Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ قوله تعالى : ولقد تركناها اية. سورة القمر. وَلَقَد تَرَ كْنَهَآءَايَةٌ فَهَلْ مِنْ تُذَّكٍ ومقاتلة وقرى. ( لمن كان كفر) بفتح الكاف، وأما (كفر) ففيه وجهان: (أحدهما) أن يكون كفر مثل شكر يعدى بالحرف وبغير حرف يقال شكرته وشكرت له ، قال تعالى (واشكروا لى ولا تكفرون) وقال تعالى (فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله). (ثانيهما) أن يكون من الكفر لامن الكفران أى جزاء لمن سترأمره وأنكر شأنه ويحتمل أن يقال كفربه وترك لظهور المراد. ثم قال تعالى ﴿ولقد تركناها آية﴾ وفى العائد إليه الضمير وجهان: (أحدهما) عائد إلى مذكور وهو السفينة التى فيها ألواح وعلى هذا ففيه وجهان (أحدهما ) ترك الله عينها مدة حتى رؤيت وعلمت وكانت على الجودى بالجزيرة وقيل بأرض الهند ( وثانيهما) ترك مثلها فى الناس يذكر ( وثانى) الوجهين الأولين، أنه عائد إلى معلوم أى تركنا السفينة آية، والأول أظهر وعلى هذا الوجه يحتمل أن يقال (تركناها) أى جعلناها آية لأنها بعد الفراغ منها صارت متروكة ومجمعولة يقول القائل تركت فلاناً مثلة أى جعلته، لما بينا أنه من فرغ من أمر تركه وجعله فذكر أحد الفعلين بدلاعن الآخر . وقوله تعالى ﴿فهل من مذكر﴾ إشارة إلى أن الأمر من جانب الرسل قدتم ولم يبق إلا جانب المرسل إليهم بأن كانوا منذرين متفكرين يهتدون بفضل الله (فهل من مدكر) مهند، وهذا الكلام يصلح حثاًويصلح تخويفاً وزجراً ، وفيه مسائل : ( الأولى ) قال ههنا (ولقد تركناها) وقال فى العنكبوت (وجعلناها آية) قلنا هما وإن كانا فى المعنى واحداً على ما تقدم بيانه لكن لفظ الترك يدل على الجعل والفراغ بالأيام فكانها هنا مذكورة بالتفصيل حيث بين الإمطار من السماء وتفجير الأرض وذكر السفينة بقوله ( ذات ألواح ودسر) وذكر جريها فقال (تركناها) إشارة إلى تمام الفعل المقدور وقال هناك (وجعلناها) إشارة إلى بعض ذلك فان قيل إن كان الأمر كذلك فكيف قال ههنا ( وحملناه) ولم يقل وأصحابه وقال هناك ( وأنجيناه وأصحاب السيفنة)؟ نقول النجاة ههنا مذكورة على وجه أبلغ ما ذكره هناك لأنه قال (تجرى بأعيننا) أى حفظنا وحفظ السفينة حفظ لأ صحابه وحفظ لأموالهم ودوابهم والحيوانات التى معهم فقوله ( وأنجيناه وأصحاب السفينة ) لا يلزم منه إنجاء الأموال إلا ببيان آخر والحكاية فى سورة هود أشد تفصيلا وأتم فلهذا قال (قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين) يعنى المحمول ثم قال تعالى ( واستوت على الجودى ) تصريحاً بخلاص السفينة وإشارة إلى خلاص كل من فيها وقوله (آية ) منصوبة على أنها مفعول ثان للترك لأنه بمعنى الجعل على ما تقدم بيانه وهو الظاهر، ويحتمل أن يقال حال فإنك تقول تركتها وهى آبة وهى إن لم تكن على وزن الفاعل والمفعول ٤٢ قوله تعالى : فكيف كان عذابي ونذر. سورة القمر. فَکَیْفَ كَانَ عَذَابِی وَنَذَرِ فهى فى معناه كأنه قال تركناها دالة، ويحتمل أن يقال نصبها على التميير لأنها بعض وجوه الترك كقوله ضربته سوطاً . ﴿ المسألة الثانية﴾ (مذكر) مفتعل من ذكر يذكر وأصله مذتكو [ما] كان مخرج الذال قريباً من مخرج التاء، والحروف المتقاربة المخرج يصعب النطق بها على التوالى ولهذا إذا نظرت إلى الذال مع التاء عند النطق تقرب الذال من أن تصير نا. والتاء تقرب من أن تصير دالا نجعل التاء دالا ثم أدغمت الدال فيها ومنهم من قرأ على الأصل مذتكر ومنهم من قلب التاء دالا وقرأ مذكر ومن اللغويين من يقول فى مذكر مذكر فيقلب التاء ولا يدغم ولكل وجهة، والمذكر المعتبر المتفكر، وفى قوله ( مذكر) إما إشارة إلى مافى قوله ( ألست بربكم؟ قالوا بلى) أى هل من يتذكر تلك الحالة وإما إلى وضوح الأمر كأنه حصل للكل آيات الله ونسوها (فهل من مذكر) يتذكر شيئاً منها. ثم قال تعالى ﴿فكيف كان عذابى ونذر﴾ وفيه وجهان: (أحدهما) أن يكون ذلك استفهاماً من النبى صلى الله عليه وسلم تنبيها له ووعداً بالعاقبة ( وثانيهما) أن يكون عاماً تنبيهاً للخلق ونذر أسقط منه ياء الإضافة كما حذف يا. يسرى فى قوله تعالى ( والليل إذا يسر) وذلك عند الوقف ومثله كثير كما فى قوله تعالى ( فإياى فاعبدون ولا ينقذون) وقوله تعالى ( ياعباد فاتقون) وقـ له تعالى ( ولا تكفرون) وقرى باثبات الياء ( عذابى ونذرى) وفيه مسائل: ﴿الأولى) ما الذى اقتضى الفاء فى قوله تعالى (فكف كان)؟ نقول: أما إن قلنا إن الاستفهام من النبى صلى الله عليه وسلم، فكأنه تعالى قال له قد علمت أخبار من كان قبلك مكيف كان أى بعدما أحاط بهم علمك بنقلها إليك، وأما إن قلنا الاستفهام عام فنقول لما قال ( هل من مذكر ) فرص وجودهم وقال يا من يتذكر، وعلم الحال بالتذكير (فكيف كان عذابى) ويحتمل أن يقال هو متصل بقوله ( فهل من مذكر ) تقديره مذكر كيف كان عذائى . ﴿ المسألة الثانية) ما رأوا العذاب ولا النذر فكيف استفهم منهم ؟ نقول، أما على قولنا الاستفهام من النبى صلى الله عليه وسلم فقد علم لما علم، وأما على قولنا عام ثم على تقدير الادكار وعلى تقدير الاذكار يعلم الحال ، ويحتمل أن يقال إنه ليس باستفهام وإنما هو إخبار عن عظمة الأمر كما فى قوله تعالى (الحاقة ما الحاقة) و (الفارعة ما القارعة) وهذا لأن الاستفهام يذكر للأحبار كما أن صيغة هل تذكر للاستفهام فيقال زيد فى الدار؟ بمعنى هل زيد فى الدار، ويقول المنجزوعده هل صدقت؟ فكأنه تعالى قال: عذابى وقع وكيف كان أى كان عظيما وحينئذ لا يحتاج إلى علم من يستفهم منه . ٤٣ قوله تعالى : ولقد يسرنا القرآن. سورة القمر. وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مَدّكِرٍ المسألة الثالثة﴾ قال تعالى من قبل. (ففتحنا، وجيرنا، وبأعيننا) ولم يقل كيف كان عذابنا نقول لوجهين ( أحدهما ) لفظى وهو أن ياء المتكلم يمكن حذفها لأنها فى اللفظ تسقط كثيراً فيما إذا التقى ساكنان ، تقول غلامى الذى، ودارى التى، وهنا حذفت لتواخى آخر الآيات، وأما النون والألف فى ضمير الجمع فلا تحذف (وأما الثانى) وهو المعنوى فنقول إن كان الاستفهام من النبى صلى اللّه عليه وسلم فتوحيد الضمير للأنباء، وفى فتحنا وبيرنا لترهيب العصاة ، ونقول قد ذكرنا أن قوله ( مدكر) فيه إشارة إلى قوله (ألست بربكم) فلما وحد الضمير بقوله (ألست بربكم ) قال فكيف كان . ﴿ المسألة الرابعة) النذر جمع نذير فهل هو مصدر كالنسيب والنحيب أو فاعل كالكبير والصغير؟ نقول أكثر المفسرين على أنه مصدر ههنا، أى كيف كان عاقبة عذابى وعاقبة إنذارى والظاهر أن المراد الأنباء، أى كيف كان عاقبة أعداء الله ورسله ؟ هل أصاب العذاب من كذب الرسل أم لا ؟ فإذا علمت الحال يا محمد فاصبر فإن عاقبة أمرك كعاقبة أولئك النذر ولم يجمع العذاب لأنه مصدر ولو جمع لكان فى جمعه تقدير وفرض ولا حاجة إليه ، فإن قيل قوله تعالى ( كذبت ثمود بالنذر) أى بالإنذارات لأن الإنذارات جاءتهم؛ وأما الرسل فقد جاءهم واحد، نقول كل من تقدم من الأمم الذين أشر كوا بالله كذبوا بالرسل وقالوا ما أنزل الله من شىء وكان المشركون مكذبين بالكل ما خلا إبراهيم عليه السلام فكانوا يعتقدون فيه الخير لكونه شيخ المرسلين فلا يقال: كذبت ثمود بالنذر، أى بالأنبياء بأسرهم، كما أنكم أيها المشركون تكذبونبهم. ثم قال تعالى ﴿ولقد يسرنا القرآن الذكر) وفيه وجوه (الأول) للحفظ فيمكن حفظه ويسهل، ولم يكن شىء من كتب اللّه تعالى يحفظ على ظهر القلب غير القرآن. قوله تعالى: ﴿فهل من مدكر﴾ أى هل من يحفظ ويتلوه (الثانى) سهلناه الاتعاظ حيث أتينا فيه بكل حكمة ( الثالث ) جعلناه بحيث يعلق بالقلوب ويستلذ سماعه ومن لا يفهم ينفهمه ولا إمأم من سمعه وفهمه ولا يقول قد علمت فلا أسمعه بل كل ساعة يزداد منه لذة وعداً . (الرابع) وهو الأظهر أن النبى صلى الله عليه وسلم لما ذكر بحال نوح عليه السلام وكان له معجزة قيل له إن معجزتك القرآن ( ولقد يسرنا القرآن للذكر) تذكرة لكل أحد وتتحدى به فى العالم ويقى على مرور الدهور، ولا يحتاج كل من يحضرك إلى دعاء ومسألة فى إظهار معجزة ، وبعدك لا ينكر أحد وقوع ماوقع كما ينكر البعض انشقاق القمر، وقوله تعالى (فهل من مذكر) أى متذكر لأن الافتعال والتفعل كثيراً ما يجى. بمعنى، وعلى هذا فلو قال قائل هذا يقتضى وجود أمر سابق فنسى، نقول مافى الفطرة من الانقياد للحق هو كالمنسى فهل من مذكر يرجع إلى ما فطر عليه ٤٤ قوله تعالى : كذبت عاد فكيف. سورة القمر. كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُر ١٨ وقيل فهل من مذكر أى حافظ أو متغظ على ما فسرنا به قوله تعالى (يسرنا القرآن للذكر) وقوله (فهل من مذكر) وعلى قولنا المراد متذكر إشارة إلى ظهور الأمر فكأنه لا يحتاج إلى نكر، بل هو أمر حاصل عنده لا يحتاج إلى معاودة ما عند غيره . قوله تعالى : ﴿ کذبت عاد فکیف کان عذائی ونذر ﴾ و فيه مسائل: ﴿ الأولی ﴾ قال فی قوم نوح ( کذبت قوم نوح) ولم يقل فى عاد كذبت قوم هود وذلك لأن التعريف كلما أمكن أن يؤتى به على وجه أبلغ فالأولى أن يؤتى به والتعريف بالاسم العلم أولى من التعريف بالإضافة إليه ، فإنك إذا قلت بيت الله لا يفيد ما يفيد قولك الكعبة، فكذلك إذا قلت رسول الله لا يفيد ما يفيد قولك محمد فعاد اسم علم القوم لا يقال قوم هود أعرف لوجهين (أحدهما) أن الله تعالى وصف عاداً بقوم هود حيث قال (ألا بعداً لعاد قوم هود) ولا يوصف الأظهر بالأخفى والأخص بالأعم (ثانيهما ) أن قوم هود واحد وعاد، قيل إنه لفظ يقع على أقوام ولهذا قال تعالى ( عاداً الأولى) لأنا نقول: أما قوله تعالى (لعاد قوم هود) فليس ذلك صفة وإنما هو بدل ويجوز فى البدل أن يكون دون المبدل فى المعرفة، ويجوز أن يبدل عن المعرفة بالنكرة، وأما عاداً الأولى فقد قدمنا أن ذلك لبيان تقدمهم أى عاداً الذين تقدموا وليس ذلك للتمييز والتعريف كما تقول محمد النى شفيعى والله الكريم ربى ورب الكعبة المشرفة لبيان الشرف لا لانها وتعريفها كما تقول دخلت الدار المعمورة من الدارين وخدمت الرجل الزاهد من الرجلين فتبين المقصود بالوصف . ﴿ المسألة الثانية﴾ لم يقل كذبوا هوداً كما قال (فكذبوا عبدنا) وذلك لوجهين (أحدهما) أن تكذبب نوح كان أبلغ وأشد حيث دعاهم قريباً من ألف سنة وأصروا على التكذيب، ولهذا ذكر الله تعالى تكذيب نوح فى مواضع ولم يذكر تكذيب غير نوح صريحاً وإن نبه عليه [فى} واحد منها فى الأعراف قال ( فنجيناه والذين معه فى الفلك ) وقال حكاية عن نوح( قال رب إن قومى كذبون) وقال (إنهم تصونى) وفى هذه المواضع لم يصرح بتكذيب قوم غيره منهم إلا قليلا ولذلك قال تعالى فىمواضع ذكر شعيب فكذبوه (وقال الذين كذبوا شعيباً) وقال تعالى عن فومه ( وإنا لنظنك من الكاذبين ) لأنه دعا قومه زماناً مديداً (وثانيهما) أن حكاية عاد مذكورة ههنا علی سبیل الاختصار فلم یذ کر إلا تكذيهم وتعذيبهم فقال ( کذبت عاد)كما قال( كذبت قوم نوح) ولم یذکر دعاءه عليهم وإجابته کما قال فى نوح. ﴿ المسألة الثالثة ﴾ قال تعالى(فکیف کان عذاب ونذر) قبل أن بين العذاب . وفى حكاية نوح بين العذاب، ثم قال ( فكيف كان) فما الحكمة فيه؟ نقول الاستفهام الذى ذكره فى حكاية نوح ٤٥ قوله تعالى : إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصاً. سورة القمر. إِنَّ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًّاً فِ يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍ مذکور ههنا، وهو قوله تعالى ( فکیف کان عذائی ونذر )کما قال من قبل ومن بعد فى حكاية ثمود غير أنه تعال حكى فى حكاية عاد فكيف كان مرتين ، المرة الأولى استفهم ليبين كما يقول المعلم لمن لا يعرف كيف المسألة العلانية ليصير المسئول سائلا، فيقول كيف هى فيقول إنها كذا وكذا فكذلك ههنا قال كذبت عاد فكيف كان عذابى، فقال السامع بين أنت فإنى لا أعلم فقال (إنا أرسلنا) وأما المرة الثانية فاستفهم للتعظيم كما يقول القائل للعارف المشاهد كيف فعلت وصنعت فيقول نعم مافعلت ويقول أتيت بعجيبة فيحقق عظمة الفعل بالاستفهام، وإنما ذكر ههنا المرة الأولى ولم يذكر فى موضع آخر لأن الحكاية ذكرها مختصرة فكان يفوت الاعتبار بسبب الاختصار فقال ( كيف كان عذائى) حثاً على التدبر والتفكر، وأما الاختصار فى حكايتهم فلأن أكثر أمرثم الاستكبار والاعتماد على القوة وعدم الالتفات إلى قول النی صلى اللهعليه و سلم، ويدل عليه قوله تعالى (فأما عاد فاستكبروا فى الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوقت) وذكر استكبارم كثيراً، وما كان قوم محمد صلى الله عليه وسلم مبالغبن فى الاستكبار وإنما كانت مبالغتهم فى التكذيب ونسبته إلى الجنون، وذكر حالة نوح على التفصيل فإن قومه جمعوا بين التكذيب والاستكبار ، وكذلك حال صالح عليه السلام ذكرها على التفصيل لشدة مناسبتها بحال محمد صلى الله عليه وسلم. قوله تعالى: ﴿ إنا أرسلنا عليهم ريحاً صر صراً فى يوم نحس مستمر﴾ وفيه مسائل: ﴿ المسألة الأولى﴾ قال تعالى (فكيف كان غذائى) بتوحيد الضمير هناك ولم يقل عذابنا، وقال ههنا إنا ولم يقل إنى، والجراب ما ذكرناه فى قوله تعالى ( ففتحنا أبواب السماء). المسألة الثانية﴾ الصرصر فيها وجوه (أحدها) الريح الشديدة الصوت من الصرير والصرة شدة الصياح (ثانيها) دائمة الهبوب من أصر على الشىء إذا دام وثبت، وفيه بحث وهو أن الأسماء المشتقة هى التى تصلح لأن يوصف بها ، وأما أسماء الأجناس فلا يوصف بها سواء كانت أجراماً أو معانى، فلا يقال إنسان رجل جاء ولا يقال لون أبيض وإنما يقال إنسان عالم وجسم أبيض. وقولنا أبيض معناه شىء له بياض، ولا يكون الجسم مأخوذاً فيه، ويظهر ذلك فى قولنا رجل عالم فإن العالم شىء له علم حتى الحداد والخبازولو أمكن قيام العلم بهما لكان عالماً ولا يدخل الحى فى المعنى من حيث المفهوم فإنا إذا قلنا عالم يفهم أن ذلك حتى لأن اللفظ ما وضع لحى يعلم بل اللفظ وضع لشىء يعلم ويزيده ظهوراً قولنا معلوم فإنه شىء يعلم أو أمر يعلم وإن لم يكن شيئاً، ولو دخل الجسم فى الأبيض لكان قولنا جسم أبيض كقولنا جسم له بياض فيقع الوصف بالجثة ، إذا علمت هذا فمن المستفاد بالجنس شىء دون شىء ، فإن قولنا الهندى يقع على كل منسوب إلى الهند وأما المهندفهو سيف منسوب إلى الهند فيصح أن يقال عبد هندى وتمر هندى ولا يصح أن يقال مهند و كذا الأبلق ولون آخر ٤٦ قوله تعالى : إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصاً. سورة القمر. فى فرس ولا يقال للثوب أبلق، كذلك الافطس أنف فيه تقعير إذا قال لقائل أنف أفطس فيكون كأنه قال أنف به فطس فيكون وصفه بالجثة وكان ينبغى أن لا يقال فرس أبلق ولا أنف أفطس ولاسيف مهند وهم يقولون، فما الجواب؟ وهذا السؤال يرد على الصر صر لأنها الريح الباردة، فإذا قال ريح صرصر فليس ذلك كقولنا ريح باردة فان الصرصر هى الريح الباردة حسب ، فكأنه قال ريح باردة فنقول الألفاظ التى فى معانيها أمران فصاعداً، كقولنا عالم فإنه يدل على شىء له علم قفيه شىء وعلم هى على ثلاثة أقسام (أحدها) أن يكون الحال هو المقصود والمحل تبع كما فى العالم والضارب والأبيض فإن المقاصد فى هذه الألفاظ العلم والضرب والبياض بخصوصها، وأما المحل فقصود من حيث إنه على عمومه حتى أن البياض لو كان يبدل بلون غيره اختل مقصوده كالأسود. وأما الجسم الذى هو محل البياض إن أمكن أن يبدل وأمكن قيام البياض بجوهر غير جم لما. اختل الغرض ( ثانيها) أن يكون المحل هو المقصود كقولنا الحيوان لأنه اسم لجنس ما له الحياة. لا کالحی الذی هو اسم لشی. له الحياة، فالمقصود هنا المحل وهو الجسم حتى لو وجد حیلیس بجسم لا يحصل مقصود من قال الحيوان ولوحمل اللفظ على اللّه الحى الذى لا يموت لحصل غرض المتكلم ولو حمل لفظ الحيوان على فرس قائم أو إنسان نائم لم تفارقه الحياة لم يبق للمسامع تفع ولم يحصل للمتكلم غرض فان القائل إذا قال لإنسان قائم وهو ميت هذا حيوان ثم بان موته لا يرجع عما قال بل يقول: ما قلت إنه حى بل قلت إنه حيوان فهو حيوان فارقته الحياة (ثالثها) ما يكون الأمران مقصودين كقولنا رجل وامرأة ونافة وجمل فإن الرجل اسم موضوع لإنسان ذكرو المرأة لإنسان أنثى والناقة لبعير أنثى والجمل البعير ذكر فالناقة إن أطلقت على حيوان فظهر فرساًأو ثور اختل الغرض وإن بان جملا كذلك، إذا علمت هذا ففى كل صورة كان المحل مقصوداً إما وحده وإمامع الحال فلا ١ يوصف به فلا يقال جسم حيوان ولا يقال بعير ناقة وإنما يجعل ذلك جملة، فيوصف بالجمله، فيقال جسم هو حيوان وبعير هو ناقة، ثم إن الأبلق والأفطس شأنه الحيوان من وجه وه أنه لل الم من وجه وكذلك المهند لكن دليل ترجيح الحال فيه ظاهر، لأن المهند لا يذكر إلا لمدح السيف، والأفطس لا يقال إلا لوصف الأنف لالحقيقته، وكذلك الأبلق بخلاف الحيوان فإنه لا يقال لوصفه، وكذلك الناقة، إذا علمت هذا فالصرصر يقال لشدة الريح أو ليردها فوجب أن يعمل به ما يعمل بالبارد والشديد جاز الوصف وهذا بحث عزيز . 1 المسألة الثالثة﴾ قال تعالى ههنا (إنا أرسلنا عليهم ريحاً صرصراً) وقال فى الطور (وفى عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم) فعرف الريح هناك ونكرها هنا لأن العقم فى الريح أظهر من البرد 1 : ١ الذى يضر النبات أو الشدة التى تعصف الأشجار لأن الريح العقيم هى التى لا تنشى. سحاباً ولا تلقح شجراً وهى كثيرة الوقوع، وأما الريح المهلكة الباردة فقلما توجد، فقال الريح العقيم أى هذا الجنس المعروف، ثم زاده بياناً بقوله ( ما تذر من شىء أنت عليه إلا جعلته كالرميم) فتغيرت عن | ٤٧ قوله تعالى : تنزع الناس كأنهم اعجاز نخل منقعر. سورة القمر. تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْفَعِرٍ ( الرياح العقم ، وأما الصرصر فقليلة الوقوع فلا تكون مشهورة فنكرها. ﴿ المسألة الرابعة﴾ قال هنا (فى يوم نحس مستمر) وقال فى السجدة (فى أيام محسات) وقال فى الحاقة ( سبع ليال وثمانية أيام حسوما) والمراد من اليوم هنا الوقت والزمان كما فى قوله تعالى (يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حياً) وقوله ( مستمر) يفيد ما يفيده الأيام لأن الاستمرار يقى. عن إمرار الزمان كما يفيء عنه الأيام، وإنما اختلف اللفظ مع اتحاد المعنى، لأن الحكاية هنا مذكورة على سبيل الاختصار ، فذكر الزمان ولم يذكر مقداره ولذلك لم يصفها ، ثم إن فيه قراء تين: إحداهما (يوم نحس) بإضافة يوم، وتسكين نحس على وزن نفس، وثانيتهما (بوم نحس) بتنوين الميم وكسر الحاء على وصف اليوم بالنحس ، كما فى قوله تعالى (فى أيام نحسات) فإن قيل أيتهما أقرب؟ قلنا الإضافة أصح، وذلك لأن من يقرأ (يوم نحس مستمر) يجعل المستمر صفة ليوم، ومن يقرأ يوم نحس مستمر يكون المستمر وصفاً لنحس، فيحصل منه استمرار النحوسة فالأول أظهر وأليق، فإن قيل من يقرأ يوم بحس بسكون الحاء، فماذا يقول فى النحس؟ نقول يحتمل أن يقول هو تخفيف نحس كفخذ ونخذ فى غير الصفات ، ونصر ونصر ورعد ورعد ، وعلى هذا يلزمه أن يقول تقديره: يوم كان نحس ، كما تقول فى قوله تعالى (بجانب الغربى) ويحتمل أن يقول نحس ليس بنعت ، بل هو اسم معنى أو مصدر ، فيكون كقولهم يوم برد وحر، وهو أقرب وأصح. ﴿ المسألة الخامسة﴾ مامعنى مستمر؟ نقول فيه وجوه (الأول) ممتد ثابت مدة حديدة من استمر الأمر إذا دام ، وهذا كقوله تعالى (فى أيام نحسات ) لأن الجمع يفيد معنى الاستمرار والامتداد، وكذلك قوله (حسوماً) (الثانى) شديد من المرة كما قلنا من قبل فى قوله (سحر مستمر) وهذا كقولهم أيام الشدائد ، وإليه الإشارة بقوله تعالى ( فى أيام نحسات لنذيقهم بعض الذى ) فإنه يذيقهم المر المضر من العذاب . ثم قال تعالى ﴿تنزع الناس كأنهم أجاز مخل منقمر﴾ فيه مسائل: ﴿المسألة الأولى﴾ (تنزع الناس) وصف أو حال؟ نقول يحتمل الأمرين جميعاً، إذ يصح أن يقال: أرسل ربحاً صرصراً نازعة للناس ، ويصح أن يقال: أرسل الريح نازعة ، فإن قيل كيف يمكن جعلها حالا ، وذو الحال فكرة ؟ نقول الأمر هنا أهون منه فى قوله تعالى (ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر) فإنه نكرة، وأجابوا عنه بأن (ما) موصوفة فتخصصت حسن جعلها ذات الحال. فكذلك نقول ههنا الريح موصوفة بالصرصر، والتنكه فيه للتعظيم، وإلا فهى ثلاثة فلا يبعد جعلها ذات حال، وفيه وجه آخر، وهو أنه كلام مستأنف على فعل وفاعل ، كما تقول: جاء زيد جذبنى، وتقديره: جاء تجذ بنى، كذلك ههنا قال ( إنا أرسلنا عليهم ريحاً) ٤٨ قوله تعالى : تنزع الناس كأنهم اعجاز نخل منقعر. سورة القمر. فأصبحت ( تنزع الناس ) ويدل عليه قوله تعالى (فترى القوم فيها صرعى ) فالتاء فى قوله ( تنزع الناس ) إشارة إلى ما أشار إليه بقوله (صرعى وقوله تعالى (كانهم أعجاز نخل منقعر) فيه وجوه (أحدها) نزعتهم فصرعتهم (كانهم أعجاز نخل) كما قال (صرعى كأنهم أجاز نخل) (ثانيها) نزعتهم فهم بعد الفزع (كأنهم أعجاز نخل) وهذا أقرب، لأن الانقعار قبل الوقوع، فكان الريح تنزع [الواحد] وتقعر [٥] فينقعر فيقع فيكون صريعاً، فيخلوا الموضع عنه فيخوى، وقوله الحافة (فترى القوم فيها صرعى كأنهم أجاز نخل خاوية) إشارة إلى حالة بعد الانقعار الذى هو بعد النزع، وهذا يفيد أن الحكاية ههنا مختصرة حيث لم يشر إلى صرعهم و جلو منازلهم عنهم بالكلية ، فإن حال الاقعار لا يحصل الخلو التام إذ هو مثل الشروع فى الخروج والأخذ فيه ( ثالثها) تنزعهم نزعا بعنف كأنهم أعجاز نخل تقعرهم فينقعروا إشارة إلى قوتهم وثباتهم على الأرض، وفى المعنى وجوه (أحدما ) أنه ذكر ذلك إشارة إلى عظمة أجسادهم وطول أقدادهم (ثانيها) ذكره إشارة إلى ثباتهم فى الأرض، فكأنهم كانوا يعملون أرجلهم فى الأرض ويقصدون المنع به على الريح و ( ثالثها) ذكره إشارة إلى يبسهم وجفافهم بالريح ، فكانت تقتلهم وتحرقهم بيردها المفرط فيقعون كأنهم أخشاب يابسة . ﴿المسألة الثانية﴾ قال ههنا (منقعر) فذكر النخل، وقال فى الحاقة (كأنهم أجاز نخل خاوية) فأنتها، قال المفسرون: فى تلك السورة كانت أواخر الآيات تقتضى ذلك لقوله (مستمر، ومنهمر، ومنتشر) وهو جواب حسن، فإن الكلام كما يزين بحسن المعنى