Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
قوله تعالى : مرج البحرين. سورة الرحمن.
مرج ، إذا كان متعدياً كان بمعنى خلط أو ما يقرب منه فكيف قال
المسألة الثانية
تعالى ( من مارج من نار) ولم يقل من مروج؟ نقول: مرج مقعد ومرج بكسر الراء لازم فالمارج
والمريج من مرج بمرج كّف ح يفرح، والأصل فى فعل أن يكون غريزياً والأصل فى الغريزى
أن يكون لازماً، ويثبت له حكم الغريزى، وكذلك فعل فى كثير من المواضع.
المسألة الثالثة﴾ فى البحرين وجوه (أحدها) بحر السماء وبحر الأرض ( ثانيها) البحر
الحلو والبحر المالح كما قال تعالى ( وما يستوى البحران هذا عذاب فرات سائغ شرابه هذا ملح
أجاج) وهو أصح وأظهر من الأول ( ثالثها) ماذكر فى المشرقين وفى قوله ( تكذبان) إنه
إشارة إلى النوعين الخاصرين فدخل فيه بحر السماء وبحر الأرض والبحر العذب والبحر المالح ،
(رابعها) أنه تعالى خلق فى الأرض بحاراً تحيط بها الأرض وببعض جزائرها يحيط الماء وحلق
بحراً محيطاً بالأرض وعليه الأرض وأحاط به الهواء كما قال به أصحاب علم الهيئة وورد به أخبار
مشهورة، وهذه البحار التى فى الأرض لها اتصال بالبحر المحيط، ثم إنها لا يبغيان على الأرض
ولا يغطيانها بفضل الله تعالى لتكون الأرض بارزة يتخذها الإنسان مكاناً وعند النظر إلى أمر
الأرض يحار الطبيعى ويتلجاج فى الكلام ، فان عندهم موضع الأرض بطبعه أن يكون فى المركز
ويكون الماء محيطاً بجميع جوانبه، فإذا قيل لهم فكيف ظهرت الأرض من الماء ولم ترسب
يقولون لانجذاب البحار إلى بعض جوانبها ، فإن قيل لماذا انجذب؟ فالذى يكون عنده قليل من
العقل يرجع إلى الحق ويجعله بإرادة الله تعالى ومشيئته، والذى يكون عديم العقل يجعل سببه من
الکوا کې وأوضاعها واختلاف مقابلاتها ، وينقطع فی کل .قام مرة بعد أخرى، وفى آخر الأمر
إذا قيل له أوضاع الكواكب لم اختلفت على الوجه الذى أو جب البرد فى ؛ ض الأرض د.ن
بعض آخر صار كما قال تعالى (فبهت الذي كفر) ويرجع إلى الحق إن هداه الله تعالى.
﴿ المسألة الرابعة﴾ إذا كان المرج بمعنى الخلط فما الفائدة فى قوله تعالى (يلتقيان) ؟ نقول
قوله تعالى ( مرج البحرين ) أى أرسل بعضهما فى بعض وهما عند الإرسال بحيث يلتقيان
أو من شأه، الاخلاط والالتقاء ولكن الله تعالى منعهم) عما فى طبعهما، وعلى هذا يلتقيان حال
من البحرين، ويحتمل أن يقال من محذوف تقديره تركهما فيما يلتقيان إلى الآن ولا يمتزجان
( وعلى الأول). فالفائدة إظهار القدرة فى النفع فانه إذا أرسل الماءين بعضها على بعض وفى
طبعهما بخلق الله وعادته السيلان والالتقاء ويمنعهما البرزخ الذى هو قدرة الله أو بقدرة الله،
يكون أدل على القدرة مما إذا لم يكونا على حال يلتقيان، وفيه إشارة إلى مسألة حكمية وهى : أن
الحكماء اتفقوا على أن الماء له حيز واحد بعضة ينجذب إلى بعض كأجزاء الزئيق غير أن عند
الحكماء المحققين ذلك بإجراء الله تعالى ذلك عليه وعند من يدعى الحكمة ولم يوفقه الله من الطبيعيين
يقول ذلك له بطبعه، فقوله (يلتقيان) أى من شأنهما أن يكون مكانهما واحداً، ثم إهما بقيا

١٠٢
قوله تعالى : نخرج منهما اللؤلؤ. سورة الرحمن.
١٠٠٠٠٠١١٠٠
يَخْرُجُ مِنْهُمَا الْلُّؤْلُؤُ وَاَلْمَرْجَانُ
٣٢
فَبِأَىّ ءَالَآءِ رَبَّكَا تُكَذِّبَاتِ
فى مكان متميزين فذلك برهان القدرة والاختيار (وعلى الوجه الثانى) الفائدة فى بيان القدرة
أيضاً على المنع من الاختلاط ، فإن الماءين إذا تلافيا لا يمتزجان فى الحال بل يبقيان زماناً يسيراً
كالماء المسخن إذا غمس إناء مملوء منه فى ماء بارد إن لم يمكث فيه زماناً لا يمتزج بالبارد ، لكن إذا
دام مجاورتهما فلا بد من الامتزاج فقال تعالى (مرج البحرين) خلاهما ذهاباً إلى أن يلتقيان
ولا يمتزجان فذلك بقدرة الله تعالى .
ثم قال تعالى ﴿بينهما برزخ لا يبغيان﴾ إشارة إلى ما ذكرنا من منعه إياهما من الجريان على
عادتها، والبرزخ الحاجز وهو قدرة الله تعالى فى البعض وبقدرة الله فى الباقى، فإن البحرين
قد يكون بينهما حاجز أرضى محسوس وقد لا يكون، وقوله (لا يبغيان) فيه وجهان (أحــمما)
من البغى أى لا يظلم أحدهما على الآخر بخلاف قول الطبيعى حيث يقول الماءآن كلاهما جزء
واحد، فقال هما لا يبغيان ذلك ( وثانيهما) أن يقال لا يبغيان من البغى بمعنى الطلب أى لا يطلبان
شيئاً، وعلى هذا ففيه وجه آخر ، وهو أن يقال إن يبغيان لا مفعول له معين ، بل هو بيان أنهما
لا يبغيان فى ذاتهما ولا يطلبان شيئاً أصلا، بخلاف ما يقول الطبيعى أنه يطلب الحركة والسكون
فى .وضع عن موضع.
قوله تعالى: ﴿يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان، فبأي آلاء ربكما تكذبان) وفيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ فى القراءات التى فيها قرىء يخرج من خرج ويخرج بفتح الراء من أخرج
وعلى الوجهين فاللؤلؤ والمرجان مرفوعان ويخرج بكسر الراء بمعنى يخرج الله وتخرج بالنون
المضمومة ولراء المكسورة، وعلى القراءتين ينصب اللؤلؤ والمرجان، اللؤلؤ كبار الدر والمرجان
صغاره وقيل المرجان هو الحجر الأحمر.
١
المسألة الثانية﴾ اللؤلؤ لا يخرج إلا من المالح فكيف قال منهما؟ نقول الجواب عنه ان
وجهين (أحدهما ) أن ظهر كلام الله تعالى أولى بالاعتبار من كلام بعض الناس الذى لا يو ثق
بقوله، ومن علم أن اللؤلؤ لا يخرج من الماء العذب وهب أن الغواصين ما أخرجوه إلا من المالح
وما وجدوه إلا فيه، لكن لا يلزم من هذا أن لا يوجد فى الغير سلمنا لم قلتم أن الصدف يخرج بأمر
الله من الماء العذب إلى الماء المالح وكيف يمكن الجزم والأمور الأرضية الظاهرة خفيت عن
التجار الذين قطعوا المفاوز وداروا البلاد فكيف لا يخفى أمر ما فى قعر البحر عليهم ( ثانيهما)
أن نقول إن صح قولهم فى اللؤلؤ إنه لا يخرج إلا من البحر المالح فنقول فيه وجوه (أحدها)
أن الصدف لا يتولد فيه اللؤلؤ إلا من المطر وهو بحر السماء (ثانيها) أنه يتولد فى ملتقاهما ثم
يدخل الصدف فى المالح عند انعقاد الدر فيه طالباً للملوحة كالمتوحمة التى تشتهى الملوحة أوائل

