Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
قوله تعالى : كلا لا وزر . سورة القيامة .
صِى
يُنَبَُّأْ آلْإِنسَنُ
كَلَّا لَا وَزَرَ (٨) إِلَى رَبِّكَ يَوْسَيِذِ الْمُسْتَقُرُ
يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخْرَ (﴿ بَلِ آلْإِنسَنُ عَلَى نَفْسِهِ، بَصِيرَةٌ (3)
عاين هذه الأحوال أين المفر ، والقراءة المشهورة بفتح الفاء، وقرى. أيضاً بكسر الفاء، والمفر بفتح
الفاء هو الفرار ، قال الأخفش والزجاج : المصدر من فعل يفعل مفتوح العين . وهو قول جمهور
أهل اللغة، والمعنى أبن الفرار، وقول القائل أين الفرار يحتمل معنيين (أحدهما) أنه لايرى علامات
مكنة الفرار فيقول حينئذ أن الفرار ، كما إذا أيس من وجدان زيد يقول أين زيد ( والثانى ) أن
يكون المعنى إلى أين الفرار ، وأما المفر بكسر الفاء فهو الموضع ، فزعم بعض أهل اللغة أن المفر
بفتح الفاءكما يكون اسماً للمصدر، فقد يكون أيضاً اسماً للموضع والمفر بكسر الفاء كما يكون اسماً
للموضع ، فقد يكون مصدراً ونظيره المرجع.
قوله تعالى: ﴿كلا﴾ وهو ردع عن طلب المفر ﴿لا وزر﴾ قال المبرد والزجاج أصل الوزر
الجبل المنيع ، ثم يقال لكل ما التجأت إليه وتحصفت به وزر، وأنشد المبرد قول كعب بن مالك:
الناس آلت علينا فيك ليس لنا إلا السيوف وأطراف القنا وزر
ومعنى الآية انه لاشىء يعتصم به من أمر الله .
ثم قال تعالى ﴿إلى ربك يومئذ المستقر) وفيه وجهان (أحدهما) أن يكون المستقر بمعنى
الاستقرار، بمعنى أنهم لا يقدرون أن يستقروا إلى غيره ، وينصبوا إلى غيره، كما قال ( إن إلى
ربك الرجعى، وإلى الله المصير. ألا إلى الله تصير الأمور، وأن إلى ربك المنتهى) (الثانى) أن يكون
المعنى إلى ربك مستقرهم ، أى موضع قرارهم من جنة أو نار ، أى مفوض ذلك إلى مشيئته من شاء
أدخله الجنة ، ومن شاء أدخله النار .
قوله تعالى: ﴿ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر﴾ بماقدم من عمل عمله، وبما أخر من عمل
لم يعمله، أو بما قدم من ماله فتصدق به وبما أخره خلفه، أو بما قدم من عمل الخير والشر وبما أخر
من سنة حسنة أو سيئة ، فعمل بها بعده ، وعن مجاهد أنه مفسر بأول العمل وآخره ، ونظيره قوله
(فينبئهم بما عملوا أحصاه اللّه ونسوه) وقال (ونكتب ما قدموا وآثارهم) واعلم أن الأظهر أن
هذا الإنباء يكون يوم القيامة عند العرض، والمحاسبة ووزن الأعمال، ويجوز أن يكون عند الموت
وذلك أنه إذا مات بين له مقعده من الجنة والنار ،
قوله تعالى : ﴿بل الإنسان على نفسه بصيرة
اعلم أنه تعالى لما قال ( ينبؤ الإنسان) يومئذ بأعماله ، قال بل لا يحتاج إلى أن ينبته غير
غيره ، وذلك لأن نفسه شاهدة بكونه فاعلا لتلك الأفعال ، مقدماً عليها ، ثم فى قوله ( بصيرة )
وجهان (الأول) قال الأخفش جعله فى نفسه بصيرة كما يقال فلان جود وكرم ، فههنا

٢٢٢
قوله تعالى : ولو ألقى معاذيره . سورة القيامة .
وَلَوْ أَلْقَ مَعَاذِبِرَهُ، ﴿ّ لَا تُحَرِّكْ بِهِ، لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ»
أيضاً كذلك ، لأن الإنسان بضرورة عقله يعلم أن ما يقربه إلى الله ويشغله بطاعته وخدمته فهو
السعادة، وما يبعده عن طاعة الله ويشغله بالدنيا ولذاتها فهو الشقاوة، فهب أنه بلسانه يروج ويزور
ويرى الحق فى صورة الباطل والباطل فى صورة الحق ، لكنه بعقله السليم يعلم أن الذى هو عليه
فى ظاهره جيد أو ردى. ( والثانى) أن المراد جوارحه تشهد عليه بما عمل فهو شاهد على نفسه
بشهادة جوار حه ، وهذا قول ابن عباس وسعيد بن جبير ومقاتل وهو كقوله ( يوم تشهد عليهم
ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم) وقوله ( وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم) وقوله (شهد عليهم سمعهم
وأبصارهم وجلودهم ) فأما تأنيث البصيرة ، فيجوز أن يكون لأن المراد بالإنسان ههنا الجوارح
كأنه قيل بل جوارح الإنسان، كأنه قيل بل جوارح الإنسان على نفس الانسان بصيرة ، وقال
أبو عبيدة هذه الهاء لأجل المبالغة كقوله رجل راوية وطاغية وعلامة .
واعلم أنه تعالى ذكر فى الآية الأولى أن الإنسان يخبر يوم القيامة بأعماله. ثم ذكر فى هذا
الآية أنه شاهد على نفسه بما عمل ، فقال الواحدى هذا يكون من الكفار فإنهم ينكرون ما عملوا
فيختم الله على أفواههم وينطق جوارحهم.
قوله تعالى: ﴿ ولو ألقى معاذيره) للمفسرين فيه أقوال: (الأول) قال الواحدى المعاذير جمع
معذرة يقال معذرة ومعاذر ومعاذير : قال صاحب الكشاف جمع المعذرة معاذر والمعاذير ليس جمع
معذرة ، وإنما هو اسم جمع لها ، ونحوه المناكير فى المنكر، والمعنى أن الإنسان وإن اعتذر عن
نفسه وجادل عنها وأتى بكل عذر وحجة ، فإنه لا ينفعه ذلك لأنه شاهد على نفسه (القول الثانى)
قال الضحاك والسدى والفراء والمبرد والزجاج المعاذير الستور واحدها معذار ، قال المبرد هى
لغة يمانية ، قال صاحب الكشاف إن صحت هذه الرواية فذاك مجاز من حيث إن الستر يمنع رؤية
المحتجب كما تمنع المعذرة عقوبة الذنب، والمعنى على هذا القول أنه وإن أسبل الستر ليخفى ما يعمل ،
فإن نفسه شاهدة عليه ،
قوله تعالى : ﴿ لا تحرك به لسانك لتعجل به ﴾ فيه مسائل :
المسألة الأولى ﴾ زعم قوم من قدماء الروافض أن هذا القرآن قد غير وبدل وزيد فيه
ونقص عنه، واحتجوا عليه بأنه لامناسبة بين هذه الآية وبين ما قبلها: ولو كان هذا الترتيب من الله
تعالى لما كان الأمر كذلك .
واعلم أن فى بيان المناسبة وجوهاً (أولها) يحتمل أن يكون الاستعجال المنهى عنه، إنما اتفق
للرسول عليه السلام عند إنزال هذه الآيات عليه ، فلا جرم . نهى عن ذلك الاستعجال فى هذا
الوقت، وقيل له ﴿لا تحرك به لسانك لتعجل به﴾ وهذا كما أن المدرس إذا كان يلقى على تلميذه

