Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
سورة المعارج
(٧٠) سُورَة المَجَانِ، مَكيّةْ
وَآيَاتُهَا أزيعُ وَازِبَعُوُنَ
بِسْـ
سَأَلَ سَآَبِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (*) لِلْكَّفِرِينَ لَيْسَ لَّهُ دَافِعٌ ﴿ مِنَ الَِّذِى
الْمَعَارِجِ
٣
بسم الله الرحمن الرحيم
سأل سائل بعذاب واقع، للكافرين ليس له دافع ، من الله ذى المعارج
أعلم أن قوله تعالى (سأل) فيه قراءتان منهم من قرأه بالهمزة، ومنهم من قرأه بغير همزة،
أما الأولون وهم الجمهور فهذه القراءة تحتمل وجوهاً من التفسير: (الأول) أن النضر بن الحرث
لما قاء (اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو اثتنا بعذاب أليم)
فأنزل الله تعالى هذه الآية، ومعنى قوله ( سأل سائل) أى دعا داع (بعذاب واقع) من قولك
دعا بكذا إذا استدعاه وطلبه، ومنه قوله تعالى (يدعون فيها بكل فاكهة آمنين) قال ابن الأنبارى
وعلى هذا القول تقدير الباء الإسقاط، وتأويل الآية: سأل سائل عذاباً واقعاً، فأكد بالباء
كقوله تعالى (وهزى إليك بجذع النخلة ) وقال صاحب الكشاف لما كان (سأل) معناه ههنا
دعا لا جرم عدى تعديته كانه قال دعا داع بعذاب من اللّه (الثانى) قال الحسن وقتادة لمالبعث"
الله محمداً برزخ وخوف المشركين بالعذاب قال المشركون بعضهم لبعض سلوا محمداً لمن هذا العذاب
وبمن يقع، فأخبره اللّه عنه بقوله ( سأل سائل بعذاب واقع ) قال ابن الأنبارى: والتأويل على
هذا القول ( سأل سائل ) عن عذاب والباء بمعنى عن ، كقوله:
فإن تسألونى بالناء فإنى بصير بأدواء النساء طبيب
وقال تعالى ( فاسأل به خبيراً) وقال صاحب الكشاف (سأل ) على هذا الوجه فى تقدير عنى
واهتم كأنه قيل اهتم مهتم بعذاب واقع (الثالث) قال بعضبم هذا السائل هو رسول الله استعجل
بعذاب الكافرين ، فبين اللّه أن هذا العذاب واقع بهم، فلا دافع له قالوا والذى يدل على صحة
هذا التأويل قوله تعالى فى آخر الآية (فاصبر صبراً جميلا) وهذا يدل على أن ذلك السائل هو
الذى أمره بالصبر الجميل ، أما القراءة الثانية، وهى سال بغير همز فلها وجهان: (أحدهما) أنه
أراد (سأل) بالهمزة خفف وقلب قال :
---

١٢٢
قوله تعالى : تعرج الملائكة والروح إليه . سورة المعارج .
تَعْرُجُ الْمَلَئِكَةُ وَالْرُوحُ إِلَيْهِ فِ يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ تَحْسِينَ أَلْفَ سَنَّةٍ (
٤
سالت قريش رسول الله فاحشة ضلت هذيل بما سألت ولم قصب
( والوجه الثانى) أن يكون ذلك من السيلان ويؤيده قراءة ابن عباس سال سيل والسيل مصدر
فى معنى السائل، كالغور بمعنى الغار ، والمعنى أندفع عليهم واد بعذاب ، وهذا قول زيد بن ثابت
وعبد الرحمن بن زيد قالا سال واد من أودية جهنم ( بعذاب واقع) أما سائل، فقد اتفقوا على
أنه لا يجوز فيه غير الهمز لأنه إن كان من سأل المهموز، فهو بالهمز، وإن لم يكن من المهموز كان
بالهمز أيضاً نحو قائل وخائف إلا أنك إن شئت خففت الهمزة جعلتها بين بين ، وقوله تعالى
( بعذاب واقع للكافرين) فيه وجهان ، وذلك لأنا إن فسرنا قوله سأل بما ذكرنا من أن النضر
طلب العذاب، كان المعنى أنه طلب طالب عذاباً هو واقع لا محالة سواء طلب أو لم يطلب ، وذلك
لأن ذلك العذاب نازل للكافرين فى الآخرة وافع بهم لا يدفعه عنهم أحد ، وقد وقع بالنضر فى
الدنيا لأنه قتل يوم بدر ، وهو المراد من قوله ليس له دافع، وأما إذا فسرناه بالوجه الثانى وهو
أنهم سألوا الرسول عليه السلام ، أن هذا العذاب بمن ينزل فأجاب الله تعالى عنه بأنه واقع
للكافرين، والقول الأول وهو السديد، وقوله من الله فيه وجهان (الأول) أن يكون تقدير الآية
بعذاب واقع من اللّه للكافرين ( الثانى ) أن يكون التقدير ليس له دافع من الله، أى ليس لذلك
العذاب الصادر من الله دافع من جهته، فإنه إذا أوجبت الحكمة وقوعه امتنع أن لا يفعله الله
وقوله (ذى المعارج) المعارج، جمع معرج وهو المصعد، ومنه قوله تعالى (ومعارج عليها يظهرون)
والمفسرون ذكروا فيه وجوها (أحدها) قال ابن عباس فى رواية الكلبى ذى المعارج، أى ذى
السموات ، وسماها معارج، لأن الملائكة يعرجون فيها ( وثانيها) قال قتادة ذى الفواضل والنعم
وذلك لأن لأياديه ووجوه إنعامه مراتب، وهى تصل إلى الناس على مراتب مختلفة (وثالثها) أن
المعارج هى الدرجات التى يعطيها أولياءه فى الجنة، وعندى فيه (وجه رابع) وهو أن هذه السموات
كما أنها متفاوتة فى الارتفاع والانخفاض والكبر والصغر، فكذا الأرواح الملكية مختلفة فى القوة
والضعف والكمال والنقص . وكثرة المعارف الإلهية وقوتها وشدة القوة على تدبير هذا العالم
وضعف تلك القوة، ولعل نور إنعام اللّه وأثر فيض رحمته لا يصل إلى هذا العالم إلا بواسطة تلك
الأرواح، إما على سبيل العادة أو لا كذلك على ما قال (فالمقسمات أمراً)، (فالمديرات أمراً) فالمراد
بقوله (من اللّه ذى المعارج) الإشارة إلى تلك الأرواح. المختلفة التى هى كالمصاعد لارتفاع مراتب
الحاجات من هذا العالم إليها وكالمنازل لنزول أثر الرحمة من ذلك العالم إلى ما ههنا.
قوله تعالى: ﴿إتعرج الملائكة والروح إليه فى يوم كان مقداره خمسين ألف سنة) وههنا مسائل:
المسألة الأولى﴾ اعلم أن عادة الله تعالى فى القرآن أنه متى ذكر الملائكة فى معرض

