Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١
قوله تعالى : ثم لتسالن يومئذ عن النعيم .سورة التكاثر
أكلة أكلنها معك فى بيت أبى الهيثم بن التيهان من خبز شعير ولحم وبسر وماء عذّبّ أن تكون من
النعيم الذى نسأل عنه ؟ فقال عليه الصلاة والسلام إنما ذلك الكفار، ثم قرأ ( وهل يجازى إلا
الكفور) (والثانى) وهو أن ظاهر الآية يدل على ما ذكرناه، وذلك لأن الكفار ألهام
التكاثر بالدنيا والتفاخر بلذاتها عن طاعة الله تعالى والاشتغال بشكره ، فالله تعالى يسألهم عنها يوم
القيامة حتى يظهر لهم أن الذى ظنوه سبباً لسعادتهم هو كان من أعظم أسباب الشفاء لهم فى الآخرة.
﴿ والقول الثانى) أنه عام فى حق المؤمن والكافر واحتجوا بأحاديث، روى أبو هريرة
عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ((أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة عن النعيم فيقال له. ألم
نصحح لك جسمك وزوك من الماء البارد)) وقال محمود بن لبيد لما نزلت هذه السورة قالوا
يا رسول الله عن أى نعيم نسأل؟ إنما هما الماء والتمر وسيوفنا على عواتقنا والعدو حاضر، فعن
أی نعيم نسأل؟ قال (( إن ذلكسیکون)) وروى عن عمر أنه قال أی نعيم نسأل عنه یارسول اللهوقد
أخرجنا من ديار ناوأم والنا؟ فقال رقم ((ظلال المساكر والأشجار والأخبية التى تقيكم من الحروالبرد
والماء البارد فى اليوم الحار )) وقريب منه « من أصبح آمناً فى سربه معافى فى بدنه وعنده قوت يومه
فكانما حيزت له الدنيا بحذافيرها)) وروى أن شاباً أسلم فى عهد رسول الله دائم فعلمه رسول الله
سورة ألهاكم ثم زوجه رسول اللّه امرأة فلما دخل عليها ورآى الجهاز العظيم والنعيم المكثير خرج
وقال لا أريد ذلك فسأله التى عليه الصلاة السلام عنه فقال ألست علمتنى (ثم لتسألن يومئذ عن
النعيم) وأنا لا أطيق الجواب عن ذلك. وعن أنس لما نزلت الآية قام محتاج فقال هل على من النعة
شىء؟ قال الظل والنعلان والماء البارد. وأشهر الأخبار فى هذا ما روى أنه عليه الصلاة والسلام
خرج ذات ليلة إلى المسجد ، فلم يلبث أن جاء أبو بكر فقال ما أخرجك يا أبابكر؟ قال الجوع، قال
والله ما أخرجنى إلا الذى أخرجك، ثم دخل عمر فقال مثل ذلك، فقال قوموا بنا إلى منزل أبى
الهيثم ، فدق رسول اللّه ◌َيتم الباب وسلم ثلاث مرات فلم يجب أحد فانصرف رسول الله
صلى الله عليه وسلم خرجت امرأته تصيح كنا نسمع صوتك لكن أردنا أن تزيد من سلامك
فقال لها خيراً ، ثم قالت بأبى أنت وأمى إن أبا الهيثم خرج يستعذب لنا الماء ، ثم عمدت إلى
صاع من شعير فطحنته وخبزته ورجع أبو الهيثم فذج عناداً وأتاهم بالرطب فأكلوا وشربوا فقال
عليه الصلاة والسلام ((هذا من النعيم الذى تسألون عنه)) وروى أيضاً ((لا تزول قدما عبد حتى
يسأل عن أربع عن عمره وماله وشبابه وعمله)) وعن معاذ عن النبى صلى الله عليه وسلم (( أن العبد
ليسأل يوم القيامة حتى عن كل عينيه، وعن فتات الطينة بأصبعه، عن لمس أوب أخيه)) واعلم
أن الأولى أن يقال السؤال يعم المؤمن والكافر، لكن سؤال الكافر توبيخ لأنه ترك الشكر،
وسؤال المؤمن سؤال تشريف لأنه شكر وأطاع .
المسألة الثانية ﴾ ذكروا فى النعيم المسئول عنه وجوهاً (أحدها) ما روى أنه خمس: شبع
الفخر الرازي - ج ٣٢ م ٦
٨٢
قوله تعالى : ثم لتسألن يومئذ عن النعيم سورة التكاثر
البطون وبارد الشراب ولذة النوم وإظلال المساكن واعتدال الخلق ( وثانيها) قال ابن مسعود
إنه الأمن والصحة والفراغ ( وثالثها ) قال ابن عباس إنه الصحة وسائر ملاذ المأكول والمشروب
(ورابعها) قال بعضهم الانتفاع بإدراك السمع والبصر (وخامسها ) قال الحسن بن الفضل
تخفيف الشرائع وتيسير القرآن ( وسادسها) قال ابن عمر إنه الماء البارد (وسابعها ) قال الباقر
إنه العافية، ويروى أيضاً عن جابر الجعفى قال: دخلت على الباقر فقال ما تقول أرباب التأويل
فى قوله (ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم)؟ فقلت يقولون الظل والماء البارد فقال: لو أنك أدخلت
بيتك أحداً وأقعدته فى ظل وأسقيته ماء بارداً أتمن عليه؟ فقلت لا، قال فانتهأكرم من أن يطعم عبده
ويسقيه ثم يسأله عنه، فقلت ما تأويله؟ قال النعيم هو رسول الله صلى الله عليه وسلم أنعم الله به على
هذا العالم فاستنقذهم به من الضلالة، أما سمعت قوله تعالى ( لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم
رسولا ) الآية (القول الثامن) إنما يسألون عن الزائد مما لابد منه من مطعم وملبس ومسكن.
(والتاسع) وهو الأولى أنه يجب حمله على جميع النعم، ويدل عليه وجوه: (أحدها) أن
الألف واللام يفيدان الاستغراق ( وثانيها ) أنه ليس صرف اللفظ إلى البعض أولى من صرفه
إلى الباقى لا سيما وقد دل الدليل على أن المطلوب من منافع هذه الدنيا اشتغال العبد بعبودية الله
تعالى ( وثالثها) أنه تعالى قال ( يابنى إسرائيل اذكروا نعمتى التى أفعمت عليكم) والمراد منه جميع
النعم من فلق البحر والإنجاء من فرعون وإنزال المن والسلوى فكذا ههنا ( ورابعها) أن النعيم
التام كالشىء الواحد الذى له أبعاض وأعضاء فإذا أشير إلى النعيم فقد دخل فيه الكل، كما أن الترياق
اسم للمعجون المركب من الأدوية الكثيرة فإذا ذكر الترياق فقد دخل الكل فيه .
واعلم أن النعم أقسام فمنها ظاهرة وباطنة ، ومنها متصلة ومنفصلة ، ومنها دينية ودنيوية ، وقد
ذكرنا أقسام السعادات بحسب الجنس فى تفسير أول هذه السورة ، وأما تعديدها بحسب النوع
والشخص فغير مكن على ما قاله تعالى ( وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها) واستعن فى معرفة نعم الله
عليك فى صحة بدنك بالأطباء، ثم هم أشد الخلق غفلة ، وفى معرفة نعم الله عليك بخلق السموات
والكواكب بالمنجمين، وهم أشد الناس جهلا بالصانع، وفى معرفة سلطان اللّه بالملوك، ثم هم أجهل
الخلق، وأما الذى يروى عنابن عمر أنه الماء البارد فمعناه هذا من جملته، ولعله إنما خصه بالزكر
لأنه أهون موجود وأعز مفقود، ومنه قول ابن السماك للرشيد أرأيت لو احتجت إلى شربة ماء
فی فلاة ا کنت تبذل فيه نصف الملك؟ وإذا شرقت بها أ كنت تبذل نصف الملك ؟ وإن احتبس
بولك أ كنت تبذل كل الملك ؟ فلا تغتر بملك كانت الشربة الواحدة من الماء قيمته مرتين؛ أو لأن
أهل النار يطلبون الماء أشد من طلبهم لغيره، قال تعالى (أن أفيضوا علينا من الماء) أو لأن
السورة نزلت فى المترفين ، وهم المختصون بالماء البارد والظل، والحق أن السؤال يعم المؤمن
والكافرعن جميع النعيم سواء كان ما لابد منه [أو لإ]، وليس كذلك لأن كل ذلك يجب أن يكون
٨٣
قوله تعالى: ثم لتسألن يومئذ عن النعيم سورة التكاثر
مصروفاً إلى طاعة الله لا إلى معصيته، فيكون السؤال واقعاً عن الكل، ويؤ كده ما روى عنه
عليه الصلاة والسلام أنه قال (( لاتزول قدما العبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع؛ عن عمره فيم
أفناه ، وعن شبابه فيم أبلاه ، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه ، وعن علمه ماذا عمل به ))
فكل النعيم من اللّه تعالى داخل فيما ذكره عليه الصلاة والسلام.