٢٢٣
قوله تعالى : لا تحرك به لسانك . سورة القيامة .
شيئاً ، فأخذ التلميذ يلتفت يميناً وشمالا ، فيقول المدرس فى أثناء ذلك الدرس لا تلتفت يميناً وشمالا
ثم يعود إلى الدرس ، فإذا نقل ذلك الدرس مع هذا الكلام فى أثنائه ، فمن لم يعرف السبب يقول
إن وقوع تلك الكلمة فى أثناء ذلك الدرس غير مناسب ، لكن من عرف الواقعة علم أنه حسن
الترتيب (وثانيها) أنه تعالى نقل عن الكفار أنهم يحبون السعادة العاجلة ، وذلك هو قوله ( بل
يريد الإنسان ليفجر أمامه ) ثم بين أن التعجيل مذموم مطلقاً حتى التعجيل فى أمور الدين، فقال
( لا تحرك به لسانك لتعجل به) وقال فى آخر الآية ( كلا بل تحبون العاجلة )، (وثالثها) أنه تعالى
قال ( بل الإنسان على نفسه بصيرة، ولوألقى معاذيره) فههنا كان الرسول صلى الله عليه وسلم
يظهر التعجيل فى القراءة مع جبريل، وكان يجعل العذر فيه خوف النسيان ، فكأنه قيل له إنك
إذا أتيت بهذا العذر لكنك تعلم أن الحفظ لا يحصل إلا بتوفيق الله وإعانته فاترك هذا التعجيل
واعتمد على هداية الله تعالى، وهذا هو المراد من قوله ( لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه
وقرآنه ) (ورابعها) كأنه تعالى قال يا محمد إن غرضك من هذا التعجيل أن تحفظه وتبلغه إليهم
لكن لا حاجة إلى هذا فإن ( الإنسان على نفسه بصيرة) وهم بقلوبهم يعلمون أن الذى هم عليه
من الكفر وعبادة الأوثان، وإنكار البعث منكر باطل ، فإذا كان غرضك من هذا التعجيل أن
تعرفهم قبح ما هم عليه، ثم إن هذه المعرفة حاصلة عندهم، حينئذ لم يبق لهذا التعجيل فائدة ، فلا
جرم قال (لا تحرك به لسانك) (وخامسها) أنه تعالى حكى عن الكافر أنه يقول أين المفر ، ثم
قال تعالى ( كلا لا وزر، إلى ربك يومئذ المستقر) فالكافر كأنه كان يفر من الله تعالى إلى غيره
فقيل لمحمد إنك فى طلب حفظ القرآن، تستعين بالتكرار وهذا استعانة منك بغير الله، فاترك
هذه الطريقة، واستعن فى هذا الأمر بالله فكأنه قيل إن الكافر يفر من اللّه إلى غيره، وأما
أنت فكن كالمضاد له فيجب أن تفر من غير الله إلى الله وأن تستعين فى كل الأمور بالله ، حتى
يحصل لك المقصودعلى ما قال (إن علينا جمعه وقرآنه) وقال فى سورة أخرى (ولا تعجل بالقرآن
من قبل أن يقضى إليك وحيه، وقل ربى زدنى علماً) أى لا تستعن فى طلب الحفظ بالتكرار بل
أطلبه من اللّه تعالى (وسادسها) ما ذكره القفال وهو أن قوله (لا تحرك به لسانك) ليس خطاباً
مع الرسول عليه السلام بل هو خطاب مع الإنسان المذكور فى قوله (ينبأ الإنسان يومئذ بما
قدم وأخر ) فكان ذلك للانسان حال ما يفبأ بقبائح أفعاله وذلك بأن يعرض عليه كتابه فيقال
له ( اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً) فإذا أخذ فى القراءة تلجلج لسانه من شدة
الخوف وسرعة القراءة فيقال له لا تحرك به لسانك لتعجل به، فانه يجب علينا بحكم الوعد أو بحكم
الحكمة أن نجمع أعمالك عليك وأن نقرأها عليك فإذا قرأناه عليك فاتبع قرآنه بالإقرار بأنك
فعلت تلك الأفعال، ثم إن علينا بيان أمره وشرح مراتب عقوبته، وحاصل الأمر من تفسير هذه
الآية أن المراد منه أنه تعالى يقرأ على الكافر جميع أعماله على سبيل التفصيل، وفيه أشد الوعيد

٢٢٤
قوله تعالى : أنا علينا جمعه . سورة القيامة .
إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ, وَقُرْءَانَهُ,
٠٠٠٠
فَإِذَا قَرَأَنَهُ فَأَتَّبِعْ قُرْءَانَهُ,
٠١٠٠٠
فى الدنيا وأشد التهويل فى الآخرة ، ثم قال القفال فهذا وجه حسن ليس فى العقل ما يدفعه وإن
کانت الآثار غير واردة به .
المسألة الثانية) احتج من جوز الذنب على الأنبياء عليهم السلام بهذه الآية، فقال إن ذلك
الاستعجال إن كان بإذن الله تعالى فكيف نهاه عنه وإن كان لا بإذن الله تعالى فقد صدر الذنب
عنه (الجواب) لعل ذلك الاستعجال كان مأذوناً فيه إلى وقت النهى عنه ، ولا يبعد أن يكون
الشىء مأذوناً فيه فى وقت ثم يصير منهياً عنه فى وقت آخر، ولهذا السبب فلنا يجوز التسخ .
المسألة الثالثة) روى سعيد بن جبير عن ابن عباس ، قال كان رسول الله صلى الله عليه
وسـلم يشتد عليه حفظ التنزيل وكان إذا نزل عليه الوحى يحرك لسانه وشفتيه قبل فراغ جبريل
مخافة أن لا يحفظ ، فأنزل تعالى ( لا تحرك به لسانك) أى بالوحى والتنزيل والقرآن، وإنما جاز
هذا الإضمار وإن لم يجر له ذكر لدلالة الحال عليه. كما أضمر فى قوله (إنا أنزلناه فى ليلة القدر)
ونظير قوله (ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه) وقوله ( لتعجل به ) أى لتعجل بأخذه.
قوله تعالى: ﴿ إن علينا جمعه وقرآنه﴾ ففيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ كلمة على الوجوب فقوله إن علينا يدل على أن ذلك كالواجب على الله تعالى،
أما على مذهبنا فذلك الوجوب بحكم الوعد، وأما على قول المعتزلة ولأن المقصود من البعثة لا يتم
إلا إذا كان الوحى محفوظاً مبرأ عن النسيان، فكان ذلك واجباً نظراً إلى الحكمة .
المسألة الثانية ﴾ قوله ( إن علينا جمعه) معناه علينا جمعه فى صدرك وحفظك ، وقوله
(وقر آنه) فيه وجهان (أحدهما) أن المراد من القرآن القراءة، وعلى هذا التقدير ففيه احتمالان
(أحدهما) أن يكون المراد جبريل عليه السلام، سيعيده عليك حتى تحفظه ( والثانى) أن يكون
المراد إنا سنقرئك يا محمد إلى أن تصير بحيث لاتنساه ، وهو المراد من قوله ( سنقرتك فلا تنسى )
فعلى هذا الوجه الأول القارى. جبريل عليه السلام، وعلى الوجه الثانى القارى. محمد عَّ الله (والوجه
الثانى) أن يكون المراد من القرآن الجمع والتأليف، من قولهم: ما قرأت الناقة سلاقط، أى
ما جمعت، وبنت عمرو بن كلثوم لم تقرأ جنيناً، وقد ذكرنا ذلك عند تفسير القرء. فإن قيل فعلى
هذا الوجه يكون الجمع والقرآن واحداً فيلزم التكرار ، قلنا يحتمل أن يكون المراد من الجمع جمعه
فى نفسه ووجوده الخارجى، ومن القرآن جمعه فى ذهنه وحفظه، وحينئذ يندفع التكرار .
قوله تعالى: ﴿ فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ﴾ فيه مسألتان :
المسألة الأولى﴾ جعل قراءة جبريل عليه السلام قراءته ، وهذا يدل على الشرف العظيم
لجبريل عليه السلام، ونظيره فى حق محمد عليه الصلاة والسلام (من يطع الرسول فقد أطاع الله).

٢٢٥
قوله تعالى . ثم إن علينا بيانه . سورة القيامة .
ثُمَ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ.
كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ.
٣١
،وَتَذَرُونَ الْآَخِرَةَ
المسألة الثانية﴾ قال ابن عباس: معناه فإذا قرأه جبريل فاتبع قرآنه، وفيه وجهان (الأول)
قال قتادة: فاتبع حلاله وحرامه ( والثانى) فاتبع قراءته ، أى لا ينبغى أن تكون قراءتك مقارنة
لقراءة جبريل ، لكن يجب أن تسكت حتى يتم جبريل عليه السلام القراءة، فإذا سكت جبريل
غذ أنت فى القراءة، وهذا الوجه أولى لأنه عليه السلام أمر أن يدع القراءة ويستمع من جبريل
عليه السلام ، حتى إذا فرغ جبريل قرأه، وليس هذا موضع الأمر باتباع ما فيه من الحلال
والحرام. قال ابن عباس: فكان النبى مؤتم إذا نزل عليه جبريل بعد هذه الآية أطرق واستمع
فإذا ذهب قرأه .
قوله تعالى : ﴿ ثم إن علينا بيانه ﴾ فيه مسألتان:
المسألة الأولى﴾ الآية تدل على أنه عليه السلام كان يقرأ مع قراءة جبريل عليه السلام
وكان يسأل فى أثناء قراءته مشكلاته ومعانيه لغاية حرصه على العلم ، فنهى النبى عده السلام عن
الأمرين جميعاً، أما عن القراءة مع قراءة جبريل فيقوله (فإذا قرأناه فاتبع قرآنه) وأما عن إلقاء
الأسئلة فى البيان فبقوله ( ثم إن علينا بيانه ).
المسألة الثانية) احتج من جوز تأخير البيان عن وقت الخطاب بهذه الآية. وأجاب
أبو الحسين عنه من وجهين (الأول) أن ظاهر الآية يقتضى وجوب تأخير البيان عن وقت
الخطاب وأنتم لا تقولون به (الثانى) أن عندنا الواجب أن يقرن باللفظ إشعاراً بأنه ليس المراد
من اللفظ ما يقتضيه ظاهره ، فأما البيان التفصيلى فيجرز تأخيره فتحمل الآية على تأخير البيان
التفصيلى، وذكر القفال (وجهاً ثالثاً) وهو أن قوله ( ثم إن علينا بيانه) أى ثم إنا حبرك بأن علينا
بيانه، ونظيره قوله تعالى ( فك رقبة - إلى قوله - ثم كان من الذين آمنوا) والجواب عن (الأول)
أن اللفظ لا يقتضى وجوب تأخير البيان بل يقتضى تأخير وجوب البيان، وعندنا الأمر كذلك
لأن وجوب البيان لا يتحقق إلا عند الحاجة (وعن الثانى ) أن كلمة ثم دخلت مطلق البيان فيتناول
البيان المجمل والمفصل ، وأما سؤال القفال فضعيف أيضاً لأنه ترك للظاهر من غير دليل .
المسألة الثالثة) قوله تعالى ( ثم إذا علينا بيانه) يدل على أن بيان المجمل واجب على الله تعالى
أما عندنا فبالوعد والتفضل . وأما عند المعتزلة فبالحكمة.
قوله تعالى: ﴿ كلا بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة ﴾ وفيه مسألتان:
المسألة الأولى ﴾ قال صاحب الكشاف ( كلا ) ردع لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن
عادة العجلة وحث على الأناة والتؤدة، وقد بالغ فى ذلك باتباعه قوله ( بل تحبون العاجلة ) كأنه
قال بل أنتم يابنى آدم لأنكم خلقتم من مجمل وطبعتم عليه تعجلون فى كل شىء، ومن ثم تحبون العاجلة
الفخر الرازي - ج ٣٠ م ١٥