١٢٣
قوله تعالى : تعرج الملائكة والروح . سورة المعارج .
التهويل والتخويف أفرد الروح بعدهم بالذكر، كما فى هذه الآية، وكما فى قوله ( يوم يقوم الروح
والملائكة صفاً) وهذا يقتضى أن الروح أعظم [من] الملائكة قدرا، ثم ههنا دقيقة وهى أنه تعالى
ذكر عند العروج الملائكة أولا والروح ثانياً، كما فى هذه الآية ، وذكر عند القيام الروح
أولا والملائكة ثانياً، كما فى قوله ( يوم يقوم الروح والملائكة صفاً) وهذا يقتضى كون
الروح أولا فى درجة النزول وآخراً فى درجة الصعود"، وعند هذا قال بعض المكاشفين:
إن الروح نور عظيم هو أقرب الأنوار إلى جلال الله، ومنه تتشعب أرواح سائر الملائكة والبشر
فى آخر درجات منازل الأرواح، وبين الطرفين معارج مراتب الأرواح الملكية ومدارج منازل
الأنوار القدسية ، ولا يعلم كميتها إلا اللّه، وأما ظاهر قول المتكلمين وهو أن الروح هو جبريل
عليه السلام فقد قررنا هذه المسألة فى تفسير قوله ( يوم يقوم الروح والملائكة صفاً).
المسألة الثانية ) احتج القائلون بأن الله فى مكان، إما فى العرش أو فوقه بهذه الآية من
وجهين: (الأول ) أن الآية دلت على أن الله تعالى موصوف بأنه ذو المعارج وهو إنما يكون
كذلك لو كان فى جهة فوق (والثانى) قوله ( تعرج الملائكة والروح إليه) فبين أن عروج الملائكة
وصعودهم إليه، وذلك يقتضى كونه تعالى فى جهة فوق (والجواب) لما دلت الدلائل على امتناع
كونه فى المكان والجهة ثبت أنه لابد من التأويل، فأما وصف اللّه بأنه (ذو المعارج) فقد ذكرنا
الوجوه فيه، وأما حرف إلى فى قوله (تعرج الملائكة والروح إليه ) فليس المراد منه المكان بل
المراد انتهاء الأمور إلى مراده كقوله ( وإليه يرجع الأمر كله) المراد الانتهاء إلى موضع العز
والكرامة كقوله (إنى ذاهب إلى ربى) ويكون هذا إشارة إلى أن دار الثواب أعلى الأمكنة وأرفعها.
﴿ المسألة الثالثة﴾ الأكثرون على أن قوله (فى يوم) من صلة قولهمتعرج، أى يحصل العروج
فى مثل هذا اليوم ، وقال مقاتل بل هذا من صلة قوله ( بعذاب واقع) وعلى هذا القول يكون فى
الآية تقديم وتأخير و التقدير: سأل سائل بعذاب واقع، فى يوم كان مقداره خمسين ألف سنة. وعلى
التقدير الأول ، فذلك اليوم، إما أن يكون فى الآخرة أوإفى الدنيا، وعلى تقدير أن يكون فى
الآخرة، فذلك الطول إما أن يكون واقعاً، وإما أن يكون مقدراً فهذه هى الوجوه التى تجملها
هذه الآية، ونحن نذكر تفصيلها (القول الأول) هو أن معنى الآية أن ذلك الغروج يقع فى يوم
من أيام الآخرة طوله خمسون ألف سنة ، وهو يوم القيامة ، وهذا قول الحسن: قال وليس يعنى
أن مقدار طوله هذا فقط ، إذ لو كان كذلك لحصلت له غاية ولفنيت الجنة والنار ، عند تلك الغاية
وهذا غير جاز، بل المراد أن موقفهم للحساب، حتى يفصل بين الناس خمسون ألف سنة من سنى
الدنيا . ثم بعد ذلك يستقر أهل النار فى دركات النيران نعوذ بالله منها. واعلم أن هذا الطول إنما
يكون فى حق الكافر ، أما فى حق المؤمن فلا ، والدليل عليه الآية والخبر، أما الآية فقوله تعالى
(أصحاب الجنة يومئذ خير مستقراً وأحسن مقيلا) واتفقوا على أن ذلك المقيل والمستقر هو

١٢٤
قوله تعالى: فاصبر صبراً جميلاً . سورة المعارج .
٤٠٠٠
فَأَصْبِرْ صَبْرًا جميلًا
الجنة، وأما الخبر فما روى عن أبى سعيد الخدرى أنه قال قيل لرسول الله من اله ماطول هذا اليوم، فقال
((والذي نفسي بيده إنه ليخفف عن المؤمن حتى يكون عليه أخف من صلاة مكتوبة يصليها فى الدنيا))
ومن الناس من قال ، إن ذلك الموقف وإن طال فهو يكون سباً لمزيد السرور والراحة لأهل
الجنة ، ويكون سبباً لمزيد الحزن والغم لأهل النار (الجواب) عنه أن الآخرة دار جزاء، فلا بد من
أن يعجل للثابين ثوابهم، ودار الثواب هى الجنة لا الموقف، فإذن لابد من تخصيص طول الموقف
بالكفار (التقول الثانى) هو أن هذه المدة واقعة فى الآخرة ، لكن على سبيل التقدير لا على سبيل
التحقق ، والمعنى أنه لو اشتغل بذلك القضاء والحكومة أعقل الخلق وأذكام لبقى فيه خمسين ألف سنة
ثم إنه تعالى يتمم ذلك القضاء والحكومة فى مقدار نصف يوم من أيام الدنيا، وأيضاً الملائكة يعرجون
إلى مواضع لو أراد واحد من أهل الدنيا أن يصعد إليها لتى فى ذلك الصعود خمسين ألف سنة ثم
إنهم يصعدون إليها فى ساعة قليلة، وهذا قول وهب وجماعة من المفسرين (القول الثالث) وهو
قول أبى مسلم إن هذا اليوم هو يوم الدنيا كلها من أول ما خلق الله إلى آخر الفناء ، فين تعانى
أنه لابد فى يوم الدنيا. من عروج الملائكة ونزولهم، وهذا اليوم مقدر بخمسين ألف سنة، ثم لا يلزم
على هذا أن يصير وقت القيامة معلوما ، لأنا لاندرى كم مضى وكم بقى ( القول الرابع ) تقدير
الآية: سأل سائل بعذاب واقع من الله فى يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم يحتمل أن يكون
المراد منه استطالة ذلك اليوم لشدته على الكفار ، ويحتمل أن يكون المراد تقدير مدته ، وعلى
هذا فليس المراد تقدير العذاب بهذا المقدار ، بل المراد التنبيه على طول مدة العذاب ، ويحتمل
أيضاً أن العذاب الذى سأله ذلك السائل يكون مقدراً بهذه المدة، ثم إنه تعالى ينقله إلى نوع آخر
من العذاب بعد ذلك ، فإن قيل روى ابن أبي مليكة أن ابن عباس سئل عن هذه الآية ، وعن قوله
(فى يوم كان مقداره ألف سنة ) فقال أيام سماها الله تعالى هو أعلم بها كيف تكون، وأكره أن
أقول فيها مالا أعلم ، فان قيل: فما قولكم فى التوفيق بين هاتين الآيتين ؟ قلنا قال وهب فى الجواب
عن هذا ما بين أسفل العالم إلى أعلى شرفات العرش مسيرة خمسين ألف سنة ومن أعلى السماء الدنيا
إلى الأرض مسيرة ألف سنة، لأن عرض كل سماء مسيرة خمسمائة سنة، وما بين أسفل السماء إلى
قرار الأرض خمسمائة أخرى ، فقوله تعالى (فى يوم) يريد من أيام الدنيا وهو مقدار ألف سنة لو
صعدوا فيه إلى سماء الدنيا، ومقدار ألف سنة لو صعدوا إلى أعالى العرش.
قوله تعالى: ﴿فاصبر صبراً جميلا ﴾ فيه مسألتان:
﴿ المسألة الأولى﴾ اعلم أن هذا متعلق بسأل سائل، لأن استعجال النضر بالعذاب إنما كان
على وجه الاستهزاء برسول الله والتكذيب بالوحى، وكان ذلك مما يضجر رسول الله صلى الله

١٢٥
قوله تعالى : إنهم يرونه بعيداً ونراه قريباً . سورة المعارج .
إنّهُمْ بَرَوْنَهُ بَعِيدًا ﴾ وَرَهُ قَرِيبًا ◌ٌ يَوْمَ تَكُونُ السَّمَآءُ كَالْمُهْلِ
٨
وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ ﴾ وَلَا يَسْعَلُ حِيمٌ خَيِمًا
عليه وسلم فأمر بالصبر عليه، وكذلك من يسأل عن العذاب لمنهو فإنما يسأل على طريق التعنت من
كفارمكة، ومن قرأ (سال سائل) فمعناه جاء العذاب لقرب وقوعه فاصبر فقد جاء وقت الإنتقام .
﴿ المسألة الثانية﴾ قال الكلى هذه الآية نزلت قبل أن يؤمر الرسول بالقتال.
﴾.
قوله تعالى ﴿إنهم يرونه بعيداً ، ونراه قريباً
الضمير فى (يرونه) إلى ماذا يعود؟ فيه وجهان (الأول) أنه عائد إلى العذاب الواقع (والثانى)
أنه عائد إلى ( يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ) أى يستبعدونه على جهة الإحالة ونحن نراه قريباً
هيناً فى قدرتنا غير بعيد عليناولا متعذر. فالمراد بالبعيد البعيد من الإمكان ، وبالقريب القريب منه.
قوله تعالى: ﴿ يوم تكون السماء. كالمهل، وتكون الجبال كالعهن، ولا يسأل حيم حميما﴾
فيه مسألتان :
المسألة الأولى﴾ يوم تكون منصوب بماذا؟ فيهوجوه (أحدها) بقريباً، والتقدير: ونراه
قريباً، يوم تكون السماء كالمهل، أى يمكن ولا يعتذر فى ذلك اليوم (وثانيها) التقدير: سأل
سائل بعذاب واقع ، يوم تكون السماء كالمهل ( والثالث) التقدير يوم تكون السماء كالمهل
كان كذا وكذا ( والرابع) أن يكون بدلا من يوم ، والتقدير سأل سائل بعذاب واقع فى يوم
كان مقداره خمسين ألف سنة يوم تكون السماء كالمهل ،
المسألة الثانية ﴾ أنه ذكر لذلك اليوم صفات :
﴿ الصفة الأولى) أن السماء تكون فيه كالمهل وذكرنا نفسير المهل عند قوله (بماء كالمهل)
قال ابن عباس: كدردى الزيت، وروى عنه عطاء: كمكر القطران، وقال الحسن : مثل الفضة
إذا أذيبت ، وهو قول ابن مسعود ،
﴿ الصفة الثانية) أن تكون الجبال فيه كالعهن ، ومعنى العهن فى اللغة : الصوف المصبوغ
ألواناً، وإنما وقع التشبيه به ، لأن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود. فإذا
بست وطيرت فى الجو أشبهت العهن المنفوش إذا طيرته الريح .
﴿ الصفة الثالثة) قوله ﴿ ولا يسأل حميم) وفيه مسألتان :
المسألة الأولى﴾ قال ابن عباس الحميم القريب الذى يعصب له، وعدم السؤال إنما كان
لاشتغال كل أحد بنفسه، وهو كقوله (تذهل كل مرضعة عما أرضعت) وقوله ( يوم يعر المرء من
أخيه - إلى قوله - لكل امرى. منهم يومئذ شأن يغنيه) ثم فى الآية وجوه (أحدها) أن يكون