﴿ المسألة الثالثة ﴾ اختلفوا فى أن هذا السؤال أين يكون؟
﴿فالقول الأول) أن هذا السؤال إنما يكون فى موقف الحساب، فإن قيل هذا لا يستقيم،
لأنه تعالى أخبر أن هذا السؤال متأخر عن مشاهدة جهنم بقوله ( ثم لتستلن ) وموقف السؤال
متقدم على مشاهدة جهنم؟ قلنا المراد من قوله (ثم) أى ثم أخبر كم أنكم تسألون يوم القيامة،
وهو كقوله ( فك رقبة أو إطعام فى يوم ذى مسغبة ) إلى قوله ( ثم كان من الذين آمنوا).
﴿ القول الثانى) أنهم إذا دخلوا النار سئلوا عن النعيم توبيخاً لهم، كما قال (كلما ألقى فيها
فوج سألهم خزنتها) وقال ( ماسلككم فى سقر ) ولا شك أن مج. الرسول نعمة من الله، فقد
سئلوا عنه بعد دخولهم النار ، أو يقال إنهم إذا صاروا فى الجحيم وشاهدوها ، يقال لهم إنما
حل بكم هذا العذاب لأنكم فى دار الدنيا اشتغاتم بالنعيم عن العمل الذى ينجيكم من هذه النار ،
ولو صرفتم عمر كم إلى طاعة ربكم لكنتم اليوم من أهل النجاة الفائزين بالدرجات ، فيكون ذلك
من الملائكة سؤالا عن نعيمهم فى الدنيا ، والله سبحانه وتعالى أعلم ، وصلى الله على سيدنا محمد
وعلى آله وصحبه وسلم .
سورة العصر
(١٠٣) سُورَة العَصْرِمَكَيَّة
وَأَيَاتِها ثلاثُ
بِسْـ
وَالْعَصْرِ
ر
بسم الله الرحمن الرحيم
أوالعصر) اعلم أنهم ذكروا فى تفسير العصر أقوالا
﴿الأول) أنه الدهر، واحتج هذا القائل بوجوه (أحدها) ما روى عن النبي صَ ام أنه أقسم
بالدهر ، وكان عليه السلام يقرأ: والعصر ونوائب الدهر إلا أنا نقول: هذا مفسد للصلاة، فلا
نقول إنه قرأه قرآناً بل تفسيراً، ولعله تعالى لم يذكر الدهر لعلمه بأن الملحد مولع بذكره وتعظيمه
ومن ذلك ذكره فى ( هل أتى) رداً على فساد قولهم بالطبع والدهر ( وثانيها ) أن الدهر مشتمل
على الأعاجيب لأنه يحصل فيه السراء والضراء ، والصحة والسقم ، والغنى والفقر ، بل فيه
ما هو أعجب من كل عجيب، وهو أن العقل لا يقوى على أن يحكم عليه بالعدم ، فإنه مجزأ مقسم
بالسنة ، والشهر، واليوم، والساعة، ومحكوم عليه بالزيادة والنقصان والمطابقة، وكونه ماضياً
ومستقبلا، فكيف يكون معدوماً؟ ولا يمكنه أن يحكم عليه بالوجود لأن الحاضر غير قابل للقسمة
والماضى والمستقبل معدومان، فكيف يمكن الحكم عليه بالوجود؟ ( وثالثها) أن بقية عمر المر.
لا قيمة له ، فلو ضيعت ألف سنة ، ثم تبت فى اللمحة الأخيرة من العمر بقيت فى الجنة أبد الآباد
فعلمت حينئذ أن أشرف الأشياء حياتك فى تلك اللمحة ، فكان الدهر والزمان من جملة أصول
النعم ، فلذلك أقسم به ونبه على أن الليل والنهار فرصة يضيعها المكلف، وإليه الإشارة بقوله
(وهو الذى جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً) (ورابعها) وهو أن
قوله تعالى فى سورة الأنعام ( قل لمن ما فى السموات والأرض؟ قل اللّه) إشارة إلى المكان
والمكانيات، ثم قال ( وله ماسكن فى الليل والنهار ) وهو إشارة إلى الزمان والزمانيات، وقد
بينا هناك أن الزمان أعلى وأشرف من المكان ، فلما كان كذلك كان القسم بالعصر قسما بأشرف
النصفين من ملك اللّه وملكوته (وخامسها ) أنهم كانوا يضيفون الخسران إلى نوائت الدهر ،
فكأنه تعالى أقسم على أن الدهر والعصر نعمة حاصلة لا عيب فيها ، إنما الخاسر المعيب هو
الإنسان (وسادسها ) أنه تعالى ذكر العصر الذى بمضيه يفتقص عمرك، فإذ لم يكن فى مقابلته
٨٥
قوله تعالى : والعصر . سورة العصر .
كسب صار ذلك النقصان عن الخسران ، ولذلك قال ( افى خسر ) ومنه قول القائل :
إنا لنفرح بالأيام نقطعها وكل يوم مضى نقص من الأجل
فكأن المعنى: والعصر العجيب أمره حيث يفرح الآنسان بمضيه لظنه أنه وجد الربح مع أنه
هدم لعمره وإنه انفى خسر (القول الثانى) وهو قول أبى مسلم: المراد بالعصر أحد طرفى النهار ،
والسبب فيه وجوه (أحدها ) أنه أقسم تعالى بالعصر كما أقسم بالضحى لما فيهما جميعاً من دلائل
القدرة فإن كل بكرة كأنها القيامة يخرجون من القبور وتصير الأموات أحياء ويقام الموازين
وكل عشية تشبه تخريب الدنيا بالصعق والموت، وكل واحد من هاتين الحالتين شاهد عدل ثم إذا
لم يحكم الحاكم عقيب الشاهدين عد خاسراً فكذا الإنسان الغافل عنهما فى خسر ( وثانيها) قال
الحسن رحمه الله إنما أقسم بهذا الوقت تنبيها على أن الأسواق قد دنا وقت انقطاعها وانتهاء التجارة
والكسب فيها ، فاذا لم تكتسب ودخلت الدار وطاف العيال عليك يسألك كل أحد ما هو حقه
فيذذ تخجل فتكون من الخاسرين ، فكذا نقول والعصرأى عصر الدنيا قد دنت القيامة و[أنت]
بعد لم تسعتد وتعلم أنك تسأل غداً عن النعيم الذى كنت فيه فى دنياك ، وتسأل فى معاملتك مع
الخلق وكل أحد من المظلومين يدعى ما عليك فإذا أنت خاسر ، ونظيره ( اقترب للناس حسابهم
وهم فى غفلة معرضون)، ( وثالثها) أن هذا الوقت معظم، والدليل عليه قوله عليه السلام (( من
حلف بعد العصر كاذبا لا يكلمه الله ولا ينظر إليه يوم القيامة)) فكما أقسم فى حق الرابح بالضحى
فكذا أقسم فى حق الخاسر بالعصر وذلك لأنه أقسم بالضحى فى حق الرابح وبشر الرسول أن
أمره إلى الإقبال وههنا فى حق الخاسر توعده أن أمره إلى الإدبار ، ثم كأنه يقول بعض النهار
بأق فيحثه على التدارك فى البقية بالتوبة ، وعن بعض السلف: تعلمت معنى السورة من بائع الثلج
كان يصيح ويقول: ارحموا من يذوب رأس ماله ، ارحموا من يذوب رأس ماله فقلت هذا معنى
( إن الإنسان افى خسر) يمر به العصر فيمضى عمره ولا يكتسب فإذا هو خاسر.