٢٢٦
قوله تعالى : وجوه يومئذ ناضرة . سورة القيامة .
وُجُوهُ يَوْمَيِذٍ نَّاضِرَةُ ﴾ إَِ رَبِهَا نَاظِرَةٌ
وتذرون الآخرة، وقال سائر المفسرين (كلا) معناه حقاً أى حقاً تحبون العاجلة وتذرون الآخرة،
والمعنى أنهم يحبون الدنيا ويعملون لها ويتركون الآخرة ويعرضون عنها .
المسألة الثانية) قرى. تحبون وتذرون بالتاء والياء وفيه وجهان (الأول) قال الفراء
القرآن إذا نزل تعريفاً لجالقوم ، فتارة ينزل على سبيل المخاطبة لهم. وتارة ينزل على سبيل المغايبة،
كقوله تعالى (حتى إذا كنتم فى الفلك وجرين بهم) (الثانى) قال أبو على الفارسى : الياء على ما تقدم
من ذكر الإنسان فى قوله ( أيحسب الإنسان ) والمراد منه الكثرة، كقوله (إن الإنسان خلق
هلوعاً) والمعنى أنهم يحبون ويذرون، والتاء على قل لهم ، بل تحبون وتذرون .
قوله تعالى: ﴿وجوه يومئذ ناضرة﴾ قال الليث: نضر اللون والشجر والورق ينضر نضرة،
والنصرة النعمة، والناضر الناعم ، والنضر الحسن من كل شىء، ومنه يقال للون إذا كان مشرقاً:
ناضر، فيقال أخضر ناضر ، وكذلك فى جميع الألوان، ومعناه الذى يكون له برق ، وكذلك
يقال: شجر ناضر، وروض ناضر. ومنه قوله عليه السلام ((نضر الله عبداً سمع مقالتى فوعاها))
الحديث. أكثر الرواة رواه بالتخفيف، وروى عكرمة عن الأصمعى: فيه التشديد، وألفاظ
المفسرين مختلفة فى تفسير الناضر، ومعناها واحد قالوا: مسرورة ، ناعمة ، مضيئة ، مسفرة ، مشرفة
بهجة . وقال الزجاج: فضرت بنعيم الجنة، كما قال ( تعرف فى وجوههم نضرة النعيم ) .
قوله تعالى : ﴿ إلى ربها ناظرة﴾.
اعلم أن جمهور أهل السنة يتمسكون بهذه الآية فى إثبات أن المؤمنين يرون الله تعالى يوم
القيامة . أما المعتزلة فلهم ههنا مقامان (أحدهما ) بيان أن ظاهره لا يدل على رؤية الله تعالى
(والثانى) بيان التأويل.
﴿ أما المقام الأول) فقالوا النظر المقرون بحرف إلى ليس اسماً الرؤية ، بل لمقدمة الرؤية
وهى تقليب الحدقة نحو المرئى التماس لرؤيته ، ونظر العين بالنسبة إلى الرؤية كنظر القلب بالنسبة
إلى المعرفة ، وكالإصغاء بالنسبة إلى السماع ، فكما أن نظر القلب مقدمة للمعرفة ، والإصغاء مقدمة
للسماع، فكذا نظر العين مقدمة للرؤية ، قالوا والذى يدل على أن النظر ليس اسماً للرؤية وجوه
(الأول) قوله تعالى (وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون) أثبت النظر حال عدم الرؤية ،
فدل على أن النظر غير الرؤية ( والثانى) أن النظر يوصف بما لا توصف به الرؤية ، يقال . نظر
إليه نظراً شرزاً، ونظر غضبان، ونظر راض، وكل ذلك لأجل أن حركة الحدقة تدل على هذه
الأحوال ، ولا توصف الرؤية بشىء من ذلك، فلا يقال رآه شزراً، ورآه رؤية غضبان، أو
رؤية راض (الثالث ) يقال أنظر إليه حتى تراه ، ونظرت إليه فرأيته، وهذا يفيد كون الرؤية

٢٢٧
قوله تعالى : إلى ربها ناضرة . سورة القيامة .
غاية للنظر ، وذلك يوجب الفرق بين النظر والرؤية (الرابع) يقال دور فلان متناظرة ، أى
متقابلة ، فمسمى النظر حاصل ههنا، ومسمى الرؤية غير حاصل ( الخامس ) قول الشاعر:
إلى الرحمن تنتظر الخلاصات
و جوه ناظرات يوم بدر
أثبت النظر المقرون بحرف إلى مع أن الرؤية ما كانت حاصلة (السادس) احتج أبو على الفارسى
على أن النظر ليس عبارة عن الرؤية ، التى هى إدراك البصر ، بل هو عبارة عن تقليب الحدقة
نحو الجهة التى فيها الشىء الذى يراد رؤيته، لقول الشاعر :
فيامى هل يجزى بكائى بمثله مراراً وأنفاسى إليك الزوافر
وانى متى أشرف على الجانب الذى به أنت من بين الجوانب ناظراً
قال: فلو كان النظر عبارة عن الرؤية لما طلب الجزاء عليه ، لأن المحب لم يطلب الثواب على
رؤية المحبوب، فإن ذلك من أعظم مطالبه ، قال: ويدل على ذلك أيضاً قول الآخر:
ونظرة ذى شجر وامق إذا ما الركائب جاوزن ميلا
والمراد منه تقليب الحدقة نحو الجانب الذى فيه المحبوب، فعلمنا بهذه الوجوه أن النظر المقرون
بحرف إلى ليس اسما للرؤية (السابع) أن قوله ( إلى ربها ناظرة) معناه أنها تنظر إلى ربها خاصة
ولا تنظر إلى غيره، وهذا معنى تقديم المفعول، ألا ترى إلى قوله ( إلى ربك يومئذ المستقر، إلى
ربك يومئذ المساق، ألا إلى الله قصير الأمور، وإليه ترجعون، وإلى اللّه المصير، عليه
توكلت وإليه أنيب ) كيف دل فيها التقديم على معنى الاختصاص ، ومعلوم أنهم ينظرون إلى
أشياء لا يحيط بها الحصر، ولا تدخل تحت العدد فى موقف القيامة، فإن المؤمنين نظارة ذلك
اليوم لأنهم الآمنون (الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون) فلما دلت الآية على أن النظر ليس
إلا إلى اللّه، ودل العقل على أنهم يرون غير الله، علمنا أن المراد من النظر إلى الله ليس هو الرؤية
(الثامن) قال تعالى (ولا ينظر إليهم يوم القيامة) ولو قال لايراهم كفى ، فلما نفى النظر، ولم ينف
الرؤية دل على المغايرة ، فثبت بهذه الوجوه ، أن النظر المذكور فى هذه الآية ليس هو الرؤية.
﴿ المقام الثانى) فى بيان التأويل المفصل، وهو من وجهين (الأول) أن يكون الناظر بمعنى
المنتظر ، أى أولئك الأقوام ينتظرون ثواب الله، وهو كقول القائل، إنما أنظر إلى فلان فى
حاجتى والمراد أنتظر نجاحها من جهته، وقال تعالى، ( فناظرة بم يرجع المرسلون) وقال ( وإن
كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة) لا يقال النظر المقرون بحرف إلى غير مستعمل فى معنى
الانتظار ، ولأن الانتظارغم وألم، وهو لا يليق بأهل السعادة يوم القيامة، لأنا نقول (الجواب)
عن الأول من وجهين (الأول) النظر المقرون بحرف إلى قد يستعمل بمعنى الانتظار, والتوقع
والدليل عليه أنه يقال: أنا إلى فلان ناظر ما يصنع بى، والمرادمنه التوقع والرجاء، وقال الشاعر:
والبحر دونك زدتنى نعما
وإذا نظرت إليك من ملك

