Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
قوله تعالى : ثم يعودون عما قالوا فتحرير رقبه . سورة المجادلة .
لقوله تعالى ( وفى الرقاب ) والرقبة مجزئة لقوله تعالى ( فتحرير رقبة) حجة الشافعى أن المقتضى
لبقاء التكاليف بإعتاق الرقبة قائم، بعد إعتاق المكاتب ، وما لأجله ترك العمل به فى محل الرقاب
غير موجودههنا ، فوجب أن يبقى على الأصل ، بيان المقتضى أن الأصل فى الثابت البقاء على
ما كان ، بيان الفارق أن المكاتب كالزائل عن ملك المولى وإن لم يزل عن ملكه، لكنه يمكن نقصان
فى رقه، بدليل أنه صار أحق بمكاسبه، ويمتنع على المولى التصرفات فيه، ولو أتلفه المولى يضمن
قيمته ، ولو وظى. مكاتبته يغرم المهر، ومن المعلوم أن إزالة الملك الخالص عن شوائب الضعف
أشق على المالك من إزالة الملك الضعيف ، ولا يلزم من خروج الرجل عن العهدة بإعتاق العبد
القن خروجه عن العهدة بإعتاق المكاتب، ( والوجه الثانى) أجمعنا على أنه لو أعتقه الوارث بعد
موته لا يجزى، عن الكفارة ، فكذا إذا أعتقه المورث والجامع كون الملك ضعيفاً.
﴿ المسألة الثامنة﴾ لو اشترى قريبه الذى يعتق عليه بنية الكفارة عتق عليه، لكنه لا يقع
عن الكفارة عند الشافعى ، وعند أبى حنيفة يقع ، حجة أبى حنيفة التمسك بظاهر الآية ، وحجة
الشافعى ماتقدم .
﴿ المسألة التاسعة﴾ قال أبو حنيفة: الإطعام فى الكفارات يتأدى بالتمكين من الطعام ،
وعند الشافعى لا يتأدى إلا بالتمليك من الفقير ، حجة أبى حنيفة ظاهر القرآن وهو أن الواجب
هو الإطعام، وحقيقة الإطعام هو التمكين ، بدليل قول تعالى (من أوسط ما تطعمون أهليكم)
وذلك يتأدى بالتمكين والتمليك، فكذا ههنا، وحجة الشافعى القياس على الزكاة وصدقة الفطر.
{ المسألة العاشرة ﴾ قال الشافعى لكل مسكين مد من طعام بلده الذى يقتات منه حنطة أو
شعيراً أو أرزاً أو تمراً أو أقطاً، وذلك بمد النبى صلى الله عليه وسلم ولا يعتبر مد حدث بعده،
وقال أبو حنيفة: يعطى كل مسكين نصف صاع من بر أو دقيق أو سويق أو صاعاً من تمر أو صاعا
من شعير ولا بجزئه دون ذلك ، حجة الشافعى أن ظاهر الآية يقتضى الإطعام ، ومراتب الإطعام
مختلفة بالكمية والكيفية ، فليس حمل اللفظ على البعض أولى من حمله على الباقى ، فلا بد من حمله
على أقل مالابد منه ظاهراً ، وذلك هو المد، حجة أبى حنيفة ماروى فى حديث أوس بن الصامت
((لكل مسكين نصف صاع من بر)) وعن على وعائشة قالا: لكل مسكين مدان من بر، ولأن
المعتبر حاجة اليوم لكل مسكين، فيكون نظير صدقة الفطر، ولا يتأدى ذلك بالمد ، بل بما قلنا ،
فكذلك هنا .
{ المسألة الحادية عشرة) لو أطعم مسكيناً واحد ستين مرة لا يجزى. عند الشافعى، وعند
أبى حنيفة يجزى.، حجة الشافعى ظاهر الآية، وهو أنه أوجب إطعام ستين مسكيناً، فوجب
رعاية ظاهر الآية، وحجة أبى حنيفة أن المقصود دفع الحاجة وهو حاصل، والشافعى أن يقول
التحكمات غالبة على هذه التقديرات ، فوجب الامتناع فيها من القياس ، وأيضاً فلعل إدخال السرور

٢٦٢
قوله تعالى : ذلكم توعظون به . سورة المجادلة .
ذَالِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ، وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ ◌َن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنٍ
مُتَابِيْنِ مِنْ قَبْلِ أَن يَتَمَّاسِّا ◌َمَنْ لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِينَ مِسْكِينًا
فى قلب ستين إنساناً ، أقرب إلى رضا الله تعالى من إدخال السرور فى قلب الإنسان الواحد.
﴿ المسألة الثانية عشرة) قال أصحاب الشافعى: إنه تعالى قال فى الرقبة (فمن لم يجد فصيام
شهرين) وقال فى الصوم (فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً) فذكر فى الأول (فمن لم يجد) وفى
الثانى ( فمن لم يستطع) فقالوا من ماله غائب لم ينتقل إلى الصوم بسبب عجزه عن الإعتاق فى الحال
أما من كان مريضاً فى الحال، فإنه ينتقل إلى الإطعام وإن كان مرضه بحيث يرجى زواله ، قالوا
والفرق أنه قال : فى الإنتقال إلى الإطعام (فمن لم يستطع) وهو بسبب المرض الناجز، والعجز.
العاجل غير مستطيع، وقال فى الرقبة (فمن لم يجد ) والمراد فمن لم يجد رقبة أرمالا يشترى به رقبة،
ومن ماله غائب لا يسمى فاقداً للمال ، وأيضا يمكن أن يقال فى الفرق إحضار المالى يتعلق باختياره
وأما إزالة المرض فليس باختياره.
( المسألة الثالثة عشرة) قالى بعض أصحابنا: الشبق المفرط والغلمة الهائجة، عذر فى الانتقال
إلى الإطعام، والدليل عليه أنه عليه السلام ((لما أمر الأعرابى بالصوم قال له وهل أتيت إلا من
قبل الصوم - فقال عليه السلام - أطعم)) دل الحديث على أن الشبق الشديد عذر فى الانتقال من
الصوم إلى الإطعام ، وأيضاً الاستطاعة فوق الوسع ، والوسع فوق الطاقة ، فالاستطاعة هو أن
يتمكن الإنسان من الفعل على سبيل السهولة، ومعلوم أن هذا المعنى لا يتم مع شدة الشبق ، فهذه
جملة مختصرة ما يتعلق بفقه القرآن فى هذه الآية. والله أعلم .
٠٠٢
قوله تعالى: ﴿ ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير﴾ قال الزجاج: ( ذلكم) التغليظ فى
الكفارة (توعظون به) أى أن غلط الكفارة وعظ لكم حتى تتركوا الظهار ولا تعاودوه، وقال
غيره ( ذلكم توعظون به ) أى تؤمرون به من الكفارة ( والله بما تعملون خبير) من
التکفیر وترکه .
ثم ذكر تعالى حكم العاجز عن الرقبة فقال ﴿فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن
يتماسا، فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً﴾ فدات الآية على أن التابع شرط ، وذكر فى تحرير
الرقبة والصوم أنه لا بد وأن يوجدا من قبل أن يتماسا. ثم ذكر تعالى أن من لم يستطع ذلك فإطعام
ستين مسكيناً، ولم يذكر أنه لابد من وقوعه قبل الماسة. إلا أنه كالأولين بدلالة الإجماع، والمسائل
الفقهية المفرعة على هذه الآية كثيرة مذكورة فى كتب الفقه.

