنصب على الشتم ، قال
صاحب الكشاف وأنا أستحب هذه القراءة وقد توسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بجميل
من أحب شتم أم جميل وقرى. بالنصب والتنوين والرفع .
المسألة الثانية﴾ أم جميل بنت حرب أخت أبى سفيان بن حرب عمة معاوية ، وكانت فى
غاية العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
وذكروا فى تفسير كونها حمالة الحطب وجوهاً: (أحدها ) انها كانت تحمل حزمة من الشوك
والحسك فتنثرها بالليل فى طريق رسول اللّه ، فإن قيل إنها كانت من بيت العز فكيف يقال إنها
حمالة الحطب ؟ قلنا لعلها كانت مع كثرة مالها خسيسة أو كانت لشدة عداوتها تحمل بنفسها الشوك
والحطب، لأجل أن تلقيه فى طريق رسول الله (وثانيها) انها كانت تمشى بالنميمة يقال المشاء
بالماتم المفسد بين الناس: يحمل الحطب بينهم ، أى يوقد بينهم النائرة ، ويقال للمكثار: هو حاطب

١٧٢
قوله تعالى : وامرأته حمالة الحطب . سورة المسد .
ليل (وثالثها) قول قتادة أنها كانت تعير رسول اللّه بالفقر، فعيرت بأنها كانت تحتطب (والرابع)
قول أبى مسلم وسعيد بن جبير أن المراد ماحملت من الآثام فى عداوة الرسول ، لأنه كالحطب فى
قصيرها إلى النار ، ونظيره أنه تعالى شبه فاعل الإثم بمن يمشى وعلى ظهره حمل ، قال تعالى (فقد
احتملوا بهتاتاً وإنماً مبيناً) وقال تعالى (يحملون أوزارهم على ظهورهم ) وقال تعالى (وحملها
الإنسان ) .
المسألة الثالثة﴾ امرأته إن رفعته، ففيه وجهان (أحدهما) العطف على الضمير فى
سيصلى، أى سيصلى هو وامرأته. وفى جيدها فى موضع الحال (والثانى) الرفع على الإبتداء ،
وفى جيدها الخبر .
المسألة الرابعة ) عن أسماء لما نزلت ( تبت) جاءت أم جميل ولها ولولة وبيدها حجر،
فدخلت المسجد، ورسول الله جالس ومعه أبو بكر ، وهى تقول:
• مذعاً قلينا ودينه أبينا وحكمه عصينا
فقال أبو بكر : يارسول اللّه قد أقبلت إليك فأنا أخاف أن تراك ، فقال عليه السلام
(((إنها لا ترانى)) وقرأ) وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً
مستوراً) وقالت لأبى بكر: قد ذكر لى أن صاحبك جمانى، فقال أبو بكر: لا ورب هذا البيت
قد علمت قریش أنی بنت سيدها
ماجاك ، فولت وهى تقول :
وفى هذه الحكاية أبحاث:
﴿ الأول ) كيف جاز فى أم جميل أن لا ترى الرسول، وترى أبا بكر والمكان واحد؟
(الجواب) أما على قول أصحابنا فالسؤال زائل، لأن عند حصول الشرائط يكون الإدراك جائزاً
لا واجباً، فإن خلق الله الإدراك رأى وإلا فلا، وأما المعتزلة فذكروا فيه وجوها (أحدها)
لعله عليه السلام أعرض وجهه عنها وولاها ظهره ، ثم إنها كانت لغاية غضبها لم تفتش، أو لأن
اللّه ألقى فى قلبها خوفاً، فصار ذلك صارفاً لها عن النظر ( وثانيها ) لعل الله تعالى ألقى شبه إنسان
آخر على الرسول ، كما فعل ذلك بعيسى ( وثالثها) لعل الله تعالى حول شعاع بصرها عن ذلك
السمت حتى أنها ما رأته.
واعلم أن الإشكال على الوجوه الثلاثة لازم ، لأن بهذه الوجوه عرفنا أنه يمكن أن يكون
الشىء حاضر ولا نراه ، وإذا جوزنا ذلك فلم لا يجوز أن يكون عندنا فيلات وبوقات ، ولا
.
زاما ولا نسمعها
﴿البحث الثانى) أن أبا بكر حلف أنه ما هجاك، وهذا من باب المعاريض، لأن القرآن
لا يسمى فجراً، ولأنه كلام اللّه لا كلام الرسول، فدلت هذه الحكاية على جواز المعاريض.