١٠٣
قوله تعالى : وله الجوار المنشئات. سورة الرحمن.
وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَعَاتُ فِ الْبَحْرِ كَالْأَعْلَِ (﴾ فَبِّ ءَ الَآءِ رَبِّكُ تُكَذِّبَانِ
٢٥
الحمل فيثقل هناك فلا يمكنه الدخول فى العذب (ثالثها) أن ما ذكر تم إنما كان يرد أن لو قال
يخرج من كل واحد منها فأما على قوله ( يخرج منهما ) لا يرد إذ الخارج من أحدهما مع أن أحدهما
مبهم خارج منهما كما قال تعالى (وجعل القمر فيهن نوراً) يقال فلان خرج من بلاد كذا ودخل
فى بلاد كذا ولم يخرج إلا من موضع من بيت من محملة فى بلدة ( رابعها) أن من ليست لابتدا.
شىء كما يقال خرجت الكوفة بل لابتداء عقلى كما يقال خلق آدم من تراب ووجدت الروح من
أمر الله فكذلك اللؤلؤ يخرج من الماء أى منه يتولد.
المسألة الثالثة﴾ أى نعمة عظيمة فى اللؤلؤ والمرجان حتى يذكرهما الله مع نعمة تعلم
القرآن وخلق الإنسان؟ وفى الجواب قولان ( الأول) أن نقول النعم منها خلق الضروريات
كالأرض التى هى مكاننا ولولا الأرض لما أمكن وجود التمكين وكذلك الرزق الذى به البقاء
ومنها خلق المحتاج إليه وإن لم يكن ضرورياً كأنواع الحبوب وإجراء الشمس والقمر، ومنها
النافع وإن لم يكن محتاجاً إليه كأنواع الفواكه وخاق البحار من ذلك، كما قال تعالى (والفلك التى
تجرى فى البحر بما ينفع الناس ) ومنها الزينة وإن لم يكن نافعاً كاللؤلؤ والمرجان كما قال تعالى
( وتستخرجون حلية تلبسونها) فالله تعالى ذكر أنواع النعم الأربعة التى تتعلق بالقوى الجسمانية
وصدرها بالقرة العظيمة التى هى الروح وهى العلم بقوله (علم القرآن) (والثانى) أن نقول هذه بيان
جائب اللّه تعالى لا بيان النعم، والنعم قد تقدم ذكرها هنا، وذلك لأن خلق الإنسان من
صلصال، وخلق الجان من نار، من باب العجائب لا من باب النعم، ولو خلق الله الانسان من
أى شىء خلقه لكان إنعاماً، إذا عرفت هذا فنقول: الأركان أربعة، التراب والماء والهواء والنار
فالله تعالى بين بقوله ( خلق الإنسان من صلصال) أن الانسان خلقه من تراب وطين . وبين بقوله
(خلق الجان من مارج من نار) أن النار أيضاً أصل لمخلوق عجيب ، وبين بقوله (يخرج منهما اللؤلؤ
والمرجان) أن الماء أصل لمخلوق آخر، كالحيوان عجيب، فى الهواء لكنه غير محسوس، فلم يذكر
أنه أصل مخلوق بل بين كونه منشأ للجوارى فى البحر كالا علام .
فقال ﴿ وله الجوار المنشآت فى البحر كالا علام، فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ وفيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ ما الفائدة فى جعل الجوارى خاصة له . وله السموات ومافيها والأرض
وما عليها ؟ نقول هذا الكلام مع العوام، فذكر مالا يغفل عنه من له أدنى عقل فضلا عن الفاضل
الذكى، فقال: لاشك أن الفلك فى البحر لا يملكه فى الحقيقة أحد إذلا تصرف لأحد فى هذا الفلك.
وإنما كلهم منتظرون رحمة الله تعالى معترفون بأن أموالهم وأرواحهم فى قبضة قدرة الله تعالى.
وهم فى ذلك يقولون لك الفلك ولك الملك. وينسبون البحر والفلك إليه، ثم إذا خرجوا ونظروا إلى

١٠٤
حمـ
قوله تعالى : وله الجوار المنشئات. سورة الرحمن.
بيوتهم المبنية بالحجارة والكلس وخفى عليهم وجوه الهلاك ، يدعون مالك الفلك ، وينسبون
ما كانوا ينسبون البحر والفلك إليه، وإليه الإشارة بقوله (إذا ركبوا فى الفلك) الآية.
المسألة الثانية﴾ (الجوارى) جمع جارية ، وهى اسم للسفينة أو صفة، فإن كانت اسماً لزم
الإشتراك والأصل عدمه، وإن كانت صفة الأصل أن تكون الصفة جارية على الموصوف، ولم
يذكر الموصوف هنا، فنقول الظاهر أن تكون صفة للنى تجرى ونقل عن الميدانى أن الجارية
السفينة التى تجرى لما أنها موضوعة للجرى، وسميت المملوكة جارية لأن الحرة تراد للسكن.
والازدواج، والمملوكة لتجرى فى الحوائج، لكنها غلبت السفينة، لأنها فى أكثر أحوالها تجرى،
ودل العقل على ماذكرنا من أن السفينة هى التى تجرى. غير أنها غلبت بسبب الاشتقاق على السفينة
الجارية، ثم صار يطلق عليها ذلك وإن لم تجر، حتى يقال للسفينة الساكنة أو المشدودة على ساحل
البحر جارية ، لما أنها تجرى، والمملوكة الجالسة جارية الغلبة ، ترك الموصوف، وأقيمت الصفة
مقامه فقوله تعال (أوله الجوار ) أى السفن الجاريات ، على أن السفينة أيضاً فعيلة من السفن وهو
النحت ، وهى فعيلة بمعنى فاعلة عند ابن دريد أى تسفن الماء، أو فعيلة بمعنى مفعولة عند غيره
بمعنى منحوتة فالجارية والسفينة جاريتان على الفلك ( وفيه لطيفة لفظية) وهى أن الله تعالى لما
أمر نوحا عليه السلام باتخاذ السفينة، قال ( واصنع الفلك بأعيننا) ففى أول الأمر قال لها الفلك
لأنها بعد لم تكن جرت , ثم سماها بعد ما عملها سفينة كما قال تعالى (فأنجيناه وأصحاب السفينة)
وسماها جارية كما قال تعالى (إنا لما طفى الماء حملنا كم فى الجارية) وقد عرفنا أمر الملك وجربها
وصارت كالمسماة بها ، فالفلك قبل الكل ، ثم السفينة ثم الجارية .
المسألة الثالثة ﴾ ما معنى المنشآت؟ نقول فيه وجهان (أحدهما) المرفوعات من نشأت
السحابة إذا ارتفعت، وأنشأ الله إذا رفعه وحينئذ إما هى بأنفسها مرتفعة فى البحر، وإما مرفوعات
الشراع ( وثانيهما) المحدثات الموجودات من أنشأ اللّه المخلوق أى خلقه فإن قيل الوجه الثانى معود
لأن قوله ( فى البحر كالأعلام) متعلق بالمنشآت فكانه قال وله الجوارى التى خلقت فى البحر
كالا علام، وهذا غير مناسب ، وأما على الأول فيكون كأنه قال : الجوارى التى رفعت فى البحر
كالأعلام ، وذلك جيد والدليل على صحة ما ذكرنا أنك تقول الرجل الجرى. فى الحرب كالأسد
فيكون حسناً، ولو قلت الرجل العالم بدل الجرىء فى الحرب كالأسد لا يكون كذلك، نقول إذا
تأملت فيما ذكرنا من كون الجارية صفة أقيمت مقام الموصوف ، كان الإنشاء بمعنى الخالق لا ينافى
قوله ( فى البحر كالأعلام ) لأن التقدير حينئذ له السفن الجارية فى البحر كالأعلام، فيكون أكثر
بياناً للقدرة كأنه قال: له السفن التى تجرى فى البحر كالا علام ، أنى كانها الجبال والجبال لا تجرى
إلا بقدرة الله تعالى، فالأعلام جمع العلم الذى هو الجبل وأما الشراع المرفوع كالعلم الذى هو
معروف ، فلا عجب فيه، وليس العجب فيه كالعجب فى جرى الجبل فى الماء وتكون المنشآت
;

١٠٥
قوله تعالى : كل من عليها فان. سورة الرحمن ..
كُلُّمَنْ عَلَيْهَا فَانِ
:
معروفة ، كما أنك تقول: الرجل الحسن الجالس كالقمر فيكون متعلق قولك كالقمر الحسن.
لا الجالس فيكون منشأ للقدرة، إذ السفن كالجبال والجبال لا تجرى إلا بقدرة الله تعالى.
﴿ المسألة الرابعة) قرى المنشآت بكسر الشين، ويحتمل حينئذ أن يكون قوله كالأعلام،
يقوم مقام الجملة، والجوارى معرفة ولا توصف المعارف بالجمل، فلا تقول الرجل كالأسد جاءنى
ولا الرجل هو أسد جاءنى، وتقول رجل كالأسد جاءنى، ورجل هو أسد جاءنى . فلا تحمل
قراءة الفتح إلا على أن يكون حالا وهو على وجهين (أحدهما) أن تجعل الكاف اسماً فيكون كأنه
قال الجوارى المنشآت شبه الأعلام ( ثانيهما) يقدر حالا هذا شبهه كأنه يقول كالأعلام ويدل
عليه قوله ( فى موج كالجبال ) .
﴿ المسألة الخامسة﴾ فى جمع الجوارى وتوحيد البحر وجمع الأعلام فائدة عظيمة ، وهى أن
ذلك إشارة إلى عظمة البحر، ولو قال فى البحار لكانت كل جارية فى بخر ، فيكون البحر دون بحر
يكون فيه الجوارى التى هى كالجبال ، وأما إذا كان البحر واحداً وفيه الجوارى التى هى كالجبال
يكون ذلك بحراً عظيما وساحله بعيداً فيكون الإنجاء بقدرة كاملة .
ثم قال تعالى ﴿كل من عليها فان﴾ وفيه وجهان (أحدهما) وهو الصحيح أن الضمير عائد إلى
الأرض، وهى معلومة وإن لم تكن مذكورة قال تعالى (ولو يؤخذ اللّه الناس بما كسبوا) الآية وعلى
هذا فله ترتيب فى غاية الحسن، وذلك لأنه تعالى لما قال (وله الجوار المنشآت) إشارة إلى أن كل أحد يعرف
ويجزم بأنه إذا كان فى البحر فروحه وجسمه وماله فى قبضة الله تعالى فإذا خرج إلى البرو نظر الى الثبات
الذى للأرض والتمكن الذى له فيها ينسى أمره فذكره وقال لا فرق بين الحالتين بالنسبة إلى قدرة الله تعالى
وكل من على وجه الأرض فإنه كمن على وجه الماء، ولو أمعن العاقل النظرلكان رسوب الأرض الثقيلة
فى الماء الذى هى عليه أقرب إلى العقل من رسوب الفلك الخفيفة فيه (الثانى) أن الضمير عائد إلى
الجارية إلا أنه بضرورة ما قبلها كأنه تعالى قال الجوارى ولا شك فى أن كل من فيها إلى الفناء
أقرب ، فكيف يمكنه إنكار كونه فى ملك الله تعالى وهو لا يملك لنفسه فى ذلك الحالة نفعاً ولا
ضراء قوله تعالى: ﴿ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام) يدل على أن الصحيح الأول
وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ من للعقلاء وكل ما على وجه الأرض .م الأرض فان، فما فائدة
الاختصاص بالعقلاء؟ نقول المنتفع بالتخويف هو العاقل لخصه تعالى بالذكر.
﴿ المسألة الثانية﴾ الفانى هو الذى فى وكل من عليها سيفنى فهو باق بعد ليس بفان، نقول
كقوله ( إنك ميت) وكما يقال للقريب إنه واصل ، وجواب آخر: وهو أن وجود الإنسان

