Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
قوله تعالى : إن للمتقين مفازا. سورة النبأ .
إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَارًا ﴾ حَدَابِقَ وَأَغْتَبًا (﴾ وَكَوَاعِبَ أَقْرَاباً (﴾ وَكَأْسًا
دِهَقًا (﴿ لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًّا وَلَا كِذَّبًا
٣٥
( أولها) قوله تعالى: ﴿إِن للمتقين مفازاً﴾ أما المنقى فقد تقدم تفسيره فى مواضع كثيرة
( ومفازاً) يحتمل أن يكون مصدراً بمعنى فوزاً وظفراً بالبغية ، ويحتمل أن يكون موضع فوز
والفوز يحتمل أن يكون المراد منه فوزاً بالمطلوب، وأن يكون المراد منه فوزاً بالنجاة من العذاب،
وأن يكون المراد مجموع الأمرين ، وعندى أن تفسيره بالفوز بالمطلوب أولى من تفسيره بالفوز
بالنجاة من العذاب، ومن تفسيره بالفوز بمجموع الأمرين أعنى النجاة من الهلاك والوصول إلى
المطلوب ، وذلك لأبه تعالى فسر المفاز بما بعده وهو قوله (حدائق واعناباً) فوجب أن يكون المراد
من المفاز هذا القدر. فإن قيل الخلاص من الهلاك أهم من حصول اللذة ، فلم أحمل الأهم وذكر
غير الأهم؟ قلنا لأن الخلاص من الهلاك لا يستلزم الفوز بالذة والخير. أما الفوز باالذه والخير
فيستلزم الخلاص ض الهلاك ، فكان ذكر هذا أولى .
(وثانيها) قوله تعالى ﴿ حدائق وأعناباً ﴾ والحدائق جمع حديقة، وهى بستان محوط عليه.
من قولهم أحدقوا به أى أحاطوا به ، والتنكير فى قوله (وأعناباً) يدل على تعظيم حال تلك الأعناب.
( وثالثها) قوله تعالى ﴿وكواعب أتراباً﴾ كواعب جمع كاعب وهى النواهد التى تكعبت
ثديهن وتفلكت أى يكون الثدى فى النتوء كالكعب والفلكة .
( ورابعها) قوله تعالى ﴿وكأساً ذهافاً) وفى الدهاق أقوال (الأول) وهو قول أكثر
أهل اللغة كأبى عبيدة والزجاج والكسائى والمبرد، و(دهاقاً) أى ممتلئة؛ دعا ابن عباس غلاماً له
فقال: اسقنا دهاقاً ، جاء الغلام بها ملأى ، فقال ابن عباس هذا هو الدهاق قال عكرمة ، ربما سمعت
ابن عباس يقول اسقنا وأدمق لنا (القول الثانى) دهاقاً أى متتابعة وهو قول أبى هريرة وسعيد
ابن جبير ومجاهد، قال الواحدى وأصل هذا القول من قول العرب أدهقت الحجارة إدهاقاً وهو
شدة تلازمها ودخول بعضها فى بعض ، ذكرها الليث والمتابع كالمتداخل (القول الثالث)
يروى عن عكرمة أنه قال ( دهاقاً) أى صافية ، والدهاق على هذا القول يجوز أن يكون جمع
داهق، وهو خشبتان يعصر بهما، والمراد بالكأس الخمر ، قال الضحاك : كل كأس فى القرآن فهو
خمر، التقدير . وخراً ذات دهاق ، أى عصرت وصفيت بالدماق .
( وخامسها) قوله ﴿لا يسمعون فيها لغواً ولا كذاباً﴾ فى الآية سؤالان:
﴿الأول) الضمير فى قوله ( فيها) إلى ماذا يعود؟ (الجواب) فيه قولان (الأول) أنها
ترجع إلى الكأس، أى لا يجرى بينهم لغو فى الكاس التى يشربونها ، وذلك لان أهل الشراب

٢٢
قوله تعالى . جزاء من ربك عطاء حسابا. سورة النبأ.
جَزَآءَ مِّن رَّبِّكَ عَطَآءُ حِسَابًاً
فى الدنيا يتكلمون بالباطل ، وأهل الجنة إذا شربوا لم يتغير عقلهم، ولم يتكلموا بلغو ( والثانى) أن
الكناية ترجع إلى الجنة ، أى لا يسمعون فى الجنة شيئاً يكرهونه .
﴿السؤال الثاني) الكذاب بالتشديد يفيد المبالغة، فوروده فى قوله تعالى (وكذبوابآياتنا كذابا)
مناسب لأنه يفيد المبالغة فى وصفهم بالكذب ، أما وروده ههنا فغير لائق ، لأن قوله (لا يسمعون
فيها لغواً ولا كذاباً) يفيد أنهم لا يسمعون الكذب العظيم وهذا لا ينفى أنهم يسمعون الكذب
القليل ،وليس مقصود الآية ذلك بل المقصود المبالغة فى أنهم لا يسمعون الكذب البتة، والحاصل
أن هذا اللفظ يفيد نفى المبالغة واللائق بالآية المبالغة فى النفى ( والجواب) أن الكسائى قرأ
الأول بالتشديد والثانى بالتخفيف ، ولعل غرضه ماقررناه فى هذا السؤال، لأن قراءة التخفيف
ههذا تفيد أنهم لا يسمعون الكذب أصلا، لأن الكذاب بالتخفيف والكذب واحد لأن أباعلى
الفارسى قال كذاب مصدر كذب ككتاب مصدر كتب فإذا كان كذلك كانت القراءة بالتخفيف
تفيد المبالغة فى النفى ، وقراءة التشديد فى الأول تفيد المبالغة فى الثبوت فيحصل المقصود من
هذه القراءة فى الموضعين على أكمل الوجوه ، فان أخذنا بقراءة الكسائى فقد زال السؤال ، وإن
أخذنا بقراءة التشديد فى الموضعين وهى قراءة الباقين ، فالعذر عنه أن قوله ( لا يسمعون فيها لغواً
ولا كذاباً) إشارة إلى ما تقدم من قوله ( وكذبوا بآياتنا كذاباً) والمعنى أن هؤلاء السعداء
لا يسمعون كلامهم المشوش الباطل الفاسد ، والحاصل أن النعم الواصلة إليهم تكون خالية عن
زحمة أعدائهم وعن سماع كلامهم الفاسد وأقوالهم الكاذبة الباطلة .
ثم إنه تعالى لما عدد أقسام نعيم أهل الجنة قال ﴿جزاء من ربك عطاء حساباً﴾ وفيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ قال الزجاج المعنى جازاهم بذلك جزاء، وكذلك عطاء لأن معنى جازاهم
وأعطاهم واحد .
المسألة الثانية ﴾ فى الآية سؤال وهو أنه تعالى جعل الشىء الواحد جزاء وعطاء، وذلك
محال لأن كونه جزاء يستدعى ثبوت الاستحقاق ، وكونه عطاء يستدعى عدم الاستحقاق والجمع
بينهما متناف ( والجواب عنه) لا يصح إلا على قولنا وهو أن ذلك الاستحقاق إنما ثبت بحكم
الوعد ، لا من حيث إن الفعل يوجب الثواب على اللّه، فذلك الثواب نظراً إلى الوعد المترتب
على ذلك الفعل يكون جزاء، ونظراً إلى أنه لا يجب على اللّه لأحد شىء يكون عطاء.
( المسألة الثالثة) قوله ( حساباً) فيه وجوه (الأول) أن يكون بمعنى كافياً مأخوذ من
قولهم : أعطانى ما أحسبنى أى ما كفانى، ومنه قوله حسبى من سؤالى عله بحالى، أى كفانى من
سؤالى ، ومنه قوله :

٢٣
قوله تعالى : رب السموات والأرض وما بينهما. سورة النبأ.
رَّبِّ السَّمَنَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الَّهْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا
فأولى جميلا وأعطى حسابا
فلما حلت به ضمنى
أى أعطى ماكفى ( والوجه الثانى) أن قوله حساباً مأخوذ من حسبت الشىء إذا أعددته
وقدرته فقوله (عطاء حساباً) أى بقدر ما وجب له فيما وعده من الإضعاف ، لأنه تعالى قدر الجزاء
على ثلاثة أوجه ، وجه منها على عشرة أضعاف ، ووجه على سبعمائة ضعف ، ووجه على مالا نهاية
له، كما قال (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب)، (الوجه الثالث) وهو قول ابن قتيبة
(عطاء حساباً) أى كثيراً وأحسبت فلانا أى أكثرت له، قال الشاعر.
ونقفی ولید الحی إن كان جائماً ونحسبه إن كان ليس بجائع
( الوجه الرابع) أنه سبحانه يوصل الثواب الذى هو الجزاء إليهم ويوصل التفضل الذى
يكون زائداً على الجزء إليهم، ثم قال (حساباً) ثم يتميز الجزاء عن العطاء حال الحساب (الوجه
الخامس ) أنه تعالى لما ذكر فى وعيد أهل النار (جزاء وفاقا) ذكر فى وعد أهل الجنة جزاء عطاء
حسابا أى راعيت فى ثواب أعمالكم الحساب، لئلا يقع فى ثواب أعمالكم بخمس ونقصان وتقصير
والله أعلم بمراده .
المسألة الرابعة﴾ قرأ ابن قطيب (حسابا) بالتشديد على أن الحساب بمعنى المحسب
كالدراك بمعنى المدرك ، هكذا ذكره صاحب الكشاف .
واعلم أنه تعالى لما بالغ فى وصف وعيد الكفار ووحد المثين، ختم الكلام فى ذلك بقوله
﴿رب السموات والأرض وما بينهما الرحمن لا يملكون منه خطاباً﴾ وفيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ رب السموات والرحمن ، فيه ثلاثة أوجه من القراءة الرفع فيهما وهو
قراءة ابن كثير ونافع وأبى عمرو، والجر فيهما وهو قراءة عاصم وعبد الله بن عامر، والجر فى
الأول مع الرفع فى الثانى، وهو قراءة حمزة والكسائى، وفى الرفع وجوه (أحدها ) أن يكون
رب السموات مبتدأ ، والرحمن خبره ، ثم استؤنف لا يملكون منه خطاباً ( وثانيها) دب
السموات مبتدأ ، والرحمن صفة ولا يملكون خبره ( وثالثها) أن يضمر المبتدأ والتقدير (هو رب
السموات هو الرحمن ثم استؤنف لا يملكون (ورابعها) أن يكون الرحمن ولا يملكون خبرين
وأما وجه الجر فعلى البدل من ربك ، وأما وجه جر الأول ، ورفع الثانى نجر الأول بالبدل من
ربك ، والثانى مرفوع بكونه مبتدأ وخبره لا يملكون .
المسألة الثانية﴾ الضمير فى قوله (ويملكون) إلى من يرجع؟ فيه ثلاثة أقوال (الأول) نقل
عطاء عن ابن عباس إنه راجع إلى المشر كين يريد لا يخاطب المشركون أما المؤمنون فيشفعون
يقبل اللّه ذلك منهم ( والثانى) قال القاضى إنه راجع إلى المؤمنين، والمعنى أن المؤمنين لا يملكون