١٧٣
قوله تعالى : في جيدها محبل من مسد . سورة المسد .
. ">/
فِى جِيدِهَا حَبْلٌ مِّنْ مَسَدٍ
بقى من مباحث هذه الآية سؤالان :
﴿ السؤال الأول) لم لم يكتف بقوله (وامرأته) بل وصفها بأنها حمالة الحطب؟ (الجواب)
قيل كان له امرأتان سواها فأراد الله تعالى أن لا يظن ظان أنه أراد كل من كانت امرأة له ، بل
ليس المراد إلا هذه الواحدة .
﴿السؤال الثانى) أن ذكر النساء لا يليق بأهل الكرم والمروءة، فكيف يليق ذكرها بكلام
اللّه، ولا سيما امرأة العم ؟ (الجواب) لما لم يستبعد فى امرأة نوح وامرأة لوط بسبب كفر
تينك المرأتين، فلأن لا يستعبد فى امرأة كافرة زوجها رجل كافر أولى .
قوله تعالى: ﴿فى جيدها حبل من مسد﴾ قال الواحدى: المسد فى كلام العرب الفتل، يقال
مسد الحبل يمسده مسدأ إذا أجاد فتله، ورجل مسود إذا كان مجدول الخلق ، والمسد ما مسد أى
قتل من أى شىء كان ، فيفال لما فتل من جلود الإبل، ومن الليف والخوص مسد. ولما قتل من
الحديد أيضاً مسد، إذا عرفت هذا فنقول ذكر المفسرون وجوهاً ( أحدها ) فى جيدها حبل مما
مسد من الحبال لأنها كانت تحمل تلك الحزمة من الشوك وتربطها فى جيدها كما يفعل الحطابون ،
والمقصود بيان خساستها تشبيهاً لها بالخطابات إيذاء لها ولزوجها ( وثانيها) أن يكون المعنى أن
حالها يكون فى نار جهنم على الصورة التى كانت عليها حين كانت تحمل الحزمة من الشوك ، فلا
تزال على ظهرها حزمة من حطب النار من شجرة الزقوم وفى جيدها حبل من سلاسل النار .
فإن قيل الحبل المتخذ من المسد كيف يبقى أبداً فى النار؟ قلنا كما يبقى الجلد واللحم والعظم أبداً
فى النار ، ومنهم من قال ذلك المسد يكون من الحديد، وظن من ظن أن المسد لا يكون من الحديد
خطأ، لأن المسد هو المفتول سواء كان من الحديد أو من غيره، والله سبحانه وتعالى أعلم، والحمد
لله رب العالمين .

١٧٤
سورة الاخلاص
(١١٢) سورة الإخلاصِ مَكِيَّةْ
وَآيَاتِهَا أنتَع
١٠٩
بِسْـ
.
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿ قل هو الله أحد) قبل الخوض فى التفسير لابد من تقديم فصول:
﴿ الفصل الأول ) روى أبى، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((من قرأ سورة قل
هو الله أحد، فكأنما قرأ ثلت القرآن وأعطى من الأجر عشر حسنات بعدد من أشرك بالله
وأمن بالله)) وقال عليه الصلاة والسلام ((من قرأ قل هو الله أحد مرة واحدة أعطى من الأجر
کمن آمن بالله وملائكته و کتبه ورسله وأعطى من الأجر مثل مائة شهید »، وروی « أنه كان
جبريل عليه السلام مع الرسول عليه الصلاة والسلام إذ أقبل أبو ذر الغفارى ، فقال جبريل هذا
أبو ذر قد أقبل ، فقال عليه الصلاة والسلام أو تعرفونه؟ قال هو أشهر عندنا منه عندكم ، فقال
عليه الصلاة والسلام بماذا نال هذه الفضيلة ؟ قال اصغره فى نفسه وكثرة قراءته قل هو الله أحد))
وروى أنس قال (( كنا فى تبوك فطلعت الشمس مالها شعاع وضياء وما رأيناها على تلك الحالة قط
قبل ذلك فعجب كلنا ، فنزل جبريل وقال إن الله أمر أن ينزل من الملائكة سبعون ألف ملك
فيصلوا على معاوية بن معاوية ، فهل لك أن تصلى عليه ثم ضرب بجناحه الأرض فأزال الجبال
وصار الرسول عليه الصلاة والسلام كأنه مشرف عليه فصلى هو وأصحابه عليه ، ثم قال : بم بلغ
مابلغ ؟ فقال جبريل كان يحب سورة الإخلاص)) وروى ((أنه دخل المسجد فسمع رجلا يدعو ويقول
أسألك يا ألله يا أحد ياصمد يامن لم يلد ولم يولدولم يكن له كفواً أحد ، فقال غفرلك غفرلك غفرلك
ثلاث مرات)) وعن سهل بن سعد ((جاءرجل إلى النبي ◌َ ◌ّم وشكا إليه الفقر فقال إذا دخلت بيتك
فسلم إن كان فيه أحد ومن لم يكن فيه أحد فسلم على نفسك ، واقرأ قل هو الله احد مرة واحدة
ففعل الرجل فأدر اللّه عليه رزقاً حتى أفاض على جيرانه)) وعن أنس ((أن رجلا كان يقرأ فى جميع
صلاته (قل هو الله أحد) فسأله الرسول عن ذلك فقال يارسول الله إنى أحبها ، فقال حبك إياها

١٧٥
قوله تعالى : قل هو الله أحد . سورة الإخلاص .