٢٦٣
قوله تعالى : إن الذين يحادون الله ورسوله . سورة المجادلة .
ج
ذَلِكَ لِيُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتِلْكَ حُدُودُ الَّهِ وَلِلْكَِّفِرِ ينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١)
إِنَّ الَّذِينَ يُحَدُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُلِتُواْ كَ كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنزَلْنَاً
ءَايَاتٍ بَيِّنَتِ وَلِلْكَفِرِينَ عَذَابٌ مِّهِينٌ
قوله تعالى: ﴿ ذلك لتومنوا بالله ورسوله وتلك حدود الله وللكافرين عذاب أليم). وفى
قوله ( ذلك ) وجهان (الأول) قال الزجاج إنه فى محل الرفع، والمعنى الفرض ذلك الذى وضعناه،
( الثانى ) فعلنا ذلك البيان والتعليم للأحكام لتصدقوا بالله ورسوله فى العمل بشرائه، ولا
تستمروا على أحكام الجاهلية من جعل الظهار أقوى أنواع الطلاق، وفى الآية مسائل :
المسألة الأولى﴾ استدات المعتزلة باللام فى قوله (لتؤمنوا) على فعل الله معلل بالغرض
وعلى أن غرضه أن تؤمنوا بالله، ولا تستمروا على ما كانوا عليه فى الجاهلية من الكفر ، وهذا
يدل على أنه تعالى أراد منهم الإيمان وعدم الكفر .
المسألة الثانية﴾ استدل من أدخل العمل فى مسمى الإيمان بهذه الآية، فقال أمرهم بهذه
الأعمال، وبين أنه أمرهم بها ليصيروا بعملها مؤمنين، فدلت الآية على أن العمل من الإيمان ومن
أنكر ذلك قال إنه تعالى لم يقل ( ذلك لتؤمنوا بالله) بعمل هذه الأشياء، ونحن نقول المعنى ذلك
لتؤمنوا بالله بالإقرار بهذه الأحكام، ثم إنه تعالى أكد فى بيان أنه لابد لهم من الطاعة، (وتلك
حدود الله وللكافرين عذاب أليم) أى لمن جحد هذا وكذب به.
قوله تعالى : ﴿ إن الذين يحادون الله ورسوله كبتوا كما كبت الذين من قبلهم وقد أنزلنا آيات
بينات والكافرين عذاب مهين﴾ وفيه مسألتان :
﴿ المسألة الأولى﴾ فى المحادة قولان. قال المبرد: أصل المحادة الممانعة، ومنه يقال للبواب
حداد، وللمنوع الرزق محدود، قال أبو مسلم الأصفهانى: المحادة مفاعلة من لفظ الحديد، والمراد
المقابلة بالحديد سواء كان ذلك فى الحقيقة ، أو كان ذلك منازعة شديدة شبيهة بالخصومة بالحديد ،
أما المفسرون فقالوا: يحادون. أى يعادون ويشاقون، وذلك تارة بالمحاربه مع أولياء الله وقارة
بالتكذيب والصد عن دين الله .
المسألة الثانية﴾ الضمير فى قوله (يحادون) يمكن أن يكون راجعاً إلى المنافقين ، فإنهم كانوا
يوادون الكافرين ويظاهرون على الرسول عليه السلام فأذلهم الله تعالى، ويحتمل سائر الكفار
فأعلم الله رسوله أنهم (كبتوا) أى خذلوا، قال المبرد: يقال كبت اللّه فلاناً إذا أذله، والمردود بالذل
يقال له مكبوت، ثم قال (كما كبت الذين من قبلهم ) من أعداء الرسل (وقد أنزلنا آيات بينات)

٢٦٤
قوله تعالى : يوم يبعثهم الله جميعاً . سورة المجادلة .
يَوْمَ يَبْعُهُمُ اللَّهُ ◌َمِيعًا فَيُنَُِّّهُم بِمَا عَمِلُواْ أَحْصَنُهُ الَهُ وَنَسُوهُ وَاللهُ عَلَ
كُلِّشَىْءٍ شَرِدُّ (ي أَرْ تَأَنَّ الَّهَ يَعْلَمُ مَا فِ السَّمَنَاتِ وَمَا فِ الْأَرْضِ
تدل على صدق الرسول (وللكافرين) بهذه الآيات (عذاب مهين) يذهب بعزهم وكبرهم ، فبين
سبحانه أن عذاب هؤلاء المحادين فى الدنيا الذل والهوان، وفى الآخرة العذاب الشديد.
ثم ذكر تعالى مابه يتكامل هذا الوعيد فقال :
( يوم يبعثهم الله جميعاً فينبتهم بما عملوا أحصاه الله ونسوه والله على كل شىء شهيد
يوم منصوب بينبتهم، أو بمهين، أو بإضمار اذكر، تعظيما لليوم، وفى قوله (جميعاً) قولان:
(أحدهما ) كلهم لا يترك منهم أحد غير مبعوث (والثانى) مجتمعين فى حال واحدة ، ثم قال
(فيفبتهم بما عملوا) تحجيلالهم ، وتوبيخاً وتشهيراً لحالهم ، الذى يتمنون عنده المسارعة بهم إلى
النار ، لما يلحقهم من الخزى على رؤس الأشهاد وقوله (أحصاه الله) أى أحاط بجميع أحوال
تلك الأعمال من الكمية والكيفية، والزمان والمكان لأنه تعالى عالم بالجزئيات ، ثم قال (وأسوه)
لأنهم استحقروها وتها ونوا بها فلا جرم نسوها (والله على كل شىء شهيد) أى مشاهد لا يخفى عليه شىء البتة.
ثم إنه تعالى أكد بيان كونه عالماً بكل المعلومات فقال:
﴿ ألم تر أن الله يعلم ما فى السموات وما فى الأرض﴾.
قال ابن عباس ( ألم تر ) أى ألم نعلم. وأقول هذا حق لأن كونه تعالى عالما بالأشياء لايرى.،
ولكنه معلوم بواسطة الدلائل، وإنما أطلق لفظ الرؤية على هذا العلم، لأن الدليل على كونه عالماً،
هو أن أفعاله محكمة متقنة منتسقة منتسقة منتظمة ، وكل من كانت أفعاله كذلك فهو عالم .
( أما المقدمة الأولى) فمحسوسة مشاهدة فى عجائب السموات والأرض، وتركيبات النبات
والحيوان.
﴿ أما المقدمة الثانية) فبديهية ، ولما كان الدليل الدال على كونه تعالى كذلك ظاهراً لا جرم
بلغ هذا العلم والاستدلال إلى أعلى درجات الظهور والجلاء ، وصار جارياً مجرى المحسوس
المشاهد، فلذلك أطلق لفظ الرؤية فقال (ألم تر) وأما أنه تعالى عالم بجميع المعلومات ، فلأن علمه
علم قديم ، فلو تعلق بالبعض دون البعض من أن جميع المعلومات مشتركة فى صحه المعلومية لافتفر
ذلك العلم فى ذلك التخصيص إلى مخصص ، وهو على الله تعالى محال ، فلا جرم وجب كونه تعالى
عالماً بجميع المعلومات، واعلم أنه سبحانه قال ( يعلم ما فى السموات ومافى الأرض) ولم يقل:
بعلم مافى الأرض ومافى السموات. وفى رعاية هذا الترتيب سرعميب .
ثم إنه تعالى خص ما يكون من العباد من النجوى فقال :

٢٦٥
قوله تعالى : ما يكون من نجوى ثلاثة . سورة المجادلة .
مَا يَكُونُ مِن تَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا نَحْسَةٍ إِلََّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى
مِنِ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلََّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُواْ ثُمَ يُنَِّثُهُمْ بِمَا عَمِلُواْ يَوْمَ الْقِيَةِ إِنَّ
ج
اللّهَ بِكُلٍ شَىْءٍ عَلِيمُ ﴾
﴿ ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم، ولا خمسة إلا هو سادسهم، ولا أدنى من ذلك
ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا، ثم ينبتهم بما عملوا يوم القيامة، إن الله بكل شىء عليم).
وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قال ابن جى، قرأ أبو حيوة: ما تكون من نجوى ثلاثة، بالتاء. ثم قال
والتذكير الذى عليه العامة هو الوجه، لما هناك من الشياع وعموم الجنسية، كقولك: ماجاءنى من
من أمرأة، وما حضرنى من جارية، ولأنه وقع الفاصل بين الفاعل والمفعول ، وهو كلمة من ،
ولأن النجوى تأنيثه ليس تأنيثاً حقيقياً، وأما التأنيث فلان تقدير الآية: ما تكون نجوى ، كما
يقال : ما قامت أمرأة وما حضرت جارية .
﴿ المسألة الثانية) قوله ( ما يكون) من كان التامة ، أى ما يوجد ولا يحصل من نجوى ثلاثة.
﴿ المسألة الثالثة﴾ النجوى: التناجى وهو مصدر، ومنه قوله تعالى ( لا خير في كثير من
تجرام) وقال الزجاج: النجوى مشتق من النجوة ، وهى ما ارتفع ونجا، فالكلام المذكور سراً
لما خلا عن استماع الغير صار كالأرض المرتفعة، فإنها لارتفاعها خلت عن اتصال الغير ، ويجوز
أيضاً أن تجعل النجوى وصفاً، فيقال: قوم نجوى، وقوله تعالى ( وإذهم نجوى) والمعنى ، هم ذوو
نجوى. فحذف المضاف ، وكذلك كل مصدر وصف به .
﴿ المسألة الرابعة﴾ جر ثلاثة فى قوله ( من نجوى ثلاثة) يحتمل وجهين (أحدهما) أن
يكون مجروراً بالإضافة ( والثانى) أن يكون النجوى بمعنى المتناجين ، ويكون التقدير : ما يكون
من متناجين ثلاثة فيكون صفة .
﴿ المسألة الخامسة﴾ قرأ ابن أبى عبلة ثلاثة وخمسة بالنصب على الحال، بإضمار يتناجون لأن
نجوى يدل عليه .
﴿ المسألة السادسة﴾ أنه تعالى ذكر الثلاثة والخمسة، وأهمل أمر الأربعة فى البين، وذكروا فيه
وجوها : (أحدها) أن هذا إشارة إلى كمال الرحمة، وذلك لأن الثلاثة إذا اجتمعوا، فإذا أخذ إثنان
فى التناجى والمشاورة، بقى الواحد ضائعا وحيداً. فيضيق قلبه فيقول الله تعالى: أنا جليسك وأنيسك،
وكذا الخمسة إذا اجتمعوا بقى الخامس وحيداً فريداً، أما إذا كانو أربعة لم يبق واحد منهم فريداً،

