Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
سورة التحريم
(٦٦) سُوَّرَةِ التِيّ ◌َانتْ
وَأَيَائِها اثْنَا عَشِرَة
بِسْـ
يَأَيُّهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللّهُلَهٌّ بَبْتَفِى مَرْضَاتَ أَزْوَِّكَ وَاللهُ غَفُورٌ
رَحِيمُ ﴾
بسم الله الرحمن الرحيم
يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغى مرضات أزواجك والله غفور رحيم}
أما التعلق بما قبلها ، فذلك لاشتراكهما فى الأحكام المخصوصة بالنماء، واشتراك الخطاب
بالطلاق فى أول تلك السورة مع الخطاب بالتحريم فى أول هـذه السورة لما كان الطلاق فى
الأكثر من الصور أو فى الكل كما هو مذهب البعض مشتملا على تحريم ما أحل الله، وأما الأول
بالآخر ، فلأن المذكور فى آخر تلك السورة، يدل على عظمة حضرة اللّه تعالى، كما أنه يدل على
كمال قدرته وكمال علمه، لما كان خلق السموات والأرض ومافيهما من الغرائب والعجائب مفتقراً
إليهما وعظمة الحضرة ما ينافى القدرة على تحريم ما أحل الله، ولهذا قال تعالى: (لم تحرم ما أحل
اللّه لك) واختلفوا فى الذى حرمه النبى صلى الله عليه وسلم على نفسه، قال فى الكشاف روى أنه
عليه الصلاة والسلام خلا بمارية فى يوم عائشة وعلمت بذلك حفصة، فقال لها١ كتمى على وقد
حرمت مارية على نفسى وأبشرك أن أبا بكر وعمر يملكان بعدى أمر أمتى، فأخبرت به عائشة ،
وكانتا متصادقتين، وقيل: خلا بها فى يوم حفصة، وأرضاها بذلك واستكتمها، فلم تكتم فطلقها
واعتزل نساءهٍ، ومكث تسعاً وعشرين ليلة فى بيت مارية، وروى أن عمر قال: لها لو كان فى
آل الخطاب خير لما طلفك، فنزل جبريل عليه السلام، وقال: راجعها فإنها صوامة قوامة وإنها
من نسائك فى الجنة، وروى أنه ما طلقها وإنما نوه بطلاقها، وروى أنه عليه الصلاة والسلام
شرب عسلا فى بيت زينب بنت جحش فتواطأت عائشة وحفصة ، فقالنا له إنا نشم منك ريح
المغافير ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره التفل محرم العسل، فمعناه (لم تحرم ما أحل
الله لك) من ملك اليمين، أو من العسل، والأول قول الحسن ومجاهد وقنادة والشعبى ومسروق
ورواية ثابت عن أنس قال مسروق حرم النبى صلى الله عليه وسلم أم ولده وحلف أن لا يقربها

٤٢
قوله تعالى : قد فرض الله لكم تحله إيمانكم . سورة التحريم.
قَدْ فَرَضَ اللّهُ لَكُمْ عَمِلَّةَ أَيْمَنِّكْ وَلَهُ مَوْلَئِكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾﴾
وَإِذْ أَسَّ النَّبِىُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَِهِ، حَدِيثًا فَلَمًّا نَبَّأْتْ بِهِ، وَأَظْهَرَهُ اللّهُ عَيْهِ عَرَّفَ
فأنزل الله تعالى هذه الآية فقيل له أما الحرام خلال، وأما اليمين التى حلفت عليها، فقد فرض
الله لكم تحلة أيمانكم. وقال الشعبى كان مع الحرام يمين فعوتب فى الحرام، وإنما يكفر اليمين،
فذلك قوله تعالى ( قد فرض الله) الآية قال صاحب النظم قوله ( لم تجرم) استفهام بمعنى الإنكار
والإنكار من الله تعالى نهى، وتحريم الحلال مكروه، والحلال لا يحرم إلا بتحريم الله تعالى وقوله
تعالى (تبتغى مرضات أزواجك) وتبتغى حال خرجت مخرج المضارع والمعنى (لم تحرم) مبتغياً
(مرضات أزواجك ) قال فى الكشاف تبتغى، أما تفسير لتحرم، أو حال أو استئناف ، وهذا زلة
منه، لأنه ليس لأحد أن يحرم ما أحل الله (والله غفور رحيم) قد غفرلك ما تقدم من الزلة، رحيم
قد رحمك لم يؤاخذك به ، ثم فى الآية مباحث :
﴿البحث الأول) (لم تحرم ما أحل الله لك) يوم أن هذا الخطاب بطريق العتاب وخطاب
الوصنى ، وهو النبى ينافى ذلك لما فيه من التشريف والتعظيم فكيف هو ؟ نقول الظاهر أن هذا
الخطاب ليس بطريق العتاب بل بطريق التنبيه على أن ما صدر منه لم يكن كما ينبغى .
﴿البحث الثانى) تحريم ما أحل الله تعالى غير مكن، لما أن الإحلال ترجيح جانب الحل
والتحريم ترجيح جانب الحرمة ، ولا مجال للاجتماع بين الترجيحين فكيف يقال لم تحرم ما أحل
الله؟ نقول المراد من هذا التحريم هو الامتناع عن الانتفاع بالأزواج لا اعتقاد كونه حراماً بعد
ما أحل الله تعالى فالنى ريثم امتنع عن الانتفاع معها مع اعتفاده بكونه حلالا ومن اعتقد أن هذا
التحريم هو تجريم ما أحله الله تعالى بعينه فقد كفر فكيف يضاف إلى الرسول بولتع مثل هذا.
﴿البحث الثالث) إذا قيل ما حكم تحريم الحلال؟ نقول اختلفت الأئمة فيه فأبو حنيفة يراه يميناً
فى كل شىء، ويعتبر الانتفاع المقصود فيما يحرمه إذا حرم طعاماً فقد حلف على أكله أو أمة فعلى وطئها
أوزوجة فعلى الإيلاء منها إذا لم يكن له نية وإن نرى الظهار فظهار، وإن نوى الطلاق فطلاق بائن
وكذلك إن نوى اثنتين ، وإن نوى ثلاثاً فكما نوى ، فإن قال نويت الكذب دين فيما بينه وبين ربه
ولايدين فى القضاء بإبطال الإيلاء، وإن قال كل حلال عليه حرام فعلى الطعام والشراب إذا لم ينو وإلا
فعلى ما نوى ولا يراه الشافعى يميناً، ولكن سباً فى النساء وحدهن، وإن نوى الطلاق فهو رجعى
عنده، وأما اختلاف الصحابة فيه فكما هو فى الكشاف ، فلا حاجة بنا إلى ذكر ذلك .
ثم قال تعالى ﴿قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم، والله مولاكم وهو العليم الحكيم،
وإذ أسر النبى إلى بعض أزواجه حديثاً فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرف بعضه
..

٤٣
قوله تعالى : عرف بعضه وأعرض عن بعض . سورة التحريم.
بَعْضَهُ، وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَّ ◌َبَّأْهَا بِهِ، قَالَتْ مَنْ أَنْبَكَ هَئِذَا قَالَ نَّأَنِ الْعَلِيُ
٣
الْخَبِيرَ
وأعرض عن بعض فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأنى العليم الخبير ﴾ (قد فرض الله لكم)
قال مقاتل: قد بين اللّه، كما فى قوله تعالى: (سورة أنزلناها وفرضناها) وقال الباقون
قد أوجب ، قال صاحب النظم إذا وصل بعلى لم يحتمل غير الإيجاب كما فى قوله تعالى (قد علمنا
مافرضنا عليهم) وإذا وصل باللام احتمل الوجهين ، وقوله تعالى (تحلة أيمانكم) أى تحليلها بالكفارة
وتحلة على وزن تفعلة وأصله تحلله وتحلة القسم على وجهين (أحدهما ) تحليله بالكفارة كالذى فى
هذه الآية (وثانيهما) أن يستعمل بمعنى الشىء القليل، وهذا هو الأكثر كماروى فى الحديث
((إن يلج النار إلا تحلة القسم)) يعنى زماناً يسيراً، وقرى. كفارة أيمانكم، ونقل جماعة من المفسرين
أن النبى صلى الله عليه وسلم حلف أن لا يطأ جاريته فذكر الله له ما أوجب من كفارة اليمين، روى
سعيد بن جبير عن ابن عباس أن الحرام يمين ، يعنى إذا قال أنت على حرام ولم ينو طلاقاً ولا
ظهاراً كان هذا اللفظ موجباً لكفارة يمين واللّه مولا كم ، أى وليكم وناصر كم وهو العليم بخلقه
الحكيم فيما فرض من حكمه، وقوله تعالى (وإذ أسر النّى إلى بعض أزواجه حديثاً) يعنى ما أسر
إلى حفصة من تحريم الجارية على نفسه واستكتمها ذلك: وقيل لما رأى النبى صلى الله
عليه وسلم الغيرة فى وجه حفصة أراد أن يترضاها فأسر إليها بشيئين تحريم الأمة على نفسه
والبشارة بأن الخلافة بعده فى أبى بكر وأبيها عمر ، قاله ابن عباس وقوله ( فلما نبأت به ) أى أخبرت
به عائشة وأظهره اللّه عليه أطلع نبيه على قول حفصة لعائشة فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم
حفصة عند ذلك ببعض قالت وهو قوله تعالى (عرف بعضه) حفصة (وأعرض عن بعض) لم يخبرها
أنك أخبرت عائشة على وجه التكرم والإغضاء ، والذى أعرض عنه ذكر خلافة أبى بكر وعمر ،
وقرى. عرف مخففاً أى جازى عليه من قولك للسى. لأعرفن لك ذلك وقد عرفت ما صنعت قال
تعالى ( أولئك الذين يعلم الله ما فى قلوبهم) أى بجازيهم وهو يعلم ما فى قلوب الخلق أجمعين وقوله
تعالى (فلا نبأها به قالت) حفصة (من أنباك هذا قال نبأنى العليم الخبير ) وصفه بكونه خبيراً بعد
ما وصفه بكونه عليها لما أن فى الخبير من المبالغة ما ليس فى العليم ، وفى الآية مباحث:
﴿ البحث الأول) كيف يناسب قوله (قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم) إلى قوله ( لم تحرم
ما أحل الله لك)؟ نقول يناسبه لما كان تحريم المرأة يميناً حتى إذا قال لامرأته أنت على حرام فهو
يمين ويصير مولياً بذكره من بعد ويكفر .
﴿ البحث الثانى) ظاهر قوله تعالى (قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم) إنه كانت منه يمين