يدخلك الجنة)) وقيل من قرأها فى المنام: أعطى التوحيد وقلة العيال وكثرة الذكر لله ، وكان
مستجاب الدعوة .
﴿الفصل الثانى) فى سبب نزولها فيه وجوه (الأول) أنها نزلت بسبب سؤال المشركين ،
قال الضحاك إن المشركين أرسلوا عامر بن الطفيل إلى النبى صلى الله عليه وسلم وقالوا شققت
عصانا وسبيت آلهتنا ، وخالفت دين آبائك ، فإن كنت فقيراً أغنيناك ، وإن كنت
مجنوناً داويناك، وإن هويت امرأة زوجناكها ، فقال عليه الصلاة والسلام لست بفقير ، ولا
مجنون، ولا هويت امرأة، أنا رسو الله أدعو كم من عبادة الأصنام إلى عبادته، فأرسلوه ثانية
وقالوا قل له بين لنا جنس معبودك، أمن ذهب أوفضة ، فأنزل الله هذه السورة ، فقالوا له ثلثمائة
وستون صنما لا تقوم بحواتجنا، فكيف يقوم الواحد بحوائج الخلق؟ فنزلت (والصافات) إلى قوله
(إن إلهكم لواحد) فأرسلوه أخرى، وقالوا بين لنا أفعاله فنزل ( إن ربكم اللّه الذى خلق السموات
والأرض) (الثانى) أنها نزلت بسبب سؤال اليهود روى عكرمة عن ابن عباس ، أن اليهود
جاؤا إلى رسول اللّه ومعهم كعب بن الأشرف، فقالوا يا محمد هذا اللّه خلق الخلق، فمن خلق الله ؟
فغضب نبى الله عليه السلام فنزل جبريل فسكنه، وقال اخفض جناحك يا محمد ، فنزل ( قل هو
الله أحد) فلما تلاه عليهم قالوا صف لنا ربك كيف عضده ، و کیف ذراعه ؟ فغضب أشد من
غضبه الأول، فأتاه جبريل بقوله ( وما قدروا الله حق قدره) (الثالث ) أنها نزلت بسبب سؤال
النصارى ، روى عطاء عن ابن عباس ، قال قدم وفد نجران ، فقالوا صف لنا ربك أمن زبرجد
أو ياقوت، أو ذهب، أو فضة ؟ فقال إن ربى ليس من شىء لأنه خالق الأشياء فنزلت ( قل هو
الله أحد) قالوا هو واحد، وأنت واحد، فقال ليس كمثله شىء، قالوا زدنا من الصفة، فقال ( الله
الصمد) فقالوا وما الصمد ؟ فقال الذی یصمد إليه الخلق فى الحوائج ، فقالوا زدنا فنزل (لم يلد)كما
ولدت مريم (ولم يولد) كما ولد عيسى (ولم يكن له كفواً أحد) يريد نظيراً من خلقه.
