Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
قوله تعالى : إنا أعطيناك الكَوْثَر . سورة الكَوْثَر .
الله وشرح جلاله، وهو سوره (قل هو الله أحد) ثم أتبعه بذكر مراتب مخلوقاته فى سورة (قل أعوذ
برب الفلق ) ثم ختم الأمر بذكر مراتب النفس الإنسانية، وعند ذلك ختم الكتاب، وهذه الجملة
إنما يتضح تفصيلها عند تفسير هذه السورة على التفصيل، فسبحان من أرشد العقول إلى معرفة هذه
الأسرار الشريفة المودعة فى كتابه الكريم.
﴿الفائدة الثانية) فى قوله ( إنا أعطيناك الكوثر ) هى أن كلمة (إنا ) قارة يراد بها الجمع
وتارة يراد بها التعظيم .
أما (الأول) فقد دل الدليل على أن الإله واحد ، فلا يمكن حمله على الجمع، إلا إذا أريد أن هذه
العطية ما سعى فى تحصيلها الملائكة وجبريل وميكائيل والأنبياء المتقدمون ، حين سأل إبراهيم
إرسالك، فقال (ربنا وابعث فيهم رسولا منهم) وقال موسى: رب اجعلى من أمة أحمد. وهو المراد
من قوله ( وما كنت بجانبى الغربى إذ قضينا إلى موسى الأمر) وبشر بك المسيح فى قوله (وم بشراً
برسول يأتى من بعدى اسمه أحمد ).
وأما (الثانى) وهو أن يكون ذلك محمولا على التعظيم، ففيه تنبيه على عظمة العطية لأن الواهب
هو جبار السموات والأرض والموهوب منه، هو المشار إليه بكاف الخطاب فى قوله تعالى( إنا
أعطيناك) والهبة هى الشىء المسعى بالكوثر، وهو ما يفيد المبالغة فى الكثرة، ولما أشعر اللفظ
بعظم الواهب والموهوب منه والموهوب ، فيالها من نعمة ما أعظمها، وما أجلها ، وياله من
تشريف ما أعلاه .
﴿ الفائدة الثالثة) أن الهدية وإن كانت قليلة لكنها بسبب كونها واصلة من المهدى العظيم
تصير عظيمة ، ولذلك فإن الملك العظيم إذا رمى تفاحة لبعض عبيده على سبيل الإكرام يعد ذلك
إكراماً عظيما ، لا لأن لذة الهدية فى نفسها ، بل لأن صدورها من المهدى العظيم يوجب كونها
عظيمة، فههنا الكوثر وإن كان فى نفسه فى غاية الكثرة، لكنه بسبب صدوره من ملك الخلائق
بزداد عظمة وكالا .
(الفائدة الرابعة) أنه لما قال (أعطيناك") قرن به قرينة دالة على أنه لا يسترجعها، وذلك
لأن من مذهب أبي حنيفة أنه يجوز الأجنى أن يسترجع موهوبه، فإن أخذ عوضاً وإن قل لم
يجز له ذلك الرجوع، لأن من وهب شيئاً يساوى ألف دينار إنساناً، ثم طلب منه مشطاً يساوى
فلساً فأعطاه ، سقط حق الرجوع فيهنا لما قال (إنا أعطيناك الكوثر) طلب منه الصلاة والنحر
وفائدته إسقاط حق الرجوع .
﴿ الفائدة الخامسة) أنه بنى الفعل على المبتدأ، وذلك يفيد التأكيد والدليل عليه أنك لما
ذكرت الاسم المحدث عنه عرف العقل أنه يخبر عنه بأمر فيصبر مشتاماً إلى معرفة أنه بماذا يخبر
عنه ، فإذا ذكر ذلك الخبر قبله قبول العاشق لمعشوقه ، فيكون ذلك أبلغ فى التحقيق ونفى الشبهة

١٢٢
قوله تعالى : إنا أعطينا الكوثر . سورة الكَوْثَر .
ومن ههنا تعرف الفخامة فى قوله (فإنها لا تعمى الأبصار ) فإنه أكثر خامة مما لو قال فإن
الأبصار لا تعمى، وبما يحقق قولنا قول الملك العظيم لمن يعده ويضمن له: أنا أعطيك، أنا أكفيك،
أنا أقوم بأمرك. وذلك إذا كان الموعود به أمراً عظيما. فلما تقع المسامحة به فعظمه يورث الشك
فى الوفاء به ، فإذا أسند إلى المتكفل العظيم، حينئذ يزول ذلك الشك ، وهذه الآية من هذا الباب
لأن الكوثر شىء عظيم، قلما تقع المسامحة به. فلما قدم المبتدأ، وهو قوله ( إنا ) صار ذلك الإسناد
، زيلا لذلك الشك ودافعاً لتلك الشبهة .
( الفائدة السادسة) أنه تعالى صدر الجملة بحرف التأكيد الجارى مجرى القسم، وكلام
الصادق مصون عن الخلف ، فكيف إذا بالغ فى التأكيد.
الفائدة السابعة) قال (أعطيناك) ولم يقل سنعطيك لأن قوله (أعطيناك) يدل على
أن هذا الإعطاء كان حاصلا فى الماضى ، وهذا فيه أنواع من الفوائد (إحداما) أن من كان فى
الزمان الماضى أبداً عزيزاً مرعى الجانب مقضى الحاجة أشرف ممن سيصير كذلك، ولهذا قال عليه
السلام (( كنت نبياً وآدم بين الماء والطين)) (وثانيها) أنها إشارة إلى أن حكم الله بالإسعاد
والإشقاء والاغناء والإفقار، ليس أمراً يحدث الآن، بل كان حاصلا فى الأزل (وثالثها) كأنه
يقول إنا قد هيأنا أسباب سعادتك قبل دخولك فى الوجود فكيف نهمل أمرك بعد وجودك
واشتعالك بالعبودية! (ورابعها) كانه تعالى يقول نحن ما اخترناك وما فضلناك، لأجل طاعتك،
وإلا كان يجب أن لا نعطيك إلا بعد إقدامك على الطاعة، بل إنما اخترناك بمجرد الفضل
والاحسان منا إليك من غير موجب، وهو إشارة إلى قوله عليه الصلاة والسلام ((قبل من قبل
لا لعلة ، ورد من رد لا لعلة ».
﴿ الفائدة الثامنة) قال (أعطيناك) ولم يقل أعطينا الرسول أو النى أو العالم أو المطيع،
لأنه لو قال ذلك لأشعر أن تلك العطية وقعت معللة بذلك الوصف، فلما قال (أعطيناك) علم أن
تلك العطية غير معللة بعلة أصلا بل هى محض الاختيار والمشيئة، كما قال ( نحن قسمنا، الله يسطفى
من الملائكة رسلا و من الناس).
﴿ الفائدة التاسعة) قال أولا (إنا أعطيناك) ثم قال ثانياً (فصل لربك وانحر) وهذا يدل
على أن إعطاه للتوفيق والإرشاد سابق على طاعاتنا ، وكيف لا يكون كذلك وإعطاؤه إيانا
صفته وطاعتنا له صفتنا، وصفة الخلق لا تكون مؤثرة فى صفة الخالق إنما المؤثر هو صفة الخالق
فى صفة الخلق، ولهذا نقل عن الواسطى أنه قال لا أعبد رباً يرضيه طاعتى ويسخطه معصينى.
ومعناه أن رضاه وسخطه قديمان وطاعتى ومعصيتى محدثتان والمحدث لا أثر له فى قديم ، بل
رضاه عن العبد هو الذى حمله على طاعته فيما لا يزال، وكذا القول فى السخط والمعصية.
( الفائدة العاشرة) قال (أعطيناك الكوثر) ولم يقل آتيناك الكوثر، والسبب فيه أمران

١٢٣
قوله تعالى: إنا أعطيناك الكَوْثَر. سورة الكَوْثَر .
(الأول) أن الإيتاء يحتمل أن يكون واجباً وأن يكون تفضلا ، وأما الإعطاء فانه بالتفضل
أشبه فقوله ( إنا أعطيناك الكوثر ) يعنى هذه الخيرات الكثيرة وهى الإسلام والقرآن والنبوة
والذكر الجميل فى الدنيا والآحرة ، محض التفضل منا إليك وليس منه شىء على سبيل الاستحقاق
والوجوب، وفيه بشارة من وجهين (أحدهما ) أن الكريم اذا شرع فى التربية على سبيل التفضل ،
فالظاهر أنه لا يبطلها ، بل كان كل يوم يزيد فيها ( الثانى ) أن ما يكون سبب الاستحقاق ، فإنه
يتقدر بقدر الاستحقاق ، وفعل العبد متناه ، فيكون الاستحقاق الحاصل بسببه متناهياً ، أما
التفضل فإنه نتيجة كرم الله، وكرم الله غير متناه ، فيكون تفضله أيضاً غير متناه ، فما دل
قوله ( أعطيناك) على أنه تفضل لا استحقاق أشعر ذلك بالدوام والتزايد أبداً. فإن قيل: أليس
قال (آتيناك سبعاً من المثانى)؟ قلنا الجواب من وجهين (الأول) أن الإعطاء يوجب التمليك، والملك
سبب الاختصاص ، والدليل عليه أنه لما قال سليمان (هب لى ملكاً) فقال ( هذا عطاؤنا قامنن
أو أمسك) ولهذا السبب من حمل الكوثر على الحوض قال: الأمة تكون أضيافاً له ، أما الإيتاء
فإنه لا يفيد الملك ، فلهذا قال فى القرآن (آتيناك) فإنه لا يجوز للنى أن يكتم شيئاً منه (الثانى)
أن الشركة فى القرآن شركة فى العلوم ولا عيب فيها ، أما الشركة فى النهر ، فهى شركة فى الأعيان
وهى عيب ( الوجه الثانى) فى بيان أن الإعطاء أليق بهذا المقام من الإيتاء ، هو أن الإعطاء
يستعمل فى القليل والكثير، قال الله تعالى (وأعطى قليلا وأكدى) أما الإيتاء ، فلا يستعمل
إلا فى الشىء العظيم، قال الله تعالى (وآتاه الله الملك ولقد آتينا داود منا فضلا) والأتى السيل
المنصب ، إذا ثبت هذا فقوله (إنا أعطيناك الكوثر) يفيد تعظيم حال محمد صلى الله عليه وسلم من
وجوه (أحدها) يعنى هذا الحوض كالشىء القليل الحقير بالنسبة إلى ماهو مدخر لك من الدرجات
العالية والمراتب الشريفة، فهو يتضمن البشارة بأشياء هى أعظم من هذا المذكور ( وثانيها)
أن الكوثر إشارة إلى الماء ، كأنه تعالى يقول الماء فى الدنيا دون الطعام ، فإذا كان نعيم الماء
كوثراً، فيكف سائر النعيم (وثالثها) أن نعيم الماء إعطاء ونعيم الجنة إيتاء (ورابعها) كأنه
تعالى يقول هذا الذى أعطيتك، وإن كان كوثراً لكنه فى حقك إعطاء لا إيتاء لأنه دون حقك ،
وفى العادة أن المهدى إذا كان عظيما فالهدية وإن كانت عظيمة ، إلا أنه يقال إنها حقيرة أى هى
حقيرة بالنسبة إلى عظمة المهدى له فكذا ههنا (وخامسها) أن نقول إنما قال فيما أعطاه
من الكوثر أعطيناك لأنه دنيا ، والقرآن إبتاء لأنه دين (وسادسها) كأنه يقول: جميع مانلت منى
عطية وإن كانت كوثراً إلا أن الأعظم من ذلك الكوثر أن تبقى مظفراً وخصمك أبتر، فإنا
أعطيناك بالتقدمة هذا الكوثر ، أما الذكر الباقى والظفر على العدو فلا بحسن إعطاؤه إلا بعد التقدمة
بطاعة تحصل منك ( فصل لربك وانحر ) أى فاعبد لى وسل الظفر بعد العبادة فإنى أوجبت على
كرمى أن بعد كل فريضة دعوة مستجابة، كذا روى فى الحديث المسند، فيفئذ أستجيب فيصير