٢٢٨
قوله تعالى : إلى ربها ناضرة . سورة القيامة .
وتحقيق الكلام فيه أن قولهم فى الانتظار نظرت بغير صلة ، فإنما ذلك فى الانتظار لجى.
الإنسان بنفسه ، فأما إذا كان منتظراً لرفده ومعونته، فقد يقال فيه نظرت إليه كقول الرجل ، وإنما
نظرى إلى الله ثم إليك، وقد يقول ذلك من لا يبصر، ويقول الأعمى فى مثل هذا المعنى عينى
شاخصة إليك، ثم إن سلمنا ذلك لكن لا نسلم أن المراد من إلى ههنا حرف التعدى. بل هو واحد
الآلاء، والمعنى : وجوه يومئذ ناضرة نعمة ربها منتظرة .
﴿ وأما السؤال الثانى) وهو أن الانتظار غم وألم، جرابه أن المنتظر. إذا كان فيما ينتظره
على يقين من الوصول إليه ، فإنه يكون فى أعظم اللذات ،
﴿ التأويل الثانى) أن يضمر المضاف، والمعنى إلى ثواب ربها ناظرة، قالوا وإنما صرنا إلى
هذا التأويل، لأنه لما دلت الدلائل السمعية والعقلية على أنه تعالى تمتنع رؤيته وجب المصير
إلى التأويل ، ولقائل أن يقول: فهذه الآية تدل أيضاً على أن النظر ليس عبارة عن تقليب الحدقة،
لأنه تعالى قال لا ينظر إليهم وليس المراد أنه تعالى يقلب الحدقة إلى جهنم فإن قلتم المراد أنه لا ينظر
إليهم نظر الرحمة كان ذلك جوابنا عما قالوه .
﴿ التأويل الثالث) أن يكون معنى (إلى ربها ناظرة) أنها لا تسأل ولا ترغب إلا إلى الله،
وهو المراد من قوله عليه الصلاة والسلام ((اعبد الله كأنك تراه)) فأهل القيامة لشدة تضرعهم
إليه وانقطاع أطماعهم عن غيره صاروا كأنهم ينظرون إليه (الجواب) قوله ليس النظر عبارة
عن الرؤية ، قلنا ههنا مقامان :
﴿ الأول) أن تقيم الدلالة على أن النظر هو الرؤية من وجهين: (الأول) ما حكى الله
تعالى عن موسى عليه السلام وهو قوله ( أنظر إليك) فلو كان النظر عبارة عن تقليب الحدقة إلى
جانب المرئى ، لاقتضت الآية أن موسى عليه السلام أثبت لله تعالى وجهة ومكاناً وذلك محال
(الثانى) أنه جعل النظر أمراً مرتباً على الإرادة فيكون النظر متأخراً عن الإرادة، وتقليب الحدقة
غير متأخر عن الإرادة، فوجب أن يكون النظر عباره عن تقليب الحدقة إلى جانب المرئى .
﴿ المقام الثانى) وهو الأقرب إلى الصواب، سلمنا أن النظر عبارة عن تقليب الحدقة نحو
المربى التماساً لرؤيته ، لكنا نقول لما تعذر حمله على حقيقته وجب حمله على مسببه وهو الرؤية ،
إطلاقاً لاسم السبب على المسبب ، وحمله على الرؤية أولى من حمله على الانتظار ، لأن تقليب الحدقة
كالسبب للرؤية ولا تعلق بينه وبين الانتظار، فكان حمله على الرؤية أولى من حمله على الانتظار .
أما قوله : النظر جاء بمعنى الانتظار ، قلنا لنا فى الجواب مقامان:
﴿ الأول) أن النظر الوارد بمعنى الانتظار كثير فى القرآن، ولكنه لا يقرن البتة بحرف
إلى كقوله تعالى (انظرونا نقتبس من نوركم) وقوله (هل ينظرون إلا تأويله) (هل ينظرون إلا
أن يأتيهم الله) والذى ندعيه أن النظر المقرون بحرف إلى المعدى إلى الوجوه ليس إلا بمعنى الرؤية

٢٢٩
قوله تعالى : ووجوه يومئذ باسرة . سورة القيامة .
٠٠٠١١١٠
ووجوه يومِذِ بَاسِرَةٌ
٢٤
تَظُنُّ أنْ يَفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ
أو بالمعنى الذى يستعقب الرؤية ظاهر، فوجب أن لا يرد بمعنى الانتظار دفعاً للاشتراك.
وأما قول الشاعر :
وجوه ناظرات يوم بدر إلى الرحمن تنتظر الخلاصا
قلنا هذا الشعر موضوع والرواية الصحيحة :
وجوه ناظرات يوم بكر إلى الرحمن تنتظر الخلاصا
والمراد من هذا الرحمن مسيلمة الكذاب، لأنهم كانوا يسمونه رحمن اليملمة ، فأصحابه كانوا
ينظرون إليه ويتوقعون منه التخلص من الأعداء، وأما قول الشاعر :
وإذا نظرت إليك من ملك
(فالجواب) أن قوله: وإذا نظرت إليك، لا يمكن أن يكون المراد منه الانتظار، لأن مجرد
الانتظار لا يستعقب العطية بل المراد من قوله: وإذا نظرت إليك، وإذا سألتك لأن النظر إلى
الإنسان مقدمة المكالمة جاز التعبير عنه به ، وقوله كلمة إلى ههنا ليس المراد منه حرف التعدى
بل واحد الآلاء، قلنا إن إلى على هذا القول تكون اسما الماهية التى يصدق عليه أنها نعمة ، فعلى
هذا بكفى فى تحدق مسمى هذه اللفظة أى جزء فرض من أجزاء النعمة ، وإن كان فى غاية القلة
والحقارة ، وأهل الثواب يكونون فى جميع مواقف القيامة فى النعم العظيمة المتكاملة ، ومن كان
حاله كذلك كيف يمكن أن يبشر بأنه يكون فى توقع الشىء الذى ينطلق عليه اسم النعمة ، ومثال
هذا أن يبشر سلطان الأرض بأنه سيصير حالك فى العظمة والقوة بعد سنة ، بحيث تكون متوقعاً
لحصول اللقمة الواحدة من الخبز والقطرة الواحدة من الماء، وكما أن ذلك فاسد من القول
فكذا هذا .
(المقام الثانى) هب أن النظر المعدى بحرف إلى المقرون بالوجوه جاء فى اللغة بمعنى الانتظار
لكن لا يمكن حمل هذه الآية عليه ، لأن لذة الانتظار مع يقين الوقوع کانت حاصلة فى الدنيا ، فلا بد
وأن يحصل فى الآخرة شىء أزيد منه حتى يحسن ذكره فى معرض الترغيب فى الآخرة، ولا يجوز
أن يكون ذلك هو قرب الحصول، لأن ذلك معلوم بالعقل فبطل ماذكروه من التأويل .
﴿ وأما التأويل الثانى). وهو أن المراد إلى ثواب ربها ناظرة، فهذا ترك للظاهر، وقوله إنما
صرنا إليه لقيام الدلائل العقلية والنقلية على أن الله لايرى، قلنا بينا فى الكتب العقلية ضعف تلك
الوجوه، فلا حاجة ههنا إلى ذكرها والله أعلم .
قوله تعالى: ﴿ووجوه يومئذ باسرة، تظن أن يفعل بها فاقرة ﴾ الباسر: الشديد العبوس
والباسل أشدمنه، ولكنه غلب فى الشجاع إذا اشتدكلوحه ، والمعنى أنها عابسة كالحة قد

٢٣٠
قوله تعالى : كلا إذا بلغت التراقي . سورة القيامة .
كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِىَ
٢٦
أظلمت ألوانها وعدمت آثار السرور والنعمة منها، لما أدركها من الشقاء واليأس من رحمة الله، ولما
سودها اللّه حين ميز اللّه أهل الجنة والنار، وقد تقدم تفسير البسور عند قوله (عبس وبسر)
وإنما كانت بهذه الصفة، لأنها قد أيقنت أن العذاب نازل، وهو قوله (نظن أن يفعل بها فاقرة)
والظن ههنا بمعنى اليقين ، هكذا قاله المفسرون ، وعندى أن الظن إنما ذكرههنا على سبيل التهكم
كأنه قيل إذا شاهدوا تلك الأحوال ، حصل فيهم ظن أن القيامة حق ، وأما الفاقرة ، فقال أبو
عبيدة: الفاقرة الداهية، وهو اسم للوسم الذى يفقر به على الأنف، قال الأصمعى: الفقر أن
يحز أنف البعير حتى يخلص إلى العظم ، أو قريب منه، ثم يجعل فيه خشبة يخر البغير بها ، ومنه
قيل عملت به الفاقرة ، قال المبرد: الفاقرة داهية تكسر الظهر، وأصلها من الفقرة والفقارة كان
الفاقرة داهية تكسر فقار الظهر , وقال ابن قتيبة: يقال فقرت الرجل، كما يقال رأسته وبطنته فهو
مفقور ، واعلم أن من المفسرين من فسر الفاقرة بأنواع العذاب فى النار ، وفسرها الكلب فقال :
الفاقرة هى أن تحجب عن رؤية ربها ولا تنظر إليه .
قوله تعالى: ﴿ كلا﴾ قال الزجاج: كلا ردع عن إيثار الدنيا على الآخرة ، كأنه قيل لما عرقم
صفة سعادة السعداء وشقاوة الأشقياء فى الآخرة، وعلمتم أنه لانسبة لها إلى الدنيا , فارتدعوا عن
إيثار الدنيا على الآخرة ، وتنبهوا على مابين أيديكم من الموت الذى عنده تنقطع العاجلة عنكم ،
وتنتقلون إلى الآجلة التى تبقون فيها مخلدين ، وقال آخرون (كلا ) أى حقاً إذا بلغت التراقى كان
كذا وكذا، والمقصود أنه لما بين تعظيم أحوال الآخرة بين أن الدنيا لابد فيها من الانتهاء والنفاد
والوصول إلى تجرع مرارة الموت. وقال مقاتل (كلا) أى لا يؤمن الكافر بما ذكر من أمر
القيامة، ولكنه لا يمكنه أن يدفع أنه لابد من الموت ، ومن تجرع آلامها، وتحمل آفاتها .
ثم إنه تعالى وصف تلك الحالة التى تفارق الروح فيها الجسد فقال ﴿ إذا بلغت التراقى ﴾
وفيه مسألتان :
﴿ المسألة الأولى﴾ المراد إذا بلغت النفس أو الروح أخبر عما لم يجر له ذكر لعلم المخاطب
بذلك، كقوله ( إنا أنزلناه) والتراقى جمع ترقوة. وهى عظم وصل بين ثغرة النحر، والعائق
من الجانبين .
واعلم أنه يكنى ببلوغ النفس التراقى عن القرب من الموت ، ومنه قول دريد بن الصمة :
ورب عظيمة دافعت عنها وقد بلغت نفوسهم التراقى
ونظيره قوله تعالى (حتى إذا بلغت الحلقوم )
المسألة الثانية﴾ قال بعض الطاعنين: إن النفس إنما تصل إلى التراقى بعد مفارقتها عن القلب