١٢٦
قوله تعالى : يبصرونه يود المجرم لو يفتدى . سورة المعارج .
يُصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَقْتَدِى مِنْ عَذَابٍ يَوْمِلْ بِبَنِهِ (٨) وَصَلِحِبَتِهِ
وَأَخِيهِ * وَفَصِيلَتِهِ أَلَّى تُحْوِ () وَمَنْ فِ اْأَرْضِ جِيعًا
التقدير: لا يسأل حميم عن حميمه حذف الجار وأوصل الفعل (الثانى) لا يسأل حيم حميمه كيف
حالك ولا يكلمه . لأن لكل أحد ما يشغله عن هذا الكلام (الثالث ) لا يسأل حميم حميما شفاعة،
ولا يسأل حميم حميما إحساناً إليه ولا رفقاً به .
المسألة الثانية﴾ قرأ ابن كثير: ولا يسأل بضم الياء ، والمعنى لا يسأل حميم عن جميعه
ليتعرف شأنه من جهته، كما يتعرف خبر الصديق من جهة صديقه ، وهذا أيضاً على حذف الجار .
قال الفراء أى لا يقال ليم أين حميمك. ولست أحب هذه القراءة لأنها مخالفة لما أجمع عليه الفراء.
قوله تعالى ﴿يبصرونهم﴾ يقال بصرت به أبصر، قال تعالى (بصرت بما لم يبصروا به)
ويقال بصرت زيد بكذا فاذا حذفت الجار قلت بصرفى زيد كذا فإذا أثبت الفعل للمفعول به
وقد حذفت الجار قلت بصرنى زيداً، فهذا هو معنى يصرونهم، وإنما جمع فقيل يبصرونهم، لأن
الحميم وإن كان مفرداً فى اللفظ فالمراد به الكثرة والجميع والدليل عليه قوله تعالى (ما لنا من
شافعين) ومعنى يبصرونهم يعرفونهم، أى يعرف الحميم الحميم حتى يعرفه، وهو مع ذلك لا يسأله
عن شأنه لشغله بنفسه ، فإن قيل ما موضع يبصرونهم ؟ قلنا فيه وجهان (الأول ) أنه متعلق بما
قبله كأنه لما قال (ولا يسأل حميم حميما) قيل لعله لا يبصره فقيل يبصرونهم ولكنهم لاشتغالهم
بأنفسهم لا يتمكنون من تساؤلهم (الثانى) أنه متعلق بما بعده، والمعنى أن المجرمين يبصرون.
المؤمنين حال مايود أحدهم أن يفدى نفسه لكل ما يملكه، فإن الإنسان إذا كان فى البلاد الشديد
ثم رآه عدوه على تلك الحالة كان ذلك فى نهاية الشدة عليه .
﴿ الصفة الرابعة) قوله ﴿ يود المجرم لو يهدى من عذاب يومئذ بينيه وصاحبته وأخيه﴾
وفيه مسألتان :
المسألة الأولى ﴾ المجرم هو الكافر، وقيل يتناول كل مذنب.
المسألة الثانية) قرى. (يومئذ) بالجر والفتح على البناء، لسبب الإضافة إلى غير متمكن،
وقرى. أيضاً ( من عذاب يومئذ) بتنوين عذاب ، ونصب يومئذ وانتصابه بعذاب، لأنه فى
معنى تعذيب .
وقوله ﴿وفصيلته التى تؤويه ومن فى الأرض جميعاً﴾ فصيلة الرجل، أقاربه الأقربون
الذين فصل عنهم وينتهى إليهم ، لأن المراد من الفصيلة المفصولة ، لأن الولد يكون منفصلا من
الأبوين. قال عليه السلام (( فاطمة بضعة منى)) فلما كان هو مفصولا منهما، كانا أيضاً مفصولين

١٢٧
قوله تعالى : ثم ينجيه . سورة المعارج .
ثُمَّ ◌ُنْجِهِ ◌َ كََّ إنّهَ لَغَى لَهُ نَزَّاعَةٌ لِلشَّوَى
منه ، فسميا فصيلة لهذا السبب، وكان يقال للعباس فصيلة النبى صلى الله عليه وسلم، لأن العم.
قائم مقام الأب. وأما قوله (تؤوبه) فالمعنى تضمه انتماء اليها فى النسب. أو تمسكا بها فى النوائب.
وقوله ﴿ ثم ينجيه) فيه وجهان (الأول) أنه معطوف على يفتدى، والمعنى: يود المجرم لو
يفتدى بهذه الأشياء ثم بنجيه ( والثانى) أنه متعلق بقوله (ومن فى الأرض) والتقدير: يود لو
يفتدى بمن فى الأرض ثم ينجيه ، وثم ، لاستبعاد الإنجاء ، يعنى يتمنى لو كان هؤلاء جميعاً تحت
يده ، وبذلهم فى فداء نفسه ، ثم بنجيه ذلك، وهيهات أن ينجبه ."
قوله تعالى ﴿ كلا إنها لظى، نزاعة للشوى﴾ (كلا) ردع للمجرم عن كونه بحيث يود
الافتداء بينيه، وعلى أنه لا ينفعه ذلك الافتداء، ولا ينجيه من العذاب، ثم قال (إنها) وفيه وجهان
(الأول ) أن هذا الضمير النار، ولم يجر لها ذكر. إلا أن ذكر العذاب دل عليها (والثانى)
يجوز أن يكون ضمبر القصة، ولظى من أسماء النار. قال الليث: اللظى، اللهب الخالص ، يقال :
لظت الار تلظى لظى، وتلظت تلظياً، ومنه قوله ( ناراً تلظى) ولظى علم النار منقول من اللظى ،
وهو معراة لا ينصرف، فلذلك لم ينون، وقوله (نزاعة) مرفوعة، وفى سبب هذا الارتفاع
وجوه (الأول ) أن تجعل الها. فى أنها عماد، أو تجعل آظى اسم إن ، ونزاعة خبر إن ، كماأنه قيل
إنْ لفى نزاعة ( والثانى ) أن تجعل الهاء ضمير القصة، ولظى مبتدأ، ونزاعة خبراً، وتجعل الجملة
خبراً عن ضمير القصة ، والتقدير: إن القصة لظى نزاعة للشوى ( والثالث ) أن ترتفع على الذم،
والتقدير: إنها لظى وهى نزاعة للشوى ، وهذا قول الأخفش والفراء والزجاج . وأما قراءة
النصب ففيها ثلاثة أوجه (أحدها) قال الزجاج: إنها حال مؤكدة، كما قال (هو الحق مصدقاً)
وكما يقول: أنا زيد معروفاً، اعترض أبو على الفارسى على هذا وقال: حمله على الحال بعيد، لأنه
فيس فى الكلام ما يعمل فى الحال، فإن قلت فى قوله ( لظى) معنى التلظى والتلهب، فهذا
لا يستقيم، لأن لظى اسم علم لماهية مخصوصة، والماهية لا يمكن تقبيدها بالأحوال، إنما الذى
يمكن تقييده بالأحوال هو الأفعال ، فلا يمكن أن يقال: رجلاحال كونه عالماً، ويمكن أن يقال
رأيت رجلا حال كونه عالماً ( وثانيها) أن تكون لظى اسماً لنار تلظى تلظياً شديداً، فيكون هذا
الفعل ناصباً، لقوله (نزاعة) (وثالثها) أن تكون منصوبة على الاختصاص، والتقدير: إنها لظى
أعنيها نزاعة للشوى ، ولم تمنع.
المسألة الثالثة﴾ (الشوى) الأطراف، وهى اليدان والرجلان، ويقال اللرامى: إذا لم
يصب المقتل أشوى، أى أصاب الشوى، والشوى أيضاً جلد الرأس، واحدتها شواة. ومنه
قول الأعشى :