(القول الثالث) وهو قول مقاتل أراد صلاة العصر، وذكروا فيه وجوهاً (أحدها) أنه
تعالى أقسم بصلاة العصر لفضلها بدليل قوله ( والصلاة الوسطى ) صلاة العصر فى مصحف حفصة
وقيل فى قوله ( تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله) إنها صلاة العصر (وثانيها) قوله
عليه السلام ((من فاتته صلاة العصر فكانما وتر أهله وماله)) (وثالثها) أن التكليف فى أدائها
أشق لنهافت الناس فى تجاراتهم ومكاسبهم آخر النهار واشتغالهم بمعايشهم (ورابعها) روى أن
امرأة كانت تصيح فى سكك المدينة وتقول: دلونى على التى يتم فرآها رسول اللّه ◌ِز لتمٍ، فسألها
ماذا حدث ؟ قالت يارسول الله إن زوجى غاب عنى فزنيت نجاءنى ولد من الزنا فألقيت الولد فى دن
من الخل حتى مات ، ثم بعنا ذلك الخل فهل لى من توبة ؟ فقال عليه السلام أما الزنا فعليك الرجم ،
أما قتل الولد فجزاؤه جهنم، وأما بيع الخل فقد ارتكبت كبيراً، لكن ظننت أنك تركت صلاة
٨٦
قوله تعالى : إن الإنسان لفي خسر . سورة العصر .
إِنَّ الْإِنسَنَ لَفِي خُسْرٍ ﴾
صلاة العصر)) ففى هذا الحديث إشارة إلى تفخيم أمر هذه الصلاة (وخامسها) أن صلاة العصر
بها يحصل ختم طاعات النهار، فهى كالتوبة بها يختم الأعمال ، فكما تجب الوصية بالتوبة كذا بصلاة
العصر لأن الأمور بخواتيمها ، فأقسم بهذه الصلاة تفخيما لشأنها ، وزيادة توصية المكلف على
أدائها وإشارة منه أنك إن أديتها على وجهها عاد خسرانك ربحاً، كما قال (إلا الذين آمنوا)
(وسادسها) قال النبى صلى الله عليه وسلم ((ثلاثه لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يكلمهم ولا
يزكيهم - [عد] منهم - رجل حلف بعد العصر كاذباً)) (فإن قيل) صلاة العصر فعلنا، فكيف يجوزأن
يقال أقسم اللّه تعالى به؟ (والجواب) أنه ليس قسما من حيث إنها فعلنا؛ بل من حيث إنها أمر
شريف تعبدنا الله تعالى بها .
﴿ القول الرابع) أنه قسم بزمان الرسول عليه السلام ، واحتجوا عليه بقوله عليه السلام
((إنما مثلكم ومثل من كان قبلكم مثل رجل استأجر أجيراً، فقال من يعمل من الفجر إلى الظهر
بقيراط، فعملت اليهود، ثم قال من يعمل من الظهر إلى العصر بقيراط ، فعملت النصارى ، ثم
قال من يعمل من العصر إلى المغرب بقراطين ، فعملتم أنتم ، فغضبت اليهود والنصارى ، وقالوا
نجن أكثر عملا وأقل أجراً ! فقال الله: وهل نقصت من أجر كم شيئاً، قالوا لا ، قال فهذا فضلى
أوتيه من أشاء، فكنتم أقل عملا وأكثر أجراً)) فيهذا الخبر دل على أن العصر هو الزمان المختص به
وبأمته، فلا جرم أقسم الله به، فقوله ( والعصر) أى والعصر الذى أنت فيه فهو تعالى أقسم بزمانه
فى هذه الآية وبمكانه فى قوله ( وأنت حل بهذا البلد) وبعمره فى قوله (لعمرك) فكأنه قال :
وعصرك وبلدك وعمرك، وذلك كله كالظرف له، فإذا وجب تعظيم حال الظرف فقس حال المظروف،
ثم وجه القسم، كانه تعالى يقول: أنت يا محمد حضرتهم ودعوتهم، وهم أعرضوا عنك. وما التفتوا
إليك ، فما أعظم خسرانهم وما أجل خذلانهم.
قوله تعالى : ﴿ إن الإنسان انى خسر ﴾ وفيه مسائل:
المسألة الأولى ﴾ الألف واللام فى الإنسان ، يحتمل أن تكون للجنس ، وأن تكون .
للمعهود السابق ، فلهذا ذكر المفسرون فيه قولين (الأول) أن المراد منه الجنس وهو كقولهم:
كثر الدرهم فى أيدى الناس ، ويدل على هذا القول استثناء الذين آمنوا من الإنسان ( والقول
الثانى) المراد منه شخص معين ، قال ابن عباس: يريد جماعة من المشركين كالوليد بن المغيرة ،
والعاص بن وائل، والأسود بن عبد المطلب . وقال مقاتل : نزلت فى أبى لهب، وفى خبر مرفوع
٨٧
قوله تعالى : إن الإنسان لفي خسر . سورة العصر .
إنه أبو جهل، وروى أن هؤلاء كانوا يقولون: إن محمداً لفى خسر، فأقسم تعالى أن الأمر بالضد
مما يتوهمون.
﴿ المسألة الثانية﴾ الخسر الخسران، كما قيل الكفر فى الكفران ، ومعناه النقصان وذهاب
رأس المال، ثم فيه تفسيران ، وذلك لأنا إذا حملنا الإنسان على الجنس كان معنى الخسر هلاك
نفسه وعمره ، إلا المؤمن العامل فإنه ماهلك عمره وماله، لأنه اكتسب بهما سعادة أبدية، وإن
حملنا لفظ الإنسان على الكافر كان المراد كونه فى الضلالة والكفر إلا من آمن من هؤلاء ،
فحينئذ يتخلص من ذلك الخسار إلى الربح .
المسألة الثالثة﴾ إنما قال (أفى خسر) ولم يقل لفى الخسر، لأن التنكير يفيد التهويل تارة
والتحقير أخرى ، فإن حملنا على الأول كان المعنى إن الإنسان لفي خسر عظيم لا يعلم كنهه إلا
اللّه، وتقريره أن الذنب يعظم بعظم من فى حقه الذنب ، أو لأنه وقع فى مقابلة النعم العظيمة ،
وكلا الوجهين حاصلان فى ذنب العبد فى حق ربه ، فلا جرم كان ذلك الذنب فى غاية العظم ، وإن
حملناه على الثانى كان المعنى أن خسران الإنسان دون خسران الشيطان ، وفيه بشارة أن فى خاقى
من هو أعصى منك ، والتأويل الصحيح هو الأول .
المسألة الرابعة ﴾ لقائل: أن يقول قوله (أفى خسر) يفيد التوحيد، مع أنه فى أنواع من
الخسر ( والجواب) أن الخسر الحقيقى هو حرمانه عن خدمة ربه، وأما البواقى وهو الحرمان
عن الجنة ، والوقوع فى النار، فبالنسبة إلى الأول كالعدم ، وهذا كما أن الإنسان فى وجوده
فوائد، ثم قال ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) أى لما كان هذا المقصود أجل المقاصد
كان سائر المقاصد بالنسبة إليه كالعدم .
واعلم أن الله تعالى قرن بهذه الآية قران تدل على مبالغته تعالى فى بيان كون الإنسان
فى خسر (أحدها) قوله (لفى خسر.) يفيد أنه كالمغمور فى الخسران ، وأنه أحاط به من كل جانب
(وثانيها ) كلمة إن ، فإنها للتأكيد ( وثالثها ) حرف اللام فى لفى خسر ، وههنا احتمالان:
( الأول ) فى قوله تعالى ( لفى خسر) أى فى طريق الخسر، وهذا كقوله فى أكل
أموال اليتامى: (إنما يأكلون فى بطونهم ناراً ) لما كانت عاقبته النار.
﴿الاحتمال الثاني١) أن الإنسان لا ينفك عن خسر، لأن الخسر هو تضييع رأس المال،
ورأس ماله هو عمره ، وهو قلما ينفك عن تضييع عمره ، وذلك لأن كل ساعة تمر بالإنسان ؛
فإن كانت مصروفة إلى المعصية فلا شك فى الخسران ، وإن كانت مشغولة بالمباحات فالخسران
أيضاً حاصل ، لأنه كما ذهب لم يبق منه أثر، مع أنه كان متمكناً من أن يعمل فيه عملا
يبقى أثره دائماً، وإن كانت مشغولة بالطاعات فلا طاعة إلا ويمكن الإتيان بها ، أو بغيرها على
وجه أحسن من ذلك، لأن مراتب الخضوع والخشوع لله غير متناهية، فإن مراتب جلال الله
وقهره غير متناهية، وكلما كان علم الإنسان بها أكثر كان خوفه منه تعالى أكثر ، فكان تعظيمه
٨٨
قوله تعالى : إلا الذين آمنوا وعملو الصالحات . سورة العصر .
إِلَّا أَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ
عند الإتيان بالطاعات أنم وأكمل ، وترك الأعلى والاقتصار بالأدنى نوع خسران، فثبت أن
الإنسان لا ينفك البتة عن نوع خسران.