٢٤
قوله تعالى : يوم يقوم الروح والملائكة صفا. سورة النبأً .
يَوْمَ يَقُوُ الرُّوحُ وَالْمَلَئِكَةُ صَفًّا لََّيَتَكَلَّمُونَ إِلَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الَّهُمَنُ وَقَالَ
٣٨
صَوَابًاً
أن يخاطبوا الله فى أمر من الأمور، لأنه لما ثبت أنه عدل لا يجور، ثبت أن العقاب الذى أوصله إلى
إلى الكفار عدل، وأن الثواب الذى أوصله المؤمنين عدل، وأنه ما يخسر حقهم ، فبأى سبب
يخاطبونه، وهذا القول أقرب من الأول لأن الذى جرى قبل هذه الآية ذكر المؤمنين لا ذكر
الكفار (والثالث) أنه ضمير لأهل السموات والأرض، وهذا هو الصواب، فإن أحداً من المخلوقين
لا يملك مخاطبة الله ومكالمته. وأما الشفاعات الواقعة بإذنه فغير واردة على هذا الكلام لأنه نفى الملك
والذى يحصل بفضله وإحسانه، فهو غير مملوك، فثبت أن هذا السؤال غير لازم ، والذى يدل من
جهة العقل على أن أحداً من المخلوقين لا يملك خطاب الله وجوه (الأول) وهو أن كل ماسواء فهو
مملوكه والمملوك لا يستحق على مالكه شيئاً (وثانيها) أن معنى الاستحقاق عليه، هو أنه لو لم يفعل
لاستحق الذم. ولو فعله لاستحق المدح، وكل من كان كذلك كان ناقصاً فى ذاته ، مستكملا بغيره
وتعالى اللّه عنه (وثالثها) أنه عالم بقبح القبيح، عالم بكونه غنياً عنه، وكل من كان كذلك لم يفعل
القبيح، وكل من امتنع كونه فاعلا للقبيح ، فليس لأحد أن يطالبه بشىء، وأن يقول له لم فعلت .
والوجهان الأولان مفرعان على قول أهل السنة ، والوجه الثالث يتفرع على قول المعتزلة فثبت أن
أحداً من المخلوقات لا يملك أن يخاطب ربه ويطالب إلهه .
واعلم أنه تعالى لما ذكر أن أحداً من الخلق لا يمكنه أن يخاطب اللّه فى شىء أو يطالبه بشى.
قرر هذا المعنى، وأكده فقال تعالى ﴿ يوم يقوم الروح والملائكة صفاً لا يتكلمون إلا من أذن
له الرحمن وقال صواباً ﴾.
وذلك لأن الملائكة أعظم المخلوقات قدراً ورتبة، وأكثر قدرة ومكانة ، فبين أهم
لا يتكلمون فى موقف القيامة إجلالا لربهم وخوفاً منه وخضوعاً له، فكيف يكون حال غيرهم.
وفى الآية مسائل :
المسألة الأولى﴾ لمن يقول بتفضيل الملك على البشر أن يتمسك بهذه الآية، وذلك لأن
المقصود من الآية أن الملائكة لما بقوا خائفين خاضعين وجلين متحيرين فى موقف جلال الله،
وظهور عزته وكبريائه، فكيف يكون حال غيرهم ، ومعلوم أن هذا الاستدلال لا يتم إلا إذا
كانوا أشرف المخلوقات ،
﴿ المسألة الثانية) اختلفوا فى الروح فى هذه الآية، فعن ابن مسعود أنه ملك أعظم من
السموات والجبال. وعن ابن عباس هو ملك من أعظم الملائكة خلقاً ، وعن مجاهد: خلق على

٢٥
قوله تعالى : رب السموات والارض. سورة النبأ.
صورة بنى آدم يأكلون ويشربون، وليسوا بناس، وعن الحسن وقتادة هم بنو آدم ، وعلى هذا
معبأه ذو الروح ، وعن ابن عباس أرواح الناس ، وعن الضحاك والشعبى هو جبريل عليه
السلام، وهذا القول هو المختار عند القاضى. قال لأن القرآن دل على أن هذا الاسم اسم جبريل
عليه السلام ، وثبت أن القيام صحيح من جبريل والكلام صحيح منه ، ويصح أن يؤذن له
فكيف يصرف هذا الاسم عنه إلى خلق لا نعرفه ، أو إلى القرآن الذى لا يصح وصفه بالقيام .
أما قوله (صفاً) فيحتمل أن يكون المعنى أن الروح على الأختلاف الذى ذكرناه، وجميع الملائكة
يقومون صفاً واحداً، ويجوز أن يكون المعنى يقومون صفين، ويجوز صفوفً، والصف فى الأصل
مصدر فيفىء عن الواحد والجمع ، وظاهر قول المفسرين أنهم يقومون صفين، فيقوم الروح
وحده صفاً، وتقوم الملائكة كلهم صفاً واحداً، فيكون عظم خلقه مثل صفوفهم ، وقال بعضهم
بل يقومون صفوفاً لقوله تعالى ( وجاء ربك والملك صفاً صفاً).
﴿ المسألة الثالثة﴾ الاستثناء إلى من يعود؟ فيه قولان :
﴿أحدهما) إلى الروح والملائكة، وعلى هذا التقدير؛ الآية دلت على أن الروح والملائكة
لا يتكلمون إلا عند حصول شرطين ( أحداها) حصول الإذن من الله تعالى، ونظيره قوله تعالى
( من ذا الذى يشفع عنده إلا بإذنه) والمعنى أنهم لا يتكلمون إلا بإن الله.
﴿ والشرط الثانى) أن يقول صوابا، فإن قيل لما أذن له الرحمن فى ذلك القول، علم أن ذلك
القول صواب لا محالة ، فما الفائدة فى قوله (وقال صوابا)؟ والجواب من وجهين (الأول) أن الرحمن
أذن له فى مطلق القول ثم إنهم عند حصول ذلك الإذن لا يتكلمون إلا بالصواب ، فكأنه قيل
إنهم لا ينطلقون إلا بعد ورود الإذن فى الكلام ، ثم بعد ورود ذلك الإذن يجتهدون ، ولا
يتكلمون إلا بالكلام الذى يعلمون أنه صدق وصواب، وهذا مبالغة فى وصفهم بالطاعة والعبودية
( الوجه الثانى) أن تقديره: لا يتكلمون إلا فى حق (من أذن له الرحمن وقال صوابا) والمعنى
لا يشفعون إلا فى حق شخص أذن له الرحمن فى شفاعته وذلك الشخص كان ممن قال صوابا ،
واحتج صاحب هذا التأويل بهذه الآية على أنهم يشفعون للمذنبين لأنهم قالوا صوابا وهو شهادة
أن لا إله إلا الله، لأن قوله ( وقال صوابا) يكفى فى صدقه أن يكون قد قال صوابا واحداً،
فكيف بالشخص الذى قال القول الذى هو أصوب الأقوال وتكلم بالكلام الذى هو أشرف
الكلمات (القول الثانى) أن الاستثناء غير عائد إلى الملائكة فقط بل إلى جميع أهل السموات
والأرض، والمقول الأول أولى لأن عود الضمير إلى الأقرب أولى .
واعلم أنه تعالى لما قرر أحول المكلفين فى درجات الثواب والعقاب ، وقرر عظمة يوم
القيامة قال بعده :

