Indexed OCR Text
Pages 261-280
٢٦١ قوله تعالى : إن هذه تذكرة . سورة الإنسان . إِنَّ هَلْلِهِ، تَذْكِرَةٌ أَمَنْ شَآءَ الَ إِلَى رَبِّهِ، سَبِيلًا () وَمَا تَشَآءُ ونَ إِلَّ ج أَن يَشَآءَ اللهُ إلا عند حصول المنتفع وحصول المنتفع به ، وهذان لا يحصلان إلا بتكوين الله وإيجاده . فهذا ما يوجب عليهم الانقياد لله ولتكاليفه وترك التمرد والإعراض، وأما من حيث الرهبة فلأنه قادر على أن يميتهم ، وعلى أن يسلب النعمة عنهم ، وعلى أن يلقيهم فى كل محنة وبلية ، فلأجل من فوت هذه اللذات العاجلة يجب عليهم أن ينقادواللّه، وأن يتركوا هذا التمرد، وحاصل الكلام كأنه قيل لهم هب أن حبكم لهذه اللذات العاجلة طريقة مستحسنه، إلا أن ذلك يوجب عليكم الإيمان بالله والإنقياد له، فلو أنكم توسلتم به إلى الكفر بالله، والإعراض عن حكمه، لكنتم قد تمردتم، وهذا ترتيب حسن فى السؤال والجواب، وطريقة لطيفة: وفى الآية مسائل: ﴿ المسألة الأولى﴾ قال أهل اللغة الأسر الربط والتوثيق، ومنه أسر الرجل إذا وثق بالقد وفرس مأسور الخلق وفرس مأسور بالعقب ، والمعنى شددنا توصيل أعضائهم بعضاً ببعض وتوثيق مفاصلهم بالأعصاب . المسألة الثانية﴾ (وإذا شئنا بدلنا أمثالهم) أى إذا شئنا أهلكناهم وآتينا بأشباههم بجعلناهم بدلا منهم، وهو كقوله (على أن نبدل أمثالكم) والغرض منه بيان الاستغناء التام عنهم كأنه قيل لا حاجة بنا إلى أحد من المخلوقين البتة ، وبتقدير أن تثبت الحاجة فلا حاجة إلى هؤلاء الأقوام ، فإنا قادرون على إفنائهم، وعلى إيجاد أمثالهم، ونظيره قوله تعالى ( إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين ، وكان اللّه على ذلك قديراً) وقال (إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز) ثم قيل بدلنا أمثالهم أى فى الخلقة ، وإن كانوا أضدادهم فى العمل، وقيل (أمثالهم فى الكفر). ﴿ المسألة الثالثة﴾ قال صاحب الكشاف فى قوله ( وإذا شئنا) إن حقه أن يجىء بأن لا بإذا كقوله (وإن تتولوا يستبدل قوماً غير كم ) (إن يشأ يذهبكم) واعلم أن هذا الكلام كأنه طعن فى لفظ القرآن ، وهو ضعيف لأن كل واحد من إن وإذا حرف الشرط، إلا أن حرف إن لا يستعمل فيما يكون معلوم الوقوع ، فلا يقال إن طلعت الشمس أكرمتك، أما حرف إذا فإنه يستعمل فيما كان معلوم الوقوع، تقول آتيك إذا طلعت الشمس، فهنا لما كان اللّه تعالى علماً بأنه سيجىء وقت يبدل الله فيه أولئك الكفرة بأمثالهم فى الخلفة وأضدادهم فى الطاعة ، لا جرم حسن استعمال حرف إذا . وأعلم أنه تعالى لما شرح أحوال السعداء وأحوال الأشقياء قال بعده ﴿إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا وما تشدون إلا أن يشاء الله ﴾ والمعنى أن هذه السورة بما فيها من ٢٦٢ قوله تعالى: إن الله علماً حكيماً . سورة الإنسان . إِنَّ الَّ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٢﴾ يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِى رَحْتِهِ وَالظَّلِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيماً الترتيب العجيب والنسق البعيد والوعد والوعيد والترغيب والترهيب ، تذكرة للمتأملين وتبصرة للمستبصرين ، فمن شاء الخيرة لنفسه فى الدنيا والآخرة اتخذ إلى ريه سبيلا. واتخاذ السبيل إلى الله عبارة عن التقرب إليهْ، واعلم أن هذه الآية من جملة الآيات التى تلاطمت فيها أمواج الجبر والقدر، فالقدرى يتمسك بقوله تعالى (فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا) ويقول إنه صريح مذهبى ونظيره (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) والجبرى يقول منى ضمت هذه الآية إلى الآية التى بعدها خرج منه صريح مذهب الجمبر، وذلك لأن قوله ( فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا) يقتضى أن تكون مشيئة العبد متى كانت خالصة فإنها تكون مستلزمة للفعل ، وقوله بعد ذلك ( وما تشاءون إلا أن يشاء الله) يقتضى أن مشيئة الله تعالى مستلزمه لمشيئة العبد ومستلزم المستلزم مستلزم، فإذا مشيئة الله مستلزمة لفعل العبد، وذلك هو الجبر، وهكذا الاستدلال على الجبر بقوله (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) لأن هذه الآية أيضاً تقتضي كون المشيئة مستلزمة للفعل ثم التقرير ما تقدم، واعلم أن الاستدلال على هذا الوجه الذى لخصناه لا يتوجه عليه كلام القاضى إلا أنا نذكره وثقبه على ما فيه من الضعف ، قال القاضى المذكور فى هذه الآية اتخاذ السبيل إلى الله، ونحن نسلم أن الله قدشاءه لأنه تعالى قد أمر به، فلا بد وأن يكون قد شاءه. وهذا لا يقتضى أن يقال العبد لا يشاء إلا ماقد شاءه الله على الإطلاق، إذ المراد بذلك الأمر المخصوص الذى قدثبت أنه تعالى قد أراده، شاءه. واعلم أن هذا الكلام الذى ذكره القاضى لا تعلق له بالاستدلال على الوجه الذى ذكرناه، وأيضاً فصل ما ذكره القاضى تخصيص هذا العام بالصورة التى مر ذكرها فيما قبل هذه الآية، وذلك ضعيف ، لأن خصوص ما قبل الآية لا يقتضى تخصيص هذا العام به . لاحتمال أن يكون الحكم فى هذه الآية وارداً بحيث يعم تلك الصورة وسائر الصور، بقى فى الآية سؤال يتعاق بالإعراب، وهو أن يقال: ما محل أن يشاء الله؟ وجوابه النصب على الظرف، وأصله إلا وقت مشيئة الله، وكذلك قراءة ابن مسعود ((إلا ما شاء الله)) لا ن ما مع الفعل كأن معه، وقرى. أيضاً يشاءون بالياء. ثم قال تعالى ﴿ إن الله كان عليها حكيما﴾ أى عليها بأحوالهم وما يكون منهم حيث خلقهم مع عله بهم . ثم ختم السورة فقال ﴿ يدخل من يشاء فى رحمته والظالمين أعد لهم عذاباً أليماً﴾ اعلم أن خاتمة هذه السورة عجمية ، وذلك لأن قوله ( وما تشاءون إلا أن يشاء الله) يدل على أن جميع قوله تعالى : والظالمين أعدلهم عذاباً ألما . سورة الإنسان .. ٢٦٣ ما يصدر عن العبد فبمشيئة الله، وقوله ( يدخل من يشاء فى رحمته والظالمين أعد لهم عذاباً أليماً ) يدل على أن دخول الجنة والنار ليس إلا بمشيئة الله، فرج من آخر هذه السورة إلا الله وما هو من اللّه، وذلك هو التوحيد المطلق الذى هو آخر سير الصديقين ومنتهى معارجهم فى أفلاك المعارف الإلهية ، وفى الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى) قوله (يدخل من يشاء فى رحمته) إن فسرنا الرحمة الإيمان، فالآية صريحة فى أن الإيمان من الله، وإن فسرناها بالجنة كان دخول الجنة بسبب مشيئة الله وفضله وإحسانه لا بسبب الاستحقاق ، وذلك لأنه لو ثبت الاستحقاق لكان تركه يفضى إلى الجهل والحاجة المحالين على اللّه، والمفضى إلى المحال محال فتركه محال وجوده واجب عقلا وعدمه متع عقلا، وما كان كذلك لا يكون معلقاً على المشيئة البتة، وأيضاً ولأن من كان مديوناً من إنسان فأدى ذلك الدين إلى مستحقه لا يقال بأنه إنما دفع ذلك القدر إليه على سبيل الرحمة والتفضل. ﴿ المسألة الثانية) قوله ( والظالمين أعد لهم عذاباً اليأ.) يدل على أنه جف القلم بما هو كائن، لأن معنى أعد أنه علم ذلك وقضى به ، وأخبر عنه وكتبه فى اللوح المحفوظ ، ومعلوم أن التغيير على هذه