١٢٤
قوله تعالى : إنا أعطيناك الكوثر سورة الكَوْثَر .
خصمك أبتر وهو الإيتاء، فهذا ما يخطر بالبال فى تفسير قوله تعالى ( إنا أعطيناك ) أما الكوثر فهو
فى اللغة فوعل من الكثرة وهو المفرط فى الكثرة ، قيل لأعرابية رجع ابنها من السفر، بم آب
ابنك ؟ قالت آب بكوثر، أى بالعدد الكثير، ويقال للرجل الكثير العطاء كوثر، قال الكميت:
وأنت كثير يا ابن مروان طيب وكان أبوك ابن الفضائل كوثرا
ويقال للغبار إذا سطع وكثر كوثر هذا معنى الكوثر فى اللغة، واختلف المفسرون فيه على
وجوه (الأول) وهو المشهور والمستفيض عند السلف والخلف أنه نهر فى الجنة ، روى أنس
عن النبى صلى الله عليه وسلم قال ((رأيت نهراً فى الجنة حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف فضربت بيدى
إلى مجرى الماء فإذا أنا بمسك أذفر، فقلت ماهذا؟ قيل الكوثر الذى أعطاك الله)) وفى رواية أنس
«أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل، فيه طيور خضرلها أعناق كأعناق البخت من أكل من ذلك
الطير وشرب من ذلك الماء فاز بالرضوان، ولعله إنما سمى ذلك النهر كوثراً إما لأنه أكثر
أنهار الجنة ماء وخيراً أو لأنه انفجر منه أنهار الجنة ، کما روى أنه ما فى الجنة بستان إلا وفيه من
الكوثر نهر جار، أو لكثرة الذين يشربون منها ، أولكثرة ما فيها من المنافع على ما قال عليه
السلام ((إنه نهر وعدنيه ربى فيه خير كثير)) (القول الثنى) أنه حوض والأخبار فيه مشهورة
ووجه التوفيق بين هذا القول ، والقول الأول أن يقال لعل النهر ينصب فى الحوض أو لعل
الأنهار إنما تسيل من ذلك الحوض فيكون ذلك الحوض كالمنبع ( والقول الثالث ) الكوثر
أولاده قالوا لأن هذه السورة إنما نزلت رداً على من عابه عليه السلام بعدم الأولاد، فالمعنى
أنه يعطيه نسلا يبقون على مر الزمان، فانظر كم قتل من أهل البيت ، ثم العالم متلىء منهم، ولم يبق
من بنى أمية فى الدنيا أحد يعبأ به ، ثم انظر كم كان فيهم من الأكابر من العلماء كالباقر والصادق
والكاظم والرضا عليهم السلام والنفس الزكية وأمثالهم (القول الرابع) الكوثر علماء أمته وهو
لعمرى الخير الكثير لأنهم كانبياء بنى إسرائيل، وهم يحبون ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم
وينشرون آثار دينه وأعلام شرعه، ووجه التشبيه أن الأنبياء كانوا متفقين على أصول معرفه الله
مختلفين فى الشريعة رحمة على الخلق ليصل كل أحد إلى ما هو صلاحه ، كذا علماء أمته متفقون
بأسرهم على أصول شرعه، لكنهم مختلفون فى فروع الشريعة رحمة على الخلق ، ثم الفضيلة من
وجهين (أحدهما ) أنه يروى أنه يجاء يوم القيامة بكل فى ويتبعه أمته فربما يجىء الرسول ومعه
الرجل والرجلان ، ويجاء بكل عالم من علماء أمته ومعه الألوف الكثيرة فيجتمعون عند الرسول
فربما يزيد عدد متبعى بعض العلماء على عدد متبعى ألف من الأنبياء (الوجه الثانى) أنهم كانوا
مصيبين لاتباعهم النصوص المأخوذه من الوحى ، وعلماء هذه الأمه يكونون مصيبين مع كد
الإستنباط والإجتهاد، أو على قول البعض إن كان بعضهم مخطئاً لكن المخطى. يكون أيضاً . أجوراً
(القول الخامس) الكوثر هو النبوة، ولا شك أنها الخير الكثير لأنها المنزلة التى هى ثانية الربوبية

١٢٥
قوله تعالى: إنا أعطيناك الكَوْثَر . سورة الكَوْثَر .
ولهذا قال ( من يطع الرسول فقد أطاع الله) وهو شطر الإيمان بل هى كالغصن فى معرفة الله
تعالى، لأن معرفة النبوة لابد وأن يتقدمها معرفة ذات الله وعلمه وقدرته وحكمته، ثم إذا حصلت
معرفة النبوة حينئذ يستفاد منها معرفة بقية الصفات كالسمع والبصر والصفات الخيرية
والوجدانية على قول بعضهم، ثم لرسولنا الحظ الأوفر من هذه المنقبة، لأنه المذكور قبل سائر
الأنبياء والمبعوث بعدهم ، ثم هو مبعوث إلى الثقلين، وهو الذى يحشر قبل كل الأنبياء، ولا يجوز
ورود الشرع على نسخه وفضائله أكثر من أن تعد وتحصى. ولنذكرههنا قليلا منها ، فنقول
إن كتاب آدم عليه السلام كان كلمات على ما قال تعالى (فتاقی آدم من ربه كلمات)
وكتاب إبراهم أيضاً كان كلمات على ما قال ( وإذا ابتلى إبراهيم ربه بكلمات ) وكتاب موسى
كان صحفاً ، كما قال ( صحف إبراهيم وموسى ) أما كتاب محمد عليه السلام، فإنه هو الكتاب
المهيمن على الكل، قال ( ومهيمناً عليه ) وأيضاً فإن آدم عليه السلام إنما تحدى بالأسماء المنثورة
فقال ( أنبئونى بأسماء هؤلاء ) ومحمد عليه الصلاة والسلام إنما تحدى بالمنظوم (قل لئن
اجتمعت الإنس والجن) وأما نوح عليه السلام، فإن اللّه أكرمه بأن أمسك سفينته على الماء،
وفعل فى محمد مريتم ما هو أعظم منه. روى أن النبى عليه الصلاة والسلام ((كان على شط ما.
ومعه عكرمة بن أبي جهل ، فقال لئن كنت صادقاً فادع ذلك الحجر الذى هو فى الجانب الآخر
فليسبح ولا يغرق ، فأشار الرسول إليه ، فانقلع الحجر الذى أشار إليه من مكانه، وسبح حتى صار
بين يدى الرسول عليه السلام وسلم عليه، وشهد له بالرسالة، فقال النبى رَ ائى بكفيك هذا ؟ قال حتى
يرجع إلى مكانه، فأمره النبى عليه الصلاة والسلام، فرجع إلى مكانه ، وأكرم إبراهيم جعل النار
عليه برداً وسلاماً، وفعل فى حق محمد أعظم من ذلك. عن محمد بن حاطب قال (( كنت طفلا فانصب
القدر على من النار، فاحترق جلدى كله فىملتنى أمى إلى الرسول ◌َ القيم وقالت هذا ابن حاطب احترق
کما تری فتفل رسول الله لتح على جلدی ومسح بيده على المحترق منه ، وقال : أذهب الباس ، رب
الناس، فصرت صحيحاً لا بأس بى)) وأكرم موسى فقلق له البحر فى الأرض، وكرم محمداً ففلق
له القمر فى السماء ، ثم انظر إلى فرق ما بين السماء والأرض، ونجر له الماء من الحجر، ويجر لمحمد
أصابعه عيوناً ، وأكرم موسى بأن ظلل عليه الغمام، وكذا أكرم محمداً بذلك فكان العمام يظلله،
وأكرم موسى باليد البيضاء. وأكرم محمداً بأعظم من ذلك وهو القرآن العظيم، الذى وصل نوره
إلى الشرق والغرب، وقلب اللّه عصا موسى ثعباناً، ولما أراد أبو جهل أن يرميه بالحجر رأى
علی کتفیه ثعبانین، فانصرف مرعوباً ، وسبحت الجبال مع داود وسبحت الأحجار فى يده ويد
أصحابه ، وكان دار «إذا مسك الحديدلان، وكان هو لما مسح الشاة الجرباء درت، وأكرم داود بالطير
المحشورة ومحمداً بالبراق، وأكرم عيسى عليه السلام بإحياء الموتى، وأكرمه بجنس ذلك حين
أضافه اليهود بالشاة المسمومة ، فلما وضع اللقمة فى فه أخبرته ، وأبرأ الأ كمه والأبرص ، روى