﴿ الفصل الثالث) فى أساميها ، أعلم أن كثرة الألقاب تدل على مزيد الفضيلة ، والعرف
يشهد لما ذكرناه (فأحدها ) سورة التفريد ( وثانيها) سورة التجريد ( وثالثها) سورة التوحيد
(ورابعها) سورة الإخلاص لأنه لم يذكر فى هذه السورة سوى صفاته السلبية التى هى صفات
الجلال ، ولأن من اعتقده كان مخلصا فى دين الله، ولأن من مات عليه كان خلاصه من النار، ولأن
ما قبله خلص فى ذم أبى لهب فكان جزاء من قرأه أن لا يجمع بينه وبين أبي لهب (وخامسها)
سورة النجاة لأنها تنجيك عن التشبيه والكفر فى الدنيا، وعن النار فى الآخرة (وسادسها)
سورة الولاية لأن من قرأها صار من أولياء الله ولأن من عرف الله على هذا الوجه فقد والاه
فبعد محنة رحمة كما بعد منحة نعمة (وسابعها) سورة النسبة لما روينا أنه ورد جواباً لسؤال
من قال أنسب لناربك ، ولأنه عليه السلام قال لرجل من بنى سليم ((يا أخا بنى سليم استوص

١٧٦
قوله تعالى : قل هو الله أحد . سورة الإخلاص .
بنسبة الله خيراً)) وهو من لطيف المبانى، لأنهم لما قالوا انسب لنا ربك، فقال نسبة اللّه هذا
والمحافظة على الأنساب من شأن العرب ، وكانوا يتشددون على من يزيد فى بعض الأنساب
أو ينقص، فنسبة الله فى هذه السورة أولى بالمحافظة عليها (ونامنها) سورة المعرفة لأن معرفة الله
لا تتم إلا بمعرفة هذه السورة، روى جابر أن رجلا صلى فقرأ قل هو الله أحد فقال النبى عليه
الصلاة والسلام إن هذا عبد عرف ربه فسميت سورة المعرفة لذلك (وتاسعها ) سورة الجمال
قال عليه الصلاة والسلام ((إن الله جميل يحب الجمال)) فـألوه عن ذلك فقال أحد صمد لم يلد ولم
يولد لأنه إذا لم يكن واحداً عديم النظير جاز أن ينوب ذلك المثل منابه ( وعاشرها) سورة
المقشقشة ، يقال تقشيش المريض ما به، فمن عرف هذا حصل له البره من الشرك والنفاق لأن
النفاق فرض كما قال (فى قلوبهم مرض) (الحادى عشر) المعوذة، روى أنه عليه السلام دخل
على عثمان بن مظعون فعوذه بها وباللتين بعدها، ثم قال ((تعوذ بهن فما تعوذت بخير منها))
(والثانى عشر) سورة الصمد لأنها مختصة بذكره تعالى (والثالث عشر) سورة الأساس ، قال
عليه الصلاة والسلام (( أسست السموات السبع والأرضون السبع على قل هو الله أحد)) وهما
يدل عليه أن القول بالثلاثة سبب لخراب السموات والأرض بدليل قوله ( تكاد السموات
يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال ) فوجب أن يكون التوحيد سبباً لعمارة هذه الأشياء
وقيل السبب فيه معنى قوله تعالى ( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) (الرابع عشر) سورة المائعة
روى ابن عباس أنه تعالى قال لنبيه حين عرج به أعطيتك سورة الإخلاص وهى من ذخائر كنوز
عرشى، وهى المانعة تمنع عذاب القبر ولفحات النيران (الخامس عشر) سورة المحضر لأن
الملائكة تحضر لاستماعها إذا قرئت ( السادس عشر) المنفرة لأن الشيطان ينفر عند قراءتها
(السابع عشر ) البراءة لأنه روى أنه عليه السلام رأى رجل يقرأ هذه السورة، فقال أما هذا
فقد برىء من الشرك، وقال عليه السلام من قرأ سورة قل هو الله أحد مائة مرة فى صلاة أو فى
غيرها كتبت له براءة من النار (الثامن عشر) سورة المذكرة لأنها تذكر العبد خالص التوحيد
فقراءة السورة كالوسمة تذكرك ماتتغافل عنه مما أنت محتاج إليه (التاسع عشر) سورة النور قال
الله تعالى (الله نور السموات والأرض) فهو المنور السموات والأرض، والسورة تنور قليك
وقال عليه السلام ((إن لكل شىء نور ونور القرآن قل هو الله أحد)) ونظيره أن نور الإنسان فى
أصغر أعضائه وهو الحدقة، فصارت السورة للقرآن كالحدقة للانسان (العشرون) سورة الأمان
قال عليه السلام (( إذا قال العبد لا إله إلا الله دخل حصنى ومن دخل حصنى أمن من عذابى)).