١٢٨
قوله تعالى : تدعوا من أدبر . سورة المعارج .
تَدْعُواْ مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (٢) وَبَعَ فَأَوْعَىّ (٨) إِنَّ الْإِنسَنَ خُلِقَ هَلُوءً
قالت فتيلة ماله قد جللت شيباً شواته
هذاقول أهل اللغة، قال مقاتل تنزع النار الهامة والأطراف فلا تترك لحاولا جلداً إلا أحرقته،
وقال سعيد بن جبير: العصب والعقب ولحم الساقين واليدين ، وقال ثابت البنانى: لمكارم وجه
بنى آدم. واعلم أن النار إذا أفنت هذه الأعضاء، فالله تعالى يعيد ها مرة أخرى، كمافال (كام) نضجت
جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب).
قوله تعالى: ﴿ تدعو من أدبر وتولى، وجمع فأوعى﴾ فيه مسألتان:
المسألة الأولى﴾ اختلفوا فى أن لظى كيف تدعو الكافر، فذكروا وجوهاً (أحدما)
انها تدعوهم بلسان الحال كما قيل: سل الأرض من أشق أهارك، وغرس أشجارك؟ فإن لم تجبك
جزاراً ، أجابتك اعتباراً. فههنا لما كان مرجع كل واحد من الكفار إلى زاوية من زوايا جهنم،
كان تلك المواضع تدعوهم وتحضرهم (وثانيها) أن الله تعالى يخلق الكلام فى جرم النار حتى تقول
صريحاً : إلى يا كافر ، إلى يامنافق، ثم تلتقطهم النقاط الحب (وثالثها) المراد أن زبانية النار ، يدعون
فأضيف ذلك الدعاء إلى النار بحذف المضاف (ورابعها) تدعو تهلك من قول العرب دعاك اللّه أى
أهلكك، وقوله (من أدبر وتولى) يعنى من أدبر عن الطاعة وتولى عن الإيمان (وجمع) المال (فأوعى)
أى جعله فى وعاء وكنزه، ولم يؤد الزكاة والحقوق الواجبة فيها فقوله (أدبر وتولى) إشارة إلى
الإعراض عن معرفة الله وطاعته، وقوله ( وجمع فأوعى) إشارة إلى حب الدنيا ، جمع إشارة
إلى الحرص، وأوعى إشارة إلى الأمل ، ولا شك أن مجامع آفات الدين ليست إلا هذه.
قوله تعالى : ﴿ إن الانسان خلق ملوعا ﴾ فيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ قال بعضهم المراد بالإنسان ههنا الكافر، وقال آخرون بل هو على عمومه،
بدليل أنه استثنى منه إلا المصلين .
المسألة الثانية﴾ يقال هلع الرجل يبلع هلعاً وهلاءاً فهو هالع وهلوع، وهو شدة الحرص
وقلة الصبر، يقال جاع فهلع، وقال الفراء: الهلوع الضجور، وقال المبرد: الهلع الضجر، يقال نعوذ
بالله من الهلع عند منازلة الأقران، وعن أحمد بن يحيى، قال لى محمد بن عبد الله بن طاهر، ما الهلع؟
فقلت قد فسره الله، ولا تفسير أبين من تفسيره، هو الذى إذا ناله شر أظهر شدة الجزع، وإذا
ناله خير بخل ومنعه الناس .
﴿ المسألة الثالثة﴾ قال القاضى قوله تعالى: (إن الإنسان خلق هلوعاً) نظير لقوله ( خلق
الإنسان من مجمل) وليس المراد أنه مخلوق على هذا الوصف ، والدليل عليه أن الله تعالى ذمه عليه
والله تعالى لا يذم فعله، ولأنه تعالى استثنى المؤمنين الذين جاهدوا أنفسهم فى ترك هذه الخصلة

١٢٩
قوله تعالى : وإذا مسه الشر جروعاً . سورة المعارج .
إِذَا مَسَّهُ الشَّرْ جُوعًا (٥﴾ وَ إِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٣٨) إِلَّ الْمُصَلِّينَ (*) الَّذِينَ
◌ُمْ عَى صَلاتِمْ دَآ ئِمُونَ (
المذمومة ، ولو كانت هذه الخصلة ضرورية حاصلة بخلق الله تعالى لما قدروا على تركها. واعلم أن
الهلع لفظ واقع على أمرين : (أحدهما) الحالة النفسانية التى لأجلها يقدم الإنسان على إظهار
الجزع والتضرع (والثانى) تلك الأفعال الظاهرة من القول والفعل الدالة على تلك الحالة النفسانية،
أما تلك الحالة النفسانية فلاشك أنها تحدث بخلق الله تعالى، لأن من خلقت نفسه على تلك الحالة
لا يمكنه إزالة تلك الحالة من نفسه، ومن خلق شجاعا بطلا لا يمكنه إزالة تلك الحالة عن نفسه بل
الأفعال الظاهرة من القول والفعل يمكنه تركها والإقدام عليها فهى أمور اختيارية ، أما الحالة
النفسانية التى هى الهلع فى الحقيقة فهى مخلوقة على سبيل الاضطرار .
قوله تعالى: ﴿إذا مسه الشر جزوعاً وإذا مسه الخير منوعاً ﴾ المراد من الشر والخير الفقر
والغنى أو المرض والصحة ، فالمعنى أنه إذا صار فقيراً أو مريضاً أخذ فى الجزع والشكاية ، وإذا
صار غنياً أو صحيحاً أخذ فى منع المعروف وشج بماله ولم يلتفت إلى الناس ، فإن قيل حاصل هذا
الكلام أنه نفور عن المضار طالب الراحة، وهذا هو اللائق بالعقل فلم ذمه اللّه عليه ؟ قلنا إنما
ذمه عليه لأنه قاصر النظر على الأحوال الجسمانية العاجلة ، وكان من الواجب عليه أن يكون
مشغولا بأحوال الآخرة، فإذا وقع فى مرض أو فقر وعلم أنه فعل الله تعالى كان راضياًبه، لعلمه
أن الله يفعل مايشاء ويحكم مايريد، وإذا وجد المال والصحة صرفهما إلى طلب السعادات الآخروية،
واعلم أن استثنى من هذه الحالة المذكورة المذمومة من كان موصوفاً بثمانية أشياء:
أولها - قوله ﴿إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون﴾ فإن قيل قال (على صلاتهم دائمون)
ثم (على صلاتهم يحافظون) قلنا معنى دوامهم عليها أن لا يتركوها فى شىء من الأوقات ومحافظتهم عليها
ترجع إلى الاهتمام بحالها حتى يؤتى بها على أكمل الوجوه، وهذا الاهتمام إنما يحصل تارة
بأمور سابقة على الصلاة وتارة بأمور لاحقة بها، وتارة بأمور متراخية عنها ، أما الأمور السابقة
فهو أن يكون قبل دخول وقتها متعلق القلب بدخول أوقانها ، ومتعلق بالوضوء ، وستر العورة
وطلب القبلة ، ووجدان الثوب والمكان الطاهرين ، والإتيان بالصلاة فى الجماعة ، وفى المساجد
المباركة ، وأن يجتهد قبل الدخول فى الصلاة فى تفريغ القلب عن الوساوس والإلتفات إلى ماسوى
الله تعالى، وأن يبالغ فى الاحتراز عن الرياء والسمعة، وأما الأمور المقارنة فهو أن لا يلتفت
يميناً ولا شمالا، وأن يكون حاضر القلب عند القراءة، فاهما للأذكار، مطلعاً على حكم الصلاة، وأما
الأمور المتراخية فهى أن لا يشتغل بعد إقامة الصلاة باللغو واللهو واللعب، وأن يحترز كل
الفخر الرازي - ج ٣٠ م ٩