١٢٦
قوله تعالى: إنا أعطيناك الكَوْثَر، . سورة الكَوْثَر .
أن امرأة معاذ بن عفراء أتته وكانت برصاء، وشكت ذلك إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فمسح
عليها رسول الله بغصن أذهب الله البرص ، وحين سقطت حدقة الرجل يوم أحد فرفعها وجا.
بها إلى الرسول الله صلی الله علیه وسلم، فردها إلی مکانها ، وکان عیسی یعرف ما يخفيه الناس فى
بيوتهم ، والرسول عرف ما أخفاه عمه مع أم الفضل ، فأخبره فأسلم العباس لذلك ، وأما سليمان
فإن الله تعالى رد له الشمس مرة، وفعل ذلك أيضا للرسول حين نام ورأسه فى حجر على فانتبه
وقد غربت الشمس، فردها حتى صلى ، وردها مرة أخرى لعلى فصلى العصر فى وقته، وعلم سليمان
منطق الطير ، وفعل ذلك فى حق محمد، روى أن طيراً نجع بولده جعل يرفوف على رأسه ويكلمه
فقال أيكم بجمع هذه بولدها ؟ فقال رجل أنا ، فقال اردد إليها ولدها ! وكلام الذئب معه مشهور،
وأكرم سليمان بمسيرة غدوة شهراً وأكرمه بالمسير إلى بيت المقدس فى ساعة ، وكان حماره يعفور
يرسله إلى من يريد فيجىء به، وقدشكوا إليه من نافة أنها أغيلت ، وأنهم لا يقدرون عليها فذهب
إليها ، فلما رأته خضعت له ، وأرسل معاذا إلى بعض النواحى، فلما وصل إلى المفازة ، فإذا أسد
جائم فهاله ذلك ولم یستجر [ی۔] أن يرجع ، فتقدم وقال إنى رسول رسول اللّه فتبصبص ، وكما انقاد
الجن لسلمان، فكذلك انقادوا لمحمد عليه الصلاة والسلام، وحين جاء الأعرابى بالضب ، وقال
لا أؤمن بك حتى يؤمن بك هذا الضب ، فتكلم الضب معترفاً برسالته ، وحين كفل الطبية حين ....
أرسلها الأعراض رجعت تعد و حتى أخرجته من الكفالة وحدت الحنابة لفراقه، وحين لسعت الحية عقب
الصديق فى الغار ، قالت كنت مشتاقة إليه منذ كذا سنين فلم حجبقنى عنه! وأطعم الخلق الكثير، من الطعام
القليل ومعجزاتهأكثر من أن تحصى وتعد، فلهذا قدمه الله على الذين اصطفاهم، فقال (وإذأخذنامن النبيين
ميثاقهم ومنك ومن نوح) فلما كانت رسالته كذلك جازأن يسميها الله تعالى كوثراً، فقال (إنا أعطيناك
الكوثر (القول السادس) الكوثر هو القرآن، وفضائله لا تحصى، (ولو أن ما فى الأرض من
شجرة أفلام ) ( قل لو كان البحر مداداً ا-كلمات ربى) (القول السابع) الكوثر الإسلام، وهو
لعمرى الخير الكثير، فإن به يحصل خير الدنيا والآخرة. وبفواته يفوت خير الدنيا وخير
الآخرة، وكيف لا والاسلام عبارة عن المعرفة، أو مالا بد فيه من المعرفة، قال ( ومن يؤتي
الحكمة فقد أولى خيراً كثيراً) وإذا كان الإسلام خيراً كثيراً فهو الكوثر، فإن قيل لم خصه
بالاسلام ، مع أن نعمه عمت الكل؟ قلنا لأن الاسلام وصل منه إلى غيره ، فكان عليه السلام
كالأصل فيه (القول الثامن) الكوثر كثرة الأتباع والأشياع، ولا شك أن له من الأتباع مالا
يحصيهم إلا الله، وروى أنه عليه الصلاة والسلام، قال « أنا دعوة خليل الله إبراهيم، وأنا بشرى
عيسى، وأنا مقبول الشفاعة يوم القيامة، فبيناً أكون مع الأنبياء، إذ تظهر لنا أمة من الناس
فتنبتدرهم بأبصارنا ما منا من فى إلا وهو يرجو أن تكون أمته ، فإذا هم غر محجلون من آثار
الوضوء، فأقول أمتى ورب الكعبة فيدخلون الجنة بغير حساب ثم يظهر لنا مثلا ما ظهر أولا

١٢٧
قوله تعالى: إنا أعطيناك الكَوْثَر. سورة الكَوْثَر .
فنبتدرهم بأبصارنا ما من نى إلا ويرجو أن تكون أمته فإذا هم غر محجلون من آثار الوضوء
فأقول أمتى ورب الكعبة ، فيدخلون الجنة بغير حساب ، ثم يرفع لنا ثلاثة أمثال ما قد رفع
فنبتدرهم ، وذكر كما ذكر فى المرة الأولى والثانية ، ثم قال ( ليدخلن ) ثلاث فرق من أمتى الجنة
قبل أن يدخلها أحد من الناس)) ولقد قال عليه الصلاة السلام (( تناكوا تناسلوا تكثروا ، فإنى
أباهى بكم الأمم يوم القيامة، ولو بالسقط)) فإذا كان يباهى بمن لم يبلغ حد التكليف، فكيف
بمثل هذا الجم الغفير، فلا جرم حسن منه تعالى أن يذكره هذه النعمة الجسيمة فقال (إنا أعطيناك
الكوثر) (القول التاسع) (الكوثر) الفضائل الكثيرة التى فيه ، فإنه باتفاق الأمة أفضل من
جميع الأنبياء ، قال المفضل بن سلمة يقال رجل كوثر إذا كان سخياً كثير الخير ، وفى صحاح اللغة
(الكوثر.) السيد الكثير الخير، فلما رزق الله تعالى محمداً هذه الفضائل العظيمة حسن منه تعالى
أن يذكره تلك النعمة الجسيمة فيفول ( إنا أعطيناك الكوثر) (القول العاشر) الكوثر رفعة
الذكر، وقد مرتفسيره فى قوله ( ورفعنا لك ذكرك) (القول الحادى عشر) أنه العلم قالوا وحمل
الكوثر على هذا أولى لوجوه (أحدها) أن العلم هو الخير الكثير قال ( وعلمك ما لم تكن تعلم
وكان فضل الله عليك عظيماً) وأمره بطلب العلم، فقال (وقل رب زدنى علماً) وسمى الحكمة خيرا
كثيراً ، فقال (ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيراً كثيراً) (وثانيها) أنا إما أن نحمل الكوثر
على نعم الآخرة ، أو على نعم الدنيا، والأول غير جائز لأنه قال أعطينا ، ونعم الجنة سيعطيها لا
أنه أعطاها ، فوجب حمل الكوثر على ما وصل إليه فى الدنيا، وأشرف الأمور الواصلة إليه فى
الدنيا هو العلم والنبوة داخلة فى العلم، فوجب حمل اللفظ على العلم ( وثالثها) أنه لما قال (أعطيناك
الكوثر) قال عقيبه (فصل لربك وانحر) والشىء الذى يكون متقدماً على العبادة هو المعرفة،
ولذلك قال فى سورة النحل (أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون) وقال فى طه (إنى أنا الله لا
إله إلا أنا فاعبدنى) فقدم فى السورتين المعرفة على العبادة ، ولأن فاء التعقيب فى قوله (فصل)
تدل على أن إعطاء الكوثر كالموجب لهذه العبادة ، ومعلوم أن الموجب للعبادة ليس إلا العلم،
(القول الثانى عشر) أن الكوثر هو الخلق الحسن ، قالوا الانتفاع بالخلق الحسن عام ينتفع به
العالم والجاهل والبهيمة والعاقل، فأما الانتفاع بالعلم، فهو مختص بالعقلاء ، فكان نفع الخاق
الحسن أعم ، فوجب حمل الكوثر عليه، ولقد كان عليه السلام كذلك كان للأجانب كالوالد يحل
عقدهم ويكفى مهمهم، وبلغ حسن خلقه إلى أنهم لما كسروا سنه ، قال «اللهم اهد قومى فأنهم
لا يعلمون)) ( القول الثالث عشر) الكوثر هو المقام المحمود الذى هو الشفاعة ، فقال فى الدنيا
( وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم) وقال فى الآخرة ((شفاعتى لأهل الكبائر من أمتى)) وعن
أبى هريرة قال عليه السلام ((إن لكل فى دعوة مستجابة وإنى خبأت دعوتى شفاعة لأمتى يوم
القيامة)) ( القول الرابع عشر) أن المراد من الكوثر هو هذه السورة ، قال وذلك لأنها مع
٠٠