واعلم أن هذه الآية كالتنبيه على أن الأصل فى الأنسان أن يكون فى الخسران والخيبة ،
وتقريره أن سعادة الإنسان فى حب الآخرة والإعراض عن الدنيا، ثم إن الأسباب الداعية إلى
الآخرة خفية ، والأسباب الداعية إلى حب الدنيا ظاهرها ، وهى الحواس الخمس والشهوة
والغضب ، فلهذا السبب صار أكثر الخلق مشتغلين بحب الدنيا مستغرقين فى طلبها، فكانوا فى
الخسران والبوار، فإن قيل إنه تعالى قال فى سورة التين (لقد خلقنا الإنسان فى أحسن تقويم
ثم رددناه أسفل سافلين) فهناك يدل على أن الابتداء من الكمال والانتهاء إلى النقصان ، وههنا
يدل على أن الابتداء من النقصان والانتها. إلى الكمال ، فكيف وجه الجمع؟ قلنا المذكور فى سورة
التين أحوال البدن ، وههنا أحوال النفس فلا تناقض بين القولين.
قوله تعالى : ﴿ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات
اعلم أن الإيمان والأعمال الصالحة قد تقدم تفسيرهما مراراً، ثم ههنا مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ احتج من قال العمل غير داخل فى مسمى الإيمان، بأن الله تعالى عطف
عمل الصالحات على الإيمان ، ولو كان عمل الصالحات داخلا فى مسمى الإيمان لكان ذلك تكريراً
ولا يمكن أن يقال هذا التكرير واقع فى القرآن, كقوله تعالى (وإذا أخذنا من النبيين ميثاقهم
ومنك ومن نوح) وقوله ( وملائكته وجبريل وميكال) لأنا نقول هناك إنما حسن، لأن
إعادته تدل على كونه أشرف أنواع ذلك الكلى ، وعمل الصالحات ليس أشرف أنواع الأمور
المسماة بالإيمان، فبطل هذا التأويل. قال الحليمى: هذا التكرير واقع لا محالة، لأن الإيمان
وإن لم يشتمل على عمل الصالحات، لكن قوله ( وعملوا الصالحات ) يشتمل على الإيمان ، فيكون
قوله ( وعملوا الصالحات) مغنياً عن ذكر قوله (الذين آمنوا) وأيضاً فقوله (وعملوا الصالحات)
يشتمل على قوله (وتواصوا بالحق ، وتواصوا بالصبر (فوجب أن يكون ذلك تكراراً، أجاب
الأولون وقالوا : إنا لا نمنع ورود التكرير لأجل التأكيد ، لكن الأصل عدمه، وهذا القدر
يكفى فى الاستدلال .
﴿ المسألة الثانية﴾ احتج القاطعون بوعيد الفساق بهذه الآية، قالوا: الآية دلت على أن
الإنسان فى الخسارة مطلقاً ، ثم استثنى (الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) والمعلق على الشرطين
مفقود عند فقد أحدهما ، فعلمنا أن من لم يحصل له الإيمان والأعمال الصالحة، لا بد وأن يكون
فى الخسار فى الدنيا وفي الآخرة، ولما كان المستجمع لهاتين الخصلتين فى غاية القلة ، وكان الخسار
٨٩
قوله تعالى : وتواصوا بالحق . سورة العصر .
٣
وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقِّ وَنَوَاصَوْاْ بِالصّبْرِ
لازماً لمن لم يكن مستجمعاً لهما كان الناجى أقل من الهالك ، ثم لو كان الناجى أكثر كان الخوف
عظيما حتى لا تكون أنت من القليل، كيف والناجى أقل؟ أملا ينبغى أن يكون الخوف أشد !.
المسألة الثالثة﴾ أن هذا الاستثناء فيه أمور ثلاثة (أحدها) أنه تسلية المؤمن من فوت
عمره وشبابه ، لأن العمل قد أوصله إلى خير من عمره وشبابه ( وثانيها) أنه تفيه على أن كل
مادعاك إلى طاعة الله فهو الصلاح، وكل ما شغلك عن اللّه بغيره فهو الفساد (وثاثها ) قالت
المعتزله تسمية الأعمال بالصالحات تنبيه على أن وجه حسنها ليس هو الأمر على ما يقوله الأشعرية،
لكن الأمر إنما ورد لكونها فى أنفسها مشتملة على وجوه الصلاح، وأجابت الأشعرية بأن الله
تعالى وصفها بكونها صالحة، ولم يبين أنها صالحة بسبب وجوه عائدة إليها أو بسبب الأمر.
المسألة الرابعة ﴾ لسائل أن يسأل، فيقول إنه فى جانب الخسر ذكر الحكم ولم يذكر
السبب وفى جانب الربح ذكر السبب، وهو الإيمان والعمل الصالح، ولم يذكر الحكم فما الفرق
( قلنا) إنه لم يذكر سبب الخسر لأن الخسر كما يحصل بالفعل، وهو الإقدام على المعصية يحصل
بالترك ، وهو عدم الإقدام على الطاعة ، أما الربح فلا يحصل إلا بالفعل، فلهذا ذكر سبب الريح
وهو العمل، وفيه وجه آخر، وهو أنه تعالى فى جانب الخسر أبهم ولم يفصل، وفى جانب الريح
فصل وبين ، وهذا هو اللائق بالكرم .
قوله تعالى: ﴿وتواصوا بالحق وتوصوا بالصبر﴾
فاعلم أنه تعالى لما بين فى أهل الاستثناء أنهم بإيمانهم وعملهم الصالح خرجوا عن أن يكونوا
فى خسر وصاروا أرباب السعادة من حيث إنهم تمسكوا بما يؤديهم إلى الفوز بالثواب والنجاة
من العقاب وصفهم بعد ذلك بأنهم قد صاروا لشدة محبتهم للطاعة لا يقتصرون على ما يخصهم بل
يوصون غيرهم بمثل طريقتهم ليكونوا أيضاً سبباً لطاعات الغير كما ينبغى أن يكون عليه أهل الدين
وعلى هذا الوجه قال تعالى ( يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً) فالتواصى بالحق يدخل
فيه سائر الدين من علم وعمل ، والتواصى بالصبر يدخل فيه حمل النفس على مشقة التكليف فى
القيام بما يجب ، وفى اجتنابهم ما يحرم إذ الإقدام على المكروه، والإحجام عن المراد كلاهما
شاق شديد ، وههنا مسائل :
المسألة الأولى ﴾ هذه الآية فيها وعيد شديد، وذلك لأنه تعالى حكم بالخسار على جميع
الناس إلا من كان آتياً بهذه الأشياء الأربعة، وهى الإيمان والعمل الصالح والنواصى بالحق
والتواصى بالصبر ، فدل ذلك على أن النجاة معلقة بمجموع هذه الأمور وإنه كما يلزم المكلف
تحصيل ما يخص نفسه فكذلك يلزمه فى غيره أمور ، منها الدعاء إلى الدين والنصيحة والأمر
٩٠
قوله تعالى : وتواصوا بالحق . سورة العصر .
بالمعروف والنهى عن المنكر ، وأن يحب له ما يحب لنفسه ، ثم كرر التواصى ليضمن الأول
الدعاء إلى الله، والثانى الثبات عليه، والأول الأمر بالمعروف والثانى النهى عن المنكر ، ومنه
قوله ( وانه عن المنكر , واصبر) وقال عمر: رحم الآه من أهدى إلى عيوبى.
﴿ المسألة الثانية﴾ دلت الآية على أن الحق ثقيل، وأن المحن تلازمة، فلذلك قرن به التواصى.
المسألة الثالثة﴾ إنما قالٍ (وتواصوا) ولم يقل ويتواصون لئلا يقع أمراً بل الغرض
مدحهم بما صدر عنهم فى الماضى ، وذلك يفيد رغبتهم فى الثبات عليه فى المستقبل .