١٠٦
قوله تعالى : ويبقى وجه ربك. سورة الرحمن.
وَيَبْقَ وَجْهُ رَبِّكَ ذُواْالْخَلَالِ وَآلْإِكْرَامِ (﴾ فَبِأَيِّءَالَآءِ رَبِّكَا تُكَذِبَابِ ﴾
عرض وهو غير باق وما ليس بباق فهو فان، مأمر الدنيا بين شيئين حدوث وعدم ، أما البقاء فلا
بقاء له لأن البقاء استمرار، ولا يقال هذا تثبيت بالمذهب الباطل الذى هو القول بأن الجسم
لا يبقى زمانين كما قيل فى العرض، لأنا نقول قوله من بدل قوله مان في ذلك التوم لأنى قلت من عليها
فان لا بقاء له، وما قلت ما عليها فان ، ومن مع كونه على الأرض يتناول جمما قام به أعراض
بعضها الحياة والأعراض غير باقية ، فالمجموع لم يبق كما كان وإنما الباقى أحد جزأيه وهو الجسم
وليس يطلق عليه بطريق الحقيقة لفظة من ، فالفانى ليس ما عليها ومن عليها ليس باق .
المسألة الثالثة ﴾ ما العائدة فى بيان أنه تعالى قال (فان) ؟ نقول فيه فوائد (منها) الحث على
العبادة وصرف الزمان اليسير إلى الطاعة ، ( ومنها ) المنع من الوثوق بما يكون للمرء فلا يقول إذا
كان فى نعمة إنها لن تذهب فيترك الرجوع إلى الله معتمداً على ماله وملكه، ( ومنها) الأمر بالصبر
إن كان فى ضر فلا يكفر بالله معتمداً على أن الأمر ذاهب والضر زائل، (ومنها) ترك اتخاذ الغير
معبوداً والزجر على الاغترار بالقرب من الملوك وترك التقرب إلى الله تعالى فإن أمرهم إلى الزوال
قريب فبقى القريب منهم عن قريب فى ندم عظيم، لأنه إن مات قبلهم يلقى الله العبد الابق، وإن
مات الملك قبله فيقى بين الخلق وكل أحد ينتقم منه ويتشفى فيه، ويستحى من كان يتنكبر عليه
وإن ماتا جميعا فلفاء اللّه عليه بعد التوفى فى غاية الصعوبة، (ومنها) حسر التوحيد وترك شرك
الظاهر والخفى جميعاً لأن الفانى لا يصلح لأن يعبد .
قوله تعالى: ﴿ويبقىوجه ربك ذو الجلال والإكرام، فأى آلاء ربكما تكذبانٍ﴾ وفيه مائر:
المسألة الأولى﴾ الوجه يطلق على الذات والمجسم يحمل الوجه على العضو وهو خلاف
العقل والنقل أعنى القرآن لآن قوله تعالى ( كل شىء هالك إلا وجهه) يدل على أن لا بقى إلا
وجه الله تعالى، فعلى القول الحق لا إشكال فيه لأن المعنى لا يبقى غير حقيقة الله أو غير ذات الله
شىء وهو كذلك، وعلى قول المجسم يلزم أن لا تقى يده التى أثبتها ورجله التى قال بها، لا يقال: فعلى
قولكم أيضاً يلزم أن لا يبقى علم الله ولا قدرة الله، لأن الوجه جعلتموه ذاتاً، والذات غير الصفات
فإذا قلت كل شىء هالك إلا حقيقة اللّه خرجت الصفات عنها فيكون قولكم نفياً للمنقات، نقول
الجواب عنه بالعقل والنقل ، أما النقل فذلك أمر يذكر فى غير هذا الموضع، وأما العقل فهو أن
قول القائل: لم يبق لفلان إلا ثوب يتناول الثوب وما قام به من الارن والطول والعرض، وإذا
قال لم يق إلا كمه لا يدل على بقاء جيبه وذيله ، فكذلك قولنا يبقى ذات الله تعالى يتناول صفاته
وإذا قلتم لا يبقى غير وجهه بمعنى العضو يلزمه أن لا تبقى يده.

١٠٧
قوله تعالى : ويبقى وجه ربك. سورة الرحمن.
المسألة الثانية﴾ فما السبب فى حسن إطلاق لفظ الوجه على الذات؟ نقول إنه مأخوذ من
عرف الناس ، فان الوجه يستعمل فى العرف لحقيقة الإنسان ، ألا ترى أن الإنسان إذا رأى وجه
غيره يقول رأيته ، وإذا رأى غير الوجه من اليد والرجل مثلا لا يقول رأيته، وذلك لأن
اطلاع الإنسان على حقائق الأشياء فى أكثر الأمر يحصل بالحس، فإن الإنسان إذا رأى شيئاً
علم منه مالم يكن يعلم حال غيبته ، لأن الحس لا يتعلق بجميع المرئى وإنما يتعلق ببعضه ، ثم إن
الحس يدرك والحدس يحكم فإذا رأى شيئاً بحسه يحكم عليه بأمر بحدسه، لكن الإنسان اجتمع
فى وجهه أعضاء كثيرة كل واحد يدل على أمر، فإذا رأى الإنسان وجه الإنسان حكم عليه بأحكام
ما كان يحكم بها لولا رؤيته وجهه ، فكان أدل على حقيقة الإنسان وأحكامه من غيره ، فاستعمل
الوجه فى الحقيقة فى الانسان ثم نقل إلى غيره من الأجسام ، ثم نقل إلى ماليس بجسم ، يقال فى
الكلام هذا وجه حسن وهذا وجه ضعيف ، وقول من قال إن الوجه من المواجهة كما هو المسطور
فى البعض من الكتب الفقهية فليس بشى. إذ الأمر على العكس ، لأن الفعل من المصدر والمصدر
من الاسم الأصلى وإن كان بالنقل ، فالوجه أول ماوضع للعضو ثم استعمل واشتق منه غيره ،
ويعرف ذلك العارف بالتصريف البارع فى الأدب .
و المسألة الثالثة﴾ لو قال: ويبقى ربك أو اللّه أو غيره حصلت الفائدة من غير وقوع فى
توهم ما هو ابتدع، نقول: ما كان يقوم مقام الوجه لفظ آخر ولا وجه فيه إلا ما قاله الله تعالى،
وذلك لأن سائر الأسماء المعروفة لله تعالى أسماء الفاعل كالرب والخلق والله عند البعض بمعنى
المعبود، فلو قال : ويبقى ربك ربك، وقولنا ربك معنيان عند الاستعمال أحدهما أن يقال شى.
من كل ربك ، ثانيهما أن يقال يبقى ربك مع أنه حالة البقاء ، بك فيكون المربوب فى ذلك الوقت ،
وكذلك لو قال يبقى الخالق والرازق وغيرهما .
المسألة الرابعة ﴾ ما الحكمة فى لفظ الرب وإضافة الوجه إليه، وقال فى موضع آخر:
(فأينما تولوا فثم وجه الله) وقال ( بريدون وجه الله) ؟ نقول المراد فى الموضعين المذكورين
هو العبادة. أما قوله (ثم وجه اللّه) فظاهر لأن المذكور هناك الصلاة، وأما قوله ( يريدون
وجه اللّه) فالمذكور هو الزكاة قال تعالى من قبل ( فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل)
(ذلك خير الذين يريدون وجه الله) ولفظ اللّه يدل على العبادة، لأن الله هو المعبود، والمذكور فى
هذا الموضع النعم التى بها تربية الإنسال فقال ( وجه ربك ).
﴿ المسألة الخامسة﴾ الخطاب بقوله ربك مع من ؟ نقول الظاهر أنه مع كل أحد كأنه يقول
ويبقى وجه ربك أيها السامع، ويحتمل أن يكون الخطاب مع محمد صلى الله عليه وسلم، فإن قيل
فكيف قال ( فبأي آلاء ربكما تكذبان) خطاباً مع الاثنين، وقال (وجه ربك) خطاباً مع
الواحد؟ نقول عند قوله ( ويبقى وجه ربك) وقعت الإشارة إلى فناء كل أحد، وبقاء الله فقال