الأشياء محال ، فكان الأمر على ما بيناه وقلناه . ﴿ المسألة الثالثة﴾ قال الزجاج نصب الظالمين لأن قبله منصوباً، والمعنى يدخل من يشاء فى رحمته ويعذب الظالمين وقوله (أعد لهم عذاباً الياً) كالتفسير لذلك المضمر، وقرأ عبد الله ابن الزبير: والظالمون، وهذا ليس باختيار لأنه معطوف على يدخل من يشاء وعطف الجملة الاسمية على الجملة الفعلية غير حسن ، وأما قوله فى حم عسق ( يدخل من يشاء فى رحمته والظالمون ) فانما ارتفع لأنه لم يذكر بعده فعل يقع عليه فينصبه فى المعنى ، فلم يجز أن يعطف على المنصوب قبله ، فارتفع بالابتداء، وههنا قوله (أعد لهم عذاباً أليما ) يدل على ذلك الناصب المضمر ، فظهر الفرق والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ٢٦٤ سورة المرسلات (٧٧) سورة المِنْسَلاتِمَكِيَّةْ وَآيَاتِهَا جِسُوْنُ ٥١-١ بِسُـ ٩ وَالْمُرْسَلَتِ عُرْفًا ﴾ فَالْعَصِفَتِ عَصْفًا * وَالنَّشِرَتِ نَشْرً فَالْفَرِقَتِ فَرْقًا (ج) فَالْمُلْفِيَتِ ذِكْرًا يُ عُذْرًا أَوْنُذْرًا بسم الله الرحمن الرحيم والمرسلات عرفاً ، فالعاصفات عصفاً، والناشرات نشراً، فالفارقات فرقاً، فالملقيات ذكراً، عذراً أو نذرأ﴾ فى الآية مسائل : المسألة الأولى) اعلم أن هذه الكلمات الخمس إما أن يكون المراد منها جنساً وحداً أو أجناساً مختلفة ( أما الاحتمال الأول) فذكروا فيه وجوهاً (الأول) أن المراد منها بأسرها الملائكة فالمرسلات هم الملائكة الذين أرسلهم اللّه إما بإيصال النعمة إلى قوم أو لإيصال النقمة إلى آخرين، وقوله (عرفاً) فيه وجوه ( أحدها) متتابعة كمشعر العرف يقال جاؤا عرفاً واحداً وهم عليه كعرف الضبع إذا تألبوا عليه ( والثانى) أن يكون بمعنى العرف الذى هو نقيض الفكرة فإن هؤلاء الملائكة إن كانوا بعثوا للرحمة، فهذا المعنى فيهم ظاهر وإن كانوا لأجل العذاب فذلك العذاب، وإن لم يكن معروفاً للكفار ، فإنه معروف الأنبياء والمؤمنين الذين انتقم الله لهم منهم (والثالث) أن يكون مصدراً كأنه قيل والمرسلات أرسالا أى متتابعة وانتصاب عرفاً على الوجه الأول على الحال ، وعلى الثانى لكونه مفعولا أى أرسلت للاحسان والمعروف وقوله (فالعاصفات عصفاً) فيه وجهان (الأول) يعنى أن الله تعالى لما أرسل أولئك الملائكة فهم عصفوا فى طيرانهم كما تعصف الرياح (والثانى) أن هؤلاء الملائكة يعصفون بروح الكافر يقال عصف بالشىء إذا أباده وأهلكه ، يقال نافة عصوف، أى تعصف براكبها فتمضى كانها ريح فى السرعة ، وعصفت الحرب بالقوم ، أى ذهبت بهم ، قال الشاعر : تعصف بالمقبل والمدير فى فيلق شهباء مدمومة وقوله تعالى ( والناشرات نشراً) معناه أنهم نشروا أجنحتهم عند انحطاطهم إلى الأرض ، أو نشروا الشرائع فى الأرض،" أو نشروا الرحمة أو العذاب، أو المراد الملائكة الذين ينشرون ٢٦٥ قوله تعالى : والمرسلات عرفا . سورةً المرسلات . الكتب يوم الحساب ، وهى الكتب التى فيها أعمال بنى آدم ، قال تعالى ( ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلفاه منشوراً) وبالجملة فقد نشروا الشىء الذى أمروا بإيصاله إلى أهل الأرض ونشره فيهم وقوله تعالى (فالفارقات فرناً) معناه أنهم يفرقون بين الحق والباطل، وقوله (فالملقيات ذكراً ) معناه أنهم يلقون الذكر إلى الأنبياء ، ثم المراد من الذكر يحتمل أن يكون مطلق العلم والحكمة، كما قال (ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده) ويحتمل أن يكون المراد هو القرآن خاصة، وهو قوله (أألقى الذكر عليه من بيننا) وقوله (وما كنت ترجو أن يلق إليك الكتاب) وهذا الملقى وإن كان هو جبريل عليه السلام وحده ، إلا أنه يجوز أن يسمى الواحد باسم الجماعة على سبيل التعظيم . واعلم أنك قد عرفت أن المقصود من القسم التنبيه على جلالة المقسم به، وشرف الملائكة وعلو رتبتهم أمر ظاهر من وجوه (أحدها ) شدة مواظبتهم على طاعة الله تعالى، كما قال تعالى (ويفعلون ما يؤمرون، لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون) (وثانيها) أنهم أقسام: فمنهم من برسل لإنزال الوحى على الأنبياء، ومنهم من يرسل اللزوم فى آدم لكتابة أعمالهم؛ طائفة منهم بالنهار وطائفة منهم بالليل ، ومنهم من يرسل لقيض أرواح فى آدم ، ومنهم من يرسل بالوحى من سماء إلى أخرى ، إلى أن ينزل بذلك الوحى ملك السماء إلى الأرض، ومنهم الملائكة الذين ينزلون كل يوم من البيت المعمور إلى الكعبة على ما روى ذلك فى الإخبار، فهذا ما يننظمه قوله ( والمرسلات عرفاً) ثم ما فيها من سرعة السير، وقطع المسافات الكثيرة فى المدة البيرة، كقوله ( تعرج الملائكة والروح إليه فى يوم كان مقداره خمسين ألف سنة) ثم ما فيها من نشر أجتحتهم العظيمة عند الطيران، ونشر العلم والحكمة والنبوة والهداية والإرشاد والوحى والتغزيل، وإظهار الفرق بين الحق والباطل بسبب إنزال ذلك الوحى والتنزيل ، وإلقاء الذكر فى القلب واللسان بسبب ذلك الوحى، وبالجملة فالملائكة هم الوسائط بين اللّه تعالى، وبين عباده فى الفوز بجميع السعادات العاجلة والآجلة والخيرات الجسمانية والروحانية ، فلذلك أقسم الله بهم: ﴿ القول الثانى) أن المراد من هذه الكامات الخمس بأسرها الرياح، أقسم الله برياح عذاب أرسلها عرفاً ، أى متتابعة كشعر العرف ، كما قال (يرسل الرياح، وأرسلنا الرياح) ثم إنها تشتد حتى تصير عواصف ورياح رحمة نشرت السحاب فى الجو ، كما قال ( وهو الذى يرسل الرياح بشراً بين يدى رحمته) وقال ( الله الذى يرسل الرياح فتثير سحاباً فيبسطه فى السماء) ويجوز أيضاً أن يقال: الرياح تعين النبات والزرع والشجر على النشور والإنبات، وذلك لأنها تلقح فيبرز النبات بذلك، على ما قال تعالى (وأرسلنا الرياح لواقع) فيهذا الطريق تكون الرياح ناشرة للنبات وفى كون الرياح فارقة وجوه (أحدها ) أن الرياح تفرق بعض أجزاء السحاب عن بعض (وثانيها ) أن الله تعالى خرب بعض القرى بتسليط الرياح عليها، كما قال (وأما عاد فأهلكوا ٢٦٦ قوله تعالى : فالملقيات ذكرا . سورة المرسلات . بريح صرصر) وذلك سبب لظهور الفرق بين أولياء الله وأعداء الله (وثالثها) أن عند حدوث الرياح المختلفة ، وترتيب الآثار العجيبة عليها من تموج السحاب وتخريب الديار قصير الخلق مضطرين إلى الرجوع إلى الله والتضرع على باب رحمته، فيحصل الفرق بين المقر والمنكر والموحد والملحد، وقوله (فالملقيات ذكراً) معناه أن العاقل إذا شاهد هبوب الرياح التى تقلع القلاع، وتهدم الصخور والجبال، وترفع الأمواج تمسك بذكر الله والتجأ إلى إعانة اللّه، فصارت تلك الرياح كأنها ألقت الذكر والإيمان والعبودية فى القلب، ولا شك أن هذه الإضافة تكون على سبيل المجاز من حيث إن الذكر حصل عند حدوث هذه . ﴿ القول الثالث) من الناس من حمل بعض هذه الكلمات الخمسة على القرآن، وعندى أنه يمكن حمل جميعها على القرآن، فقوله (والمرسلات) المراد منها الآيات المتتابعة المرسلة على لسان جبريل عليه السلام إلى محمد سليم، وقوله (عرفاً) أى نزلت هذه الآيات بكل عرف وخير وكيف لا وهى الهادية إلى سبيل النجاة