﴿ المسألة الرابعة﴾ قرأ أبو عمرو (بالصبر) بشم الماء شيئاً من الحرف، لا يشبع قال أبو على،
وهذا مما يجوز فى الوقف، ولا يكون فى الوصل إلا على إجراء الوصل مجرى الوقف، وهذا لا يكاد
يكون فى القراءة ، وعلى هذا ما يروى عن سلام بن المنذر أنه قرأ، والعصر بكسر الصاد ولعله
وقف لانقطاع نفس أو لعارض منعه من إدراج القراءة، وعلى هذا يحمل لا على إجراء الوصل
مجرى الوقف، والله سبحانه وتعالى أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
٩١
سورة الهمزة
(١٠٤) سِوِّرة الهُصَرَة مَكِيَّة
وأَيَانَهَا نِسُع
= ١١
بِسْـ
وَيْلٌ لِكُلِ حُمَةٍ ثُمَزَةٍ
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿ ويل لكل همزة لمزة ) فيه مسائل:
المسألة الأولى ﴾ الويل لفظة الذم والسخط، وهى كلمة كل مكروب يتولون فيدعو بالويل
وأصله وى لفلان ثم كثرت فى كلامهم فوصلت باللام ، وروى أنه جبل فى جهنم إن قيل لم قال
ههنا (ويل) وٍفى موضع آخر ( ولكم الوبل)؟ قلنا لأن ثمة قالوا (ياويلنا إنا كنا ظالمين) فقال (ولكم
الويل ) وههنا نكر لأنه لا يعلم كنهه إلا الله، وقيل فى ويل إنها كلمة تقبيح، وويس استصغار
وويح ترحم، فنبه بهذا على قبح هذا الفعل ، واختلفوا فى الوعيد الذى فى هذه السورة هل يتناول
كل من يتمسك بهذه الطريقة فى الأفعال الرديئة أوهو مخصوص بأفوام معينين ، أما المحققون فقالوا
إنه عام لكل من يفعل هذا الفعل كائناً من كان وذلك لأن خصوص السبب لا يقدح فى عموم اللفظ
وقال آخرون إنه مختص بأناس معينين ، ثم قال عطاء والكلى نزلت فى الأخفس بن شريق كان يلز
الناس ويغتابهم وخاصة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال مقاتل: نزلت فى الوليد بن المغيرة
کان يغتاب النی صلى الله عليه وسلم من ورائه ويطعن عليه فى او جهه، وقال محمد بن إسحاق ما زلنا
نسمع أن هذه السورة نزلت فى أمية بن خلف ، قال الفراء وكون اللفظ عاماً لا ينافى أن يكون المراد
منه شخصاً معيناً، كما أن إنساناً لوقال لك لا أزورك أبداً فتقول أنت كل من لم يزرنى لا أزوره وأنت
إنما تريده بهذه الجملة العامة وهذا هو المسمى فى أصول الفقه بتخصيص العام بقرينة العرف.
المسألة الثانية﴾ الهمز الكسر قال تعالى (هماز مشاء) واللمز الطعن والمراد الكسر من
أعراض الناس والغض منهم والطعن فيهم، قال تعالى (ولا تلمزوا أنفسكم) وبناء فعله يدل على أن
ذلك عادة منه قد ضرى بها ونحوهما اللعنة والضحكة ، وقرى. (ويل لكل همزة لمزة) بسكون
الميم وهى المسخرة التى تأتى بالأوابد والأضاحيك فيضحك منه ويشتم والمفسرين ألفاظاً (أحدها)
قال ابن عباس: الهمزة المغتاب، واللهزة العياب (وثانيها) قال أبو زيد: الهمزة باليد واللمزة
٩٢
قوله تعالى : الذي جمع مالا وعدده .. سورة الهمزة .
١٠٠٠٠٠٠٠٠٠
٢
الَّذِى جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ،
باللسان ( وثالثها) قال أبو العالية: الهمزة بالمواجهة واللهزة بظهر الغيب (ورابعها) الهمزة جهراً
واللهزة سراً بالحاجب والعين (وخامسها) الهمزة واللمزة الذى يلقب الناس بما يكرهون وكان
الوليد بن المغيرة يفعل ذلك ، لكنه لا يليق بمنصب الرياسة إنما ذلك من عادة السقاط ويدخل
فيه من يحاكى الناس بأقوالهم وأفعالهم وأصوانهم ليضحكوا. وقد حكى الحكم بن العاص مشية
النبى صلى الله عليه وسلم فنفاه عن المدينة ولعنه (وسادسها) قال الحسن ، الهمزة الذى يهمز جليسه
يكسر عليه عينه واللهزة الذى يذكر أخاه بالسوء ويعيبه (وسابعها) عن أبى الجوزاء قال قلت
لابن عباس (ويل لكل همزة لمزة ) من هؤلاء الذين بذمهم الله بالويل فقال هم المشاؤون بالنميمة
المفرقون بين الأحبة الناعتون للناس بالعيب.
واعلم أن جميع هذه الوجوه متقاربة راجعة إلى أصل واحد وهو الطعن وإظهار العيب ، ثم
هذا على قسمين فإنه إما أن يكون بالجد كما يكون عند الحسدوالحقد، وإما أن يكون بالهزل كما يكون
عند السخرية والإضحاك ، وكل واحد من القسمين ، إما أن يكون فى أمريتعلق بالدين ، وهو ما يتعلق
بالصورة أو المشى ، أو الجلوس وأنواعه كثيرة وهى غير مضبوطة ، ثم إظهار العيب فى هذه
الأقسام الأربعة قد يكون لحاضر ، وقد يكون لغائب ، وعلى التقديرين فقد يكون باللفظ، وقد
يكون بإشارة الرأس والعين وغيرهما، وكل ذلك داخل تحت النهى والزجر، إنما البحث فى
أن اللفظ بحسب اللغة موضوع لماذا، فما كان اللفظ موضوعاً له كان منهياً بحسب اللفظ، وما لم
يكن اللفظ موضوعاً له كان داخلا تحت النهى بحسب القياس الجلى ، ولما كان الرسول أعظم الناس
منصباً فى الدين كان الطعن فيه عظيما عند اللّه، فلا جرم قال (ويل لكل همزة لمزة).
قوله تعالى : ﴿الذى جمع مالا وعدده﴾ وفيه مسألنان:
المسألة الأولى﴾ (الذى) بدل من كل أو نصب على ذم، وإنما وصفه الله تعالى بهذا
الوصف لأنه يجرى مجرى السبب والعلة فى الهمز واللمز وهو إعجابه بما جمع من المال، وظنه أن
الفضل فيه لأجل ذلك فيستنقص غيره .
﴿ المسألة الثانية﴾ قرأ حمزة والتكسائى وابن عامر جمع بالتشديد والباقون بالتخفيف والمعنى
فى جمع وجمع وأحد متقارب، والفرق أن (جمع) بالتشديد يفيد أنه جمعه من ههنا وههنا، وأنه لم
يجمعه فى يوم واحد ، ولا فى يومين، ولا فى شهر ولا فى شهرين، يقال فلان يجمع الأموال
أى يجمعها من ههنا وههنا، وأما جمع بالتخفيف ، فلا يفيد ذلك، وأما قوله (مالا) فالتفكير فيه
يحتمل وجهين (أحدهما) أن يقال المال اسم لكل ما فى الدنيا كما قال (المال والبنون زينة الحياة
الدنيا) فال الإنسان الواحد بالنسبة إلى مال كل الدنيا حقير، فكيف يليق به أن يفتخر بذلك
٩٣
قوله تعالى : يحسب أن ماله أخلده . سورة الهمزة .
كَلَّا لَيُنْبَذَنَ فِى الْحُطَمَةِ (
٣
يَحْسَبَ أنّ مَالَه - اخلده،(
القليل ( والثانى) أن يكون المراد منه التعظيم أى مال بلغ فى الخبث والفساد أقصى النهايات .
فكيف يليق بالعاقل أن يفتخر به ؟ أما قوله ( وعدده) ففيه وجوه أحدها أنه مأخوذ من العدة
وهى الذخيرة يقال أعددت الشىء لكذا وعددته إذا أمسكته له وجعلته عدة وذخيرة لحوادث
الدهر (وثانيها) عدده أى أحصاه وجاء التشديد لكثرة المعدود كما يقال فلان يعدد فضائل
فلان ، ولهذا قال السدى وعدده أى أحصاه يقول هذا لى وهذا لى يلهيه ماله بالهار فاذا جاء
الليل كان يخفيه ( وثالثها) عدده أى كثره يقال فى بنى «لان عدد أى كثرة، وهذان القولان
الأخير ان راجعان إلى معنى العدد، والقول الثالث إلى معنى العدة ، وقرأ بعضهم وعدده بالتخفيف
وفيه وجهان (أحدهما) أن يكون المعنى جمع المال وضبط عدده وأحصاه (وثانيهما) جمع ماله
وعدد قومه الذين ينصرونه من قولك فلان ذو عدد وعدد إذا كان له عدد وافر من الأنصار
والرجل متى كان كذلك كان أدخل فى التفاخر ..