١٢٨
قوله تعالى : فصل لربك وانحر . سورة الكَوْثَر .
٢
فَصِّلٍ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ.
قصرها وافية بجميع منافع الدنيا والآخرة ، وذلك لأنها مشتملة على المعجز من وجوه
( أولها ) أنا إذا حملنا الكوثر على كثرة الأتباع، أو على كثرة الأولاد ، وعدم انقطاع الفل
كان هذا إخباراً عن الغيب، وقد وقع مطابقاً له ، فكان معجزاً ( وثانيها) أنه قال ( فصل لربك
وانحر) وهو إشارة إلى زوال الفقر حتى يقدر على النحر، وقد وقع فيكون هذا أيضاً إخباراً
عن الغيب (وثالثها) قوله ( إن شانئك هو الأبتر) وكان الأمر على ما أخبر فكان معجزاً
(ورابعها) أنهم عجزوا عن معارضتها مع صغرها، فثبت أن وجه الإعجاز فى كال القرآن، إنما تقرر
بها لأنهم لما عجزوا عن معارضتها مع صغرها فبأن يعجزوا عن معارضة كل القرآن أولى ، ولما
ظهر وجه الإعجاز فيها من هذه الوجوه فقد تقررت النبوة وإذا تقررت النبوة فقد تقرر التوحيد
ومعرفة الصانع، وتقرر الدين والاسلام، وتقرر أن القرآن كلام اللّه وإذا تقررت هذه الأشياء
تقرر جميع خيرات الدنيا والآخرة فهذه السورة جارية مجرى النكتة المختصرة القوية الوافية
باثبات جميع المقاصد فكانت صغيرة فى الصورة كبيرة فى المعنى، ثم لها خاصية ليست لغيرها وهى
أنها ثلاث آيات ، وقد بينا أن كل واحدة منها معجز فهى بكل واحدة من آياتها معجز وبمجموعها
معجز وهذه الخاصية لا توجد فى سائر السور فيحتمل أن يكون المراد من الكوثر هو هذه السورة
(القول الخامس عشر) أن المراد من الكوثر جميع نعم الله على محمد عليه السلام، وهو المنقول
عن ابن عباس لأن لفظ الكوثر يتناول الكثرة الكثيرة ، فليس حمل الآية على بعض هذه النعم
أولى من حملها على الباقى فوجب حملها على الكل، وروى أن سعيد بن جبير ، لما روى هذا القول
عن ابن عباس قال له بعضهم: إن ناساً يزعمون أنه نهر فى الجنة ، فقال سعيد النهر الذى فى الجنة
من الخير الكثير الذى أعطاه الله إياه، وقال بعض العلماء ظاهر قوله ( إنا أعطيناك الكوثر)
يقتضى أنه تعالى قد أعطاه ذلك الكوثر فيجب أن يكون الأقرب حمله على ما آتاه الله تعالى من
النبوة والقرآن والذكر الحكيم والنصرة على الأعداء، وأما الحوض وسائر ما أعد له من الثواب
فهو وإن جاز أن يقال إنه داخل فيه لأن ما ثبت بحكم وعد الله فهو كالواقع إلا أن الحقيقة ما قدمناه
لأن ذلك وإن أعد له فلا يصح أن يقال على الحقيقة إنه أعطاه فى حال نزول هذه السورة بمكة ، ويمكنه
أن يجاب عنه بأن من أفر لولده الصغير بضيعة له يصح أن يقال إنه أعطاه تلك الضيعة مع أن
الصبى فى تلك الحال لا يكون أهلا للتصرف والله أعلم .
قوله تعالى: ﴿فصل لربك وانحر ﴾ فى الآية مسائل:
﴿المسألة الأولى﴾ فى قوله ( فصل) وجوه (الأول) أن المراد هو الأمر بالصلاة، فإن
قبل اللائق عند النعمة الشكر، فلم قال فصل ولم يقل فاشكر؟ (الجواب) من وجوه (الأول)
٠
.

١٢٩
قوله تعالى : فصل لربك وانحر . سورة الكَوْثَر .
أن الشكر عبارة عن التعظيم وله ثلاثة أركان ( أحدها ) يتعلق بالقلب وهو أن يعلم أن تلك النعمة
منه لا من غيره ( والثانى) باللسان وهو أن يمدحه (والثالث) بالعمل وهو أن يخدمه ويتواضع
له، والصلاة مشتملة على هذه المعانى، وعلى ما هو أزيد منها فالأمر بالصلاة أمر بالشكر وزيادة
فكان الأمر بالصلاة أحسن. (وثانيها) أنه لو قال فاشكر لكان ذلك يوم أنه ما كان شاكراً
لكنه كان من أول أمره عارفاً بربه مطيعاً له شاكراً لنعمه، أما الصلاة فإنه إنما عرفها بالوحى، قال
( ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الإيمان) (الثالث) أنه فى أول ما أمره بالصلاة. قال محمد عليه
الصلاة والسلام: كيف أصلى ولست على الوضوء، فقال الله (إنا أعطيناك الكوثر) ثم ضرب
جبريل بجناحه على الأرض فنبع ماء الكوثر فتوضأ فقيل له عند ذلك فضل، فأما إذا حملنا الكوز
على الرسالة ، فكأنه قال أعطينك الرسالة لتأمر نفسك وسائر الخلق بالطاعات وأشرفها الصلاة
فصل لربك ( القول الثانى ) فصل لربك أى فاشكر لربك، وهو قول مجاهد وعكرمة ، وعلى هذا
القول ذكروا فى فائدة الماء فى قوله فصل وجوهاً (أحدها) التفيه على أن شكر النعمة يجب على
الفور لا على التراخى ( وثانيها ) أن المراد من فاء التعقيب ههنا الإشارة، إلى ما قرره بقوله ( وما
خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) ثم إنه خص محمداً لت فى هذا الباب بمزيد مبالغة ، وهو قوله
( واعبد ربك حتى يأتيك اليقين) ولأنه قال له (فإذا فرغت فانصب ) أى فعليك بأخرى عقيب
الأولى فكيف بعد وصول نعمتى إليك، ألا يجب عليك أن تشرع فى الشكر عقيب ذلك (القول
الثالث ) فصل أى فادع الله لأن الصلاة هى الدعاء، وفائدة الفاء على هذا التقدير كأنه تعالى يقول
قبل سؤالك ودعائك ما بخلنا عليك ( بالكوثر) فكيف بعد سؤالك لكز ((سل تعطه واشفع تشفع))
وذلك لأنه كان أبداً فى م أمته، واعلم أن القول الأول أولى لأنه أقرب إلى عرف الشرع.
﴿ المسألة الثانية) فى قوله (وانحر ) قولان:
(الأول) وهو قول عامة المفسرين: أن المراد هو نحر البدن (والقول الثانى) أن المراد
بقوله ( وانحر) فعل يتعلق بالصلاة، إما قبلها أو فيها أو بعدها، ثم ذكروا فيه وجوها: (أحدها)
قال الفراء معناها استقبل القبلة (وثانيها) روى الأصبغ بن نبانة عن على عليه السلام قال لما
نزلت هذه السورة قال النبى عليه الصلاة والسلام لجبريل ((ما هذه النحيرة التى أمرفى بها ربى؟
قال ليست بنحيرة ولكنه يأمرك إذا تحرمت للصلاة أن ترفع يديك إدا كبرت وإذا ركعت وإذا
رفعت رأسك من الركوع وإذا سيدت فإنه صلاتنا ، وصلاة الملائكة الذين فى السموات السبع
وإن لكل شىء زينة، وزينة الصلاة رفع اليدين عند كل تبكبيرة » ( وثائها) روى عن على بن
أبى طالب أنه فسر هذا النحر بوضع اليدين على النحر فى الصلاة، وقال رفع اليدين قبل الصلاة
عادة المستجير العائذ، ووضعها على النحر عادة الخاضع الخاشع (ورابعها) قال عطاء معناه أقعد بين
السجدتين حتى يبدو نحرك (وخامسها) روى عن الضحاك، وسليمان النيمى أنهما قالا (انحر)
الفخر الرازي - ج ٣٢ م ٩

١٣٠
قوله تعالى : فصل لربك وانحر . سورة الكَوْثَر .
معناه ارفع يديك عقيب الدعاء إلى تحرك ، قال الواحدى ، وأصل هذه الأقوال كلها من النحر
الذى هو الصدر يقال لمذيج البعير النحر لأن منحره فى صدره حيث يبدو الحلقوم من أعلى
الصدر فمعنى النحر فى هذا الموضع هو إصابة النحر كما يقال رأسه وبطنه إذا أصاب ذلك منه .
وأما قول الفراء إنه عبارة عن استقبال القبلة فقال ابن الأعرابى النحر انتصاب الرجل فى الصلاة
بإزاء المحراب وهو أن ينصب نحره بازاء القبلة ، ولا يلتفت يميناً ولا شمالا، وقال الفراء منازلهم
تتناحر أى تتقابل وأنشد:
أبا حكم هل أنت عم مجالد وسيد أهل الأبطح المتناحر
والنكتة المعنوية فيه كأنه تعالى يقول الكعبة بيتى وهى قبلة صلاتك وقلبك وقبلة رحمتی
ونظر عناينى فلتكن القبلتان متناحرتين قال الأكثرون حمله على نحر البدن أولى لوجوه (أحدها)
هو أن الله تعالى كلما ذكر الصلاة فى كتابه ذكر الزكاة بعدها ( وثانيها) أن القوم كانوا يصلون
وينحرون للأوثان فقيل له فصل وانحر لربك ( وثالثها ) أن هذه الأشياء آداب الصلاة وأبعاضها
فكانت داخلة تحت قوله ( فصل لربك ) فوجب أن يكون المراد من النحر غيرها لأنه يبعد أن
يعطف بعض الشىء على جميعه ( ورابعها) أن قوله (فصل) إشارة إلى التعظيم لأمر الله، وقوله
( وانحر) إشارة إلى الشفقة على خلق الله وجملة العبودية لاتخرج عن هذين الأصلين ( وخامسها)
أن استعمال لفظة النحر على نحر البدن أشهر من استعماله فى سائر الوجوه المذكورة، فيجب حمل
كلام الله عليه، وإذا ثبت هذا فنقول استدلت الحنفية على وجوب الأضحية بأن الله تعالى أمره
بالنحر، ولا بد وأن يكون قد فعله، لأن ترك الواجب عليه غير جائر، وإذا فعله النبي عليه الصلاة
والسلام وجب علينا مثله لقوله (واتبعوه) ولقوله (فاتبعونى بحببكم الله) وأصحابنا قالوا الأمر
بالمتابعة مخصوص بقوله ((ثلاث كتبت على ولم تكتب عليكم الضحى والأضحى والوتر)).
﴿ المسألة الثالثة﴾ اختلف من فسر قوله (فصل) بالصلاة على وجوه (الأول) أنه أراد
بالصلاة جنس الصلاة لأنهم كانوا يصلون لغير الله، وينحرون لغير الله فأمره أن لا يصلى ولا
ينحر إلا لله تعالى، واحتج من جوز تأخير بيان الجمل بهذه الآية، وذلك لأنه تعالى أمر بالصلاة
مع أنه ما بين كيفية هذه الصلاة أجاب أبو مسلم، وقال أراد به الصلاة المفروضة أعنى الخمس وإنما
لم يذكر الكيفية، لأن الكيفية كانت معلومة من قبل (القول الثانى) أراد صلاة العيد والأضحية
لأنهم كانوا يقدمون الأضحية على الصلاة فنزلت هذه الآية، قال المحققون هذا قول ضعيف لأن
عطف الشىء على غيره بالواو لا يوجب الترتيب ( القول الثالث) عن سعيد بن جبير صل الفجر
بالمزدلفة وأبحر بمنى ، والأقرب القول الأول لأنه لا يحب إذا قرن ذكر النحر بالصلاة أن تحمل
الصلاة على ما يقع يوم النحر .