٤٤
قوله تعالى : إن تتوبا إلى الله . سورة التحريم .
إِن نَتُوبَآ إِلَى الَِّ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُ وَ إِن تَظَهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَئُهُ
وَبِبْرِ يلُ وَصَلِحُ الْمُؤْمِنَّ وَالْمَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (٤) عَسَى رَبُّ إِن ◌َلَّقَكُنَّ
أَنْ يُبْلِلَهُ أَزْوَجَا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلَيْتٍ مُؤْمِنَتٍ قَدِقَتِ تَبَتِ عَنِدَاتٍ
سَتَحَتٍ تَبِيَتٍ وَأَبْكَارًاً
فهل كفر النبى عليه الصلاة والسلام لذلك؟ نقول عن الحسن إنه لم يكفر لأنه كان مغفوراً له
ماتقدم من ذنبه وما تأخر، وإنما هو تعليم للمؤمنين، وعن مقاتل أنه أعتق رقبة فى تحريم مارية.
قوله تعالى : ﴿ إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه و جبريل
وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير ، عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن
مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكاراً
قوله ( إن تتوبا إلى اللّه) خطاب لعائشة وحفصة على طريقة الالتفات ليكون أبلغ فى معاتبتهما
والتوبة من التعاون على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإيذاء (فقد صغت قلوبكما) أى عدلت
ومالت عن الحق ، وهو حق الرسول عليه الصلاة والسلام، وذلك حق عظيم يوجد فيه استحقاق
العتاب بأدنى تقصير وجواب الشرط محذوف للعلم به على تقدير : كان خيراً لكما ، والمراد بالجمع
فى قوله تعالى (قلوبكما) التثنية، قال الفراء: وإنما اختير الجمع على الثنية لآن أكثر ما يكون
عليه الجوارح اثنان اثمان فى الإنسان كاليدين والرجلين والعينين، فلما جرى أكثره على ذلك
ذهب بالواحد منه إذا أضيف إلى اثنين مذهب الإثنين، وقد مر هذا، وقوله تعالى ( وإن تظاهرا
عليه) أى وإن تعاونا على النبى صلى الله عليه وسلم بالإيذاء (فإن الله هو مولاه)" أى لم يضره
ذلك التظاهرمنکما ( ومولاه) أی ولیه وناصره ( و جبريل) رأس الكروبیین، قرن ذ کرهبذكره
مفرداً له من الملائكة تعظيما له وإظهاراً لمكانته وصالح المؤمنين . قال ابن عباس يريد أبا بكر وعمر
مواليين النبى صلى الله عليه وسلم على من عاداه، وناصرين له، وهو قول المقاتلين، وقال الضحاك
خيار المؤمنين ، وقيل من صلح من المؤمنين، أى كل من آمن وعمل صالحاً، وقيل من بريء منهم
من النفاق ، وقيل الأنبياء كلهم ، وقيل الخلفاء وقيل الصحابة ، وصالح ههنا ينوب عن الجمع ، ويجوز
أن يراد . الواحد والجمع ، وقوله تعالى (والملائکه بعد ذلك) أى بعد حضرة الله و جبريل
وصالح المؤمنين (ظهير) أى فوج مظاهر للنبي صلى الله عليه وسلم، وأعوان له وظهير فى معنى
الظهراء، كقوله ( وحسن أولئك رفيقاً) قال الفراء والملائكة بعد نصرة هؤلاء ظهير ، قال أبو على

٤٥
قوله تعالى : عسى ربه أن طلقكن . سورة التحريم .
وقد جاء فعيل مفرداً يراد به الكثرة كقوله تعالى (ولا يسأل حيم حميما يبصرونهم ) ثم خوف
نساءه بقوله تعالى (عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن) قال المفسرون عسى
من اللّه واجب، وقرأ أهل الكوفة (أن يبدله) بالتخفيف ، ثم إنه تعالى كان عالماً أنه لا يطلقهن
لكن أخبر عن قدرته أنه إن طلقهن أبدله خيراً منهن تخويفاً لهن، والأكثر فى قوله ( طلقكن)
الإظهار، وعن أبى عمرو إدغام القاف فى الكاف ، لأنهما من حروف الفم ، ثم وصف الأزواج
اللاتى كان يبدله فقال مسلمات أى خاضعات لله بالطاعة مؤمنات مصدقات بتوحيد الله تعالى
مخلصات قانتات طائعات ، وقيل قائمات بالليل للصلاة ، وهذا أشبه لأنه ذكر السائحات بعد هذا
(والسائحات ) الصائمات، فلزم أن يكون قيام الليل مع صيام النهار، وقرى سيحات ، وهى أبلغ
وقيل للصائم سائح لأن السائح لا زاد معه ، فلا يزال عكا إلى أن يجد من يطعمه فشبه بالصائم
الذى يمسك إلى أن يجىء وقت إفطاره، وقيل ساتحات مها جرات، ثم قال تعالى (ثيات وأبكاراً)
لأن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فى الدنيا والآخرة بعضها من الثيب وبعضها من الأبكار، فالذكر
على حسب ما وقع، وفيه إشارة إلى أن تزوج النبى صلى الله عليه وسلم ليس على حسب الشهوة
الرغبة ، بل على حسب ابتغاء مرضات الله تعالى وفى الآية مباحث:
﴿البحث الأول) قوله بعد ذلك تعظيم للملائكة ومظاهرتهم، وقرى. تظاهر او تتظاهرا وتظهرا
﴿ البحث الثانى) كيف يكون المبدلات خيراً منهن ، ولم يكن على وجه الأرض نساء خير
من أمهات المؤمنين ؟ نقول إذا طلقهن الرسول لعصيانهن له، وإيذائهن إياه لم يبقين على تلك
الصفة ، وكان غيرهن من الموصوفات بهذه الأوصاف مع الطاعة لرسول الله خيراً منهن.
﴿البحث الثالث) قوله ﴿مسلمات مؤمنات﴾ يوهم التكرار، والمسلمات، والمؤمنات، على
السواء؟ نقول الإسلام، هو التصديق باللسان والإيمان، هو التصديق بالقلب، وقد لا يتوافقان
فقوله ( مسلمات مؤمنات) تحقيق للتصديق بالقلب واللسان.
﴿ البحث الرابع﴾ قال تعالى ﴿ثيبات وأبكاراً﴾ بواو العطف، ولم يقل فيما عداهما بواو
العطف، نقول قال فى الكشاف إنها صفتان متنافيتان ، لا يجتمعن فيهما اجتماعهن فى سائر الصفات.
﴿.البحث الخامس) ذكر الثيبات فى مقام المدح وهى من جملة ما يقبل معه رغبة الرجال إليهن.
نقول يمكن أن يكون البعض من الثيب خيراً بالنسبة إلى البعض من الأبكار عند الرسول لاختصاصهن
بالمال والجمال، أو النسب ، أو المجموع مثلا، وإذا كان كذلك فلا يقدح ذكر الثيب فى المدح لجواز
أن يكون المراد مثل ما ذكرناه من الثيب .
٠