١٠٨
قوله تعالى: ويبقى وجهربك. سورة الرحمن.
وجه ربك أى يا أيها السامع فلا تلتفت إلى أحد غير الله تعالى، فإن كل من عداه فاق،والمخاطب
كثيراً ما يخرج عن الإرادة فى الكلام ، فإنك إذا قلت لمن يشكو إليك من أهل موضع سأعاقب
لأجلك كل من فى ذلك الموضع. يخرج المخاطب عن الوعيد، وإن كان من أهل الموضع فقال:
( ويبقى وجه ربك) ليعلم كل أحد أن غيره فان، ولو قال وجه ربكا لكان كل واحد يخرج نفسه
ورفيقه المخاطب من الفناء، فإن قلت: لو قال ويبقى وجه الرب من غير خطاب كان أدل على فنا.
الكل ؟ نقول كأن الخطاب فى الرب إشارة إلى اللطف والإبقاء إشارة إلى القهر، والموضع موضع
بيان اللطف وتحديد النعم، فلو قال بلفظ الرب لم يدل عليه الخطاب، وفى لفظ الرب عادة جارية
وهى أنه لا يترك استعماله مع الإضافة. فالعبد يقولى: ربنا اغفر لنا، ورب اغفر لى، والله تعالى
يقول (ربكم ورب آبائكم، ورب العالمين) وحيث ترك الإضافة ذكره مع صفة أخرى من أوصاف
اللفظ، حيث قال تعالى (بلدة طيبة ورب غفور) وقال تعالى ( سلام قولا من رب رحيم) ولفظ
الرب يحتمل أن يكون مصدراً بمعنى التربية، يقال ربه يربه ربا مثل رباه يربيه، ويحتمل أن يكون
وصفاً من الرب الذى هو مصدر بمعنى الراب كاطب للطيب، والسمع الحاسة، والبخل البخيل،
وأمثال ذلك لكن من باب فعل، وعلى هذا فيكون كأنه فعل من باب فعل يفعل أى فعل الذى
للغريزى كما يقال فيما إذا قلنا: فلان أعلم وأحكم ، فكان وصفاً له من باب فعل اللازم ليخرج
عن التعدّى .
﴿ المسألة السادسة﴾ (الجلال) إشارة إلى كل صفة من باب الثفى، كقولنا: أنه ليس بجسم
ولا جوهر ولا عرض، ولهذا يقال جل أن يكون محتاجاً، وجل أن يكون عاجزاً، والتحقيق فيه
أن الجلال هو بمعنى العظمة غير أن العظمة أصلها فى القوة ، والجلال فى الفعل، فهو عظيم لا يسعه
عقل ضعيف لجل أن يسعه كل فرض معقول ( والإكرام) إشارة إلى كل صفة هى من باب
الإثبات، كقولنا حى قادر عالم، وأما السميع والبصير فإنهما من باب الإثبات كذلك عند أهل
السنة ، وعند المعتزلة من باب النفى، وصفات باب النفى قبل صفات باب الإثبات عندتاء لأنا أولا
تجد الدليل وهو العالم فنقول ، العالم محتاج إلى شىء وذلك الشىء ليس مثل العالم فليس بمحدث ولا
محتاج، ولا ممكن، ثم نثبت له القدرة والعلم وغيرهما. ومن هنا قال تعالى لعباده ( لا إله إلا الله)
وقال صلى الله عليه وسلم ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله)) ونفى الإلهية عن غير
اللّه، نفى صفات غدير الله عن الله، فإنك إذا قلت الجسم ليس باله لزم منه قولك اللّه ليس بجسم
و(الجلال والإكرام) وصفان مرتبان على أمرين سابقين، فالجلال مرتب على فناء الغير والإكرام
على بقائه تعالى، قيقى الفرد وقد عز أن يحد أمره بفناء من غداه وما عداه، ويبقى وهو مكرم قادر
عالم فیوجد بعد فنائهم من یرید ، وقرىء : ذو الجلال ، وذى الجلال. وسنذكر ما يتعلق به فى
تفسير آخر السورة إن شاء الله تعالى.

١٠٩
قوله تعالى : يسأله من في السموات والارض. سورة الرحمن.
يَسْئَلُهُ, مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ كُلّ يَوْمٍ هُوَفِىِ شَأْنِ (﴾ فَبِأَيِّءَ الَآءِ
رَبِّكَانُكَذِّبَانِ
قوله تعالى: ﴿يسأنه من فى السموات والأرض كل يوم هو فى شأن فبأي آلاء ربكما نكذبان﴾
وفيه وجهان (أحدهما ) أنه حال تقديره ( بقى وجه ربك) مسؤولا وهذا منقول معقول، وفيه
إشكال. وهو أنه يفضى إلى التناقض لأنه لما قال (ويبقى وجه ربك) كان إشارة إلى بقائه بعد فنا.
من على الأرض، فكيف يكون فى ذلك الوقت مسئولا لمن فى الأرض ؟ فأما إذا قلنا الضمير عائد
إلى [ الأمور] الجارية [ فى يومنا] فلا إشكال فى هذا الوجه، وأما على الصحيح فنقول عنه أجوبة
(أحدها) لما بينا أنه فان نظراً إليه ولا يبقى إلا بإبقاء الله، فيصح أن يكون الله مسئولا (ثانيها) أن
يكون مسئولا معنى لا حقيقة، لأن الكل إذا فنوا ولم يكن وجود إلا بالله، فكان القوم فرضوا
سائلین بلسان الحال ( ثالثها) أن قوله ( و بقی) للاستمرار فیتی و یعید من كان فى الأرض ويكون
مسؤولا ( والثانى) أنه ابتداء كلام وهو أظهر وفيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ مادا يسأله السائلون؟ فنقول يحتمل وجوها ( أحدها ) أنه سؤال
استعطاء. فيسأله كل أحد الرحمة وما يحتاج إليه فى دينه ودنياه ( ثانيها) أنه -ؤال استعلام أى
عنده علم الغيب لا يعلمه إلا هو ، مكل أحد يسأله عن عاقبة أمره وعما فيه صلاحه وفساده.
فإن قيل: ليس كل أحد يعترف بجهله وعلم الله. نقول هذا كلام فى حقيقة الأمر من جامل ، فإن
كان من جاهل معاند فهو فى الوجه الأول أيضاً وارد، فإن من المعاندين من لا يعترف بقدرة الله
فلا يسأله شيئاً بلسانه وإن كان يسأله بلسان حاله لإمكانه ، والوجه الأول إشارة إلى كمال القدرة
أى كل أحد عاجز عن تحصيل ما يحتاج إليه. والوجه الثانى إشارة إلى كمال العلم أى كل أحد جاهل
بما عند الله من المعلومات (ثالثها) أن ذلك - ؤالاستخراج، أمر. وقوله (من فى السموات والأرض)
أى من الملائكة يسألونه كل يوم ويقولون: إلهنا ماذا نفعل وبماذا تأمرنا، وهذا يصلح جواباً آخر
عن الإشكال على قول من قال يسأله حال لأنه يقول قال تعالى ( كل من عليها فان) ومن عايها
تكون الأرض مكانه ومعتمده ولولاها لا يعيش. وأما من فيها من الملائكة الأرصية فهم فيها
وليسوا عليها ولا تضرهم زلزلتها، فعند ما يفنى من عليها ويقى الله تعالى لا يفنى هؤلاء فى تلك
الحال فيألونه ويقولون ماذا نفعل فيأمرهم بما يأمرهم ويفعلون ما يؤمرون، ثم يقول لهم عند ما
يشاء موتوا فيهوتوا. هذا على قول من قال (يسأله) حال وعلى الوجه الآخر لا إشكال.
المسألة الثانية﴾ هو عائد إلى من؟ نقول الظاهر المشهور أنه عائد إلى الله تعالى وعليه اتفاق
المفسرين، ويدل عليه ما روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن ذلك الشأن فقال «يغفر

١١٠
قوله تعالى : كل يوم هو في شأن. سورة الرحمن.
ذنباً ويفرج كرباً، ويرفع من يشاء ويضع من يشاء)) ويحتمل أن يقال هو عائد إلى يوم و(كل يوم)
ظرف -والهم أى يقع سؤالهم فى كل يوم وهو فى شأن يكون جملة وصف بها يوم وهو نكرة؛
كما يقال يسألنى فلان كل يوم هو يوم راحتى أى يسألنى أيام الراحة، وقوله (هو فى شأن) يكون:
صفة مميزة الأيام التى فيها شأن عن اليوم الذى قال تعالى فيه ( لمن الملك اليوم لله الواحد القهار)
فإنه تعالى فى ذلك اليوم يكون هو السائل وهو المجيب، ولا يسأل فى ذلك اليوم لأنه ليس يوماً
هو فى شأن يتعلق بالسائلين من الناس والملائكة وغيرهم ، وإنما يسألونه فى يوم هوفى شأن يتعلق
بهم فيطلبون ما يحتاجون إليه أو يستخرجون أمره بما يفعلون فيه ، فإن قيل فهذا ينافى ما ورد فى
الخبر، نقول لامنافاة لقوله عليه السلام فى جواب من قال: ما هذا الشأن؟ فقال (يغفر ذنباً [ويفرج
كرباً] )) أى فالله تعالى جعل بعض الأيام موسومة بوسم يتعلق بالخلق من مغفرة الذنوب والتفريح
عن المكروب فقال تعالى (يسأله من السموات والأرض) فى تلك الأيام التى فى ذلك الشأن
وجعل بعضها موسومة بأن لاداعى فيها ولا سائل، وكيف لا نقول بهذا، ولو تركنا كل يوم على
عمومه لكان كل يوم فيه فعل وأمر وشأن فيفضى ذلك إلى القول بالقدم والدوام، اللهم إلا أن
يقال عام دخله التخصيص كقوله تعالى ( وأوتيت من كل شىء) و( قدمن كل شىء).
﴿ المسألة الثالثة﴾ فعلى المشهور يكون الله تعالى فى كل يوم ووقت فى شأن، وقد جفٍ القلم
بما هو كائن، نقول فيه أجوبة منقولة فى غاية الحسن فلا تبخل بها وأجوبة معقولة بذكرها بعدها
( أما المنقولة) فقال بعضهم المراد سوق المقادير إلى المواقيت، ومعناه أن اقلم جف بما يكون فى
كل [ يوم و] وقت، فإذا جاء ذلك الوقت تعلقت إرادته بالفعل فيه فيوجد، وهذا وجه حسن
لفظاً ومعنى وقال بعضهم: شؤون يبديها لا شؤون يبتديها، وهو مثل الأول معنى، أى لا يتغير
حكمه بأنه سيكون ولكن يأنى وقت قدر الله فيه فعله فيبدو فيه ما قدره الله، وهذان القولان نسبان
إلى الحسن بن الفضل أجاب بهما عبد الله بن طاهر وقال بعضهم ( يولج الليل فى النهار ويولج النهار
فى الليل، ويخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحى) ويشفى سقيما ويمرض سليما، ويعز ذليلا
ويذل عزيزاً، إلى غير ذلك وهو مأخوذ من قوله عليه السلام (( يغفر ذنباً ويفرج كرباً)) وهو أحسن
وأبلغ حيث بين أمرين أحدهما يتعلق بالآخرة والآخر بالدنيا، وقدم الأخروى على الدنیرى ( وأما
المعقولة) فهى أن نقول هذا بالنسبة إلى الخالق، ومن يسأله من أهل السموات والأرض لأنه
تعالى حكم بما أراد وقضى وأبرم فيه حكمه وأمضى، غير أن ما حكمه يظهر كل يوم ، فنقول أبرم
الله اليوم رزق فلان ولم يرزقه أمس، ولا يمكن أن يحيط على خلقه بما أحاط به علمه، فقسأله
الملائكة كل يوم إنك يا إلهنا فى هذا اليوم فى أى شأن فى نظرنا وعلمتا (الثانى) هو أن الفعل يتحقق
بأمرين من جانب الفاعل بأمر خاص، ومن جانب الفيل فى بعض الأمور، ولا يمكن غيره وعلى
وجه يختاره الفاعل من وجوه متعددة (مثال الأول) تحريك الساكن لا يمكن إلا بإزالة الكون