﴿ الفصل الرابع ) فى فضائل هذه السورة وهى من وجوه ( الأول ) اشتهر فى الأحاديث
أن قراءة هذه السورة تعدل قراءة ثلث القرآن، ولعل الغرض منه أن المقصود الأشرف من
جميع الشرائع والعبادات، معرفة ذات الله ومعرفة صفاته ومعرفة أفعاله، وهذه السورة مشتملة

١٧٧
قوله تعالى : قل هو الله أحد . سورة الإخلاص .
على معرفة الذات ، فكانت هذه السورة معادلة لثلث القرآن ، وأما سورة ( قل يا أيها الكافرون)
فهى معادلة لربع القرآن ، لأن المقصود من القرآن إما الفعل وإما الترك وكل واحد منهما فهو إما
فى أفعال القلوب وإما فى أفعال الجوارح فالأقسام أربعة، وسورة ( قل يا أيها الكافرون ) لبيان
ما ينبغى تركه من أفعال القلوب، فكانت فى الحقيقة مشتملة على ربع القرآن ، ومن هذا السبب
اشتركت السور تان أعنى ( قل يا أيها الكافرون)، و (قل هو الله أحد) فى بعض الأسامی فهما
المقشقشتان والمبرئتان، من حيث إن كل واحدة منهما تفيدبراءة القلب عما سوى الله تعالى، إلا أن
(قل يا أيها الكافرون) يفيد بلفظه البراءة عما سوى الله وملازمة الاشتغال باللّه و(قل هو الله
أحد) يفيد بلفظه الاشتغال باللّه وملازمة الإعراض عن غير اللّه أو من حيث إن (قل يا أيها
الكافرون) تفيد براءة القلب عن سائر المعبودين سوى الله، و(قل هو الله أحد) تفيد براءة
المعبود عن كل مالا يليق به ( الوجه الثانى) وهو أن ليلة القدر لكونها صدقاً للقرآن كانت خيراً
من ألف شهر فالق آن كله صدف والدر هو قوله ( قل هو الله أحد) فلا جرم حصلت لها هذه
الفضيلة (الوجه الثالث ) وهو أن الدليل العقلى دل على أن أعظم درجات العبد أن يكون قلبه
مستنيراً بنور جلال الله وكبريائه، وذلك لا يحصل إلا من هذه السورة، فكانت هذه السورة
أعظم السور ، فإن قيل فصفات الله أيضاً مذكورة فى سائر السور، قلنا لكن هذه السورة لها
خاصية وهى أنها لصغرها فى الصورة تبقى محفوظة فى القلوب معلومة للعقول فيكون ذكر جلال الله
حاضراً أبداً بهذا السبب، فلا جرم امتازت عن سائر السور بهذه الفضائل وليرجع الآن إلى التفسير
قوله تعالى: ﴿قل هو الله أحد﴾ فيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ أعلم أن معرفة الله تعالى جنة حاضرة إذ الجنة أن تنال ما يوافق عقلك
وشهوتك ، ولذلك لم تكن الجنة جنة لآدم لما نازع عقله هواه، ولا كان القبر سيراً على المؤمن
لأنه حصل له هناك ما يلائم عقله وهواه، ثم إن معرفة الله تعالى بما يريدها الهوى والعقل،
فصارت جنة مطلقة ، وبيان ماقلنا أن العقل يريد أميناً تودع عنده الحسنات ، والشهوة تريد غنياً
يطلب منه المستلذات ، بل العقل كالإنسان الذى له همة عالية فلا ينقاد إلا لمولاه ، والهوى
كالمنتجع الذى إذا سمع حضور غنى ، فإنه ينشط للانتجاع إليه ، بل العقل يطلب معرفة المولى
ليشكر له النعم الماضية والهوى يطلبها ليطمع منه فى النعم المتربصة، فلما عرفاه كما أراده عالماً
وغنياً تعلقا بذيله، فقال العقل: لا أشكر أحداً سواك، وقالت الشهوة: لا أسأل أحداً إلا إياك،
ثم جاءت الشبهة فقالت: يا عقل كيف أفردته بالشكر ولغل له مثلا؟ ويا شهوة كيف اقتصرت
عليه ولعل ههنا باباً آخر؟ فبقى العقل متحيراً وتنغصت عليه تلك الراحة ، فأراد أن يسافر فى عالم
الاستدلال ليفوز بجوهرة اليقين فكأن الحق سبحانه قال: كيف أنغض على عبدى لذة الاشتعال
بخدمتى وشكرى، فبعث الله رسوله وقال: لا تقله من عند نفسك، بل قل هو الذى عرفته صادقاً
الفخر الرازي - ج ٣٢ م ١٢

١٧٨
قوله تعالى : قل هو الله أحد. سورة الإخلاص.