٤٦
قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم . سورة التحريم .
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيْكُرْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا
مَلَبِكَةُ غلاظُ شدَادُلَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ
يَأَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَعْنَذِرُواْ أَلْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
ثم قال تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة عليها
ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، يا أيها الذين كفروا لاتعتذروا
اليوم إنما تجزون ما كنتم تعملون﴾ (قوا أنفسكم). أى بالإنتهاء عمانها كم الله تعالى عنه، وقال
مقاتل أن يؤدب المسلم نفسه وأهله ، فيأمرهم بالخير وينهاهم عن الشر، وقال فى الكشاف (قوا
أنفسكم) بترك المعاصى وفعل الطاعات، وأهليكم بأن تؤاخذوهم بما تؤاخذون به أنفسكم، وقيل
(قوا أنفسكم) بما تدعو إليه أنفسكم إذ الأنفس تأمرهم بالشر وقرى. (وأهلوكم) عطفاً على واو (قوا)
وحسن العطف للفاصل ، وناراً نوعاً من النار لا يعقد إلا بالناس والحجارة ، وعن ابن عباس
هى حجارة الكبريت، لأنها أشد الأشياء حراً إذا أوقد عليها، وقرىء ( وقودها) بالضم، وقوله
(عليها ملائكة) يعنى الزبانية تسعة عشر، وأعوانهم ( شداد غلاظ ) فى أجرامهم غلظة وشدة
أى جفاء وقوة ، أو فى أفعالهم جفاء وخشونة ، ولا يبعد أن يكونوا بهذه الصفات فى خلقهم ، أو
فى أفعالهم بأن يكونوا أشداء على أعداء الله، رحماء على أولياء الله كما قال تعالى (أشداء على الكفار
رحماء بينهم ) وقوله تعالى (ويفعلون ما يؤمرون) يدل على اشتدادهم لمكان الأمر، لا تأخذهم
رأفة فى تنفيذ أوامر الله تعالى والانتقام من أعدائه، وفيه إشارة إلى أن الملائكة مكلفون فى الآخرة
بما أمرهم الله تعالى به وبما ينهاهم عنه والعصيان منهم مخالفة الأمر والنهى.
وقوله تعالى ﴿ يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم﴾ لما ذكر شدة العذاب بالنار، واشتداد
الملائكة فى انتقام الأعداء، فقال (لا تعتذروا اليوم) أى يقال لهم (لا تعتذروا اليوم) إذ الاعتذار
هو التوبة، والتوبة غير مقبولة بعد الدخول فى النار، فلا ينفعكم الاعتذار ، وقوله تعالى (إنماتجزون
ما كنتم تعملون) يعنى إنما أعمالكم السيئة ألزمتكم العذاب فى الحكمة، وفى الآية مباحث:
﴿ البحث الأول.) أنه تعالى خاطب المشر كين فى قوله ( فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا
النار التى وقودها الناس والحجارة) وقال (أعدت للكافرين) جعلها معدة للكافرين، فما معنى مخاطبته
به المؤمنين ؟ نقول الفساق وإن كانت دركانهم فوق دركات الكفار ، فإنهم مع الكفار فى دار
واحدة فقيل للذين آمنوا (قوا أنفسكم) باجتناب الفسق مجاورة الذين أعدت لهم هذه النار ، ولا
يبعد أن يأمرهم بالتوقى من الارتداد.

٤٧
قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله . سورة التحريم .
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَ امَنُوْ تُوبُواْ إِلَى اللّهِ تَوْبَةُ نَُّوحًا عَسَى رَبْكُمْأَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُرْ
سَبِئَاتِكُمْ وَيُدْنِلَ كُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْنِهَا آلْأَنْهُ يَوْمَ لَ يُخْرِى اللّهُ النَِّّ وَالَّذِينَ
ءَامَنُواْ مَعَِّ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيِمْ وَبِأَيْمَنِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَثْمِمْ لَنَا نُوَنَا
وَآَنْفِرْلَنَّ إِنَّكَ عَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ هٌ يَأَيُّهَ النَِّىُّ جَهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَفِقِينَ
وَأَغْلُظْ عَلَيْهِمُّ وَمَأَنْهُمْ جَهَنِّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾
﴿البحث الثانى) كيف تكون الملائكة غلاظاً شداداً وهم من الأرواح، فنقول: الغلظة
والشدة بحسب الصفات لما كانوا من الأرواح لا بحسب الذات، وهذا أقرب بالنسبة إلى الغير من الأقوال
(البحث الثالث) قوله تعالى (لا يعصون الله ما أمرهم) فى معنى قوله(ويفعلون ما يؤمرون) فما
الفائدة فى الذكر فنقول: ليس هذا فى معنى ذلك لأن معنى الأول أنهم يقبلون أوامره ويلتزمونها
ولا ينكرونها ، ومعنى الثانى أنهم ما يؤمرون به كذا ذكره فى الكشاف.
قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم
سيئاتكم ويدخلكم جنات تجرى من تحتها الأنهار، يوم لا يخزى اللّه النبى والذين آمنوا معه نورم
يسمى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شىء قدير ، يا أيها
النبى جاهد الكفار والمنافقين وأغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير ﴾ .
قوله (توبة نصوحا) أى توبة بالغة فى النصح، وقال الفراء: نصوحا من صفة التوبة. والمعنى
توبة تنصح صاحبها بترك العرد إلى ما تاب منه، وهو أنها الصادقة الناصحة ينصحون بها أنفسهم ،
وعن عاصم ، نصوحا بضم النون، وهو مصدر نحو العقود، يقال: نصحت له نصحا ونصاحة
ونصوحا ، وقال فى الكشاف: وصفت التوبة بالنصح على الإسناد المجازى، وهو أن يتوبوا عن
القبائح نادين عليها غاية الندامة لا يعردون ، وقيل من نصاحة الثوب ، أى خياطته (وعيسى ربكم)
إطماع من اللّه تعالى لعباده.
وقوله تعالى ( يوم لا يخزى الله النبى) نصب بيدخلكم، ولا يخزى تعريض لمن أخزاهم الله
من أهل الكفر والفسق واستحماد للمؤمنين على أنه عصمهم من مثل حالهم ، ثم المعتزلة تعلقوا
بقوله تعالى ( يوم لا يخزى اللّه النى) وقالوا: الإخزاء يقع بالعذاب، فقد وعد بأن لا يعذب
الذين آمنوا ، ولو كان أصحاب الكبائر من الإيمان لم تخف عليهم العذاب، وأهل السنة أجابو!

٤٨
قوله تعالى : يقولون ربنا أتمم لنا نورنا . سورة التحريم .
عنه بأنه تعالى وعد أهل الإيمان بأن لا يخزيهم ، والذين آمنوا ابتداء كلام ، وخبره يسعى، أو
لا يخزى الله، ثم من أهل السنة من يقف على قوله ( يوم لا يخزى الله النبى) أى لا يخزيه فى رد
الشفاعة ، والإخزاء الفضيحة ، أى لا يفضحهم بين يدى الكفار ، ويجوز أن يعذبهم على وجه
لا يقف عليه الكفرة، وقوله ( بين أيديهم) أى عند المشى (وبأيمانهم) عند الحساب، لأنهم
يؤتون الكتاب بأيمانهم وفيه نور وخير ، ويسعى النور بين أيديهم فى موضع وضع الأقدام وبأيمانهم،
لأن خلفهم وشمالهم طريق الكفرة.
وقوله تعالى ﴿يقولون ربنا أتمم لنا نورنا﴾ قال ابن عباس: يقولون ذلك عند إطفاء نور
المنافقين إشفاقاً، وعن الحسن: أنه تعالى متعم لهم نورهم، ولكنهم يدعون تقرباً إلى حضرة الله
تعالى، كقوله (واستغفر لذنبك) وهو مغفور، وقيل أدناهم منزلة من نوره بقدر ما يصر مواطى.
قدمه، لأن النور على قدر الأعمال فيسألون إتمامه ، وقيل السابقون إلى الجنة يمرون مثل البرق
على الصراط ، وبعضهم كالريح ، وبعضهم حبواً وزحفاً ، فهم الذين يقولون (ربنا أتمم لنا نورنا
قاله فى الكشاف، وقوله تعالى ( يا أيها النبى جاهد الكفار والمنافقين) ذكر المنافقين مع أن لفظ
الكفار يتناول المنافقين (واغلظ عليهم) أى شدد عليهم ، والمجاهدة قد تكون بالقتال، وقد
تكون بالحجة تارة باللسان ، وتارة بالسنان ، وقيل جاهدهم بإقامة الحدود عليهم، لأنهم هم
المر تكبون الكبائر، لأن أصحاب الرسول عصموا منها (ومأواهم جهنم) وقد مر بيانه ، وفى
الآية مباحث :
﴿البحث الأول) كيف تعلق (ياأيها الذين آمنوا) بما سبق وهو قوله: (يا أيها الذين كفروا)؟
فتقول نبههم تعالى على دفع العذاب فى ذلك اليوم بالتوبة فى هذا اليوم ، إذ فى ذلك اليوم لا تفيد
(وفيه لطيفة) وهى أن التنبيه على الدفع بعد الترهيب فيما مضى يفيد الترغيب بذكر أحوالهم
والإنعام فى حقهم وإ كرامهم .
﴿ البحث الثانى) أنه تعالى لا يخزى النبى فى ذلك اليوم ولا الذين آمنوا، فما الحاجة إلى
قوله معه؟ فنقول: هى إفادة الاجتماع، يعنى لا يخزى الله المجموع الذى يسعى أورهم وهذه فائدة
عظيمة ، إذ الاجتماع بين الذين آمنوا وبين نبيهم تشريف فى حقهم وتعظيم .
﴿ البحث الثالث) قوله (واغفر لنا) يوهم أن الذنب لازم لكل واحد من المؤمنين والذنب
لا يكون لازماً، فنقول: يمكن أن يكون طلب المغفرة لما هو اللازم لكل ذنب، وهو التقصير
فى الخدمة والتقصير لازم لكل واحد من المؤمنين .
﴿ البحث الرابع ) قال تعالى فى أول السورة ( يا أيها النبي لم تحرم) ومن بعده ( يا أيها النبى
جاهد الكفار ) خاطبه بوصفه وهو النى لا باسمه كقوله لآدم يا آدم ، ولموسى ياموسى ولعيسى
ياعينى، نقول : خاطبه بهذا الوصف ، ليدل على فضله عليهم وهذا ظاهر .