والموصلة إلى مجامع الخيرات (والعاصفات عصفاً) فالمراد أن دولة الإسلام والقرآن كانت ضعيفة فى الأول، ثم عظمت وقهرت سائر الملل والأديان ، فكأن دولة القرآن عصفت بسائر الدول والملل والأديان وقهرتها ، وجعلتها باطلة دائرة، وقوله ( والناشرات نشراً) المراد أن آيات القرآن نشرت آثار الحكمة والهداية فى قلوب العالمين شرقاً وغرباً، وقوله (فالفارقات فرقاً) فذلك ظاهر ، لأن آيات القرآن هى التى تفرق بين الحق والباطل ، ولذلك سمى اللّه تعالى القرآن فرقاناً، وقوله (فالملقيات ذكراً) فالأمرفيه ظاهر، لأن القرآن ذكر ، كما قال تعالى (ص، والقرآن ذى الذكر، وإنه لذكرلك ولقومك، وهذا ذكر مبارك، وتذكرة) كما قال (وإنه لتذكرة للمتقين وذكرى) كما قال ( وذكرى للعالمين) فظهر أنه يمكن تفسير هذه الكلمات الخمسة بالقرآن، وهذا وإن لم يذكره أحد فإنه محتمل . ﴿ القول الرابع) يمكن حملها أيضاً على بعثة الأنبياء عليهم السلام (والمرسلات عرفاً ) هم الأشخاص الذن أرسلوا بالوحى المشتمل على كل خير ومعروف، فإنه لاشك أنهم أرسلوا بلا إله إلا الله، وهو مفتاح كل خير ومعروف (فالعاصفات عصفاً) معناه أن أمر كل رسول يكون فى أول الأمر حقيراً ضعيفاً، ثم يشتد ويعظم ريصير فى القوة كعصف الرياح (والناشرات نشراً) المراد منه انتشار دينهم ومذهبهم ومقالتهم (فالفارقات فرقاً) المراد أنهم يفرقون بين الحق والباطل والتوحيد والإلحاد (فالملقيات ذكراً ) المراد أنهم يدعون الخلق إلى ذكر الله، ويأمرونهم به ويحثونهم عليه. ﴿ القول الخامس) أن يكون المراد أن الرجل قد يكون مشتغلا بمصالح الدنيا مستغرقاً فى طلب لذاتها وراحانها ، ففى أثناء ذلك يرد فى قلبه داعية الإعراض عن الدنيا والرغبة فى خدمة المولى، فلك الدواعى هى المرسلات عرفاً، ثم هذه المرسلات لها أثران (أحدهما ) إزالة حب ٢٦٧ قوله تعالى : فالعاصفات عصفا . سورة المرسلات . ما سوى الله تعالى عن القلب، وهو المراد من قوله (فالعاصفات عصفاً) (والثانى) ظهور أثر تلك الداعية فى جميع الجوارح والأعضاء حتى لا يسمع إلا الله، ولا يبصر إلا الله، ولا ينظر إلا اللّه، فذلك هو قوله ( والناشرات نشراً) ثم عند ذلك ينكشف له نور جلال الله فيراه موجوداً، ويرى كل ماسواه معدوماً، فذلك قوله (فالفارقات فرقاً ) ثم يصير العبد كالمشتهر فى محبته ، ولا يبقى فى قلبه ولسانه إلا ذكره، فذلك قوله ( فالملقيات ذكراً). واعلم أن هذه الوجوه الثلاثة الأخيرة ، وإن كانت غير مذكورة إلا أنها محتملة جداً. (وأما الاحتمال الثانى) وهو أن لا يكون المراد من الكلمات الخمس شيئاً واحداً، ففيه وجوه (الأول) ما ذكره الزجاج واختيار القاضى، وهو أن الثلاثة الأول هى الرياح ، فقوله ( والمرسلات عرفاً) هى الرياح التى تتصل على العرف المعتاد (والعاصفات) ما يشتدمنه، (والناشرات) ما ينشر السحاب . أما قوله (فالفارقات فرقاً) فهم الملائكة الذين يفرقون بين الحق والباطل، والحلال والحرام، بما يتحملونه من القرآن والوحى، وكذلك قوله ( فالماقيات ذكراً) أنها الملائكة المتحملة للذكر الملفية ذلك إلى الرسل ، فإن قيل: وما المجانسة بين الرياح وبين الملائكة حتى يجمع بينهما فى القسم ؟ قلنا الملائكة روحانيون ، فهم بسبب لطاقتهم وسرعة حركانهم كالرياح (القول الثانى) أن الإثنين الأولين هما الرياح، فقوله ( والمرسلات عرفاً ، فالعاصفات عصفاً) هما الرباح، والثلاثة الباقية الملائكة، لأنها تنشر الوحى والدين ، ثم لذلك الوحى أثران ( أحدهما ) حصول الفرق بين المحق والمبطل (والثانى) ظهور ذكر الله فى القلوب والألسنة، وهذا القول ما رأيته لأحد، ولكنه ظاهر الاحتمال أيضاً، والذى يؤكده أنه قال (والمرسلات عرفاً، فالعاصفات عصفاً) عطف الثانى على الأول بحرف الفاء ، ثم ذكر الواو فقال (والناشرات نشرا) وعطف الإثنين الباقيين عليه بحرف الفاء ، وهذا يقتضى أن يكون الأولان ممتازين عن الثلاثة الأخيرة (القول الثالث) يمكن أيضاً أن يقال المراد بالأ ولين الملائكة، فقوله ( والمرسلات عرفاً) ملائكة الرحمة ، وقوله (فالعاصفات عصفاً) ملائكة العذاب ، والثلاثة الباقية آيات القرآن، لأنها تنشر الحق فى القلوب والأرواح، وتفرق بين الحق والباطل، وتلقى الذكر فى القلوب والألسنة، وهذا القول أيضاً ما أيته لأحد ، وهو محتمل، ومن وقف على ماذكر ناه أمكنه أن يذكر فيه وجوها ، والله أعلم بمراده. المسألة الثانية ﴾ قال القفال: الوجه فى دخول الفاء فى بعض ما وقع به القسم، والواو فى بعض مبنى على الأصل، وهو أن عند أهل اللغة الفاء تقتضى الوصل والتعلق، فإذا قيل قام زيد فذهب ، فالمعنى أنه قام ليذهب فكان قيامه سباً لذهابه وستصلا به ، وإذا قيل قام وذهب فهما خبران كل واحد منهما قائم بنفسه لايتعلق بالآخر ، ثم إن القفال لمامهد هذا الأصل فرع الكلام عليه فى هذه الآية بوجره لايميل قلبى إليها، وأنا أفرع على هذا الأصل فأقول: أما من ١ ٢٦٨ قوله تعالى : عذرا أو نذرا . سورة المرسلات . إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَقِعٌ ٧ جعل الأولين صفتين لشىء والثلاثة الأخيرة صفات لشىء واحد. فالإشكال عنه زائل ، وأما من جعل الكل صفات لشىء واحد، فنقول إن حملناها على الملائكة ، فالملائكة إذا أرسلت طارت سريعاً ، وذلك الطيران هو العصف ، فالعصف مرتب على الإرسال فلا جرم ذكر الفاء، أما النشر فلا يترتب على الإرسال، فإن الملائكة أول ما يبلغون الوحى إلى الرسل لا يصير فى الحال ذلك الدين مشهوراً منتشراً، بل الخلق يؤذون الأنبياء فى أول الأمر وينسبونهم إلى الكذب والسحر والجنون ، فلا جرم لم يذكر الفاء التى تفيد التعقيب بل ذكر الواو، بلى إذا حصل النشر ترتب عليه حصول الفرق بين الحق والباطل وظهور ذكر الحى على الألسنة فلا جرم ذكر هذين الأمرين بحرف الفاء، فكأنه والله أعلم قيل يا محمد إنى أرسلت الملك إليك بالوحى الذى هو عنوان كل سعادة، وفاتحة كل خير، ولكن لا تطمع فى أن ننشر ذلك الأمر فى الحالة، ولكن لا بد من الصبر وتحمل المشقة، ثم إذا جاء وقت النصرة أجعل دينك ظاهراً منتشراً فى شرق العالم وغربه، وعند ذلك الانتشار يظهر الفرق فتصير الأديان الباطلة ضعيفة ساقطة، ودينك هو الدين الحق ظاهراً غالباً، وهنالك يظهر ذكر الله على الألسنة. وفى المحاريب وعلى المنابر ويصير العالم عملوا من ذكر الله، فهذا إذا حملنا هذه الكلمات الخمس على الملائكة ، ومن عرف هذا الوجه أمكنه ذكر ماشابهه فى الرياح وسائر الوجوه والله أعلم. أما قوله ( عذراً أو نذراً) ففيه مسالنان : ﴿ المسألة الأولى﴾ فيهما قراء تان التخفيف وهو قراءة أبى عمرو وعاصم من رواية حفص والباقون قرأوا بالتثقيل، أما التخفيف فلا نزاع فى كونه مصدراً. والمعنى إعذاراً وإنذار، وأما التثقيل فزعم أبو عبيدة أنه جمع وليس بمصدر ، وأما الأخفش والزجاج فزعما أنه مصدر ، والتثقيل والتخفيف لغتان، وقرر أبو على قول الأخفش والزجاج ، وقال العذر والعذير والنذر والنذير مثل النكر والنكير ، ثم قال أبو على : ويجوز فى قراءة من ثقل أن يكون عذراً جمع عاذر