٢٣١
قوله تعالى : وقيل من راق . سورة القيامة .
٢٩
وَقِيلَ مَنَّ رَقٍ ﴾ وَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (﴾ وَالْنَفَّتِ السَّاقُ بِالَّاقِ
ومتى فارقت النفس القلب حصل الموت لا محالة ، والآية تدل على أن عندبلوغها التراقى ، تبقى الحياة
حتى يقال فيه من راق، وحتى تلتف الساق بالساق (والجواب) المراد من قوله (حتى إذا بلغت التراقى)
أى إذا حصل القرب من تلك الحالة .
قوله تعالى : ﴿وقيل من راق ) وفيه مسألتان :
﴿ المسألة الأولى﴾ فى راق وجهان (الأول) أن يكون من الرقية يقال رقاه يرقيه. رقية
إذا عوذه بما يشفيه، كما يقال بسم الله أرقيك، وقائل هذا القول على هذا الوجه ، هم الذين يكونون
حول الإنسان المشرف على الموت، ثم هذا الاستفهام، يحتمل أن يكون بمعنى الطلب كأنهم طلبوا له
طبيباً يشفيه، وراقياً يرقيه، ويحتمل أن يكون استفهاماً بمعنى الإنكار، كما يقول القائل عند اليأس
من الذى يقدر أن يرقى هذا الإنسان المشرف على الموت (الوجه الثانى ) أن يكون قوله (مز راق)
من رقى يرقى رقياً ، ومنه قوله تعالى (ولن نؤمن لرقيك) وعلى هذا الوجه يكون قائل هذا القول
هم الملائكة. قال ابن عباس إن الملائكة يكرهون القرب من الكافر، فيقول ملك الموت من يرقى
بهذا الكافر ، وقال الكلى يحضر العبد عند الموت سبعة أملاك من ملائكة الرحمة ، وسبعة من
ملائكة العذاب مع ملك الموت، فإذا بلغت نفس العبد التراقى نظر بعضهم إلى بعض ، أيهم يرقى
بروحه إلى السماء فهو (من راق)
﴿ المسألة الثانية﴾ قال الواحدى إن إظهار النون عند حروف الفم الحسن، فلا يجوز إظهار
نون من فى قوله (من راق) وروى حفص عن عاصم إظهار النون فى قوله (من راق، واللام بل ران)
قال أبو على الفارسى ، ولا أعرف وجه ذلك، قال الواحدى ، والوجه أن يقال قصد الوقف على
من وبل ، فأظهرها ثم ابتدأ بما بعدهما ، وهذا غير مرضى من القراءة .
قوله تعالى: ﴿وظن أنه الفراق﴾ قال المفسرون: المراد أنه أيقن بمفارقته الدنيا، ولعله إنما
سمى اليقين ههنا بالظن ، لأن الإنسان مادام يبقى روحه متعلقاً ببدنه ، فإنه يطمع فى الحياة لشدة
حبه لهذه الحياة العاجلة على ما قال (كلا بل تحبون العاجلة ) ولا ينقطع رجاؤه عنها فلا يحصل
له يقين الموت، بل الظن الغالب مع رجاء الحياة ، أو لعله سماه بالظن على سبيلى التهكم.
وأعلم أن الآية دالة على أن الروح جوهر قائم بنفسه باق بعد موت البدن ، لأنه تعالی سمی
الموت فرافاً، والفرق إنما يكون لو كانت الروح باقية ، فإن الفراق والوصال صفة ، والصفة
تستدعى وجود الموصوف .
ثم قال تعالى ﴿والتفت الساق بالساق﴾ الالتفاف هو الاجتماع، كقوله تعالى ( جئنا بكم

٢٣٢
قوله تعالى : إلى ربك يومئذ المساق . سورة القيامة .
إِلَى رَبِّكَ يَوْمَيِذٍ الْمَسَاقُ (﴿ فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى
ثُمَ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ، يَتَمَطَّىَّ
٣٢
لفيفاً) وفى الساق قولان (القول الأول) أنه الأمر الشديد، قال أهل المعانى: لأن الإنسان إذا
دهمته شدة شمر لها عن ساقه ، فقيل للأمر الشديد ساق، وتقول العرب: قامت الحرب على ساق ،
أى اشتدت ، قال الجعدى :
أخو الحرب إن عضت به الحرب عضها وإن شمرت عن ساقها الحرب شمرا
ثم قال: والمراد بقوله ( التفت الساق بالساق ) أى التفت شدة مفارقة الدنيا ولذاتها وشدة
اذهاب، أو التفت شدة ترك الأهل، وترك الولد، وترك المال، وترك الجاه ، وشدة شماتة
الأعداء، وغم الأولياء، وبالجملة فالشدائد هناك كثيرة، كشدة الذهاب إلى الآخرة والقدوم على
اللّه، أو التفت شدة ترك الأحباب والألياء، وشدة الذهاب إلى دار الغربة (والقول الثانى ) أن
المراد من الساق هذا العضو المخصوص ، ثم ذكروا على هذا القول وجوهاً (أحدها ) قال الشعبى
وقتادة : هما ساقاه عند الموت أما رايته فى النزع كيف يضرب بإحدى رجليه على الآخرى
( والثانى) قال الحسن وسعيد بن المسيب: هما ساقاه إذا التفتا فى الكفن (والثالث) أنه إذا مات
يبست ساقاه ، والتصقت إحداهما بالأخرى .
ثم قال تعالى ﴿ إلى ربك يومئذ المساق ﴾ المساق مصدر من ساق يسوق، كالمقال من قال
يقول، ثم فيه وجهان (أحدهما) أن يكون المراد أن المسوق إليه هو الرب (والثانى) أن يكون
المراد أن السائق فى ذلك اليوم هو الرب ، أى سوق هؤلاء مفوض إليه .
قوله تعالى : ﴿ فلا صدق ولا صلى، ولكن كذب وتولى، ثم ذهب إلى أهله يتمطى ﴾
وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى ﴾ أنه تعالى شرح كيفية عمله فيما يتعلق بأصول الدين وبفروعه، وفيما يتعلق
بدنياه ، أما ما يتعلق بأصول الدين فهو أنه ما صدق بالدين ، ولكنه كذب به ، وأما ما يتعلق
بفروع الدين، فهو أنه ما صلى ولكنه تولى وأعرض وأما ما يتعلق بدنياه، فهو أنه ذهب إلى
أهله يتمطى ، ويتبختر، ويختال فى مشيته، واعلم أن الآية دالة على أن الكافر يستحق الذم والعقاب
بترك الصلاة كما يستحقهما بترك الإيمان .
﴿ المسألة الثانية) قوله (فلا صدق) حكاية عمن؟ فيه قولان (الأول) أنه كناية عن الإنسان فى
قوله ( أيحسب الإنسان أن لن تجمع عظامه) ألا ترى إلى قوله ( أيحسب الإنسان أن يترك سدى)
وهو معطوف على قوله ( يسأل أيان يوم القيامة ) ( والقول الثانى) أن الآية نزلت فى أبى جهل.

