Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١ قوله تعالى : قل يا أيها الكافرون . سورة الكافرون . فكيف يعقلى عابد واحد بين معبودين ! بل من جوز أن يصطلح الزوجان على أن تحل الزوجة لأحدهما شهراً، ثم الثانى شهراً آخر كان كافراً، فمن جوز الصلح بين الإله والصنم ألا يكون كافراً فكأنه تعالى يقول لرسوله : إن هذه المقالة فى غاية القبح فصرح بالإنكار وقل ( يا أيها الكافرون لاأعبد ما تعبدون) (الثلاثون) كأنه تعالى يقول أنسيت أنى لما خيرت نساءك حين أنزلت عليك (قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها) إلى قوله (أجراً عظيما) ثم خشيت من عائشة أن تختار الدنيا، فقلت لها لا تقولى شيئاً حتى تستأمرى أبويك ، فقالت أفى هذا أستأمر أبوى بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة! فناقصة العقل ما توقفت فيما يخالف رضاى أتتوقف فيما يخالف رضاى وأمرى مع أبى جبار السموات والأرض ( قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون) (الحادى والثلاثون) كانه تعالى يقول: يا محمد ألست أنت الذى قلت: من كان يؤمن بالله وباليوم الآخر فلا يوقفن مواقف التهم، وحتى أن بعض المشايخ قال لمريده الذى يريد أن يفارقه، لاتخاف السلطان قال ولم؟ قال: لأنه يوقع الناس فى أحد الخطأين، وإما أن يعتقدوا أن السلطان متدين، لأنه يخالطه العالم الزاهد، أو يعتقدوا أنك فاسق مثله ، وكلاهما خطأ ، فإذا ثبت أنه يحب البراءة عن موقف التهم فسكوتك يا محمد عن هذا الكلام يجر إليك تهمة الرضا بذلك ، لا سيما وقد سبق أن الشيطان ألقى فيما بين قراءتك: تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى، فأزل عن نفسك هذه التهمة و(قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون) (الثانى والثلاثون) الحقوق فى الشاهد نوعان حق من أنت تحت يده ، وهو مولاك، وحق من هو تحت يدك وهو الولد، ثم أجمعنا على أن خدمة المولى مقدمة على تربية الولد ، فإذا كان حق المولى المجازى مقدماً، فبأن يكون حق المولى الحقيقي مقدماً كان أولى، ثم روى أن علياً عليه السلام إستأذن الرسول صلى الله عليه وسلم فى التزوج بابنة أبى جهل فضجر وقال لا آذن لا آذن لا آذن أن فاطمة بضعة منى يؤذنى ما يؤذيها ويسرنى ما يسرها والله لا يجمع بين بنت عدو الله، وبنت حبيب الله، فكانه تعالى يقول صرحت هناك بالرد وكررته على سبيل المبالغة رعاية لحق الولد ، فههنا أولى أن تصرح بالرد، وتكرره رعاية لحق المولى فقل ( يا أيها الكافرون لا أعيد ما تعبدون ) ولا أجمع فى القلب بين طاعة الحبيب وطاعة العدو (الثالث والثلاثون ) يا محمد ألست قلت لعمر رأيت قصراً فى الجنة، فقلت لمن؟ فقيل الفتى من قريش، فقلت من هو ، فقالوا عمر خشيت غيرتك فلم أدخلها حتى قال عمر أو أغار عليك يارسول الله، فكأنه تعالى قال خشيت غيرة عمر فما دخلت قصره أفما تخشى غير تى فى أن تدخل قلبك طاعة غيرى ، ثم هناك أظهرت الامتناع فههنا أيضاً أظهر الامتناع و( قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون)، (الرابع والثلاثون) أترى أن نعمتى عليك دون نعمة الوالدة، ألم أربك؟ ألم أخلفك؟ ألم أرزفك ؟ ألم أعطك الحياة والقدرة والعقل والهداية والتوفيق ؟ ثم حين كنت طفلا عديم العقل وعرفت تربية الأم فلو أخذتك امرأة أجمل وأحسن وأكرم من أمك لأظهرت النفرة ولبكيت ١٤٢ قوله تعالى : قل يا أيها الكافرون . سورة الكافرون . ولي أعطتك الثدى لسددت فمك تقول لا أريد غير الأم لأنها أول المنعم على ، فههنا أولى أن تظهر النفرة فنقول لا أعبد سوى ربى لأنه أول منعم على فقل ( يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون) (الخامس والثلاثون ) نعمة الإطعام دون نعمة العقل والنبوة ، ثم قد عرفت أن الشاة والكلب لا ينسيان نعمة الإطعام ولا يميلان إلى غير من أطعهما فكيف يليق بالعاقل أن ينسى نعمة الإيجاد والإحسان فكيف فى حق أفضل الخلق (قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون) ( السادس والثلاثون) مذهب الشافعى أنه يثبت حق الفرقة بواسطة الإعسار بالنفقة فإذا لم تجد من الأنصار تربية حصلت لك حق الفرقة لو كنت متصلا بها، ( لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى عنك شيئاً) فبتقدير أن كنت متصلا بها، كان يجب أن تنفصل عنها وتتر كها ، فكيف وما كنت متصلا بها أيليق بك أن تقرب الاتصال بها (قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون) (السابع والثلاثون ) هؤلاء الكفار لفرط حماقتهم ظنوا أن الكثرة فى الإلهية كالكثرة فى المال یزید به الغنى وليس الأمر كذلك بل هو كالكثرة فى العيال تزيد به الحاجة فقل يا محمد لى إله واحد أقوم له فى الليل وأصوم له فى النهار، ثم بعد لم أتفرغ من قضاء حق ذرة من ذرات نعمه، فكيف ألتزم عبادة آلهة كثيرة ( قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون) ( الثامن والثلاثون) أن مريم عليها السلام لما تمثل لها جبريل عليه السلام (قالت إنى أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً) فاستعاذت أن تميل إلى جبريل دون الله أفتستجيز مع كال رحوليتك أن تميل إلى الأصنام (قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون) (التاسع والثلاثون) مذهب أبى حنيفة أنه لا يثبت حق الفرقة بالعجز عن النفقة ولا بالعنة الطارته يقول لأنه كان قيما فلا يحسن الإعراض عنه مع أنه ثقيب فالحق سبحانه يقول ، كنت فيما ولم أتعيب ، فكيف يجوز الاعراض عنى ( قل يا أيها الكافرون لا أعبد ماتعبدون) (الأربعون) هؤلاء الكفار كانوا معترفين بأن الله خالقهم ( ولئن سألتهم من. خلق السموات والأرض ليقولن الله) وقال فى موضع آخر (أرونى ماذا خلقوا من الأرض) فكأنه تعالى يقول هذه الشركة إما أن تكون مزارعة وذلك باطل، لأن البذر منى والتربية والسقى منى، والحفظ منى، فأى شىء للصنم، أو شركة الوجوه وذلك أيضا باطل أترى أن الصنم أكثر شهرة وظهوراً منى، أو شركة الأبدان وذلك أيضاً باطل، لأن ذلك يستدعى الجنسية، أو شركة العنان ، وذلك أيضاً باطل ، لأنه لابد فيه من نصاب فما نصاب الأصنام ، او يقول ليس هذه من باب الشركة لكن الصنم يأخذ بالتغلب نصيباً من الملك، فكان الرب يقول: ما أشد جهلكم إن هذا الصنم أكثر عجزاً من الذبابة ( إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً) فأنا أخلق البذر ثم ألقيه فى الأرض، فالتربية والسقى والحفظ منى. ثم إن من هو أعجز من الذبابة يأخذ بالقهر والتغلب نصيباً منى، ماهذا بقول يليق بالعقلاء ( قل يا أيها الكافرون لا اعبد ما تعبدون) (الحادى والأربعون) أنه لاذرة فى عالم المحدثات إلا وهى تدعو العقول إلى معرفة الذات والصفات قوله تعالى : قل يا أيها الكافرون . سورة الكافرون. ١٤٣ وأما الدعاة إلى معرفة أحكام الله فهم الأنبياء عليهم السلام، ولما كان كل بق وبعوضة داعياً إلى معرفة الذات والصفات قال ( إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها) ، ذلك لأن هذه البعوضة بحسب حدوث ذاتها وصفاتها تدعو إلى قدرة الله بحسب تركيبها العجيب تدعوا إلى علم الله وبحسب تخصيص ذاتها وصفاتها بقدر معين تدعو إلى إرادة الله، فكأنه تعالى يقول مثل هذا الشی. کیف یستحیا منه ، روی أن عمر رضى الله عنه كان فی أیام خلافته دخل السوق فاشترى كرشاً وحمله بنفسه فرآه على من بعيد فتنكب على عن الطريق فاستقبله عمر وقال له لم تنكبت عن الطريق؟ فقال على: حتى لا تستحى ، فقال: وكيف أستحمى من حمل ماهو غذائى! فكأنه تعالى يقول إذا كان عمر لا يستحى من الكرش الذى هو غذاؤه فى الدنيا فكيف أستحمى عن ذكر البعوض الذى بعطيك غذاء دينك ، ثم كأنه تعالى يقول يا محمد إن نمروذ لما ادعى الربوبية صاح عليه البعوض بالإنكار ، فهؤلاء الكفار لما دعوك إلى الشرك أفلا تصيح عليهم أفلا تصرح بالرد عليهم ( قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون) وإن فرعون لما ادعى الإلهية جبريل ملأ فاه من الطين فإن كنت ضعيفاً فلست أضعف من بعوضة نمروذ، وإن كنت قوياً فلست أقوى من جبريل ، فأظهر الإنكار عليهم و (قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون) (الثانى والأربعون) كأنه تعالى يقول يا محمد (قل) بلسانك (لا أعبد ما تعبدون) واتركه قرضاً على فإنى أقضيك هذا القرض على أحسن الوجوه، ألا ترى أن النصر انى إذا قال أشهد أن محمداً رسول الله فأقول أنالاأ كتفى هذا مالم تصرح بالبراءة عن النصرانية، فلما أوجبت على كل مكلف أن يتبرأ بصريح لسانه عن كل دين يخالف دينك فأنت أيضاً أوجب على نفسك أن تصرح برد كل معبود غيرى فقل ( يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون) (الثالث والأربعون) أن موسى عليه السلام كان فى طبعه الخشونة فلما أرسل إلى فرعون قيل له ( فقولا له قولا ليناً) وأما محمد عليه السلام فلما أرسل إلى الخلق أمر بإظهار الخشونة تنبيهاً على أنه فى غاية الرحمة ، فقيل له ( قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ) . قوله تعالى: ﴿ قل يا أيها الكافرون﴾ ففيه مسائل: ﴿ المسألة الأولى﴾ يا أيها، قد تقدم القول فيها فى مواضع، والذى نزيده ههنا، أنه روى عن على عليه السلام أنه قال . يا نداء النفس وأى نداء القلب ، وها نداء الروح ، وقيل : باندا. الغائب وأى للحاضر، وها للتنبيه ، كأنه يقول أدعوك ثلاثاً ولا تجيبنى مرة ما هذا إلا لجهلك الخفى، ومنهم من قال إنه تعالى جمع بين يا الذى هو البعيد، وأى الذى هو للقريب، كأنه تعالى يقول معاملتك معى وفرارك عنى يوجب البعد البعيد، لكن إحسانى إليك، ووصول نعمتى إليك توجب القرب القريب ( ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ) وإنما قدم يا الذى يوجب البعد على أى الذى يوجب القرب ، كأنه يقول التقصير منك والتوفيق من ، ثم ذكرها بعد ذلك لأن ١٤٤ قوله تعالى : لا أعبد ما تعبدون . سورة الكافرون . وَلَا أَنَا عَابِدَ ما عبد تم ( ٣ لَآ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٣) وَلَا أَنْتُمْ عَبِدُونَ مَآ أَعْبُدُ ( ما يوجب البعد الذى هو كالموت وأى يوجب القرب الذى هو كالحياة ، فلما حصلا حصلت حالة متوسطة بين الحياة والموت ، وتلك الحالة هى النوم، والنائم لا بد وأن ينبه وها كلمة تنبيه ، فلهذا السبب ختمت حروف النداء بهذا الحرف. المسألة الثانية ﴾ دوى فى سبب نزول هذه السورة أن الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل والأسود بن عبد المطلب، وأمية بن خلف ، قالوا لرسول اللّه تعالى حتى نعبد إلهك مدة ، وتعبد آلهتنا مدة ، فيحصل مصلح بيننا وبينك ، وتزول العداوة من بيننا، فإن كان أمرك رشيداً أخذنا منه حظاً ، وإن كان أمرنا رشيداً أخذت منه حظاً ، فنزلت هذه السورة ونزل أيضاً قوله تعالى (قل أفغير الله تأمرونى أعبد أيها الجاهلون) فتارة وصفهم بالجهل وتارة بالكفر، واعلم أن الجهل كالشجرة والكفر كالثمرة ، فلما نزلت السورة وقرأها على رؤسهم شتموه وأيوا منه ، وههنا سؤالات : ﴿ السؤال الأول﴾ لمذكرهم فى هذه السورة بالكافرين، وفى الأخرى بالجاهلين ؟ (الجواب) لأن هذه السورة بتمامها نازلة فيهم ، فلابدوأن تكون المبالغة ههنا أشد، وليس فى الدنيا لفظ أشنع ولا أبشع من لفظ الكافر ، وذلك لأنه صفة ذم عند جميع الخلق سواء كان مطلقاً أو مقيداً، أمالفظ الجهل فإنه عند التقييد قد لا يذم، كقوله عليه السلام فى علم الأنساب ((علم لا ينفع وجهل لا يضر)). ﴿ السؤال الثانى) لما قال تعالى فى سورة ( لم تحرم) يا أيها الذين كفروا، ولم يذكر قل، وههنا ذكر قل، وذكره باسم الفاعل ( والجواب ) الآية المذكورة فى سورة لم تحزم: إنما تقال لهم يوم القيامة وثمة لا يكون الرسول رسولا إليهم فأزال الواسطة وفى ذلك الوقت يكونون مطيعين لا كافرين . فلذلك ذكره بلفظ الماضى ، وأما ههنا فهم كانوا موصوفين بالكفر ، وكان الرسول رسولا إليهم، فلا جرم قال ( قل يا أيها الكافرون). ﴿ السؤال الثالث) قوله ههنا ( قل يا أيها الكافرون) خطاب مع الكل أو مع البعض ؟ (الجواب) لا يجوز أن يكون قوله ( لا أعبد ما تعبدون) خطاباً مع الكل ، لأن فى الكفار من يعبد الله كاليهود والنصارى فلا يجوز أن يقول لهم ( لا أعبد ما تعبدون) ولا يجوز أيضاً أن يكون قوله (ولا أنتم عابدون ما أعبد) خطاباً مع الكل ، لأن فى الكفار من آمن وصار بحيث يعبد الله ، فإذن وجب أن يقال إن قوله ( يا أيها الكافرون) خطاب مشافهة مع أقوام مخصوصين وهم الذين قالوا نعبد إلهك سنة وتعبد آلهتنا سنة، والحاصل أنا لو حملنا الخطاب على العموم دخل التخصيص ، ولو حملنا على أنه خطاب مشافهة لم يلزمناذلك، فكان حمل الآية على هذا المحمل أولى . قوله تعالى: ﴿لا أعبد ما تعبدون، ولا أنتم عابدون ما أعبد، ولا أنا عابد ١٤٥ قوله تعالى : ولا أنتم عابدون ما أعبد . سورة الكافرون . وَلَا أَنتُمْ عَنِدُونَ مَآَ أَعْبُدُ ماعبدتم ، ولا أنتم عابدون ما أعبد ﴾ ففيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ فى هذه الآية قولان (أحداهما) أنه لا تكرار فيها (والثانى) أن فيها تكراراً ( أما الأول) فتقريره من وجوه (أحدها) أن الأول للمستقبل ، والثانى للحالك والدليل على أن الأول للمستقبل أن لا لاتدخل إلا على مضارع فى معنى الاستقبال ، أن ترى أن لن تأكيد فيما ينفية لا، وقال الخليل فى ان أصله لا أن، إدا ثبت هذا فقوله ( لا أعبد ما تعبدون ) أى لا أفعل فى المستقل ما تطلبونه منى من عبادة آلهتكم ولا أنتم فاعلون فى المستقبل ما أطلبه منكم من عبادة إلهى، ثم قال ( ولا أنا عابد ما عبدتم) أى ولست فى الحال بعابد معبودكم ولا أنتم فى الحال بعابدين لمعبودى ( الوجه الثانى) أن تقلب الأمر فتجعل الأول للحال والثانى للاستقبال والدليل على أن تقول ( ولا أنا عابد ما عبدتم ) للاستقبال أنه رفع لمفهوم قولنا: أنا عابد ماعبد تم ولاشك أن هذا للاستقبال بدليل أنه لو قال أنا قاتل زيداً فهم منه الاستقبال (الوجه الثالث) قال بعضهم كل واحد منهما يصلح للحال والاستقبال، ولكنا نخص أحداها بالحال ، والثانى بالاستقبال دفاً للتكرار، فإن قلا إنه أخبر عن الحال ، ثم عن الاستقبال، فهو الترتيب، وإن قلنا أخبر أولا عن الاستقبال ، فلأنه هو الذى دعوه إليه ، فهو الأهم فبدأ به ، فإن قيل ماقائدة الإخبار عن الحال وكان معلوماً أنه ما كان يعبد الصنم ، وأما الكفار فكانوا يعبدون الله فى بعض الاحوال؟ قلنا أما الحكاية عن نفسه فلتلا يتوهم الجاهل أنه يعبدها سراً خوفاً منها أو طمعاً إليها وأما نفيه عبادتهم . فلأن فعل الكافر ليس بعبادة أصلا (الوجه الرابع) وهو اختيار أبى مسلم أن المقصود من الأولين المعبود وما بمعنى الذى ، فكأنه قال لا أعبد الأصنام ولا تعبدون اللّه ، وأما فى الآخيرين فما مع الفعل فى تأويل المصدر أى لا أعبد عبادتكم المبنية على الشرك وترك النظر ، ولا أنتم تعبدون عبادتى المبنية على اليقين، فإن زعمتم أنكم تعبدون إلهى ، كان ذلك باطلا لأن العبادة فعل مأمور به وما تفعلونه أنتم ، فهو منهى عنه، وغير مأمور به (الوجه الخامس) أن تحمل الأولى على نفى الاعتبار الذى ذكروه ، والثانية على النفى العام المتناول لجميع الجهات فكأنه أولا قال ( لا أعبد ما تعبدون ) رجاء أن تعبدوا الله ، ولا أنتم تعبدون الله رجاء أن أعبد أصنامكم، ثم قال ولا أنا عابد صنمكم لغرض من الأغراض، ومقصود من المقاصد البتة بوجه من الوجوه ( ولا أنتم عابدون ما أعبد) بوجه من الوجوه، واعتبار من الاعتبارات، ومثاله من يدعو غيره إلى الظلم لغرض التنعيم ، فيقول لا أظلم لغرض التنعم بل لا أظلم أصلالا لهذا الغرض ولا لسائر الأغراض (القول الثانى) وهو أن نسلم حصول التكرار، وعلى هذا القول العذر عنه من ثلاثة أوجه ( الأول ) أن التكرير يفيد التوكيد وكلما كانت الحاجة إلى التأكيد أشد كان التكرير الفخر الرازي - ج ٣٢ م ١٠ : ١٤٦ قوله تعالى : ولا أنتم عابدون ما أعبد . سورة الكافرون . أحسن، ولا موضع أحوج إلى التأكيد من هذا الموضع، لأن أولئك الكفار رجعوا إلى رسول اله زائم فى هذا المعنى مراراً، وسكت رسول اللّه عن الجواب، فوقع فى قلوبهم أنه عليه السلام قد مال إلى دينهم بعض الميل، فلا جرم دعت الحاجة إلى التأكيد والتكرير فى هذا النفى والإبطال (الوجه الثانى) أنه كان القرآن ينزل شيئاً بعد شىء ، وآية بعد آية جواباً عما يسألون فالمشركون قالوا استلم بعد آلهتنا حتى نؤمن بإلهك فأنزل الله (ولا أنا عابد ما عبدتم، ولا أنتم عابدون ما أعبد ثم قالوا بعد مدة تعبد آلهتنا شهراً ونعبد إلهك شهراً فانزل الله (ولا أنا عابد ماعبدتم ولا أنتم عابدون ما أعبد ) ولما كان هذا الذى ذكرناه مجتملا لم يكن التكرار على هذا الوجه مضراً البتة ( الوجه الثالث ) أن الكفار ذكروا تلك الكلمة مرتين تعبد آلهتنا شهراً ونعبد إلهك شهراً وتعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة . فأتى الجواب على التكرير على وفق قولهم وهو ضرب من التهكم فإن من كرر الكلمة الواحدة لغرض فاسد يجازى بدفع تلك الكلمة على سبيل التكرار استخفافا به واستحقاراً لقوله ، المسألة الثانية) فى الآية سؤال وهو أن كلمة (ما) لا تتناول من يعلم فهب أن معبودهم كان كذلك فصح التعبير عنه بلفظ ما لكن معبود محمد عليه الصلاة والسلام هو أعلم العالمين فكيف قال ( ولا أنتم عابدون ما أعبد) أجابوا عنه من وجوه (أحدها) أن المراد منه الصفة كأنه قال لا أعبد الباطل وأنتم لا تعبدون الحق (وثانبها) أن مصدرية فى الجملتين كأنه قال لا أعبد عبادتكم ولا تعبدون عبادتى فى المستقبل ، ثم قال ثانياً لإ أعبد عبادتكم ولا تعبدون عبادتى فى الحال (وثالثها) أن يكون ما بمعنى الذى وحينئذ يصح الكلام (ورابعها) أنه لما قال أولا (لا أعبد ما تعبدون ) حمل الثانى عليه ليقسق الكلام كقوله ( وجزاء سيئة سيئة مثلها). المسألة الثالثة﴾ احتج أهل الجبر بأنه تعالى أخبر عنهم مرتين بقوله (ولا أنتم عابدون ما أعبد) والخبر الصدق عن عدم الشىء يضاد وجود ذلك الشىء فالتكليف بتحصيل العبادة مع وجود الخبر الصدق بعدم العبادة تكليف بالجمع بين الضدين، واعلم أنه بقى فى الآية سؤالات: ﴿ السؤال الأول) أليس أن ذكر الوجه الذى لأجله تقبح عبادة غير الله كان أولى من هذا التنكرير؟ الجواب بل قد يكون التأكيد والتكرير أولى من ذكر الحجة ، إما لأن المخاطب بليد ينتفع بالمبالغة والتكرير ولا ينتفع بذكر الحجة أو لأجل أن محل النزاع يكون فى غاية الظهور فالمناظرة فى مسألة الجبر والقدر حسنة ، أما القائل بالصنم فهو إما مجنون يجب شده أو عاقل معاند فيجب قتله ، وإن لم يقدر على قتله فيجب شتمه ، والمبالغة فى الإنكار عليه كما فى هذه الآية : ﴿ السؤال الثانى) أن أول السورة اشتمل على التشديد، وهو النداء بالكفر والتكرير وآخرها على اللطف والتساهل، وهو قوله (لكم دينكم ولى دين) فكيف وجه الجمع بين الأمرين؟ : ١٤٧ قوله تعالى . لكم دینکم ولی دین . سورة الكافرون . ٦ (الجواب ) كأنه يقول إنى قد بالغت فى تحذير كم على هذا الأمر القبيح، وما قصرت فيه، فإن لم تقبلوا قولى ، فاتر كونى سواء بسواء . ﴿ السؤال الثالث ) لما كان التكرار لأجل التأكيد والمبالغة فكان ينبغى أن يقول: لن أعبد ما تعبدون، لأن هذا أبلغ، ألا ترى أن أصحاب الكهف لما بالغوا قالوا (لن ندعو من دونة إلهاً) ( والجواب) المبالغة إنما يحتاج إليها فى موضع التهمة، وقد علم كل أحد من محمد عليه السلام أنه ما كان يعبد الصنم قبل الشرع ، فكيف يعبده بعد ظهور التفريع ، بخلاف أصحاب الكهف فإنه وجد منهم ذلك فيما قبل . قوله تعالى: ﴿ لكم دينكم ولى دين ﴾ ففيه مسائل. ﴿ المسألة الأولى ﴾ قال ابن عباس لكم کفر کم بالله ولی التوحید والإخلاص له ، فإن قيل فهل يقال إنه أذن لهم فى الكفر قلنا ، كلا فإنه عليه السلام ما بعث إلا للمنع من الكفر فكيف بأذن فيه ، ولكن المقصود منه أحد أمور (أحدها) أن المقصود منه التهديد ، كقوله اعملوا ما شتتم (وثانيها) كأنه يقول إنى نبى مبعوث إليكم لأدعوكم إلى الحق والنجاة ، فإذا لم تقبلوا من ولم تتبعونى فاتر كونى ولا تدعونى إلى الشرك (وثالثها) (لكم دينكم) فكرنوا عليه إن كان الهلاك خيراً لكم (ولى دينى) لأنى لا أرفضه (القول الثانى) فى تفسير الآية أن الدين هو الحساب أى لكم حسابكم ول حسابى، ولا يرجع إلى كل واحد منا من عمل صاحبه أثر البتة ( القول الثالث ) أن یکون علی تقدیر حذف المضاف أی لكم جزاء دينكم ولى جزاء دبنی وحسبهم جزاء دينهم وبالا وعقاباً كما حسبك جزاء دينك تعظيما وثواباً (القول الرابع ) الدين العقوبة ( ولا تأخذ كم بهما رأفة فى دين الله يعنى الحد، فلكم العقوبة من ربى، ولى العقوبة من أصنامكم، لكن أصنامكم جمادات ، فأنا لا أخشى عقوبة الأصنام ، وأما أنتم فيحق لكم عقلا أن تخافوا عقوبة جبار السموات والأرض (القول الخامس) الدين الدعاء، فادعوا الله مخلصين له الدين، أى لكم دعاؤكم ( ومادعاء الكافرين إلا فى ضلال) (وإن تدعوهم لا يسمعوا دعاء كم ولو سمعوا ما استجابوا لكم) ثم ليتها تبقى على هذه الحالة فلا يضرونكم ، بل يوم القيامة يجدون لساناً فيكفرون بشر کكم ، وأما ربى فيقول (ويستجيب الذين آمنوا) (ادعونى أستجب لكم) (أجيب دعوة الداع إذا دعان) (القول السادس ) الدين العادة ، قال الشاعر: يقول لها وقد دارت وضينى أهذا دينها أبدًا ودينى معناه لكم عادتكم المأخوذة من أسلافكم ومن الشياطين، ولى عادفى المأخوذة من الملائكة والوحى، ثم يبقى كل واحد منا على عادته، حتى تلقوا الشياطين والنار، وألقى الملائكة والجنة. ١٤٨ قوله تعالى : لكم دينكم ولي دين . سورة الكافرون. المسألة الثانية) قوله (لكم دينكم) يفيد الحصر، ومعناه لكم دينكم لا لغير كم، ولى دبنى لا لغيرى ، وهو إشارة إلى قوله ( وأن ليس للانسان إلا ما سعى ، ولا تزر وازرة وزر أخرى) أى أنا مأمور بالوحى والتبليغ، وأنتم مأمورون بالامتثال والقبول ، فأنا لما فعات ما كلفت به خرجت عن عهدة التكليف ، وأما إصرار كم على كفركم، فذك بما لا يرجع إلى منه ضرر البتة . ﴾ جرت عادة الناس بأن يتمثلوا بهذه الآية عند المتاركة ، وذلك غير جائز المسألة الثالثة لأنه تعالى ما أنزل القرآن ليتمثل به بل ليتدبر فيه، ثم يعمل بموجبه، والله سبحانه وتعالى أعلم وأحكم، وصلى الله على سيدنا، وعلى آله وصحبه وسلم. ١٤٩ سورة النصر (١٠) سورة النضِرِمَد نتّة وَآيَاتُهَا ثَلابُ بِسْـ إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ فى الآية لطائف : إذا جاء نصر الله (إحداها) أنه تعالى لما وعد محمداً بالتربية العظيمة بقوله ( ولسوف يعطيك ربك فترضى) وقوله ( إنا أعطيناك الكوثر) لاجرم كان يزداد كل يوم أمره ، كأنه تعالى قال يا محمد لم يضيق قلبك، ألست حين لم تكن مبعوثاً لم أضيعك بل نصرتك بالطير الأبابيل ، وفى أول الرسالة زدت فجعلت الطير ملائكة ألن يكفيكم ( أن يمدكم ربكم بخمسة آلاف ) ثم الآن أزيد فأقول إنى أكون ناصراً لك بذاتى ( إذا جاء نصر الله) فقال إلهى إنما تتم النعمة إذا فتحت لى دار مولدى ومسكنى فقال (والفتح) فقال إلهى لكن القوم إذا خرجوا، فأى لذة فى ذلك فقال ( ورأيت الناس يدخلون فى دين الله أفواجاً) ثم كأنه قال هل تعلم يا محمد بأى سبب وجدت هذه التشريفات الثلاثة إنما وجدتها لأنك قلت فى السورة المتقدمة ( يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون) وهذا يشتمل على أمور ثلاثة (أولها) نصرتنى بلسانك فكان جزاؤه ( إذا جاء نصر الله ) ( وثانيها ) فتحت مكة قلبك بعسكر التوحيد فأعطيناك فتح مكة وهو المراد من قوله، والفتح (والثالث ) أدخلت رعية جوارحك وأعضائك فى طاعتى وعبوديتى فأنا أيضا أدخلت عبادى فى طاعتك ، وهو المراد من قوله ( يدخلون فى دين الله أفواجاً ) ثم إنك بعد أن وجدت هذه الخلع الثلاثة فابعث إلى حضرتى بثلاث أنواع من العبودية تهادوا تحابوا ، إن نصرتك فسبح ، وإن فتحت مكة فاحمد وإن أسلموا، فاستغفر ، وإنما وضع فى مقابلة ( نصر الله) تسبيحه، لأن التسبيح هو تنزيه الله عن مشابهة المحدثات ، يعنى تشاهد أنه نصرك، فإياك أن تظن أنه إنما نصرك لأنك تستحق منه ذلك النحر ، بل اعتقد كونه منزهاً عن أن يستحق عليه أحد من الخلق شيئاً، ثم جعل فى مقابلة فتح مكة الحمد لأن النعمة لا يمكن أن تقابل إلا بالحمد ، ثم جعل فى مقابلة دخول الناس فى الدين الاستغفار وهو المراد من قوله ( واستغفر لذنبك، وللمؤمنين والمؤمنات) أى كثرة الأتباع مما يشغل ١٥٠ قوله تعالى : إذا جاء نصر الله . سورة النصر . القلب بلذة الجاه والقبول، فاستغفر لهذا القدر من ذنبك ، واستغفر لذنبهم فإنهم كاما كانوا أكثر كانت ذنوبهم أكثر فكان احتياجهم إلى استغفارك أكثر ( الوجه الثانى) أنه عليه السلام لما تبرأ عن الكفر وواجههم بالسوء فى قوله ( يا أيها الكافرون) كأنه خاف بعض القوم فقلل من تلك الخشونة فقال ( لکم دینکم ولی دین) فقیل یا محمد لا تخف فإنى لا أذهب بك إلى النصر بل أجىء بالنصر إليك (إذا جاء نصر الله) نظيره ((زويت لى الأرض)) يعنى لا تذهب إلى الأرض بل تجىء الأرض إليك ، فإن سئمت المقام وأردت الرحلة ، فمثلك لا يرتحل إلا إلى قاب قوسين ( سبحان الذى أسرى بعبده) بل أزيد على هذا فأفضل فقراء أمتك على أغنياتهم ثم آمر الأغنياء بالضحايا ليتخذوها مطايا فإذا بقى الفقير من غير مطية أسوق الجنة إليه (وأز لفت الجنة للمتقين) (الوجه الثالث) كأنه سبحانه قال يا محمد إن الدنيا لا يصفو كدرها ولا تدوم مخنها ولا نعيمها فرحت بالكوثر فتحمل مشقة سفاهة السفهاء حيث قالوا اعبد آلهتنا حتى نعبد إلهك فلما تبرأ عنهم وضاق قلبه من جهتهم قال أبشر فقد جاء نصر الله فلما استبشر قال الرحيل الرحيل أما علمت أنه لا بد بعد الكمال من الزوال ، فاستغفره أيها الإنسان لا تحزن من جوع الربيع فعقيه غنى الخريف ولا تفرح بغنى الخريف فعقيبه وحشة الشتاء ، فكذا من تم إقباله لا يبقى له إلا الغير ومنه : إذا تم أمر دنا نقصه توقع زوالا إذا قيل ثم إلهى لم فعلت كذلك قال حتى لا نضع قلبك على الدنيا بل تكون أبداً على جناح الارتحال والسفر (الوجه الرابع) لما قال فى آخر السورة المتقدمة (لكم دينكم ولى دين) فكأنه قال إلى وما جزائى فقال نصر الله فیقول وما جزاء عمی خین دعانى إلى عبادة الأصنام فقال ( تبت يدا أبى لهب) فإن قيل فلم بدأ بالوعد قبل الوعيد، قلنا لوجوه (أحدما) لأن رحمته سبقت غضبه (والثانى) ليكن الجنس متصلا بالجنس فإنه قال (ولى دين) وهو النصر كقوله ( يوم تبيض وجوه وتسود وجوه، فأما الذين اسودت وجوههم) ، ( وثالثها ) الوفاء بالوعد أهم فى الكرم من الوفاء بالانتقام ، فتأمل فى هذه المجانسات الحاصلة بين هذه السور مع أن هذه السورة من أواخر ما نزل بالمدينة وتلك السورة من أوائل ما نزل بمكة ليعلم أن ترتيب هذه السور من الله وبأمره (الوجه الخامس) أن فى السورة المتقدمة لم يذكر شيئاً من أسماء الله ، بل قال ما أعبد بلفظ ما، كأنه قال لا أذكر اسم الله حتى لا يستخفوا فتزداد عقوبتهم ، وفى هذه السورة ذكر أعظم أساميه لأنها منزلة على الأحباب ليكون ثوابهم بقراءته أعظم فكأنه سبحانه قال لا تذكر اسمى مع الكافرين حتى لا يهينوه واذكره مع الأولياء حتى يكرموه (الوجه السادس) قال النحويون إذا منصوب بسبح، والتقدير فسبح بحمد ربك إذا جاء نصر الله ، كأنه سبحانه يقول جعلت الوقت ظرفاً لما تريده وهو النصر والفتح والظفر. وملأت ذلك الظرف مرن هذه ١٥١ قوله تعالى : إذا جاء نصر الله . سورة النصر . الأشياء ، وبعثته إليك فلا ترده على فارغاً، بل املأه من العبودية ليتحقق معنى ((تهادوا تحابوا)) فكأن محمداً عليه السلام قال: بأى شىء أملأ ظرف هديتك وأنا فقير ، فيقول الله فى المعنى: إن لم تجد شيئاً آخر فلا أقل من تحريك اللسان بالتسبيح والحمد والاستغفار ، فلما فعل محمد عليه الصلاة والسلام ذلك حصل معنى تهادوا ، لا جرم حصلت المحبة ، فلهذا كان محمد حبيب الله (الوجه السابع) كانه تعالى يقول: إذا جاءك النصر والفتح ودخول الناس فى دينك ، فاشتغل أنت أيضاً بالتسبيح والحمد والاستغفار، فإنى قلت ((لئن شكر تم لأزيدنكم)) فيصير اشتغالك بهذه الطاعات سبباً لمزيد درجاتك فى الدنيا والآخرة ، ولا تزال تكون فى الترقى حتى يصير الوعد بقولى (إنا أعطيناك الكوثر) (الوجه الثامن) أن الإيمان إنما يتم بأمرين: بالنفى والإثبات وبالبراءة والولاية، فالنفى والبراءة قوله ( لا أعبد ماتعبدون) والإثبات والولاية قوله (إذا جاء نصر الله) فهذه هى الوجوه الكلية المتعلقة بهذه السورة. واعلم أن فى الآية أسراراً، وإنما يمكن بيانها فى معرض السؤال والجواب. ﴿ السؤال الأول) ما الفرق بين النصر والفتح حتى عطف الفتح على النصر؟ (الجواب) من وجوه (أحدها ) النصر هو الإعانة على تحصيل المطلوب ، والفتح هو تحصيل المطلوب الذى كان متعلقاً ، وظاهر أن النصر كالسبب الفتح، فلهذا بدأ يذكر النصر وعطف الفتح عليه (وثانيها) يحتمل أن يقال النصر كمال الدين ، والفتح الإقبال الدنيوى الذى هو تمام النعمة، ونظير هذه الآية قوله ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى) (وثالثها) النصر هو الظفر فى الدنيا على المنى، والفتح بالجنة، كما قال (وفتحت أبوابها) وأظهر الأقوال فى النصر أنه الغلبة على قريش أو على جميع العرب . ﴿ السؤال الثانى) أن رسول الله عَ ليه كان أبداً منصوراً بالدلائل والمعجزات، فما المعنى من تخصيص لفظ النصر بفتح مكة ؟ (والجواب) من وجهين (أحدهما) المراد من هذا النصر هو النصر الموافق للطبع، وإنما جعل لفظ النصر المطلق دالا على هذا النصر المخصوص ، لأن هذا النصر لعظم موقعه من قلوب أهل الدنيا جعل ما قبله كالمعدوم ، كما أن المثاب عنددخول الجنة يتصور كأنه لم يذق نعمة قط ، والى هذا المعنى الاشارة بقوله تعالى (وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله)، (وثانيهما) لعل المراد نصر الله فى أمور الدنيا الذى حكم به لأنبياته كقوله ( إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر). ﴿ السؤال الثالث) النصر لا يكون إلا من الله، قال تعالى (وما النصر إلا من عند الله) فما الفائدة فى هذا التقييد وهو قوله ( نصر الله)؟ والجواب معناه نصر لا يليق إلا بالله ولا يليق أن يفعله إلا الله أو لا يليق إلا بحكمته ويقال هذا صنعة زيد إذا كان زيد مشهوراً بإحكام الصنعة ، والمراد منه تعظيم حال تلك الصنعة، فكذا ههنا، أو نصر الله لأنه إجابة لدعائهم (متى نصر الله) فيقول هذا الذى سألتموه . ١٥٢ قوله تعالى : إذا جاء نصر الله . سورة النصر . ﴿السؤال الرابع﴾ وصف النصر بالمجىء مجاز وحقيقته إذا وقع نصر الله فما الفائدة فى ترك الحقيقة وذكر المجاز؟ الجواب فيه إشارات: (إحداها) أن الأمور من بوطة بأوقاتها وأنه سبحانه قدر لحدوث كل حادث أسباباً معينة وأوقاتاً مقدرة يستحيل فيها التقدم والتأخر والتغير والتبدل فإذا حضر ذلك الوقت وجاء ذلك الزمان حضر معه ذلك الأثر وإليه الإشارة بقوله ( وإن من شی. إلا عندنا خزائنه ، وما تنزله إلا بقدر معلوم)، (وثانيها) أن اللفظ دل على أن النصر كان كالمشتاق إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك لأن ذلك النصر كان مستحقاً له بحكم الوعد فالمقتضى كان موجوداً إلا أن تخلف الأثر كان لفقدان الشبرط فكان كالثقيل المعلق فان ثقله يوجب الهوى إلا أن العلاقة مانعة فالتقيل يكون كالمشتاق إلى الهوى، فكذا ههنا النصر كان كالمشتاق إلى محمد صلى الله عليه وسلم (وثالثها) أن عالم العدم عالم لا نهاية له وهو عالم الظلمات إلا أن فى قعرها ينبوع الجود والرحمة وهو ينبوع جود الله وايجاده ، ثم انشعبت بحار الجمود والأنوار وأخذت فى السيلان، وسيلانها يقتضى فى كل حين وصولها إلى موضع ومكان معين فبحار رحمة الله ونصرته كانت آخذة فى السيلان من الأزل فكأنه قيل يا محمد قرب وصولها إليك ومجيتها إليك فإذا جاءتك أمواج هذا البحر فاشتغل بالتسبيح والتحميد والاستغفار فهذه الثلاثة هى السفينة التي لا يمكن الخلاص من بحار الربوبية إلا بها، ولهذا السبب لما ركب أبوك نوح بحر القهر والكبرياء استعان بقوله ( بسم الله مجراها ومرساها ). ﴿ السؤال الخامس) لاشك أن الذين أعانوا رسول الله ثم يتم على فتح مكة ثم الصحابة من المهاجرين والأنصار، ثم إنه سمى نصرتهم لرسول الله (نصر الله ) فما السبب فى أن صار الفعل الصادر عنهم مضافاً إلى اللّه؟ (الجواب) هذا بحر يتفجر منه بحر سر القضاء والقدر، وذلك لأن فعلهم فعل الله، وتقريره أن أفعالهم مسندة إلى ما فى قلوبهم من الدواعى والصوارف، وتلك الدواعى والصوارف أمور حادثة فلابد لها من محدث وليس هو العبد ، وإلا لزم التسلسل ، فلا بد وأن يكون الله تعالى، فيكون المبدأ الأول والمؤثر الأبعد هو الله تعالى، ويكون المبدأ الأقرب هو العبد . فمن هذا الاعتبار صارت النصرة المضافة إلى الصحابة بعينها مضافة إلى اللّه تعالى، فإن قيل فعلى هذا التقدير الذى ذكرتم يكون فعل العبد مفرعاً على فعل الله تعالى ، وهذا مخالف النص ، لأنه قال ( إن تنصروا الله ينصركم ) جعل نصرنا له مقدماً على نصره لنا (والجواب) أنه لا امتناع فى أن يصدر عن الحق فعل، فيصير ذلك سبباً لصدور فعل عنا، ثم الفعل عنا ينساق إلى فعل آخر يصدر عن الرب ، فإن أسباب الحوادث ومسبباتها متسلسلة على ترتيب مجيب يعجز عن إدراك كيفيته أكثر العقول البشرية . ﴿ السؤال السادس) كلمة (إذا) للمستقبل، فهنا لما ذكر وعداً مستقبلا بالنصر، قال (إذا جاء نصر الله) فذكر ذاته باسم الله، ولما ذكر النصر الماضى حين قال ( ولئن جاء نصر من ربك ١٥٣ قوله تعالى: والفتح . سورة النصر وَالْفَتْحُ ﴾ ليقولن) فذكره بلفظ الزب، فما السبب فى ذلك؟ ( الجواب ) لأنه تعالى بعد وجود الفعل صار رباً ، وقبله ما كان رباً لكن كان إلهاً . ﴿السؤال السابع) أنه تعالى قال (إن تنصروا الله ينصركم) وإن محمداً عليه السلام نصر الله حين قال ( يا أيها الكافرون ، لا أعبد ما تعبدون) فكان واجباً بحكم هذا الوعد أن ينصره اله، فلا جرم قال (إذا جاء نصر الله) فهل تقول بأن هذا النصر كان واجباً عليه؟ (الجواب) أن ماليس بواجب قد يصير واجباً بالوعد ، ولهذا قيل: وعد الكريم ألزم من دين الغريم ، كيف ويجب على الوالد نصرة ولده ، وعلى المولى نصرة عبده، بل يجب النصر على الأجنبى إذا تبين بأن كان واحداً اتفاقاً، وإن كان مشغولا بصلاة نفسه، ثم اجتمعت هذه الأسباب فى حقه تعالى فوعده مع الكرم وهو أرأف بعده من الوالد بولده والمولى بعبده وهو ولى بحسب الملك ومولى بحسب السلطنة ، وقيوم للتدبير وواحد فرد لا ثانى له فوجب عليه وجوب الكرم نصرة عبده، فاهذا قال (إذا جاء نصر الله ). قوله تعالى: ﴿ والفتح﴾ ففيه مسائل : المسألة الأولى﴾ نقل عن ابن عباس أن الفتح هو فتحمكة وهو الفتح الذى يقال له فتح الفتوح روی أنه لما كان صلح الحديبية وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أغار بعض من كان فى عهد قريش على خزاعة وكانوا فى عهد رسول اللّه ومؤلائم جاء سفير ذلك القوم وأخبر رسول الله ومؤللم فعظم ذلك عليه ، ثم قال أما إن هذا العارض ليخبرنى أن الظفر يجىء من اللّه، ثم قال لأصحابه انظروا فان أبا سفيان يجىء ويلتمس أن يجدد العهد فلم تمض ساعة أن جاء الرجل ملتمساً لذلك فلم يجبه الرسول ولا أكابر الصحابة فالتجأ إلى فاطمة فلم ينفعه ذلك ورجع إلى مكة آيساً وتجهز رسول الله يريتم إلى المسير لمكة ، ثم يروى أن سارة مولاة بعض فى هاشم أتت المدينة فقال عليه السلام لها جئت مسلمة؟ قالت لالكن كنتم الموالى وبى حاجة ، حث عليها رسول الله بنى عبد المطلب فكسوها وحملوها وزودوها فأتاها حاطب بعشرة دنانير واستحملها كتاباً إلى مكة نسخته: اعلموا أن رسول الله يريد كم خذوا حذركم، خرجت سارة ونزل جبريل بالخبر، فبعث رسول اللّه ◌َ الي علياً عليه السلام وعماراً فى جماعة وأمرهم أن يأخذوا الكتاب وإلا فاضربوا عنقها، فلما أدركوها جحدت وحلفت فسل على عليه السلام سيفه، وقال الله ما كذبنا فأخرجته من عقيصة شعرها، واستحضر التى حاطباً وقال ما حملك عليه؟ فقال والله ما كفرت منذ أسلمت ولا أحببتهم منذ فارقتهم ، لكن كنت غريباً فى قريش وكل من معك من المهاجرين لهم قرابات بمكة يحمون أهاليهم لخشيت على أهلى فأردت أن أتخذ عندهم يداً ، فقال عمر دعني أضرب عنق هذا المنافق ١٥٤ قوله تعالى : إذا جاء نصر الله والفتح . سورة النصر . فقال وما يدريك ياعمر لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال اعملو ما شئتم فقد غفرت لكم ففاضت عينا عمر ، ثم خرج رسول الله إلى أن نزل بمر الظهران ، وقدم العباس وأبو سفيان إليه فاستأذنا فأذن لعمه خاصة فقال أبو سفيان ، إما أن تأذن لى وإلا أذهب بولدى إلى المفازة فيموت جوعاً وعطشاً فرق قلبه ، فأذن له وقال له : ألم يأن أن تسلم وتوحد ؟ فقال أظن أنه واحد ، ولو كان ههنا غير اللّه لنصرنا، فقال: ألم يأن أن تعرف أنى رسوله ؟ فقال إن لى شكا فى ذلك، فقال العباس: أسلم قبل أن يقتلك عمر، فقال: وماذا أصنع بالعزى، فقال عمر لولا أنك بين يدى رسول الله لضربت عنفك، فقال: يا محمد أليس الأولى أن تترك هؤلاء الأوباش وتصالح قومك وعشيرتك، فسكان مكة عشيرتك وأفاربك، و [ لا] تعرضهم للشن والغارة ، فقال عليه السلام: هؤلاء نصرونى وأعانونى وذبوا عن حريمى، وأهل مكة أخر جونى وظلونى، فإن هم أسروا فبسوء صنيعهم، وأمر العباس بأن يذهب به ويوقفه على المرصاد ليطالع العسكر ، فكانت الكتيبة تمر عليه ، فيقول من إهذا؟ فيقول العباس هو فلان من أمراء الجند إلى أن جاءت الكتيبة الخضراء التى لا يرى منها إلا الحدق، فسأل عنهم، فقال العباس: هذا رسول اللّه، فقال: لقد أوتى ابن أخيك ملكا عظيما، فقال العباس: هو النبوة، فقال هيهات النبوة ، ثم تقدم ودخل مكة ، وقال إن محمداً جاء بعسكر لا بطيقه أحد، فصاحت هند وقالت: اقتلوا هذا المبشر، وأخذت بلحيته فصاح الرجل ودفعها عن نفسه ، ولما سمع أبو سفيان أذان القوم للفجر ، وكانوا عشرة آلاف فزع لذلك فزعا شديداً وسأل العباسى ، فأخبره بأمر الصلاة ، ودخل رسول الله مكة على راحلته ولحيته على قربوس سرجه كالساجد واضعاً وشكراً، ثم التمس أبو سفيان الأمان ، فقال من دخل دار أبى سفيان فهو آمن ، فقال: ومن تسع دارى ، فقال: ومن دخل المسجد فهو آمن فقال: ومن يسع المسجد، فقال: من ألقى سلاحة فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن ، ثم وقف رسول اللّه مَّ المع على باب المسجد، وقال: لا إله إلا الله وحده صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده، ثم قال: يا أهل مكة ماترون إنى فاعل بكم، فقالوا خيرا اخ كريم وابن أخ كريم ، فقال اذهبوا فأنتم الطلقاء فاعتقهم، فلذلك سمى أهل مكة الطلها. ومن ذلك كان على عليه السلام يقول لمعاوية أبى يسترى المولى والمعتق يعنى اعتقنا كم حين مكننا الله من رقابكم ولم يقل اذهبوا فأنتم معتقون ، بل قال: الطلقاء ، لأن المعتق بجوز أن يرد إلى الرق ، والمطلقة بجوز تعاد إلى رق النكاح وكانوا بعد على الكفر ، فكان بحوز أن يخونوا فيستباح رقهم مرة أخرى ولأن الطلاق بخص النسوان، وقد ألقوا السلاح وأخذوا المساكن كالنسوان، ولأن المعتق يخلى سبيله ذهب حيث شاء، والمطلقة تجلس فى البيت للعدة، وهم أمروا بالجلوس بمكة كالنسوان، ثم إن القوم بايعيا رسول الله لي لتر على الإسلام، فصاروا يدخلون فى دين الله أفواجا، روى أنه عليه السلام صلى ثمان ركعات: أربعة صلاة الضحى، وأربعة أخرى شكرا لله نافلة، فهذا هو ١٥٥ قوله تعالى : ورأيت الناس . سورة النصر . وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِ دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا قصة فتح مكة، والمشهور عند المفسرين أن المراد من الفتح فى هذه السورة هو فتح مكة، وما يدل على أن المراد بالفتح فتح مكة أنه تعالى ذكره مقروناً بالنصر. وقد كان يجد النصر دون الفتح كبدر، والفتح ذون النصر كاجلاء بنى النضير، فإنه فتح البلد لكن لم يأخذ القوم، أما يوم فتح مكة اجتمع له الأمران النصر والفتح، وصار الخلق له كالأرقاء حتى أعتقهم ( القول الثانى ) أن المراد فتح خيبر ، وكان ذلك على يد على عليه السلام ، والقصة مشهورة ، روى أنه أستصحب خالد بن الوليد ، وكان يساميه فى الشجاعة ، فلما نصب السلم قال لخالد: أنتقدم ؟ قال لا ، فلما تقدم على عليه السلام سأله كم صعدت؟ فقال لا أدزى لشدة الخوف ، وروى أنه قال لعلى عليه السلام ألا تُصارعنى ، فقال ألست صرعتك؟ فقال نعم لكن ذلك قبل إسلامى، ولعل علياً عليه السلام إنما امتنع عن مصارعته ليقع صيته فى الإسلام أنه رجل يمتنع عنه على ، أو كان على يقول صرعتك حين كنت كافراً، أما الآن وأنت مسلم فلا يحسن أن أصرعك (القول الثالث) أنه فتح الطائف وقصته طويلة ( والقول الرابع) المراد النصر على الكفار"، وفتح بلاد الشرك على الإطلاق ، وهو قوله أبى مسلم ( والقول الخامس) أراد بالفتح ما فتح الله عليه من العلوم، ومنه قوله ( وقل رب زدنى علماً) لكن حصول العلم لابد وأن يكون مسبوقاً بانشراح الصدر وصفاء القلب، وذلك هو المراد من قوله ( إذا جاء نصر الله) ويمكن أن يكون المراد بنصر الله اعانته على الطاعات والخيرات ، والفتح هو انتفاع عالم المعقولات والروحانيات. ﴿ المسألة الثانية﴾ إذا حملنا الفتح على فتح مكة ، فللناس فى وقت نزول هذه السورة قولان (أحدهما) أن فتح مكة كان سنة ثمان، ونزلت هذه السورة سنة عشر ، وروی أنه عاش بعد نزول هذه السورة سبعين يوماً، ولذلك سميت سورة التوديع (والقول الثانى) أن هذه السورة نزات قبل فتح مكة، وهو وعد لرسول الله أن ينصره على أهل مكة، وأن يفتحها عليه، ونظيره قوله تعالى ( إن الذى فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد) وقوله ( إذا جاء نصر الله والفتح) يقتضى الاستقبال ، إذ لا يقال فيما وقع: إذا جاء وإذا وقع، وإذا صح هذا القول صارت هذه الآية من جملة المعجزات من حيث إنه خبر وجد مخبره بعد حين مطابقاً له ، والإخبار عن الغيب معجز (فإن قيل) لم ذكر النصر مضافاً إلى الله تعالى، وذكر الفتح بالألف واللام؟ (الجواب) الألف واللام للمعهود السابق ، فينصرف إلى فتح مكة . قوله تعالى: ﴿ورأيت الناس يدخلون فى ديد الله أفواجاً﴾ فيه مسائل: المسألة الأولى﴾ رأيت يحتمل أن يكون معناه أبصرت، وأن يكون معناه علمت ، فإن كان معنا، أبصرت كان يدخلون فى محل النصب على الحال، والتقدير: ورأيت الناس حال دخولهم ١٥٦ قوله تعالى : ورأيت الناس . سورة النصر . فى دين الله أفواجاً، وإن كان معناه علمت كان يدخلون فى دين الله مفعولا ثانياً لعلمت، والتقدير: علمت الناس داخلین فی دین اله . ﴿ المسألة الثانية) ظاهر لفظ الناس للعموم، فيقتضى أن يكون كل الناس كانوا قد دخلوا فى الوجود مع أن الأمر ما كان كذلك ( الجواب ) من وجهين ( الأول ) أن المقصود من الإنسانية والعقل ، إنما هو الدين والطاعة ، على ما قال ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) فمن أعرض عن الدين الحق وبقى على الكفر، فكانه ليس بإنسان، وهذا المعنى هو المراد من قوله ( أولئك كالأنعام بل هم أضل ) وقال (آمنوا كما آمن الناس ) وسئل الحسن بن على عليه السلام. من الناس؟ فقال نحن الناس، وأشياعنا أشباه الناس، وأعداؤنا النسناس، فقبله على عليه السلام بين عينيه ، وقال الله أعلم حيث يجعل رسالته،. فإن قيل إنهم إنما دخلوا فى الإسلام بعد مدة طويلة وتقصير كثير ، فكيف استحقوا هذا المدح العظيم ؟ فلنا هذا فيه إشارة إلى سعة رحمة الله، فإن العبد بعد أن أتى بالكفر والمعصية طول عمره، فإذا أتى بالإيمان فى آخر عمره يقبل إيمانه، ويمدحه هذا المدح العظيم، ويروى أن الملائكة يقولون لمثل هذا الإنسان: أتيت وإن كنت قد أبيت. ويروى أنه عليه السلام قال «لله أفرح بتوبة أحدكم من الضال الواجد ، والظمآن الوارد )» والمعنى كان الرب تعالى يقول ربيته سبعين سنة ، فإن مات على كفره فلا بد وأن أبعثه إلى النار ، فيفئذ يضيع إحسانى إليه فى سبعين سنة، فكلما كانت مدة الكفر والعصيان أكثر كانت التوبة عنها أشد قبولا (الوجه الثانى) فى الجواب، روى أن المراد بالناس أهل اليمن، قال أبو هريرة؛ لما نزلت هذه السورة، قال رسول برقم ((الله أكبر جاء نصر الله والفتح، وجاء أهل اليمن قوم رقيقة قلوبهم الإيمان يمان والفقه يمان والحكمة يمانية ، وقال أجد نفس ربكم من قبل اليمن )). ﴿ المسألة الثالثة﴾ قال جمهور الفقهاء وكثير من المتكلمون إن إيمان المقلد صحيح، واحتجوا بهذه الآية، قالوا إنه تعال حكم بصحة إيمان أولئك الأفواج وجعله من أعظم المتن على محمد عليه السلام، ولو لم يكن إيمانهم صحيحاً لما ذكره فى هذا المعرض. ثم أنا نعلم قطعاً أنهم ما كانوا عالمين حدوث الأجساد بالدليل ولا إثبات كونه تعالى منزها عن الجسمية والمكان والخيز ولا إثبات كونه تعالى عالماً بجميع المعلومات التى لا نهاية لها ولا إثبات قيام المعجز التام على يد محمد صلى الله عليه وسلم، ولا إثبات أن قيام المعجز كيف يدل على الصدق والعلم بأن أولئك الأعراب ما كانوا عالمين بهذه الدقائق ضرورى ، فعلمنا أن إيمان المقلد صحيح ، ولا يقال إنهم كانوا عالمين بأصول دلائل هذه المسائل لأن أصول هذه الدلائل ظاهرة ، بل إنما كانوا جاهلين بالتفاصيل إلا أنه ليس من شرط كون الإنسان مستدلا كونه عالماً بهذه التفاصيل،، لأنا نقول إن الدليل لا يقبل الزيادة والنقصان ، فإن الدليل إذا كان مثلا مركباً من عشر مقدمات، فمن على تسعة ١٥٧ قوله تعالى : ورأيت الناس . سورة النصر . منها ، وكان فى المقدمة العاشرة مقلداً كان فى النقيجة مقلداً لا محالة لأن فرع التقليد أولى أن يكون تقليداً وإن كان عالماً بمجموع تلك المقدمات العشرة استحال كون غيره أعرف منه بذلك الدليل ، لأن تلك الزيادة إن كانت جزأ معتبراً فى دلالة هذا الدليل لم تكن المقدمات العشرة الأولى تمام الدليل ، فإنه لابد معها من هذه المقدمة الزائدة ، وقد كنا فرضنا تلك العشرة كافية ، وإن لم تكن الزيادة معتبرة فى دلالة ذلك الدليل كان ذلك أمراً منفصلا عن ذلك الدليل غير معتبر فى كونه دليلا على ذلك المدلول ، فثبت أن العلم بكون الدليل دليلا لا يقبل الزيادة والنقصان ، فأما أن يقال إن أولئك الأعراب كانوا عالمين بجميع مقدمات دلائل هذه المسائل بحيث ما شذ عنهم من تلك المقدمات واحدة، وذلك مكابرة أو ما كانوا كذلك. حينئذ ثبت أنهم كانوا مقلدين، وما يؤكد ماذكرنا ماروى عن الحسن أنه قال لما فتح رسول الله مكة أقبلت العرب بعضها على بعض فقالوا إذا ظفر بأهل الحرم وجب إن يكون على الحق ، وقد كان الله أجارهم من أصحاب الفيل، وكل من أرادهم بسوء ثم أخذوا يدخلون فى الإسلام أفواجاً من غير قتال ، هذا مارواه الحسن ، ومعلوم أن الاستدلال بأنه لما ظفر بأهل مكة وجب أن يكون على الحق ليس بجيد، فعلمنا أنهم ما كانوا مستدلين بل مقلدين . ﴿ المسألة الرابعة﴾ دين الله هو الاسلام لقوله تعالى (إن الدين عند الله الإسلام) ولقوله (.ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه) وللدين أسماء أخرى، منها الإيمان قال الله تعالى ( فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين:) ومنها الصرط قال تعالى (صراط الله الذى له ما فى السموات وما فى الأرض) ومنها كلمة اللّه، ومنها النور (ليطفئوا نور الله) ومنها الهدى لقوله (يهدى به من يشاء) ومنها العروة (فقد استمسك بالعروة الوثقى) ومنها الحبل ( واعتصموا بحبل الله) ومنها صبغة اللّه، وفطرة الله، وإنما قال ( فى دين الله) ولم يقل فى دين الرب، ولا سائر الأسماء لوجهين (الأول) أن هذا الاسم أعظم الأسماء لدلالته على الذات والصفات ، فكأنه يقول هذا الدين إن لم يكن له خصلة سوى أنه دين الله فإنه يكون واجب القبول ( والثانى) لو قال دين الرب لكان يشعر ذلك بأن هذا الدين إنما يجب عليك قبوله لأنه رباك، وأحسن إليك وحينئذ تكن طاعتك له معللة بطلب النفع، فلا يكون الإخلاص حاصلا، فكأنه يقول أخلص الخدمة بمجرد أنى إله لا لنفع يعود إليك . ﴿ المسألة الخامسة﴾ الفوج الجماعة الكثيرة كانت تدخل فيه القبيلة بأسرها بعد ما كانوا يدخلون فيه واحداً واحداً وإثنين إثنين، وعن جابر بن عبد الله أنه بكى ذات يوم فقيل له ما يبكيك فقال سمعت رسول اللّه ◌ِ لثم يقول ((دخل الناس فى دين الله أفواجاً، وسيخرجون منه أفواجاً)) نعوذ بالله من السلب بعد العطاء. ١٥٨ قوله تعالى : فسبح بحمد ربك . سورة النصر . فَسَبِّحْ مَجْدِ رَبِّكَ وَأَسْتَغْفِرُهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًاً قوله تعالى: ﴿ فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا﴾ فيه مسائل: المسألة الأولى ﴾ أنه تعالى أمره بالتسبيح ثم بالحمد ثم بالاستغفار، ولهذا الترتيب فوائد: الفائدة الأولى) اعلم أن تأخير النصر سنين مع أن محمداً كان على الحق مما يثقل على القلب ويقع فى القلب أنى إذا كنت على الحق فلم لا تنصرنى ولم سلطت هؤلاء الكفرة على فلأجل الاعتذار عن هذا الخاطر أمر بالتسبيح ، أما عل قولنا فالمراد من هذا التنزيه أنك منزه عن أن يستحق أحد عليك شيئاً بل كل ما تفعله فإنما تفعله بحكم المشيئة الإلهية فلك أن تفعل ما تشاء كما تشاء ففائدة التسبيح تنزيه الله عن أن يستحق عليه أحد شيئاً، وأما على قول المعتزلة مافائدة التنزيه هو أن يعلم العبد أن ذلك التأخير كان بسبب الحكمة والمصلحة لا بسبب البخل وترجيح الباطل على الحق ، ثم إذا فرغ العبد عن تنزيه الله عما لا ينبغى فينئذ يشتغل بحمده على ما أعطى من الإحسان والبر، ثم حينئذ يشتغل بالاستغفار لذنوب نفسه ( الوجه الثانى) أن السائرين طريقين فمنهم من قال مارأيت شيئاً إلا ورأيت الله بعده، ومنهم من قال ما رأيت شيئاً إلا ورأيت اللّه قبله، ولا شك أن هذا الطريق أكمل، أما بحسب المعالم الحكمية، فلأن النزول من المؤثر إلى الأثر أجل مرتبة من الصعود من الأثر إلى المؤثر، وأما بحسب أفكار أرباب الرياضات فلأن ينبوع النور هو واحب الوجود وينبوع الظلمة ممكن الوجود ، فالاستغراق فى الأول يكون أشرف لا محالة ، ولأن الاستدلال بالأصل على التبع يكون أقوى من الاستدلال بالتبع على الأصل، وإذا ثبت هذا فنقول: الآية دالة على هذه الطريقة التى هى أشرف الطريقين وذلك لأنه قدم الاشتغال بالخالق على الاشتغال بالنفس فذكر أولا