كشرف وشارف، وكذلك النذر يجوز أن يكون جمع نذير ، قال تعالى (هذا نذير من النذر الأولى ) . المسألة الثانية﴾ فى النصب ثلاثة أوجه، أما على تقدير كونه مصدراً فوجهان (أحدهما) أن يكون مفعولا على البدل من قوله ذكراً (والثان) أن يكون مفعولاله، والمعنى والملقيات ذكراً للاعذار والإنذار، وأما على تقدير كونه جمعاً، قصب على الحال من الإلقاء والتقدير فالملقيات ذكراً حال كونهم عاذرين ومنذرين . قوله تعالى: ﴿ إنما توعدون لواقع﴾ جواب القسم والمعنى، إن الذى توعدون به من مجىء ٢٦٩ قوله تعالى : فإذا النجوم طِمْست . سورة المرسلات . فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (﴾ وَ إِذَا السَّمَآءُ فُرِجَتْ (﴾ وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ وَ إِذَا الرّسُلُ أَقِّتَتْ لَ﴾ يوم القيامة لكائن نازل ، وقال الكلى المراد أن كل ماتوعدون به من الخير والشر لواقع، واحتج القائلون بالتفسير الأول بأنه تعالى ذكر عقيب هذه الآيات، علامات يوم القيامة ، فدل على أن المراد من هذه الآية هو القيامة فقط، ثم إنه ذكر علامات وقوع هذا اليوم. (أولها ) قوله تعالى ﴿فإذا النجوم طمست) وذكرنا تفسير الطمس عند قوله (ربنا اطمس على أموالهم) وبالجملة فيحتمل أن يكون المراد محقت ذواتها، وهو موافق لقوله (انتثرت، وانكدرت) وأن يكون المراد محقت أنوارها، والأول أولى، لأنه لا حاجة فيه إلى الإضمار. ويجوز أن يمحتى نورها ثم تنثر بمحوقة النور . (وثانيها) قوله ﴿ وإذا السماء فرجت﴾ الفرج الشق يقال فرجه الله فانفرج، وكل مشقوق فرج، فههنا قوله فرجت أى شقت نظيره (وإذا السماء انشقت) (ويوم تشقق السماء بالغمام) وقال ابن قتيبة معناه ، فتحت نظيره ، وفتحت السماء قال الشاعر: الفارجی باب الأمير المبهم (وثالثها) قوله ﴿وإذا الجبال نسفت) وفيه وجهان (أحدها) نسفت كالحب المغلث إذا نسف بالمنف ، ومنه قوله ( لنحرقنه ثم لنفسفنه) ونظيره (وبست الجبال بساً) (وكانت الجبال كئيباً مهيلا) ( فقل ينسفها ربى نسفاً) (وانثانى) اقتلعت بسرعة من أما كنها من انتفت الشىء إذا اختطفته ، وقرىء طمست وفرجت ونسفت مشددة . ( ورابعها) قوله تعالى: ﴿وإذا الرسل أقتت) وفيه مسألتان: ﴿ المسألة الأولى﴾ أفتت أصلها وقنت ويدل عليه وجوه (أحدها) قراءة أبى عمرو وقتت بالواو (وثانيها) أن أصل الكلمة من الوقت ( وثالثها) أن كل واو انضمت وكانت ضمتها لازمة فإنها تبدل على الاطراد همزة أولا وحشواً، ومن ذلك أن تقول صلى القوم إحدانا، وهذه أجوه حسان وأدور فى جمع دار ، والسبب فيه أن الضمة من جنس الواو ، فالجمع بينهما يجرى مجرى جمع المثلين فيكون ثقيلا ، ولهذا السبب كان كسر الياء ثقيلا. أما قوله تعالى (ولا تنسوا الفضل بينكم) فلا يجوز فيه البدل لأن الضمة غير لازمة ، ألا ترى أنه لا يسوغ فى نحو قولك (هذا وعد) أن تبدل . ﴿ المسألة الثانية) فى التأقيت قولان (الأول) وهو قول مجاهد والزجاج أنه تبين الوقت الذى فيه يحضرون للشهادة على أنهم ، وهذا ضعيف ، وذلك لأن هذه الأشياء جمات علامات ٢٧٠ قوله تعالى : لأي يوم أجلت . سورة المرسلات . لِأَِّّ يَوْمٍ أُجْلَتْ ه لِيَوْمِ اَلْفَصْلِ (®) وَمَآ أَدْرَئِكَ مَايَوْمُ الْفَصْلِ ١٤ ١١٠٠ ٠٠٠ وَيْلٌ يَوْمَبِذِ للْمُكَذِّبِينَ لقيام القيامة ، كأنه قيل إذا كان كذا وكذا كانت القيامة ، ولا يليق بهذا الموضع أن يقال، وإذا بين لهم الوقت الذى يحضرون فيه للشهادة على أمهم قامت القيامة لأن ذلك البيان كان حاصلا فى الدنيا ولأن الثلاثة المتقدمة وهى الطمس والفرج والنف مختصة بوقت قيام القيامة ، فكذا هذا التوقيت يجب أن يكون مختصاً بوقت قيام القيامة (القول الثانى) أن المراد بهذا التأقيت تحصيل الوقت وتكوينه، وهذا أقرب أيضاً إلى مطابقة اللفظ، لأن بناء التفعيلات على تحصيل تلك الماهيات ، فالتسويد تحصيل السواد والتحريك تحصيل الحركة، فكذا التأقيت تحصيل الوقت ثم إنه ليس فى اللفظ بيان أنه تحصيل لوقت أى شىء، وإنما لم يبين ذلك ولم يمين لأجل أن يذهب الوهم إلى كل جانب فيكون التهويل فيه أشد فيحتمل أن يكون المراد تكوين الوقت الذى يحضرون فيه للشهادة على أمهم وأن يكون هو الوقت الذى يجتمعون فيه للفوز بالثواب ، وأن يكون هو وقت سؤال الرسل عما أجيبوا به وسؤال الأمم عما أجابوهم، كما قال (فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين) وأن يكون هو الوقت الذى يشاهدون الجنة والنار والعرض والحساب والوزن وسائر أحوال القيامة، وإليه الإشارة بقوله (ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على اللّه وجوههم مسودة) . قوله تعالى: ﴿لأى يوم أجلت﴾ أى أخرت كأنه تعالى يعجب العباد من تعظيم ذلك اليوم فقال ( لأى يوم آخرت ) الأمور المتعلقة بهؤلاء : وهى تعذيب من كذبهم وتعظيم من آمن بهم وظهور ما كانوا يدعون الخلق إلى الإيمان به من الأهوال والعرض والحساب ونشر الدواوين ووضع الموازين . ثم إنه تعالى بين ذلك فقال ﴿ ليوم الفصل﴾ قال ابن عباس رضى الله عنهما، يوم يفصل الرحمن بين الخلائق، وهذا كقوله ( إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين ). ثم أتبع ذلك تعظيماً ثانياً فقال ﴿وما أدراك ما يوم الفصل﴾ أى وما علمك يوم الفصل وشدته ومهابته . ثم أتبعه بتهويل ثالث فقال ﴿ويل يومئذ المكذبين) أى للمكذبين بالتوحيد والنبوة والمعاد وبكل ما ورد من الأنبياء عليهم السلام وأخبروا عنه ، بقى ههنا سؤالان: ﴿السؤال الأول) كيف وقع الفكرة مبتدأ فى قوله (ويل يومئذ المكذبين)؟ (الجواب) هو فى أصله مصدر منصوب ساد مسد فعله ، ولكنه عدل به إلى الرفع للدلالة على معنى ثبات الهلاك ٢٧١ قوله تعالى : ألم نهلك الأولين . سورة المرسلات . أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ * ثُمَّ تُنْبِعُهُمُ اَلْآَخِرِينَ ◌َ كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ وَيْلٌ يَوْمَيِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ودوامه للمدعو عليه، وتحوه ( سلام عليكم) ويجوز ويلا بالنصب، ولكن لم يقرأ به. ﴿السؤال الثانى) أين جواب قوله (فإذا النجوم طمست)؟ (الجواب) من وجهين (أحدهما) التقدير: إنما توعدون لواقع. إذا النجوم طمست ، وهذا ضعيف ، لا نه يقع فى قوله ( فإذا النجوم طمست)، (الثانى) أن الجواب محذوف، والتقدير (فإذا النجوم طمست) وإذا وإذا، فيفذ تقع المجازاة بالأعمال وتقوم القيامة . قوله تعالى: ﴿ألم نهلك الأولين، ثم تتبعهم الآخرين، كذلك نفعل بالمجرمين ويل يومئذ المكذبين) اعلم أن المقصود من هذه الصورة تخويف الكفار وتحذيرهم عن الكفر . ﴿ فالنوع الأول ) من التخويف أنه أقسم على أن اليوم الذى يوعدون به ، وهو يوم الفصل واقع ثم هول فقال ( وما أدراك ما يوم الفصل ) ثم زاد فى التهويل فقال (ويل يومئذ للمكذبين) ﴿ والنوع الثانى من التخريف) ما ذكر فى هذه الآية . وهو أنه أهلك الكفرة المتقدمين ببب كفرهم . فإذا كان الكفر حاصلا فى هؤلاء المتأخرين، فلا بد وأن يهلكهم أيضاً ثم قال (ويل يومئذ المكذبين) كأنه يقول ، أما الدنيا خاصلهم الهلاك، وأما الآخرة فالعذاب الشديد وإليه الإشارة بقوله (خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين) وفى الآية سؤالان (الأول) ما المراد من الأولين والآخرين؟ ( الجواب) فيه قولان (الأول) أنه أهلك الأولين من قوم نوح وعاد وثمود ثم أنبعهم الآخرين قوم شعيب ولوط وموسى كذلك نفعل بالمجرمين وهم كفار قريش ، وهذا القول ضعيف لأن قوله ( نتبعهم الآخرين ) بلفظ المضارع فهو يتناول الحال والاستقبال ولا يتناول الماضى البتة (القول الثانى) أن المراد بالأولين جميع الكفار الذين كانوا قبل محمد صلى الله عليه وسلم، وقوله ( ثم تتبعهم الآخرين) على الاستئناف على معنى سنفعل ذلك ونتبع الأول الآخر، ويدل على الاستئناف قراءة عبد الله سنتبعهم، فإن قيل قرأ الأعرج ثم تتبعهم بالجزم وذلك يدل على الاشتراك فى ألم، وحينئذ يكون المراد به الماضى لا المستقبل، قلنا القراءة الثابتة بالترائر نتبعهم بحركة العين وذلك يقتضى المستقبل ، فلو اقتضت القراءة بالجزم أن يكون المراد هو الماضى لوقع التنافى بين القراءتين، وإنه غير جائز. فعلمنا أن تسكين العين ليس للجزم للتخفيف كماروى فى بيت امرى. القيس : واليوم أشرب غير مستحقب ثم إنه تعالى لما بين أنه يفعل بهؤلاء المتأخرين مثل ما يفعل بأولئك المتقدمين قال (كذلك ٢٧٢ قوله تعالى : ألم نخلقكم من ماء مهين . سورة المرسلات . أَرْ تَخْلُقُهُمْ مِنِ مََّ مَِّينٍ (٣٠) فَجَعَلْنَهُ فِى قَرَارٍ مِكِينٍ (٥) إِلَ قَدَرٍ مَعْلُوٍ فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَدِرُونَ (﴾ وَيْلٌ يَوْمَيِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ تفعل بالمجرمين) أى هذا الإهلاك إنما نفعله بهم لكونهم مجرمين، فلا جرم عم فى جميع المجرمين، لأن عموم العلة يقتضى عموم الحكم . ثم قال تعالى ﴿ويل يومئذ المكذبين) أى هؤلاء وإن أهلكوا وعذبوا فى الدنيا، فالمصيبة العظمى والطامة الكبرى معدة لهم يوم القيامة . ﴿ السؤال الثانى) المراد من الإهلاك فى قوله (ألم نهلك الأولين) هو مطلق الإماتة أو الإماتة بالعذاب؟ فإن كان ذلك هو الأول لم يكن تخويفاً للكفار، لأن ذلك أمر حاصل للمؤمن والكافر ، فلا يصلح تحذيراً للكافر، وإن كان المراد هو الثانى وهو الإماتة بالعذاب، فقوله ( ثم تتبعهم الآخرين، كذلك نفعل بالمجرمين ) يقتضى أن يكون الله قد فعل بكفار قريش مثل ذلك، ومن المعلوم أنه لم يوجد ذلك، وأيضاً فلأنه تعالى قال (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم) الجواب : لم لا يجوز أن يكون المراد منه الإماتة بالتعذيب، وقد وقع ذلك فى حق قريش وهو يوم بدر ؟ سلمنا ذلك ، فلم لا يجوز أن يكون المراد من الإهلاك معنى ثالثاً مغايراً للأمرين الذين ذكروهما وهو الإماتة المستعقبة الذم واللعن ؟ فكأنه قيل إن أولئك المتقدمين لحرصهم على الدنيا عاندوا الأنبياء وخاصموهم ، ثم ماتوا فقد فاتتهم الدنيا وبقى اللحن عليهم فى الدنيا والعقوبة الأخروية دائماً سرمداً، فهكذا يكون حال هؤلاء الكفار الموجودين ومعلوم أن مثل هذا الكلام من أعظم وجوه الزجر . قوله تعالى : ﴿ألم نخلقكم من ماء مهين، جعلناه فى قرار مكين ، إلى قدر معلوم ، فقدرنا فنعم القادرون ، ويل يومئذ للمكذبين اعلم أن هذا هو (النوع الثالث) من تخويف الكفارووجه التخويف فيه من وجهين: (الأول) أنه تعالى ذكرهم عظيم إذعامه عليهم، وكاما كانت نعمة الله عليهم أكثر كانت جنايتهم فى حقه أقبح وأخش ، وكلما كان كذلك كان العقاب أعظم، فلهذا قال عقيب ذكر هذا الإنعام (ويل يومئذ المكذبين). (الوجه الثانى) أنه تعالى ذكرهم كونه قادراً على الابتداء، وظاهر فى العقل أن القادر على الابتداء قادر على الإعادة، فلما أنكروا هذه الدلالة الظاهرة ، لاجرم قال فى حقهم ( ويل يومئذ للمكذبين ) وأما التفسير فهو أن قوله ( ألم نخلقكم من ماء مهين ) أى من النطفة ، كقوله ( ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهبن، فعلناه فى قرار مكين) وهو الرحم، لأن ما يخلق منه الولد لابد وأن يثبت فى الرحم ويتمكن بخلاف مالا يخلق منه الولد ، ثم قال ( إلى ٢٧٣ قوله تعالى : ألم نجعل الأرض كفاتا . سورة المرسلات . أَرْ تَجْعَلِ اَلْأَرْضَ كِفَاتًا (٣٢) أَحْيَاءُ وَأَمْوَاتًا () ٠٠٠ وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوْسِى ثَِخَتٍ وَأَسْقَّيْنَكُمْ مَّآءَ فُرَانًا (﴾ وَيْلٌ يَوْمَيِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ٢٨ قدر معلوم ) والمراد كونه فى الرحم إلى وقت الولادة ، وذلك الوقت معلوم الله تعالى لا لغيره كقوله (إن الله عنده علم الساعة) إلى قوله ( ويعلم مافى الأرحام)، (فقدرنا) قرأ نافع وعبد الله ابن عامر بالتشديد، وقرأ الباقون بالتخفيف ، أما التشديد فالمعنى إنا قدرنا ذلك تقديراً فنعم المقدرون له نحن، ويتأكد هذا الوجه بقوله تعالى ( من نطفة خلقه فقدره ) ولأن إتماع الخلق على هذا التقدير والتحديد نعمة من المقدر على المخلوق حسن ذكره فى موضع دكر المنة والنعمة ، ومن طعن فى هذه القراءة قال لو صحت هذه القراءة لوجب أن يقال فقدرنا فنعم المقدرون وأجيب عنه بأن العرب قد تجمع بين اللغتين، قال تعالى (فهل الكافرين أملهلهم رويداً) وأما القراءة بالتخفيف ففيها وجهان: (الأول) أنه من القدرة أى فقدرنا على خلقه وتصويره كيف شئنا وأردنا (فنعم القادرون) حيث خلقناه فى أحسن الصور والهيئات (والنانى) أنه يقال قدرت الشىء بالتخفيف على معنى قدرته ، قال الفراء العرب تقول: قدر عليه الموت ، وقدر عليه الموت، وقدر عليه رزقة وقدر بالتخفيف والتشديد ، قال تعالى ( فقدر عليه رزقه ). قوله تعالى: ﴿ ألم نجعل الأرض كفاناً، أحياء وأموتا، وجعلنا فيها رواسى شامخات وأسقيناكم ماء فراناً ، ويل يومئذ للمكذبين﴾ . اعلم أن هذا هو ﴿النوع الرابع) من تخويف النكفار وذلك لأنه ذكرهم بالنعم التى له عليهم فى الأنفس ، وفى هذه الآية ذكرهم بالنعم التى له عليهم فى الآفاق، ثم قال فى آخر الآية (ويل يومئذ للمكذبين) والسبب فيه ماقدمنا أن النعم كلما كانت أكثر كانت الجناية اقبح وكان استحقاق الذم عاجلا والعقاب آجلا أشد، وإنما قدم تلك الآية على هذه الآية، لا ن النعم التى فى الأ نفس كالأصل للنعم التى فى الآفاق. فإنه لولا الحياة والسمع والبصر والأعضاء السليمة لما كان الانتفاع بشىء من المخلوق ممكناً. واعلم أنه تعالى ذكرههنا ثلاثة أشياء (أولها ) الأرض، وإنما قدمها لأن أقرب الأشياء إلينا من الأمور الخارجية هو الأرض، ومعنى الكفات فى للغة الضم والجمع يقال. كفت الشىء أى ضممته، ويقال جراب كفيت وكفت إذا كان لا يضيع شيئاً مما يجعل فيه، ويقال للقدر كفت. قال صاحب الكشاف هو اسم ما يكفت، كمقولهم الضمام والجماع لما يضم ويجمع ، ويقال هذا الباب جماع الأبواب، وتقول شددت الشىء ثم تسمى الخيط الذى تشد به الشىء شداداً، وبه انتصب أحياء وأمواتاً كانه قيل كافتة أحياء وأمواتاً، أو بفعل مضمر يدل عليه وهو نكفت ويكون المعنى نكفتكم