٤٩
قوله تعالى : ضرب الله مثلاً الذين كفروا . سورة التحريم .
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُواْ أَمْرَأَتَ نُوحٍ وَأَمْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَ تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ
عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ مَاتَتَهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ أَدْخُلَا النَّارَ مَعَ
الَّ خِينَ ﴾ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَمْرَأْتَ فِرْعَوْنَ إِذْقَالَتْ رَبِّ أَبْنِ لِ
عِندَكَ بَيْتًا فِى الْجَنَّةِ وَنَجِّنِى مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِوَنَجِنِى مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
-
﴿ البحث الخامس) قوله تعالى (ومأواهم جهنم) يدل على أن مصيرهم بئس المصير مطلقاً إذ
المطلق يدل على الدوام ، وغير المطلق لا يدل لما أنه يطهرهم عن الآثام .
قوله تعالى: ﴿ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط، كانتا تحت عبدين من
عبادنا صالحين لحانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئاً، وقيل ادخلا النار مع الداخلين. وضرب الله
مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت رب ابن لى عندك بيتاً فى الجنة ونجنى من فرعون وعمله
ويجنى من القوم الظالمين
قوله (ضرب الله مثلا) أى بين حالهم بطريق التمثيل أنهم يعاقبون على كفرهم وعدارتهم
للؤمنين معاقبة مثلهم من غير اتقاء ولا محاباة، ولا ينفعهم مع عداوتهم لهم ماكانوا فيه من القرابة
بينهم وبين نبيهم وإنكارهم للرسول صلى الله عليه وسلم، فيما جاءبه من عند الله وإصرار هم عليه،
وقطع العلائق، وجعل الأقارب من جملة الأجانب بل أبعد منهم. وإن كان المؤمن الذى يتصل به
الكافر نبياً كمال امرأة نوح ولوط، لما خانتاهما لم يغن هذان الرسولان وقيل له) فى اليوم الآخر
(أدخلا النار) ثم بين حال المسلمين فى أن وصلة الكافرين لا تضرم كمل امرأة فرعون ومنزلتها
عنن الله تعالى مع كونهازوجة ظلم من أعداء الله تعالى، ومريم ابنة عمران وما أوتيت من كرامة
الدنيا والآخرة، والاصطفاء على نساء العالمين مع أن قومها كانوا كفاراً، وفى ضمن هذين التمثيلين
تعريض بأمى المؤمنين، وهما حفصة وعائشة لما فرط منهما وتحذير له) على أغلظ وجه وأشده لما
فى التمثيل من ذكر الكفر، وضرب مثلا آخر فى امرأة فرعون آسية بنت مزاحم، وقيل هى عمة
موسى عليه السلام آمنت حين سمعت قصة إلفاء موسى عصاه ، وتلقف العصا، فعذبها فرعون
عذاباً شديداً بسبب الإيمان، وعن أبى هريرة أنه وتدها بأربعة أوتاد، واستقبل بها الشمس، وألقى
عليها صخرة عظيمة ، فقالت رب نجنى من فرعون فرقى بروحها إلى الجنة ، فألقيت الصخرة على
الفخر الرازي - ج ٣٠ م ٤

٥٠
قوله تعالى : ومريم ابنه عمران التي أحصنت فرجها . سورة التحريم .
وَمَرْيَ أَبْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِىَ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُوِحِنَا وَصَدَّقَتْ
بِكَلَتِ رَبِهَا وَكُبِهِ، وَكَانَتْ مِنَ الْقَلِينَ.
Cor
جسد لا روح فيه، قال الحسن ، رفعها إلى الجنة تأكل فيها وتشرب، وقيل لما قالت (رب ابن لى
عندك بيتاً فى الجنة) رأت بيتها فى الجنة يبنى لأجلها، وهو من درة واحدة، والله أعلم كيف هو
وما هو؟ وفى الآية مباحث:
﴿ البحث الأول) ما فائدة قوله تعالى من عبادنا؟ نقول: هو على وجهين (أحدهما) تعظيما
لهم كمامر (الثانى) إظهاراً للعبد بأنه لا يترجح على الآخر عنده إلا بالصلاح.
﴿ البحث الثانى) ما كانت خيانتهما؟ نقول: نفاقهما وإخفاؤهما الكفر، وتظاهرهما على
الرسولين، فامرأة نوح قالت لقومه إنه لمجنون وامرأة لوط كانت تدل على نزول ضيف إبراهيم ، ولا
يجوز أن تكون خيانتهما بالفجور، وعن ابن عباس مابغت امرأة فى قط ، وقيل خيانتهما فى الدين.
﴿ البحث الثالث:) ما معنى الجمع بين عندك وفى الجنة؟ نقول: طلبت القرب من رحمة الله ثم
بينت مكان القرب بقولها فى الجنة وأرادت ارتفاع درجتها فى جنة المأوى التى هى أقرب إلى العرش.
ثم قال تعالى ﴿ ومريم ابنت عمران التى أحصفت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت
بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين ﴾ أحصفت أى عن الفواحش لأنها قذفت بالزنا. والفرج
حمل على حقيقته ، قال ابن عباس نفخ جبريل فى جيب الدع ومده بأصبعيه ونفخ فيه ، وكل ما فى
الدرع من خرق ونحوه فإنه يقع عليه اسم الفرج، وقيل (أحصفت) تكلفت فى عفتها ، والمحصنة
العفيفة ( ونفخنا فيه من روحنا) أى فرج ثوبها ، وقيل خلقنا فيه ما يظهر به الحياة فى الأبدان.
وقوله ( فيه ) أى فى عيسى، ومن قرأ فيها أى فى نفس عيسى والنفث مؤنث، وأما التشبيه بالنفخ
فذلك أن الروح إذا خلق فيه انتشر فى تمام الجسد كالريح إذا نفخت فى شىء، وقيل بالنفخ لسرعة
دخوله فيه نحو الريح وصدقت بكلمات ربها . قال مقاتل يعنى بعيسى ، ويدل عليه قراءة الحسن
بكلمة ربها وسمى عيسى، كلمة الله فى مواضع من القرآن. وقعت تلك الكلمة هنا، وقال أبو على
الفارسى الكلمات الشرائع التى شرع لها دون القول، فكان المعنى صدقت الشرائع وأخذت بها
وصدقت الكتب فلم تكذب والشرائع سميت بكلمات كمافى قوله تعالى ( وإذا بتلى إبراهيم ربه
بكلمات) وقوله تعالى (صدقت) قرى. بالتخفيف والتشديد على أنها جعلت الكلمات والكتب
صادقة يعنى وصفتها بالصدق ، وهو معنى التصديق بعينه، وقرى. كلمة وكلمات ، وكتبه و كتابه،
والمراد بالكتاب هو الكثرة والشياع أيضاً قوله تعالى ( وكانت من القانتين) الطائعين قاله ابن
عباس، ( قال عطاء من المصلين، وفى الآية مباحث .