يقول لى ( قل هو الله أحد) فعرفك الوحدانية بالسمع وكفاك مؤنة النظر والاستدلال بالعقل،
وتحقيقه أن المطالب على ثلاثة أقسام قسم منها لا يمكن الوصول إليه بالسمع وهو كل ما تتوقف
صحة السمع على صحته كالعلم بذات الله تعالى وعلمه وقدرته وصحة المعجزات ، وقسم منها لا يمكن
الوصول إليه إلا بالسمع وهو وقوع كل ما علم بالعقل جواز وقوعه، وقسم ثالث يمكن الوصول
إليه بالعقل والسمع معاً، وهو كالعلم بأنه واحد وبأنه مرفى إلى غيرهما ، وقد استقصينا فى تقرير
دلائل الوحدانية فى تفسير قوله تعالى (لو كان فيهما آلهة إلا اللّه لفسدتا).
﴿ المسألة الثانية﴾ اعلم أنهم أجمعوا على أنه لا بد فى سورة (قل يا أيها الكافرون) من قل
وأجمعوا على أنه لا يجوز لفظ قل فى سورة ( تبت ) وأما فى هذه السورة فقد اختلفوا، فالقراءة
المشهورة ( قل هو الله أحد) وقرأ أبى وابن مسعود. بغير قل هكذا (هو الله أحد) وقرأ النبى
صلى الله عليه وسلم، بدون قل هو هكذا (اللّه أحد الله الصمد) فمن أثبت قل قال: السبب فيه بيان
أن النظم ليس فى مقدوره، بل يحكى كل ما يقال له، ومن حذفه قال : لئلا يتوهم أن ذلك ما كان
معلوماً للنبى عليه الصلاة والسلام .
﴿ المسألة الثالثة﴾ اعلم أن فى إعراب هذه الآية وجوهاً (أحدها) أن هو كتابة عن اسم
الله، فيكون قوله: اللّه مرتفعاً بأنه خبر مبتدأ، ويجوز فى قوله ( أحد ) ما يجوز فى قولك : زيد
أخوك قائم (الثانى) أن هو كناية عن الشأن، وعلى هذا التقرير يكون الله مرتفعاً بالابتداء
وأحد خبره، والجملة تكون خبراً عن هو، والتقدير الشأن والحديث: هو أن الله أحد، ونظيره
قوله ( فإذا هى شاخصة أبصار الذين كفروا) إلا أن هى جاءت على التأنيث، لأن فى التفسير :
اسما مؤقتاً، وعلى هذا جاء (فإنها لا تعمى الأبصار) أما إذا لم يكن فى التفسير مؤنت لم يؤنث
ضمير القصة، كقوله ( إنه من يأت ربه مجرماً) (والثالث) قال الزجاج: تقدير هذه الآية أن
هذا الذى سألتم عنه هو الله أحد .
المسألة الرابعة) فى أحد وجهان (أحدهما) أنه بمعنى واحد ، قال الخليل: يجوز أن يقال أحد
اثنان وأصل أحد وحد إلا أنه قلبت الواو همزة للخفيف وأكثر ما يفعلون هذا بالواو المضمومة،
والمكسورة كقولهم وجوه وأجوه وسادة وأسادة (والقول الثانى) أن الواحد والأحد ليسا اسمين
مترادفين قال الأزهرى : لا يوصف شىء بالأحدية غير اللّه تعالى لا يقال: رجل أحد ولا درهم
أحد کما یقال: رجل واحد أى فرد به بل أحد صفة من صفات الله تعالى استأثر بها فلا يشركه فيها
شىء. ثم ذكروا فى الفرق بين الواحد والأحد وجوهاً (أحدها) أن الواحد يدخل فى الأحد
والأحد لايدخل فيه (وثانيها) أنك إذا قلت فلان لا يقاومه واحد. جاز أن يقال لكنه يقاومه
اثنان بخلاف الأحد، بإنك لو قلت فلان لا يقاومه أحد لا يجوز أن يقال: لكنه يقاومه اثنان

١٧٩
قوله تعالى : قل هو الله أحد . سورة الإخلاص .