يزين بحسن اللفظ، ويمكن أن يقال الدخل لفظه لفظ الواحد، كالبقل والنمل ومعناء معنى الجمع، فيجوز أن يقال فيه نخل منقعر ومنقعرة ومنقعرات ، ونخل: خاو وخاوية وغاويات . ونخل: باسق وباسقة وباسقات ، .. فإذا قال قائل منقعر أو خاو أو باسق جرد النظر إلى اللفظ ولم يراع جانب المعنى، وإذا قال ١ منقعرات أو حاويات أو باسقات جرد النظر إلى المعنى ولم يراع جانب اللفظ، وإذا قال منقفرة ، أو خاوية أو باسقة جمع بين الاعتبارين من حيث وحدة اللفظ ، وربما قال منقعرة على الإفراد من حيث اللفظ، وألحق به تاء التأنيث التى فى الجماعة إذا عرفت هذا فنقول: ذكر الله تعالى لفظ الخل فى مواضع ثلاثة، ووصفها على الوجوه الثلاثة، فقال ( والنخل باسقات ) فإنها حال منها وهى كالوصف ، وقال (نخل غاوية) وقال (نخل منقعر ) حيث قال ( منقعر) كان المختار ذلك لأن المنقعر فى حقيقة الأمر كالمفعول ، لأنه الذى ورد عليه القعر فهو مقعور، والخار والباستق فاعل ومعناه إخلاء ما هو مفعول من علامة التأنيث أولا ، كما تقول: امرأة كفيل ، وامرأة كفيلة، وامرأة كبير، وامرأة كبيرة. وأما الباسقات، فهى فاعلات حقيقة، لأن البسوق أمر قام بها، وأما الخاوية، فهى من باب حسن الوجه، لأن الخاوى موضعها، فكأنه قال: نحل حاوية المواضع، وهذا غاية الإعجاز حيث أتى بلفظ مناسب الألفاظ السابقة واللاحقة من حيث ١ ٤٩ قوله تعالى : فكيف كان عذابي ونذر. سورة القمر. فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ ﴾ وَلَقَدْ يَسِّرْنَا الْقُرْءَانَ لِذِكْرِ فَهَلْ مِن مُذَّكِرٍ كَذَّبَتْ ◌َمُودُ بِالنّذُرِ اللفظ ، فكان الدليل يقتضى ذلك ، بخلاف الشاعر الذى يختار اللفظ على المذهب. الضعيف لأجل الوزن والقافية . قوله تعالى: ﴿ فكيف كان عذابى نذر، ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مذكر ﴾ وتفسيره قد تقدم والتكرير للتقرير، وفى قوله ( عذابى ونذر) لطيفة ما ذكرناها، وهى تثبت بسؤال وجواب لو قال القائل أكثر المفسرين على أن النذر فى هذا الموضع جمع نذير الذى هو مصدر معناه إنذار، فما الحكمة فى توحيد العذاب حيث لم يقل: فكيف كان أنواع عذابى. ووبال إنذارى؟ نقول فيه إشارة إلى غلبة الرحمة الغضب، وذلك لأن الإنذار إشفاق ورحمة ، فقال الإنذارات التى هى نعم ورحمة تواترت، فلما لم تنفع وقع العذاب دفعة واحدة، فكانت النعم كثيرة ، والنقمة واحدة. وسنبين هذا زيادة بيان حين نفسر قوله تعالى (فبأي آلاء ربكا تكذبان) حيث جمع الآلاء وكثر ذكرها وكررها ثلاثين مرة، ثم بين اللّه تعالى عال قوم آخرين فقال ﴿كذبت ثمود بالنذر﴾ وقد تقدم تفسيره غير أنه فى قصة عاد قال (كذبت) ولم يقل بالنذر ، وفى قصة نوح قال (كذبت قوم نوح بالنذر ) فنقول هذا يؤيد ما ذكرنا من أن المراد بقوله (كذبت قبلهم قوم نوح) إن عادتهم ومذهبهم إنكار الرسل وتكذيبهم فكذبوا نوحا بناء على مذهبهم وإنما صرح ههنا لأن كل قوم يأتون بعد قوم وأتاهما رسولان فالمكذب المتأخر يكذب المرسلين جميعاً حقيقة والأولون يكذبون رسولا واحداً حقيقة ويلزمهم تكذيب من بعده بناء على ذلك لأنهم لما كذبوا من تقدم فى قوله: اللّه تعالى واحد، والحشر كائن، ومن أرسل بعده كذلك قوله ومذهبه لزم منه أن يكذبوه ويدل على هذا أن الله تعالى قال فى قوم نوح (فكذبوه فأنجيناه) وقال فى عاد ( وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله) وأما قوله تعالى ( كذبت قوم نوح المرسلين ) فإشارة إلى أنهم كذبوا وقالوا ما يفضى إلى تكذيب جميع المرسلين . ولهذا ذكره بلفظ الجمع المعرف للاستغراق ، ثم إنه تعالى قال هناك عن نوح (رب إن قومى كذبون) ولم يقل كذبوا رسلك إشارة إلى ماصدر منهم حقيقة لا أن ما ألزمهم لزمه . إذا عرفت هذا فلا سبق قصة ثمود ذكر رسولين ورسولهم ثالثهم قال ( كذبت ثمود بالنذر) هذا كله إذا قلنا أن النذر جمع نذير بمعنى منذر ، أما إذا قلنا إنها الإنذارات فنقول قوم نوح وعاد لم تستمر المعجزات التى ظهرت فى زمانهم ، وأما ثمود فأنذروا وأخرج لهم ناقة من صخرة وكانت تدور بينهم وكذبوا فكان تكذيبهم بإنذارات وآيات ظاهرة فصرح بها، وقوله (فقالوا أبشراً منا الفخر الرازي - ج ٢٩ م ٤ ٠ ٥٠ قوله تعالى : فقالوا أبشراً منا واحدا نتبعه. سورة القمر. فَقَالُواْ أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًّا نَِّعُهُ واحداً نتبعه يؤيد الوجه الأول، لأن من يقول لا أتبع بشراً مثلى وجميع المرسلين من البشر يكون مكذباً المرسل والباء فى قوله بالنذر يؤيد الوجه الثانى لأما بينا أن الله تعالى فى تكذيب الرسل عدى التكذيب بغير جرف فقال: كذبوه وكذبوا رسلنا وكذبوا عبدناوكذبونى. قال (وكذبوا بآيات ربهم ، وبآياتنا) فعدى بحرف لأن التكذيب هو النسبة إلى الكذب والفائل هو الذى يكون كاذباً حقيقة والكلام والقول يقال فيه كاذب مجازاً وتعلق التكذيب بالقائل أظهر فيتغنى عن الحرف بخلاف القول ، وقد ذكرنا ذلك وبيناه بياناً شافياً . قوله تعالى: ﴿فقالوا أبشراً منا واحداً نتبعه﴾ مسائل: المسألة الأولى ﴾ زيداً ضربته وزيد ضربته كلاهما جائز والنصب مختار فى مواضع منها هذا الموضع وهو الذى يكون مايرد عليه النصب والرفع بعد حرف الاستفهام، والسبب فى اختيار النصب أمر معقول وهو أن المستفهم يطلب من المسئول أن يجعل ما ذكره بعد حرف الاستفهام مبدأ لكلامه ويخبر عنه، فإذا قال أزيد عندك معناه أخبرنى عن زيد واذكر لى حاله ، فاذا انضم إلى هذه الحالة فعل مذكور ترجح جانب النصب فيجوز أن يقال مزيداً ضربته وإن لم يجب فالأحسن ذلك فان قيل من قرأ (أبشر منا واحداً نتبعه) كيف ترك الأجود؟ نقول نظرا إلى قوله تعالى (فقالوا) إذ ما بعد القول لا يكون إلا جملة والاسمية أولى والأولى أقوى وأظهر. المسألة الثانية﴾ إذا كان بشراً منصوباً بفعل، فما الحكمة فى تأخر الفعل فى الظاهر ؟ نقول قد تقدم مراراً أن البليغ يقدم فى الكلام ما يكون تعلق غرضه به أكثروه كاوا بريدون تبيين كونهم محقين فى ترك الاتباع فلو قالوا أنتبع بشراً يمكن أن يقال نعم اتبعوه وماذا يمنعكم من اتباعه، فإذا قدموا حاله وقالوا هو نوعنا بشر ومن صنفنا رجل ليس غريبا نعتقد فيه أنه يعلم مالا نعلم أو بقدر ما لا نقدر وهو واحد وحيد وليس له جند وحشم وخيل وخدم فكيف نتعه ، فيكوون قد قدموا الموجب لجواز الامتناع من الاتباع، واعلم أن فى هذه الآية إشارات إلى ذلك (أحدها). نكروه حيث قالوا (أبشراً) ولم يقولوا أنتبع صالحاً أو الرجل المدعى النبوة أو غير ذلك من المعرفات والتنكير تحقير ( ثانيها) قالوا أبشراً ولم يقولوا أرجلا (ثالثها) قالوا عنا وهو يحمل أمرين أحدهما من صنفنا ليس غريباً، وثانيهما (منا) أى تبعنا يقول القائل لغيره أنت منا فيتاذي السامع ويقول لا بل أنت منا ولست أنا منكم، وتحقيقه أن من للنبعيض والعشر تقع كل لا الكل يتبع البعض (رابعها) واحداً يحتمل أمرين أيضاً (أحدهما) وحيداً إلى ضعفه (وثانيهما) واحداً أى هو من الآحاد لامن الأكار المشهورين، وتحقيق القول فى استعمال الآحاء فى الأصاغر حيث يقال هو من آحاد الناس هو أن من لا يكون مشهوداً بحسب ولا نسب إذا حدث عنه ٥١ قوله تعالى : أألقى الذكر عليه من بيننا. سورة القمر. ,٠٠ أُلْقَِ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هوَ كَذَّبُ أَشرُ ٢٢٤ إِنَّ إِذَّا لَّفِي ضَلَالٍ وَسَعِرٍ ٢٥ من لا يعرفه فلا يمكن أن يقول عنه قال فلان أو ابن فلان فيقول قال واحد وفعل واحد فيكون ذلك غاية الخمول، لأن الأرذل لا ينضم إليه أحد فيبقى فى أكثر أوقاته واحداً فيقال للأرذال آحاد. وقوله تعالى عنهم ﴿إنا إذاً افى ضلال وسعر﴾ يحتمل وجهين (أحدهما) أن يكونوا قد قالوا فى جواب من يقول لهم إن لم تقبعوه تكونوا فى ضلال ، فيقولون له لا بل إن تبعناه نكون فى ضلال ( ثانيهما) أن يكون ذلك ترتيباً على ما مضى أى حاله ما ذكرنا من الضعف والوحدة فإن اتبعناه نكون فى ضلال وسعر أى جنون على هذا الوجه ، فإن قلنا إن ذلك قالوه على سبيل الجواب فيكون القائل قال لهم إن لم تنبعوه فإنا إذاً فى الحال فى ضلال وفى سعر فى العقبى فقالوا لا بل لو اتبعناه فإنا إذاً فى الحال فى ضلال وفى سعر من الذل والعبودية مجازاً فإنهم ما كانوا يعترفون بالسعير . ﴿ المسألة الثالثة﴾ السعير فى الآخرة واحد فكيف جمع؟ نقول الجواب عنه من وجوه (أحدها) فى جهنم دركات يحتمل أن تكون كل واحدة سعيراً أو فيها سعير ( ثانيها) لدوام العذاب عليهم فانه كلما نضجت جلودهم يبدلهم جلوداً كأنهم فى كل زمان فى سعير آخر وعذاب آخر (ثالثها) لسعة السعير الواحد كأنها سعر يقال للرجل الواحد فلان ليس برجل واحد بل هو رجال. قوله تعالى: ﴿ ١ ألقى الذكر عليه من بيننا بل هو كذاب أشر﴾ وقد تقدم أن النفى بطريق الاستفهام أبلغ لأن من قال ما أنزل عليه الذكر ربما يعلم أو يظن أو يتوهم أن السامع يكذبه فيه فإذا ذكر بطريق الاستفهام يكون معناه أن السامع يجيبى بقوله ما أنزل فيجعل الأمر حينئذ منفياً ظاهراً لايخفى على أحد بل كل أحد يقول ما أنزل، والذكر الرسالة أو الكتاب إن كان ويحتمل أن يراد به ما يذكره من الله تعالى كما يقال الحق ويراد به ما يحل من الله وفيه مسائل: ﴿ المسألة الأولى﴾ قولهم أألقى بدل النزل وفيه إشارة إلى ما كانوا ينكرونه من طريق المبالغة وذلك لأن الإلقاء إنزال بسرعة والنى كان يقول جاءفى الوحى مع الملك فى لحظة يسيرة فكأنهم قالوا الملك جسم والسماء بعيدة فكيف ينزل فى لحظة فقالوا أألقى وما قالوا النزل، وقولهم عليه إنكار آخر كأنهم قلوا ما ألقى ذكر أصلا ، فقالوا إن ألقى فلا يكون عليه من بيننا وفينا من هو فوقه فى الشرف والذكاء، وقولهم أألقى بدل عن قولهم أألق الله للاشارة إلى أن الإلقاء من السماء غير يمكن فضلا عن أن يكون من الله تعالى. ﴿ المسألة الثانية﴾ عرفوا الذكر ولم يقولوا ألاقي عليه ذكر، وذلك لأن الله تعالى حكى إنكارم ٥٢ قوله تعالى : سيعلمون غداً من الكذاب الأثير. سورة القمر. سَيَعْلَمُونَ غَدًّا مَّنِ الْكَذَّبُ اْأَشِر ◌ِ لما لا ينبغى أن ينكر فقال أنكروا الذكر الظاهر المبين الذى لا ينبغى أن ينكر فهو كقول القائل أنكروا المعلوم. ﴿ المسألة الثالثة﴾ بل يستدعى أمراً مضروباً عنه سابقاً فماذاك؟ نقول قولهم أألقى للانكارفهم قالوا ما ألقى، ثم إن قولهم أألقى عليه الذكر لا يقتضى إلا أنه ليس بنى، ثم قالوا بل هو ليس بصادق. ﴿ المسألة الرابعة﴾ الكذاب فعال من فاعل للمبالغة أو يقال بل من فاعل كياط وتمار ؟ نقول الأول هو الصحيح الأظهر على أن الثانى من باب الأولى لأن المنسوب إلى الشىء لابد له من أن يكثر من مزاولة الشىء فان من خاط يوماً ثوبه مرة لا يقال له خياط، إذا عرفت هذا فنقول المبالغة ، إما فى الكثرة ، وإما فى الشدة فالكذاب، إما شديد الكذب يقول مالا يقبله العقل أو كثير الكذب، ويحتمل أن يكونوا وصفوه به لاعتقادهم الأمرين فيه وقولهم (أشر) إشارة إلى أنه كذب لا لضرورة وحاجه إلى خلاص كما يكذب الضعيف، وإنما هو استغنى وبطر وطلب الرياسة عليكم وأراد اتباعكم له فكان كل وصف مانعاً من الاتباع لأن الكاذب لا يلتفت إليه ، ولاسيما إذا كان كذبه لالضرورة، وقرى. (اشر ) فقال المفسرون هذا على الأصل المرفوض فى الأشر والأخير على وزن أفعل التفضيل، وإنما رفض الأصل فيه لأن أفعل إذا فسر قد يفسر بأفعل أيضاً والثانى بأفعل ثالث، مثاله إذا قال ما معنى الاًعلم؟ يقال هوالا كثر علما فإذا قيل الأكثر ماذا؟ فيقال الأزيد عدداً أو شىء مثله فلابد من أمر يفسر به الأفعل لامن بابه فقالوا أفعل التفضيل والفضيلة أصلها الخير والخير أصل فى باب أفعل فلا يقال فيه أخير، ثم إن الشر فى مقابلة الخير يفعل به ما يفعل بالخير فيقال هوشر من كذا وخير من كذا والأشر فى مقابلة الأخير ، ثم إن خيراً يستعمل فى موضعين: (أحدهما) مبالغة الخير بفعل أو أفعل على اختلاف يقال هذا خير وهذا أخير ويستعمل فى مبالغة خير على المشابهة لا على الأصل فمن يقول (أشر) يكون قد ترك الأصل المستعمل لأنه أخذ فى الأصل المرفوض بمعنى هو شر من غيره وكذا معنى الأعلم أن علمه خير من علم غيره، أو هو خير من غرة الجهل كذلك القول فى الأضعف وغيره. ثم قال تعالى ﴿سيعلمون غداً من الكذاب الأشر﴾ فإن قال قائل سيعلم للاستقبال ووقت إنزال القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم كانوا قد علموا، لأن بعد الموت تتبين الأمور وقد عاينوا ما عاينوا فكيف القول فيه؟ نقول فيه وجهات (أحدهما) ان يكون هذا القول مفروض الوقوع فى وقت قولهم بل هو كذاب أشر، فكانه تعالى قال يوم قالوا بل هو كذاب أشر (سيعلمون غداً) (وثانيهما) أن هذا التهديد بالتعذيب لابحصول العلم بالعذاب الأليم وهو عذاب جهنم لاعذاب القبر فهم سيعذبون يوم القيامة وهو مستقبل وقوله تعالى (غداً) لقرب الزمان فى الإمكان والأذهان ٥٣ قوله تعالى : إنا مرسلوا الناقة فتنة لهم. سورة القمر. ٢٧ إِنَّا مُرْسِلُواْ النَّاقَةِ فِتْنَةً فَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَأَصْطَبِرْ ثم إن قلنا إن ذلك للتهديد بالتعذيب لاللتكذيب فلا حاجة إلى تفسيره بل يكون ذلك إعادة لقولهم من غير قصد إلى معناه، وإن قلنا هو للرد والوعد بيان انكشاف الأمر فقوله تعالى (سعدون غداً ) معناه سيعلمون غداً أنهم الكاذبون الذين كذبوا لالحاجة وضرورة، بل باروا وأشروا لما استغنوا، وقوله تعالى (غداً ) يحتمل أن يكون المراد يوم القيامة، ويحتمل أن يكون المراد يوم العداب وهذا على الوجه الأول . قوله تعالى: ﴿إنا مرسلوا الناقة فتنة لهم فارتقبهم واصطبر﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى﴾ قوله (إما مرسلوا الناقة) بمعنى الماضى أو بمعنى المستقبل، إن كان بمعنى الماضى فكيف يقول ( فارتقهم واصطبر) وإن كان بمعنى المستقبل فما الفرق بين حكاية عاد وحكاية ثمود حيث قال هناك (إنا أرسلنا) وقال ههنا ( إنا مرسلوا الناقة ) بمعنى إنا نرسل؟ نقول هو بمعنى المستقبل، وما قبله وهو قوله ( سيعلمون غدأ ) يدل عليه، فان قوله ( إنا مرسلوا الناقة) كالبيان له، كأنه قال: (سيعلمون) حيث (نرسل الناقة) وما بعده من قوله (فار تقبهم ) ونبهم أيضاً يقتضى ذلك، فإن قيل قوله تعالى (فنادوا) دليل على أن المراد الخاضى قلنا سنجيب عنه فى موضعه، وأما الفارق فنقول حكاية ثمود مستقصاة فى هذا الموضع حيث ذكر تكذيب القوم بالنذر وقولهم. الرسولهم وتصديق الرسل بقوله ( سيعلمون) وذكر المعجزة وهى الناقة وما فعلوه بها والعذاب والهلاك يذكر حكاية على وجه الماضى والمستقبل ليكون وصفه للنى ملقم كأنه حاضرها فيقتدى بصالح فى الصبر والدعاء إلى الحق ويثق بربه فى النصر على الأعداء بالحق فقال إنى مؤيدك بالمعجزة القاطعة، واعلم أن الله تعالى ذكر فى هذه السورة خمس قصص ، وجعل القصة المتوسطة مذكورة على أتم وجه لأن حال صالح كان أكثر مشابهة بحال محمد صلى الله عليه وسلم، لأنه أتى بأمر عجيب أرضى كان أعجب مما جاء به الأنبياء، لأن عيسى عليه السلام أحيا الميت لكن الميت كان محلا للحياة فأثبت بإذن الله الحياه فى محل كان قابلا لها ، وموسى عليه السلام انقلبت عصاه ثعباناً فأثبت الله له فى الخشبة الحياة لكن الخشبة نبات كان له قوة فى النماء يشبه الحيوان فى النمو فهو أعجب، وصالح عليه السلام كان الظاهر فى يده خروج الناقة من الحجر والحجر جماد لا محلى للحياة ولا محل للنمو فيه . النبى دائم أتى بأعجب من الكل وهو التصرف فى جرم السماء الذى يقول المشرك لا وصول لأحد إلى السماء ولا إمكان اشقه وخرقه، وأما الأرضيات فقالوا إنها أجسام مشتركة المواد يقبل كل واحد منها صورة الأخرى، والسموات لا تقبل ذلك فلما أتى بما عرفوا فيه أنه لا يقدر على مثله آدمى كان أثم وأبلغ من معجزة صالح عليه السلام التى هى أنم معجزة من معجزات من كان من الأنبياء غير محمد على (وفيه لطيفة) وهو أن اسم الفاعل إذا كان بمعنى ٥٤ قوله تعالى : إنا مرسلوا الناقة فتنة لهم. سورة القمر. الماضى . وذكر معه مفعوله فالواجب الإضافة تقول وحشى قائل عم النبى صلى الله عليه وسلم. فإن قلنا قاتل عم النبى بالإعمال فلا بد من تقدير الحكاية فى الحال كما فى قوله تعالى (وكلبهم باسط ذراعيه) على أنه يحكى القصة فى حال وقوعها تقول خرجت أمس فإذا زيد ضارب عمراً كما تقول يضرب عمراً، وإن كان الضرب قد مضى ، وإذا كان بمعنى المستقبل فالأحسن الإعمال تقول إنى ضارب عمراً غداً، فإن قلت إنى ضارب عمرو غداً حيث كان الأمر وقع وکان جاز لكنه غير الأحسن، والتحقيق فيه أن قولنا ضارب وسارق وقاتل أسماء فى الحقيقة غير أن لهادلالة على الفعل فإذا كان الفعل تحقق فى الماضى فهو قد عدم حقيقة فلا وجود للفعل فى الحقيقة ولافى التوقع فيجب الحمل على ما للاسم من الإضافة وترك ما للفعل من الأعمال لغلبة الإسمية وفقدان الفعل بالماضى ، وإذا كان الفعل حاضراً أو متوقعاً فى الاستقبال فله وجود حقيقة أو فى التوقع فتجوز الإضافة لصورة الاسم، والإعمال لتوقع الفعل أولوجوده ولكن الإعمال أولى لأن فى الاستقبال الن يضرب إفيد لا يكون ضارباً فلا ينبغى أن يضاف، أما الإعمال فهو ينبىء عن توقع الفعل أو وجوده ، لأنه إذا قال زيد ضارب عمراً فالسامع إذا سمع بضرب عمرو علم أنه يفعل فإذا لم يره فى الحال يتوقعه فى الاستقبال غير أن الإضافة تفيد تخفيفاً حيث سقط بها التنوين والنون فتختار لفظاً لا معنى، إذا ء- فت هذا فنقول (مرسلوا الناقة) مع مافيه من التخفيف فيه تحقيق الأمر وتقديره كأنه وقع وكان بخلاف ما لو قيل إنا نرسل الناقة . المسألة الثانية ﴾ فتنة مفعول له فتكون الفتنة هى المقصودة من الإرسال لكن المقصود منه تصديق النبى صلى الله عليه وسلم، وهو صالح عليه السلام لأنه معجزة فما التحقيق فى تفسيره؟ نقول فيه وجهان (أحدهما ) أن المنجزة فتنة لأن بها يتميز حال من يثاب من يعذب، لأن الله تعالى بالمعجزة لا يعذب الكفار إلا إذا كان يفبتهم بصدقه من حيث نبوته فالمعجزة ابتلاء لأنها تصديق. وبعد التصديق يتميز المصدق عن المكذب (وثانيهما) وهو أدق أن إخراج الناقة من الصخرة كان معجزة وإرسالها إليهم ودورانها فيما بينهم وقسمة الماء كان فتنة ولهذا قال (إنامر سلوا الناقة فتنة) ولم يقل إنا مخرجوا الناقة فتنة، والتحقيق فى الفتنة والابتلاء والامتحان قد تقدم مراراً و إليه إشارة خفية وهى أن الله تعالى يهدى من يشاء والهداية طرق، منها ما يكون على وجه يكون للانسان مدخل فيه بالكسب، مثاله يخلق شيئاً دالا ويقع تفكر الإنسان فيه ونظره إليه على وجه يترجح عنده الحق فيتبعه وتارة يلجئه إليه ابتداء ويصونه عن الخطأ من صغره فإظهار المعجز على يد الرسول أمريهدى به من يشاء اهتداء مع الكسب وهداية الأنبياء من غير كسب منهم بل يخلق فيهم علوما غير كسبية فقوله (إنا مرسلوا الناقة فتنة) إشارة إليهم، ولهذا قال لهم ومعناه على وجه يصلح لأن يكون فتنة وعلى هذا كل من كانت معجزته أظهر يكون ثواب قومه أقل ، وقوله تعالى (فار تقبهم) أى فار تقبهم. بالعذاب، ولم يقل فارتقب العذاب إشارة إلى حسن الأدب والاجتناب عن طلب الشروقوله تعالى ٥٥ قوله تعالى : ونبئهم أن الماء قسمة بينهم . سورة القمر. وَنَبِّْهُمْ أَنَّ الْمَآءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (٨) فَادَوْاْ صَاحِبَهُمْ فَتَعَطَى ٠٠٠ فعقر( ( واصطبر ) يؤيد ذلك بمعنى إن كانوا يؤذونك فلا تستعجل لهم العذاب، ويحتمل أن يكون ذلك إشارة إلى قرب الوقت إلى أمرهما والأمر بحيث يعجز عن الصبر . ثم قال تعالى ﴿ونبتهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب مختضر﴾ أى مقسوم وصف بالمصدر مراداً به المشتق منه كقوله ماء ملح وقول زور وفيه ضرب من المبالغة يقال الكريم كرم كأنه هو عين الكرم ويقال فلان لطف محض، ويحتمل أن تكون القسمة وقعت بينهما لأن الناقة كانت عظيمة وكانت حيوانات القوم تنفر منها ولا ترد الماء وهى على الماء، فصعب عليهم ذلك تجعل الماء بينهما يوماً للناقة ويوماً للقوم، ويحتمل أن تكون لقلة الماء فشربه يوما الناقة ويوماً للحيونات، ويحتمل أن يكون الماء كان بينهم قسمة يوم لقوم ويوم لقوم ولما خلق الله الناقة كانت ترد الماء يوم فكان الذين لهم الماء فى غير يوم ورودها يقولون الماء كله لنا فى هذا اليوم ويومكم كان أمس والناءة ما أخرت شيئاً فلا نمكنكم من الورود أيضاً فى هذا اليوم فيكون النقصان وارداً على الكل وكانت الناقة تشرب الماء بأسره وهذا أيضاً ظاهر ومنقول والمشهور هنا الوجه الأوسط ، ونقول إن قوما كانوا يكتفون بلبنها يوم ورودها الماء والكل ممكن ولم يرد فى شىء خبر متواتر (والثالث) قطع وهو من القسمة لأنها مثبتة بكتاب الله تعالى أما كيفية القسمة والسبب فلا وقوله تعالى (كل شرب محتضر مما يؤيد الوجه الثالث أى كل شرب محتضر للقوم بأسرهم لأنه لو كان ذلك لبيان كون الشرب مختضراً للقوم أو الناقة فهو معلوم لأن الماء ما كان يترك من غير حضور وإن كان لبيان أنه تحضره النافة يوماً والقوم يوماً فلا دلالة فى اللفظ عليه، وأما إذا كانت العادة قبل الناقة على أن يرد الماء قوم فى يوم وآخرون فى يوم آخر ، ثم لما خلقت الناقة كانت تنقص شرب البعض وتترك شرب الباقين من غير نقصان ، فقال (كل شرب مختضر ) كم أيها القوم فردوا كل يوم الماء وكل شرب ناقص تقاسموه وكل شرب كامل تقاسموه . ثم قال تعالى ﴿فنادوا صاحبهم ﴾ نداء المستغيث كأنهم قالوا بالقدار للقوم، كما يقول القائل بالله المسلمين وصاحهم قدار وكان أشجع وأهجم على الأمور ويحتمل أن يكون رئيسهم . وقوله تعالى ﴿فتعاطى فعقر﴾. يحتمل وجوها (الأول) تعاطى آلة العقر فعقر (الثانى) تعادلى الناقة فعقرها وهو أضعف ( الثالث) التعاطى يطلق ويراد به الإقدام على الفعل العظيم والتحقيق هو أن الفعل العظيم يقدم كل أحد فيه صاحبه ويبرى. نفسه منه فمن يقبله ويقدم عليه يقال تعاطاء كأنه كان فيه تدافع فأخذه هو بعد التدافع (الرابع) أن القوم جعلوا له على عمله جعلا فتعا طلم وعقر الناقة ٥٦ قوه تعالى : فكيف كان عذابي ونذر. سورة القمر. فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِ وَنُذُرِ (﴾ إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةٌ وَاحِدَةٌ فَكَانُواْ كَشِ الْمُحْتَظِرِ ٣١ ثم قال تعالى ﴿فكيف كان عذاب ونذر﴾ وقـ تقدم بيانه وتفسيره غير أن هذه الآية ذكرها فى ثلاثة مواضع ذكرها فى حكاية نوح بعد بيان العذاب، وذكرها ههنا قبل بيان العذاب ، وذكرها فى حكاية عاد قبل بيانه وبعد بيانه , حيث ذكر قبل بيان العذاب ذكرها البيان كما تقول ضربت فلاناً أى ضرب وأما ضرب، وتقول ضربته وكيف ضربته أى قوياً، وفى حكاية عاد ذكرها مرتين للبيان والاستفهام وقد ذكرنا السبب فيه ، ففى حكاية نوح ذكر الذى للتعظيم وفى حكاية نمود ذكر الذى للبيان لأن عذاب قوم نوح كان بأمر عظيم عام وهو الطوفان الذى عم العالم ولا كذلك عذاب قوم هود فإنه كان مختصاً بهم .. قوله تعالى: ﴿إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكلوا كهشيم المختظر﴾ سمعوا صيحة فماتوا وفيه مسائل : المسألة الأولى ﴾ كان فى قوله فكانوا من أى الأقسام ؟ نقول قال النحاة تجىء تارة بمعنى صار وتمسكوا بقول القائل : بتيماء ففر والمطى كأنها قطا الحزن قد كانت فراخا بيوضها بمعنى صارت فقال بعض المفسرين فى هذا موضع إنها بمعنى صار، والتحقيق أن كان لا تخالف غيرها من الأفعال الماضية اللازمة التى لا تتعدى والذى يقال إن كان تارة وناقصة وزائدة وبمعنى صدار فليس ذلك يوجب احتلاف أحوالها اختلافا يفارق غيرها من الأفعال وذلك لأن كان بمعنى وجد أو حصل أو تحقق غير أن الذى وجد نارة يكون حقيقة الشىء وأخرى صفة من صفاته فإذا قلت كانت الكائنة وكن فيكون جعلت الوجود والحصول للشىء فى نفسه فكأنك قلت وجدت الحقيقة الكائنة وكن أى احصل فيوجد فى نفسه وإذا قلت كان زيد عالماً أى وجد علم زيد ، غير أما نقول فى وجد زيد عالماً إن عالما حال. وفى كان زيد عالما نقول إنه خبر كقولنا حصل زيد عالما غير أن قولا وجد زيد عالما ربما يفهم منه أن الوجود والحصول لزيد فى تلك الحال كما تقول قام زيد منتحياً حيث يكون القيام لزيد فى تلك الحال ، وقولنا كان زيد عالما ليس معناه كان زيد وفى تلك الحال هو عالم. لكن هذا لا يوجب أن كان على خلاف غيره من الأفعال اللازمة التى لها بالحال تغلق شديد، لأن من يفهم من قولنا حصل زيد اليوم على أحسن حال مانفهمه من قولنا خرج زيد اليوم فى أحسن زى لا يمنعه مانع من أن يفهم من قولنا كان زيد على أحسن حال مثل مافهم هناك ، إذا عرفت هذا فتقول الفعل الماضى يطلق تارة على ما يوجد فى الزمان المتصل ٥٧ قوله تعالى : ولقد يسرنا القران. سورة القمر. وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِذِّكْرِفَهَلْ مِن مُذَّكِرٍ (﴾ كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِآلنُّذُرِ ﴿ إِنَّ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّءَالَ لُوطٍ تَجْنَهُمْ بِسَخَرٍ ( ٣٤ بالحاضر ، كقولنا قام زيد فى صباه ، ويطلق تارة على ما يوجد فى الزمان الحاضر كقولنا قام زيد فقم وقم فان زيداً قام ، وكذلك القول فى كان ربما يقال كان زيد قائماً عام كذا وربما يقال كان زيد قائماً الآن كما فى قام زيد فقوله تعالى (فكانوا) فيه استعمال الماضى فيما اتصل بالحال فهو كقولك أرسل عليهم صيحة فماتوا أى متصلا بتلك الحال ، نعم لو استعمل فى هذا الموضع صار بحوزلكن كان وصار كل واحد بمعنى فى نفسه وليس وإنما يلزم حمل كان على صار إذا لم يمكن أن يقال هو كذا كما فى البيت حيث لا يمكن أن يقال البيوض فراخ، وأما هنا يمكن أن يقال م كهشيم ولولا الكاف لأمكن أن يقال يجب حمل كان على صار إذا كان المراد أنهم انقلبوا هشيما كما يقلب الممسوخ وليس المراد ذلك . ﴿ المسألة الثانية﴾ ما الهشيم؟ نقول هو المهشوم أى المكسور وسمى هاشم هاشما لهشمه الثريد فى الجفان غير أن الهشيم استعمل كثيراً فى الحطب المتكسر اليابس، فقال المفسرون كانوا كالحشيش الذى يخرج من الحظائر بعد البلا بتفتت، واستدلوا عليه بقوله تعالى ( هشيما تذروه الرياح) وهو من باب إقامة الصفة مقام الموصوف كما يقال رأيت جريحاً ومثله السعير. المسألة الثالثة﴾ لماذا شبههم به؟ قلنا يحتمل أن يكون التشبيه بكونهم بابسين كالحشيش بين الموتى الذين ماتوا من زمان وكأنه يقول سمعوا الصيحة فكانوا كانهم ماتوا من أيام، ويحتمل أن يكون لأنهم انضموا بعضهم إلى بعض كما ينضم الرفقاء عند الخوف داخلين بعضهم فى بعض فاجتمعوا بعضهم فوق بعض كطب الخاطب الذى يصفه شيئاً فوق شىء منتظراً حضور من يشترى منه شيئاً فان الخطاب الذى عنده الحطب الكثير بجعل منه كالحظيرة ، ويحتمل أن يكون ذلك لبيان كونهم فى الجحيم أى كانوا كالخطب اليابس الذى الوقيد فهو محقق لقوله تعالى (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم) وقوله تعالى (فكانو لجهنم حطباً) وقوله (أغرقوا فأدخلوا ناراً) كذلك ماتوا فصاروا كالخطب الذى لا يكون إلا للاحراق لأن الهشيم لا يصلح للبناء . ثم قال تعالى ﴿ولقد يسرنا القرآن الذكر فهل من مذكر) والتكرار التذكار. ثم بين حال قوم آخرون وهم قوم لوط فقال ﴿ كذبت قوم لوط بالنذر﴾. ثم بين عذابهم وإهلاكهم ، فقال ﴿ إنا أرسلنا عليهم حاصباً إلا آل لوط نجيناهم بسحر﴾ وفيه مسائل : ﴿ الأولى ) الخاصب فاعل من حصب إذا رمى الحصباء وهى اسم الحجارة والمرسل عليهم ٥٨ قوله تعالى : إنا أرسلنا عليهم ريحاً .. سورة القمر. هو نفس الحجارة قال الله تعالى (وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل) وقال تعالى عن الملائكة (لنرسل عليهم حجارة من طين) فالمرسل عليهم ليس بحاصب فكيف الجواب عنه ؟ نقول الجواب من وجوه ( الأول ) أرسلنا عليهم ريحاً حاصباً بالحجارة التى هى الحصباء وكثر استعمال الخاصب فى الريح الشديدة فأقام الصفة مقام الموصوف ، فإن قيل: هذا ضعيف من حيث اللفظ. والمعنى، أما اللفظ ولأن الريح مؤنثة قال تعالى (بريح صرصر عائية، بريح طيبة) وقال تعالى ( إنا سخرنا له الريح تجري بأمره) وقال تعالى (غدوها شهر) وقال تعالى فى ([وأر .. لمنا] الرباح لواقح) وما قال لقاحا ولا لقحة، وأما المعنى فلأن الله تعالى بين أنه أرسل عليهم حجارة من سجيل مسومة عليها علامة كل واحد وهى لا قسمى حصباء، وكان ذلك بأيدى الملائكة لا بالريح، نقول: تأنيث الريح ليس حقيقة ولها أصناف العالب فيها التذ کیر کالإعصار ، قال تعالى ( فأصابها إعصار فيه نار) ماما كان حاصب حجارة كان كالذى فيه نار ، وأما قوله كان الرمى بالسجيل لا بالحصباء ، وبأيدى الملائكة لا بالريح ، فنقول كل ريح برمى بحجارة يسمى حاصباً، وكيف لا والسحاب الذى يأتى بالبرد يسمى حاصباً تشبيهاً للبرد بالحصباء، فكيف لا يقال فى الجيل. وأما الملائكة بإهم حركوا الريح وهى حصبت الحجارة عليهم (الجواب الثانى) المراد عذاب حاصب وهذا أقرب لتناوله الملك والحساب والريح وكل ما يفرض (الجواب الثالث) قوله ( حاصباً) هو أقرب من الكل لأن قوله (إنا أرسلنا) يدل على مرسل هو مرسل الحجارة وخاصها، فان قيل كان ينبغى أن يقول حاصبين، نقول لما لم يذكر الموصوف رجح جانب اللفظ كأنه قال شيئاً حاصباً إذ المقصود بيان جنس العذار لا بيان من على يده العذاب ، وهذا وارد على من قال الريح. ؤنث لأن ترك التأنيث هناك كترك علامة الجمع هنا. ﴿ المسألة الثانية﴾ ما رتب الإرسال على التكذيب بالفاء فلم يقل ( كذبت قوم لوط بالنذر ) فأرسلنا كما قال ( ففتحنا