٥١
قوله تعالى : وكانت من القانتين . سورة التحريم .
( البحث الأول) ما كلمات الله وكنبه؟ قول المراد بكلمات الله الصحف المنزلة على إدريس
وغيره، وبكتبه الكتب الأربعة، وأن يراد جميع ما كلم ايته تعالى ملائكته وما كتبه فى اللوح
المحفوظ وغيره، وقرى (بكلمة الله وكتابه) أى بعيسى وكتابه وهو الإنجيل ، فإن قيل من الفانتين
على النذكير، يقول: لأن القنوت صفة تشمل من قنت من القبيلين، فغلب ذكوره على إنائه،
ومن للتبعيض، قاله فى الكشاف، وقيل من القانتين، لأن المراد هو القوم، وأنه عام، ؟ (اركتى
مع الراكعين ) أى كونى من المقيمين على طاعة الله تعالى، ولأنها من أعقاب هرون أخى موسى
عليهما السلام.
وأما ضرب المثل بامرأة نوح المسماة بواعلة، وامرأة لوط المسماة بواهلة، فمشتمل على
فوائد متعددة لا يعرفها بتماءها إلا اللّه تعالى، منها التنبيه للرجال والنساء على الثواب العظيم،
والعذاب الأليم، ومنها العلم بأن صلاح الغير لا ينفع المفسد، وفساد الغير لا يضر المصلح، ومنها
أن الرجل وإن كان فى غاية الصلاح فلا يأمن المرأة، ولا يأمن نفسه، كالصادر من امرأتى نوح
ولوط، ومنها العلم بأن إحصان المرأة وعفتها مفيدة غاية الإفادة، كما أفاد مريم بنت عمران، كما
أخبر الله تعالى، فقال (إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك) ومنها التنبيه على أن التضرع
بالصدق فى حضرة الله تعالى وسيلة إلى الخلاص من العقاب ، وإلى الثواب بغير حساب، وأن
الرجوع إلى الحضرة الأزلية لازم فى كل باب ، وإليه المرجع والمآب، جلت قدرته وعلت كلمته ،
لا إله إلا هو وإليه المصير، والحمد لله رب العالمين، وصلاته على سيد المرسلين، وآله وصحبه وسلم.

٥٢
سورة الملك
(٦٧) سُورَة المُلكِ مَكِيَّة
وَآَيَاتِهَا بَلَمُونَ
وتسمى (المنجية ) لأنها تنجى قارئها من عذاب القبر، وعن ابن عباس أنه
كان يسميها ( المجادلة ) لأنها تجادل عن قارئها فى القبر.
بِسْـ
نيـ
تَبَرَكَ الَّذِى بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرُ﴾
بسم الله الرحمن الرحيم
تبارك الذى بيده الملك وهو علی کل شیء قدير
أما قوله ( تبارك ) فقد فسرناه فى أول سورة الفرقان، وأما قوله (بيده الملك) فاعلم أن هذه
اللفظة إنما تستعمل لتأكيد كونه تعالى ملكا ومالكا ، كما يقال: بيد فلان الأمر والنهى والحل
والعقد ، ولا مدخل للجارحة فى ذلك . قال صاحب الكشاف : بيده الملك على كل موجود ،
وهو على كل ما لم يوجد من الممكنات قدير ، وقوله ( وهو على كل شيء قدير ) فيه مسائل:
﴿ المسألةَ الأولى﴾ هذه الآية احتج بها من زعم أن المعدوم شىء، فقال قوله (إن الله على
كل شىء قدير ) يقتضى كون مقدوره شيئاً، فذلك الشىء الذى هو مقدور الله تعالى، إما أن
يكون موجوداً أو معدوماً، لاجائز أن يكون موجوداً، لأنه لو كان قادراً على الموجود، لكان
إما أن يكون قادراً على إيجاده وهو محال، لأن إيجاد الموجود محال ، وإما أن يكون قادراً على
إعدامه وهو محال ، لاستحالة وقوع الإعدام بالفاعل ، وذلك لأن القدرة صفة مؤثرة فلا بد لها
من تأثير ، والعدم نفى محض ، فيستحيل جعل العدم أثر القدرة، فيستحيل وقوع الإعدام بالفاعل
فثبت أن الشىء الذى هو مقدور اللّه ليس بموجود، فوجب أن يكون معدوماً، فلزم أن يكون
ذلك المعدوم شيئاً، وإحتج أصحابنا النافون لكون المعدوم شيئاً بهذه الآية، فقالوا: لا شك أن
الجوهر من حيث إنه جوهر شىء، والسواد من حيث هو سوادشىء، والله قادر على كل شىء.
فبمقتضى هذه الآية يلزم أن يكون قادراً على الجوهر من حيث إنه جوهر ، وعلى السواد من حيث
هو سواد ، وإذا كان كذلك كان كون الجوهر جوهراً، والسواد سواداً واقعاً بالفاعل،
والفاعل المختار لابد وأن يكون متقدماً على فعله ، فإذاً وجود الله وذاته متقدم على كون أنجوهر
جوهراً، أو السواد سواداً، فيلزم أن لا يكون المعدوم شيئاً وهو المطلوب ، ثم أجابوا عن شبهة

٥٣
قوله تعالى : وهو على كل شيء قدير . سورة الملك .
التَّاسِعِ وَالْغِشِرُونَ
الخصم بأنا لا نسلم أن الإعدام لا يقع بالفاعل، ولئن سلمنا ذلك، لكن لم يجوز أن يقال المقدور
الذى هو معدوم سمى شيئاً ، لأجل أنه سيصير شيئاً ، وهذا وإن كان مجازاً إلا أنه يجب المصير
إليه، لقيام سائر الدلائل الدالة على أن المعدوم ليس بشى . .
﴿ المسألة الثانية﴾ زعم القاضى أبو بكر فى أحد قوليه أن إعدام الأجسام إنما يقع بالفاعل ،
وهذا اختيار أبى الحسن الخياط من المعتزلة ، ومحمود الخوارزمى ، وزعم الجمهور منا ومن
المعتزلة أنه يستحيل وقوع الإعدام بالفاعل، احتج القاضى بأن الموجودات أشياء، والله على كل
شىء قدير، فهو إذاً قادر على الموجودات، فإما أن يكون قادراً على إبجادها وهو محال لأن إيجاد
الموجود محال، أو على إعدامها ، وذلك يقتضى إمكان وقوع الإعدام بالفاعل .
﴿ المسألة الثالثة﴾ زعم الكعبى: أنه تعالى غير قادر على مثل مقدور العبد، وزعم أبو على
وأبو هاشم أنه تعالى غير قادر على مقدور العبد، وقال أصحابنا إنه تعالى قادر على مثل مقدور
العبد وعلى غير مقدورة، واحتجوا عليه بأن عين مقدور العبد ومثل مقدوره شىء، والله على
كل شىء قدير ، فثبت بهذا صحة وجود مقدور واحد بين قادرين .
﴿ المسألة الرابعة﴾ زعم أصحابنا: أنه لامؤثر إلا قدرة الله تعانى، وأبطلوا القول بالطبائع
على ما يقوله الفلاسفة ، وأبطلوا القول بالمتولدات على ما يقوله المعتزله ، وأبطلوا القول بكون
العبد موجداً لأفعال نفسه، واحتجوا على الكل، بأن الآية دالة على أنه تعالى قادر على كل شىء ،
فلو وقع شىء من الممكنات لا بقدرة الله بل بشىء آخر، لكان ذلك الآخر قد منع قدرة الله
عن التأثير فيما كان مقدوراً له وذلك محال ، لأن ما سوى الله ممكن محدث ، فيكون أضعف قوة
من قدرة الله، والأضعف لا يمكن أن يدفع الأقوى.
المسألة الخامسة) هذه الآية دالة على أن الإله تعالى واحد، لأنا لو قدرنا إلها ثانيا، فإما
أن يقدر على إيجاد شىء أو لا يقدر، فإن لم يقدر البتة على إيجاد شىء أصلا لم يكن إلها ، وإن قدر
كان مقدور ذلك الإله الثانى شيئاً، فيلزم كونه مقدوراً للاله الأول لقوله (وهو على كل شىء قدير)
فيلزم وقوع مخلوق بين خالقين وهو محال ، لأنه إذا كان واحد منهما مستقلا بالإيجاد ، يلزم أن
يستغنى بكل واحد منهما عن كل واحد منهما، فيكون محتاجاً إليهما، وغنياً عنهما، وذلك محال.
المسألة السادسة﴾ احتج جهم بهذه الآية على أنه تعالى ليس بشىء ، فقال لو كان شيئاً
لكان قادراً على نفسه لقوله (وهو على كل شىء قدير ) لكن كونه قادراً على نفسه محال ، فيمتنع
كونه شيئاً، وقال أصحابنا لما دل قوله (قل أى شىء أكبر شهادة، قل الله شهيد) على أنه تعالى
شىء وجب تخصيص هذا العموم، فإذاً هذه الآية قد دلت على أن العام المخصوص واردفى كتاب
الله تعالى ، ودلت على أن تخصيص العام بدليل العقل جائز بل واقع.
المسألة السابعة ﴾ زعم جمهور المعتزلة أن الله تعالى قادر على خلق الكذب والجهل