٢٦
قوله تعالى : ذلك اليوم الحق. سورة النبأ.
إِنَّا أَنْذَرْنَكُمْ عَذَابًا
◌َنْ شَآءَ أَخَذَ إِلَى رَبِهِ، مَعَابًا نَّ
불,
ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقّ
قَرِيبًا يُوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ
﴿ ذلك اليوم الحق ) ذلك إشارة إلى تقدم ذكره ، وفى وصف اليوم بأنه حق وجوه
( أحدها ) أنه يحصل فيه كل الحق، ويندمغ كل باطل ، فلما كان كاملا فى هذا المعنى قيل إنه حق ،
كما يقال فلان خير كله إذا وصف بأن فيه خيراً كثيراً، وقوله ( ذلك اليوم الحق ) يفيد أنه هو
اليوم الحق وما عداه باطل، لأن أيام الدنيا باطلها أكثر من حقها ( وثانيها ) أن الحق هو الثابت
الكائن ، وبهذا المعنى يقال إن الله حق ، أى هو ثابت لا يجوز عليه الفناء ويوم القيامة كذلك فيكون
حقاً (وثالثها) أن ذلك اليوم هو اليوم الذى يستحق أن يقال له يوم، لأن فيه تبلى السرائر
وتنكشف الضمائر، وأما أيام الدنيا ،أحوال الخلق فيها مكتومة، والأحوال فيها غير معلومة.
قوله تعالى: ﴿فمن شاء اتخذ إلى ربه مآباً﴾ أى مرجعاً، والمعتزلة احتجوابه على الاختيار والمشيئة،
وأصحابنا رووا عن ابن عباس أنه قال: المراد فمن شاء الله به خيراً هداه حتى يتخذ إلى ربه.])،
ثم إنه تعالى زاد فى تخويف الكفار فقال ﴿ إنا أنذرناكم عذاباً قريباً﴾ يعنى العذاب فى
الآخرة، وكل ماهوآت قريب، و[هو] كقوله تعالى (كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها)
وإنما سماه إنذاراً، لأنه تعالى بهذا الوصف قد خوف منه نهاية التخريف وهو معنى الإنذار.
قوله تعالى: ﴿ يوم ينظر المرء ما قدمت يداه﴾ وفيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ مافى قوله ( ما قدمت يداه) فيه وجهان (الأول) أنها استفهامية منصوبة
بقدمت ، أى ينظر أى شىء قدمت يداه ( الثنى ) أن تكون بمعنى الذى وتكون منصوبة ينظر،
والتقدير : ينظر إلى الذى قدمت يداه. إلا أن على هذا التقدير حصل فيه حذفان (أحدهما) أنه
لم يقل قدمته ، بل قال ( قدمت) حذف الضمير الراجع (الثانى) أنه لم يقل ينظر إلى ماقدمت،
بل قال : ينظر ما قدمت ، يقام نظرته بمعنى نظرت إليه.
المسألة الثانية) فى الآية ثلاثة أقوال (الأول) وهو الأظهر أن المرء عام فى كل أحد،
لأن المكلف إن كان قدم عمل المتقين ، فليس له إلا الثواب العظيم ، وإن كان قدم عمل الكافرين،
فليس له إلا العقاب الذى وصفه الله تعالى، فلا رجاء لمن ورد القيامة من المكلفين فى أمر
سوى هذين، فهذا هو المراد بقوله ( يوم ينظر المرء ما قدمت يداه) فطوبى له إن قدم
عمل الأبرار ، وويل له إن قدم عمل الفجار ( والقول الثانى) وهو قول عطاء أن المر. مهنا
هو الكافر، لأن المؤمن كما ينظر إلى ما قدمت يداه ، فكذلك ينظر إلى عفوا الله ورحمته،

٢٧
قوله تعالى : ويقول الكافر يا ليتني. سورة النبأ.
٤٠
وَيَقُولُ اَلْكَافِرُ يَلَيْتَنِى كُنْتُ ثُرَابَاً
وأما الكافر الذى لا يرى إلا العذاب ، فهو لا يرى إلا ما قدمت يداه ، لأن ما وصل
إليه من العقاب ليس إلا من شؤم معاملته ( والقول الثالث) وهو قول الحسن ، وقتادة أن المرء
ههنا هو المؤمن، واحتجوا عليه بوجهين (الأول) أنه تعالى قال بعد هذه الآية، ( ويقول الكافر
ياليتنى كنت تراباً) فلما كان هذا بياناً لحال الكافر ، وجب أن يكون الأول بياناً لحال المؤمن
(والثانى) وهو أن المؤمن لما قدم الخير والشر فهر من الله تعالى على خوف ورجاء ، فينتظر كيف
يحدث الحال، أما الكافر فإنه قاطع بالعقاب، فلا يكون له انتظار أنه كيف يحدث الأمر، فإن مع
القطع لا يحصل الانتظار .
﴿ المسألة الثالثة ﴾ القائلون بأن الخير يوجب الثواب والشر يوجب العقاب تمسكوا بهذه الآية،
فقالوا لولا أن الأمر كذلك، وإلا لم يكن نظر الرجل فى الثواب والعقاب على عمله بل على شىء آخر
( والجواب عنه) أن العمل يوجب الثواب والعقاب، لكن بحكم الوعد والجعل لا بحكم الذات .
أما قوله تعالى ﴿ ويقول الكافر باليقى كنت تراباً ) ففيه وجوه (أحدها) أن يوم القيامة
ينظر المر. أى شىء قدمت يداه، أما المؤمن فإنه يجد الإيمان والعفو عن سائر المعاصى على ما قال
( ويغفر مادون ذلك لمن يشاء) وأما الكافر فلا يتوقع العفو على ما قال، ( إن الله لا يغفر أن
يشرك به) فعند ذلك يقول الكافر ( ياليتنى كنت ترابا) أى لم يكن جياً مكافاً (وثانيها) أنه كان
قبل البعث تراباً، فالمعنى على هذا. ياليتنى لم أبعث للحساب، وبقيب كما كنت تراباً، كقوله تعالى
(باليتها كانت القاضية) وقوله ( يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لوتسوى بهم الأرض)
(وثالثها) أن البهائم تحشر فيقتص للجماء من القرنا .. ثم يقال لها بعد المحاسبة (كونى ترابا)
فيتمنى الكافر عند ذلك أن يكون هو مثل تلك البهائم فى أن يصير ترابا، ويتخلص من عذاب الله
وأنكر بعض المعتزلة ذلك. وقال إنه تعالى إذا أعادها فهى بين معوض وبين متفضلٌ عليه، وإذا
كان كذلك لم يحرّ أن يقطعها عن المنافع، لأن ذلك كالإضرار بها، ولا يجوز ذلك فى الآخرة، ثم
إن هؤلاء قالوا، إن هذه الحيوانات إذا انتهت مدة أعراضها جعل الله كل ما كان منها حسن الصورة
ثوابا لأهل الجنة، وما كان قبيح الصورة عقابا لأهل النار، قال القاضى: ولا يمتنع أيضاً إذا وفر
الله أعواضها وهى غير كاملة العقل أن يزبل الله حياتها على وجه لا يحصل لها شعور بالألم فلا
يكون ذلك ضرراً ( ورابها) ما ذكره بعض الصوفية فقال قوله ( ياليقى كنت تراباً) معناه
باليغنى كنت متواضعاً فى طاعة الله ولم أكن متكبراً متمرداً (وخامسها) الكافر إبليس يرى
آدم وولده وثرابهم، فيتمنى أن يكون الشىء الذى احتقره حين قال (خلقتنى من نار وخلفته
من طين) والله أعلم بمراده وأسرار كتابه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه،

٢٨
سورة النازعات
(٧٩) سُورَة النّارِعَاتِمَكِيَّةْ
وَآيَاتِهَا سِتْ وَأَربِعُونَ
-١
بِسْـ
وَالنَِّعَتِ غَرْفًا ﴾ وَالنَّهِطَتِ نَشْطًا (٤ وَاَلََّبِحَتِ سَبْعَال
فَالنََّبِقَتِ سَبْقَارِ فَالْمُدَبِرَتِ أَمْرًا
٣
بسم الله الرحمن الرحيم
والنازعات غرقاً، والناشطات نشطا ، والسابحات سبحاً ، فالتسابقات سبقاً ، فالمديرات
أمراً ﴾ فيه مسألتان :
المسألة الأولى﴾ اعلم أن هذه الكلمات الخمس ، يحتمل أن تكون صفات لشىء واحد،
ويحتمل أن لا تكون كذلك ، أما على الاحتمال الأول فقد ذكروا فى الآية وجوهاً (أحدها)
أنها بأسرها صفات الملائكة، فقوله (والنازعات غرقا ) هى الملائكة الذين ينزعون نفوس بنى آدم
فاذا نزعوا نفس الكفار نزعوما بشدة، وهو مأخوذ من قرلهم نزع فى القوس فأغرق يقال أغرق
النازع فى القوس إذا بلغ غاية المدى حتى ينتهى إلى النصل ، فتقدير الآية : والنازعات إغراقاً ،
والغرق والإغراق فى اللغة بمعنى واحد ، وقوله ( والناشطات نشطاً) النشط هو الجذب يقال
نشطت الدلو أنشطها وأنشطتها نشطا نزعتها برفق، والمراد هى الملائكة التى تنشط روح المؤمن
فتقبضها، وإنما خصصنا هذا بالمؤمن والأول بالكافر لما بين النزع والنشط من الفرق فالنزاع
جذب بشدة ، والنشط جذب برفق ولين فالملائكة ، تنشط أرواح المؤمنين كما تنشط الدلو من البئر
فالحاصل أن قوله ( والنازعات غرقا، والناشطات نشطاً) قسم بملك الموت وأعوانه إلا أن الأول
إشارة إلى كيفية قبض أرواح الكفار ، والثانى إشارة إلى كيفية قبض أرواح المؤمنين ، أما قوله
(والسابحات سبحا) فمنهم من خصصه أيضاً بملائكة قبض الأرواح ، ومنهم من حمله على سائر
طوائف الملائكة، أما (الوجه الأول ) فنقل عن على عليه السلام ، وابن عباس ومسروق، أن
الملائكة يسلون أرواح المؤمنين سلا رفيقاً، فهذا هو المراد من قوله (والناشطات نشطاً ) ثم
يتركونها حتى تستريح رويداً، ثم يستخرجونها بعد ذلك برفق ولطافة كالذى يسبح فى الماء فإنه
يتحرك برفق ولطافة لئلا يغرق ، فكذا ههنا يرفقون فى ذلك الاستخراج، لئلا يصل إليه ألم وشدة