قوله تعالى : سنفرغ لكم ابها الثقلان. سورة الرحمن.
سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ اٌلَّقَلَانِ (﴾ فَبِأَيِّءَالَآءِ رَبِّكَا تُكَّذِّبَانِ
عنه والإتيان بالحركة عقيبه من غير فصل (ومثال الثانى) تسكين الساكن فإنه يمكن مع إبقاء
السكون فيه ومع إزالته عقيبه من غير فصل أو مع فصل، إذ يمكن أن يزيل عنه السكون ولا
يحركه مع بقاء الجسم، إذا عرفت هذا فالله تعالى خلق الأجسام الكثيرة فى زمان واحد وخلق
فيها صفات مختلفة فى غير ذلك الزمان ، فإيجادها فيه لا فى زمان آخر بعد ذلك الزمان. فمن
خلقه فقيراً فى زمان لم يمكن خلقه غنياً فى عين ذلك الزمان مع خلقه فقيراً فيه وهذا ظاهر ، والذى
يظن أن ذلك يلزم منه العجز أو يتوهم فليس كذلك بل العجز فى خلاف ذلك لأنه لو خلقه فقيراً
فى زمان يريد كونه غنياً لما وقع الغنى فيه مع أنه أراده، فيلزم العجز من خلاف ما قلنا لا فما قلنا،
فإذن كل زمان هو غير الزمان الآخر فهو معنى قوله ( كل يوم هو فى شأن) وهو المراد من قول
المفسرين أغنى فقيراً وأفقي غنياً، وأعز ذليلا وأزل عزيزاً، إلى غير ذلك مرن الأضداد . ثم
أعلم أن الضدين ليسا منحصرين فى مختلفين بل المثلان فى حكمهما فإنها لا يجتمعان، فمن وجد فيه
حركة إلى مكان فى زمان لا يمكن أن توجد فيه فى ذلك الزمان حركة أخرى إيضاً إلى ذلك المكان،
وليس شأن الله مقتصراً على إفقار غنى أو إغناء فقير فى يومنا دون إفتاره أو إغنائه أمس ، ولا
يمكن أن يجمع فى زيد إغناء هو أمسى مع إغناء هو يومى، فالغنى المستمر للغنى فى نظرنا فى الأمر
متيدل الحال، فهو أيضاً من شأن اللّه تعالى، واعلم أن الله تعالى يوصف بكونه: لا يشغله شأن عن
شأن ، ومعناه أن الشأن الواحد لا يصير مانعاً له تعالى عن شأن آخر كما أنه يكون مانعاً لنا ، مثاله:
واحد منا إذا أراد تسويد جسم بصبغة يسخنه بالنار أو تبييض جسم ببرده بالماء. والماء والنار
متضادان إذا طلب منه أحدهما وشرع فيه يصير ذلك مانعاً له من فعل الآخر ، وليس ذلك الفعل
مانعاً من الفعل لأن تسويد جسم وتبيض آخر لا تنافى بينهما، وكذلك تسخينه وتسويده بصبغة
لا تنافى فيه، فالفعل صار ماذماً للفاعل من فعله ولم يصر مانعاً من الفعل، وفى حق الله ما لا يمنع
الفعل لا يمنع الفاعل ، فيوجد تعانى من الأفعال المختلفة مالا يحصر ولا يحصى فى آن واحد ، أما
ما يمنع من الفعل كالذى يسود جسما فى آن لم يمكنه أن يبيضه فى ذلك الآن ، فهو قد يمنع الفاعل
أيضاً وقد لا يمنع ولكن لا بد من منعه للفاعل، فالتويد لا يمكن معه التبيض، والله تعالى
لا يشغله شأن عن شأن أصلا لكن أسبابه تمنع أسباباً أخر لا تمنع الفاعل. إذا علمت هذا البحث
فقد أفادك .
التحقيق فى قوله تعالى ﴿سنفرغ لكم أيها الثقلان، فأى آلاء ربكما تكذبان﴾ ولنذكر أولا
ما قيل فيه تبركا بأقوال المشايخ ثم نحققه بالبيان الشافى ، فقول اختلف المفسرون فيه وأكثرهم على
أن المراد سنقصدكم بالفعل، وقال بعضهم خرج ذلك مخرج التهديد على ماهى عادة استعمال الناس،

١١٢
قوله تعالى : سنفرغ لكم ايها الثقلان. سورة الرحمن.
فإن السيد يقول لعبده عند الغضب سأفرغ لك، وقد يكون السيد فارغاً جالساً لا يمنعه شغل، وأما
التحقيق فيه ، فنقول عدم الفراغ عبارة عن أن يكون الفاعل فى فعل لا يمكنه معه إيجاد فعل آخر فإن
من يخيط يقول ما أما بفارغ للكتابة، لكن عدم الفراغ قد يكون لكون أحد الفعلين مانعاً للفاعل
من الفعل الآخر ، يقال هو مشغول بكذا عن كذا كما فى قول القائل أنا مشغول بالخياطة عن
الكتابة ، وقد يكون عدم الفراغ لكون الفعل مانعاً من الفعل لا لكونه مانعاً من الفاعل كالذى
يحرك جسما فى زمان لا يمكن تسكينه فى ذلك الزمان فهو ليس بفارغ للنسكين ، ولكن
لايقال فى مثل هذا الوقت أنا مشغول بالتحريك عن التسكين، فان فى مثل هذا الموضع لو كان
غير شغول به بل كان فى نفس المحل حركة لابفعل ذلك الفاعل لا يمكنه التسكين فليس
امتناعه منه إلا لاستحالته بالتحريك، وفى الصورة الأولى لولا اشتغاله بالخياطة لتمكن من
الكتابة، إذا عرفت هذا صار عدم الفراغ قمين (أحدهما) بشغل والآخر ليس بشغل، فنقول
إذا كان الله تعالى باختياره أوجد الإنسان وأبهاه مدة أرادها بمحض القدرة والإرادة لا يمكن
مع هذا إعدامه ، فهو فى فعل لا يمنع الفاعل لكن يمنع الفعل ومثل هذا بينا أنه ليس بفراغ، وإن كان
له شغل، فإذا أوجد ما أراد أولا ثم بعد ذلك أمكن الإعدام والزيادة فى آنه فيتحقق الفراغ لكن
لما كان للانسان مشاهدة مقتصرة على أفعال نفسه وأفعال أبناء جنسه وعدم الفراع منهم بسبب
الشغل يظن أن الله تعالى فارغ حمل الخلق عليه أنه ليس بفارغ ، فيلزم منه الفعل وهو لا يشغله
شأن عن شأن يلزمه حمل اللفظ على غير معناه، واعلم أن هذا ليس قولا آخر غير قول المشايح ، بل
هو بيان لقولهم سنقصدكم، غير أن هذا مبين، والحمد لله على أن هدانا البيان من غير خروج عن
قول أرباب اللسان. واعلم أن أصل الفراغ بمعنى الخلو، لكن ذلك إن كان فى المكان فيقسع ليتمكن
آخر ، وإن كان فى الزمان فيتسع للفعل ، فالأصل أن زمان الفاعل فارغ عن فعله وغير فارغ لكن
المكان مرئى بالخلو فيه ، فيطلق الفراغ على خلو المكان فى الظرف الفلانى والزمان غير مرئى ، فلا
يرى خلوه . ويقال فلان فى زمان كذا فارغ لأن فلانا هو المرئى لا الزمان والأصل أن هذا الزمان
من أزمنة فلان فارغ فيمكنه وصفه للفعل فيه، وقوله تعالى ( سنفرغ لكم) استعمال على ملاحظة
الأصل، لأن المكان إذا خلا يقال لكذا ولا يقال إلى كذا فكذلك الزمان لكن لما نقل إلى
الفاعل وقيل الفاعل على فراغ وهو عند الفراغ يقصد إلى شىء آخر قيل فى الفاعل فرغ من كذا إلى
كذا ، وفى الظرف يقال فرغ من كذا لكذا فقال لكم على ملاحظة الأصل ، وهو يقوى ماذكرنا
أن المانع ليس بالنسبة إلى الفعل بل بالنسبة إلى الفعل . وأما أيها فنقول الحكمة فى نداء المبهم والإتيان
بالوصف بعده هى أن المنادى يريد صون كلامه عن الضياع ، فيقول أولا يا أى نداء لمبهم ليقبل
عليه كل من يسمع ويتنبه لكلامه من يقصده ، ثم عند إقبال السامعين بخصص المقصود فيقول
الرجل والتزم فيه أمران (أحدهما) الوصف بالمعرف باللام أو باسم الإشارة، فتقول ياأيها الرجل