٢٣٣
قوله تعالى : أولى لك . سورة القيامة .
أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَ
٣٤
ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى
٣٥
، أَيَحْسَبُ آلْإِنسَنُ أَنْ يُتْرَكَ
٠٠٠٤ ١
وء
سُدِی
﴿ المسألة الثالثة) فى يتمط قولان (أحدهما) أن أصله يتمطط أى يتمدد، لأن المتبختر
يمد خطاه، فقلبت الطاء فيه ياء، كما قيل فى تقصى أصله تقصص (وانثانى) من المطاوهو الظهر
لأنه يلوبه، وفى الحديث ((إذا مشت أمتى المطيطى)) أى مشية المتبختر.
المسألة الرابعة ﴾ قال أهل العربية: (لا) ههنا فى موضع لم فقوله (فلا صدق ولا صلى) أى
لم يصدق ولم يصل، وهو كقوله ( فلا اقتحم العقبة) أى لم يقتحم، وكذلك ما روى فى الحديث
((أرأيت من لا أكل ولا شرب، ولا استهل)) قال الكسائى لم أر العرب قالت فى مثل هذا كلمة
وحدها حتى تتبعها بأخرى ، إما مصرحاً أو مقدراً، أما المصرح فلا يقولون: لا عبد الله خارج
حتى يقولون، ولا فلان، ولا يقولون: مررت برجل لا يحسن حتى يقولوا، ولا يحمل، وأما
المقدر فهو كمة وله ( فلا اقتحم العقبة ) ثم اعترض الكلام ، فقال ( وما أدراك ما العقبة ٠ك رقبة
أو إطعام ) وكان التقدير لا فك رقبة ، ولا أطعم مسكيناً، فا كتفى به مرة واحدة ، ومنهم من قال
التقدير فى قوله (فلا اقتحم ) أى أولا اقتحم ، وهلا اقتحم .
قوله تعالى: ﴿أو لى لك فأولى، ثم أولى لك فأولى﴾ قال قتادة والكلى ومقاتل أخذ رسول الله
صلى اللّه عليه وسلم بيد أبى جهل. ثم قال ( أولى لك فأولى) توعده، فقال أبو جهل بأى شىء
تهددنى؟ لا تستطع أنت ولا ربك أن تفعلا بى شيئاً، وإنى لأعز أهل هذا الوادى ، ثم انسل
ذاهباً، فأنزل الله تعالى كما قال له الرسول عليه الصلاة والسلام، ومعنى قوله (أولى لك) بمعنى
ويل لك، وهو دعاء عليه، بأن يليه ما يكرهه ، قال القاضى: المعنى بعد ذلك، فبعداً [لك] فى أجر
دنياك، وبعدآً لك ، فى أمر أخراك ، وقال آخرون المعنى الويل لك مرة بعد ذلك ، وقال
القفال: هذا يحتمل وجوها ( أحدها) أنه وعيد مبتدأ من الله للكافرين (والثانى) أنه شىء قاله النبى
حرّ لي لحدوه فاستذكره عدو الله لعزته عند نفسه، فأنزل الله تعالى مثل ذلك (والثالث ) أن يكون
ذلك أمراً من الله لنبيه، بأن يقولها لعدو الله، فيكون المعنى ( ثم ذهب إلى أهله يتمطى) فقل له
يا محمد ( أولى لك (أولى) أى احذر، فقد قرب منك ما لا قبل لك به من المكروه.
قوله تعالى: ﴿أيحسب الإنسان أن يترك سدى﴾ أى مهملا لا يؤمر، ولا ينهى، ولا يكلف
فى الدنيا ولا يحاسب بعمله فى الآخرة ، والسدى فى اللغة المهمل يقال أسديت إلى اسداء أهملتها .
واعلم أنه تعالى لما ذكر فى أول السورة، قوله (أيحسب الإنسان أن أن تجمع عظامه ) أعاد
فى آخر السورة ذلك، وذكر فى صحة البعث والقيامة دليلين (الأول) قوله ( أيحسب الإنسان

٢٣٤
قوله تعالى : ألم يك نطفه من منى يمنى . سورة القيامة .
أَرْيَتُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍ يُمْنَى (9) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةٌ تَخَلَقَ فَسَوَّى (٨) لَعَلَ
مِنْهُ الَّوْجَيْنِ اٌلَّكَرَ وَالْأُنثَى وَ أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَدِرٍ عَّ أَن يُحْسِىَ الْمَوْنَى
أن يترك سدى) ونظيره قوله (إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى) وقوله
(أم بجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين فى الأرض أم نجعل المتقين كالفجار ) وتقريره
أز إعطاء القدرة والآلة والعقل بدون التكليف والأمر بالطاعة والنهى عن المضاد يقتضى كونه
تعالى راضياً بقبائح الأفعال ، وذلك لا يليق بحكمته، فإذاً لا بد من التكليف والتكليف لا يحسن ولا
يليق بالكريم الرحيم إلا إذا كان هناك دار الثواب والبعث والقيامة.
﴿ الدليل الثانى) على صحة القول بالحشر الاستدلال بالخلقة الأولى على الإعادة، وهو المراد
قوله تعالى: ﴿ألم يكِ نطفة من منى يمنى ﴾ وفيه مسالتان :
﴿ المسألة الأولى﴾ النطفة هى الماء القليل وجمعها نطاف ونطف، يقول ألم يك ماء قليلا فى
صلب الرجل وترائب المرأة؟ وقوله ( من منى يمنى ) أى يصب فى الرحم، وذكرنا الكلام فى يمنى
عند قوله ( من نطفة إذا تمنى) وقوله ( أفرأيتم ما تمنون ) فإن قيل ما الفائدة فى يمنى فى قوله (من
منى بمنى)؟ قلنا فيه إشارة إلى حقارة حاله، كأنه قيل إنه مخلوق من المنى الذى جرى على مخرج النجاسة،
فلا يليق بمثل هذا الشىء أن يتمرد عن طاعة الله تعالى إلا أنه عبر عن هذا المعنى، على سبيل الرمز
كما فى قوله تعالى فى عيسى ومريم (كانا يأكلان الطعام) والمراد منه قضاء الحاجة.
المسألة الثانية﴾ فى يمنى فى هذه السورة قراء تان الناء والياء ، فالتاء النطفة، على تقدير ألم
يك قطعة تمنى من المنى، والياء للمنى من منى يمنى ، أى يقدر خلق الإنسان منه.
قوله تعالى : ﴿ ثم كان علقة ﴾ أى الإنسان كان علقة بعد النطفة.
أما قوله تعالى ﴿خلق فسوى﴾ ففيه وجهان (الأول) خلق فقدر فسوى فعدل ( الثانى)
خلق، أى فنفخ فيه الروح، فسوى فكل أعضاءه، وهو قول ابن عباس ومقاتل.
ثم قال تعالى ﴿ جعل منه﴾ أى من الإنسان ﴿الزوجين﴾ يعنى الصنفين.
ثم فسرهما فقال ﴿ الذكر والأنثى، أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى﴾ والمعنى أليس
ذلك الذى أنشأ هذه الأشياء بقادر على الإعادة، روى أنه مصر التي كان إذا قراها قال: سبحانك بلى
والحمد لله رب العالمين. وصلاته على سيدنا محمد سيد المرسلين وآله وصحبه وسلم.

٢٣٥
سورة الإنسان
(٧٦) سُوْرَة الإنسَانِ مَدَنِيَّة
وأيَانُها إحدى وَتلاثون
إِلَّهِ الرَّحْمِ الرَّحِيمِ
بِسْـ
هَلْ أَنَّى عَلَى الْإِنسَنِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَّذْكُورًا (﴾
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً﴾ اتفقوا على أن (هل) ههنا وفى
قوله تعالى (هل أناك حديث الغاشية ) بمعنى قد، كما تقول هل رأيت صنيع قلان، وقد علمت أنه
قد رآه، وتقول هل وعظتك هل أعطيتك، ومقصودك أن تقرره بأنك قد أعطيته ووعظته،
وقد تجىء بمعنى الجحد ، تقول وهل يقدر أحد على مثل هذا، وأما أنها تجىء بمعنى الاستفهام
فظاهر، والدليل على أنها ههنا ليست بمعنى الاستفهام وجهان (الأول) ما روى أن الصديق رضى
الله عنه لما سمع هذه الآية قال: ياليتها كانت تمت فلا نبتلى، ولو كان ذلك استفهاما لما قال ليتها
تمت ، لأن الاستفهام ، إنما يجاب بلا أو بنعم، فإذا كان المراد هو الخبر، فينئذ يحسن ذلك الجواب
(الثانى) أن الاستقام على الله تعالى محال فلا بد من حمله على الخبر.
المسألة الأولى﴾ اختلفوا فى الإنسان المذكور ههنا فقال جماعة من المفسرين يريد آدم عليه
السلام، ومن ذهب إلى هذا قال: إن الله تعالى ذكر خلق آدم فى هذه الآية ثم عقب بذكر ولده
فى قوله (إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه)، ( والقول الثانى ) أن المراد بالإنسان بنو
آدم بدليل قوله (إنا خلقنا الإنسان من نطفة) فالانسان فى الموضعين واحد، وعلى هذا التقدير
يكون نظم الآية أحسن .
المسألة الثانية﴾ ( حين) فيه قولان (الأول) أنه طائفة من الزمن الطويل الممتد وغير
مقدر فى نفسه ( والثانى) أنه يقدر بالأربعين ، فمن قال المراد بالأنسان هو آدم قال المعنى أنه
مكث آدم عليه السلام أربعين سنة طيناً إلى أن نفخ فيه الروح، وروى عن ابن عباس أنه بقى طيناً
أربعين سنة وأربعين من صلصال وأربعين من حماً مسنون فتم خلقه بعد مائة وعشرين سنة ، فهو
فى هذه المدة ما كان شيئاً مذكوراً ، وقال الحسن خلق اللّه تعالى كل الأشياء مايرى وما لايرى من
من دواب البر والبحر فى الأيام الستة التى خلق فيها السموات والأرض وآخر ما خلق آدم عليه
السلام وهو قوله ( لم يكن شيئاً مذكوراً) فإن قيل إن الطين والصلصال والحمأ المسنون قبل نفخ