٢٩
قوله تعالى : والناشطات نشطا. سورة النازعات.
فذاك هو المراد من قوله ( والسابحات سبحاً ) وأما الذين حملوه على سائر طوائف الملائكة فقالوا
إن الملائكة ينزلون من السماء مسرعين ، جعل نزولهم من السماء كالسباحة ، والعرب تقول للفرس
الجواد ، إنه السابح، وأما قوله (فالسابقات سبقا) فمنهم من فسره بملائكة قبض الأرواح
يسبقون بأرواح الكفار إلى النار ، وبأرواح المؤمنين إلى الجنة، ومنهم من فسره بسائر طرائف
الملائكة ، ثم ذكروا فى هذا السبق وجوهاً (أحدها) قال مجاهد وأبو روق إن الملائكة سبقت
ابن آدم بالإيمان والطاعة، ولا شك أن المسابقة فى الخيرات درجة عظيمة قال تعالى ( والسابقون
السابقون أولئك المقربون ( وثانيها). قال القراء والزجاج إن الملائكة تسبق الشياطين بالوحى
إلى الأنبياء لأن الشياطين كانت تسترق السمع ( وثالثها) ويحتمل أن يكون المراد أنه تعالى وصفهم
فقال (لا يسبقونه بالقول) يعنى قبل الإذن لا يتحركون ولا ينطقون تعظيما لجلال الله تعالى وخوهاً
من هيبته ، وههنا وصفهم بالسبق يعنى إذا جاءهم الأمر، فإنهم يتسارعون إلى امتثاله ويتبادرون
إلى إظهار طاعته، فهذا هو المراد من قوله ( فالسابقات سبقاً)، وأما قوله (فالمديرات أمراً)
فأجمعوا على أنهم هم الملائكة : قال مقاتل يعنى جبريل وميكائيل ، وإسرافيل وعزرائيل عليهم
السلام يدبرون أمر الله تعالى فى أهل الأرض، وهم المقسمات أمراً، أما جبريل فوكل بالرياح
والجنود، وأما ميكائيل فوكل بالقطر والنبات، وأما ملك الموت فوكل بقبض الأنفس ، وأما
إسرافيل فهو ينزل بالأمر عليهم، وقوم منهم موكان يحفظ بنى آدم، وقوم آخرون بكتابة أعمالهم
وهوم آخرون بالخسف والمسخ والرياح والسحاب والأمطار، بق على الآية سؤالان:
﴿السؤال الأول) لم قال فالمديرات أمراً، ولم يقل أموراً فإنهم يديرون أموراً كثيرة لا أدرا
واحدا؟ ( والجواب ) أن المراد به الجنس، وإذا كان كذلك قام مقام الجمع،
﴿ السؤال الثانى) قال تعالى إن الأمر كله لله فكيف أثبت لهم ههنا تدبير الأمر.
(والجواب) لما كان ذلك الإتيان به كان الأمر كأنه له، فهذا تلخيص ما قاله المفسرون فى هذا
الباب، وعندى فيه (وجه آخر) وهو أن الملائكة لها صفات سلبية وصفات إضافية، أما الصفات
السلبية فهى أنها مبرأة عن الشهوة والغضب والأخلاق الذميمة ، والموت والهرم والسقم والتركيب
من الأعضاء والأخلاط والأركان ، بل هى جواهر روحانية ٠برأةً عن هذه الأحوال ، فقوله
( والنازعات غرقا) إشارة إلى كونها منزوعة عن هذه الأحوال نزعا كليا من جميع الوجوه وعلى
هذا التفسير ( النازعات ) هى ذوات النزع كاللابن والنامر، وأما قوله ( الناشطات نشطا) إشارة
إلى أن خروجها عن هذه الأحوال ليس على سبيل التكليف والمشقة كما فى حق البشر، بل هم بمقتضى
ماهياتهم خرجوا عن هذه الأحوال وتنزهوا عن هذه الصفات ، فهاتان الكلمتان إشارتان إلى
تعريف أحوالهم السلبية ، وأما صفاتهم الإضافية فهى قسمان (أحدهما ) شرح قوتهم العاقلة أى
كيف حالهم فى معرفة ملك الله وملكوته والاطلاع على نور جلاله فرصفهم فى هذا المقام بر صفين

٣٠
قوله تعالى : فالسابقات سبقا. سورة النازعات.
(أحدهما) قوله ( والسابحات سبحا) فهم يسبحون من أول فطرتهم فى بجار جلال الله ثم لا منتهى
لسباحتهم ، لأنه لا منتهى لعظمة الله وعلو صرديته ونور جلاله وكبريائه، فهم أبداً فى تلك السباحة
(وثانيهما) قوله ( فالسابقات سبقا) وهو إشارة إلى مراتب الملائكة فى تلك السباحة فإنه كما
أن مراتب معارف البهائم بالنسبة إلى مراتب معارف البشر ناقصة، ومراتب معارف البشر بالنسبة
إلى مراتب معارف الملائكة ناقصة، فكذلك معارف بعض تلك الملائكة بالنسبة إلى مراتب
معارف الباقين متفاوتة ، وكما أن المخالفة بين نوع الفرس ونوع الإنسان بالماهية لا بالعوارض
فكذا المخالفة بين شخص كل واحد من الملائكة وبين شخص الآخر بالماهية فإذا كانت
أشخاصها متفاوتة بالماهية لا بالعوارض كانت لا محلة متفاوتة فى درجات المعرفة وفى مراتب
التجلى فهذا هو المراد من قوله ( فالسبقات سبقا) فهاتان الكلمتان المراد منهما شرح
أحوال قوتهم العاقلة .
وأماقوله (فالمدبرات أمراً) فهو إشارة إلى شرح حال قوتهم العاملة ، وذلك لأن كل حال من
أحوال العالم السفلى مفوض إلى تدبير واحد من الملائكة الذين هم عمار العالم العلوى وسكان بقاع
السموات ، ولما كان التدبير لا يتم إلا بعد العلم ، لا جرم قدم شرح القوة العاقلة التى لهم على شرح
القوة العاملة التى لهم ، فهذا الذى ذكرته احتمال ظاهر والله أعلم بمراده من كلامه .
واعلم أن أبا مسلم بن بحر الأصفهانى طعن فى حمل هذه الكلمات على الملائكة ، وقال واحد
النازعات نازعة وهو من لفظ الإناث ، وقد نزه الله تعالى الملائكة عن التأنيث، وعاب قول
الكفار حيث قال ( وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً ).
واعلم أن هذا طعن لا يتوجه على تفسيرنا ، لأن المراد الأشياء ذوات النزع، وهذا القدر
لا يقتضى ما ذكر من التأنيث.
﴿ الوجه الثانى فى تأويل هذه الكامات ) أنها هى النجوم وهو قول الحسن البصرى ووصف
النجوم بالنازعات يحتمل وجوها: (أحدها ) كأنها تنزع من تحت الأرض فتنجذب إلى ما فوق
الأرض، فإذا كانت منزوعة كانت ذوات نزع، فيصح أن يقال إنها نازعة على قياس اللابن والتامر
(وثانيها ) أن النازعات من قولهم نزع إليه أى ذهب نزوعا ، هكذا قاله الواحدى فكانها تطلع
وتغرب بالنزع والسوق (والثالث) أن يكون ذلك من قولهم نزعت الخيل إذا جرت، فمعنى (والنازعات)
أى والجاريات على السير المقدر والحد المعين وقوله (غرقاً) يحتمل وجهين: (أحدهما) أن يكون
حالا من النازعات أى هذه الكواكب كالغرقى فى ذلك النزع والإرادة وهو إشارة إلى كمال حالها
فى تلك الإرادة، فإن قيل إذا لم تكن الأفلاك والكواكب أحياء ناطقة، فما معنى وصفها بذلك
قلنا هذا يكون على سبيل التشبيه كقوله تعالى ( وكل فى فلك يسبحون ) فإن الجمع بالواو والنون
يكون للعقلاء ، ثم إنه ذكر فى الكوا كب على سبيل التشبيه (والثانى) أن يكون معنى غرقها