١١٣
قوله تعالى : يا معشر الجن والإنس. سورة الرحمن.
يَمَعْثَرَ أَلْجِنّ وَالْإِنِسِ إِنِ أَسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ السَّمَنَوَتِ
وَالْأَرْضِ فَانْفُذُواْ لَا تَتَغُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (﴾ فَبِأَيِّءَ الَآءِ رَبِّكَ تُكَذِّبَانِ ﴾
أو ياأيهذا لا الأعرف منه وهو العلم، لأن بين المبهم الواقع على كل جفس والعلم المميز عن كل
شخص تباعداً ( وثانيهما) توسط ها التنبيه بينه وبين الوصف. لأن الأصل فى أى الإضافة لما
أنه فى غاية الإبهام فيحتاج إلى التمييز، وأصل التمييز على ما بينا الإضافة، فوسط بينهم) لتعويضه
عن الإضافة، والتزم أيضاً حذف لام التعريف عند زوال أى. فلا تقول يا الرجل لأن فى ذلك
قطر يلا من غير فائدة، فانك لا تفيد باللام التنبيه الذى ذكرنا، فقولك يارجل مفيد فلا حاجة إلى
اللام فهو يوجب اسقاط اللام عند الإضافة المعنوية، فانها لما أفادت التعريف كان إثبات اللام
تطويلا من غير فائدة لكونه جمعاً بين المعرفين، وقوله تعالى (الثقلان) المشهور أن المراد الجن
والإنس وفيه وجوه (أحدعا) أما سميا بذلك لكونها مثقلين بالذنوب (ثانيهما) سميا بذلك لكونها
ثقيلين على وجه الأرض فان النراب وإن لطف فى الخلق ليتم خلق آدم لكنه لم يخرج عن كونه
ثقيلا، وأما النار فلما ولد فيها خلق الجن كثفت يسيراً. فكما أن التراب لطف يسيراً فكذلك النار
صارت ثقيلة، فهما ثفلان فسميا بذلك ( ثالثها ) الثقيل أحدهما: لا غير وسمى الآخر به للمجاورة
والاصطحاب كما يقال العمران والقمران وأحدهما عمر وقمر ، أو يحتمل أن يكون المراد العموم
بالنوعين الحاصرين، تقول: يا أيها الثقل الذى هو كذا، والثقل الذى ليس كذا، والثقل الأمر
العظيم. قال عليه السلام ((إنى تارك فيكم الثقلين)).
قوله تعالى: ﴿ يامعشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض
فأنقذرا لا تنفذون إلا بسلطان ، فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ وفيه مسائل.
المسألة الأولى﴾ فى وجه الترتيب وحسنه ، وذلك لأنه تعالى لما قال ( سنفرخ لكم أيها
الثقلان) وبينا أنه لم يكن له شغل فكان قائلا قال فلم كان التأخير إذا لم يكن شغل هناك مانع؟
فقال المستعجل يستعجل. إما لخوف فوات الأمر بالتأخير. وإما لحاجة فى الحال ، وإما لمجرد
الاختيار والإرادة على وجه التأخير ، وبين عدم الحاجة من قبل بقوله (كل من عليها فان ، ويبقى
وجه ربك) لأن ما يبقى بعد فناء الكل لايحتاج إلى شىء، فبين عدم الخوف من الفوات ، وقال
لايفوتون ولا يقدرون على الخروج من السموات والأرض، ولو أمكن خروجهم عنهمالماخرجوا
عن ملك الله تعالى فهو آخذم أين كانوا وكيف كانوا .
﴿ المسألة الثانية﴾ المعشر الجماعة العظيمة، وتحقيقه هو أن المعشر العدد الكامل الكثير الذى
لاعدد بعده الا بابتداء فيه. حيث يعيد الآحاد ويقول أحد عشر واثنا عشر وعشرون وثلاثون،
الفخر الرازي - ج ٢٩ م ٨

١١٤
قوله تعالى : يرسل عليكما شواظ. سورة الرحمن.
يُرْسَلُ عَلَيْكَا شُوَاظُ مِّن نَّارٍ وَتُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ (﴿ فَبِأَيِّءَالَآءِرَبِّكُا
مُگذّبَانِ
أى ثلاث عشرات فالمعشر كأنه محل العشر الذى هو الكثرة الكاملة .
﴿ المسألة الثالثة﴾ هذا الخطاب فى الدنيا أو فى الآخرة؟ نقول الظاهر فيه أنه فى الآخرة ، فان
الجن والإنس يريدون الفرار من العذاب فيجدون سبعة صفوف من الملائكة محيطين بأفطار
السموات والأرض، والأولى ماذكرنا أنه عام بمعنى لامهرب ولا مخرج لكم عن ملك الله تعالى،
وأنها توليتم فثم ملك الله، وأينما تكونوا أتا كم حكم الله .
﴿ المسألة الرابعة﴾ ما الحكمة فى تقديم الجن على الإنس ههنا وتقديم الإنس على الجن فى
قوله تعالى ( قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله)؟ نقول
النفوذ من أقطار السموات والأرض بالجن أليق إن أمكن، والإتيان بمثل القرآن بالإنس اليق
إن أمكن ، فقدم فى كل موضع من يظن به القدرة على ذلك .
المسألة الخامسة﴾ مامعنى ( لا تنفذون إلا بسطان)؟ نقول ذلك يحتمل وجوهاً (أحدها)
أن يكون بياناً بخلاف ما تقدم أى ما تنفذون ولا تنفذون إلا بقرة وليس لكم قوة على ذلك.
( ثانيها ) أن يكون على تقدير وقوع الأمر الأول، وبيان أن ذلك لا ينفعكم، وتقديره ما تتغذوا
وإن نفذتم ما تنفذون إلا ومعكم سلطان الله، كما يقول خرج القوم بأهلهم أى معهم (ثالثها) أن المراد
من النفوذ ماهو المقصود منه؟ وذلك لأن نفوذهم إشارة إلى طلب خلاصهم فقال: لا تنفذون من
أقطار السموات . لا تتخلصون من العذاب ولا تجدون ما تطلبون من النفوذ وهو الخلاص من
العذاب إلا بسلطان من الله يجيركم وإلا فلا مجير لكم، كما تقول لا ينفعك البكاء إلا إذا صدقت
وتريد به أن الصدق وحده ينفعك ، لا أنك إن صدقت فينفعك البكاء (رابعها) أن هذا إشارة إلى
تقرير التوحيد ، ووجهه هو كأنه تعالى قال: ياأيها الغافل لا يمكنك أن تخرج بذهنك عن أفطار
السموات والأرض فإذا أنت أبداً تشاهد دليلا من دلائل الوحدانية، ثم هب أنك تنفذمن أقطار
السموات والأرض، فاعلم أنك لا ننفذ إلا بسلطان تجده خارج السموات والأرض قاطع دال على
وحدانيته تعالى والسلطان هو القوة الكاملة .
قوله تعالى: ﴿ يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تقتصران، فبأى آلا. ربكما تكذبان )
وفيه مسائل :
المسألة الأولى ﴾ ما وجه تعلق الآية بما قبلها؟ نقول إن قلنا يا معشر الجن والإنس بد.
ينادى به يوم القيامة ، فكانه تعالى قال: يوم (يرسل عليكما شواظ من نار) ولا يقى لكما انتصار

١١٥
قوله تعالى : يرسل عليكما شواظ. سورة الرحمن.
:إن استطعتما النفوذ فانفذا، وإن قلنا إن النداء فى الدنيا، فنقول قوله ( إن استطعتم) إشارة إلى أنه
لامهرب لكم من اللّه فيمكنكم الفرار قبل الوقوع فى العذاب ولا ناصر لكم فيخلصكم من النار
بعد وقوعكم فيها وإرسالها عليكم، فكأنه قال: إن استطعتم الفرار لئلا تقعوا فى العذاب ففروا.
ثم إذا تبين لكم أن لافرار لكم ولا بد من الوقوع فيه فإذا وقعتم فيه وأرسل عليكم فاعلموا أنكم
لا تنصرون فلا خلاص لكم إذن ، لأن الخلاص إما بالدفع قبل الوقوع وإما بالرفع بعده ، ولا
سبيل إليها .
المسألة الثانية﴾ كيف ثنى الضمير فى قوله (عليكما) مع أنه جمع قبله بقوله (إن استطعتم)
والخطاب : مع الطائفتين. وقال ( فلا تنتصران) وقال من قبل ( لا تنفذون إلا بسلطان)؟ نقول
فيه لطيفة، وهى أن قوله ( إن استطعتم) لبيان مجزهم وعظمة .لمك اللّه تعالى، فقال: إن استطعتم
أن تنفذوا باجتماعكم وقوتكم فانفذوا، ولا تستطيعون لعجزكم فقد بان عند اجتماعكم واعتضادكم
بعضكم ببعض فهو عند افترافكم أظهر، فمرخطاب عام مع كل أحد عند الانضمام إلى جميع من عداه
من الأعوان والإخوان ، وأما قوله تعالى ( يرسل عليكما) فهو لبيان الإرسال على النوعين لا على
كل واحد منهما لأن جميع الإنس والجن لا يرسل عليهم العذاب والنار ، فهو يرسل على النوعين
ويتخلص منه بعض منهما بفضل الله ولا يخرج أحد من الأقطار أصلا ، وهذا ينأيد بما ذكرنا أنه
قال لافراز لكم قبل الوقوع، ولا خلاص لكم عند الوقوع لكن عدم الفرار عام وعدم الخلاص
ليس بعام ( والجواب الثانى) من حيث اللفظ، هو أن الخطاب مع المعشر فقوله (إن استط تم)
أيها المعشر وقوله (يرسل عليكما) ليس خطاباً مع النداء بل هو خطاب مع الحاضرين وهما نوعان
وليس الكلام مذكوراً بحرف واو العطف حتى يكون النوعان مناديين فى الأول وعند عدم
التصريح بالنداء فالثنية أولى كقوله تعالى (فبأي آلاء ربكما) وهذا يتأيد بقول تعالى (سنفرغ لكم
أيها الثقلان) وحيث صرح بالنداء جمع الضمير، وقال بعد ذلك (فبأي آلاء ربكما) حيث لم
يصرح بالنداء .
﴿ المسألة الثالثة﴾ ما الشواظ وما النحاس؟ نقول الشواظ لهب النار وهو لسانه، وقيل ذلك
لا يقال إلا للمختلط بالدعان الذى من الحطب، والظاهر أن هذا مأخوذ من قول الحكماء إن النار إذا
ضارت خالصة لانرى كالتى تمكون فى الكير الذى يكون فى غاية الاتقاد ، وكما فى التنور المسجور
فإنه يرى فيه نور وهو نار، وأما النحاس ففيه وجهان، أحدهما الدخان، والثانى القطر وهو النحاس
المشهور عندنا ، ثم إن ذكر الأمرين بعد خطاب النوعين يحتمل أن يكون لاختصاص كل واحد
بواحد. وحينئذ فالنار الخفيف الانس لأنه يخالف جوهره، والنحاس الثقيل للجن لأنه يخالف
جوهره أيضاً. فإن الإنس ثقيل والنار خفيفة، والجن خفاف والنحاس ثقيل، وكذلك إن قانا
المراد من النحاس الدخان ، ويحتمل أن يكون ورودهما على حد واحد منهما وهو الظاهر الأصح ..