٢٣٦
قوله تعالى : إنا خلقنا الإنسان من نطفة . سورة الإنسان .
إِنَّا خَلَقْنَا آلْإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْتَاجِ
الروح فيه ما كان إنساناً، والآية تقتضى أنه قد مضى على الإنسان حال كونه إنساناً حين من الدهر
مع أنه فى ذلك الحين ما كان شيئاً مذكوراً ، قلنا إن الطين والصلصال إذا كان مصوراً بصورة الانسان
ويكون محكوماً عليه بأنه سينفخ فيه الروح وسيصير إنساناً صح تسميته بأنه إنسان ، والذين
يقولون الإنسان هو النفس الناطقة ، وإنها موجودة قبل وجود الأبدان ، فالإشكال عنهم زائل
وأعلم أن الغرض من هذا التنبيه على أن الإنسان محدث ، ومتى كان كذلك فلابد من محدث قادر.
﴿ المسألة الثالثة) لم يكن شيئاً مذكوراً محله النصب على الحال من الإنسان كأنه قيل: هل أتى
عليه حين من الدهر غيرمذ كور أو الرفع على الوصف لحين ، تقديره : هل أتى على الإنسان حین
لم يكن فيه شيئاً .
قوله تعالى: ﴿إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج ﴾ فيه مسائل:
المسألة الأولى) المشج: فى اللغة الخلط، يقال مشج يمشج مشجاً إذا خلط، والأمشاج
الأخلاط ، قال ابن الأعرابى واحدها مشج ومشيج، ويقال للشىء إذا خلط مشيج كقولك خليط
ومشوج، كقولك مخلوط . قال الهذلى :
كأن الريش ، الفوقين منه
خلاف النصل شط به مشيج
يصف السهم بأنه قد بعد فى الرمية فالتطخ ريشه وفرقاه بدم يسير ، قال صاحب الكشاف
الأمشاج لفظ مفرد ، وليس يجمع بدليل أنه صفة للفرد وهو قوله ( نطفة أمشاج ) ويقال أيضاً
نطفة مشيج ، ولا يصح أن يكون أمشاجاً جمعاً للمشج بل هما مثلان فى الإفراد ، ونظيره برمة
أعشار (١) أى قطع مكسرة، وثوب أخلاق وأرض سباسب، واختلفوا فى معنى كون النطفة مختلطة
فالا كثرون على أنه اختلاط نطفة الرجل بنطفة المرأة كقوله ( يخرج من بين الصلب والترائب)
قال ابن عباس هو اختلاط ماء الرجل وهو أبيض غليظ وماء المرأة وهو أصفر رقيق فيختاطان
ويخلق الولد منهما ، فما كان من عصب وعظم وقوة فمن نطفة الرجل ، وما كان من لحم ودم فمن ما.
المرأة ، قال مجاهد هى ألوان النطفة فنطفة الرجل بيضاء ونطفة المرأة صفراء، وقال عبد الله
أمشاجها عروقها ، وقال الحسن يعنى من نطفة مشجت بدم وهو دم الحيضة وذلك أن المرأة إذا
تلقت ماء الرجل وحبلت أمسك حيضها فاختلطت النطفة بالدم ، وقال قتادة الأمشاج هو أنه
يختلط الماء والدم أولا ثم يصير علقة ثم يصير مضغة، وبالجملة فهو عبارة عن انتقال ذلك الجسم
من صفة إلى صفة ، ومن حال إلى حال . وقال قوم إن اللّه تعالى جعل فى النطفة أخلاطاً من الطبائع
التى تكون فى الإنسان من الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة، والتقدير من نطفة ذات أمشاج
فحذف المضاف وتم الكلام ، قال بعض العلماء الأولى هو أن المراد اختلاط نطفة الرجل والمرأة
(١). فى المطبوعة التى تنقل عنها وبرمة أشعار، والذى أعرفه وذكره النحاة واللغويون (برمة أعشار).

٢٣٧
قوله تعالى : إِنا هديناه السبيل . سورة الإنسان .
نَّبْتَلِهِ ◌َعَلْنَهُ سَمِيعً بَصِيرًا (٣) إِنَّا هَدَيْنَهُ السَِّلَ
لأن الله تعالى وصف النطفة بأنها أمشاج، وهى إذا صارت علقة فلم يبق فيها وصف أنها نطفة،
ولكن هذا الدليل لا يقدح فى أن المراد كونها أمشاجاً من الأرض والماء والهواء والحار.
نبتليه ﴾ ففيه مسائل :
قوله تعالى : ﴿
المسألة الأولى﴾ نبتليه معناه لنبتليه، وهو كقول الرجل جننك أفضى حقك، أى لأقضى
حقك، وأتيتك أستمنحك ، أى لأستمنحك، كذا قوله ( نبتليه) أى لنبتليه ونظيره قوله ( ولا
تمنن تستكتر) أى لتستكثر .
المسألة الثانية﴾ نبتليه فى موضع الحال، أى خلقناه مبتلين له، يعنى مريدين ابتلاءه.
﴿ المسألة الثالثة﴾ فى الآية قولان (أحدهما) أن فيه تقديماً وتأخيراً، والمعنى (جعلناه
سميعاً بصيراً) لنبتليه ( والقول الثانى) أنه لا حاجة إلى هذا التغيير، والمعنى إنا خلقناه من هذه
الأمشاج لا للبعث ، بل للابتلاء والامتحان.
ثم ذكر أنه أعطاه ما يصح معه الابتلاء وهو السمع والبصر، فقال ﴿ تجعد بيعا بصيراً)
والسمع والبصر كنايتان عن الفهم والتمييز، كما قال تعالى حاكياً عن إبراهيم عليه السلام (لم تعبد
مالا يسمع ولا يبصر) وأيضاً قد يراد بالسميع المطيع ، كقوله سمعاً وطاعة ، وبالبصير العالم يقال
فلان بصير فى هذا الأمر، ومنهم من قال: بل المراد بالسمع والبصر الحاستان المعروفتان. والله
تعالى خصهما بالذكر، لأنهما أعظم الحواس وأشرفها .
قوله تعالى: ﴿ إنا هديناه السبيل﴾ أخبر الله تعالى أنه بعد أن ركبه وأعطاه الحواس الظاهرة
والباطنة بين له سبيل الهدى والضلال ، وفيه مسائل :
المسألة الأولى) الآية دالة على أن إعطاء الحواس كالمقدم على إعطاء العقل والأمر كذلك
لأن الإنسان خلق فى مبدأ الفطرة الياً عن معرفة الأشياء، إلا أنه أعطاه آلات تعينه على تحصيل.
تلك المعارف، وهى الحواس الظاهرة والباطنة ، فإذا أحس بالمحسوسات تنبه لمشاركات بينها
ومباينات، ينتزع منها عقائد صادقة أولية، كعلمنا بأن انفى والإثبات لا يجتمعان ولا يرتفعان
وأن الكل أعظم من الجزء، وهذه العلوم الأولية هى آلة العقل لأن بتركيباتها يمكن التوصل إلى
استعلام المجهولات النظرية ، فثبت أن الحس مقدم فى الوجود على العقل ، ولذلك قيل من فقد
حساً فقد علما، ومن قال المراد من كونه سميعاً بصيراً هو العقل، قال إنه لما بين فى الآية الأولى
أنه أعطاه العقل بين فى هذه الآية ، أنه إنما أعطاه العقل ليبين له السبيل ويظهر له أن الذى يجب
فعله ماهو . والذى لا يجوز ماهو .
المسألة الثانية ﴾ السبيل هو الذى يسلك من الطريق، فيجوز أن يكون المراد بالسبيل

٢٣٨
قوله تعالى : إما شاكراً وإما كفوراً . سورة الإنسان .
٣
إِمَّا شَاكِرًا وَإِنَّا كَفُورًا (
ههنا سبيل الخير والشر والنجاة والهلاك ، ويكون معنى هديناه ، أى عرفناه وبينا كيفية كل واحد
منهما له، كقوله تعالى (وهديناه النجدين ) ويكون السبيل اسماً للجنس، فلهذا أفرد لفظه كقوله
تعالى ( إن الإنسان لفي خسر) ويجوز أن يكون المراد بالسبيل، هو سبيل الهدى لأنها هى الطريقة
المعروفة المستحقه لهذا الاسم على الإطلاق، فأما سبيل الضلالة فإنما هى سبيل بالإضافة ، ألا ترى
إلى قوله تعالى (إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيل) وإنما أضلوهم سبيل الهدى، ومن
ذهب إلى هذا جعل معنى قوله ( هديناه) أى أرشدناه ، وإذا أرشد لسبيل الحق، فقد نبه على
تجنب ما سواها ، فكان اللفظ دليلا على الطريقين من هذا الوجه .
﴿ المسألة الثالثة﴾ المراد من هداية السبيل خلق الدلائل، وخلق العقل الهادى وبعثة الأنبياء
وإنزال الكتب، كانه تعالى قال: خلقتك للابتلاء ثم أعطيتك كل ما تحتاج إليه (ليهلك من هلك عن
بينة) وليس معناه خلقنا الهداية، ألا ترى أنه ذكر السبيل، فقال (مديناه السبيل) أى أريناه ذلك
﴿ المسألة الرابعة ﴾ قال الفراء هديناه السبيل، وإلى السبيل وللسبيل، كل ذلك جائز فى اللغة:
قوله تعالى : ﴿إما شاكراً وإما كفورا﴾ فيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ فى الآية أقوال:
( الأول ) أن شاكر أو كفورا حالان من الهاء، فى حديناه السبيل، أى هديناه السبيل
كونه شاكراً وكفوراً، والمعنى أن كل ما يتعلق بهداية الله وإرشاده، فقد تم حالتى الكفر والإيمان.
﴿ والقول الثانى) أنه انتصب قوله شاكراً وكفوراً باضمار كان، والتقدير سواء كان شاكراً
أو كان كفوراً.
﴿ والقول الثالث) معناه إنا هديناه السبيل، ليكون إما شاكراً وإما كفوراً أى ليتميز
شكره من كفره وطاعته من معصيته كقوله (ليبلوكم أيكم أحسن عملا) وقوله: ( ولقد فتنا الذين
من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا) وقوله (ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو
أخباركم) قال القفال، ومجاز هذه الكلمة على هذا التأويل قول القائل، قد نصحت لك إن شئت
فاقبل ، وإن شئت فاترك، أى فإن شئت فتحذف الفاء فكذا المعنى: إنا هديناه السبيل فإماشا كراً
وإما كفوراً، فتحذف الفاء وقد يحتمل أن يكون ذلك على جهة الوعيد أى إنا هديناه السبيل فإن
شاء فليكفر وإن شاء فليشكر، فإنا قد أعتدنا للكافرين كذا وللشاكرين كذا، كقوله (وقل الحق
من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر).
﴿ القول الرابع ) أن يكونا حالين من السبيل أى عرفناه السبيل، أى إما سبيلا شاكراً،
وإما سبيلا كفوراً، ووصف السبيل بالشكر والكفر مجاز.