٣١
قوله تعالى : والسابحات سبحا. سورة النازعات.
غيبوبتها فى أفق الغرب ، فالنازعات إشارة إلى طلوعها وغرقاً إشارة إلى غروبها أى تنزع، ثم تغرق
إغراقاً، وهذا الوجه ذكره قوم من المفسرين .
أما قوله ( والناشطات نشطاً) فقال صاحب الكشاف: معناه أنها تخرج من برج إلى برج من
قولك : ثور ناشط إذا خرج من بلد إلى بلد. وأقول يرجع حاصل هذا الكلام إلى أن قوله
( والنازعات غرقاً) إشارة إلى حركتها اليومية ( والناشطات نشطاً) إشارة إلى انتقالها من برج
إلى برج وهو حر كتها المخصوصة بها فى أفلا كما الخاصة ، والعجب أن حر كانها اليومية قسرية ،
وحر كتها من برج إلى برج ليست قسرية، بل ملائمة لذواتها، فلا جرم عبر عن الأول بالنزع
وعن الثانى بالنشط ، فتأمل أيها المسكين فى هذه الأسرار .
وأما قوله ( والسابحات سبحاً) فقال الحسن وأبو عبيدة رحمهما الله: هى النجوم تسبح فى
الفلك ، لأن مرورها فى الجو كالسبح، ولهذا قال (كل فى فلك يسبحون).
وأما قوله (فالسابقات سبقاً) فقال الحسن وأبو عبيدة : هى النجوم يسبق بعضها بعضاً فى
السير بسبب كون بعضها أسرع حركة من البعض، أو بسبب رجوعها أو استقامتها،
وأما قوله تعالى (فالمديرات أمراً) ففيه وجهان (أحدهما) أن بسبب سيرها وحركتها
يتميز بعض الأوقات عن بعض، فتظهر أوقات العبادات على ما قال تعالى (فسبحان الله حين
تمسون وحين تصبحون وله الحمد ) وقال ( يسألونك عن الأهلة قل هى مواقت لماس والحج)
وقال (لتعلموا عدد السنين والحساب) ولأن بسبب حركة الشمس تختلف الفصول الأربعة،
ويخلف بسبب اختلافها أحوال الناس فى المعاش، فلا جرم أضيفت إليها هذه التدبيرات (والثانى)
أنه لما ثبت بالدليل أن كل جسم محدث ثبت أن الكواكب محدثة مفتقرة إلى موجد يوجدها ،
وإلى صانع يخلقها ، ثم بعد هذا لو قدرنا أن صانعها أودع فيها قوى مؤثرة فى أحوال هذا العالم ،
فهذا يطعن فى الدين البتة، وإن لم نقل بثبوت هذه القوى أيضاً، لكنا نقول إن الله سبحانه وتعالى
أجرى عادته بأن جعل كل واحد من أحوالها المخصوصة سبباً لحدوث حادث مخصوص فى هذا
العالم ، كما جعل الأكل سبباً للشبع، والشرب سباً لمدى، ومعماسة النار سبيا للاحتراق، فالقول
بهذا المذاهب لا يضر الإسلام البتة بوجه من الوجوه، والله أعلم بحقيقة الحال.
﴿الوجه الثالث ) فى تفسير هذه الكلمات الخمسة أنها هى الأرواح، وذلك لأن نفس الميت
تنزع ، يقال فلان فى النزع ، وفلان ينزع إذا كان فى سياق الموت، والأنفس نازعات عند السياق ،
ومعنى (غرقا) أى نزعاً شديداً أبلغ ما يكون وأشد من إغراق النازع فى القوس وكذلك تنشط
لأن النشط معناه الخروج، ثم الأرواح البشرية الخالية عن العلائق الجسمانية المشتاقة إلى الاتصال
العلوى بعد خروجها من ظلمة الأجساد تذهب إلى عالم الملائكة ، ومنازل القدس على أسرع
الوجوه فى روح وريحان، فعبر عن ذهابها على هذه الحالة بالسباحة، ثم لاشك أن مراتب الأرواح

٣٢
قوله تعالى: والناشطات نشطا. سورة النازعات.
فى النفرة عن الدنيا ومحبة الاتصال بالعالم العلوى مختلفة فكلما كانت أتم فى هذه الأحوال كان
سيرها إلى هناك أسبق ، وكلما كانت أضعف كان سيرها إلى هذاك أثقل، ولا شك أن الأرواح
السابقة إلى هذه الأحوال أشرف فلا جرم وقع القسم بها ، ثم إن هذه الأرواح الشريفة العالية
لا يبعد أن يكون فيها ما يكون لقوتها وشرفها يظهر منها آثار فى أحوال هذا العالم فهى ( فالمدبرات
أمراً) أليس أن الانسان قديرى أستاذه فى المنام ويسأله عن مشكلة فيرشده إليها؟ أليس أن الابن
قد يرى أباه فى المنام فيهديه إلى كنز مدفون ؟ أليس أن جالينوس قال كنت مريضاً فعجزت عن
علاج نفسى فرأيت فى المنام واحداً أرشدنى إلى كيفية العلاج؟ أليس أن الغزالى قال إن الأرواح
الشريفة إذا فارقت أبدانها، ثم أتفق إنسان مشابه للانسان الأول فى الروح والبدن ، فانه لا يبعد
أن يحصل للنفس المفارقة تعلق بهذا البدن حتى تصير كالمعاونة للنفس المتعلقة بذلك البدن على أعمال
الخير فتسمى تلك المعاونة الهاماً ؟ ونظيره فى جانب النفوس الشريرة وسوسة ، وهذه المعانى
وإن لم تكن منقولة عن المفسرين إلا أن اللفظ محتمل لها جداً .
﴿ الوجه الرابع ﴾ فى تفسير هذه الكلمات الخمس أنها صفات خيل الغزاة فهى نازعات لأنها
تنزع فى أعنتها نزعا تغرق فيه الأعنة اطول أعناقها لأنها عراب وهى ( ناشطات) لأنها تخرج من
دار الاسلام إلى دار الحرب، من قولهم ثور ناشط إذا خرج من بلد إلى بلد ، وهى سابحات لأنها
تسمح فى جريها وهى سابقات ، لأنها تسبق إلى الغاية، وهى مديرات لأمر الغلبة والظفر، وإسناد
التدبير إليها مماز لأنها من أسبابه.
﴿الوجه الخامس) وهو اختيار أبى مسلم رحمه الله أن هذه صفاة الغزاة فالنازعات أيدى الغزاة
يقال الرامى نزع فى قوسه ، ويقال أغرق فى النزع إذا استوفى مد القوس ، والناشطات السهام
وهى خروجها عن أيدى الرماة ونفوذها , وكل شىء حللته فقد نشطته، ومنه نشاط الرجل وهو
أنبساطه وخفته، والسابحات فى هذا الموضع الخيل وسبحها العدو، ويجوز أن يعنى به الإبل أيضا،
والمديرات مثل المعقبات، والمراد أنه يأتى فى أدبار هذا الفعل الذى هو نزع السهام وسبح الخيل
وسبقها الأمر الذى هو النصر، ولفظ التأنيث إنما كان لأن هؤلاء جماعات، كما قبل المدرات،
ويحتمل أن يكون المراد الآلة من القوس والارهاق، على معنى المنزوع فيها والمنشوط بها.
﴿ الوجه السادس ) أنه يمكن تفسير هذه الكلمات بالمراتب الواقعة فى رجوع القلب من
غير الله تعالى إلى اللّه (فالنازعا غرقا) هى الأرواح التى تنزع إلى اعتلاق العروة الوثقى، أو
المنزوعة عن محبة غير الله تعالى ( والناشطات نشطاً) هى أنها بعد الرجوع عن الجسمانيات تأخذ
فى المجاهدة، والتخلق بأخلاق الله سبحانه وتعالى بنشاط تام ، وقوة قوية ( والسابحات سبحا ) ثم
إنها بعد المجاهدة تسرح فى أمر الملكوت فتقطع فى تلك البحار فتسبح فيها (فالسابقات سبقا) إشارة
إلى تفاوت الأرواح فى درجات سيرها إلى الله تعالى (فالمديرات أمراً) إشارة إلى أن آخر ٠راتب
٤
٠