٢٦٦
قوله تعالى : ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى . سورة المجادلة .
أَّ فَ إِلَى الَّذِينَ نُهُواْ عَنِ النَّجْوَىِ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَيَنَجَوْنَ بِالْإِقْم
فهذا إشارة إلى أن كل من انقطع عن الخلق ما يتركه الله تعالى ضائعاً: (وثانيها) أن العدد الفرد
أشرف من الزوج، لأن اللّه وتريحب الوتر، لخص الأعداد الفرد بالذكر تنبيهاً على أنه لا بدمن رعاية
الأمور الإلهية فى جميع الأمور ( وثالثها) أن أقل مالابد منه فى المشاورة التى يكون الغرض منها
تمهيد مصلحة ثلاثة ، حتى يكون الإثنان كالمتنازعين فى النفى والإثبات ، والثالث كالمتوسط الحاكم
بينهما ، حينئذ تكمل تلك المشورة ويتم ذلك الغرض، وهكذا فى كل جمع اجتمعوا للمشاورة، فلا بد
فيهم من واحد يكون حكما مقبول القول، فلهذا السبب لابد وأن تكون أرباب المشاورة عددهم
فرداً، فذكر سبحانه الفردين الأولين واكتفى بذكرهما تنبيهاً على الباقى (ورابعها) أن الآية نزلت
فى قوم من المنافقين ، اجتمعوا على التناجى مغايظة للمؤمنين ، وكانوا على هذين العددين ، قال ابن
عباس نزلت هذه الآية فى ربيعة وحبيب ابنى عمرو ، وصفوان بن أمية، كانوا يوماً يتحدثون ، فقال
أحدهم : هل يعلم الله ما تقول؟ وقال الثانى: يعلم البعض دون البعض، وقال الثالث: إن كان يعلم
البعض فيعلم الكل ( وخامسها) أن فى مصحف عبد الله: ما يكون من نجوى ثلاثة إلا الله رابعهم ،
ولا أربعة إلا الله خامسهم، ولا خمسة إلا الله سادسهم، ولا أقل من ذلك ولا أكثر إلا الله معهم
إذا أخذوا فى التناجى .
المسألة السابعة) قرى. (ولا أدنى من ذلك ولا أكثر) بالنصب على أن لا لنفى الجنس،
. ويجوز أن يكون ( ولا أكثر) بالرفع معطوفاً على محمل لا مع أدنى، كقولك : لاحول ولا قوة
إلا بالله، بفتح الحول ورفع القوة (والثالث) يجوز أن يكونامر فوعين على الابتداء، كقولك: لا حول
ولا قوة إلا بالله (والرابع) أن يكون ارتفاعهما عطفاً على محل ( من نجوى) كأنه قيل : ما يكون
أدنى ولا أكثر إلا هو معهم، (والخامس) يجوز أن يكونامجرورين عطفاً على (نجوى) كأنه قيل:
ما يكون من أدنى ولا أكثر إلا هو معهم .
المسألة الثامنة) قرى. (ولا أكبر) بالباء المنقطة من تحت :
المسألة التاسعة﴾ المراد من كونه تعالى رابعاً لهم، والمراد من كونه تعالى معهم كونه تعالى
عالمً بكلامهم وضميرهم وسرهم وعلنهم ، وكأنه تعالى حاضر معهم ومشاهد لهم ، وقد تعالى عن
المكان والمشاهدة .
المسألة العاشرة﴾ قرأ بعضهم ( ثم ينبتهم) بسكنون النون، وأنبأ ونبأ واحد فى المعنى، وقوله
( ثم ينبتهم بما عملوا يوم القيامة) أى يحاسب على ذلك ويجازى على قدر الاستحقاق، ثم قال (إن
الله بكل شَىء عليم) وهو تحذير من المعاصى وترغيب فى الطاعات.
ثم إنه تعالى بين حال أولئك الذين نهوا من النجوى فقال ( ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم

٢٦٧
قوله تعالى : ويتناجون بالإثم والعدوان . سورة المجادلة .
وَالْعُذْوَنِ وَمَعْصِيَتِ الَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحِّكَ بِاللهُ وَ يَقُولُونَ
فِىَ أَنْفُسِمْ لَوْلَا يُعَذِبُنَا اللهُبِمَا نَقُولٌ
يعودون لما نهوا عنه﴾ واختلفوا فى أنهم من هم؟ فقال الأكثرون: هم اليهود، ومنهم من قال: هم
المنافقون ، ومنهم من قال: فريق من الكفار، والأول أقرب ، لأنه تعالى حكى عنهم فقال ( وإذا
جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله)، وهذا الجنس فيما روى وقع من اليهود، فقد كانوا إذا سدوا
على الرسول عليه السلام قالوا: السلام عليك ، يعنون الموت ، والأخبار فى ذلك متظاهرة، وقصة
عائشة فيها مشهورة.
قوله تعالى: ﴿ويتناجون بالإثم والعدوان ومعصية الرسول وإذا جاؤك حيوك بما لم يحميك
به الله ويقولون فى أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول﴾ وفيه مسألتان:
﴿ المسألة الأولى﴾ قال المفسرون: إنه صح أن أولئك الأقوام كانوا يتناجون فيما بينهم
ويوهمون المؤمنين أنهم يتناجون فيما يسوهم ، فيحزنون لذلك، فلما أكثروا ذلك شكا المسلمون
ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمرهم أن لا يتناجوا دون المسلمين، فلم ينتهوا عن ذلك
وعادوا إلى مناجاتهم ، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وقوله ( ويتناجون بالإثم والعدوان) يحتمل
وجهين (أحدهما ) أن الإثم والعدوان هو مخالفتهم للرسل فى النهى عن النجوى لأن الإقدام على
المنهى يوجب الإثم والعدوان ، سيما إذا كان ذلك الإقدام لأجل المناصبة وإظهار التمرد
( والثانى) أن الإثم والعدوان هو ذلك السر الذى كان يجرى بينهم، لأنه إمامكر وكيد بالمسلمين
أو شىء يسو.م .
﴿ المسألة الثانية﴾ قرأ حمزة وحده: ويتنجون بغير ألف، والباقون: يتناجون، قال أبو على:
يفتجون يفتعلون من النجوى ، والنجوى مصدر كالدعوى والعدوى ، فينتجون ويتناجون واحد ،
فإن يفتعلون، ويتفاعلون، قد بجريان مجرى واحد، كما يقال ازدوجوا، واعتوروا، وتزاوجوا
وتعاوروا، وقوله تعالى (حتى إذا ادار كوا فيها) وادركوا فادركوا افتعلوا، وأدركوا اتفاعلوا
وحجة من قرأ: يتناجون، قوله (إذا ناجيتم الرسول، وتناجوا بالبر والتقوى) فهذا مطاوع ناجيتم ،
وليس فى هذا رد لقراءة حمزة: ينتجون، لأن هذا مثله فى الجواز، وقوله تعالى (ومعصية الرسول)
قال صاحب المكشاف: قرىء ومعصيات الرحول، والقولان مهناكما ذكرناه فى الإثم والعدوان
وقوله ﴿ وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله﴾ يعنى أنهم يقولون فى تحيتك: السام عليك يا محمد،
والسام الموت ، والله تعالى يقول ، ( وسلام على عباده الذين اصطفى) ويا أيها الرسول ،
وياأيها النبى ، ثم ذكر تعالى (أنهم يقولون فى أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول) يعنى أنهم