٥٤
قوله تعالى : الذي خلق الموت والحياة . سورة الملك .
الَّذِى خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَوَةَ
والعبث والظلم، وزعم النظام أنه غير قادر عليه، واحتج الجمهور بأن الجهل والكذب أشياء (والله
على كل شىء قدير ) فوجب كونه تعالى قادراً عليها .
المسألة الثامنة﴾ احتج أهل التوحيد على أنه تعالى منزه عن الحيز والجهة ، فإنه
تعالى لو حصل فى حيز دون حيز لكان ذلك الحيز الذى حكم بحصوله فيه متميزاً عن الحيز الذى
حكم بأنه غير حاصل فيه، إذلو لم يتميز أحد الحيزين عن الآخر لاستحال الحكم بأنه تعالى حصل
فيه ولم يحصل فى الآخر. ثم إن امتياز أحد الحيزين عن الآخر فى نفسه يقتضى كون الحيز أمراً
موجوداً لأن العدم المحض يمتنع أن يكون مشاراً إليه بالحس وأن يكون بعضه متميزاً عن البعض
فى الحس ، وأن يكون مقصداً للتحرك ، فإذن لو كان اللّه تعالى حاصلا فى حيز لكان ذلك الحين
موجوداً ، ولو كان ذلك الحيز موجوداً لكان شيئاً. ولكان مقدور الله لقوله تعالى (وهو على كل شىء
قدير ) وإذا كان تحقق ذلك الحيز بقدرة الله وبإيجاده، فيلزم أن يكون الله متقدماً فى الوجود على
تحقق ذلك الحيز ، ومتى كان كذلك كان وجود اللّه فى الأزل محققاً من غير حيز وله جهة أصلا
والأزلى لا يزول البتة ، فثبت أنه تعالى منزه عن الحيز والمكان أزلا وأبداً .
﴿ المسألة التاسعة﴾ أنه تعالى قال أولا (بيده الملك) ثم قال بعده (وهو على كل شىء
قدير) وهذا مشعر بأنه إنما يكون بيده الملك لو ثبت أنه على كل شىء قدير، وهذا هو الذى يقوله
أصحابنا من أنه لو وقع مراد العبد ولا يقع مراد الله، لكان ذلك مشعراً بالعجز والضعف، وبأن
لا يكون مالك الملك على الإطلاق ، فدل ذلك، على أنه لما كان مالك الملك وجب أن يكون قادراً
على جميع الأشياء .
﴿ المسألة العاشرة﴾ القدير مبالغة فى القادر، فلما كان قديراً على كل الأشياء وجب أن
لا يمنعه البيئة مانع عن إبحاد شىء من مقدوراته، وهذا يقتضى أن لا يجب لأحد عليه شىء وإلا
لكان ذلك الوجوب مانعاً له من الترك وأن لا يقبح منه شىء وإلا لكان ذلك القبح مانعاً له
من الفعل ، فلا يكون كاملا فى القدرة، فلا يكون قديراً والله أعلم .
قوله تعالى : ﴿ الذى خلق الموت والحياة ﴾ فيه مسائل:
المسألة الأولى) قالوا: الحياة هى الصفة التى يكون الموصوف بها بحيث يصح أن يعلم
ويقدر واختلفوا فى الموت، فقال قوم: إنه عبارة عن عدم هذه الصفة وقال أصحابنا: إنه صفة
وجودية مضادة للحياة واحتجوا على قرلهم: بأنه تعالى قال: (الذى خلق الموت) والعدم
لا يكون مخلوقاً هذا هو التحقيق، وروى الكلبى بإسناده عن ابن عباس: أن الله تعالى خلق
الموت فى صورة كبش أملح لا يمر بشىء ، ولا يجد رائحته شىء إلا مات وخلق الحياة

٥٥
قوله تعانى : ليبلوكم أيكم أحسن عملا . سورة الملك .
لِيَبْلُوَكُمْ أَبْكُمْ أَحْسَنُ عملًاً وَهُوَ اَلْعَزِيزُ الْغَفُورُ
فى صورة فارس يلقاه فوق الحمار ودون البغل ، لا تمر بشىء ولا يجد ريحتها شىء إلا حي. واعلم
أن هذا لابد وأن يكون مقولا على سبيل التمثيل والتصوير، وإلا فالتحقيق هو الذى ذكرناه.
المسألة الثانية﴾ إنما قدم ذكر الموت على ذكر الحياة مع أن الحياة مقدمة على الموت
لوجه: (أحدها) قال مقاتل يعنى بالموت نطفة وعلقة ومضغة والحياة نفخ الروح (وثانيها)
روى عطاء عن ابن عباس قال يريد الموت فى الدنيا والحياة فى الآخرة دار الحيوان (وثالثها)
أنه روى عن النبى صلى الله عليه وسلم ((أن مناديا ينادى يوم القيامة يا أهل الجنة، فيعلمون أنه من
قبل الله عز وجل فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، فيقول: هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً قالوا نعم،
ثم ؤتى بالموت فى صورة كبش أملح ويذبح. ثم ينادى يا أهل الجنة خلود بلاءوت، ويا أهل النار
خلود بلا موت فيزداد أهل الجنة فرحاً إلى فرح، ويزداد أهل النار جزئاً إلى حزن)) واعلم أنا بينا
أن الموت عرض من الأعراض كالسكون والحركة فلا يجوز أن يصير كبشاً بل المراد منه التمثيل
ليعلم أن فى ذلك اليوم قد انقضى أمر الموت ، فظهر بما ذكرناه أن أيام الموت هى أيام الدنيا
وهى منقضية ، وأما أيام الآخرة فهى أيام الحياة وهى متأخرة فلما كانت أيام الموت متقدمة على
أيام الحياة لاجرم قدم اللّه ذكر الموت على ذكر الحياة (ورابعها) إنما قدّمَ الموت على الحياة
لأنا فوى الناس داعياً إلى العمل من نصب موته بين عينيه فقدم لأنه فيما يرجع إلى الغرض له أهم .
المسألة الثالثة ﴾ أعلم أن الحياة هى الأصل فى النعم ولولاها لم يتنعم أحد فى الدنيا وهى
الأصل أيضاً فى نعم الآخرة ولولاها لم يثبت الثواب الدائم ، والموت أيضاً نعمة على ما شرحنا.
الحال فيه فى مواضع من هذا الكتاب، وكيف لا وهو الفاصل بين حال التكليف وحال المجازاة
وهو نعمة من هذا الوجه، قال عليه الصلاة والسلام ((أكثروا من ذكر هادم الذات)) وقال
لقوم ((لو أكثرتم ذكر هازم الذات لشغلكم عما أرى)) وسأل عليه الصلاة والسلام عن رجل
فأثنوا عليه، فقال ((كيف ذكره الموت؟ قالوا قليل، قال فليس كما تقولون)).
قوله تعالى: ﴿ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور﴾ وفيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ الابتلاء هو التجربة والامتحان حتى يعلم أنه هل يطيع أو يعصى وذلك
فى حق من وجب أن يكون عالماً بجميع المعلومات أزلا وأبداً محال، إلا أنا قد حفقنا هذه المسألة
فى تأويل قوله ( وإذا ابتلى إبراهيم ربه بكلمات) والحاصل أن الابتلاء من الله هو أن يعامل عبده
معاملة تشبه [الابتلاء] على المختبر.
﴿ المسألة الثانية﴾ احتج القائلون بأنه تعالى يفعل الفعل لغرض بقوله (ليبلوكم) قالوا هذه
اللام للغرض ونظيره قوله تعالى (إلا ليعبدون) وجوابه أن الفعل فى نفسه ليس بابتلا. إلا أنه