٣٣
قوله تعالى : فالسابقات سبقا. سورة النازعات.
البشرية متصلة بأول درجات الملكية، فلما انتهت الأرواح البشرية إلى أقصى غاياتها وهى مرتبة
السبق انصلت بعالم الملائكة وهو المرادمن قوله (فالمدبرات أمراً) فالأربعة الأول هى المراد من
قوله ( يكاد زيتها يضىء) و (الخامسة) هى النار فى قوله ( ولو لم تمسسه نار).
واعلم أن الوجوه المنقولة عن المفسرين غير منقولة عن رسول الله مَ يتم نصاً، حتى لا يمكن
الزيادة عليها ، بل إنما ذكروها لكون اللفظ محتملالها ، فإذا كان احتمال اللفظ لما ذكرناه
ليس دون احتماله للوجوه التى ذكروها لم يكن ماذكروه أولى مما ذكرناه إلا أنه لابد ههنا
من دقيقة ، وهو أن اللفظ محتمل للكل ، فإن وجدنا بين هذه المعانى مفهوما واحداً مشتر كا حمانا
اللفظ على ذلك المشترك: وحينئذ يندرج تحته جميع هذه الوجوه . أما إذا لم يكن بين هذه
المفهومات قدر مشترك تعذر حمل اللفظ على الكل ، لأن اللفظ المشترك لا يجوز استعماله لإفادة
مفهوميه معاً، فحينئذ لا نقول مراد الله تعالى هذا، بل نقول يحتمل أن يكون هذا هو المزاد،
أما الجزم فلا سبيل إليه ههنا .
﴿الاحتمال الثانى) وهو أن تكون الألفاظ الخمسة صفات لشىء واحد، بل لأشياء مختلفة ،
ففيه أيضاً وجوه (الأول) النازعات غرقاً، هى: الفسى ، والناشطات نشطاً هى الأوهاق،
والسابحات السفن ، والسابقات الخيل ، والمديرات الملائكة، دواه واصل بن السائب: عن
عطاء ( الثانى) نقل عن مجاهد: فى النازعات، والناشطات، والسابحات أنها الموت ، وفى
السابقات، والمديرات أنها الملائكة، وإضافة النزع، والنشط، والسبح إلى الموت مجاز بمعنى أنها
حصلت عند حصوله ( الثالث ) قال قتادة: الجميع هى النجوم إلا المدرات، فإنها هى الملائكة
المسألة الثانية ) ذكر فالسابقات بالفاء ، والتى قبلها بالواو، وفى علته وجهان (الأول )
قال صاحب الكشاف: إن هذه مسيبة عن التى قبلها ، كأنه قيل: واللاتى سبحن، فسبقن كما تقول
قام فذهب أوجب الفاء أن القيام كان سبباً الذهاب ، ولو قلت: قام وذهب لم تجعل القيام سياً
للذهاب، قال الواحدى: قول صاحب النظم غير مطرد فى قوله (فالمديرات أمياً، لأنه يبعد أن
يجعل السبق سباً للتدبير ، وأقول يمكن الجواب عن اعتراض الواحدى رحمه الله من وجهين:
(الأول) لا يبعد أن يقال: إنها لما أمرت سبحت فسبقت قدرت أمرت بتدبيرها
وإصلاحها، فتكون هذه أفعالا يتصل بعضها ببعض، كقولك قام زيد، فذهب، فضرب عمراً،
(الثانى) لا يبعد أن يقال: إنهم لما كانوا سابقين فى أداء الطاعات متسارعين إليها ظهرت
أمانتهم، فلهذا السبب فرض الله إليهم تدبير بعض العالم (الوجه الثانى) أن الملائكة قسمان،
الرؤساء والتلامذة، والدليل عليه أنه سبحانه وتعالى قال: (قل يتوفاكم الموت ) ثم قال :
(٦)، إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا) فقلنا فى التوفيق بين الآيتين: أن ملك الموت هو
الرأس، والرئيس وسائر الملائكة هم التلامذة، إذا عرفت هذا فتقول: النازعات، والناشطات
الفخر الرازي - ج ٣١ م ٣

٣٤
قوله تعالى : يوم ترجف الراجفة. سورة النازعات.
يَوْمَ تَرْجُفُ الَّاجِفَةُ (*) تَنْبَعُهَا الَّدِفَةُ يَ قُلُوبٌ يَوْمَيِذٍ وَاجِفَةٌ (*) أَبْصَرُهَا
خَشِعَةٌ (
والسابحات ، محمولة على التلامذة الذين هم يباشرون العمل بأنفسهم، ثم قوله تعالى ( فالسابقات ...
فالمديرات ) إشارة إلى الرؤساء الذين هم السابقون، فى الدرجة والشرف، وهم المديرون لتلك
الأحوال والأعمال .
قوله تعالى : ﴿ يوم ترجف الراجفة، تتبعها الرادفة، قلوب يومئذ واجفة ، أبصارها
خاشعة ﴾ فيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ جواب القسم المتقدم محذوف أو مذ كور فيه وجهان (الأول) أنه
محذوف، ثم على هذا الوجه فى الآية احتمالات :
﴿ الأول) قال الفراء التقدير: لتبعثن، والدليل عليه ما حكى الله تعالى عنهم، أنهم قالوا:
(أئذا كنا عظاما نخرة) أى أنبعث إذا صرنا عظاما نخرة (الثانى) قال الأخفش والزجاج :
لنتفخن فى الصور نفختين ودل على هذا المحذوف ذكر الراجفة والرادفة وهما النفختان ( الثالث)
قال الكسائى الجواب المضمر هو أن القيامة واقعة وذلك لأنه سبحانه وتعالى قال ( والذاريات
ذرواً) ثم قال (إنما توعدون لصادق) وقال تعالى (والمرسلات عرفا. إنما توعدون لواقع)
فكذلك ههنا فإن القرآن كالسورة الواحدة (القول الثانى) أن الجواب مذ كور وعلى هذا القول
احتمالات (الأول) المقسم عليه هو قوله (قلوب يومئذ واجفة، أبصارها خاشعة) والتقدير
والنازعات غرقاً أن يوم ترجف الراجفة تحصل قلوب واجفة وأبصارها خاشعة ( الثانى) جواب
القسم هو قوله (هل أتاك حديث موسى) فإن هل ههنا بمعنى قد ، كما فى قوله (هل أتاك حديث
الغاشية) أى قد أتاك حديث الغاشية (الثالث) جواب القسم هو قوله (إن فى ذلك لعبرة لمن يخشى).
المسألة الثانية﴾ ذكروا فى ناصب يوم بوجهين (أحدهما) أنه منصوب بالجواب المضمر
والتقدير لتبعثن يوم ترجف الراجفة، فإن قيل كيف يصح هذا مع أنهم لا يبعثون عند النفخة الأولى
والراجفة هى النفخة الأولى ؟ قلنا المعنى لتبعثن فى الوقت الواسع الذى يحصل فيه النفختان ، ولا
شك أنهم يبعثون فى بعض ذلك الوقت الواسع وهو وقت النفخة الأخرى ، ويدل على ما قلناه
أن قوله ( تتبعها الرادفة) جعل حالا عن الراجفة (والثانى) أن ينصب يوم ترجف بما دل عليه
( قلوب يومئذ واجفة ) أى يوم ترجف وجفت القلوب .
﴿ المسألة الثالثة﴾ الرجفة فى اللغة تحتمل وجهين (أحدهما) الحركة لقوله ( يوم ترجف

٣٥
٠
قوله تعالى : قلوب يومئذ واجفة. سورة النازعات.
الأرض والجبال). (الثانى) الهدة المنكرة والصوت الهائل من قولهم رجف الرعد يرجف
رجفاً ورجيفاً، وذلك تردد أصواته المنكرة وهدهدته فى السحاب ، ومنه قوله تعالى ( فأخدتهم
الرجفة) فعلى هذا الوجه الراجفة صيحة عظيمة فيها هول وشدة كالرعد ، وأما لرادفة فكل شىء جاء
بعد شىء آخر يقال ردفه، أى جاء بعده، وأما القلوب الواجفة فهى المضطربة الخائفة ، يقال وجف
قلبه يحف وجافا إذا اضطرب، ومنه إنجاف الدابة، وحملها على السير الشديد، والمفسرين عبارات
كثيرة فى تفسير الواجفة ومعناها واحد ، قالوا خائفة وجلة زائدة عن أما كنها قلقة مستوزة
من تكضة شديدة الاضطراب غير ساكنة، أبصار أهلها خاشعة، وهو كقوله ( خاشعين من الذل
ينظرون من طرف خفي) إذا عرفت هذا فنقول ، اتفق جمهور المفسرين على أن هذه الأمور
أحوال يوم القيامة ، وزعم أبو مسلم الأصفانى أنه ليس كذلك ونحن نذكر تفاسير المفسرين ثم
نشرح قول أبى مسلم .
﴿ أما القول الأول) وهو المشهور بين الجمهور، أن هذه الأحوال أحوال يوم القيامة
فهؤلاء ذكروا وجوهاً (أحدها) أن الراجفة هى النفخة الأولى، وسميت به إما لأن الدنيا تتزلزل
وتضطرب عندها، وإما لأن صوت تلك النفخة هى الراجفة ، كما بينا القول فيه ، والراجفة
رجفة أخرى تتبع الأولى فتضطرب الأرض لإحياء الموتى كما اضطربت فى الأولى لموت الأحياء
على ما ذكره تعالى فى سورة الزمر، ثم يروى عن الرسول صَّ له أن بين النفختين أربعين عاما،
ويروى فى هذه الأربعين يمطر الله الأرض ويصير ذلك الماء عليها كالنطف ، وأن ذلك كالسبب
للاحياء، وهذاما لا حاجة إليه فى الإعادة، ولله أن يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد (وثانيها)
الراجفة هى النفثة الأولى والرادفة هى قيام الساعة من قوله ( عسى أن يكون ردف لكم بعض
الذى تستعجلون ) أى القيامة التى يستعجلها الكفرة استبعاداً لها فهى رادفة لهم لاقترابها (وثالثها)
الراجفة الأرض والجبال من قوله ( يوم ترجف الأرض والجبال) والرادفة السماء والكواكب
لأنها تنشق وتنثر كوا كبها على أثر ذلك (ورابعها) الراجفة هى الأرض تتحرك وتتزلزل
والرادفة زلزلة ثانية تتبع الأولى حتى تنقطع الأرض وتفنى (القول الثانى) وهو قول أبى مسلم
أن هذه الأحوال ليست أحوال يوم القيامة ، وذلك لأنا نقلنا عنه أنه فسر النازعات بنزع القوس
والناشطات بخروج السهم، والسابحات بعدو الفرس، والسابقات بسبقها، والمديرات بالأمور
التى تحصل أدبار ذلك الرمى والعدو ، ثم فى على ذلك فقال الراجفة هى خيل المشركين وكذلك
الرادفة ويراد بذلك طائفتان من المشر كين غزوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسبقت إحداهما
الأخرى ، والقلوب الواجفة هى القلقة ، والأبصار الخاشعة هى أبصار المنافقين كقوله ( الذين
فى قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشى عليه من الموت ) كأنه قيل لما جاء خيل العدو
يرجف، وردفتها أختها اضطرب قلوب المنافقين خوفاً، وخشعت أبصارهم جبناً وضعفاً، ثم قالوا