٢٦٨
قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم . سورة المجادلة .
٠٠١٠٠٠٠١٠٠
حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْتَهَا فَبِئْسَ اَلْمَصِيرُ ﴾ ◌َأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ إِذَا
تَتَكَجَيْتُمْ فَلَا تَجَوْ بِآلْإِمِ وَالْعُدْوَّنِ وَمَعْصِبَتِ الَّسُولِ وَجَوْاْ بِآلْبِرِّ وَالتَّقْوَى
إِنََّا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ
وَأَتَّقُواْ اللّهَ الَّذِىّ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ
يقولون فى أنفسهم : إنه لو كان رسولا فلم لا يعذبنا الله بهذا الاستخفاف.
ثم قال تعالى ﴿حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير﴾ والمعنى أن تقدم العذاب إنما يكون بحسب
المشيئة، أو بحسب المصلحة، فإذا لم تقتض المشيئة تقدم العذاب، ولم يقتض الصلاح أيضاً ذلك،
فالعذاب فى القيامة كافيهم فى الردع عما هم عليه .
قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول
وتناجوا بالبر والتقوى
إعلم أن المخاطبين بقوله ( يا أيها الذين آمنوا) قولين، وذلك لأنا إن حملنا قوله فيما تقدم (ألم
تر إلى الذين نهوا عن النجوى) على اليهود حملنا فى هذا الآية قوله ( يا أيها الذين آمنوا) على
المنافقين ، أى يا أيها الذين آمنوا بألسنتهم ، وإن حملنا ذلك على جميع الكفار من اليهود
والمنافقين ، حملنا هذا على المؤمنين ، وذلك لأنه تعالى لما ذم اليهود والمنافقين على التناجى بالإثم
والعدوان ومعصية الرسول ، أتبعه بأن نهى أصحابه المؤمنين أن يسلكوا مثل طريقتهم ، فقال
(لا تتناجوا بالإثم) وهو ما يقبح ما يخصهم ( والعدوان) وهو يؤدى إلى ظلم الغير ( ومعصية
الرسول) وهو ما يكون خلافاً عليه، وأمرهم أن (يتناجوا بالبر) الذى يضاد العدوان. وبالتقوى
وهو ما يتقى به من النار من فعل الطاعات وترك المعاصى ، وأعلم أن القوم متى تناجوا بما هذه صفته
قلت مناجاتهم ، لأن مايدعو إلى مثل هذا الكلام يدعو إظهاره ، وذلك یقرب من قوله ( لا خير
فى كثير من نجواهم من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس) وأيضاً فتى عرفت طريقة
الرجل فى هذه المناجاة لم يتأذ من مناجاته أحد.
ثم قال تعالى ﴿واتقوا الله الذى إليه تحشرون) أى إلى حيث يحاسب ويجازى وإلا فالمكان
لا يجوز على الله تعالى .
قوله تعالى: ﴿إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا﴾ الألف واللام فى لفظ النجوى
لا يمكن أن يكون الاستغراق، لأن فى النجوى ما يكون من اللّه وقه، بل المراد منه المعهود السابق
وهو النجوى بالإثم والعدوان ، والمعنى أن الشيطان يحملهم على أن يقدموا على تلك النجوى التى

قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا اذاقيل لكم تفسحوا . سورة المجادلة . ٢٦٩
وَلَيْسَ بِضَآرِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ وَعَلَى اللّهِ فَلْبَتَوَّكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (*) يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ إِذَا قِلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِى الْمَجَلِسِ فَافْسَحُواْ يَفْسَحِ اللّهُلَكُمْ وَإِذَا قِيلَ
هى سبب لحزن المؤمنين، وذلك لأن المؤمنين إذا رأوهم متناجين. قالوا ماراهم إلا وقد بلغهم عن
أفربائنا وإخواننا الذين خرجوا إلى العزوات أنهم قتلوا وهزموا. ويقع ذلك فى قلوبهم ويحزنون له .
ثم قال تعالى ﴿وليس بضارهم شيئاً إلا بإذن الله.) وفيه وجهان: (أحدهما) ليس يضر
التناجى بالمؤمنين شيئاً ( والثانى) الشيطان ليس بضارهم شيئاً إلا بإذن الله، وقوله ( إلا بإذن الله)
فقيل بعلمه وقيل بخلقه ، وتقديره الأمراض وأحوال القلب من الحزن والفرح ، وقيل بأن يبين
كيفية . احاة الكفار حتى يزول الغم .
ثم قال ﴿ وعلى فليتوكل المؤمنون) فإن من نوكل عليه لا يخيب أمله ولا يبطل سعيه.
قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم نفسحوا فى المجالس فافسحوا يفسح الله لكم﴾
وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ اعلم أنه تعالى لما نهى عباده المؤمنين عما يكون سبباً للتباغض والتنافر،
أمرثم الآن بما يصير سبباً لزيادة المحبة والمودة، وقوله (تفسحوا فى المجالس) توسعوا فيه وليفسح
بعضكم عن بعض ، من قولهم: افسح عنى ، أى تنح ، ولا تتضاموا ، يقال بلدة فسيحة ، ومفازة
فسيحة ، ولك فيه فسحة ، أى سعة .
﴿ المسألة الثانية﴾ قرأ الحسن وداود بن أبى هند: تفاسحوا، قال ابن جنى: هذالائق بالغرض
لأنه إذا قيل تفسحوا، فمعناه لكن هناك تفسح، وأما التفاسح فتفاعل ، والمرادههنا المفاعلة ، فإنها
تكون لما فوق الواحد ، كالمقاسمة والمكايلة ، وقرى. ( فى المجلس ) قال الواحدى : والوجه
التوحيد لأن المراد مجلس السى صلى الله عليه وسلم وهو واحد، ووجه الجمع أن يجعل لكل جالس
مجلس على حدة ، أى موضع جلوس .
﴿ المسألة الثالثة﴾ ذكروا فى الآية أقوالا ( الأول) أن المراد مجلس رسول الله صلى الله عليه
وسلم كانوا بتضامون فيه تنافساً على القرب منه، وحرصاً على استماع كلامه، وعلى هذا القول ذكروا
فى سبب النزول وجوهاً (الأول) قال مقاتل بن حبان: كان عليه السلام يوم الجمعة فى الصفة ، وفى
المكان ضيق، وكان يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار، فجاء ناس من أهل بدر ، وقد
سبقوا إلى المجلس ، فقاموا حيال الى صلى الله عليه وسلم ينتظرون أن يوسع لهم، فعرف رسول
الله صلى الله عليه وسلم ما يحملهم على القيام وشق ذلك على الرسول، فقال لمن حوله من غير أهل
بدر قم يافلان ، قم يافلان ، فلم يزل يقيم بعدة النفر الذين هم قيام بين يديه ، وشق ذلك على من أقيم

٢٧٠
قوله تعالى : وإذا قيل انشزوا . سورة المجادلة .
آَنُواْ فَسُُّواْ يَرْفَعِ اللّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُواْ الْعِمَ دَرََجَاتٍ وَالَهُبِمَا
من مجلسه، وعرفت الكراهية فى وجوههم، وطعن المنافقون فى ذلك، وقالوا والله ما عدل على
هؤلاء، إن قوماً أخذوا مجالسهم، وأحبوا القرب منه وأقامهم وأجلس من أبطأ عنه، ونزلت هذه
الآية يوم الجمعة ( الثانى) روى عن ابن عباس أنه قال: نزلت هذه الآية فى ثابت بن قيس بن
الشماس ، وذلك أنه دخل المسجد وقد أخذ القوم مجالسهم ، وكان يريد القرب من الرسول عليه
الصلاة والسلام للوقر الذى كان فى أذنيه . فوسعوا له حتى قرب، ثم ضايقه بعضهم وجرى بينه
وبينه كلام، ووصف للرسول محبة القرب منه ليسمع كلامه، وإن فلاناً لم يفسح له ، فنزلت هذه
الآية، وأمر القوم بأن يوسعوا ولا يقوم أحد لأحد، (الثالث) أنهم كانوا يحبون القرب من
رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان الرجل منهم يكره أن يضيق عليه فربما سأله أخوه أن يفسح
له فيأبى فأمرهم الله تعالى بأن يتعاطفوا ويتحملوا المكروه. وكان فيهم من يكره أن يمسه الفقراء،
وكان أهل الصفة يلبسون الصوف ولهم روائح، ( القول الثانى) وهو اختيار الحسن: أن المراد
تفسحوا فى مجالس القتال، وهو كقوله (مقاعد للقتال ) وكان الرجل يأتى الصف فيقول تفحسوا،
فيأبون لحرصهم على الشهادة ( والقول الثالث) أن المراد جميع المجالس والمجامع ، قال القاضى :
والأقرب أن المراد منه مجلس الرسول عليه السلام، لأنه تعالى ذكر المجلس على وجه يقتضى كونه
معهوداً ، والمعهود فى زمان نزول الآية ليس إلا مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم الذى يعظم
التنافس عليه ، ومعلوم أن للقرب منه مزية عظيمة لما فيه من سماع حديثه، ولمبا قيه من المنزلة ،
ولذلك قال عليه السلام ((ليلينى منكم أولوا الأحلام والنهى)) ولذلك كان يقدم الأفاضل من أصحابه،
وكانوا لكثرتهم يتضايقون، فإمروا بالنفسح إذا أمكن. لأن ذلك أدخل فى التجنب، وفى
الاشتراك فى سماع ما لابد منه فى الدين ، وإذا صح ذلك فى مجلسه، لجمال الجهاد ينبغى أن يكون
مثله ، بل ربما كان أولى، لأن الشديد البأس قد يكون متأخراً عن الصف الأول، والحاجة إلى
تقدمه ماسة فلا بد من التفسح ، ثم يقاس على هذا سار مجالس العلم والذكر .
أما قوله تعالى ﴿ يفسح الله لكم﴾ فهو مطلق فى كل ما يطلب الناس الفسحة فيه من المكان
والرزق والصدر والقبر والجنة .
واعلم أن هذه الآية دلت على أن كل من وسع على عباد الله أبواب الخير والراحة، وسع الله
عليه خيرات الدنيا والآخر ، ولا ينبغى للعاقل أن يقيد الآية بالتفسح فى المجلس ، بل المراد منه
إيصال الخير إلى المسلم، وإدخال السرور فى قلبه، ولذلك قال عليه السلام ((لا يزال الله فى عون
العبد ما زال العبد فى عون أخيه المسلم)).
ثم قال تعالى ﴿وإذا قيل انشروا فانشزوا يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم

٢٧١
قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم . سورة المجادلة .
ءَامَنُواْ إِذَا نَجَيْتُمُ الَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ
تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٨) يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ
نَجْوَتَكُرْ صَدَقَّهُ ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأْهَرْ فَإِ لَّْ تَجِدُواْ فَإِنَّاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمُ ﴾
درجات والله بما تعملون خبير﴾ وفيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ قال ابن عباس: إذا قيل لكم ارتفعوا فارتفعوا، واللفظ يحتمل وجوهاً
(أحدها ) إذا قيل لكم قوموا للتوسعة على الداخل، فقوموا (وثانيها ) إذا قيل قوموا من عند
رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا تطولوا فى الكلام، فقوموا ولا تركزوا معه، كما قال: ( ولا
مستأنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذى النبى) وهو قول الزجاج (وثالثها) إذا قيل لكم قوموا إلى
الصلاة والجهاد وأعمال الخير وتأهبوا له، فاشتغلوا به وتأهبوا له، ولا تتناقلوا فيه ، قال الضحاك
وابن زيد : إن قوماً تناقلوا عن الصلاة، فأمروا بالقيام لها إذا نودى .
﴿ المسألة الثانية) قرى (انشزوا) بكسر الشين وبضمها، وهما لغتان مثل: يعكفون ويعكفون،
ويعرشوون يعرشون .
واعلم أنه تعالى لما نهاهم أولا عن بعض الأشياء ، ثم أمرهم ثانياً ببعض الأشياء وعدهم على
الطاعات ، فقال (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) أى يرفع الله المؤمنين
بامتثال أوامر رسوله ، والعالمين منهم خاصة درجات ، ثم فى المراد من هذه الرفعة آولان
(الأول) وهو القول النادر أن المراد به الرفعة فى مجلس الرسول عليه السلام (والثانى) وهو
القول المشهور أن المراد منه الرفعة فى درجات الثواب، ومراتب الرضوان .
واعلم أنا أطنبنا فى تفسير قوله تعالى (وعلم آدم الأسماء كلها) فى فضيلة العلم ، وقال القاضى :
لاشبهة أن علم العالم يقتضى لطاعته من المنزلة مالا يحصل للمؤمن، ولذلك فإنه يقتدى بالعلم فى كلّ
أفعاله ، ولا يقتدى بغير العالم، لأنه يعلم من كيفية الاحتراز عن الحرام والشبهات ، ومحاسبة النفس
مالا يعرفه الغير ، ويعلم من كيفية الخشوع والتذلل فى العبادة مالا يعرفه غيره ، ويعلم من كيفية
التوبة وأوقاتها وصفاتها مالا يعرفه غيره، ويتحفظ فيما يلزمه من الحقوق مالا يتحفظ منه غيره ،
وفى الوجوه كثرة، لكنه كما تعظم منزلة أفعاله من الطاعات فى درجة الثواب، فكذلك يعظم عقابه
فيما يأتيه من الذنوب، لمكان علمه حتى لا يمتنع فى كثير من صغائر غيره أن يكون كبيراً منه .
قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدى نجو كم صدقة ذلك خير
لكم وأطهر فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم﴾ فيه مسائل:

٢٧٢
قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول . سورة المجادلة .
المسألة الأولى ﴾ هذا التكليف يشتمل على أنواع من الفوائد (أولها) إعظام الرسول عليه
السلام وإعظام مناجاته فإن الإنسان إذا وجد الشىء مع المشقة استعظمه، وإن وجده بالسهولة
استحقره ( وثانيها) نفع كثير من الفقراء بتلك الصدقة المقدمة قبل المناجاة (وثالثها) قال ابن
عباس : إن المسلين أكثروا المسائل على رسول الله صلى الله وسلم حتى شقوا عليه، وأراد الله
أن يخفف عن نبيه، فلما نزلت هذه الآية شح كثير من الناس فكفوا عن المسألة (ورابعها)
قال مقاتل بن حبان: إن الأغنياء غلبوا الفقراء على مجلس النبى عليه الصلاة والسلام وأكثروا من
مناجاته حتى كره النبى صلى الله عليه وسلم طول جلوسهم ، فأمر الله بالصدقة عند المناجاة، فأما
الأغنياء فامتنعوا ، وأما الفقراء فلم يجدوا شيئاً، واشتاقوا إلى مجلس الرسول عليه السلام، فتمنوا
أن لو كانوا يملكون شيئاً فينفقونه ويصلون إلى مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعند هذا
التكليف ازدادت درجة الفقراء عند الله، وانحطت درجة الأغنياء (وخامسها) يحتمل أن يكون
المراد منه التخفيف عليه، لأن أرباب الحاجات كانوا يلحون على الرسول ، ويشغلون أوقاته التى
هى مقسومة على الإباع إلى الأمة وعلى العبادة، ويحتمل أنه كان فى ذلك ما يشغل قلب بعض
المؤمنين ، لظنه أن فلانا إنما ناجى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمر يقتضى شغل القلب فيما يرجع
إلى الدنيا ( وسادسها) أنه يتميز به محب الآخرة عن محب الدنيا ، فإن المال محك الدواعى.
المسألة الثانية﴾ ظاهر الآية يدل على أن تقديم الصدقة كان واجباً ، لأن الأمر الوجوب،
ويتأكد ذلك بقوله فى آخر الآية (فإن لم تجدوا فإن الله غفوررحيم) فإن ذلك لا يقال إلا فيما بفقده
يزول وجوبه ، ومنهم من قال إن ذلك ما كان واجباً ، بل كان مندوباً، واحتج عليه بوجهين
(الأول) أنه تعالى قال ( ذلك خير لكم وأطهر) وهذا إنما يستعمل فى التطوع لا فى الفرض
(والثانى) أنه لو كان ذلك واجباً لما أزيل وجوبه بكلام متصل به، وهو قوله (أأشفقتم أن تقدموا)
إلى آخر الآية (والجواب عن الأول ) أن المندوب كما يوصف بأنه خير وأطهر، فالواجب أيضاً
يوصف بذلك ( والجواب عن الثانى ) أنه لا يلزم من كون الآيتين متصلتين فى التلاوة، كونهما
متصلتين فى النزول ، وهذا كما قلنا فى الآية الدالة على وجوب الاعتداد بأربعة أشهر وعشراً ، إنها
ناسخة للاعتداد بحول , وإن كان الناسخ متقدماً فى التلاوة على المنسوخ، ثم اختلفوا فى مقدار تأخر
الناسخ عن المفوخ ، فقال الكلبى: ما بقى ذلك التكليف إلا ساعة من النهار ثم نسخ، وقال مقاتل
ابن حبان : بقى ذلك التكليف عشرة أيام ثم نسخ .
﴿ المسألة الثالثة) روى عن على عليه السلام أنه قال: إن فى كتاب الله لآية ما عمل بها
أحد قبلى، ولا يعمل بها أحد بعدى، كان لى دينار فاشتريت به عشرة دراهم ، فكلما ناجيت رسول
الله صلى الله عليه وسلم قدمت بین یدی نجواى درهما، ثم نسخت فلم يعمل بها أحد ، وروى عن
ابن جريج والكلبى وعطاء عن ابن عباس: أنهم نهوا عن المناجاة حتى يتصدقوا فلم يناجه أحد إلا