ثم وصفه تعالى بضرب آخر من الجهل فقال ﴿ يحسب أن ماله أخلده}
واعلم أن أخلده وخلده بمعنى واحد ثم فى التفسير وجوه (أحدها) يحتمل أن يكون المعنى
طول المال أمله ، حتى أصبح لفرط غفلته وطول أهله ، يحسب أن ماله تركه خالداً فى الدنيا
لا يموت وإنما قال (أخلده) ولم يقل بخلده لأن المراد يحسب هذا الإنسان أن المال ضمن له
الخلود وأعطاه الأمان من الموت وكأنه حكم قد فرغ منه، ولذلك ذكره على الماضى . قال
الحسن: ما رأيت يقيناً لاشك فيه أشبه بشك لا يقين فيه كالموت (وثانيها) يعمل الأعمال المحكمة
كتشييد البنيان بالآجر والجص ، عمل من يظن أنه يبقى حياً أو لأجل أن يذكر بسببه بعد الموت
(وثالثها) أحب المال حباً شديداً حتى أعتقد أنه: إن انتقص مالى أموت، فلذلك يحفظه من
النقصان ليبقى حياً ، وهذا غير بعيد من اعتقاد البخيل ( ورابعها) أن هذا تعريض بالعمل الصالح
وأنه هو الذى يخلد صاحبه فى الدنيا بالذكر الجميل وفى الآخر فى النعيم المقيم .
أما قوله تعالى ﴿كلا﴾ ففيه وجهان (أحدهما) أنه ردع له عن حسبانه أى ليس الأمر
كما يظن أن المال يخلده بل العلم والصلاح، ومنه قول على عليه السلام: مات خزان المال وم
أحياء والعلماء باقون مابقى الدهر، والقول الثانى معناه حقاً ( لينبذن) واللام فى (لينبذن) جواب
القسم المقدر فدل ذلك على حصول معنى القسم فى كلا .
أما قوله تعالى ﴿ لينبذن فى الحمطة وما أدراك ما الخطمة ) فانما ذكره بلفظ النبذ
الدال على الإهانة ، لأن الكافر كان يعتقد أنه من أهل الكرامة ، وقربى. ليفبذان أى هو وماله
ولينبذن بضم الذال أى هو وأنصاره، وأما (الخطمة ) فقال المبرد إنها النار التى تحطم كل من وقع
:
٩٤
قوله تعالى : وما أدراك ما الحطمه . سورة الهمزة .
وَمَآ أَدْرَىكَ مَاالْخُطَمَةُ.
نَارُ اللّهِ الْمُوقَدَةُ
ـويـ
٥
الَِّى تَطَلِعُ عَلَى
٩٠/٠
◌َ إِنْهَا عَلَيْهِم مُؤْصَدَةُ
اُلْأَفْعِدَة
CA
فيها ورجل حطمة أى شديد الأكل يأتى على زاد القوم ، وأصل الحطم فى اللغة الكسر ، ويقال
شر الرعاء الحطمة ، يقال راع حطمة وحطم بغير ها. كانه يحطم الماشية أى يكسرها عند سوقها
لعنفه، قال المفسرون الحطمة اسم من أسماء النار وهى الدركة الثانية من دركات النار، وقال مقاتل :
هى تحطم العظام وتأكل اللحوم حتى تهجم على القلوب، وروى عن النبى ◌َ لِيم أنه قال ((إن الملك
ليأخذ الكافر فيكسره على صلبه كما توضع الخشبة على الركبة فتكسر ثم يرمى به فى النار )).
واعلم أن الفائدة فى ذكر جهنم بهذا الإسم ههنا وجوه: (أحدها ) الاتحاد فى الصورة كأنه
تعالى يقول: ان كنت همزة لمزة فوراءك الخطمة (والثانى ) أن الهامز بكسر عين ليضع قدره
فيلقيه فى الحضيض فيقول تعالى وراءك الخطمة ، وفى الخطم كسر فالحطمة تكسرك وتلفيك فى
حضيض جهنم لكن الهمزة ليس إلا الكسر بالحاجب ، أما الخطمة فإنها تكسر كسراً لا تبقى ولا
تذر (الثالث ) أن الهماز اللماز يأكل لحم الناس والحطمة أيضاً اسم النار من حيث إنها تأكل الجلد
واللحم، ويمكن أن يقال ذكر وصفين الهمز واللمز، ثم قابلهما باسم واحد وقالٍ خذ واحداً
منى بالإثنين منك فإنه بنى ويكفى ، فكأن السائل يقول كيف يفى الواحد بالاثنين؟ فقال إنما تقول
هذا لأنك لا تعرف هذا الواحد فلذلك قال ( وما أدراك ما الخطمة).
أما قوله تعالى ﴿ نار الله ﴾ فالإضافة التفخيم أى هى نار لا كسائر النيران ﴿المؤقدة ﴾
التى لا تخمد أبداً أو (الموقدة) بأمره أو بقدرته ومنه قول على عليه السلام: عجباً من يعصى الله على
وجه الأرض والنار تسعر من تحته، وفى الحديث ((أوقد عليها ألف سنة حتى احمرت، ثم ألف
سنة حتى ابيضت، ثم ألف سنة حتى اسودت فهى الآن سوداء مظلمة)).
أما قوله تعالى ﴿التى تطلع على الأفئدة). فاعلم أنه يقال طلع الجبل واطلع عليه إذا
علاه ، ثم فى تفسير الآية وجهان : (الأ ل) أن النار تدخل فى أجوافهم حتى تصل إلى
صدورهم وتطلع على أفئدتهم ، ولاشىء فى بدن الإنسان ألطف من الفؤاد، ولا أشد تألماً منه
بأدنى أذى ماسه، فكيف إذا اطلعت نار جهنم واستولت عليه. ثم إن الفؤاد مع استيلاء النار
عليه لا يحترق إذ لو احترق لمات، وهذا هو المراد من قوله ( لا يموت فيها ولا يحيني ) ومعنى
الاطلاع هو أن النار تغزل من اللحم إلى الفؤاد (والثانى) أن سبب تخصيص الأفئدة بذلك هو
أنها مواطن الكفر والعقائد الخبيثة والنبات الفاسدة، واعلم أنه رُوى عن النبي صَّ لي أن النار
تأكل أهلها حتى إذا اطلعت على أفئدتهم انتهت، ثم إن الله تعالى يعيد لجمهم وعظمهم مرة أخرى.
أما قوله تعالى ﴿إنها عليهم مؤصدة﴾ فقال الحسن (مؤصدة) أى مطبقة من أصدت الباب
٩٥
قوله تعالى : في عمد ممدده. سورة الهمزة .
٩
فِى عَمَدٍ ثُمَذَّدَةٍ
وأوصدته لغتان ، ولم يقل مطبقة لأن المؤصدة هى الأبواب المغلقة، والإطباق لا يفيد معنى الباب
واعلم أن الآية تفيد المبالغة فى العذاب من وجوه (أحدها) أن قوله (لينبذن) يقتضى أنه موضع
له قعر عميق جداً كالبتر ( وثانيها) أنه لو شاء يجعل ذلك الموضع بحيث لا يكون له باب لكنه
بالباب يذكرهم الخروج، فيزيد فى حسرتهم ( وثالثها) أنه قال (عليهم مؤصدة) ولم يقل مؤصدة
عليهم لأن قوله ( عليهم مؤصدة) يفيد أن المقصود أولا كونهم بهذه الحالة ، وقوله مؤصدة
عليهم لا يفيد هذا المعنى بالقصد الأول .
قوله تعالى: ﴿فى عمد عددة ﴾ ففيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى ) قرى. فى عمد بضمتين وعمد بسكون الميم وعمد بفتحتين، قال الفراء :
عمد وعمد وعمد مثل الأديم والإدم والأدم والإهاب والأهب والأهب، والعقيم والعقم والعقم
وقال المبرد وأبو على: العمد جمع عمود على غير واحد ؛ أما الجمع على واحد فهو العمد مثل زبور
وزبر ورسول ورسل.
﴿ المسألة الثانية ) العمود كل مستطيل من خشب أو حديد، وهو أصل للبناء، يقال عمود
البيت الذى يقوم به البيت .
المسألة الثالثة ﴾ فى تفسير الآية وجهان (الأول ) أنها عدد أغلقت بها تلك الأبواب كنحو
ما تغلق به الدروب ، وفى بمعنى الباء أى أنها عليهم مؤصدة بعمد مدت عليها ، ولم يقل بحمد لأنها
لكثرتها صارت كأن الباب فيها (والقول الثانى) أن يكون المعنى (إنها عليهم مؤصدة) حال كونهم
موثقين (فى عدد ممدة) مثل المقاطر التى تقطر فيها اللصوص، اللهم أجرنا منها يا أكرم الأكرمين.