٣٦
قوله تعالى ؛ يقولون أننا لمردودون. سورة النازعات.
٢٠ أَوِذَا كُنَّا عِظَامًا أَخِرَةً
يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِ الْحَافِرَةِ
(أثنا لمردودون فى الحافرة) أى نرجع إلى الدنيا حتى نتحمل هذا الخوف لأجلها وقالوا أيضاً
( تلك إذاً كرة خاسرة) فأول هذا الكلام حكاية لحال من غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم
من المشركين وأوسطه حكاية لحال المنافقين وآخره حكاية لكلام المنافقين فى إنكار الحشر، ثم
إنه سبحانه وتعالى أجاب عن كلامهم بقوله ( فإنما هى زجرة واحدة ، فإذا هم بالساهرة ) وهذا
كلام أبى مسلم واللفظ محتمل له وإن كان على خلاف قول الجمهور .
قوله تعالى: ﴿قلوب يومئذ واجفة أبصارها خاشعة﴾ اعلم أنه تعالى لم يقل القلوب يومئذ
واجفة ، فإنه ثبت بالدليل أن أهل الإيمان لا يخافون بل المراد منه قلوب الكفار ، وما يؤكد
ذلك أنه تعالى حكى عنهم أنهم يقولون (أتنالمر دودون فى الحافرة) وهذا كلام الكفار لا كلام
المؤمنين ، وقوله ( أبصارها خاشعة) لأن المعلوم من حال المضطرب الخائف أن يكون نظره
نظر خاشع ذليل خاضع يترقب ماينزل به من الأمر العظيم ، وفى الآية سؤالان :
﴿ السؤال الأول ) كيف جاز الابتداء بالنكرة؟ (الجواب) قلوب مرفوعة بالابتداء وواجفة
صفتها وأبصارها خاشعة خبرها فهو كقوله ( لعبد مؤمن خير من مشرك).
﴿ السؤال الثانى) كيف صحت إضافة الأبصار إلى القلوب؟ (الجواب) منعاه أبصار أصحابها
بدليل قوله يقولون ، ثم اعلم أنه تعالى حكى ههناً عن منكرى البعث أقوالا ثلاثة :
(أولها) قوله تعالى: ﴿يقولون أننا المردودن فى الحافرة ) يقال رجع فلان فى حافرته
أى فى طريقه التى جاء فيها خفرها أى أثر فيها بمشيه فيها جعل أثر قدميه حفر أفهى فى الحقيقة محفورة
إلا أنها سميت حافرة، كما قيل ( فى عيشة راضية) و (ماء دافق) أى منسوبة إلى الحفر والرضاوالدفق
أو كقولهم نهارك صائم؛ ثم قيل لمن كان فى أمر تخرج منه ثم عاد إليه رجع إلى حافرته ، أى إلى
طريقته وفى الحديث (( إن هذا الأمر لا يترك على حاله حتى يرد على حافرته) أى على أول تأسيسه.
وحالته الأولى وقرأ أبو حيوة فى الحفرة، والحفرة بمعنى المحفورة يقال حفرت أسنانه، ففرت
حفراً، وهى حفرة ، هذه القراءة دليل على أن الحافرة فى أصل الكلمة بمعنى المحفور، إذا
عرفت هذا ظهر أن معنى الآية: أزد إلى أول حالنا وابتداء أمرنا فنصير أحياء كما كنا .
(وثانيها) قوله تعالى: ﴿ أنذا كنا عظاماً نخرة) وفيه مسائل :
﴿المسألة الأولى﴾ قرأ حمزة وعاصم ناخرة بألف، وقرأ البلقون نخرة بغير ألف، واختلفت
الرواية عن الكسائى فقيل إنه كان لا يبالى كيف قرأها، وقيل أنه كان يقرؤها بغير ألف ، ثم رجع
إلى الألف، واعلم أن أبا عبيدة اختار نخرة، وقال نظرنا فى الآثار التى فيها ذكر العظام التى قد
نخرت ، فوجدناها كلها العظام النخرة ، ولم نسمع فى شىء منها الناخرة ، وأما من سواه، فقد اتفقوا

قوله تعالى : يقولون أننا لمردودون. سورة النازعات.
على أن الناخرة لغة صحيحه، ثم اختلف هؤلاء على قولين. (الأول) أن الناخرة والنخرة بمعنى واحد
قال الأخفش هما جميعاً لغتان أيهما قرأت حسن ، وقال الفراء الناخر والنخر سواء فى المعنى
بمنزله الطامع والطمع، والباخل والبخل ، وفى كتاب الخليل نخرت الخشبة إذا بليت فاسترخت
حتى تتفتت إذا مست ، وكذلك العظم الناخر ، ثم هؤلاء الذين قالوا هما لغتان والمعنى واحد اختلفوا
فقال الزجاج والفراء الناخرة أشبه الوجهين بالآية لأنها نشبه أواخر سأثر الآى نحو الحافرة
والساهرة، وقال آخرون، الناخرة والنخر كالطامع والطمع، واللابث واللبث وفعل أبلغ من فاعل
( القول الثانى) أن النخرة غير والناخرة غير ، أما النخرة فهو من نخر العظم ينخر فهو نخر مثل
عفن يعفن فهو عفن، وذلك إذا بلى وصار بحيث لو لمسته لتفتت ، وأما الناخرة فهى العظام
الفارغة التى يحصل من هبوب الريح فيها صوت كالنخير ، وعلى هذا التاخرة من النخير بمعنى الصوت
كنخير النائم والمختوق لا من النخر الذى هو البلى.
المسألة الأولى﴾ إذاً منصوب بمحذوف تقدير إذا كنا عظاماً ترد ونبعث.
المسألة الثانية﴾ اعلم أن حاصل هذه الشبهة أن الذى يشير إليه كل أحد إلى نفسه بقوله أنا هو
هذا الجسم المبنى بهذه البنية المخصوصة، فإذا مات الإنسان فقد بطل مزاجه وفد تركيبه فتمتنع
إعادته لوجوه (أحدها) أنه لا يكون الإنسان العائد هو الإنسان الأول إلا إذا دخل التركيب
الأول فى الوجود مرة أخرى، وذلك قول بإعادة عين ما عدم أولا، وهذا محال لأن الذى عدم
لم يبق له عين ولا ذات ولا خصوصية ، فإذا دخل شى. آخر فى الوجود استحال أيقال بأن العائد
هو عين ما فنى أولا ( وثانيها) أن تلك الأجزاء قصير تراباً وتتفرق وتختلط بأجزاء كل الأرض
وكل المياه وكل الهواء فتميز تلك الأجزاء بأعيانها عن كل هذه الأشياء محال (وثالثها) أن الأجزاء
الترابية باردة يابسة قشفة فتولد الإنسان الذى لابد وأن يكون حاراً رطباً فى مزاجه عنها محال،
هذا تمام تقرير كلام هؤلاء الذين احتجوا على إنكار البعث بقولهم ( أنذا كنا عظاماً نخرة )
(والجواب) عن هذه الشبهة من وجوه (أولها) وهو الأقوى: لا نسلم أن المشار إليه لكل أحد
بقوله أنا هو هذا الهيكل، ثم إن الذى يدل على فساده وجهان ( الأول) أن أجزاء هذا الهيكل
فى الزوبان والتبدل، والذى يشير إليه كل أحد إلى نفسه بقوله أنا ليس فى التبدل والمتبدل مغاير
لما هو غير متبدل ( والثانى) أن الإنسان قد يعرف أنه هو حال كونه غافلا عن أعضائه الظاهرة
والباطنة ، والمشعور به مغاير لما هو غير مشعور به وإلا لاجتمع النفى والإثبات على الشىء الواحد
وهو محال، فتبت أن المشارإليه لكل أحد بقوله أنا ليس هو هذا الهيكل، ثم ههنا ثلاث احتمالات
( أحدها) أن يكون ذلك الشىء موجوداً قائماً بنفسه ليس بجسم ولا بجسمانى على ما هو مذهب
طائفة عظيمة من الفلاسفة ومن المسلمين (وثانيها) أن يكون جسما مخالفاً بالماهية لهذه الأجسام القابلة
للانحلال والفساد سارية فيها سريان النار فى الفحم وسريان الدهن فى السمسم وسريان ماء الورد