٥٦
قوله تعالى : ليبلوكم أيكم أحسن عملا . سورة الملك .
لما أشبه الابتلاء سمى مجازاً، فكذا ههنا، إنه يشبه الغرض وإن لم يكن فى نفسه غرضاً. فذكر
فيه حرف الغرض .
﴿ المسألة الثالثة﴾ أعلم أنا فسرنا (الموت والحياة) بالموت حال كونه نطفة وعلقة ومضغة،
والحياة بعد ذلك فوجه الابتلاء على هذا الوجه أن يعلم أنه تعالى هو الذى (نقله من الموت) إلى الحياة
وكما فعل ذلك فلا بد وأن يكون قادراً على أن ينقله من الحياة إلى الموت (فيحذر مجىء الموت الذى
به- ينقطع استدراك ما فات ويستوى فيها الفقير والغنى والمولى والعبد)، وأما إن فسرناهما بالموت
فى الدنيا وبالحياة فى القيامة فالابتلاء فيهما أتم لأن الخوف من الموت فى الدنيا حاصل وأشد منه
الخوف من تبعات الحياة فى القيامة، والمراد من الابتلاء أنه هل ينزجر عن القبائح بسبب هذا
الخوف أم لا .
﴿ المسألة الرابعة﴾ فى تعاق قوله ( ليبلوكم) بقوله (أيكم أحسن عملا) وجهان: (الأول)
وهو قول القراء والزجاج إن المتعلق (بأيكم) مضمر والتقدير (ليبلوكم) فيعلم أو فينظر (أيكم)
أحسن عملا (والثانى) قال صاحب الكشاف (ليبلوكم) فى معنى ليعلمكم والتقدير ليعلمكم (أيكم
أحسن عملا ) .
﴿ المسألة الخامسة﴾ ارتفعت أى بالابتداء ولا يعمل فيها ما قبلها لأنها على أصل الاستفهام
فإنك إذا قلت لا أعلم أيكم أفضل كان المعنى لا أعلم أزيد أفضل أم عمرو، واعلم أن ما لا يعمل
فيما بعد الألف فكذلك لا يعمل فى أى لأن المعنى واحد، ونظير هذه الآية قوله (سبلهم أيهم بذلك
زعيم)، وقد تقدم الكلام فيه .
المسألة السادسة﴾ ذكروا فى تفسير (أحسن عملا) وجوها: (أحدها) أن يكون أخاص الأعمال
وأصوبها لأن العمل إذا كان خالصاً غير صواب لم يقبل، وكذلك إذا كان صواباً غير خاص فالخالص
أن يكون لوجه الله، والصواب أن يكون على السنة ( وثانيها) قال قتادة سألت رسول الله صلى
الله عليه وسلم فقال ((يقول أيكم أحسن عقلا) ثم قال أتمكم عقلا أشدكم الله خوفاً وأحسنكم فيما
أمر الله به ونهى عنه نظراً، وإنما جاز أن يفسر حسن العمل بتمام العقل لأنه يترتب على العقل،
فمن كان أتم عقلا كان أحسن عملا على ما ذكر فى حديث قتادة ( وثالثها) روى عن الحسن أيكم
أزهد فى الدنيا وأشد تركا لها، واعلم أنه لما ذكر حديث الابتلاء قال بعده (وهو العزيز الغفور )
أى وهو العزيز الغالب الذى لا يعجزه من أساء العمل، الغفور لمن تاب من أهل الإساءة،
واعلم أن كونه عزيزاً غفوراً لا يتم إلا بعد كونه قادراً على كل المقدورات عالماً بكل المعلومات
أما أنه لابد من القدرة التامة، فلأجل أن يتمكن من إيصال جزاء كل أحد بتمامه إليه سواء كان
عقاباً أو ثواباً، وأما أنه لابد من العلم التام فلأجل أن يعلم أن المطيع من هو والعاصى من هو فلا
يقع الخطأ فى إيصال الحق إلى مستحقه، فثبت أن كونه عزيزاً غفوراً لا يمكن ثبوتها إلا بعد ثبوت

٥٧
قوله تعالى . الذي خلق سبع سموات طباقا . سورة الملك .
الَّذِى خَلَقَ سَبْعَ مَوٍَّ طِبَاقًا مَّاتَرَكَ فِ خَلْقِ الََّنِ مِنْ تَفَُتٍ فَارْجِعٍ
الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فَطَوِرِ
القدرة التامة والعلم التام، فلهذا السبب ذكر الله الدليل على ثبوت هاتين الصفتين فى هذا المقام،
ولما كان العلم بكونه تعالى قادراً متقدماً على العلم بكونه عالما، لاجرم ذكر أولا دلائل القدرة
وثانياً دلائل العلم .
أما دليل القدرة فهو قوله ﴿ الذى خلق سبع سموات طباقاً﴾ وفيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ ذكر صاحب الكشاف فى (طباقاً) ثلاثة أوجه (أولها) طباقاً أى مطابقة
بعضها فوق بعض من طابق النعل إذا خصفها طبقاً على طبق ، وهذا وصف بالمصدر (وثانيها )
أن يكون التقدير ذات طباق ( وثالثها ) أن يكون القدير طوبقت طباقاً .
المسألة الثانية ﴾ دلالة هذه السموات على القدرة من وجوه (أحدها) من حيث إنها
بقيت فى جو الهواء معلقة بلا عماد ولا سلسلة (وثانيها) من حيث إن كل واحد منها اختص
بمقدار معين مع جواز ما هو أزيد منه وأنقص (وثالثها) أنه اختص كل واحد منها بحركة خاصة
مقدرة بقدر معين من السرعة والبط. إلى جهة معينة (ورابعها) كونها فى ذواتها محدثة وكل ذلك
يدل على استادها إلى قادر تام القدرة .
وأما دليل العلم فهو قوله ﴿ما ترى فى خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من
فطرر ﴾ وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ حمزة والكمائى من تفوت والباقون من تفاوت، قال الفراء: وهما
بمنزلة واحدة مثل تظهر وتظاهر، وتعهد وتعاهد، وقال الأخفش: تفاوت أجود لأنهم يقولون
تفاوت الأمر ولا يكادون يقولون تفوت ، واختار أبو عبيدة: نفوت ، وقال يقال تفوت الشىء
إذا فات، واحتج بما روى فى الحديث أن رجلا تفوت على أبيه فى ماله .
المسألة الثانية ﴾ حقيقة التفاوت عدم التناسب كأن بعض الشىء يفوت بعضه ولا يلائمه
ومنه قولهم تعلق متعلق متفاوت ونقيضه متناسب ، وأما ألفاظ المفسرين: فقال السدى من تفاوت
أى من اختلاف عيب ، يقول الناظر لو كان كذا كان أحسن، وقال آخرون (التفاوت) الفطور
بدليل قوله بعد ذلك ( فارجع البصر هل ترى من فطور) نظيره قوله ( وما لها من فروج) قال
القفال ويحتمل أن يكون المعنى (مازى فى خلق الرحمن من تفاوت) فى الدلالة على حكمة صانعها
وأنه لم يخلقها عبئاً .
﴿ المسألة الثالثة﴾ الخطاب فى قوله ( ما ترى) إما للرسول أو لكل مخاطب وكذ القول فى

٥٨
قوله تعالى : ثم أرجع البصر كرتين . سورة الملك .
ثمَ أَرْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبِ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ ﴾
قوله ( فارجع البصر هل ترى من فطور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئاً).
﴿ المسألة الرابعة) قوله ( طباقاً) صفة السموات ، وقوله بعد ذلك (ما ترى فى خاق الرحمن
من تفاوت) صفة أخرى السموات والتقدير خلق سبع سموات طباقاً ما ترى فيهن من تفاوت
إلا أنه وضع مكان الضمير قوله ( خلق الرحمن) تعظيما لخلقون وتنبيهاً على سبب سلامتهن من
التفاوت، وهو أنه ( خلق الرحمن) وأنه يباهر قدرته هو الذى يخلق مثل ذلك الخلق المتناسب .
﴿ المسألة الخامسة) اعلم أن وجه الاستدلال بهذا على كال على الله تعالى هو أن الحس دل
أن هذه السموات السبع، أجسام مخلوقة على وجه الإحكام والإتقان، وكل فاعل كان فعله محكما
متقناً فإنه لابد وأن يكون عالما ، فدل هذه الدلالة على كونه تعالى عالماً بالمعلومات فقوله ( ما ترى
فى خلق الرحمن من تفاوت ) إشارة إلى كونها محكمة متقنة .
﴿ المسألة السادسة﴾ احتج الكعى بهذه الآية على أن المعاصى ليست من خلق الله تعالى، قال
لأنه تعالى نفى التفاوت فى خلقه، وليس المراد نفى التفاوت فى الصغر والكبر والنقص والعيب
فوجب حمله على نفى التفاوت فى خلقه من حيث الحكمة ، فيدل من هذا الوجه على أن أفعال العباد
ليست من خلفه على ما فيها من التفاوت الذى بعضه جهل وبعضه كذب وبعضه سفه ، (الجواب)
بل نحن تحمله على أنه لا تفوت فيها بالنسبة إليه، من حيث إن الكل يصح منه بحسب القدرة
والإرادة والداعية ، وإنه لا يقبح منه شىء أصلا ، فلم كان حمل الآية على التفاوت من الوجه الذى
ذكرتم أولى من حملها على أفى التفاوت من الوجه الذى ذكرناه، ثم إنه تعالى أكد بيان كونها
محكمة متقنة، وقال (فارجع البصر هل ترى من فطور) والمعنى أنه لما قال (ماترى فى خلق الرحمن
من تفاوت ) كأنه قال بعده، ولعلك لا تحكم بمقتضى ذلك بالبصر الواحد، ولا تعتمد عليه بسبب
أنه قد يقع الغلط فى النظرة الواحدة، ولكن ارجع البصر واردد النظرة مرة أخرى، حتى تتيقن
أنه ليس فى خلق الرحمن من تفاوت البتة . والفطور جمع فطر ، وهو الشق يقال فطره فانفطر ومنه
فطر ناب البعير، كما يقال شق ومعناه شق اللحم فطلع، قال المفسرون (هل ترى من فطور) أى من
فروج وصدوع وشقوق، وفتوق، وخروق ، كل هذا ألفاظهم .
ثم قال تعالى ﴿ ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئاً وهو حسير؛
أمر بتكرير البصر فى خلق الرحمن على سبيل التصفح والتقبع ، هل يجد فيه عيباً وخللا، يعنى
أنك إذا كررت نظرك لم يرجع إليك بصرك بما طلبته من وجدان الخلل والعيب ، بل يرجع
إليك خاسئاً أى مبعداً من قولك خسأت الكلب إذا باعدته ، قال المبرد: الخاسىء المبعد المصغر،
وقال ابن عباس: الخاسى الذى لم يرما يهوى، وأما الحسير فقال ابن عباس هو الكليل، قال الليث