أبواب السماء) لأن الحكاة مسوقة على مساق ما تقدم من الحكايات، فكأنه قال ( فكيف كان عذابى ونذر ) كما قال من قبل ثم قيل لاعلم لنا به وإنما أنت العليم فأخبرذا. فقال (إنا أرسلنا). ﴿ المسألة الثالثة﴾ ما الحكمة فى ترك العذاب حيث لم يقل ( فکیف کان غذائی) كما قال فى الحكايات الثلاث، نقول لأن التكرار ثلاث مرات بالغ، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم ((ألا هل بلغت ثلاثاً)) وقال صلى الله عليه وسلم ((فنكاحها باطل باطل باطل)) والإذكار تكر و ثلاث مرات فيثلاث مرار حصل التأكيد وقد بينا أنه تعالى ذكر (فكيف كان غذائى) فى حكاية نوح للتعظيم . وفى حكاية ثمود للبيان وفى حكاية عاد أعادها مرتين للتعظيم والبيان جميعا واعلم أنه تعالى ذكر ( فكف كان عذابى) فى ثلاث حكايات أربع مرات فالمرة الواحدة للانذار، والمرات الثلاث للاذكار . لأن المقصود حصل بالمرة الواحدة، وقوله تعالى (فبأي آلاء ربكما تكذبان) ذكره مرة لليان وأعادها ثلاثين مرة غير المرة الأولى كما أعاد ( فكيف كان عذابى ونذر) ثلاث مرات غير المرة ٥٩ قوله تعالى : إنا أرسلنا عليهم حاصباً. سورة القمر. الأولى فكان ذكر الآلاء عشرة أمثال ذكر العذاب إشارة إلى الرحمة التى قال فى بيانها ( من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها، ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها) وسنبين ذلك فى سورة (الرحمن). ﴿ المسألة الرابعة﴾ (إلا آل لوط) استثناء مماذا ؟ إن كان من الذين قال فيهم (إنا أرسلنا عليهم حاصباً) فالضمير فی علیهم عائد إلى قوم لوط وهم الذين قال فيهم ( کذبت قوم لوط) ثم قال(إنا أرسلنا عليهم ) لكن لم يستثن عند قوله (كذبت قوم لوط ) وآ له من قومه فيكون آله قد كذبواولم يكن كذلك؟ الجواب عنه من وجهين (أحدهما) أن الاستثناء من عاد إليهم الضمير فى عليهم وهم القوم بأسرهم غير أن قوله كذبت قوم لوط لا يوجب كون آله مكذبين، لأن قول القائل عصى أهل بلدة كذا يصح وإن كان فيها شرذمة قليلة يطيعون فكيف إذا كان فيهم واحد أو اثنان من المطيعين لا غير، فإن قيل ماله حاجة إلى الاستثناء لأن قوله (إنا أرسلنا عليهم) يصح وإن نجامنهم طائفة بسيرة نقول الفائدة لما كانت لا تحصل إلا ببيان إهلاك من كذب وإنجاء من أمن فكان ذكر الإنجاء مقصودا، وحيث يكون القليل من الجمع الكثير مقصوداً لا يجوز التعميم والاطلاق من غير بيان. حال ذلك المقصود بالاستثناء أو بكلام منفصل مثاله ( فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس ) استثنى الواحد لأنه كان مقصوداً، وقال تعالى ( وأوتيت من كل شىء) ولم يستثن إذ المقصود بيان أنها أوتيت، لا بيان أنها ما أوتيت، وفى حكاية إبليس كلاهما مراد ليعلم أن من تكبر على آدم عوقب ومن تواضع أثيب كذلك القول ههنا ، وأما عند التكذيب فكأن المقصود ذكر المكذبين فلم يستثن (الجواب الثانى) أن الاستثناء من كلام مدلول عليه، كانه قال (إنا أرسلنا عليهم حاصباً) فما أنجينا من الخاصب إلا آل لوط، وجاز أن يكون الإرسال عليهم والإهلاك يكون عاما كما فى قوله تعالى (واتقوا فتنة لا تصيين الذين ظلموا منكم خاصة) فكان الحاصب أهلك من كان الإرسال عليه مقصوداً ومن لم يكن كذلك كأطفالهم ودوابهم ومسا كنهم فما نجا منهم أحد إلا آل لوط. فان قبل إذا لم يكن الاستثناء من قوم لوط بل كان من أمرعام فيجب أن يكن لوط أيضاً مستتنى؟ نقول هو مستثنى عقلا لأن من المعلوم أنه لا يجوز تركه وإنجاء أتباعه والذى يدل عليه أنه مستثنى قوله تعالى عن الملائكة (نحن أعلم بمن فيها لنتجينه وأهله إلا امرأته) فى جوابهم لإبراهيم عليه السلام حيث قال (إن فيها لوطاً) فإن قيل قوله فى سورة الحجر (إلا آل لوط إنا لمنجوهم) استثناء من المجرمين وآل لوظ لم يكونوا مجرمين فكيف استثنى منهم؟ والجواب مثل ماذكرنا فأحد الجوابين إنا أرسلنا إلى قوم يصدق عليهم إنهم مجرمون وإن كان فيهم من لم يجرم ( ثانيهما) إلى قوم مجرمين بإهلاك يعم الكل إلا آل لوط، وقوله تعالى ( نجيناهم بسحر ) كلام مستأنف لبيان وقت الإنجاء أو لبيان كيفية الاستثناء لأن آل لوط كان يمكن أن يكونوا فيهم ولا يصيبهم الخاصب كما فى عاد كانت الريح تقلع الكافرو لا يصيب المؤمن منها مكروه أو يجعل لهم مدفعً كما فى قوم نوح، فقال (نجيناهم بسحر) أى أمر ناهم بالخروج من القرية فى آخر الليل والسحر قبيل الصبح وقيل هو السدس الأخير من الليل : ٦٠ قوله تعالى : نعمة من عندنا كذلك نجذى. سورة القمر. نِعْمَةً مِّنْ عِندِنَا كَذَلِكَ تَجْزِى مَن شَكَرَ (﴾ وَلَقَدْ أَنْذَرَهُم بَطْشَتَنَا فَتَعَارَوْأ بِالنُّذُرِ ( ثم قال تعالى ﴿ نعمة من عندنا كذلك يجزى من شكر﴾ أى ذلك الإنجاء كان فضلا منا كما أن ذلك الإهلاك كان عدلا ولو أهلكوا لكان ذلك عدلًا، قال تعالى (واتقوا فتنة لا تصيين الذين ظلموا منكم خاصة) قال الحكماء العضو الفاسد يقطع ولا بد أن يقطع معه جزء من الصحيح ايحصل استئصال الفساد ، غير أن اللّه تعالى قادر على التمييز التام فهو مختار إن شاء أملك من آمن وكذب ، ثم يثبت الذين أهلكهم من المصدقين فى دار الجزاء وإنّ شاء أملك من كذب، فقال نعمة من عندنا إشارة إلى ذلك وفى أنصبها وجهان (أحدهما) أنه مفعول له كأنه قال : نجيناهم نعمة منا ( ثانيهما) على أنه مصدر ، لأن الإنجاء منه إنعام فكأنه تعالى قال أنعمنا عليهم بالإنجاء إنعاما وقوله تعالى ( كذلك نجزى من شكر) فيه وجهان (أحدهما) ظاهر وعليه أكثر المفسرين وهو أنه من آمن كذلك ننجيه من عذاب الدنيا ولا نهلكه وعداً لأمة محمد صلى الله عليه وسلم المؤمنين بأنه يصونهم عن الإهلاكات العامة والسيئات المطبقة الشاملة (وثانيهما) وهو الأصلح أن ذلك وعدلهم وجزاؤهم بالثواب فى دار الآخرة كأنه قال كما نجيناهم فى الدنيا، أى كما أنعمنا عليهم تنعم عليهم يوم الحساب والذى يؤيد هذا أن النجاة من الإهلاكات فى الدنيا ليس بلازم ، ومن عذاب الله فى الآخرة لازم محكم الوعيد، وكذلك ينجى الله الشاكرين من عذاب النارويذر الظالمين فيه، ويدل عليه قوله تعالى ( من يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرةنؤتهمنها وسنجزى الشا كرين) وقوله تعالى (فأثلهم الله بما قالوا جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين) والشاكر محسن فعلم أن المراد جزاؤهم فى الآخرة. ثم قال تعالى ﴿ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنذر) وفيه تبرئة لوط عليه السلام وبيان أنه أتى بما عليه فانه تعالى الما رتب التعذيب على التكذيب وكان من . الرحمة أن يؤخره ويقدم عليه الإنذارات البالغة بين ذلك فقال أهلكناهم وكان قد أنذرهم من قبل ، وفى لقوله (بطشتنا) وجهان (أحدهما) المراد البطشة التى وقعت وكان خوفهم بها، ويدل عليه قوله تعالى (إنا أرسلنا عليهم حاصباً) فكانه قال: إنا أرسلنا عليهم ماسبق، ذكرها للانذار بها والتخويف (وثانيهما) المراد بها ما فى الآخرة كما فى قوله تعالى ( يوم نبطش البطشة الكبرى) وذلك لأن الرسل كلهم. كانوا ينذرون قومهم بعذاب الآخرة كما قال تعالى (فأنذرتكم ناراً تلظى) وقال (وأنذرهم يوم الآزفة ) وقال تعالى ( إنا أنذرنا كم عذاباً قريباً) إلى غير ذلك، وعلى ذلك ففيه لطيفة وهى أن الله تعالى قال ( إن بطش ربك لشديد) وقال ههذا (بطشتنا) ولم يقل بطشنا وذلك لأن قوله تعالى (إن بطش".