أحياء وأمواناً ، فينصبان على الحال من الضمير هذا هو اللغة، ثم فى المعنى الفخر الرازي - ج ٣٠ م ١٨ ٢٧٤ قوله تعالى : انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون . سورة المرسلات . أَنْطَلِقُواْ إِلَى مَا كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ (٦) أَنْطَلِقُواْ إِلَى ظِلّ ذِى ثَثِ شُعَبٍ ٣٠ ◌ََّ ظَلِيلٍ وَلَ يُغْنِى مِنَ الَّهَبِ (٣) إِنَّهَا تَمِى بِشَرَدِكَالْقَصْرِ ◌ّ كَأَنَّهُمِمَلَتْ مُفْرٌ ١١٠٠ /٠٠ ٣٤ وَيَلْ يَوْمَِّذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ٣٣ وجوه (أحدها) أنها تكفت أحياء على ظهرما وأمواتاً فى بطنها والمعنى أن الأحياء يسكنون فى منازلهم والأموات يدفنون فى قبورهم ، ولهذا كانوا يسمون الأرض أماً لأنها فى ضمها للناس كالأم التى تضم ولدها وتكفله، ولما كانوا يقدمون إليها جعلت كأنها تضمهم (وثانيها) أنها كفات الأحياء بمعنى أنها تكفت ما ينفصل الأحياء من الأمور المستقذرة، فأما أنها تكفت [الأحياء] حال كونهم على ظهرها فلا ( وثالثها) أنها كفات الأحياء بمعنى أنها جامعة لما يحتاج الإنسان إليه فى حاجاته من مأكل ومشرب ، لأن كل ذلك يخرج من الأرض والأبنية الجامعة للمصالح الدافعة للمضار مبنية منها (ورابعها) أن قوله (أحياء وأمواتاً) معناه راجع إلى الأرض، والحى ما أنبت والميت ما لم ينبت ، بقى فى الآية سؤالان : ﴿ الأول) لم قيل (أحياء وأمواناً) على التفكير وهى كفات الأحياء والأموات جميعاً؟ ( الجواب) هو من تنكير التفخيم، كأنه قيل تكفت أحياء لا يعدون، وأمواناً لا يحصرون. ﴿ السؤال الثانى) هل تدل هذه الآية على وجوب قطع النباش؟ (الجواب) نقل القفال أن ربيعة قال دلت الآية على أن الأرض كفات الميت فتكون حرزاً له ، والسارق من الحرز يجب عليه القطع . ﴿ النوع الثانى) من النعم المذكورة فى هذه الآية قوله تعالى ( وجعلنا فيها رواسى شامخات) فقوله ( رواسى) أى ثوابت على ظهر الأرض لا تزول و(شامخات ) أى عاليات، وكل عال فهو شامخ، ويقال للمتكبر شامخ بأنفه ، ومنافع خلقة الجبال قد تقدمت فى هذا الكتاب . ﴿ النوع الثالث﴾ من النعم قوله تعالى (وأسقينا كم ما. فراتاً) الفرات هو الغاية فى العذوبة، وقد تقدم تفسيره فى قوله ( هذا عذاب فرات ). قوله تعالى : ﴿انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون، انطلقوا إلى ظل ذى ثلاث شعب ، لا ظليل ولا يغنى من اللهب، إنها ترمي بشرر كالقصر، كأنه جمالت صفر، ويل يومئذ للمكذبين} اعلم أن هذا هو (النوع الخامس) من وجوه تخويف الكفاروهوبيان كيفية عذابهم فى الآخرة فأما قوله (انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون) فالمعنى أنه يقال لهم ( انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون) من العذاب، والظاهر أن القائلين هم خزنة النار (وانطلقوا) الثانى تكرير ، وقرأ ٢٧٥ قوله تعالى : انطلقوا إلى ما كنتم . سورة المرسلات . يعقوب ( انطلقوا) على لفظ الماضى، والمعنى أنهم انقادوا الأمر لأجل أنهم مضطرون إليه لا يستطيعون امتناعاً منه، وهذا يعيدلأنه كان ينبغى أن يقال فانطلقوا بالفاء، ليرتيط آخر الكلام بأوله ، قال المفسرون إن الشمس، تقرب يوم القيامة من رؤوس الخلائق، وليس عليهم يومئذ لباس ولا كنان، فتلفحهم الشمس وتسفعهم وتأخذ بأنفاسهم ويمتد ذلك اليوم، ثم ينجى الله برحمته من يشاء إلى ظل من ظله فهناك يقولون (فمن اللّه علينا ووقانا عذاب السموم) ويقال للمكذبين ( انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون) من عذاب الله وعقابه، وقوله (إلى ظل) يعنى دخان جهنم كقوله ( وظل من يحموم ) ثم إنه تعالى وصف هذا الظل بصفات: (الصفة الأولى) قوله (ذى ثلاثة شعب) وفيه وجوه (أحدها) قال الحسن: ما أدرى ما هذا الظل ، ولا سمعت فيه شيئاً ( وثانيها) قال قوم المراد بقوله إلى ظل ذى ثلاثة شعب كون النار من فوقهم ومن تحت أرجلهم ومحيطة بهم ، وتسمية النار بالظل مجاز من حيث إنها محيطة بهم من كل جانب كقوله (لهم من فوقهم ظلل من النار، ومن تحتهم ظلل) وقال تعالى (يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم) (وثالثها) قال قتادة بل المراد الدخان وهو من قوله (أحاط بهم سرادقها) وسرادق النار هو الدخان ، ثم إن شعبة من ذلك الدخان على يمينه وشعبة أخرى على يساره، وشعبة ثالثة من فوقه. وأقول هذا غير مستبعد لأن الغضب عن يمينه والشهوة عن شماله ، والقوة الشيطانية فى دماغه ، ومنبع جميع الآفاق الصادرة عن الإنسان فى عقائده ، وفى أعماله، ليس إلا هذه الثلاثة ، فتولدت من هذه الينابيع الثلاثة أنواع من الظلمات ، ويمكن أيضاً أن يقال ههنا درجات ثلاثة ، وهى الخس والخيال، والوهم، وهى مانعة للروح عن الاستنارة بأنوار عالم القدس والطهارة ، ولكل واحد من تلك المراتب الثلاثة نوع خاص من الظلمة ( ورابعها) قال قوم هذا كناية عن كون ذلك الدخان عظيما ، فإن الدخان العظيم ينقسم إلى شعب كثيرة (وخامسها) قال أبو مسلم ويحتمل فى ثلاث شعب ماذكره بعد ذلك، وهو أنه : غير ظليل وأنه لا يغنى من اللهب وبأنها ترمى بشرر كالقصر . ﴿ الصفة الثانية ) لذلك الظل قوله (لا ظليل) وهذا تهكم بهم وتعريض بأن ظلهم غير ظل المؤمنين ، والمعنى أن ذلك الظل لا يمنع حر الشمس. ﴿ الصفة الثالثة) قوله تعالى (ولا يغنى من اللهب) يقال أغن عنى وجهك، أى أبعده لأن الغنى عن الشىء يباعده، كما أن المحتاج يقاربه، قال صاحب الكشاف إنه فى محل الجر ، أى وغيره مغن عنهم ، من حر اللهب شيئاً ، قال القفال وهذا يحتمل وجهين (أحدهما) أن هذا الظل إنما يكون فى جهنم، فلا يظلهم من حرها، ولا يسترهم من لهيبها، وقد ذكر الله فى سورة الواقعة الظل فقال (فى سموم وحميم ، وظل من يحموم، لا باردولا كريم) وهذا كأنه فى جهنم إذا دخلوها ، ثم قال (لا باد ولا كريم) فيحتمل أن يكون قوله ( لا ظليل) فى معنى ( لا بارد) وقوله ( ولا يغنى من اللهب ) ٢٧٦ قوله تعالى : إنهى ترمي بشرر . سورة المرسلات . فى معنى ( ولا كريم) أى لاروح له يلجأ إليه من لهب النار (والثانى) أن تكوّنَ ذلك إنما يكون قبل أن يدخلوا جهنم بل عند ما يحبسون للحساب والعرض، فيقال لهم إن هذا الظل لا يظلكم من حر الشمس ولا يدفع لهب النار، وفى الآية (وجه ثالثا: وهو الذى قاله قطرب وهو أن اللهب ههنا هو العطش يقال لهب لهباً ورجل لهبان وامرأة لهبي. ﴿ الصفة الرابعة) قوله تعالى (إنها ترمي بشرر) قال الواحدى: يقال شررة وشرر وشرارة وشرار، وهو ما تطاير من النار متبدداً فى كل جهة وأصله من شررت الثوب إذا أظهرته وبسطته للشمس والشرار يفبسط متبدداً، واعلم أن الله تعالى وصف النار التى كان ذلك الظل دخاناً لها بأنها ترمى بالشرارة العظيمة، والمقصود منه بيان أن تلك النار عظيمة جداً، ثم إنه تعالى شبه ذلك الشرر بشيئين (الأول) بالقصر وفى تفسيره قولان (أحدهما) أن المراد منه البناء المسمى بالقصر قال ابن عباس بريد القصور العظام. (الثانى) أنه ليس المراد ذلك ، ثم على التقدير ففى التفسير وجوه (أحدها) أنها جمع قصرة ساكنة الصاد كتمرة وتمر وجمرة وجمر ، قال المبراد يقال للواحد من الحطب الجزل الغليظ قصرة والجمع قصر، قال عبد الرحمن بن عابس سألت ابن عباس عن القصر فقال هو خشب كنا ندخره للشتاء نقطعه وكنا نسميه القصر، وهذا قول سعيد بن جبير ومقاتل والضحاك، إلا أنهم قالوا هى أصول النخل والشجر العظام ، قال صاحب الكشاف قرى. كالقصر بفحتين وهى أعناق الإبل أو أعناق النخل نحو شجرة وشجر ، وقرأ ابن مسعود كالقصر بمعنى الفصر كرهن ورهن، وقرأ سعيد بن جبير كالقصر فى جمع قصرة حاجة وحوج. ﴿التشبيه الثانى) قوله تعالى (كأنه جمالات صفر) وفيه مسألتان: المسألة الأولى﴾ جمالات جمع جمال كقولهم رجالات ورجال وبيوتات وبيوت ، وقرأ ابن عباس -الات بضم الجيم وهو قراءة يعقوب وذكروا وجوهاً (أحدها) قيل الجمالات بالضم الحبال الغلاظ وهى حبال السفن ، ويقال لها القلوس ومنهم من أنكر ذلك وقال المعروف فى الجبال إنما هو الجمل بضم الجيم وتشديد الميم وقرى. (حتى يلج الجمل) (وثانيها) قيل هى قطع النحاس ، وهو مروى عن على بن أبى طالب عليه السلام ، وابن عباس ومعظم أهل اللغة لا يعرفونه ( وثالثها) قال الفراء يجوز أن يكون الجمالات بالضم من الشىء المجمل، يقال أجملت الحساب، وجاء القوم جملة أى مجتمعين، والمعنى أن هذه الشررة ترتفع كأنها شىء مجموع. غليظ أصفر ، وهذا قول الفراء ( ورابعها) قال الفراء يجوز أن يقال جمالات بضم الجيم جمع جمال بضم الجيم وجمال بضم الجيم يكون جمع جمل ، كما يقاله رخل ورخال ورغال . (القراءة الثانية) جملة بكسر الجيم هى جمع جمل مثل حجر وحجارة ، قال أبو على والتاء إنما لحقت جمالا لتأثيث الجمع، كما لحقت فى خل وحالة . ٢٧٧ قوله تعالى : انها ترمي بشرر كالقصر . .سورة المرسلات . (القراءة الرابعة) جملة بضم الجيم وهى القلس، وقيل صفر لإرادة الجنس ، أما قوله صفر فالأكثرون على أن المراد منه سود تضرب إلى الصفرة ، قال الفراء لا ترى أسود من الإبل إلا وهو مشوب صفرة، والشرر إذا تطاير فسقط وفيه بقية من لون النار كان أشبه بالجمل الأسود الذى يشوبه شىء من الصفرة. وزعم بعض العلماء أن المراد هو الصفرة لا السواد، لأن الشرر إنما يسمى شرراً ما دام يكون ناراً، ومتى كان ناراً كان أصفر، وإنما يصير أسود إذا انطقاً، وهناك لا يسمى شرراً، وهذا القول عندى هو الصواب. المسألة الثانية) اعلم أنه تعالى شبه الشرر فى العظم بالقصر، وفى اللون والكثرة والتتابع وسرعة الحركة بالجمالات الصفر، وقيل أيضاً إن ابتداء الشرر يعظم فيكون كالقصر ثم يفترق فتكون تلك القطع المتفرقة المتابعة كالجمالات الصفر ، واعلم أنه نقل عن ابن عباس أنه قال فى تفسير قوله (إنها ترمي بشرر كالقصر) أن هذا التشبيه إنما ورد فى بلاد العرب، وقصور ثم قصيرة السمك جارية مجرى الخيمة ، فبين تعالى أنها ترمى بشرر كالقصر ، فلما سمع أبو العلاء المعرى بهذا تصرف فيه وشبهه بالخيمة من الآديم ، وهو قوله : حمراء ساطعة الذوائب فى الدجى ترمى بكل شرارة كطراف ثم زعم صاحب الكشاف أنه ذكر ذلك معارضة لهذه الآية ، وأقول كان الأولى لصاحب الكشاف أن لا يذكر ذلك ، وإذ قد ذكره فلا بد لنا من تحقيق الكلام فيه ، فنقول تشبيه الشرارة بالطراف يفيد التشبيه فى الشكل. والعظم، أما الشكل فمن وجهين (الأول) أن الشرارة تكون قبل انشعابها كالنقطة من النار ، فإذا انشعبت اتسعت فهى كالنقطة التي تتسع فهى تشبه الخيمة فإن رأسها كالنقطة ثم إنها لا تزال تتسع شيئاً فشيئاً (الثانى) أن الشرارة كالكرة أو الأسطوانه فهى شديدة الشبه بالخيمة المستديرة وأما التشبيه بالخيمة فى النظم فالأمر ظاهر ، هذا منتهى هذا التشبيه .. وأما وجه القدح فيه فمن وجوه ( الأول ) أن لون الشرارة أصفر يشوبها شىء من السواد ، وهذا المعنى حاصل فى الجمالات الصفر وغير حاصل فى الخيمة من الأديم (الثانى) أن الجمالات متحركة والخيمة لا تكون متحركة فتشبيه الشرار المتحرك بالجمالات المتحركة أولى (والثالث) أن الشرارات متتابعة يجىء بعضها خلف البعض وهذا المعنى حاصل فى الجمالات الصفر وغير حاصل فى الطراف ( الرابع) أن القصر مأمن الرجل وموضع سلامته فتشبيه الشرر بالقصر تنبيه على أنه إنما تولدت آفته من الموضع الذى توقع منه الأمن والسلامة ، وحال الكافر كذلك فإنه كان يتوقع الخير والسلامة من دينه ، ثم إنه ماظهرت له آفة ولا محنة إلا من ذلك الدين، والخيمة ليست مما يتوقع منها الأمن الكلى (الخامس) أن العرب كانوا يعتقدون أن كل اجمال فى ملك الجمال وتمام النعم إنما يحصل بملك النعم، ولهذا قال تعالى (ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون) فتشبيه الشرر بالجمال السود كالتهكم بهم ، كأنه قيل لهم كنتم تتوقعون من دينكم كرامة ونعمة وجمالا إلا أن ذلك الجمال هو هذه الشرارات التى هى كالجمال ، وهذا المعنى غير حاصل فى ٢٧٨ قوله تعالى : كأنه جمالت صفر. سورة المرسلات . الطراف ( السادس) أن الجمال إذا انفردت واختلط بعضها بالبعض فكل من وقع فيها بين أيديها وأرجلها فى ذلك الوقت نال بلاء شديداً وألما عظيما ، فتشبيه الشرارات بها حال تتابعها يفيد حصول كال الضرر، والطراف ليس كذلك (السابع) الظاهر أن القصر يكون فى المقدار أعظم من الطراف والجمالات الصفر تكون أكثر فى العدد من الطراف فتشبيه هذه الشرارات بالقصر وبالجمالات يقتضى الزيادة فى المقدار وفى العدد وتشبهها بالطراف لا يفيد شيئاً من ذلك، ولما كان المقصود هو التهويل والتخويف كان التشبيه الأول أولى (الثامن) أن التشبيه بالشيئين فى إثبات وصفين أقوى فى ثبوت ذينك الوصفين من القشبيه بالشىء الواحد فى إثبات ذينك الوصفين ، وبيانه أن من سمع قوله ( إنها ترمى بشرر كالقصر) تسارع ذهنه إلى أن المراد إثبات عظم تلك الشرارات ، ثم إذا سمع بعد ذلك قوله ( كأنه جمالة صفر) تسارع ذهنه إلى أن المراد كثرة تلك الشرارات وتتابعها ولونها. أما من سمع أن الشرار كالطراف يبقى ذهنه متوقفاً فى أن المقصود بالتشبيه إثبات العظم أو إثبات اللون ، فالتشبيه بالطراف كالمجمل ، والتشبيه بالقصر وبالجمالات الصفر ، كالبيان المفصل المكرر المؤكد . ولما كان المقصود من هذا البيان هو التهويل والتخويف، فكا) كان بيان وجوه العذاب أتم وأبين كان الخوف أشد ، فثبت أن هذا التشبيه أتم (التاسع ) أنه قال فى أول الآية ( انطلقوا إلى ظل) والإنسان إنما يكون طيب العيش وقت الانطلاق، والذهاب إذا كان راكباً ، وإنما يحد الظل الطيب إذا كان فى قصره، فوقع تشبيه الشرارة بالقصر والجمالات ، كانه قيل له: مركوبك هذه الجمالات، وظلك فى مثل هذا القصر ، وهذا يجرى مجرى التهكم بهم ، وهذا المعنى غير حاصل فى الطراف ( العاشر ) من المعلوم أن تطاير القصر إلى الهواء أدخل فى التعجب من تطاير الخيمة ، لأن القصر يكون مركباً من اللبن والحجر والخشب. وهذه الأجسام أدخل فى الثقل والاكتناز من الخيمة المتخذة إما من الكرباس أو من الأديم، والشىء كلما كان أثفل وأشداكتنازاً كان تطايره فى الهواء أبعد، فكانت النار التى تطير القصر إلى