٥٩
قوله تعالى : ولقد زينا السماء الدنيا . سورة الملك .
وَلَقَدْ زَيْنَا السَمَآءَ الذُّنْيَا بِمَصَبِيحَ وَجَعَلْنَهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا
◌َهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ
الحسر والحسور الأعياء، وذكر الواحدى ههنا احتمالين (أحدهما) أن يكون الحسير مفعولا من
حسر العين بعد المرئى ، قال رؤية :
يحسر طرف عيناه فضا
﴿ الثانى) قول الفراء أن يكون فاعلا من الحسور الذى هو الإعياء، والمعنى أنه وإن كرر
النظر وأعاده فإنه لا يجدعيباً ولا فطوراً ، بل البصر يرجع خاسئامن الكلال والإعياء، وههنا سؤالان:
﴿ السؤال الأول) كيف ينقلب البصر خاسئاً حسيراً برحعه كرتين اثنتين (الجواب)
التثنية للتكرار بكثرة كقولهم لبيك وسعديك يريد إجابات متوالية .
﴿السؤال الثانى) فما معنى ثم ارجع (الجواب) أمره يرجع البصر ثم أمره بأن لا يقنع بالرجعة
الأولى، بل أن يتوقف بعدها ويجم بصره ثم يعيده ويعاوده إلى أن يحسر بصره من طول المعاودة
فإنه لا يعثر على شىء من فطور .
قوله تعالى : ﴿ولقدزينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين وأعتدنالهم عذاب السعير﴾
إعلم أن هذا هو الدليل الثانى على كونه تعالى قادراً عالماً ، وذلك لأن هذه الكواكب نظراً إلى
أنها محدثة ومختصة بمقدار خاص، وموضع معين ، وسير معين، تدل على أن صانعها قادر ونظراً
إلى كونها محكمة متقنة موافقة لمصالح العباد من كونها زينة لأهل الدنيا، وسباً لانتفاعهم بها، تدل
على أن صانعها عالم، ونظير هذه الآية فى سورة الصفات (إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب
وحفظاً من كل شيطان مارد) وههنا مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ السماء الدنيا السماء القربى، وذلك لأنها أقرب السموات إلى الناس ومعناها
السماء الدنيامن الناس، والمصابيح السرج سميت بها الكواكب، والناس يزينون مساجدهم ودورهم
بالمصابيح ، فقيل: ولقد زينا سقف الدار التى اجتمعتم فيها بمصابيح أى بمصابيح لا توازيها
مصابيحكم إضاءة، أما قوله تعالى (وجعلناها : جوماً للشياطين) فاعلم أن الرجوم جمع رجم ، وهو
مصدر سمى به ما يرجم به ، وذكروا فى معرض هذه الآية وجهين : (الوجه الأول ) أن
الشياطين إذا أرادوا استراق السمع رجموا بها، فإن قيل جعل الكواكب زينة للسماء يقتضى بقاءها
واستمراراها وجعلها رجوماً للشياطين ورميهم بها يقتضى زوالها والجمع بينهما متناقض ، قلنا ليس
معنى رجم الشياطين هو أنهم يرمون بأجرام الكواكب ، بل يجوز أن ينفصل من الكواكب
شعل ترمى الشياطين بها ، وتلك الشعل هى الشهب، وما ذاك إلا قبس يؤخذ من نار والنار

٦٠
قوله تعالى : ولقد زينا السماء الدنيا . سورة الملك .
باقية ( الوجه الثانى) فى تفسير كون الكواكب رجوما للشياطين أنا جعلناها ظوناً ورجواً
بالغيب لشياطين الإنس وهم الاحكاميون من المنجمين .
﴿ المسألةَ الثانية﴾ أعلم أن ظاهر هذه الآية لا يدل على أن هذه الكواكب مركوزة فى السماء
الدنيا، وذلك لأن السموات إذا كانت شفافة فالكوا كب سواء كانت فى السماء الدنيا أو كانت
فى سموات أخرى فوقها، فهى لابد وأن تظهر فى السماء الدنيا وتلوح منها، فعلى التقديرين تكون
السماء الدنيا مزينة بهذه المصابيح.
واعلم أن أصحاب الهيئة اتفقوا على أن هذه الثوابت مركوزة فى الفلك الثامن الذى هو فوق
كرات السيارات، واحتجوا عليه بأن بعض هذه الثوابت فى الفلك الثامن، فيجب أن تكون
كلها هناك، وإنما قلنا إن بعضها فى الفلك الثامن ، وذلك لأن الثوابت التى تكون قريبة من المنطقة
تنكسف بهذه السيارات، فوجب أن تكون الثوابت المنكسفة فوق السيارات الكاسفة، وإنما
قلنا إن هذه الثوابت لما كانت فى الفلك الثامن وجب أن تكون كلها هناك ، لأنها بأسرها متحركة
حركة واحدة بطيئة فى كل مائة سنة درجة واحدة ، فلا بد وأن تكون من كوزة فى كرة واحدة
واعلم أن هذا الاستدلال ضعيف ، فإنه لا يلزم من كون بعض الثوابت فوق السيارات كون
كلها هناك ، لأنه لا يبعد وجود كرة تحت القمر، وتكون فى البطء مساوية لكرة الثوابت،
وتكون الكواكب المركوزة فيما يقارن القطبين مركوزة فى هذه الكرة السفلية، إذ لا يبعد
وجود كرتين مختلفتين بالصغر والكبر مع كونهما متشابهتين فى الحركة، وعلى هذا التقدير لا يمتنع أن
تكون هذه المصابيح من كوزة فى السماء الدنيا، فثبت أن مذهب الفلاسفة فى هذا الباب ضعيف .
المسألة الثالثة﴾ اعلم أن منافع النجوم كثيرة، منها أن الله تعالى زين السماء بها، ومنها أنه
يحصل بسبيها فى الليل قدر من الضوء، ولذلك فإنه إذا تكاثف السحاب فى الليل عظمت الظلمة ،
وذلك بسبب أن السحاب يحجب أنوارها، ومنها أنه يحصل بيها تفاوت فى أحوال الفصول
الأربعة، فإنها أجسام عظيمة نورانية، فإذا قارنت الشمس كوكباً مسخناً فى الصيف، صار
الصيف أفوى حراً، وهو مثل نار تضم إلى نار أخرى، فإنه لا شك أن يكون الأثر الحاصل من
المجموع أقوى، ومنها أنه تعالى جعلها علامات يهتدى بها فى ظلمات البر والبحر، على ما قال تعالى
( وعلامات وبالنجم هم يهتدون ) ومنها أنه تعالى جعلها رجوماً للشياطين الذين يخرجون الناس
من نور الإيمان إلى ظلمات الكفر، يروى أن السبب فى ذلك أن الجن كانت تتسمع لخبر السماء ،
فلما بعث محمد وائل حرست السماء، ورصدت الشياطين، فمن جاء منهم مســقاً للسمع رمى بشهاب
فأحرفه لئلا ينزل به إلى الأرض فيلقيه إلى الناس فيخلط على النبى أمره ويرقاب الناس بخيره، فهذا
هو السبب فى انقضاض الشهب، وهو المراد من قوله ( وجعلناها رجوماً للشياطين ) ومن الناس