١٣١
قوله تعالى: فصل لربك وانحر . سورة الكَوْثَر.
﴿ المسألة الرابعة﴾ اللام فى قوله (لربك) فيها. فوائد (الفائدة الأولى) هذه اللام للصلاة
كالروح للبدن، فكما أن البدن من الفرق إلى القدم ، إنما يكون حسناً بمدوحاً إذا كان فيه روح
أما إذا كان ميتاً فيكون مرمياً ، كذا الصلاة والركوع والسجود ، وإن حسنت فى الصورة
وطالت، لو لم يكن فيها لام لربك كانت ميتة مرمية، والمراد من قوله تعالى لموسى (وأقم الصلاة
لذكرى) وقيل إنه كانت صلاتهم وتحرثم للصنم فقيل له لتكن صلاتك ونحرك لله.
﴿ الفائدة الثانية) كأنه تعالى يقول ذكر فى السورة المتقدمة أنهم كانوا يصلون للمراءآة
فصل أنت لا الرياء لكن على سبيل الإخلاص .
المسألة الخامسة ) الفاء فى قوله (فصل) تفيد سبية أمرين (أحدهما) سببية العبادة كأنه
قيل: تتكثير الإنعام عليك يوجب عليك الاشتغال بالعبودية (والثانى) سببية ترك المبالاة كأنهم
لما قالوا له إنك أبتر فقيل له كما أنعمنا عليك بهذه النعم الكثيرة، فاشتغل أنت بطاعتك ولا تبال
بقولهم وهذانهم .
واعلم أنه لما كانت النعم الكثيرة محبوبة ولازم المحبوب محبوب ، والفاء فى قوله (فصل)
اقتضت كون الصلاة من لوازم تلك النعم، لاجرم صارت الصلاة أحب الأشياء للنبى عليه الصلاة
والسلام فقال ((وجعلت قرة عينى فى الصلاة)) ولقد صلى حتى تورمت قدماه ، فقيل له أو ليس
قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال ((أفلا أكون عبداً شكوراً)) فقوله (أفلا أكون
عبداً شكوراً)) إشارة إلى أنه يجب على الاشتغال بالطاعة بمقتضى الفاء فى قوله ( فصل).
المسألة السادسة ) كان الأليق فى الظاهر أن يقول: إنا أعطيناك الكوثر، فصل لنا وانحر .
لكنه ترك ذلك إلى قوله ( فصل لربك) لفوائد ( إحداها) أن وروده على طريق الالتفات من
أمهات أبواب الفصاحة ( وثانيها ) أن صرف الكلام من المضمر إلى المظهر يوجب نوع عظمة
ومهابة، ومنه قول الخلفاء لمن يخاطبونهم: بأمرك أمير المؤمنين، وينهاك أمير المؤمنين ( وثالثها)
أن قوله ( إنا أعطيناك ) ليس فى صريح لفظه أن هذا القائل هو الله أو غيره، وأيضاً كلمة إنا
تحتمل الجمع كما تحتمل الواحد المعظم نفسه ، فلو قال صل لنا، لنفى ذلك الاحتمال وهو أنه ما كان
يعرف أن هذه الصلاة لله وحده أم له ولغيره على سبيل التشريك ، فلهذا ترك اللفظ ، وقال ( فصل
لربك ) لينكون ذلك إزالة لذلك الاحتمال وتصريحاً بالتوحيد فى الطاعة والعمل لله تعالى.
﴿ المسألة السابعة) قوله (فصل لربك) أبلغ من قوله؛ فصل لله لأن لفظ الرب يفيد
التربية المتقدمة المشار إليها بقوله ( إنا أعطيناك الكوثر ) ويفيد الوعد الجميل فى المستقيل أنه
یربیه ولا یتر کا .
﴿المسألة الثامنة) فى الآية سؤالان: ( أحدهما) أن المذكور عقب الصلاة هو
الزكاة، فلم كان المذكور ههنا هو النحر؟ (والثانى ) لما لم يقل ضحى حتى يشمل جميع أنواع
.'

١٣٢
قوله تعالى : إن شانئك هو الأبتر . سورة الكَوْثَر .
إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ
الضحايا؟ ( والجواب) عن الأول، أما على قول من قال: المراد من الصلاة صلاة العيد،
فالأمر ظاهر فيه، وأما على قول من حمله على مطلق الصلاة، فلوجوه (أحدها ) أن المشركين كانت
صلوانهم وقرابينهم الأوثان، فقيل له اجعلهما لله ( وثانيها) أن من الناس من قال: إنه عليه
السلام ما كان يدخل فى ملكه شىء من الدنيا ، بل كان يملك بقدر الحاجة ، فلا جرم لم تجب الزكاة
عليه، أما النحر فقد كان واجباً عليه لقوله «ثلاث كتبت على ولم تكتب على أمتى؛ الضحى والأضحى
والوتر)) ( وثالثها) أن أعز الأموال عند العرب، هو الإبل فأمره بنحرها وصرفها إلى طاعة
الله تعالى تنبيهاً على قطع العلائق النفسانية عن لذات الدنيا وطيباتها، روى أنه عليه السلام أهدى
مائة بدنة فيها جمل لأبى جهل فى أنفه برة من ذهب فنحر هو عليه السلام حتى أعيا، ثم أمر علياً
عليه السلام بذلك ، وكانت النوق يزدحمن على رسول الله، فلما أخذ على السكين تباعدت منه
( والجواب عن الثانى) أن الصلاة أعظم العبادات البدنية فقرن بها أعظم أنواع الضحايا ، وأيضاً
فيه إشارة إلى أمك بعد فقرك قصير بحيث تنحر المائة من الإبل .
المسألة التاسعة﴾ دلت الآية على وجوب تقديم الصلاة على النحر، لا لأن الواو توجب
الترتيب، بل لقوله عليه السلام ((ابدؤا بما بدأ الله به.
المسألة العاشرة﴾ السورة مكية فى أصح الأقرال، وكان الأمر بالنحر جارياًمجرى البشارة
بحصول الدولة ، وزوال الفقر والخرف ..
قوله تعالى: ﴿إن شانئك هو الأبتر ﴾ وفى الآية مسائل:
{ المسألة الأولى﴾ ذكروا فى سبب النزول وجوهاً ( أحدها ) أنه عليه السلام كان يخرج
من المسجد، والعاص بن وائل السهمى يدخل فالتقبا فتحدثا، وصناديد قريش فى المسجد، فلما
دخل قالوا من الذى كنت تتحدث معه؟ فقال ذلك الأبتر ، وأقول إن ذلك من إسرار بعضهم
مع بعض، مع أن الله تعالى أظهره، فحينئذ يكون ذلك معجزاً، وروى أيضاً أن العاص بن وائل
كان يقول: إن محمداً أبتر لا ابن له يقوم مقامه بعده، فإذا مات انقطع ذكره واسترحم منه،
وكان قد مات ابنه عبد الله من خديجة، وهذا قول ابن عباس ومقاتل والكلى وعامة أهل التفسير
(القول الثانى) روى عن ابن عباس لما قدم كعب بن الأشراف مكة أتاه جماعة قريش فقالوا نحن
أهل السقابة والسدانة وأنت سيد أهل المدينة، فنحن خير أم هذا الأبتر من قومه ، بزعم أنه خير
منا؟ فقال بل أنتم خير منه فنزل ( إن شانئك هو الأبتر) ونزل أيضاً (ألم تر إلى الذين أوتوا
نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت)، ( والقول الثالث ) قال عكرمة وشهر بن
حوشب لما أوحى الله إلى رسوله ودعا قريشاً إلى الإسلام ، قالوا بتر محمد أى خالفنا وانقطع