١١٦
قوله تعالى : فإذا انشقت السماء. هورة الرحمن.
فَإِذَا أَنسَّقَّتِ اَلَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةٌ كَالّذِهَانِ ﴿ فَأَيِّءَالَآءِ رَبِّكَا تُكَّذِّبَانِ
٣٨
المسألة الرابعة ﴾ من قرأ نحاس بالجر كيف يعربه . ولو زعم أنه عطف على الثار يكون
شواظ من نحاس والشواظ لا يكون من نحاس؟ نقول الجواب عنه من وجهين (أحدهما) تقديره
شىء من نحاس كقولهم تقلدت سيفاً ورمحاً (وثانيهما) وهو الأظهر أن يقول الشواظ لم يكن
إلا عند ما يكون فى النار أجزاء هوائية وأرضية، وهو الدخان ، فالشواظ مر کب من نار ومن
نحاس وهو الدخان ، وعلى هذا فالمرسل شىء واحد لا شيئان غير أنه مركب، فإن قيل على هذا
لافائدة لتخصيص الشواظ بالإرسال إلا بيان كون تلك النار بعد غير قوية قوة نذهب عنه الدخان،
نقول : العذاب بالنار التى لا ترى دون العذاب بالنار التى ترى ، لتقدم الخوف على الوقوع فيه
وامتداد العذاب والنار الصرفة لا ترى أو ترى كالنور، فلا يكون لها لهيب وهيبة، وقوله تعالى
فلا تنتصران نفى لجميع أنواع الانتصار، فلا ينتصر أحدهما بالآخر ، ولا هما بغيرهما ، وإن كان
الكفار يقولون فى الدنيا ( نحن جميع منتصر) والانتصار التلبس بالنصرة ، يقال لمن أخذ الثأر
انتصر منه كأنه انتزع النصرة منه لنفسه وتلبس بها، ومن هذا الباب الانتقام والادخار والادهان،
والذى يقال فيه إن الانتصار بمعنى الامتناع (فلا تنتصران) بمعنى لا تمتنعان، وهو فى الحقيقة
راجع إلى ما ذكرنا لأنه يكون متلبساً بالنصرة فهو متنع لذلك .
قوله تعالى: ﴿فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان، فأى آلاء ربكما تكذبان ﴾ إشارة
إلى ماهو أعظم من إرسال الشواظ على الإنس والجن، فكانه تعالى ذكر أولا ما يخاف منه الإنسان ،
ثم ذكر ما يخاف منه كل واحد ممن له إدراك من الجن والإنس والملك حيث تخلو أماكنهم بالشق
ومساكن الجن والإنس بالخراب، ويحتمل أن يقال إنه تعالى لما قال (كل من عليها فان) إشارة
إلى سكان الأرض، قال بعد ذلك (فإذا انشقت السماء) بياناً لحال سكان السماء، وفيه مسائل :.
﴿ المسألة الأولى ﴾ الفاء فى الأصل للتعقيب على وجوه ثلاثة (منها) التعقيب الزمانى للشيئين
اللذين لا يتعلق أحدهما بالآخر عقلا كقوله قعد زيد فقام عمرو ، لمن سألك عن قعود زيد وقيام
عمر، وإنهما كايا معاً أو متعاقبين (ومنها ) التعقيب الذهنى الذين يتعلق أحدهما بالآخر كقولك جاء
زید فقام عبرو إ کراماً له إذ یکون فى مثل هذا قيام عمرو مع محی زید زمانا ( ومنها ) التعقيب فى
القول كقولك، لا أخاف الأمير فالملك فاالسلطان ، كأنك تقول: أقول لا أخاف الأمير، وأقول
لا أخاف الملك ، وأقول لا أخاف السلطان ، إذا عرفت هذا فالفاء هنا تحتمل الأوجه جميعاً ،
( أما الأول ) فلأن إرسال الشواظ عليهم يكون قبل انشقاق السموات ، ويكون ذلك الإرسال

١١٧
قوله تعالى : فإذا انشقت السماء. سورة الرحمن.
إشارة إلى عذاب القبر، وإلى ما يكون عند سوق المجرمين إلى المحشر ، إذ ورد فى التفسير أن
الشواظ يسوقهم إلى المحشر، فيهربون منها إلى أن يجتمعوا فى موضع واحد، وعلى هذا معناه يرسل
عليكما شواظ ، فإذا انشقت السماء يكون العذاب الأليم، والحساب الشديد على ماسنبين إن شاء الله
( وأما الثانى) فوجهه أن يقال ( يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس) فيكون ذلك سبباً لكون
السماء تكون حمراء، إشارة إلى أن لهيبها يصل إلى السماء ويجعلها كالحديد المذاب الأحمر، (وأما
الثالث) فوجهه أن يقال: لما قال ( فلا تنتصران) أى فى وقت إرسال الشواظ عليكما قال فإذا
انشقت السماء وصارت كالمهل، وهو كالطب الذائب، كيف تقتصران؟ إشارة إلى أن الشواظ
المرسل لهب واحد، أو فإذا انشقت السماء وذابت، وصارت الأرض والجو والسماء كلها ناراً
فكيف تقتصران؟ .
المسألة الثانية﴾ كلمة (إذا) قد تستعمل لمجرد الظرف وقد تستعمل للشرط وقد تستعمل
للمفاجأة وإن كانت فى أوجهها ظرفاً لكن بينها فرق (فالأول) مثل قوله تعالى ( والليل إذا يغشى
والنهار إذا تجلى ) (والثانى) مثل قوله إذا أكرمتنى أكرمك ومن هذا الباب قوله تعالى (فإذا
عزمت فتوكل على الله ) وفى الأول لابد وأن يكون الفعل فى الوقت المذكور متصلا به وفى الثانى
لا يلزم ذلك ، فإنك إذا قلت إذا علمتنى تئاب يكون الثواب بعده زماناً لكن استحقاقه يثبت فى
ذلك الوقت متصلا به ( والثالث ) مثال مايقول: خرجت فإذا قد أقبل الركب أما لو قال خرجت
إذ أقبل الركب فهو فى جواب من يقول متى خرجت إذا عرفت هذا فنقول على أى وجه استعمل
إذا ههنا ؟ نقول يحتمل وجهين (أحدهما) الظرفية المجردة على أن الفاء للتعقيب الزمانى، فإن
قوله ( فإذا انشقت السماء) بيان لوقت العذاب، كأنه قال: إذا انشقت السماء يكون العذاب أى
بعد إرسال الشواظ, وعند انشقاق السماء يكون (وثانيهما) الشرطية وذلك على الوجه الثالث وهو
قولنا ( فلا تنتصران) عند إرسال الشواظ فكيف تنتصران إذا انشقت السماء ، كأنه قال اذا
انشقت السماء فلا تتوقعوا الانتصار أصلا، وأما الحمل على المفاجأة على أن يقال (يرسل عليكما
شواظ ) فاذا السماء قد انشقت ، فبعيد ولا يحمل ذلك إلا على الوجه الثانى من أن الفاء للتعقيب
الذهنى .
المسألة الثالثة﴾ ما المختار من الأوجه؟ نقول الشرطية وحينئذ له وجهان (أحدهما) أن يكون
الجزاء محذوفاً رأساً ليفرض السامع بعده كل هائل ، كما يقول القائل إذا غضب السلطان على فلان
لا يدرى أحد ماذا يفعله، ثم ربما يسكت عند قوله إذا غضب السلطان متعجباً آتيا بقرينة دالة على
تهويل الأمر، ليدهب السامع مع كل مذهب ، ويقول كأنه إذا غضب السلطان يقتل ويقول الآخر
إذا غضب السلطان ينهب ويقول الآخر غير ذلك (وثانيها) مابينا من بيان عدم الانتصار ويؤيد هذا
قوله تعالى (ويوم تشقق السماء بالغمام) إلى أن قال تعالى (وكان يوماً على الكافرين عسيراً) فكأنه تعالى