٩٦
سورة الفيل
(١٠٥) سُوِّرة الفِيل ◌ُكِيَةْ
وَآيَاتُهَا خٌْ،
أَ تَكَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بأَصْحَبِ الْغِيلِ (٣)
بسم الله الرحمن الرحيم
{ ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل}
روى أن أبرهة بن الصباح الأشرم ملك اليمن من قبل أصحمة النجاشى بنى كنيسة بصنعاء وسماها
القليس وأراد أن يصرف إليها الحاج لمخرج من بنى كنانة رجل وتغوط فيها ليلا فأغضبه ذلك .
وقيل أججت رفقة من العرب ناراً لفحملتها الريح فأحرقتها خلف ليهدمن الكعبة تخرج بالحبشة
ومعه فيل اسمه محمود وكان قوياً عظيما، وثمانية أخرى ، وقيل إثنا عشر ، وقيل ألف ، فلما بلغ
قريباً من مكة خرج إليه عبد المطلب وعرض عليه ثلث أموال تهامة ليرجع فأبى وعبأ جيشه ،
وقدم الفيل فكانوا كلما وجهوه إلى جهة الحرم برك ولم يبرح، وإذا وجهوه إلى جهة اليمين أو إلى
سائر الجهات هرول، ثم إن أبرهة أخذ لعبد المطلب ماقتى بعير خرج إليهم فيها فعظم فى عين أبرهة
وكان رجلا جسيما وسما، وقيل هذا سيد قريش، وصاحب عير مكة فلما ذكر حاجته، قال
سقطت من عينى جئت لأهدم البيت الذى هو دينك ودين آبائك فألهاك عنه ذود أخذ لك ، فقال
أنا رب الإبل والبيت رب سيمنعك عنه، ثم رجع وأتى البيت وأخذ بحلقته وهو يقول:
لاهم إن المرء يمنع حله فامنع حلالك
وانصر على آل الصليب وعابديه اليوم آلك
لا يغلبن صليبهم ومحالهم عدوا محالك
إن كنت تاركهم وكعبتنا فأمر ما بدالك
ويقول : يارب لا أرجولهم سواكا يارب فامنع عنهم حماكا
فالتفت وهو يدعو، فإذا هو بطير من نحو اليمن ، فقال والله إنها الطير غريبة ما هى بنجدية ولا
٩٧
قوله تعالى : ألم تر كيف فعل ربك . سورة الفيل .
تهامية ، وكان مع كل طائر حجر فى منقاره وحجران فى رجليه أكبر من العدسة وأصغر من الحمصة
وعن ابن عباس أنه رأى منها عند أم هانى. نحو قفيز مخططة بحمرة كالجزع الظفارى ، فكان الحجر
يقع على رأس الرجل فيخرج من دبره ، وعلى كل حجر اسم من يقع عليه فهلكوا فى كل طريق
ومنهل، ودوى أبرهة فتساقطت أنامله ، وما مات حتى انصدع صدره عن قلبه، وأنفلت وزيره
أبو يكسوم وطائر يحلق فوقه، حتى بلغ النجاشى فقص عليه القصة. فلما أتمها وقع عليه الحجر
وخر ميتاً بين يديه، وعن عائشة قالت ((رأيت قائد الفيل)، وسائسه أعميين مقعدين يستطعمان، ثم
فى الآية سؤالات.
﴿الأول) لم قال (ألم تر) مع أن هذه الواقعة وقعت قبل المبعث بزمان طويل؟ (الجواب) المراد
من الرؤية العلم والتذكير ، وهو إشارة إلى أن الخبر به متواتر فكان العلم الحاصل به ضرورياً
مساوياً فى القوة والجلاء الرؤية، ولهذا السبب قال لغيره على سبيل الذم ( أو لم يرواكم أهلكنا قبلهم
من القرون) لا يقال: فلم قال (ألم تعلم أن الله على كل شىء قدير) لأنا نقول: الفرق أن ما لا يتصور
إدراكه لا يستعل فيه إلا العلم لكونه قادراً، وأما الذى يتصور إدراكه كفرار الفيل، فإنه
يجوز أن يستعمل فيه الرؤية .
﴿ السؤال الثانى) لم قال (ألم تر كيف فعل ربك) ولم يقل ألم تر ما فعل ربك؟ (الجواب)
لأن الأشياء لها ذوات ، ولها كيفيات باعتبارها يدل على مدارمتها وهذه الكيفية هى التى يسميها
المتكلمون وجه الدليل ، واستحقاق المدح إنما يحصل برؤية هذه الكيفيات لا برؤية الذوات
ولهذا قال ( أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها) ولا شك أن هذه الواقعة كانت دالة على
قدرة الصانع وعلمه وحكمته، وكانت دالة على شرف محمد- صلى الله عليه وسلم، وذلك لأن مذهنا
أنه يجوز تقديم المعجزات على زمان البعثةتأسيساً لنبوتهم وإرهاصاً لها . ولذلك قالوا : كانت الغمامة
تظله ، وعند المعتزلة ، أن ذلك لا يجوز ، فلا جرم زعموا أنه لابد وأن قال كان فى ذلك الزمان
نى [أو خطيب} ؟ـالد بن سنان أو قس بن ساعدة. ثم قالوا ولا يجب أن يشتهر وجودهما ، ويبلغ
إلى حد التواتر، لاحتمال أنه كان مبعوثاً إلى جمع قليلين، فلا جرم لم يشتهر خبره.
واعلم أن قصة الفيل واقعة على اللحدين جداً، لأنهم ذكروا فى الزلازل والرياح والصواعق
وسائر الأشياء التى عذب اللّه تعالى بها الأمم أعذاراً ضعيفة، أما هذه الواقعة فلا تجرى فيها تلك
الأعذار ، لأنها ليس فى شىء من الطبائع والحيل أن يقبل طير معها حجارة، فتقصد قوماً دون
قوم فتقتلهم، ولا يمكن أن يقال إنه كسار الأحاديث الضعيفة لأنه لم يكن بين عام الفيل ومبعث
الرسول إلانيف وأربعون سنة ويوم تلا الرسول هذه السورة كان قد قى بمكة جمع شاهدوا تلك
الواقعة , ولو كان النقل ضعيفاً لشافهوء بالتكذيب ، فلما لم يكن كذلك علمنا أنه لا سبب للطعن فيه.
الفخر الرازي - ج ٣٢ م ٧
٠
٩٨
قوله تعالى : ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل . سورة الفيل .
﴿ السؤال الثالث) لم قال (فعل) ولم يقل جعل ولا خلق ولا عمل (الجواب) لأن خلق
يستعمل لابتداء الفعلى، وجعل للكيفيات قال تعالى (خلق السموات والأرض وجعل الظلمات
والنور) وعمل بعد الطلب وفعل عام فكان أولى لأنه تعالى خلق الطيور وجعل طبع الفيل على
خلاف ما كانت عليه، وسألوه أن يحفظ البيت ، ولعله كان فيهم من يستحق الإجابة ، فلو ذكر
الألفاظ الثلاثة لطال الكلام فذكر افظاً يشمل الكل .
﴿ السؤال الرابع﴾ لم قال ربك، ولم يقل الرب؟ (الجواب) من وجوه (أجدها) كأنه
تعالى قال إنهم لما شاهدوا هذا الانتقام ثم لم يتركوا عبادة الأوثان، وأنت يا محمد ماشاهدته ثم
اعترفت بالشكر والطاعة، فكأنك أنت الذى رأيت ذلك الانتقام، فلا جرم تبرأت عنهم واخترتك
من الكل ، فأقول ربك، أى أنا لك ولست لهم بل عليهم (وثانيها ) كأنه تعالى قال: إنما فعلت
بأصحاب الفيل ذلك تعظيما لك وتشريفاً لمقدمك ، فأنا كنت مربياً لك قبل قومك، فكيف أثرك
تربيتك بعد ظهورك ، ففيه بشارة له عليه السلام بأنه سيظفر .
﴿ السؤال الخامس) قوله (ألم تركيف فعل ربك ) مذكور فى معرض التعجب وهذه
الأشياء بالنسبة إلى قدرة الله تعالى ليست عجيبة، فما السبب لهذا التعجب؟ ( الجواب) من وجوه
(أحدما) أن الكعبة تبع محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك لأن العلم يؤدى بدون المسجد
أما لا مسجد بدون العالم فالعالم هو الدر والمسجد هو الصدق، ثم الرسول الذى هو الدر همزه
الوليد ولمزه حتى ضاق قلبه، فكأنه تعالى يقول إن الملك العظيم لما طعن فى المسجدهزمته وأفنيته،
فمن طعن فيك وأنت المقصود من الكل ألا أفنيه وأعدمه! إن هذا العجيب ( وثانيها) أن الكعبة
قبلة صلاتك وقلبك قبلة معرفتك ، ثم أنا حفظت قبلة عملك عن الأعداء، أفلا نسعى فى حفظ
قبلة دينك عن الآثام والمعاصى !.