(وثالثها) أن الواحد يستعمل فى الإثبات والأحد فى النفى.، تقول فى الإثبات رأيت رجلا واحداً
وتقول فى النفى مارأيت أحداً فيفيد العموم.
المسألة الخامسة ﴾ اختلف القراء فى قوله (أحد الله الصمد). فقراءة العامة بالتنوين وتحريكه
بالكسر هكذا أحدن الله، وهو القياس الذى لا إشكال فيه، وذلك لأن التنوين من أحد ساكن
ولام المعرفة من اللّه ساكنة ، ولما التقى ساكنان حرك الأول منهما بالكسر، وعن أبى عمرو ،
أحد الله بغیر تنوين ، وذلك أن النون شابهت حروف اللین فی أنها تزاد کما یزدن فلما شابهتها
أجريت مجراها فى أن حذفت ساكنة لالتقاء الساكنين كما حذفت الألف والواو والياء لذلك
نحو غزا القوم ويغزو القوم، ويرمى القوم، ولهذا حذفت النون الساكنة فى الفعل نحو (لم يك)
(ولا تك فى مرية) فكذا ههنا حذفت فى أحد اللّه لالتقاء الساكنين كما حذفت هذه الحروف.
وقد ذكرنا هذا مستقصى عند قوله ( عزير ابن الله) وروى أيضاً عن أبى عمرو (أحدْ اللّه) وقال
أدركت القراء يقرؤونها كذلك وصلا على السكون، قال أبو على قد تجرى الفواصل فى الإدراج
مجراها فى الوقف وعلى هذا قال من قال (فأضلونا السبيلا، ربنا) (وما أدراك ماهيه، نار) فكذلك
(أحد اللّه) لما كان أكثر القراء فيما حكاه أبو عمرو على الوقف أجراه فى الوصل مجراه فى الوقف
لاستمرار الوقف عليه وكثرته فى ألسنتهم، وقرأ الأعمش (قل هو الله الواحد) فإن قيل لماذا؟
قيل أحد على النكرة ، قال الماوردى فيه وجهان (أحدهما) حذف لام التعريف على نية اضمارها
والتقدير قل هو الله الأحد (والثانى) أن المراد هو التنكير على سبيل التعظيم.
﴿ المسألة السادسة﴾ اعلم أن قوله (هو الله أحد) ألفاظ ثلاثة وكل واحد منها إشارة إلى مقام
من مقامات الطالبين ( فالمقام الأول ) مقام المقربين وهو أعلى مقامات السائرين إلى اللّه وهؤلاء
هم الذين نظروا إلى ماهيات الأشياء وحقائقها من حيث هى هى ، فلا جرم ما رأوا موجودا
سوى الله لأن الحق هو الذى لذاته يجب وجرده، وأما ما عداه فممكن لذاته والممكن لذاته إذا
نظر إليه من حيث هو هو كان معدوما، فهؤلاء لم يروا موجوداً سوى الحق سبحانه، وقوله ( هو)
إشارة مطلقة والإشارة وإن كانت مطلقة إلا أن المشار إليه لما كان معيناً انصرف ذلك المطلق
إلى ذلك المعين ، فلا جرم كان قولنا هو إشارة من هؤلاء المقربين إلى الحق سبحانه فلم يفتقروا
فى تلك الإشارة إلى مميز، لأن الافتقار إلى المميز إنما يحصل حين حصل هناك موجودان ،
وقد بينا أن هؤلاء ما شاهدوا بعيون عقولهم إلا الواحد فقط ، فلهذا السبب كانت لفظة (هو)
كافية فى حصول العرفان التام لهؤلاء، (المقام الثانى) وهو مقام أصحاب اليمين وهو دون
المقام الأول ، وذلك لأن هؤلاء شاهدوا الحق موجوداً وشاهدوا الخلق أيضاً موجوداً، لحصلت
كثرة فى الموجودات فلا جرم لم يكن هو كافياً فى الإشارة إلى الحق ، بل لابد هناك من ميز به
يتميز الحق عن الخلق: فهؤلاء احتاجوا إلى أن يقرنوا لفظة اللّه بلفظة هو، فقيل لأجلهم هو

١٨٠
قوله تعالى : قل هو الله أحد . سورة الإخلاص .