١١٨
قوله تعالى : فيومئذ لا يسأل. سورة الرحمن.
فَيَوْمَيِذٍ لَّا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ، إِنْسُ وَلَا جَانٌّ (8) فَبِأَيِّءَالَآءِرَبِّكَا تُكَذِّبَانِ
قال: إذا أرسل عليهما شواظ من نار ونحاس فلا يقتصران، فإذا انشقت السماء كيف يقتصران؟
فيكون الأمر عسيراً، فيكون كأنه قال: فإذا انشقت السماء يكون الأمر عسيراً فى غاية العسر،
ويحتمل أن يقال: فإذا انشقت السماء يلقى المرء فعله ويحاسب حسابه كما قال تعالى (إذا السماء انشقت)
إلى أن قال ( يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ريك كدحاً فلافيه ) الآية .
المسألة الرابعة) ما المعنى من الانشقاق؟ نقول حقيقته ذوبانها وخرابها. كما قال تعالى
(يوم فطرى السماء) إشارة إلى خرابها ويحتمل أن يقال: انشقت بالغمام كما قال تعالى (ويوم تشقق
السماء بالغمام) وفيه وجوه منها أن قوله (بالغمام) أى مع الغمام فيكون مثل ما ذكرنا ههنا من
الانفطار والخراب . .
المسألة الخامسة) ما معنى قوله تعالى (فكانت وردة كالدهان)؟ نقول المشهور أنها فى الحال
تكون حمراء يقال: فرس ورد إذا أثبت للفرس الحمرة، وحجرة وردة أى حمراء اللون . وقد
ذكرنا أن لهيب النار يرتفح فى السماء فتذوب فتكون كالصفر الذائب حمراء ، ويحتمل وجهاً آخر
وهو أن يقال وردة للمرة من الورود كالركعة والسجدة والجلسة والقعدة من الركوع والسجود
والجلوس والقعود، وحينئذ الضمير فى كانت كما فى قوله (إن كانت إلا صيحة واحدة) أى الكائنة
أو الداهية وأنت الضمير لتأنيث الظاهر وإن كان شيئاً مذكراً، فكذا ههنا قال (فكانت وردة)
واحدة أى الحركة التى بها الانشقاق كانت وردة وحدة، وتزلزل الكل وخرب دفعة، والحركة
معلومة بالإنشقاق لأن المنشق يتحرك، ويتزلزل، وقوله تعالى (كالدهان ) فيه وجهان ( أحدهما)
جمع دهن (وثانيهما) أن الدهان هر الأديم الأحمر، فإن قيل الأديم الأحمر مناسب للوردة فيكون
معناء كانت السماء كالأديم الأجمر، ولكن ما المناسبة بين الوردة وبين الدهان ؟ نقول الجواب عنه
من وجوه (الأول ) المراد من الدهان ماهو المراد من قوله تعالى (يوم تكون السماء كالمهل)
وهو عكر الزيت وبينهما مناسبة ، فإن الورد يطلق على الأسد فيقال أسد ورد، فليس الورد هو
الأحمر القانى ( والثانى) أن التشبيه بالدهن ليس فى اللون بل فى الذوبان و(الثالث) هو أن الدهن
المذاب ينصب انصبابة واحدة ويذوب دفعة والحديد والرصاص لا يذوب غاية الذوبان، فتكون
حركة الدهن بعد الذوبان أسرع من حركة غيره فكأنه قال حركتها تكون وردة واحدة كالدهان
المصبوبة صباً لا كالرصاص الذى يذوب منه ألطفه وينتفع به ويبقى الباقى، وكذلك الحديد
والنحاس، وجمع الدهان لعظمة السماء وكثرة ما يحصل من ذوبانها لاختلاف أجزائها، فإن
الكوا كب تخالف غيرها .
قوله تعالى: ﴿فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان، فبأى آلاء ربكما تكذبان﴾ وفيه

١١٩
قوله تعالى : فيومئذٍ لا يسأل عن ذنبه . سورة الرحمن .
وجهان (أحدهما) لا يسأله أحد عن ذنبه ، فلا يقال له أنت المذنب أو غيرك، ولا يقال من المذنب
منكم بل يعرفونه بسواد وجوههم وغيره، وعلى هذا فالضمير فى ذنبه عائد إلى مضمر مفر بما
يعده، وتقديره لا يسأل إنس عن ذنبه ولا جان يسأل، أى عن ذنبه ( وثانيهما ) معناه قريب من
المعنی قوله تعالى ( ولا تزر وازرة وزر أخرى) کانه يقول : لا يسأل عن ذنبه مذنب إنس ولا
جان . وفيه إشكال لفظى، لأن الضمير فى ذنبه إن عاد إلى أمر قبله يلزم استحالة ما ذكرت من
المعنى بل يلزم فساد المعنى رأساً لأنك إذا قلت لا يسأل مسئول واحد أو إنسى مثلا عن ذنبه فقولك
بعد إنس ولا جان ، يقتضى تعلق فعل بفاعلين وإنه محال ، والجواب عنه من وجهين (أحدهما )
أن لا يفرض عائداً وإنما يجعل بمعنى المظهر لا غير ويجعل عن ذنبه كأنه قال عن ذنب مذنب
(ثانيهما) وهو أدق وبالقبول أحق أن يجعل ما يعود إليه الضمير قبل الفعل فيقال تقديره فالمذنب
يومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان ، وفيه مسائل لفظية ومعنوية :
المسألة الأولى﴾ اللفظية الفاء للتعذيب وأنه يحتمل أن يكون زمانياً كأنه يقول: فإذا
انشقت السماء يقع العذاب، فيوم وقوعه لا يسأل، وبين الأحوال فاصل زمانى غير متراخ ،
ويحتمل أن يكون عقلياً كأنه يقول يقع العذاب فلا يتأخر تعلقه بهم مقدار مايسألون عن ذنبهم ،
ويحتمل أن يكون أراد الترتيب الكلامى كأنه يقول: تهربون بالخروج من أفطار السموات ،
وأقول لا تمتنعون عند انشقاق السماء، فأقول : لا تمهلون مقدار ما تسألون.
﴿ المسألة الثانية﴾ ما المراد من السؤال؟ نقول المشهور ما ذكرنا أنهم لا يقال لهم من المذنب
منكم، وهو على هذا سؤال استعلام، وعلى الوجه الثانى سؤال توبيخ أى لا يقال له: لم أذنب
المذنب ، ويحتمل أن يكون سؤال موهبة وشفاعة كما يقول القائل أسألك ذنب فلان، أى أطلب
منك عفوه، فإن قيل هذا فاسد من وجوه (أحدما) أن السؤال إذا عدى بعن لا يكون إلا بمعنى
الاستعلام أو التوبيخ. وإذا كان بمعنى لاستعطاء يعدى بنفسه إلى مفعولين. فيقال نسألك العفو
والعافية ( ثانيها) الكلام لا يحتمل تقديراً ولا يمكن تقديره بحيث يطابق الكلام، لأن المعنى يصير
كأنه يقول لا يسأل واحد ذنب أحد بل أحد لا يسأل ذنب نفسه (ثالثها) قوله ( يعرف المجرمون
بسيماهم) لا يناسب ذلك. نقول (أما الجواب عن الأول) فهو أن السؤال ربما يتعدى إلى مفعولين
غير أنه عند الاستعلام يحذف الثانى ويؤتى بما يتعلق به. يقال سألته عن كذا أى سألته الإخبار
عن كذا فيحذف الإخبار ويكتفى بما يدل عليه، وهو الجار والمجرور. فيكون المعنى طلبت منه أن
يخبر نى عن كذا ( وعن الثانى) أن يكون التقدير لا يسأل إنس ذنبه ولا جان، والضمير يكون
عائداً إلى المضمر لفظاً لامعنى، كما نقول قبلوا أنفسهم، فالضمير فى أنفسهم عائد إلى.افى قولك قتلوا
لفظاً لامعنى لأن ما فى قتلوا ضمير الفاعل، وفى أنفسهم ضمير المفعولى، إذ الواحد لا يقتل نفسه وإنما
المراد كل واحد قتل واحداً غيره، فكذلك [ كل] إنس لا يسأل [عن] ذنبه أى ذنب إنس غيره،

١٢٠
قوله تعالى : يعرف المجرمون بسيماهم. سورة الرحمن.
يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَهُمْ فَيُؤْخَذُ بِلَنَّوْصِى وَالْأَقْدَامِ (﴾ فَأَيِّ،َ الَآءِ
رَبِّكَا تُكَذِّيَانِ
٤٢
ومعنى الكلام لا يقال لأحد اعف عن فلان ، لبيان أن لامسئول فى ذلك الوقت من الإنس والجن ،
وإنما كلهم سائلون الله والله تعالى حينئذ هو المسئول.
وأما المعنوية (فالأولى) كيف الجمع بين هذا وبين قوله تعالى (فوربك لنسئلهم أجمعين)
وبينه وبين قوله تعالى ( وقفوهم إنهم مسؤولون)؟ نقول على الوجه المشهور جوابان (أحدهما)
أن للآخرة مواطن. فلا يسأل فى موطن، ويسأل فى موط (وثانيهما) وهو أحسن لا يسأل عن
فعله أحد منكم، ولكن يسأل بقوله لم فعل الفاعل فلا يسأل سؤال استعلام، بل يسأل سؤال
توبيخ ، وأما على الوجه الثانى. فلا يرد السؤال، فلا حاجة إلى بيان الجمع .
﴿ والثانية) ما الفائدة فى بيان عدم السؤال ؟ نقول على الوجه المشهور فائدته التوبيخ ،
لهم كقوله تعالى ( وجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها فترة) وقوله تعالى (وأما الذين اسودت
وجوههم) وعلى الثانى بيان أن لا يؤخذ منهم فدية. فيكون ترتيب الآيات أحسن، لأن فيها حينئذ
بياد أن لامفر لهم بقوله ( إن استطعتم أن تنفذوا) ثم بيان أن لامانع عنهم بقوله ( فلا تقتصران)
ثم بيان أن لا فداء لهم عنهم بقوله لا يسأل، وعلى الوجه الأخير، بيان أن لاشفيع لهم ولا راحم
(وفائدة أخرى) وهو أنّه تعالى لما بين أن العذاب فى الدنيا مؤخر بقوله ( سنفرغ لكم) ين
أنه فى الآخرة لا يؤخر بة رما يسأل (وفائدة أخرى) وهو أنه تعالى لما بين أن لا مفرلهم بقوله
(لا تنفذون) ولا ناصر لهم يخلصهم بقوله ( فلا تقتصران) بين أمراً آخر، وهو أن يقول المذنب:
وبما أنجر فى ظل خمول واشتباه حال، فقال ولا يخفى أحد من المذنبين بخلاف أمر الدنيا، فإن
الشرذمة القليلة ربما تنجو من العذاب العام بسبب خمولهم .
قوله تعالى: ﴿يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالخواصى والأقدام، فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾
اتصال الآيات بما قبلها على الوجه المشهور، ظاهر لاخفاء فيه، إذقوله (يعرف المجرمون) كالتفسير
وعلى الوجه الثانى من أن المعنى لا يسأل عن ذنبه غيره كيف قال.، يعرف ويؤخذ وعلى قولنا
لايسأل سؤال حط وعفو أيضاً كذلك، وفيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ السيما كالضيزى وأصله سومى من السومة وهو يحتمل وجوها (أحدها)
كى على جباههم ، قال تعالى (يوم يحمى عليها فى نار جهنم فتكوى بها جباههم) (ثانيها) وادكما قال
تعالى (وأما الذين أسودت وجوههم) وقال تعالى (وجوههم مسودة) (ثالثها) غبرة وفترة . "
المسألة الثانية﴾ ما وجه إفراد يؤخذ مع أن المجرمين جمع ، وهم المأخوذون؟ نقول فيه