١٣٠
قوله تعالى : والذين في أموالهم حق معلوم . سورة المعارج ،
وَالَّذِينَ فِى أَمْوَّهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ (٤) لِلسَّابِلِ وَالْمَخْرُوِمِثْ وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ
الّذِينِ ﴿ وَالَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابٍ رَيِّهِم مُشْفِقُونَ (﴾ إِنَّ عَذَابَ رَبِهِمْ غَيْرٌ مَأْمُونٍ
وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوِهِمْ حَفِظُونَ ﴿ إِلَّ عَ أَزْوَجِهِمْ أَوْ مَامَلَكَتْ أَعْمَُهُمْ
فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (﴿ فَمَنِ أَبْتَغَى وَرَآءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُ الْعَادُونَ.
الاحتراز عن الإتيان بعدها بشىء من المعاصى .
وثانيها: قوله تعالى: ﴿والذين فى أموالهم حق معلوم، للسائل والمحروم﴾ اختلفوا فى الحق
المعلوم: فقال ابن عباس والحسن وابن سيرين، إنه الزكاة المفروضة، قال ابن عباس ، من أدى
زكاة ماله فلا جناح عليه أن لا يتصدق ، قالوا والدليل على أن المراد به الزكاة المفروضة وجهان :
(الأول ) أن الحق المعلوم المقدر هو الزكاة ، أما الصدقة فهى غير مقدرة ( الثانى) وهو أنه تعالى
ذكر هذا على سبيل الاستثناء من ذمه، فدل على أن الذى لا يعطى هذا الحق يكون مذموماً، ولا
حق على هذه الصفة إلا الزكاة ، وقال آخرون ، هذا الحق سوى الزكاة ، وهو يكون على طريق
الندب والاستحباب، وهذا قول مجاهد وعطاء والنخعى. وقوله (للسائل) يعنى الذى يسأل و(المحروم)
الذى يتعفف عن السؤال فيحسب غنياً فيحرم .
وثالثها - قوله ﴿ والذين يصدقون بيوم الدين﴾ أى يؤمنون بالبعث والحشر.
ورابعها - قوله ﴿والذين هم من عذاب ربهم مشفقون﴾ والإشفاق يكون من أمرين، إما
الخوف من ترك الواجبات أو الخوف من الإقدام على المحظورات، وهذا كقوله (والذين يؤتون
ما آتوا وقلوبهم وجلة) وكقوله سبحانه (الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم) ومن يدوم به
الخوف والإشفاق فيما كلف يكون حذراً من التقصير حريصاً على القيام بما كلف به من علم وعمل .
ثم إنه تعالى أكد ذلك الخوف فقال ﴿إن عذاب ربهم غير مأمون) والمراد أن الإنسان
لا يمكنه القطع بأنه أدى الواجبات كما ينبغى، واللهرز عن المحظورات بالكلية، بل يجوز أن يكون
قد وقع منه تقصير فى شىء من ذلك ، فلا جرم يكون خائفاً أبد.
وخامسها - قوله تعالى: ﴿والذين هم لفروجهم حافظون، إلا على أزواجهم أوما ملكت
أيمانهم فإنهم غير ملومين ، فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون ﴾.

قوله تعالى: والذين هم لأماناتهم وعهدهم . سورة المعارج : ١٣١
وَالَّذِيْنَ هُمْ لِأَمَنِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَعُونَ (﴾ وَالَّذِينَ هُم ◌ِشَ تِمْ قَائِمُونَ
وَالَّذِينَ هُمْ عَى صَلَِّمْ يُحَافِظُونَ (2َ أُوْلَكَ فِى جَنَّتِ مُكَمُونَ
٣٥
قَالِ الَّذِينَ كَفَرُواْ قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (٦) عَنِ اَلْيَمِينِ وَعَنِ الشَِّالِ عِينَ (٣)
وقد مر تفسيره فى سورة المؤمنين .
وسادسها - قوله ﴿والذين هم لأماناتهم وعهدهم راءون﴾ وقد تقدم تفسيره أيضاً.
وسابعها - قوله ﴿والذين هم بشهاداتهم قائمون) قرىء بشهادتهم وبشهاداتهم، قال الواحدى
والإفراد أولى لأنه مصدر فيفرد كما تفرد المصادر وإن أضيف لجمع كقوله لصوت الخميز . ومن
جمع ذهب إلى اختلاف الشهادات، وكثرت ضروبها حسن الجمع من جهة الاختلاف، وأكثر
المفسرين قالوا يعنى الشهادات عند الحكام يقومون بها بالحق، ولا يكتمونها وهذه الشهادات
من جملة الأمانات إلا أنه تعالى خصهامن بينها إبانة لفضلها لأن فى إقامتها إحياء الحقوق وفى تركها .
إبطالها وتضييعها ، وروى عطاء عن ابن عباس قال يريد الشهادة بأن الله واحد لاشريك له.
وثامنها - قوله ﴿ والذين هم على صلاتهم يحافظون﴾ وقد تقدم تفسيره،
ثم وعد هؤلاء وقال ﴿ أولئك فى جنات مكرمون﴾.
ثم ذكر بعده ما يتعلق بالكفار، فقال ﴿فما للذين كفروا قبلك مهطعين ﴾ المقطع المسرع
وقيل الماد عنقه، وأنشدوا فيه :
بمكة مهطعين إلى السماع
مكة أهلها ولقد أرام
والوجهان متقاربان ، روى أن المشركين كانوا يحتفون حول التى، صلى الله عليه وسلم حلقاً
حلقاً وفرقاً فرقاً يستمعون ويستهزئون بكلامه، ويقولون : إذا دخل هؤلاء الجنة كما يقول محمد
فلندخلنها قبلهم ، فنزلت هذه الآية فقوله (مهطعين) أى مسرعين نحوك مادين أعناقهم إليك مقبلين
بأبصارهم عليك ، وقال أبو مسلم ظاهر الآية يدل على أنهم هم المنافقون ، فهم الذين كانوا عنده
وإسراعهم المذكور هو الإسراع فى الكفر كقوله ( لا يحزنك الذين يسارعون فى الكفر).
ثم قال ﴿ عن اليمين وعن الشمال عزين ﴾ وذلك لأنهم كانوا عن يمينه وعن شماله مجتمعين ،
ومعنى ( عزين ) جماعات فى تفرقة واحدها عزة، وهى العصبة من الناس، قال الأزهری وأصلها
من قولهم عزا فلان نفسه إلى بنى فلان يعزوها عزواً إذا انتهى إليهم ، والإسم العزوه وكان العزة

١٣٢
قوله تعالى : أيطمع كل امرىء منهم . سورة المعارج .
أَيَطْمَعُ كُلُّ أَمْرٍِ مِنْهُمْ أَن يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعٍِ (﴾ ◌ََّ إِنَّا خَلَقْتَهُمْ فَِّّا يَعْلَمُونَ
،فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَرِقِ وَالْمَغَرِبِ إِنَّالَقَِرُونُ (٤) عَلَى أَنْ تُبَدِّلَ خَبْرًا مِنْهُمْ
وَمَا تَحْنُ بِسْبُوِنَ (٨٦) فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُوْ خَتَّى يَُقُواْ يَوْمَهُمُ الَّذِى يُوعَدُونَ
كل جماعة اعتزوها إلى أمر واحد ، واعلم أن هذا من المنقوص الذى جاز جمعه بالواو والنون
عوضاً من المحذوف وأصلها عزوة ، والكلام فى هذه كالكلام فى عضین و قد تقدم ، وقيل كان
المستهزئون خمسة أرهط .
ثم قال ﴿أيطمع كل امرىء منهم أن يدخل جنة نعيم﴾ والنعيم ضد البؤس، والمعنى أيطمع
كل رجل منهم أن يدخل جنتى كما يدخلها المسلمون .
ثم قال ﴿ كلا﴾ وهو ردع لهم عن ذلك الطمع الفاسد.
ثم قال ﴿ إنا خلقناهم ما يعلمون﴾ وفيه مسألتان .
المسألة الأولى﴾ الغرض من هذا الاستدلال على صحة البعث، كأنه قال لما قدرت على أن
أخلقكم من النطفة ، وجب أن أكون قادراً على بعثكم .
﴿ المسألة الثانية﴾ ذكروا فى تعلق هذه الآية بما قبلها وجوهاً (أحدها) أنه لما احتج على
صحة البعث دل على أنهم كانوا منكرين للبعث ، فكأنه قيل لهم كلا إنكم منكرون للبعث، فمن أين
تطمعون فى دخول الجنة (وثانيها) أن المستهزئين كانوا يستحقرون المؤمنين ، فقال تعالى هؤلاء
المستهزئون مخلوقون ما خلقوا، فكيف يليق بهم هذا الاحتقار (وثالثها) أنهم مخلوقون من هذه
الأشياءالقذرة، فلو لم يتصفوا بالإيمان والمعرفة، فكيف يليق بالحكيم إدخالهم الجنة.
ثم قال ﴿ فلا أقسم برب المشارق والمغارب، إنا لقادرون، على أن نبدل خيراً منهم وما نحن
بمسبوقين، فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى بلاقوا يومهم الذى يوعدون﴾ .
يعنى مشرق كل يوم من السنة ومغربه أو مشرق كل كوكب ومغربه، أو المراد بالمشرق ظهور
دعوة كل نبى وبالمغرب موته أو المراد أنواع الهدايات والخذلانات (إنا لقادرون على أن نبدل
خيراً منهم وما نحن بمسبوقين) وهو مفسر فى قوله ( وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم)
وقوله ﴿فذرهم يخوضوا﴾ مفسر فى آخر سورة والطور، واختلفوا فى أن ما وصف الله نفسه
بالقدرة عليه من ذلك هل خرج إلى الفعل أم لا ؟ فقال بعضهم بدل الله بهم الأنصار والمهاجرين