١٣٣
قوله تعالى : إن شانئك هو الأبتر . سورة الكَوْثَر .
عنا، فأخبر تعالى أنهم هم المبتورون (القول الرابع ) نزلت فى أبى جهل فإنه لما مات ابن
رسول الله قال أبو جهل إنى أبغضه لأنه أبتر، وهذا منه حماقة حيث أبغضه بأمر لم يكن باختياره
فان موت الإبن لم يكن مراده ( القول الخامس) نزلت فى عمه أبى لهب فإنه لما شافه بقوله
تبأ لك كان يقول فى غيبته إنه أبتر (والقول السادس) أنها نزلت فى عقبة بن أبي معيط ، وإنه
هو الذى كان يقول ذلك، واعلم أنه لا يبعد فى كل أولئك الكفرة أن يقولوا مثل ذلك فانهم
كانوا يقولون فيه ما هو أسوأ من ذلك ، ولعل العاص بن وائل كان أكثرهم مواظبة على هذا
القول فلذلك اشتهرت الروايات بأن الآية نزلت فيه .
﴿ المسألة الثانية﴾ الشنآن هو البغض. والثانى هو المبغض، وأما البتر فهو فى اللغة
استئصال القطع يقال بترته أبتره بتراً وبتر أى صار أبتر وهو مقطوع الذنب ، ويقال للذى
لا عقب له أبتر، ومنه الحمار الأبتر الذى لاذنب له ، وكذلك لمن انقطع عنه الخير.
ثم إن الكفار لما وصفوه بذلك بين تعالى أن الموصوف بهذه الصفة هو ذلك المبغض
على سبيل الحضر فيه ، فإنك إذا قلت زيد هو العالم يفيد أنه لا عالم غيره ، إذا عرفت هذا فقول
الكفار فيه عليه الصلاة والسلام إنه أبتر لاشك أنهم لعنهم الله أرادوا به أنه انقطع الخير عنه.
ثم ذلك إما أن يحمل على خير معين ، أو على جميع الخيرات ( أما الأول) فيحتمل وجوهاً
(أحدها) قال السدى كانت قريش يقولون لمن مات الذكور من أولاده بتر، فلما مات ابنه
القاسم وعبد الله بمكة وإبراهيم بالمدينة قالوا بتر فليس له من يقوم مقامه، ثم إنه تعالى بين أن
عدوه هو الموصوف بهذه الصفة ، فانا نرى أن نسل أولئك الكفرة قد انقطع ، ونسله عليه
الصلاة والسلام كل يوم يزداد وينمو وهكذا يكون إلى قيام القيامة (وثانيها ) قال الحسن عنوا
بكونه أبتر أنه ينقطع عن المقصود قبل بلوغه ، والله تعالى بين أن خصمه هو الذى يكون كذلك ،
فإنهم صاروا مدبرين مغلوبين مقهورين، وصارت رايات الإسلام عالية، وأهل الشرق والغرب
لها متواضعة ( وثائها) زعموا أنه أبتر لأنه ليس له ناصر ومعين، وقد كذبوا لأن الله تعالى هو
مولاه، وجبريل وصالح المؤمنين، وأما الكفرة فلم يبق لهم ناصر ولا حبيب (ورابعها) الأبتر
هو الحقير الذليل، روى أن أبا جهل اتخذ ضيافة لقوم، ثم إنه وصف رسول الله بهذا الوصف،
ثم قال قوموا حتى نذهب إلى محمد وأصارعه وأجعله ذليلا حقيراً، فلما وصلوا إلى دار خديجة
وتوافقوا على ذلك أخرجت خديجة بساطاً ، فلما تصارعا جعل أبو جهل يجتهد فى أن يصرعه،
وبقى النبى عليه الصلاة والسلام واقفاً كالجبل، ثم بعد ذلك رماه النبى صلى الله عليه وسلم على أقبح
وجه، فلما رجع أخذه باليد اليسرى، لأن اليسرى للاستنجاء ، فكان نجساً فصرعه على الأرض
مرة أخرى ووضع قدمه على صدره ، فذكر بعض القصاص أن المراد من قوله ( إن شانئك هو
الأبتر) هذه الواقعة (وخامسها ) أن الكفرة لما وصفوه بهذا الوصف ، قيل (إن شانتك هو

١٣٤
قوله تعالى : إن شانئك هو الأبتر . سورة الكوثر.
الآبتر) أى الذى قالوه فيك كلام فاسد یضمحل و یفنی، وأما المدح الذی ذ کرناه فيك، فإنه باق
على وجه الدهر ( وسادسها) أن رجلا قام إلى الحسن بن على عليهما السلام ، وقال: سودت
وجوه المؤمنين بأن تركت الإمامة لمعاوية، فقال لا تؤذينى يرحمك الله، فإن رسول الله رأى بنى
أمية فى المنام يصعدون منبره رجلا فرجلا فساءه ذلك ، فأنزل الله تعالى ( إنا أعطيناك الكوثر)
( إنا أنزلناه فى ليلة القدر) فكان ملك بنى أمية كذلك، ثم انقطعوا وصاروا مبتورين.
المسألة الثالثة ﴾ الكفار لما شتموه، فهو تعالى أجاب عنه من غير واسطة ، فقال (إن
شانئك هو الأبتر) وهكذا سنة الأحباب ، فإن الحبيب إذا سمع من يشتم حبيبه تولى بنفسه
جوابه، فههنا تولى الحق سبحانه جوابهم، وذكر مثل ذلك فى مواضع حين قالوا (هل ندلكم
على رجل يفيتكم إذا مزقتم كل مزق إنكم لفى خلق جديد ، افترى على الله كذباً أم به جنة) فقال
سبحانه ( بل الذين لا يؤمنون بالآخرة فى العذاب والضلال البعيد ) وحين قالوا هو مجنون أقسم
ثلاثاً ، ثم قال ( ما أنت بنعمة ربك بمجنون) ولما قالوا (لست مرسلا) أجاب فقال ( يس،
والقرآن الحكيم ، إنك لمن المرسلين) وحين قالوا ( أثنا لتاركو آلهتنا لشاعر مجنون ) رد عليهم
وقال ( بل جاء بالحق وصدق المرسلين) فصدقه، ثم ذكر وعيد خصمائه، وقال (إنكم لذائقوا
العذاب الأليم) وحين قال حا كياً (أم يقولون شاعر) قال ( وما عليناه الشعر) ولما حكى عنهم
قولهم (إن هذا إلا إفك افتراه وأعاله عليه قوم آخرون) سماهم كاذبين بقوله (فقد جاؤا ظلماً
وزوراً) ولما قالوا (ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشى فى الأسواق) أجابهم فقال ( وما أرسلنا
قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون فى الأسواق ) فما أجل هذه الكرامة .
﴿ المسألة الرابعة) اعلم أنه تعالى لما بشره بالنعم العظيمة، وعلم تعالى أن النعمة لاتهذا إلا
إذا صار العدو مقهوراً، لا جرم وعده بقهر العدو، فقال (إن شانتك هو الأبتر) وفيه لطائف
(إحداها) كأنه تعالى يقول: لا أفعله لكى يرى بعض أسباب دولتك ، وبعض أسباب محنة نفسه
فيقتله الغيظ (وثانيها) وصفه بكونه شائاً ، كانه تعالى يقول : هذا الذى يبغضك لا يقدر على
شىء آخر سوى أنه يبغضك، والمبغض إذا عجز عن الإيذاء، فيئذ يحترق قلبه غيظاً وحسداً،
فتصير تلك العداوة من أعظم أسباب حصول المحنة لذلك العدو ( وثالثها ) أن هذا الترتيب يدل
على أنه إنما صار أبتر، لأنه كان شانئاً له ومبغضاً، والأمر بالحقيقة كذلك، فإن من عادى محسوداً
فقد عادى اللّه تعالى، لا سيما من تكفل الله بإعلان شأنه وتعظيم مرتبته (ورابعها) أن العدو
وصف محمداً عليه الصلاة والسلام بالقلة وائذلة، ونفسه بالكثرة والدولة ، فقلب اللّه الأمر
عليه، وقال العزيز من أعزه الله، والذليل من أذله الله، فالكثرة والكوثر لمحمد عليه السلام،
والأبترية والدناءة والذلة للعدو ، فصل بين أول السورة وآخرها نوع من المطابقة لطيف .
المسألة الخامسة﴾ اعلم أن من تأمل فى مطالع هذه السورة ومقاطعها عرف أن الفوائد التى

١٣٥
قوله تعالى : إن شانئك هو الأبتر . سورة الكَوْثَر .
ذكرناها بالنسبة إلى ما استأثر اللّه بعلمه من فوائد هذه السورة كالقطرة فى البحر. روى عن
مسيلمة أنه عارضها فقال: إنا عطيناك الجماهر ، فصل لربك وجاهر ، إن مبغضك رجل كافر ، ولم
يعرف المخذول أنه محروم عن المطلوب لوجوه (أحدها) أن الألفاظ والترتيب مأخوذان من هذه
السورة، وهذا لا يكون معارضة ( وثانيها) أنا ذكرنا أن هذه السورة كالتتمة لما قبلها، وكالأصل
لما بعدها ، فذكر هذه الكلمات وحدها يكون إهمالا لأكثر لطائف هذه السورة ( وثالثها)
التفاوت العظيم الذى يقر به من له ذوق سليم بين قوله ( إن شانئك هو الأبتر) وبين قوله : إن
مبغضك رجل كافر، ومن لطائف هذه السورة أن كل أحد من الكفار وصف رسول اللّه مَ الع
بو صف آخر، فوصفه بأنه لا ولد له، وآخر بأنه لا معين له ولا ناصر له ، وآخر بأنه لا يبقى منه
ذكر، فالله سبحانه مدحه مدحاً أدخل فيه كل الفضائل، وهو قوله ( أنا أعطيناك الكوثر) لأنه
لما لم يقيد ذلك الكوثر بشىء دون شىء، لاجرم تناول جميع خيرات الدنيا والآخرة، ثم أمره
حال حياته بمجموع الطاعات ، لأن الطاعات إما أن تكون طاعة البدن أو طاعة القلب ، أما
طاعة البدن فأفضله شيئان، لأن طاعة البدن هى الصلاة ، وطاعة المال هى الزكاة ، وأما طاعة القلب
فهو أن لا يأتى بشىء إلا لأجل اللّه، واللام فى قوله (لربك) يدل على هذه الحالة ، ثم كأنه نبه
على أن طاعة القلب لا تحصل إلا بعد حصول طاعة البدن ، فقدم طاعة البدن فى الذكر ، وهو
قوله (فصل) وأخر اللام الدالة على طاعة القلب تنبيها على فساد مذهب أهل الإباحة فى أن العبد
قد يستغنى بطاعة قلبه عن طاعة جوارحه، فهذه اللام تدل على بطلان مذهب الإباحه، وعلى أنه
لابد من الإخلاص، ثم نبه بلفظ الرب على على حاله فى المعاد، كأنه يقول: كنت ربيتك قبل
وجودك ، أفأترك تربيتك بعد مواظبتك على هذه الطاعات ، ثم كما تكفل أولا بإفاضة النعم عليه
تكفل فى آخر السورة بالذب عنه وإبطال قول أعدائه ، وفيه إشارة إلى أنه سبحانه هو الأول
يافاضة النعم، والآخر بتكميل النعم فى الدنيا والآخرة ، والله سبحانه وتعالى أعلم.