٣٨
قوله تعالى : قالوا تلك إذا كرة. سورة النازعات.
قَالُواْ تِلْكَ إِذَّا كَّةٌ خَاسِرَةٌ ﴿يْ فَإَِّا هِىَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (٢) فَإِذَا هُم بِالسَّهِرَةِ
فى جرم الورد فإذا فسد هذا الهيكل تقلصت تلك الأجزاء وبقيت حية مدركة عاقلة، إما فى الشقاوة
أو فى السعادة ( وثالثها) أن يقال إنه جسم مساو لهذه الأجسام فى الماهية إلا أن الله تعالى خصها
بالبقاء والاستمرار من أول حال تكون شخص فى الوجود إلى آخر عمره ، وأما سائر الأجزاء
المتبدلة قارة بالزيادة وأخرى بالنقصان فهى غير داخلة فى المشار إليه بقوله أنا فعند الموت تنفصل
تلك الأجزاء. وتبقى حية، إما فى السعادة أو فى الشقاوة ، وإذا ظهرت هذه الاحتمالات ثبت أنه
لا يلزم من فساد البدن وتفرق أجزائه فساد ماهو الإنسان حقيقة، وهذا مقام حسن متين تنقطع به
جميع شبهات منكرى البعث . وعلى هذا التقدير لا يكون لصيرورة العظام نخرة بالية متفرقة تأثير فى
دفع الحشر والنشر البتة ، سلمنا على سبيل المسامحة أن الإنسان هو مجموع هذا الهيكل، فلم قلتم إن الإعادة
ممتنعة؟ قوله [أولا] المعدوم لا يعاد: قلنا أليس أن حال عدمه لم يمتنع عندكم صحة الحكم عليه بأنه يمتنع
عوده، فلم لا يجوز أن لا يمتنع على قولنا أيضاً صحة الحكم عليه بالعود، قول (ثانياً) الأجزاء القليلة
مختلطة بأجزاء العناصر الأربعة ، قلنا لكن ثبت أن خالق العالم عالم بجميع الجزئيات ، وقادر على كل
الممكنات فيصح منه جمعها بأعيانها. وإعادة الحياة إليها. قوله ( ثالثاً) الأجسام القشفة اليابسة
لا تقبل الحياة. فلنا نرى السمندل ، يعيش فى النار ، والنعامة تبتلع الحديدة المحماة، والحيات الكبار
العظام متولدة فى الثلوج، فبطل الاعتماد على الاستقراء ، والله الهادي إلى الصدق والصواب.
(النوع الثالث ) من الكلمات التى حكاما اللّه تعالى عن منكرى البعث ﴿قالوا تلك إذاً كرة
خاسرة) والمعنى كرة منسوبة إلى الخسران، كقولك تجارة رابحة، أو خاسر أصحابها، والمعنى
أنها إن صحت فنحن إذا خاسرون لتكذيبنا، وهذا منهم استهزاء .
واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم هذه الكلمات قال ﴿ فإنما هى زجرة واحدة، فإذا هم بالساهرة ﴾
وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ الفاء فى قوله (فإدا هم) متعلق بمحذوف معناه لا تستصعبوها فإنما هى زجرة
واحدة ، يعنى لا تحسبوا تلك الكرة صعبة على الله فإنها سهلة هيئة فى قدرته.
المسألة الثانية﴾ يقال زجر البعير إذا صاح عليه ، والمراد من هذه الصيحة النفخة الثانية
وهى صيحة إسرافيل ، قال المفسرون ، يحميهم الله فى بطون الأرض فيسمعونها فيقومون ، ونظير
هذه الآية قوله تعالى ( وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة مالها من فواق).
﴿ المسألة الثالثة﴾ الساهرة الأرض البيضاء المستوية سميت بذلك لوجهين (الأول) أن

٣٩
قوله تعالى : هل أتاك حديث موسى . سورة النازعات.
هَلْ أَتَكَ حَدِيثُ مُوسَّ ◌َهِ إِذْ نَادَنُهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوَّى(
أَذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى
لكها لا ينام خوفاً منها (الثانى) أن السراب يجرى فيها من قولهم عين ساهرة جارية الماء، وعندى
فيه وجه ( ثالث) وهى أن الأرض إنما تسمى ساهرة لأن من شدة الخوف فيها يطير النوم عن
الإنسان . فتلك الأرض التى يجتمع الكفار فيها فى موقف القيامة يكونون فيها فى أشد الخوف ،
فسميت تلك الأرض ساهرة لهذا السبب ، ثم اختلفوا من وجه آخر فقال بعضهم هى أرض الدنيا ،
وقال آخرون هى أرض الآخرة لأنهم عند الزجرة والصيحة ينقلون أفواجاً إلى أرض الآخرة
ولعل هذا الوجه أقرب .
قوله تعالى: ﴿ هل أتاك حديث موسى، إذ ناداه ربه بالوادى المقدس طوى، إذهب إلى فرعون
إنه طفى﴾ فيه مسائل .
في المسألة الأولى﴾ أعلم أن وجه المناسبة بين هذه القصة وبين ماقبلها من وجهين: ( الأول)
أنه تعالى حكى عن الكفار إصرارهم على إنكار البعث حتى انتهوا فى ذلك الإنكار إلى حد الاستهزاء
فى قولهم (تلك إذاً كرة خاسرة) وكان ذلك يشق على محمد صلى الله عليه وسلم فذكر قصة موسى عليه
السلام، وبين أنه تحمل المشقة الكثيرة فى دعوة فرعون ليكون ذلك كالتسلية للرسول حتى انيه
( الثانى) أن فرعون كان أقوى من كفار قريش وأكثر جمعاً وأشد شوكة ، فلما تمرد على موسى
أخذه الله نكال الآخرة والأولى، فكذلك هؤلاء المشركون فى تمردهم عليك إن أصروا أخذهم
الله وجعلهم نكالا .
﴿ المسألة الثانية) قوله (هل أتاك) يحتمل أن يكون معناه أليس قد (أناك حديث ، وسى)
هذا أن كان قد أناه ذلك قبل هذا الكلام ، أما إن لم يكن قد أتاه فقد يجوز أن يقال (هل أتاك)
كذا ، أم أنا أخبرك به فان فيه عبرة لمن يخشى .
﴿ المسألة الثالثة ) الوادى المقدس المبارك المطهر، وفى قوله ( طوى) وجوه: (أحدها )
أنه اسم وادى بالشام وهو عند الطور الذى أقسم الله به فى قوله ( والطور وكتاب مسطور )
وقوله (وناديناه من جانب الطور الأيمن) (والثانى) أنه بمعنى يارجل بالعبرانية، فكأنه قال
يارجل (اذهب إلى فرعون) ، وهو قول ابن عباس (والثالث ) أن يكون قوله (طوى) أى
ناداه ( طوى ) من الليلة (اذهب إلى فرعون) لأنك تقول جثتك بعد (طوى) أى بعد ساعة من
الليل ( والرابع ) أن يكون المعنى بالوادى المقدس الذى طوى أى بورك فيه مرتين .
﴿ المسألة الرابعة﴾ قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ( طوى) بضم الطاء غير منون، وقرأ

٤٠
قوله تعالى : فقل هل لك ان تزكى. سورة النازعات.
فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَنْ تَرَكْى ◌ّ
الباقون بضم الطاء منوناً، وروى عن أبى عمرو. طوى بكسر الطاء، وطوى مثل ثى ، وهما
اسمان الشىء المثنى، والعلى بمعنى التى، أى ثنيت فى البركه والتقديس ، قال الفراء (طوى) واد
بين المدينة ومصر، فمن صرفه قال هو ذكر سمينا به ذكراً، ومن لم يصرفه جعله معدولا عن جهته
كعمرو زفر ، ثم قال: والصرف أحب إلى إذ لم أجد فى المعدول نظيراً ، أى لم أجد اسما من
الواو والياء عدل عن فاعلة إلى فعل غير ( طوى) .
﴿ المسألة الخامسة) تقدير الآية: إذ ناداه ربه وقال أذهب إلى فرعون، وفى قراءة عبد الله
أن أذهب، لأن فى النداء معنى القول. وأما أن ذلك النداء كان باسماع الكلام القديم، أو بإسماع
الحرف والصوت ، وإن كان على هذا الوجه فكيف عرف موسى أنه كلام اللّه . فكل ذلك قد
تقدم فى كورة (طه).
المسألة السادسة﴾ أن سائر الآيات تدل على أنه تعالى فى أول ما نادى موسى عليه السلام
ذكر له أشياء كثيرة ، كقوله فى سورة طه (نودى ياموسى إنى أنا ربك) إلى قوله ( لنريك من
آياتنا الكبرى ، اذهب إلى فرعون إنه طفى) فدل ذلك على أن قوله ههنا ( اذهب إلى فرعون إنه
طفى) من جملة ما ناداه به ربه ، لا أنه كل ما ناداه به، وأيضا ليس الغرض أنه عليه السلام كان
مبعوثاً إلى فرعون فقط ، بل إلى كل من كان فى ذلك الطرف ، إلا أنه خصه بالذكر ، لأن دعوته
جارية مجرى دعوة كل ذلك القوم .
﴿ المسألة السابعة ﴾ الطغيان مجاوزة الحد ، ثم أنه تعالى لم يبين أنه تعدى فى أى شىء ، فلهذا
قال بعض المفسرين: معناه أنه تكبر على الله وكفر به، وقال آخرون: إنه طغى على بنى إسرائيل،
والأولى عندى الجمع بين الأمرين ، فالمعنى أنه طغى على الخالق بأن كفر به، وطغى على الخاق بأن
تكبر عليهم واستعبدهم ، وكما أن كمال العبودية ليس إلا صدق المعاملة مع الخاق ومع الخلق،
فكذا كمال الطغيان ليس إلا الجمع بين سوء المعاملة مع الخالق ومع الخلق.
واعلم أنه تعالى لما بعثه إلى فرعون لقنه كلامين ليخاطبه بهما:
(فالأول) قوله تعالى ﴿فقل هل لك إلى أن تزكى) وفيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى ﴾ يقال هل لك فى كذا، وهل لك إلى كذا، كما تقول: هل ترغب فيه،
وهل ترغب إليه، قال الواحدى: المبتدأ محذوف فى اللفظ مراد فى المعنى، والتقدير: هل لك إلى
تز کی حاجة أو إربه ، قال الشاعر:
فهل لكم فيها إلى فإنى بصير بما أعيا النطاسى حذيما
ويحتمل أن يكون التقدير : هل لك سبيل إلى أن تزكى.