﴿ السؤال السادس) لم قال (أصحاب الفيل) ولم يقل أرباب الفيل أو ملاك الفيل؟ (الجواب)
لأن الصاحب يكون من الجنس ، فقوله ( أصحاب الفيل ) يدل على أن أولئك الأقوام كانوا من
جنس الفيل فى التهيمية وعدم الفهم والعقل، بل فيه دقيقة، وهى : أنه إذا حصلت المصاحبة بين
شخصين، فيقال للأدون إنه صاحب الأعلى ، ولا يقال الأعلى إنه صاحب الأدون، ولذلك يقال
لمن صحب الرسول عليه السلام إنهم الصحابة ، فقوله (أصحاب الفيل) يدل على أن أولئك
الأفوام كاوا أقل حال وأدون منزلة من الفيل، وهو المراد من قوله تعالى ( بل هم أضل) وما
يؤكد ذلك أنهم كلما وجهوا الفيل إلى جهة الكعبة كان يتحول عنه ويفر عنه ، كا نه كان يقول
لاطاعة لمخلوق فى معصية الخالق عزى حميد فلا أزكه وهم ما كانوا يتر كون تلك العزيمة الردية
فدل ذلك على أن الفيل كان أحسن حالا منهم .
٩٩
قوله تعالى : ألم يجعل كيدهم في تضليل . سورة الفيل .
أَرْيَجْعَلْ كَبْدَهُمْ فِ تَضْلِيلٍ ﴾ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ هـ
( السؤال السابع) أليس أن كفار قريش كانوا ملأوا الكعبة من الأوثان من قديم الدهر،
ولا شك أن ذلك كان أقبح من تخريب جدران الكعبة ، فلم سلط الله العذاب على من قصد
التخريب، ولم يسلط العذاب على من ملأها من الأوثان؟ ( والجواب ) لأنه وضع الأوثان فيها
تعد على حق الله تعالى، وتخريبها قعد على حق الخلق، ونظيره قاطع الطريق، والباغى والقاتل
يقتلون مع أنهم مسلمون ، ولا يقتل الشيخ الكبير والأعمى وصاحب الصومعة والمرأة ، وإن
كانوا كفار، لأنه لا يتعدى ضرر هم إلى الخلق .
﴿ السؤال الثامن) كيف القول فى إعراب هذه الآية؟ (الجواب) قال الزجاج: كيف فى
موضع نصب بفعل لا بقوله (ألم تر ) لأن كيف من حروف الاستفهام .
واعلم أنه تعالى ذكر ما فعل بهم. فقال ﴿ ألم يجعل كيدهم فى تضليل ) وفيه مسائل:
المسألة الأولى) اعلم أن الكيد هو إرادة مضرة بالغير على الخفية، إن قيل فلم سماه كيداً
وأمره كان ظاهراً ، فإنه كان يصرح أنه يهدم البيت؟ قلنا نعم، لكن الذى كان فى قلبه شر مما أظهر،
لأنه كان يضمر الحسد للعرب ، وكان يريد صرف الشرف الحاصل لهم بسبب الكعبة منهم ومن
بلدهم إلى نفسه وإلى بلدته .
المسألة الثانية ﴾ قالت المعتزلة: إضافة الكيد اليهم دليل على أنه تعالى لا يرضى بالقبيح، إذلو
رضى لأضافه إلى ذاته، كقوله (الصوم لى) (والجواب) أنه ثبت فى علم النحو أنه يكفى فى حسن
الإضافة أدنى سبب، فلم لا يكفى فى حسن هذه الاضافة وقوعه مطابقاً لإرادتهم واختيارهم ؟ .
المسألة الثالثة﴾ ( فى تضليل) أى فى تضييع وإبطال يقال ضلل كيده إذا جعله ضالا ضائما
ونظيره قوله تعالى (وما دعاء الكافرين إلا فى ضلال) وقيل لامرىء القيس: الملك الضليل ، لأنه
ضلل ملك أبيه أى ضيعه . بمعنى أنهم كادوا البيت أولا ببناء القليس وأرادوا أن يفتتحوا أمره
بصرف وجوه الحاج إليه ، فضلل كيدهم بإيقاع الحريق فيه ، ثم كادوه ثانياً بإرادة هدمه فضلل
بإرسال الطیر علیهم ، و معنیحرف الظرف کما یقال سعی فلان فى ضلال ، أی سعیهم كان قد ظهر
لكل عاقل أنه كان ضلال وخطأ .
ثم قال تعالى ﴿وأرسل عليهم طيراً أبابيل) وفيه سؤالات:
﴿ السؤال الأول) لم قال (طيراً) على التنكير؟ ( والجواب) إما للتحقير فإنه مهما كان
أحقر كان صنع الله أعجب وأكبر ، أو التفخيم كأنه يقول طيراً وأى طير ترمى بحجارة صغيرة
فلا تخطىء المقتل .
١٠٠
قوله تعالى : ترميهم بحجارة من سجيل . سورة الفيل .
تَرْمِهِم بِحِجَارَةٍ مِّن يَجِيلٍ
﴿ السؤال الثانى) ما الأبابيل (الجواب) أما أهل اللغة قال أبو عبيدة أبابيل جماعة فى تفرقة،
يقال جاءت الخيل أبابيل أبابيل من ههنا وههنا، وهل لهذه اللفظة واحد أم لا ؟ فيه قولان
(الأول) وهو قول الأخفش والفراء أنه لا واحد لها وهو مثل الشماطيط والعباديد، لاوحد لها
( والثانى) أنه له واحد، ثم على هذا القول ذكروا ثلاثة أوجه (أحدها) زعم أبو جعفر الرؤاسى
وكان ثقة مأموناً أنه سمع واحدها إبالة ، وفى أمثالهم: ضغث على إبالة ، وهى الحزمة الكبيرة
سميت الجماعة من الطير فى نظامها بالإبالة (وثانيها) قال الكسبانى كنت أسمع النحويين يقولون
إبول وأبابيل كمجول ومجاجيل (وثالثها) قال الفراء ولو قال قائل واحد الأبابيل إيبالة كان صواباً
کما قال: دينار و دنانير .
﴿السؤال الثالث) ما صفة تلك الطير؟ (الجواب) روى ابن سيرين عن ابن عباس قال
كانت طيراً لها خراطيم كراطيم الفيل وأكف كأكف الكلاب ، وروى غطاء عنه قال طير سود
جاءت من قبل البحر فوجا فوجا ، ولعل السبب أنها أرسلت إلى قوم كان فى صورتهم سواد
اللون وفى سرهم سواد الكفر والمعصية ، وعن سعيد بن جبير أنها بيض صغار ولعل السبب
أن ظلمة الكفر انهزمت بها، والبياض ضد السواد ، وقيل كانت خضراً ولها رءوس مثل رموس
السباع، وأقول إنها لما كانت أفواجا ، فلعل كل فوج منها كان على شكل آخر فكل أحد وصف
مارأى، وقيل كانت بلقاء كالخطاطيف .
قوله تعالى : ﴿ ترميهم بحجارة من سجيل) وفيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ قرأ أبو حيرة: يرميهم أى اللّه أو الطير لأنه اسم جمع مذكر، وإنما يؤنث
على المعنى .
المسألة الثانية﴾ ذكروا فى كيفية الرمى وجوهاً (أحدها) قال مقاتل: كان كل طائر يحمل
ثلاثة أحجار ، واحد فى منقاره واثنان فى رجليه يقتل كل واحد رجلا ، مكتوب على كل حجر
اسم صاحبه ما وقع منها حجر على موضع إلا خرج من الجانب الأخر ، وإن وقع على رأسه خرج
من دبره ( وثانيها) روى عكرمة عن ابن عباس ، قال لما أرسل الله الحجارة على أصحاب الفيل لم
يقع حجر على أحد منهم إلا نفط جلده وثار به الجدرى , وهو قول سعيد بن جبير، وكانت تلك
الأحجار أصغرها مثل العدسة ، وأكبرها مثل الخمصة.
واعلم أن من الناس من أنكر ذلك ، وقال لوجوزنا أن يكون فى الحجارة التى تكون مثل العدسة
من الثقل ما يقوى به على أن ينفذ من رأس الإنسان ويخرج من أسفله ، لجوزنا أن يكون الجبل
العظيم خالياً عن الثقل وأن يكون فى وزن التبنة، وذلك يرفع الأمان عن المشاهدات ، فإنه متى