الله، لأن الله هو الموجود الذى يفتقر إليه ما عداه، ويستغنى هو عن كل ماعداه (والمقام الثالث)
وهو مقام أصحاب الشمال وهو أخس المقامات وأدونها ، وهم الذين يجوزون أن يكون واجب
الوجود أكثر من واحد وأن يكون الإنه أكثر من واحد فقرن لفظ الأحد بما تقدم رداً على
هؤلاء وإبطالا لمقالاتهم فقيل (قل هو الله أحد).
﴿ وههنا بحث آخر) أشرف وأعلى مما ذكرناه وهو أن صفات الله تعالى إما أن تكون
إضافية وإما أن تكون سلبية ، أما الإضافية فكقولنا عالم، قادر مربد خلاق ، وأما السلبية
فكقولنا ليس بجسم ولا بجوهر ولا بعرض والمخلوقات تدل أولا على النوع الأول من الصفات
وثانياً على النوع الثانى منها ، وقولنا الله يدل على مجامع الصفات الإضافية، وقولنا أحد يدل
على مجامع الصفات السلبية ، فكان قولنا (الله أحد) تاماً فى إفادة العرفان الذى يليق بالعقول
البشرية، وإنما قلنا إن لفظ الله يدل على مجامع الصفات الإضافية، وذلك لأن الله هو الذى
يستحق العبادة ، واستحقاق العبادة ليس إلا لمن يكون مستبدأ بالإيجاد والإبداع والاستبداد
بالإيجاد لا يحصل إلا لمن كان موصوفاً بالقدرة التامة والإرادة النافذة والعلم المتعلق بجميع
المعلومات من الكليات والجزئيات . وهذه مجامع الصفات الإضافة، وأما مجامع الصفات السلبية
فهى الأحدية ، وذلك لأن المراد من الأحدية كون تلك الحقيقة فى نفسها مفردة منزهة عن انحاء
التركيب، وذلك لأن كل ماهية مركبة فهى مفتقرة إلى كل واحد من أجزائه ، وكل واحد من
أجزائه غيره فكل من كب فهو مفتقر إلى غيره، وكل مفتقر إلى غيره فهو ممكن لذاته ، فكل من کب
فهو يمكن لذاته، فالإله الذى هو مبدأ لجميع الكائنات متنع أن يكون ممكناً، فهو فى نفسه فرد أحد
وإذا ثبتت الأحدية ، وجب أن لا يكون متحيزاً لأن كل متحيز فإن يمينه مغاير ليساره ، وكل
ما كان كذلك فهو منقسم ، فالأحد يستحيل أن يكون متحيزاً ، وإذا لم يكن متحيزاً لم يكن فى شى.
من الأحياز والجهاد، ويجب أن لا يكون حالا فى شىء، لأنه مع محله لا يكون أحداً، ولا يكون
محلا لشىء ، لأنه مع حاله لا يكون أحداً ، وإذا لم يكن حالا ولا محلا لم يكن متغيراً البتة لأن
التغير لابد وأن يكون من صفة إلى صفة، وأيضاً إذا كان أحداً وجب أن يكون واحداً إذ لو
فرض موجودان واجباً الوجود لاشتركا فى الوجوب ولتمايزا فى التعين وما به المشاركة غير مابه
الجائزة فكل واحد منهما مركب ، فثبت أن كونه أحداً يستلزم كونه واحداً (فإن قيل) كيف
يعقل كون الشىء أحداً، فإن كل حقيقة توصف بالأحدية فهناك تلك الحقيقة من تلك الأحدية
ومجموعهما فذاك ثالث ثلاثة لا أحد (الجواب) أن الأحدية لازمة لتلك الحقيقة فالمحكوم
عليه بالأحدية هو تلك الحقيقة لا المجموع الحاصل منها ومن تلك الأحدية، فقد لاح بما ذكرنا
أن قوله ( الله أحد) كلام متضمن لجميع صفات الله تعالى من الإضافيات والسلوب وتمام
الكلام فى هذا الباب مذ كور فى تفسير قوله (وإلهكم إله واحد).