١٣٦
سورة الكافرون
(١٠٩) سورة الكافرونََكِيَّةْ
وآيانهاسِتْ
٠٠
اعلم أن هذه السورة تسمى سورة المنابذة وسورة الإخلاص والمقشقشة ، وروى أن من
قرأها فكانما قرأ ربع القرآن، والوجه فيه أن القرآن مشتمل على الأمر بالمأمورات والنهى عن
المحرمات، وكل واحد منهما ينقسم إلى ما يتعلق بالقلوب وإلى ما يتعلق بالجوارح وهذه السورة
مشتملة على النهى عن المحرمات المتعلقة بأفعال القلوب فتكون ربعاً للقرآن والله أعلم.
٩٠ -١
بِسُـ
قُلْ يَأْيُهَا الْكَفِرُونَ
١
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿ قل يا أيها الكافرون﴾ .
اعلم أن قوله تعالى ( قل) فيه فوائد: (أحدها) أنه عليه السلام كان مأموراً بالرفق واللين
فى جميع الأمور كما قال ( ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك ، فبما رحمة من الله لنت
لهم، بالمؤمنين ر.وف رحيم، وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) ثم كان مأموراً بأن يدعو إلى الله
بالوجه الأحسن (وجاد لهم بالتى هى أحسن) ولما كان الأمر كذلك، ثم إنه خاطبهم بيا أيها
الكافرون فكانوا يقولون كيف يليق هذا التغليظ بذلك الرفق فأجاب بأنى مأمور بهذا الكلام
لا أنى ذكرته من عند نفسى فكان المراد من قوله قل تقرير هذا المعنى (وثانيها) أنه لما قيل له
(وأنذر عشيرتك الأقربين) وهو كان يحب أقرباءه لقوله ( قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة فى
القربى) فكانت القرابة ووحدة النسب كالمانع من إظهار الخشونة فأمر بالتصريح بتلك الخشونة
والتغليظ فقيل له (قل)، (وثالثها) أنه لما قيل له ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك
وإن لم تفعل فما بلغت رسالته) فأمر بتبليغ كل ما أنزل عليه فلما قال الله تعالى له (قل يا أيها
الكافرون) نقل هو عليه السلام هذا الكلام بحملته كأنه قال إنه تعالى أمرنى بتبليغ كل ما أنزل
على والذى أنزل على هو مجموع قوله ( قل يا أيها الكافرون ) فأنا أيضا أبلغه إلى الخلق هكذا
(ورابعها) أن الكفار كانوا مقرين بوجود الصانع، وأنه هو الذى خلقهم ورزقهم ، على ماقال

١٣٧
قوله تعالى : قل يا أيها الكافرون . سورة الكافرون .
تعالى (ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله) والعبد يتحمل من مولاه
مالا يتحمله من غيره ، فلو أنه عليه السلام قال ابتداء ( يا أيها الكافرون ) لجوزوا أن يكون
هذا كلام محمد، فلعلهم ما كانوا يتحملونه منه وكانوا يؤذونه. أما لما سمعوا قوله (قل) علموا أنه
ينقل هذا التغليظ عن خالق السموات والأرض، فكانوا يتحملوه ولا يعظم تأذيهم به (وخامسها)
أن قوله (قل ) يوجب كونه رسولا من عند الله، فكاما قيل له ( قل ) كان ذلك كالمنشور الجديد
فى ثبوت رسالته، وذلك يقتضى المبالغة فى تعظيم الرسول ، فإن الملك إذا فوض مملكته إلى بعض
عبيده ، فإذا كان يكتب له كل شهر وسنة منشوراً جديداً دل ذلك على غاية اعتنائه بشأنه ، وأنه
على عزم أن يزيده كل يوم تعظيما وتشرفاً ( وسادسها) أن الكفار لما قالوا نعبد إلهك سنة،
وتعبد آلهتناسنة ، فكأنه عليه السلام قال: أستأمرت إلهى فبه . فقال (قل يا أيها الكافرون لا أعبد
ما تعبدون) (وسابعها) الكفار قالوا فيه السوء، فهو تعالى زجرهم عن ذلك، وأجابهم وقال
(إن شائك هو الآبتر) وكأنه تعالى قال: حين ذكروك بسوء، فأما كنت المجيب بنفسى، فين
ذكرونى بالسوء وأثبتوا لى الشركاء، فكن أنت المجيب (قل يا أيها الكافرون، لا أعبد ما تعبدون)
( وثامنها) أنهم سموك أبتر، فإن شئت أن تستوفى منهم القصاص ، فاذكرهم بوصف ذم بحيث
تكون صادقاً فيه ( قل يا أيها الكافرون) لكن الفرق أنهم عابوك بما ليس من فعلك وأنت تعيهم
بما هو فعلهم ( وتاسعها) أن بتقدير أن تقول: يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدونه، والكفار
يقولون : هذا كلام ربك أم كلامك ، فإن كان كلام ربك فربك يقول: أنا لا أعبد هذه الأصنام،
ونحن لا نطلب هذه العبادة من ربك إنما نطلبها منك، وإن كان هذا كلامك فأنت قلت من عند
نفسك إنى لا أعبد هذه الأصنام، فلم قلت إن ربك هو الذى أمرك بذلك، أما لما قال قل ، سقط
هذا الاعتراض لأن قوله ( قل ) يدل على أنه مأمور من عند الله تعالى بأن لا يعبدها ويتبرأ منها
(وعاشرها) أنه لو أنزل قوله (يا أيها الكافرون) لكان يقرؤها عليهم لا محالة، لأنه لا يجوزأن يخون
فى الوحى إلا أنه لما قال (قل ) كان ذلك كالتا كيد فى إيجاب قبليع هذا الوحى إليهم ، والتأكيد
يدل على أن ذلك الأمرأمر عظيم. فيهذا الطريق تدل هذه الكلمة على أن الذى قالوه وطلبوه من الرسول
أمر منكر فى غاية القبح ونهاية الفحش (الحادى عشر) كأنه تعالى يقول كانت التقية جائزة عند الخوف،
أما الآن لما قوينا قلبك بقولها (إنا أعطيناك الكوثر) وبقولنا ( إن شانتك هو الأبتر) فلا تبال بهم
ولا تلتفت إليهم و (قل يا أيها الكافرون، لا أعبد ما تعبدون)(الثانى عشر) أن خطاب الله تعالى مع
العبدمن غيرواسطة بو جب التعظيم ألا ترى أنه فعالی ذکرمن أقسام إهانةالكفار، أنه تعالى لا يكلمهم،
فلو قال (يا أيها الكافرون) لكان ذلك من حيث أنه خطاب مشافهة يوجب التعظيم، ومن حيث أنه وصف
لهم بالكفريوجب الإيذاء فينجبر الإيذاء بالإ كرام، أمالماقال(قل يا أيها الكافرون) فيننذير جمع تشريف

١٣٨
قوله تعالى : قل يا أيها الكافرون . سورة الكافرون .
المخاطبة إلى محمد ربيع، وترجع الإهانة الحاصلة لهم بسبب وصفهم بالكفر إلى الكفار ، فيحصل
فيه تعظيم الأولياء، وإهانة الأعداء ، وذلك هو النباية فى الحسن (الثالث عشر) أن محمداً عليه
السلام كان منهم ، و کان فى غاية الشفقة عليهم والرأفة بهم، و كانوا يعلمون منه أنه شديد الاحتراز
عن الكذب ، والأب الذى يكون فى غاية الشفقة بولده ، ويكون فى نهاية الصدق والبعد عن
المكذب ثم إنه يصف ولده بعيب عظيم فالولد إن كان عافلا يعلم أنه ما وصفه بذلك مع غاية شفقته
عليه إلا لصدقه فى ذلك ولأنه بلغ مبلغاً لا يقدر على إخفائه، فقال تعالى (قل) يا محمد لهم (أيها
الكافرون ) ليعلموا أنك لما وصفتهم بذلك مع غاية شفقتك عليهم وغاية احترازك عن الكذب
فهم موصوفون بهذه الصفة القبيحة، فربما يصير ذلك داعياً لهم إلى البراءة من هذه الصفة
والاحتراز عنها (الرابع عشر) أن الإيذاء والايجاش من ذوى القربى أشد وأصعب من الغير
فأنت من قبلنهم، ونشأت فيما بين أظهرهم فقل لهم ( يا أيها الكافرون ) فلعله يصعب ذلك
الكلام عليهم ، فيصير ذلك داعياً لهم إلى البحث والنظر والبراءة عن الكفر (الخامس عشر)
كأنه تعالى يقول ألسنا بينا فى سورة ( والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا
الصالحات وتواصوا بالحق وتواصو بالصبر) وفى سورة الكوثر (إنا أعطيناك الكوثر) وأتيت
بالإيمان والأعمال الصالحات ، بمقتضى قولنا (فصل لربك وانحر ) قى عليك التواصى بالحق
والتواصى بالصبر، وذلك هو أن تمنعهم بلسانك وبرهانك عن عبادة غير الله، فقل (يا أيها
الكافرون لا أعبد ما تعبدون) (السادس عشر) كانه تعالى يقول يا محمد أنسيت أتى لما
أخرت الوحى عليك مدة قليلة ، قال الكافرون إنه ودعه ربه وقلاه ، فشق عليك ذلك
غاية المشقة ، حتى أنزلت عليك السورة، وأقسمت بالضحى (والليل إذا سجى ) أنه
(ما ودعك ربك وما قلى) فلما لم تستجز أن أترككُ شهراً ولم يطب قلبك حتى ناديت فى العالم
بأنه ( ما ودعك ربك وما قلى) أفتستجيز أن تتركنى شهراً وتشتغل بعبادة آلهتهم فلما ناديت
بنفى تلك التهمة، فناد أنت أيضاً فى العالم بنفى هذه التهمة و (قل يا أيها الكافرون ، لا أعبد
ما تعبدون)، ( السابع عشر) لما سألوا منه أن يعبد آلهتهم سنة ويعبدوا إلهه سنة، فهو عليه
السلام سكت ولم يقل شيئا، لا لأنه جوز فى قلبه أن يكون الذى قالوه حقاً ، فإنه كان قاطعاً
بفساد ما قالوه لكنه عليه السلام ، توقف فى أنه بماذا يجيبهم ؟ أبأن يقيم الدلائل العقلية على
امتناع ذلك أو بأن يزجرهم بالسيف أو بأن ينزل الله عليهم عذاباً، فاغتنم الكفار ذلك السكوت
وقالوا إن محمداً مال إلى ديننا، فكانه تعالى قال با محمد إن توقفك عن الجواب فى نفس الأمر -ق
ولكنه أوثم باطلا ، فتدارك إزالة ذلك الباطل، وصرح بما هو الحق و ( قل يا أيها الكافرون،
لا أعبد ما تعبدون) (الثامن عشر) أنه عليه السلام لما قال له ربه ليلة المعراج أثن على استولى
عليههيبة الحضرة الالهية فقال لا أحصى ثناء عليك، فوقع ذلك السكوت منه فى غاية الحسن فكأنه