١٣٣
قوله تعالى : يوم يخرجون من الأحداث . سورة المعارج .
يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاءَ كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبِ يُوِضُونَ (٤٢) خَشِعَةً
أَبْصَُهُمْ تَرْهَقُّهُمْ زِلَةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِى كَانُواْ يُوعَدُونَ (
٤٤
فان حالتهم فى نصرة الرسول مشهورة ، وقال آخرون بل بدل الله كفر بعضهم بالإيمان، وقال
بعضهم لم يقع هذا التبديل ، فانهم أوأكثرهم بقوا على جملة كفرهم إلى أن ماتوا، وإنما كان يصح
وقوع التبديل بهم لو أهلكوا، لأن مراده تعالى بقوله ( إنا لقادرون على أن نبدل خيراً منهم)
بطريق الإهلاك ، فإذا لم يحصل ذلك فكيف يحكم بأن ذلك قد وقع، وإنما هدد تعالى القوم
بذلك لكى يؤمنوا .
ثم ذكر تعالى ذلك اليوم الذى تقدم ذكره فقال ﴿يوم يخرجون من الأجداث سراعا﴾
وهو كقوله ( فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون).
قوله تعالى : ﴿ كانهم إلى نصب يوفضون، خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة ذلك اليوم الذى كانوا
یوعدون
اعلم أن فى (نصب) ثلاث قراءات (احداها) وهى قراءة الجمهور نصب بفتح النون والنصب
كل شىء نصب والمعنى كأنهم إلى علم لهم يستبقون (والقراءة الثانية ) نصب بضم النون وسكون
الصاد وفيه وجهان (أحدهما) النصب والنصب لغتان مثل الضعف والضعف (وثانيهما) أن يكون
جمع نصب كشقف جمع شقف (والقراءة الثالثة ) ( نصب ) بضم النون والصاد ، وفيه وجهان
(أحدهما) أن يكون النصب والنصب كلاهما يكونان جمع نصب كاسد وأسد جمع أسد
(وثانيهما) أن يكون المراد من النصب الأنصاب وهى الأشياء التى تنصب فتعبد من دون الله
كقوله ( وما ذيح على النصب ) وقوله ( يوفضون) يسرعون، ومعنى الآية على هذا الوجه أنهم
يوم يخرجون من الأجداث يسرعون إلى الداعى مستبقين كما كانوا يستبقون إلى أنصارهم ، وبقية
السورة معلومة، والله سبحانه وتعالى أعلم. والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام: نبيه محمد
وعلى آله وصحبه أجمعين .

١٣٤
سورة نوح عليه السلام
(٧١) سُورة نوح مَكِيَّة
وَإِيَأْتُهَا ثَانِ وَغْشِرُونَ
-١
بِسْـ
إِنَّ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ، أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْنِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
قَالَ يَقَّوْمِ إِنَّى لَكُمْ نَذِيْرٌ مُبِينُ (٣) أَنِ أَعْبُدُواْاللّهَ وَتَّقُرُ وَأَطِيعُونِ (
٣
يَغْفِرْ لَحُ مِّنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَنّْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى إِنَّ أَجَلَ اللهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَّهُ
لَوْكُنتُمْ تَعْلُونَ (@
بسم الله الرحمن الرحيم
{ إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك﴾ فى قوله أن وجهان (أحدهما) أصله بأن أنذر
حذف الجار وأوصل الفعل ، والمعنى أرسلناه بأن قلنا له أنذر أى أرسلناه بالأمر بالإنذار
الثانى قال الزجاج، يجوز أن تكون مفسرة، والتقدير: إنا أرسلنا نوحاً إلى قومه أى أنذر قومك
وقرأ ابن مسعود، أنذر بغير أن على إرادة القول .
ثم قال ﴿ من قبل أن يأتيهم عذاب أليم) قال مقاتل يعنى الغرق بالطوفان.
واعلم أن الله تعالى لما أمره بذلك امتثل ذلك الأمر، و(قال يا قوم إنى لكم نذير مبين) .
ثم قال ﴿أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى
إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون﴾ أن اعبدوا هو نظير أن أنذر فى الوجهين ، ثم
إنه أمر القوم بثلاثة أشياء بعبادة الله وتقواه وطاعة نفسه، فالأمر بالعبادة يتناول جميع الواجبات
والمتدوبات من أفعال القلوب وأفعال الجوارح، والأمر بتقواه يتناول الزجر عن جميع المحظورات
والمكروهات، وقوله ( وأطيعون) يتناول أمرهم بطاعته وجميع المأمورات والمنهيات، وهذا
وإن كان داخلا فى الأمر بعبادة الله وتقواه، إلا أنه خصه بالذكر تأ كيداً فى ذلك التكليف ومبالغة
فى تقريره، ثم إنه تعالى لما كلفهم بهذه الأشياء الثلاثة وعدم عليها بشيئين (أحدهما) أن يزيل
مضار الآخرة عنهم ، وهو قوله (يغفر لكم من ذنوبكم) . (الثانى ) يزيل عنهم مضار الدنيا بقدر
الإمكان ، وذلك بأن يؤخر أجلهم إلى أقصى الإمكان. وههنا سؤلات:

١٣٥
قوله تعالى : قال رب إني دعوت قومي . سورة نوح .
قَالَ رَبٍ إِىِ دَعَوْتُ قَوْمِ لَيْلًا وَنَهَارًا (ْ فَلَمْ ◌َزِدُهُمْ دُعَاءِّ إِلَّ فِرَارًا يٌ
( السؤال الأول ) ما فائدة من فى قوله ( ينفر لكم من ذنوبكم)؟ (والجواب) من وجوه
(أحدها) أنها صلة زائدة والتقدير يغفر لكم ذنوبكم ( والثانى) أن غفران الذنب هو أن لايؤاخذ
به ، فلو قال : يغفر لكم ذنوبكم، لكان معناه أن لا يؤاخذ كم بمجموع ذنوبكم، وعدم المؤاخذة
بالمجموع لا يوجب عدم المؤاخذة بكل واحد من آحاد المجموع، فله أن يقول لا أطالبك بمجموع
ذنوبك ، ولكنى أطالبك بهذا الذنب الواحد فقط، أما لما قال (يغفر لكم من ذنوبكم) كان تقديره
يغفر كل ماكان من ذنوبكم، وهذا يقتضى عدم المؤاخذة على مجموع الذنوب وعدم المؤاخذة أيضاً
على كل فرد من أفراد المجموع (الثالث) أن قوله ( يغفر لكم من ذنوبكم) هب أنه يقتضى التبعيض
لكنه حتى لأن من آمن فإنه يصير ما تقدم من ذنوبه على إيمانه مغفوراً، أما ما تأخر عنه فإنه
لا يصير بذلك السبب مغفوراً، فثبت أنه لا بذ ههنا من حرف التبعيض.
﴿السؤال الثانى) كيف قال ويؤخركم مع إخباره بامتناع تأخير الأجل، وهل هذا إلا تناقض؟
(الجواب) قضى الله مثلا أن قوم نوح إن آمنوا عمرهم الله ألف سنة، وإن بقوا على كفرثم
أهلكهم على رأس تسعمائة سنة، فقيل لهم آمنوا ( يؤخركم إلى أجل مسمى) أى إلى وقت سماه الله
وجعله غاية الطول فى العمر، وهو تمام الألف ، ثم أخبر أنه إذا انقضى ذلك الأجل الأطول،
لابد من الموت .
﴿السؤال الثالث﴾ ما الفائده فى قوله لو كنتم تعلمون؟ ( الجواب) الغرض الزجر عن حب
الدنيا، وعن التهالك عليها والإعراض عن الدين بسبب حبها ، يعنى أن غلوهم فى حب الدنيا وطلب
لذاتها بلغ إلى حيث يدل على أنهم شاكون فى الموت .
قوله تعالى : ﴿ قال رب إنى دعوت قومى ليلا ونهاراً فلم يزدهم دعائى إلا فراراً
إعلم أن هذا من الآيات الدالة على أن جميع الحوادث بقضاء الله وقدره، وذلك لأنا نرى إنسانين
يسمعان دعوة الرسول فى مجلس واحد بلفظ واحد ، فيصير ذلك الكلام فى حق أحدهما سياً
الحصول الهداية، والميل والرغبة ، وفى حق الثانى سبباً لمزيد العتو والتكبر، ونهاية النفرة، وليس
لأحدأن يقول إن تلك النفرة والرغبة حصلتا باختيار المكلف ، فإن هذا مكابرة فى المحسوس ، فإن
صاحب النفرة يجد قلبه كالمضطر إلى تلك النفرة وصاحب الرغبة يجد قلبه كالمضطر إلى تلك الرغبة ،
ومتى حصلت تلك النفرة وجب أن يحصلُ عقيبه التمرد والإعراض ، وإن حصلت الرغبة وجب
أن يحصل عقيبه الانقياد والطاعة ، فعدنا أن إفضاء سماع تلك الدعوة فى حق أحدهما إلى الرغبة
المستلزمة لحصول الطاعة والانقياد . وفى حق الثانى إلى النفرة المستلزمة لحصول التمرد والعصيان
لا يكون إلا بقضاء الله وقدره، فإن قيل هب أن حصول النفرة والرغبة ليس باختياره، لكن حصول