٢٣٩
قوله تعالى : إما شاكراً وإما كفوراً . سورة الإنسان .
واعلم أن هذه الأقوال كلها لائقة بمذهب المعتزلة .
﴿ والقول الخامس) وهو المطابق لمذهب أهل السنة، واختيار الفراء أن تكون إما هذه
الآية كإما فى قوله ( إما يعذبهم وإما يتوب عليهم ) والتقدير ( إنا هديناه السبيل ) ثم جعلناه تارة
( شاكراً) أو تارة (كفوراً) ويتأكد هذا التأويل بما روى أنه قرأ أبو السمال بفتح الهمزة فى
(أما)، والمعنى أما شاكراً فبتوفيقنا وأما كفوراً فيخذلاننا، قالت المعتزلة هذا التأويل باطل ، لأنه
تعالى ذكر بعد هذه الآية تهديد الكفار فقال ( إنا أعتدنا للكافرين سلاسل وأغلالا وسعيراً)
ولو كان كفر الكافر من الله وبخلقه لما جاز منه أن يهدده عليه، ولما بطل هذا التأويل ثبت أن
الحق هو التأويل الأول وهو أنه تعالى مدى جميع المكلفين سواء آمن أو كفر، وبطل بهذا قول
المجبرة أنه تعالى لم يهد الكافر إلى الإيمان ، أجاب أصحابنا بأنه تعالى لما علم من الكافر أنه لا يؤمن
ثم كلفه بأن يؤمن فقد كلفه بأن يجمع بين العلم بعدم الإيمان ووجود الإيمان وهذا تكليف بالجمع
بين المتنافيين ، فإن لم يصر هذا عذراً فى سقوط التهديد والوعيد جاز أيضاً أن يخلق الكفر فيه
ولا يصير ذلك عذراً فى سقوط الوعيد ، وإذا ثبت هذا ظهر أن هذا التأويل هو الحق ، وأن
التأويل اللائق بقول المعتزلة ليس بحق ، وبطل به قول المعتزلة .
المسألة الثانية ﴾ أنه تعالى ذكر فهمه على الإنسان فابتدأ بذكر النعم الدنيوية ، ثم ذكر بعده
النعم الدينية ، ثم ذكر هذه القسمة .
وأعلم أنه لا يمكن تفسير الشاكر والكفور بمن يكون مشتغلا بفعل الشكر وفعل الكفران
وإلا لم يتحقق الحصر، بل المراد من الشاكر الذى يكون مقراً معترفاً بوجوب شكر خالقه عليه
والمراد من الكفور الذى لا يقر بوجوب الشكر عليه، إما لأنه ينكر الخالق أو لأنه وإن كان
يثبته لكنه ينكر وجوب الشكر عليه، وحينئذ يتحقق الحصر وهو أن المكلف، إما أن يكون
شاكراً وإما أن يكون كفوراً، واعلم أن الخوارج احتجوا بهذه الآية على أنه لا واسطة بين
المطيع والكافر ، قالوا لأن الشاكر هو المطيع، والكفور هو الكافر ، والله تعالى افى
الواسطة وذلك يقتضى أن يكون كل ذنب كفراً، وأن يكون كل مذنب كافراً ، واعلم أن البيان
الذى لخصناه يدفع هذا الإشكال، فإنه ليس المراد من الشاكر الذى يكون مشتغلا بفعل الشكر
فإن ذلك باطل طرداً وعكساً ، أما الطرد فلأن اليهودى قد يكون شاكراً لربه مع أنه لا يكون
مطيعاً لربه، والفاسق قد يكون شاكراً لربه، مع أنه لا يكون مطيعاً لربه، وأما العكس فلأن المؤمن
قد لا يكون مشتغلا بالشكر ولا بالكفران، بل يكون ساكناً غافلا عنهما، فثبت أنه لا يمكن تفسير
الشاكر بذلك ، بل لابد وأن يفسر الشاكر بمن يقر بوجوب الشكر والكفور بمن لا يقر بذلك ،
وحينئذ يثبت الحصر، ويسقط سؤالهم بالكلية والله أعلم.

٢٤٠
قوله تعالى : إنا اعتدنا للكافرين . سورة الإنسان .
إِنّا أَعْتَدْنَا لِلْكَِّفِرِ ينَ سَلِلَا وَأَغَْلًا وَسَعِيْرًا (3)
إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِنَاجُهَا كَافُورًا
قوله تعالى : ﴿إنا أعتدنا للكافرين سلاسل وأغلالا وسعيرا﴾
أعلم أنه تعالى لما ذكر الفريقين أتبعهما بالوعيد والوعد ، وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ الاعتداد هو إعداد الشىء حتى يكون عنيداً حاضراً متى احتيج إليه،
كقوله تعالى (هذا ما لدى عتيد) وأما السلاسل فتشد بها أرجلهم، وأما الأغلال فتشد بها أيديهم
إلى رقابهم ، وأما السعير فهو النار التى تسعر عليهم فتوقد فيكونون حطباً لها، وهذا من أغلظ
أنواع الترهيب والتخويف.
المسألة الثانية﴾ احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الجحيم بسلاسلها وأغلالها مخلوفة، لأن
قوله تعالى ( أعتدنا) إخبار عن الماضى، قال القاضى إنه لما توعد بذلك على التحقيق صار كأنه
موجود، قلنا هذا الذى ذكرتم ترك الظاهر فلا يصار إليه إلالضرورة .
المسألة الثالثة) قرى. سلاسلا بالتنوين، وكذلك (قواريرا قواريراً) ومنهم من يصل
بغير تنوين ، ويقف بالألف فلمن نون وصرف وجهان (أحدهما ) أن الأخفش قال قد سمعنا من
العرب صرف جميع مالا ينصرف ، قال وهذا لغة الشعراء لأنهم اضطروا إليه فى الشعر
فصرفوه، جرت ألسنتهم على ذلك (الثانى) ان هذه الجموع أشبهت الآحاد، لأنهم قالوا صواحبات
يوسف ، فلما جمعوه جمع الآحاد المنصرفة جعلوها فى حكمها فصرفوها ، وأما من ترك الصرف
فإنه جعله كقوله (لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد) وأما إلحاق الألف فى الوقف فهو
كالحاقها فى قوله ( الظنونا، والرسولا ، والسبيلا ) فيشبه ذلك بالإطلاق فى القوافى .
ثم إنه تعالى ذكر ما أعد للشاكرين الموحدين فقال ﴿إن الأبرار يشربون من كأس كان
مزاجها كافوراً﴾ الأبرار جمع بر، كالأرباب جمع رب، والقول فى حقيقة البر قد تقدم فى تفسير
قوله تعالى ( ولكن البر من آمن بالله) ثم ذكر من أنواع نعيمهم صفة مشروبهم، فقال (يشربون
من كأس) يعنى من إناء فيه الشراب، ولهذا قال ابن عباس ومقاتل: يريد الخمر، وفى الآيةسؤالان:
﴿ السؤال الأول) أنمزج الكافور بالمشروب لا يكون لذيذاً، فما السبب فى ذكره مهنا؟
(الجواب) من وجوه (أحدها) أن الكافور اسم عين فى الجنة ماؤها فى بياض الكافور ورائحته
وبرده ، ولكن لا يكون فيه طعمه ولا مضرته ، فالمعنى أن ذلك الشراب يكون ممزوجاً بما.
هذه العين (وثانيها) أن رائحة الكافور عرض فلا يكون إلا فى جسم، فإذا خلق الله تلك الرائحة
فى جرم ذلك الشراب سمى ذلك الجسم كافوراً، وإن كان طعمه طيباً (وثالثها) أى بأس فى أن