الهواء أقوى من النار التى تطير الطراف فى الهواء، ومعلوم أن المقصود تعظيم أمر النار فى الشدة والقوة ، فكان التشبيه بالقصر أولى (الحادى عشر) وهو أن سقوط القصر على الإنسان أدخل فى الإيلام والإيجاع من سقوط الطراف عليه، فتشبيه تلك الشرارات بالقصر يفيد أن تلك الشرارات إذا اراتفعت فى الهواء ثم سقطت على الكافر فإنها تؤلمه إيلاماً شديداً، فصار ذلك تنبيهاً على أنه لايزال يسقط عليه من الهواء شرارات كالقصور بخلاف وقوع الطراف على الإنسان، فإنه لا يؤلم فى الغاية (الاث نى عشر) أن الجمال فى أكثر الأمور تكون موقرة، فتشبيه الشرارات بالجمال تنبيه على أن مع كل واحد ن تلك الشرارات أنواعاً من البلاء والمحنة لا يحصى عددها إلا الله، فكأنه قيل تلك الشرارات كالجمالات الموقرة بأنواع المحنة والبلاء، وهذا المعنى غير حاصل فى الطراف فكان التشبيه بالجمالات أنم. واعلم أن هذه الوجوه توالت على الخاطر فى اللحظة الواحدة ولو تضرعنا إلى الله تعالى فى طلب الأزيد ٢٧٩ قوله تعالى : هذا يوم لا ينطفون . سورة المرسلات . ١١٠٠ /١٠ ویل یومیذٍ هَذَا يَوْمُ لَ يَنْطِقُونَ (﴿ وَلَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْنَذِرُونَ () للْمُكَذِّبِینَ لأعطانا أى قدر شئاً بفضله ورحمته، ولكن هذه الوجوه كافية فى بيان الترجيح والزيادة عليها تعد من الأطناب والله أعلم . قوله تعالى: ﴿ هذا يوم لا ينطقون، ولا يؤذن لهم فيعتذرون، ويل يومئذ للمكذبين ﴾ نصب الأعمش يوم أى هذا الذى قص عليكم واقع يومئذ، أعلم أن هذا هو ( النوع السادس) من أنواع تخويف الكفار وتشديد الأمر عليهم، وذلك لأنه تعالى بين أنه ليس لهم عذر ولا حجة فيما أنوا به من القبائح، ولا قدرة لهم على دفع العذاب عن أنفسهم، فيجتمع فى حقه فى هذا المقام أنواع من العذاب (أحدها) عذاب الخجالة، فإنه يفتضح على رءوس الأشهاد، ويظهر لكل قصوره وتقصيره وكل من له عقل سليم ، علم أن عذاب الخجالة أشد من القتل بالسيف والاحتراق بالنار ( وثانيها ) وقوف العبد الآبق على باب المولى ووقوعه فى يده مع علمه بأنه الصادق الذى يستحيل الكذب عليه، على ما قال (ما يبدل القول لدى) (وثالثها) أنه يرى فى ذلك الموقف خصما .. الذين كان يستخف بهم ويستحقرهم فاتزين بالثواب والتعظيم، ويرى نفسه فائزاً بالخزى والنكال، وهذه ثلاثة أنواع من العذاب الروحانى (ورابعها) العذاب الجسمانى وهو مشاهدة النار وأهوالها نعوذ بالله منها فلما اجتمعت فى حقه هذه الوجوه من العذاب بل ما هو مما لا يصف كنهه إلا الله ، لاجرم قال تعالى فى حقهم (ويل يومئذ للمكذبين) وفى الآية سؤالان : ﴿ الأول) كيف يمكن الجمع بين قوله (هذا يوم لا ينطقون) وقوله (ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون) وقوله (والله ربنا ما كنا مشركين) وقوله (ولا يكتمون الله حديثاً) ويروى أن نافع بن الأزرق سأل ابن عباس عن هذا السؤال (والجواب) عنه من وجوه (أحدها) قال الحسن فيه إضمار ، والتقدير: هذا يوم لا ينطقون فيه بحجة ، ولا يؤذن لهم فيعتذرون، لأنه ليس لهم فيها عملوه عذر صحيح وجواب مستقيم ، فإذا لم ينطقوا بحجة سليمة وكلام مستقيم فكانهم لم ينطقوا، لأن من نطق بما لا يفيد فكأنه لم ينطق ، ونظيره ما يقال لمن ذكر كلاماً غير مفيد ماقلت شيئاً ( وثانيها) قال الفراء: أراد بقوله ( يوم لا ينطقون ) تلك الساعة وذلك القدر من الوقت الذى لا ينطقون فيه ، كما يقول: آتيك يوم يقدم فلان، والمعنى ساعة يقدم وليس المراد باليوم كله، لأن القدوم إنما يكون فى ساعة يسيرة ، ولا يمتد فى كل اليوم (وثالثها) أن قوله (لا ينطقون) لفظ مطلق، والمطلق لا يفيد العموم لا فى الأنواع ولا فى الأوقات ، بدليل أنك تقول : فلان لا ينطق بالشر ولكنه ينطق بالخير ، وتارة تقول : فلان لا ينطق بشىء البتة ، وهذا يدل على أن مفهوم لا ينطق قدر مشترك ٢٨٠ قوله تعالى : هذا يوم لا ينطقون . سورة المرسلات . بين أن لا ينطق يمش الأشياء، وبين أن لا ينطق بكل الأشياء، وكذلك تقول : فلان لا ينطق فى هذه الساعة ، وتقول فلان لا ينطق النة، وهذا يدل على أن مفهوم لا ينعاق مشترك بين الدائم والموقت ، وإذا كان كذلك فمفهوم لا ينطق يكفى فى صدقه عدم النطق ببعض الأشياء وفى بعض الأوقات ، وذلك لاسينافى حصول النطق بشيء آخر فى وقت آخر ، فيكفى فى صدق قوله (لا ينطقون) أنهم لا ينطقون بعذر وعلة فى وقت السؤال، وهذا الذى ذكرناه إشارة إلى صحة الجوابين الأولين بحسب النظر العقلى ، فإن قيل : لو حلف لا ينطق فى هذا اليوم ، فنطق فى جزء من أجزاء اليوم يحنث؟ قلنا مبنى الإيمان على العرف، والذى ذكرناه بحث عن مفهوم اللفظ من حيث إنه هو ( ورابعها) أن هذه الآية وردت عقيب قول، خزنة جهنم لهم ( انطلقوا إلى ظل ذی ثلاث شعب) فینقادون ويذهبون ، فکا نه قيل إنهم كانوا يؤمرون فى الدنيا بالطاعات فا كانو يلتفتون، أما فى هذه الساعة [فقد ] صاروا منقادين مطيعين فى مثل هذا الكليف الذى هو أشق من كل شىء ، تنبيهاً على أنهم لو تركوا الخصومة فى الدنيا لما احتاجوا فى هذا الوقت إلى هذا الانقياد الشاق، والحاصل أن قوله (هذا يوم لا ينطقون) متقيد بهذا الوقت فى هذا العمل، وتقييد المطلق بسبب مقدمة الكلام مشهور فى العرف ، بدليل أن المرأة إذا قالت: أخرج هذه الساعة من الدار، فقال الزوج: لو خرجت فأنت طالق، فإنه يتقيد هذا المطلق بتلك الخرجة ، فكذا ههنا . ﴿ السؤال الثانى) قوله (ولا يؤذن لهم فيعتذرون) يوهم أن لهم عذراً وقد منعوا من ذكره، وهذا لا يليق بالحكيم ( والجواب) أنه ليس لهم فى الحقيقة عذر ولكن ربما تخيلوا خيالا فاسداً أن لهم فيه عذراً، فهم لا يؤذن لهم فى ذكر ذلك العذر الفاسد ، ولعل ذلك العذر الفاسد هو أن يقول لما كان الكل بقضائك وعلمك ومشيئتك وخلقك فلم تعذبنى عليه ، فإن هذا عذر فاسد إذ ليس لأحد أن يمنع المالك عن التصرف فى ملكه كيف شاء وأراد ، فإن قيل أليس أنه قال ( رسلا مبشرين ومنذرين ، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) وقال ( ولو أما أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا) والمقصود من كل ذلك أن لا يبقى فى قلبه، أن له عذراً، فهب أن عذره فى موقف القيامة فاسد فلم لا يؤذن له فى ذكره حتى يذكره، ثم يبين له فساده؟ قلنا لما تقدم الأعذار والإنذار فى الدنيا بدليل قوله (فالملقيات ذكراً، عذراً أو نذرأ) كان إعادتها غير مفيدة . ﴿ السؤال الثالث﴾ لم لم يقل ولا يؤذن لهم فيعتذرون؟ كما قال ( لا يقضى عليهم فيموتوا) ( الجواب ) الفاء ههنا للنسق فقط، ولا يفيد كونه جزاء البتة ومثله (من ذا الذى يقرض الله فرضاً حسناً فيضاعفه له) بالرفع والنصب ، وإنما رفع يعتذرون بالعطف لأنه لو نصب لكان ذلك يوم أنهم ما يعتذرون لأنهم لم يؤذنوا فى الاعتذار ، وذلك يوم أن لهم فيه عذراً منعوا عن ذكره وهو غير جائز. أما لما رفع كان المعنى أنهم لم يؤذنوا فى العذر وهم أيضاً لم يعتذروا لا لأجل عدم الإذن بل لأجل عدم العذر فى نفسه، ثم إن فيه فائدة أخرى وهى حصول الموافقةفىرءوسالآيات