٢٧٣
قوله تعالى : أأشفقتم أن تقدموا . سورة المجادلة .
ج
ءَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَلَكُمْ صَدَقَتِ
على عليه السلام تصدق بدينار ، ثم نزلات الرخصة . قال القاضى والأكثر فى الروايات : أنه عليه
السلام تفرد بالتصدق قبل مناجاته، ثم ورد النسح، وإن كان قد روى أيضاً أن أفاضل الصحابة
وجدوا الوقت وما فعلوا ذلك، وإن ثبت أنه اختص بذلك فلأن الوقت لم يتسع لهذا الغرض ،
وإلا فلا شبهة أن أكابر الصحابة لا يقعدون عن مثله ، وأقول على تقدير أن أفاضل الصحابة
وجدوا الوقت وما فعلوا ذلك ، فهذا لا يجر إليهم طعناً، وذلك الإقدام على هذا العمل بما يضيق
قلب الفقير ، فإنه لا يقدر على مثله فيضيق قلبه ، ويوحش قلب الغنى فإنه لما لم يفعل الغنى ذلك
وفعله غيره صار ذلك الفعل سباً للطعن فيمن لم يفعل ، فهذا الفعل لما كان سباً لحزن الفقراء
ووحشة الأغنياء ، لم يكن فى تركه كبيرة مضرة، لأن الذى يكون سباً للألفة أولى ما يكون
سياً للوحشة ، وأيضاً فهذه المناجاة ليست من الواجبات ولا من الطاعات المندوبة ، بل قد بينا
أنهم إنما كلفوا بهذه الصدقه ليتركوا هذه المناجاة ، ولما كان الأولى بهذه المناجاة أن تكون
متروكة لم يكن تركها سبباً للطعن .
المسألة الرابعة ) روى عن على بن أبى طالب عليه السلام أنه قال : لما نزلت الآية
دعانى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ((ما تقول فى دينار؟ قلت لا يطيقونه، قال كم؟ قلت
حبة أو شعيرة، قال إنك لزهيد)) والمعنى إنك قليل المال فقدرت على حسب حالك .
أما قوله تعالى: ( ذلك خير لكم وأطهر ) أى ذلك التقديم فى دينكم وأطهر لأن الصدقة طهرة.
أما قوله ( فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم) فالمراد منه الفقراء، وهذا يدل على أن من لم
يجد ما يتصدق به كان معفواً عنه .
﴿ المسألة الخامسة) أنكر أبو مسلم وقوع النسخ. وقال إن المنافقين كانوا يمتنعون من بذل
الصدقات ، وإن قوماً من المنافقين تركوا النفاق وآمنوا ظاهراً وباطناً إيماناً حقيقياً، فأراد الله
تعالى أن يميزهم عن المنافقين ، فأمر بتقديم الصدقة على النجوى ليتميز هؤلاء الذين آمنوا إيماناً
حقيقياً عمن بقى على نفاقه الأصلى ، وإذا كان هذا التكليف لأجل هذه المصلحة المقدرة لذلك
الوقت، لا جرم يقدر هذا التكليف بذلك الوقت، وحاصل قول أبى مسلم: أن ذلك التكليف كان
مقدر بغاية مخصوصة ، فوجب انتهاؤه عند الانتهاء إلى الغاية المخصوصة ، فلا يكون هذا نسخاً ،
وهذا الكلام حسن مابه بأس ، والمشهور عند الجمهور أنه منسوخ بقوله (أأشفقتم) ومنهم من قال:
إنه منسوخ بوجوب الزكاة .
قوله تعالى: ﴿ الشفقتم أن تقدموابين يدى نجوا كم صدقات﴾ .
الفخر الرازي - ج ٢٩ م ١٨

٢٧٤
قوله تعالى: فإذا لم تفعلوا وتاب الله عليكم . سورة المجادلة .
فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُواْ وَتَابَ اللهُ عَيْكُمْ فَأَقِيِّمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ وَأَطِيعُواْ اللّهَ
وَرَسُولُهُ، وَاللّه ◌َبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٦) أَلَمْتَ إلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْ قَوْمًا غَضِبَ اللهُ
عَلَيْهِم مَّاهُم مِّنِكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلُونَ (﴿3﴾
٠
فإذا لم تفعلوا وقاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الله ورسوله والله خبير
بما تعملون
والمعنى أخفتم تقديم الصدقات لما فيه من إنفاق المال ، فإذا لم تفعلوا ما أمرتم به وتاب الله عليكم
ورخص لكم فى أن لا تفعلوه ، فلا تفرطوا فى الصلاة والزكاة وسائر الطاعات ( فإن قيل) ظاهر
الآية يدل على تقصير المؤمنين فى ذلك التكليف ، وبيانه من وجوه (أولها) قوله ( أأشفقتم أن
تقدموا) وهو يدل على تقصيرهم (وثانيها) قوله (فإذا لم تفعلوا) (وثالثها) قوله (وتاب الله عليكم)
قلنا : ليس الأمر كما قلتم ، وذلك لأن القوم لما كلفوا بأن يقدموا الصدقة ويشغلوا بالمناجاة ، فلا بد
من تقديم الصدقة ، فمن ترك الماجاة يكون مقصراً، وأما لوقيل بأنهم ناجوا من غير تقديم
الصدقة ، فهذا أيضاً غير جائز، لأن المناجاة لا تمكن إلا إذا مكن الرسول من المناجاة، فإذا لم
يمكنهم من ذلك لم يقدروا على المناجاة، فعلمنا أن الآية لا تدل على صدور التقصير منهم ، فأما قوله
(أأشفقتم) فلا يمتنع أن الله تعالى علم ضيق صدر كثير منهم عن إعطاء الصدقة فى المستقبل لو دام
الوجوب ، فقال هذا القول، وأما قوله ( وتاب الله عليكم) فليس فى الآية أنه تاب عليكم من هذا
التقصير ، بل يحتمل أنكم إذا كنتم تائبين راجعين إلى الله، وأقتم الصلاة وآتيتم الزكاة ، فقد
كفاكم هذا التكليف، أما قوله (والله خبير بما تعملون) يعنى محيط بأعمالكم ونیاتكم.
قوله تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين تولوا. قوماً غضب الله عليهم ماهم منكم ولا منهم ويحلفون على
الكذب وهم يعلمون ﴾ . كان المنافقون يتولون اليهود وهم الذين غضب الله عليهم فى قوله ( من
لعنه الله وغضب عليه) وينقلون إليهم أسرار المؤمنين (ماهم منكم) أيها المسلمون ولا من اليهود
(ويحلفون على الكذب) والمراد من هذا الكذب إما ادعاؤهم كونهم مسلمين ، وإما أنهم كانوا
يشتمون الله ورسوله ويكيدون المسلمين. فإذا قيل لهم إنكم فعلتم ذلك خافوا على أنفسهم من
القتل ، فيحلفون أنا ماقلنا ذلك وما فعلناه، فهذا هو الكذب الذى يحلفون عليه .
واعلم أن هذه الآية تدل على فساد قول الجاحظ: إن الخبر الذى يكون مخالفاً للمخبر عنه إنما
يكون كذباً لو علم المخبر كون الخبر مخالفً للمخبر عنه، وذلك لأنه لو كان الأمر على ماذهب
إليه لكان قوله ( وهم يعلمون) تكراراً غير مقيد، يروى: أن عبد الله بن نبتل المنافق كان
:

٢٧٥
قوله تعالى : أعد الله لهم عذاباً شديداً . سورة المجادلة .
أَتَّخَذُواْ أَيْمَلَهُم
أَعَّ اللهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ هُ
جُنَّةُ فَصَدُّواْ عَنِ سَبِيلِ اللّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ﴾ لَّنْ تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَهُمْ
وَلَ أَوْلَدُهُمْ مِنَ اللَّهِشَيْئًا أُوْلَئِكَ أَمْخَبُ النَّارِهُمْ فِيهَا خَلِدُونَ ﴿ يَّوْمَ
٠٠٠١٤٤/١٠٠٠٠٠١
يَبْعَثُمُ اللهُ مِيعًا فَيَعْلِفُونَ لَّهُ كَ يَجْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَىْءٍ أَلَّ
لَهُمْ مُ الْكَذِبُونَ ﴾
يجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يرفع حديثه إلى اليهود، فبينا رسول الله صلى الله عليه
وسلم فى حجرته إذ قال يدخل عليكم رجل ينظر بعين شيطان - أو بعيني شيطان - فدخل رجل
عيناه زرقاوان فقال له لم تسبنى نجعل يحلف فنزل قوله ( ويحلفون على الكذب وهم يعلمون).
قوله تعالى: ﴿أعد الله لهم عذاباً شديداً إنهم ساء ما كانو يعملون﴾ والمراد منه عند بعض
المحققين عذاب القبر .
قوله تعالى : ﴿ اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله فلهم عذاب مهين﴾ وفيه مسألتان :
المسألة الأولى﴾ قرأ الحسن (اتخذوا إيمانهم) بكسر الهمزة، قال ابن جنى: هذا على
حذف المضاف ، أى اتخذوا ظهار إيمانهم جنة عن ظهور نفاقهم وكيدهم للسلمين، أو جنة عن
أن يقتلهم المسلمون، فلما أمنوا من القتل اشتغلوا بصد الناس عن الدخول فى الإسلام بإلقاء الشبهات
فى القلوب وتقبيح حال الإسلام .
المسألة الثانية) قوله تعالى (فلهم عذاب مهين) أى عذاب الآخر، وإنما حملناقوله (أعد الله
لهم عذاباً شديداً) على عذاب القبر، وقوله ههنا ( فلهم عذاب مهين) على عذاب الآخر ، لئلا
يلزم التكرار ، ومن الناس من قال: المراد من الكل عذاب الآخرة ، وهو كقوله ( الذين كفروا
وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذاباً فوق العذاب ) .
قوله تعالى : ﴿ أن تغنى عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً أولئك أصحاب النار هم فيها
خالدون﴾ روى أن واحداً منهم قال لنتصرن يوم القيامة بأنفسنا وأولادنا، فنزلت هذه الآية.
قوله تعالى: ﴿ يوم يبعثهم الله جميعاً فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على عمى. ألا
إنهم م الكاذبون﴾. قال ابن عباس: إن المنافق يحلف لله يوم القيامة كذباً كما يحلف لأوليائه
فى الدنيا كذبا (أما الأول) فيكقوله (والله ربنا ما كنا مشركين). (وأما الثانى) فهو كقوله
(ويحلفون باقه إنهم لمنكم) والمعنى أنهم لشدة توغلهم فى النفاق ظنوا يوم القيامة أنه يمكنهم ترويج