قوله تعالى : وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم . سورة نوح .
وَإِى كُلََّ دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُواْ أَصَِْعَهُمْ فِى ءَ اذَاتِهِمْ وَأَسْتَغْشَوْاْثِيَابَهُمْ
وَأَصُرُواْ وَاسْتَكْبَرُواْ أَسْتِكْبَارًاً (٥) ثُمَّ إِى دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (ي ثُمَّإِى أَعْلَنْتُ لَهُمْ
وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًاً
العصيان عند النفرة يكون باختياره ، فإن العبد متمكن مع تلك النفرة أن ينقاد ويطيع ، قلنا إنه لو
حصلت النفرة غير معارضة بوجه من وجوه الرغبة بل خالصة عن جميع شوائب الرغبة امتنع أن
يحصل معه الفعل، وذلك لأنه عند ما تحصل النفرة والرغبة لم يحصل الفعل البتة ، فعند حصول
النفرة انضم إلى عدم المقتضى وجود المانع ، فبأن يصير الفعل ممتنعاً أولى، فثبت أن هذه
الآية من أقوى الدلائل على القضاء والقدر .
ثم قال تعالى ﴿وإنى كلما دعوتهم لتغفر لهم﴾.
اعلم أن نوحاً عليه السلام إنما دعاهم إلى العبادة والتقوى والطاعة، لأجل أن يغفر لهم ، فإن
المقصود الأول هو حصول المغفرة، وأما الطاعة فهى إنما طلبت ليتوسل بها إلى تحصيل المغفرة،
ولذلك لما أمرهم بالعبادة قال (يغفر لكم من ذنوبكم) فلما كان المطلوب الأول من الدعوة
حصول المغفرة، لا جرم قال (وإنى كلما دعوتهم لتغفر لهم) واعلم أنه عليه السلام لما دعاهم
عاملوه بأشياء :
- (أولها ) قوله ﴿ جعلوا أصابعهم فى آذانهم ﴾ والمعنى أنهم بلغوا فى التقليد إلى حيث جعلوا
أصابعهم فى آذانهم لئلا يسمعوا الحجة والبينة .
(وثانيها) قوله ﴿واستغشرا ثيابهم) أى تغطوا بها، إما لأجل أن لا يبصروا وجهه، كأنهم
لم يجوزوا أن يسمعوا كلامه، ولا أن يروا وجهه. وإما لأجل المبالغة فى أن لا يسمعوا، فإنهم
إذا جعلوا أصابعهم فى آذانهم ، ثم استغشوا ثيابهم مع ذلك ، صار المانع من السماع أقوى.
(وثالثها) قوله ﴿وأصروا﴾ والمعنى أنهم أصروا على مذهبهم، أو على إعراضهم عن سماع
دعوة الحق .
( ورابعها) قوله ﴿واستكبروا استكباراً﴾ أى عظيما بالغاً إلى النهاية القصوى.
ثم قال تعالى ﴿ثم إنى دعوتهم جهاراً، ثم إنى أعلنت لهم وأسررت لهم إسراراً﴾.
واعلم أن هذه الآيات تدل على أن مراتب دعوته كانت ثلاثة ، فبدأ بالمناصحة فى السر ، فعاملوه
بالأمور الأربعة، ثم فى بالمجاهرة، فلما لم يؤثر جمع بين الإعلان والإسرار، وكلمة ( ثم ) دالة
على تراخى بعض هذه المراتب عن بعض إما بحسب الزمان ، أو بحسب الرتبة ، لأن الجهار أغلظ

١٣٧
قوله تعالى : فقلت استغفروا ربكم . سورة نوح .
فَقُلْتُ أَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ عِفَّارًا
من الإسرار ، والجمع بين الإسرار والجهار أغلظ من الجهار وحده ، فإن قيل بم انتصب جهاراً ؟
قلنا فيه وجوه (أحدها) أنه منصوب بدعو هم نصب المصدر، لأن الدعاء أحد نوعيه الجهار ،
فنصب به نصب القرفصاء بقعد لكونها أحد أنواع القعود ( وثانيها) أنه أريد بدعوتهم جاهرتهم
( وثائها ) أن يكون صفة لمصدر دعا ، بمعنى دعاء جهاراً، أى مجاهراً به (ورابعها) أن يكون
مصدراً فى موضع الحال ، أى مجاهراً .
قوله تعالى: ﴿ فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفاراً﴾ قال مقاتل: إن قوم نوح لما كذبوه
رماناً طويلا حبس الله عنهم المطر، وأعقم أرحام ندائهم أربعين سنة، فرجعوا فيه إلى نوح ،
فقال نوح : استغفروا ربكم من الشرك حتى يفتح عليكم أبواب نعمه .
واعلم أن الاشتغال بالطاعة سبب لانفتاح أبوب الخيرات ، ويدل عليه وجوه (أحدها )
أن الكفر سبب لخراب العالم على ما قال فى كفر النصارى ( تكاد السموات يتفطرن منه ، وتنشق
الأرض وتخر الجبال هداً، أن دعو للرحمن ولداً) فلما كان الكفر سبباً لخراب العالم ، وجب أن
يكون الإيمان سبباً لعمارة العالم ( وثانيها) الآيات منها هذه الآية، ومنها قوله ( ولو أن أهل
القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات، ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من
ربهم لأكلوا من فوقهم ، وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماءاً غدقاً، ومن يتق الله يجعل
له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب ، وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقاً نحن
نرزقك) ( وثالثها) أنه تعالى قال ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) فإذا اشتغلوا بتحصيل
المقصود حصل ما يحتاج إليه فى الدنيا على سبيل التبعية (ورابعها) أن عمر خرج يستقى فما زاد
على الاستغفار ، فقيل له: مارأيناك استسقيت، فقال: لقد استسقيت بمجاديح السماء. المجدح
ثلاثة كواكب مخصوصة، وزوءه يكون عزيزاً شبه عمر الاستغفاراً بالأنواء الصادقة التى لا تخطى.،
وعن بكر بن عبد الله: أن أكثر الناس ذنوباً أملهم استغفاراً، وأكثره استغفاراً أملهم ذنوباً،
وعن الحسن: أن رجلا شكا إليه الجدب، فقال استغفر الله، وشكا إليه آخر الفقر، وآخر قلة
النسل، وآخر قلة ريع أرضه، فأمرهم كلهم بالاستغفار ، فقال له بعض القوم: أتاك رجال
يشكون إنك أنواعاً من الحاجة، فأمرتهم كلهم بالاستغفار، فتلا له الآية. وههنا سؤالات:
( الأول) أن نوحاً عليه السلام، أمر الكفار قبل هذه الآية، بالعبادة والتقوى والطاعة،
فأى فائدة فى أن أمرهم بعد ذلك بالاستغفار ؟ (الجواب) أنه لما أمرهم بالعبادة قالوا له : إن
كان الدين القديم الذى كنا عليه حقاً فلم تأمرنا بتركه ، وإن كان باطلا فكيف يقبلنا بعدأن