١٣٩
قوله تعالى : قل يا أيها الكافرون . سورة الكافرون .
قيل له إن سكت عن الثناء رعاية لهيبة الحضرة فأطلق لسانك فى مذمة الأعداء و (قل يا أيها
الكافرون) حتى يكون سكوتك اللّه وكلامك اللّه، وفيه تقرير آخر وهو أن هيبة الحضرة سلبت
عنك قدرة القول فقل ههنا حتى إن هيبة قولك تسلب قدرة القول عن هؤلاء الكفار (التاسع
عشر) لو قال له لا تعبد ما يعبدون لم يلزم منه أن يقول بلسانه ( لا أعبد ما تعبدون) أما لما أمره
بأن يقول بلسانه ( لا أعبد ما تعبدون) يلزمه أن لا يعبد ما يعبدون إذلو فعل ذلك لصار كلامه
كذبا، فثبت أنه لما قال له قل ( لا أعبد ما تعبدون ) فلزمه أن يكون منكراً لذلك بقلبه ولسانه
و جوارحه . ولو قالله لا تعبد مایعبدون لزمه تركه ، أما (4) لا يلزمه إظهار إنكاره باللسان، ومن
المعلوم أن غاية الإنكار إنما تحصل إذا تركه فى نفته وأنكره بلسانه فقوله له (قل) يقتضى المبالغة
فى الانكار ، فلهذا قال ( قل .. لا أعبد ما تعبدون)، (العشرون) ذكر التوحيد ونفى الإنداد جنة
للعارفين ونار للمشر كين فاجعل لفظك جنة للموحدين وناراً للمشر كين و (قل يا أيها الكافرون
لا أعبد ما تعبدون) (الحادى والعشرون) أن الكفار لما قالوا نعبد إلهك سنة، وتعبدآلهتناسنة
سكت محمد فقال إن شافهتهم بالرد تأذوا ، وحصلت النفرة عن الإسلام فى قلوبهم ، فكأنه تعالى
قال له يا محمد لم سكت عن الرد، أما الطمع فيما يعدونك من قبول دينك ، فلا حاجة بك فى هذا
المعنى إليهم ( فإنا أعطيناك الكوثر ) وأما الخوف منهم فقد أزلنا عنك، الخوف بقولنا إن
شانئك هو الأبتر) فلا تلتفت إليهم ، ولا تبال بكلامهم ، ( وقل يا أيها الكافرون لا أعبد
ما تعبدون) ( الثانى والعشرون) أنسيت يا محمد أنى قدمت حقك على حق نفسى، فقلت (لم يكن
الذين كفروا من أهل الكتاب والمشر كين) فقدمت أهل الكتاب فى الكفر على المشر كين
لأن طعن أهل الكتاب فيك وطعن المشركين فى ، فقدمت حقك على حق نفسى وقدمت أهل
الكتاب فى الذم على المشركين، وأنت أيضا هكذا كنت تفعل فإنهم لما كسروا سنك قلت ((اللهم
اهدقومى)) ولماشغلوك يوم الخندق عن الصلاة قلت ((اللهم املأ بطونهم ناراً)) فههنا أيضاً قدم حق
على حق نفسك وسواء كنتخائفاً منهم ، أو لست خائفاً عنهم فأظهر إنكار قولهم ( وقل يا أيها
الكافرون لا أعبد ما تعبدون) ( الثالث والعشرون ) كأنه تعالى يقول قصة امرأة زيد واقعة
حقيرة بالنسبة إلى هذه الواقعة ، ثم إننى هناك مارضيت منك أن تضمر فى قلبك شيئاً ولا تظهره
بلسانك ، بل قلت لك على سبيل العتاب ( وتخفى فى نفسك ما الله مبديه، وتخشى الناس والله أحق
أن تخشاه) فإذا كنت لم أرض منك فى تلك الواقعة الحقيرة إلا بالإظهار، وترك المبالاة بأقوال
الناس فكيف أرضى منك فى هذه المسألة ، وهى أعظم المسائل خطراً بالسكوت ، قل بصريح لسانك
(يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون) (الرابع والعشرون) يامحمد ألست قلت لك (ولوشئنا لبعثنافى
كل قرية نذيراً) ثم إنى مع هذه القدرة راعيت جانبك وطيبت قلبك وناديت فى العالمين بأنى لا أجمل
الرسالة مشتركة بينه وبين غيره ، بل الرسالة له لا لغيره حيث قلت ( ولكن رسول اللّه وغاتم النبيين)

١٤٠
قوله تعالى : قل يا أيها الكافرون . سورة الكافرون .
فأنت مع علمك بأنه يستحيل عقلا أن يشار كنى غيرى فى المعبودية أولى أن تنادى فى العالمين بنفى هذه
الشركة. فقل (يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون) (الخامس والعشرون) كأنه تعالى يقول القوم
جاؤك وأطمعوك فى متابعتهم لك ومتابعتك لدينهم فسكت عن الإنكار والرد، ألست أنا جعلت
البيعة معك بيعة معى حيث قلت ( إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ) وجعلت متابعتك
متابعة لى حيث قلت ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعو فى يحببكم الله) ثم إنى ناديت فى العالمين وقلت
(إن الله برىء عن المشركين ورسوله) فصرح أنت أيضاً بذلك، و( قل يا أيها الكافرون لا أعبد
ما تعبدون)، (السادس والعشرون) كأنه تعالى يقول ألست أرأف بك من الولد بولده ، ثم
العرى والجوع مع الوالد أحسن من الشبع مع الأجانب، كيف والجوع لهم لأن أصنامهم جائعه
عن الحياة عارية عن الصفات وهم جائعون عن العلم عارون عن التقوى، فقد جربتنى، ألم أجدك
يتيما وضالا وعائلا، ألم نشرح لك صدرك ، ألم أعطك بالصديق خزينة وبالفاروق هيبة وبعثمان
معونة، وبعلى علماً، ألم أكف أصحاب الفيل حين حاولوا تخريب بلدتك، ألم أكف أسلامك
رحلة الشتاء والصيف ، ألم أعطك الكوثر ، ألم أضمن أن خصمك أبتر ، ألم يقل جدك فى هذه
الأصنام بعد تخريبها ( لم تعبد مالا يسمع ولا يبصر ولا يغنى عنك شيئاً) فصرح بالبراءة عنها
و (قل يا أيها الكافرون، لا أعبد ما تعبدون) (السابع والعشرون) كأنه تعالى يقول يا محمد ألست
قد أنزلت عليك (فاذكروا الله كذكركم آباء كم أو أشد ذكراً) ثم إن واحداً لو نسبك إلى
والدين لغضبت ولأظهرت الإنكار ولبالغت فيه، حتى قلت ((ولدت من نكاح ولم أولد من
سفاح)) فإذا لم تسكت عند التشريك فى الولادة ، فكيف سكت عند التشريك فى العبادة !
بل أظهر الإنكار ، وبالغ فى التصريح به، و (قل يا أيها الكافرون ، لا أعبد ما تعبدون)،
(الثامن والعشرون) كأنه تعالى يقول يا محمد ألست قد أنزلت عليك (أفن يخلق كمن لا يحلق
أفلا تذكرون) فحكمت بأن من سوى بين الإله الخالق وبين الوثن الجماد فى المعبودية لا يكون
عافلا بل يكون مجنوناً ، ثم إنى أقسمت وقلت (ن والقلم وما يسطرون، ما أنت بنعمة
ربك بمجنون) والكفار يقولون إنك مجنون ، فصرح برد مقالتهم فإنها تفيد براتى عن عيب
الشرك، وبراءتك عن عيب الجئون و(قل يا أيها الكافرون، لا أعبد ما تعبدون)، (التاسع
والعشرون ) أن هؤلاء الكفار سموا الأوثان آلهة ، والمشاركة فى الاسم لا توجب
المشاركة فى المعنى ، ألا ترى أن الرجل والمرأة يشتركان فى الإنسانية حقيقة، ثم القيمية كلها حظ
الزوج لأنه أعلم وأقدر، ثم من كان أعلم وأقدر كان له كل الحق فى القيمية ، فمن لا قدرة له ولا علم
البتة كيف يكون له حق فى القيومية، بل «هنا شىء آخر: وهو أن امرأةلو ادعاها رجلان ناصطلحا
عليها لا يجوز، ولو أقام كل واحد منهما بينة على أنها زوجته لم يقض لواحد منهما ، والجارية بين
اثنين لا تحل لواحد منهما، فإذا لم يحز حصول زوجة لزوجين، ولا أمة بين موليين فى حل الوط.