٢٧٦
قوله تعالى : استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم . سورة المجادلة .
أُسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنَهُمْ فِكْرَ اللّهِ أَوْلَئِكَ مِزْبُ الشَّيْطَنِ أَّ إِنَّ
◌ِبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَسِرُونَ ﴿ إِنَّالَّذِينَ يُحَدُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ بِأُولَئِكَ فِى
« الْأَذَلِينَ (٣) كَتَبَ اللهُلَأَغْلِبَنَّأَنَاْ وَرُسُلِىَّ إِنَّ اللَّهَ قَوِىُّ عَزِيزٌ ﴾
كذبهم بالأيمان الكاذبة على علام الغيوب، فكان هذا الحلف الذميم يبقى معهم أبداً، وإليه الإشارة
بقوله (ولو ردوا لعادوا لمانهوا عنه) قال الجبائى والقاضى إن أهل الآخرة لا يكذبون، فالمراد
من الآية أنهم يحلفون فى الآخرة أنا ما كنا كافرين عند أنفسنا ، وعلى هذا الوجه لا يكون هذا
الحلف كذباً ، وقوله (ألا إنهم ثم الكاذبون) أى فى الدنيا، واعلم أن تفسير الآية بهذا الوجه
لاشك أنه يقتضى ركاكة عظيمة فى النظم، وقد استقصينا هذه المسألة فى سورة الأنعام فى تفسير
قوله ( والله ربنا ما كنا مشر كين).
قوله تعالى: ﴿استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب
الشيطان هم الخاسرون
قال الزجاج: استحوذ فى اللغة استولى، يقال: حاوزت الإبل، وحذتها إذا استوليت عليها
وجمعتها، قال المبرد: استحوذ على الشىء حواه وأحاط به، وقالت عائشة فى حق عمر: كان أحوذياً،
أى سائساً ضابطاً للأمور، وهو أحد ماجاء على الأصل نحو: استصوب واستنوق ، أى ملكهم
الشيطان واستولى عليهم، ثم قال ( فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان
هم الخاسرون) واحتج القاضى به فى خلق الأعمال من وجهين (الأول) ذلك النسيان لو حصل
بخلق الله لكانت إضافتها إلى الشيطان كذباً (والثانى) لو حصل ذلك بخلق الله لكانزا كالمؤمنين
فى كونهم حزب الله لا حزب الشيطان .
قوله تعالى: ﴿إن الذين يحادون الله ورسول أولئك فى الأذلين، كتب الله لأغلين أنا
ورسلى إن الله قوى عزيز﴾ أى فى جملة من هو أذل خلق الله، لأن ذل أحد الخصمين على حسب
عز الخصم الثانى، فلما كانت عزة اللّه غير متناهية، كانت ذلة من ينازعه غير متناهية أيضاً، ولما
شرح ذلهم، بين عز المؤمنين فقال ( كتب الله لأغلبن أنا ورسلى) وفيه مسألتان:
﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ نافع وابن عامر (أنا ورسلى) بفتح الياء، والباقون لا يحر كون، قال
أبو على: التحريك والإسكان جميعاً جائزان .
المسألة الثانية﴾ غلبة جميع الرسل بالحجة مفاضلة ، إلا أن منهم من ضم إلى الغلبة بالحجة
الغلبة بالسيف ، ومنهم من لم يكن كذلك، ثم قال (إن الله قوى) على نصرة أنياته (عزيز) غالب
لا بدفعه أحد عن مراده؛ لأن كل ماسواء يمكن الوجود لذاته، والواجب لذاته يكون غالباً للمكن

٢٧٧
قوله تعالى : لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر . سورة المجادلة .
لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِ يُوَادُونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، وَلَوْ
كَانُوَاْءَابَآءُ هُمْ أَوْ أَبْنَآءُ هُمْ أَوْ إِخْوَهُمْ أَوْ عَشِرَهُمْ أَوْلَئِكَ كَتَبَ فِ قُلُوِهِمُ
الْإِيمَنَ وَأََّهُمْ يُوجِ مِنْهُ وَيُدِْلُهُمْ جَنَّتِ تَخْرِى مِنْ تَحِهَا الْأَنْهَرُ ◌َلِنَ فِهَا
رَضِىَ الله عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ أُوْلَبِكَ حِبُ اللهِ أَ إِنَّ حِرْبَ اللَّهُمُ
الْمُفْلِحُونَ
لذاته، قال مقاتل: إن المسلمين قالوا إنا لنرجو أن يظهرنا الله على فارس والروم، فقال عبد الله
بن أبى أنظنون أن فارس والروم كبعض القرى التى غلبتموهم ، كلا والله إنهم أكثر جمعاً وعدة
فأنزل الله هذه الآية.
قوله تعالى : ﴿ لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر یوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا
آباءهم أو أبنائهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب فى قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه
ويدخلهم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها رضى الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله
ألا إن حزب الله هم المفلحون﴾.
المعنى أنه لا يجتمع الإيمان مع وداد أعداء الله، وذلك لأن من أحب أحداً امتنع أن يحب مع
ذلك عدوه وهذا على وجهين (أحدهما ) أنهما لا يجتمعان فى القلب ، فاذا حصل فى القلب وداد
أعداء الله، لم يحصل فيه الإيمان، فيكون صاحبه منافقاً (والثانى) أنهما يجتمعان ولكنه معصية وكبيرة،
وعلى هذا الوجه لا يكون صاحب هذا الوداد كافراً بسبب هذا الوداد ، بل كان عاصياً فى الله ، فإن قيل:
أجمعت الأمة على أنه تجوز مخالطتهم ومعاشرتهم، فما هذه المودة المحرمة المحظورة؟ قلنا المودة
المحظورة هى إرادة منافسه دينا ودنيا مع كونه كافراً ، فأما ماسوى ذلك فلا حظر فيه ، ثم إنه
تعالى بالغ فى المنع من هذه المودة من وجوه (أولها) ما ذكر أن هذه المودة مع الإيمان
لا يجتمعان (وثانيها) قوله ( ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم) والمراد
أن الميل إلى هؤلاء أعظم أنواع الميل ، ومع هذا فيجب أن يكون هذا الميل مغلوباً مطروحاً بسبب
الدين، قال ابن عباس نزلت هذه الآية فى أبى عبيدة بن الجراح قتل أباه عبد الله بن الجراح يوم
أحد ، وعمر بن الخطاب قتل خاله العاص بن هشام بن المغيرة يوم بدر ، وأبى بكر دها ابنهيوم بدر
إلى البراز فقال النبى عليه الصلاة والسلام «متعنا بنفسك)» و مصعب بن عمیر قتل أخاهعبيد بن عمیر،