من الخالق أمرين (أحدهما ) التسبيح ( والثانى ) التحميد ، ثم ذكروا فى المرتبة الثالثة الاستغفار وهو حالة مزوجة من الالتفات إلى الخالق وإلى الخلق . واعلم أن صفات الحق محصورة فى السلب والإيجاب والنفى والإثبات والسلوب مقدمة على الإيجابات فالتسبيح إشارة إلى التعرض للصفات السلبية التى لواجب الوجود وهى صفات الجلال ، والتحميد إشارة إلى الصفات الثبوتية له ، وهى صفات الإكرام ، ولذلك فإن القرآن يدل على تقدم الجلال على الإكرام ، ولما أشار إلى هذين النوعين من الاستغفار بمعرفة واجب الوجود نزل منه إلى الاستغفار لأن الاستغفار فيه رؤية قصور النفس ، وفيه رؤية جود الحق، وفية طلب لما هو الأصلح والأكمل للنفس ، ومن المعلوم أن بقدر اشتغال العبد بمطالعة غير الله يبقى محروماً عن مطالعة حضرة جلال الله، فلهذه الدقيقة أخر ذكر الاستغفار عن التسبيح والتحميد (الوجه الثالث) أنه إرشاد للبشر إلى القشبه بالملكية، وذلك لأن أعلى كل نوع أسفل ١٥٩ قوله تعالى : فسبح بحمد ربك . سورة النصر . متصل بأسفل النوع الأعلى ولهذا قيل آخر مراتب الإنسانية أول مراتب الملكية ثم الملائكة ذكروا فى أنفسهم (ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك) فقوله ههنا (فسبح بحمد ربك) إشارة إلى التشبه بالملائكة فى قولهم(ونحن نسبح بحمدك) وقوله ههنا (واستغفره) إشارة إلى قوله تعالى (ونقدس لك) لأنهم فسروا قوله ( ونقدس لك) أى نجعل أنفسنا مقدسة لأجل رضاك والاستغفار يرجع معناه أيضا إلى تقديس النفس ، ويحتمل أن يكون المراد أنهم ادعوا لأنفسهم أنهم سبحوا بحمدى ورأوا ذلك من أنفسهم ، وأما أنت فسبح بحمدى واستغفر من أن ترى تلك الطاعة من نفسك بل يجب أن تراها من توفيقى وإحسانى، ويحتمل أن يقال الملائكة كما قالوا فى حق أنفسهم (ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك) قال الله فى حقهم (ويستغفرون للذين آمنوا) فانت يا محمد استغفر للذين جاؤا أفواجاً كالملائكة يستغفرون للذين آمنوا ويقولون (ربنا فاغفر للذين تابعوا واتبعوا سبيلك) (الوجه الرابع) التسبيح هو التطهير، فيحتمل أن يكون المراد طهر الكعبة من الأصنام وكسرها ثم قال (بحمد ربك) أن ينبغى أن يكون إقدامك على ذلك التطهير بواسطة الاستغفار بحمد ربك ، وإعانته وتقويته، ثم إذا فعلت ذلك فلا ينبغى أن ترى نفسك آتياً بالطاعة اللائقة به ، بل يجب أن ترى نفسك فى هذه الحاله مقصرة ، فاطلب الاستغفار عن تقصيرك فى طاعته (والوجه الخامس) كانه تعالى يقول يا محمد إما أن تكون معصوماً أو لم تكن معصوماً فإن كنت معصوما فاشتغل بالتسبيح والتحميد ، وإن لم تكن معصوماً فاشتغل بالاستغفار فتكون الآية كالتنبيه على أنه لافراغ عن التكليف فى العبودية كما قال (واعبد ربك حتى يأتيك اليقين). المسألة الثانية﴾ فى المراد من التسبيح وجهان (الأول) أنه ذكر الله بالتنزه سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه فقال تنزيه الله عن كل سوء وأصله من سبح فإن السابح يسبح فى الماء كالطير فى الهواء ويضبط نفسه من أن يرسب فيه فيهلك أو يتلوث من مقر الماء ومجراه والتشديد للتبعيد لأنك تسبحه أى تبعده عما لا يجوز عليه، وإنما حسن استعماله فى تنزيه الله عما لا يجوز عليه من صفات الذات والفعل نفياً وإثباتاً لأن السمكة كما أنها لا تقبل النجاسة فكذا الحق سبحانه لا يقبل مالا ينبغى البتة فاللفظ يفيد التنزيه فى الذات والصفات والأفعال ( والقول الثانى) أن المراد بالتسبيح الصلاة لأن هذا اللفظ وارد فى القرآن بمعنى الصلاة قال تعالى (فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون) وقال (فسح بحمد ربك قبل طلوع الشمس) والذى يؤ كده أن هذه السورة من آخر ما نزل، وكان عليه السلام فى آخر مرضه يقول ((الصلاة وما ملكت أيمانكم)) جعل يلجلجها فى صدره وما يقبض بها لسانه ، ثم قال بعضهم : عنى به صلاة الشكر صلاها يوم الفتح ثمان ركعات)) وقال آخرون هى صلاة الضحى، وقال آخرون: صلى ثمان ركعات أربعة للشكر وأربعة الضحى وتسمية الصلاة بالتسبيح لما أنها لا تنفك عنه (وفيه تنبيه) على أنه يجب تنزيه صلاتك عن أنواع النقائص فى الأقوال والأفعال، واحتج : ١٦٠ قوله تعالى : فسبح بحمد ربك . سورة النصر . أصحاب القول الأول بالأخبار الكثيرة الواردة فى ذلك ، روت عائشة كان رسول الله صلى اللّه عليه وسلم بعد نزول هذه السورة يكثر أن يقول سبحانك اللهم وبحمدك أستغفرك وأتوب إليك ، وقالت أيضاً كان الرسول يقول كثيراً فى ركوعه سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفرلى وعنها أيضاً كان فى اللّه فى آخر أمره لا يقوم ولا يقعد ولا يذهب ولا يجىء إلا قال سبحان الله وبحمده فقلت يارسول الله إنك تكثر من قوله سبحان الله وبحمده قال إنى أمرت بها، وقرأ (إذا جاء نصر الله) وعن ابن مسعود ((لما نزلت هذه السورة كان عليه السلام يكثر أن يقول سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لى إنك أنت التواب الغفور)) وروى أنه قال (( إنى لأستغفر الله كل يوم مائة مرة)). المسألة الثالثة) الآية تدل على فضل التسبيح والتحميد حيث جعل كافياً فى أداء ما وجب عليه من شكر نعمة النصر والفتح، ولم لا يكون كذلك وقوله («الصوم لى)) من أعظم الفضائل للصوم فانه أضافه إلى ذاته ، ثم إنه جعل صدف الصلاة مساوياً للصوم فى هذا التشريف (وأن المساجد لله) فهذا يدل على أن الصلاة أفضل من الصوم بكثير ، ثم إن الصلاة صدف للأذكار ولذلك قال (ولذكر الله أكبر) وكيف لا يكون كذلك، والثناء عليه مامدحه معلوم عقلا وشرعاً أما كيفية الصلاة فلا سبيل إليها إلا بالشرع ولذلك جعلت العملاة كالمرصعة من التسبيح والتكبير. فإن قيل عدم وجوب التسبيحات يقتضى أنها أقل درجة من سائر أعمال الصلاة . قلنا الجواب عنه من وجوه: (أحدها) أن سائر أفعال الصلاة »، لا يميل القلب إليه فاحتيج فيها إلى الإيجاب أما التسبيح والتهليل فالعقل داع إليه والروح عاشق عليه فا كتفى بالحب الطبيعى ولذلك قال (والذين آمنوا أشد حباً لله)، (وثانيها) أن قوله (فسبح) أمر والأمر المطلق للوجوب عند الفقهاء ، ومن قال الأمر المطلق للندب قال إنه ههنا للوجوب بقرينة أنه عطف عليه الاستغفار والاستغفار واجب ومن حق العطف التشريك بين والمعطوف والمعطوف عليه ( وثالثها ) أنها لو وجبت لكان العقاب الحاصل بتركها أعظم إظهاراً لمزيد تعظيمها فترك الإيجاب خوفاً من هذا المحذور . المسألة الرابعة﴾ أما الحمد فقد تقدم تفسيره، وأما تفسير قوله (فسبح بحمد ربك) فذكروا فيه وجوهاً: (أحدها) قال صاحب الكشاف أى قل (سبحان الله والحمد الله) متعجباً بما أراك من عجيب انعامه أى اجمع بينهما تقول شربت الماء باللبن إذا جمعت بينهما خلطاً وشرباً (وثانيها ) أنك إذا حمدت الله فقد سبحته لأن التسبيح داخل فى الحمد لأن الثناء عليه والشكر له لابد وأن يتضمن تنزيهه عن النقائص لأنه لا يكون مستحقاً للثناء إلا إذا كان منزهاً عن النقص ولذلك جعل مفتاح القرآن بالحمد لله وعند فتح مكة قال الحمد لله الذى نصر عبده ؟ ولم يفتح كلامه بالتسبيح فقوله (فسبح بحمد ربك ) معناه سبحه بواسطة أر تحمده أى سبحه بهذا الطريق ( وثالثها )