١٣٨
قوله تعالى : يرسل السماء عليكم مدراراً . سورة نوح .
يُرْسِلِ السَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارً (٨﴾ وَيُحْدِدْكُ بِأَمْوَلٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل ◌َّكُمْ
جَّتٍ وَيَجْعَل ◌َّكُمْ أَنْهَرًا (١٦) مَّالَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلّهِ وَقَارًا
١٣
عصيناه، فقال نوح عليه السلام: إنكم وإن كنتم عصيتموه ولكن استغفروه من تلك الذنوب،
فإنه سبحانه كان غفاراً .
﴿ السؤال الثانى) لم قال إنه كان غفاراً، ولم يقل إنه غفار؟ قلنا المراد: إنه كان غفاراً
فى حق كل من استغفروه كأنه يقول لانظنوا أن غفاريته إنما حدثت الآن ، بل هو أبداً هكذا
كان ، فكان هذا هو حرفته وصنعته .
قوله تعالى: ﴿يرسل السماء عليكم مدراراً، ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل
لكم أنهاراً ﴾.
واعلم أن الخلق مجبولون على محبة الخيرات العاجلة، ولذلك قال تعالى (وأخرى تحبونها نصر
من الله وفتح قريب) فلا جرم أعلمهم الله تعالى ههنا أن إيمانهم بالله يجمع لهم مع الحظ الوافر
فى الآخرة الخصب والغنى فى الدنيا .
والأشياء التى وعدهم من منافع الدنيا فى هذه الآية خمسة (أولها) قوله (يرسل السماء عليكم
مدراراً) وفى السماء وجوه: (أحدها) أن المطر منها ينزل إلى السحاب (وثانيها) أن يراد بالسماء
السحاب ( وثالثها) أن يراد بالسماء المطر من قوله :
إذا نزل السماء بأرض قوم [رعيناه وإن كانوا غضابا]
والمدرار الكثير الدرور، ومفعال مما يستوى فيه المذكر والمؤنث، كقولهم رجل أوامرأة
معطار ومثقال (وثانيها) قوله ( ويمددكم بأموال) وهذا لا يختص بنوع واحد من المال بل يعم
الكل (وثالثها ) قوله ( وبنين) ولا شك أن ذلك ما يميل الطبع إليه (ورابعها) قوله ( ويجعل
لكم جنات) أى بساتين (وخامسها) قوله ( ويجعل لكم) أنهاراً .
ثم قال ﴿ مالكم لا تر جون لله وقاراً﴾ وفيه قولان: (الأول) أن الرجاء ههنا بمعنى الخوف،
ومنه قول الهذلى :
إذا لسعته النحل لم يرج اسعها
والوقار العظمة والتوقير التعظيم، ومنه قوله تعالى ( وتوقرُوه) بمعنى ما بالكم لا تخافون لله
عظمة . وهذا القول عندى غير جائز، لأن الرجاء ضد الخوف فى اللغة المتواترة الظاهرة، فلو قلنا إن
لفظة الرجاء فى اللغة موضوعة بمعنى الخوف لكان ذلك ترجيحاً للرواية الثابتة بالآحاد على الرواية

١٣٩
قوله تعالى : وقد خلقكم أطواراً . سورة نوح .
وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٢) أَلَمْ تَرَوْ كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَوَتِ طِبَاقًا
،وَجَعَلَ اٌلْقَمَرَ فِهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (٨)
١٥
المنقولة بالتواز وهذا يفضى إلى القدح فى القرآن ، فإنه لا لفظ فيه إلا ويمكن جعل نفيه إثباتاً
وإثباته نفياً بهذا الطريق ( الوجه الثانى) ما ذكره صاحب الكشاف وهو أن المعنى (مالك)
لا تأملون لله توفيراً أى تعظيما، والمعنى (مالكم) لا تكونوا على حال تأملون فيها تعظيم الله
إياكم و (له) بيان للموقر، ولو تأخر لكان صلة للوقار
قوله تعالى ﴿وقد خلقكم أطواراً ﴾ فى موضع الحال كأنه قال مالكم لا يؤمنون بالله، والحال
هذه وهى حال موجبة للايمان به (وقد خلقكم أطواراً) أى تارات خلقكم أولا تراباً، ثم خلقكم
نطفاً، ثم خلقكم علقاً , ثم خلفكم مضغاً، ثم خلقكم عظاماً ولجماً، ثم أنشأ كم خلقاً آخر، وعندى فيه
(وجه ثالث) وهو أن القوم كانوا يبالغون فى الاستخفاف بنوح عليه السلام فأمرهم الله تعالى
بتوفيره وترك الإستخفاف به ، فكانه قال لهم إنكم إذا وقر تم نوحاً وتر كتم الاستخفاف به كان
ذلك لأجل الله، فما لكم لاترجون وقارا وتأتون به لأجل الله ولأجل أمره وطاعته، فإن كل ما يأتى
به الإنسان لأجل الله، فانه لابد وأن يرجوا منه خيراً (ووجه رابع) وهو أن الوقار وهو
الثبات من وقر إذا ثبت واستقر، فكأنه قال (مالكم) وعند هذا تم الكلام ، ثم قال على سبيل
الاستفهام بمعنى الإنكار ( لا ترجون الله وقاراً) أى لا ترجون لله ثباتاً وبقاء، فإنكم لو رجوتم
ثباته وبقاءه الخفتموه، ولما أقدمتم على الاستخفاف برسله وأوامره، والمراد من قوله (ترجون)
أى تعتقدون لأن الراجى للشىء معتقد له .
وأعلم أنه لما أمر فى هذه الآية بتعظيم الله استدل على التوحيد بوجوه من الدلائل:
﴿ الأول) قوله (وقد خلقكم أطواراً) وفيه وجهان: (الأول) قال الليث الطورة التارة
يعنى حالا بعد حال كما ذكرنا أنه كان نطفة، ثم علقة إلى آخر التارات (الثانى) قال ابن الأنبارى
الطور الحال، والمعنى خلقكم أصنافاً مختلفين لا يشبه بعضكم بعضاً، ولما ذكر هذا الدليل من
الأنفس على التوحيد، أتبعه بذكر دليل التوحيد من الآفاق على العادة المعهودة فى كل القرآن .
(الدليل الثانى) على التوحيد قوله تعالى ﴿ ألم تروا كيف خلق الله سبع سموات طباقاً
وجعل القمر فيهن نوراً وجعل الشمس سراجاً ﴾ .
واعلم أنه تعالى تارة يبدأ بدلائل الأنفس ، وبعدها بدلائل الآفاق كما فى هذه الآية ، وذلك
لأن نفس الإنسان أقرب الأشياء إليه، فلا جرم بدأ بالأقرب ، وتارة يبدأ بدلائل الآفاق ، ثم
بدلائل الأنفس إما لأن دلائل الآفاق أبهر وأعظم، فوقعت البداية بها لهذا السبب، أو لأجل

١٤٠
قوله تعالى : والله أنبتكم من الأرض . سورة نوج .
وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِّنَ اْأَرْضِِ نَبَاتًا (هِ ثُمَّ يُعِدُ كُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِنَاجًا
١٨
أن دلائل الأنفس حاضرة، لا حاجة بالعاقل إلى التأمل فيها، إنما الذى يحتاج إلى التأمل فيه
دلائل الآفاق، لأن الشبه فيها أكثر، فلا جرم تقع البداية بها، وههنا سؤالات:
﴿ السؤال الأول) قوله ( سبع سموات طباقاً) يقتضى كون بعضها منطبقاً على البعض،
وهذا يقتضى أن لا يكون بينها فرج، فالملائكة كيف يسكنون فيها؟ (الجواب) الملائكة أرواح
فلعل المراد من كونها طباقاً كونها متوازية لا أنها متماسة .
﴿ السؤال الثانى) كيف قال (وجعل القمر فيهن نوراً) والقمر ليس فيها بأسرها بل فى
السماء الدنيا؟ (والجواب ) هذا كما يقال السلطان فى العراق ليس المراد أن ذاته حاصلة فى جميع
أحياز العراق بل إن ذاته فى حيز من جملة أحياز العراق فكذا ههنا .
﴿ السؤال الثالث) السراج ضوءه عرضى وضوء القمر عرضى متبدل فتشبيه القمر بالسراج
أولى من تشبيه الشمس به (الجواب) الليل عبارة عن ظل الأرض والشمس لما كانت سبباً لزوال
ظل الأرض كانت شبيهة بالسراج، وأيضاً فالسراج له ضوء والضوء أقوى من النور جعل الأضعف
القمر والأقوى للشمس ، ومنه قوله تعالى (هو الذى جعل الشمس ضياء والقمر نوراً).
﴿الدليل الثالث) على التوحيد قوله تعالى ﴿والله أنبتكم من الأرض نباتاً، ثم يعيد كم فيها
ويخرجكم إخراجاً ﴾.
واعلم أنه تعالى رجع ههنا إلى دلائل الأنفس وهو كالتفسير لقوله ( خلقكم أطواراً) فإنه بين
أنه تعالى خلقهم من الأرض ثم يردهم إليها ثم يخرجهم منها مرة أخرى ، أما قوله (أنبتكم من
الأرض نباتاً ) ففيه مسألتان :
المسألة الأولى﴾ فى هذه الآية وجهان (أحدهما) معنى قوله ( أنبتكم من الأرض) أى
أنبت أبا كم من الأرض كما قال ( إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب) . (والثانى)
أنه تعالى أنبت الكل من الأرض لأنه تعالى إنما يخلقنا من النطف وهى متولدة من الأغذية
المتولدة من النبات المتولد من الأرض .
المسألة الثانية) كان ينبغى أن يقال، أنبتكم إنباتاً إلا أنه لم يقل ذلك بل قال أنبتكم نباتاً،
والتقدير أنبتكم فنتم نباتاً ، وفيه دقيقة (لطيفة) وهى أنه لو قال أنبتكم إنباءاً كان المعنى أنبتكم إنباتاً
عجيباً غريباً، ولما قال أنبتكم نباتاً كان المعنى أنبتكم فنتم نباتاً عجيباً، وهذا الثانى أولى لأن الإنبات
صفة للّه تعالى وصفة الله غير محسوسة لنا، فلا نعرف أن ذلك الإنبات إنبات عجيب كامل إلا