٢٧٨
قوله تعالى : يوادون من حاد الله ورسوله . سورة المجادلة .
وعلى بن أبى طالب وعبيدة قتلوا عتبة وشيبة والوليد بن عتبة يوم بدر، أخبر أن هؤلاء لم يوادوا
أقاربهم وعشائرهم غضباً لله ودينه (وثالثها) أنه تعالى عدد نعمه على المؤمنين ، فبدأ بقوله
﴿أولئك كتب فى قلوبهم الإيمان ) وفيه مسألتان:
المسألة الأولى﴾ المعنى أن من أنعم الله عليه بهذه النعمة العظيمة كيف يمكن أن يحصل فى
قلبه مودة أعداء الله، واختلفوا فى المراد من قوله ( كتب) أما القاضى فذكر ثلاثة أوجه على وفق
قول المعتزلة (أحدها ) جعل فى قلوبهم علامة تعرف بها الملائكة ماهم عليه من الإخلاص
( وثانيها) المراد شرح صدورهم للايمان بالألطاف والتوفيق (وثالثها) قيل فى ( كتب) قضى أن
قلوبهم بهذا الوصف ، واعلم أن هذه الوجوه الثلاثة نسلمها للقاضى ونفرع عليها صحة قولنا ، فإن
الذى قضى الله به أخبر عنه وكتبه فى اللوح المحفوظ، لو لم يقع لا نقلب خبر اللّه الصدق كذباً
وهذا محال ، والمؤدى إلى المحال محال، وقال أبو على الفارسى معناه: جمع، والكتيبة : الجمع من
الجيش ، والتقدير أولئك الذين جمع الله فى قلوبهم الإيمان، أى استكملوا فلم يكونوا من يقولون
(نؤمن ببعض ونكفر ببعض) ومتى كانوا كذلك امتنع أن يحصل فى قلوبهم مودة الكفار، وقال
جمهور أصحابنا (كتب) معناه أثبت وخلق ، وذلك لأن الإيمان لا يمكن كتبه، فلا بد من حمله على
الإيجاد والتكوين:
﴿ المسألة الثانية) روى المفضل عن عاصم (كتب) على فعل مالم يسم فاعله، والباقون ( كتب)
على إسناد الفعل إلى الفاعل (والنعمة الثانية) قوله (وأيدهم بروح منه) وفيه قولان(الأول) قال
ابن عباس : نصرهم على عدوهم، وسمى تلك النصرة روحاً لأن بها يحيا أمرهم ( والثانى) قال السدى:
الضمير فى قوله ( منه ) عائد إلى الإيمان. والمعنى أيدهم بروح من الإيمان يدل عليه قوله (وكذلك
أوحينا إليك روحا من أمرنا) (النعمة الثالثة) (ويدخلهم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين
فيها) وهو إشارة إلى نعمة الجنة (النعمة الرابعة) قوله تعالى (رضى الله عنهم ورضوا عنه) وهى
نعمة الرضوان ، وهى أعظم النعم وأجل المراتب ، ثم لما عدد هذه النعم ذكر الأمر الرابع من
الأمور التى توجب ترك الموادة مع أعداء الله، فقال (أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون)
وهو فى مقابلة قوله فيهم ( أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون).
واعلم أن الأكثرين انفقوا على أن قوله ( لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر بوادون من
حاد الله ورسوله) نزلت فى حاطب بن أبى بلتعة وإخباره أهل مكة بمسير النبى صلى الله عليه وسلم
إليهم لما أراد فتح مكة، وتلك القصة معروفة وبالجملة فالآية زجر عن التودد إلى الكفار والفساق.
عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول ((اللهم لا تجعل الفاجر ولا لفاسق عندى نعمة فإنى
وجدت فيما أوحيث ( لا تجد قوماً) إلى آخره)) والله سبحانه وتعال أعلم، والحمد لله رب العالمين،
وصلاته وسلامه على سيد المرسلين وخاتم النبيين، سيدنا محمد النبي الأمى وعلى آله وصحبه أجمعين.

٢٧٩
سورة الحشر
(٥٩) سورة الحِشِعَدِنِيَّة
وآياتها ازيج وَعَشرُونَ
بِسُـ
سَبَّعَ لِلَّهِ مَا فِ السَّمَنَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِّ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ هُوَ
الَّذِيّ أَنْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مِن دِيَرِهِمْ لِأَوَِّ اَلْحَثْرِ
بسم الله الرحمن الرحيم
سبح لله مافى السموات ومافي الأرض وهو العزيز الحكيم ، هو الذى أخرج الذين كفروا
من أهلى الكتاب من ديارهم لأول الحشر﴾ صالح بنوا النضير رسول الله صلى الله عليه وسلم على
أن لا يكونوا عليه ولا له، فلما ظهر يوم بدر قالوا هو النبى المنعوت فى التوراة بالنصر، فلما هزم
المسلمون يوم أحد ارتابوا ونكثوا، تخرج كعب بن الأشرف فى أربعين راكباً إلى مكة وحالفوا
أبا سفيان عند الكعبة، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم محمد بن مسلمة الأنصارى، فقتل كعباً
غيلة ، وكان أخاه من الرضاعة ، ثم صحبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكتائب وهو على حمار
مخطوم بليف ، فقال لهم أخرجوا من المدينة ، فقالوا الموت أحب إلينا من ذلك فتنادوا بالحرب ،
وقيل استمهلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة أيام ليتجهزوا للخروج، فبعث إليهم عبد الله
ابن أبى وقال لا تخرجوا من الحصن فإن قاتلوكم فنحن معكم لا نخذلكم، ولئن خرجتم لنخرجن
معكم، لخصتوا الأزقة فاصرثم إحدى وعشرون ليلة، فلما قذف الله فى قلوبهم الرعب، وآيسوا
من نصر المنافقين طلبوا الصلح، فابى إلا الجلاء، على أن يحمل كل ثلاثة أبيات على بعير ما شاءوا
من متاعهم، نجلوا إلى الشأم إلى أربها. وأزرعات إلا أهل بيتين منهم آل أبى الحقيق ، وآل حي
ابن أخطب ، فإنهم لحقوا بخير، ولحقت طائفة بالحيرة. وههنا سؤالات:
( السؤال الأول) ما معنى هذه اللام فى قوله (لأول الحشر) (الجواب ) إنها هى اللام فى
قولك: جئت لوقت كذا , والمعنى: أخرج الذين كفروا عند أول الحشر.
﴿ السؤال الثانى) ما معنى أول الحشر؟ (الجواب) أن الحشر هو إخراج الجمع من مكان
إلى مكان، وإما أنه لم سمى هذا الحشر بأول الحشر فبيانه من وجوه: (أحدها) وهو قول ابن
عباس والأكثرين إن هذا أول حشر أهل الكتاب، أى أول مرة حشروا وأخرجوا من جزيرة

٢٨٠
قوله تعالى : ما ظننتم أن يخرجوا . سورة الحشر .
٤٠٠-١٤٠ = ,,,,,"
مَا ظَنَفُمْ أَنْ يَخْرُجُواْ وَظَنُّوَاْ أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ الَهِ فَأَتَنُهُمُ اللهُ مِنْ
١٠٠٠
حَيْثُ لَمْ يَحْتَسُواْ
العرب لم يصبهم هذا الذل قبل ذلك ، لأنهم كانوا أهل منعة وعز (وثانيها) أنه تعالى جعل إخراجهم
من المدينة حشراً ، وجعله أول الحشر من حيث يحشر الناس للساعة إلى ناحية الشام ، ثم تدركهم
الساعة هناك (وثالثها) أن هذا أول حشرهم، وأما آخر حشرهم فهو إجلاء عبر إياهم من خيبر
إلى الشام ( ورابعها) معناه أخرجهم من ديارهم لأول ما يحشرهم لقتالهم ، لأنه أول قتال قاتلهم
رسول الله (وخامسها) قال قتادة هذا أول الحشر، والحشر الثانى نار تحشر الناس من المشرق
إلى المغرب، تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا، وذكروا أن تلك النار ترى بالليل
ولا ترى بالنهار .
قوله تعالى ﴿ ما ظنتم أن يخرجوا﴾.
قال ابن عباس إن المسلمين ظنوا أنهم لعزتهم وقوتهم لا يختاجون إلى أن يخرجوا من ديارهم،
وإنما ذكر الله تعالى ذلك تعظيما لهذه النعمة، فإن النعمة إذا وردت على المرء والظن بخلافه تكون
أعظم، فالمسلمون ماظنوا أنهم يصلون إلى مرادهم فى خروج هؤلاء اليهود، فيتخلصون من ضرر
مكايدهم، فلما تيسر لهم ذلك كان توقع هذه النمعة أعظم.
قوله تعالى ﴿وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله﴾.
قالوا كانت حصونهم منيعة فظنوا أنها تمنعهم من رسول اللّه، وفى الآية تشريف عظيم الرسول
الله، فإنها تدل على أن معاملتهم مع رسول الله هى بعينها نفس المعاملة مع الله، فإن قيل سا الفرق بين:
قولك: ظنوا أن حصونهم تمنعهم أو ما نعتهم وبين النظم الذى جاء عليه، قلنا فى تقديم الخبر على
المبتدأ دليل على فرط وثوقهم بحصانتها ومنعها إياهم، وفى تصيير ضمير هم إسماً، وإسناد الجملة إليه
دليل على اعتقادهم فى أنفسهم أنهم فى عزة ومنعة لا يبالون بأحد يطمع فى منازعتهم ، وهذه المعانى
لاتحصل فى قولك: وظنوا أن حصونهم تمنعهم.
قوله تعالى: ﴿فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا﴾ فى الآية مسائل:
المسألة الأولى﴾ فى الآية وجهان (الأول) أن يكون الضمير فى قوله (فأناهم:) عائد إلى
اليهود ، أى فأتاهم عذاب الله وأخذهم من حيث لم يحتسبوا ( والثانى) أن يكون عائداً إلى المؤمنين
أى فأتاهم نصر الله وتقويته من حيث لم يحتسبوا، ومعنى: لم يحتسبوا، أمى لم يظنوا ولم يخطر ببالهم،
وذلك بسبب أحرين (أحدهما) قتل رئيسهم كعب بن الأشرف على يد أتحيه غيلة، وذلك ما
أضف قوتهم، وفتت عددهم، وقل من شوكتهم ( والثانى) بما قذف فى قلوبهم من الرعب . .