Indexed OCR Text

Pages 21-40

:
٢١
قوله تعالى : وانه خلق الزوجين. سورة النجم.
بين الصغير والكبير تجدها أموراً عجيبة منها نبات اللحية ، وأقوى ما قالوا فى نبات اللحية أنهم قالوا
الشعور مكونة من بخار دخانى ينحدر إلى المسام ، فإذا كانت المسام فى غاية الرطوبة والتحلل كما فى
•زاج الصبى والمرأة، لا ينبت الشعر لخروج تلك الأدخنة من المسام الرطبة بسهولة قبل أن يتكون
شعراً، وإذا كانت فى غاية اليبوسة والتكاثف ينبت الشعر لعسر خروجه من المخرج الضيق ،
ثم إن تلك المواد تنجذب إلى مواضع مخصوصة فتندفع، إما إلى الرأس فتندفع إليه لأنه مخلوق
كقبة فوق الأبخرة والأدخنة فتتصاعد إليه تلك المواد ، فلهذا يكون شعر الرأس أكثر وأطول،
ولهذا فى الرجل مواضع تنجذب إليها الأبخرة والأدخنة ، منها الصدر لحرارة القلب والحرارة
تجذب الرطوبة كالسراج للزيت، ومنها بقرب آلة التناسل لأن حرارة الشهرة تجذب أيضاً، ومنها
اللحيان فإنها كثيرة الحركة بسبب الأكل، والكلام والحركة أيضاً جاذبة، فإذا قيل لهم. فما السبب
الموجب لتلازم نبات شعر اللحية وآلة التناسل فانها إذا قطعت لم تنبت اللحية؟ وما الفرق بين سن
الصبا وسن الشباب وبين المرأة والرجل ؟ ففى بعضها يبهت وفى بعضها يتكلم بأمور واهية، ولو
فوضها إلى حكمة إلهية لكان أولى، و فيه مسألتان :
﴿ الأول) قال تعالى (وأنه خلق) ولم يقل وأنه هو خلق كما قال (وأنه هو أضحك وأبكى)
وذلك لأن الضحك والبكاء ربما يتوهم متوهم أنه بفعل الإنسان ، وفى الإماتة والإحياء وإن كان
ذلك التوهم بعيداً، لكن ربما يقول به جاهل، كما قال من حاج إبراهيم الخليل عليه السلام حيث
قال ( أنا أحى أميت) فأكد ذلك بذكر الفصل، وأما خلق الذكر والأنثى من النطفة فلا يتوم
أحد أن يفعل أحد من الناس فلم يؤكد بالفصل ألا ترى إلى قوله تعالى (وأنه هو أغنى وأقنى)
حيث كان الإغناء عندهم غير مستند إلى اللّه تعالى وكان فى معتقدهم أن ذلك بفعلهم كما قال قارون
(إنما أوتيته على علم عندى) ولذلك قال ( وأنه هو رب الشعرى) لأنهم كانوا يستبعدون أن .
يكون رب محمد هو رب الشعرى. فأكد فى مواضع استبعادهم النسبة إلى اللّه تعالى الإسناد ولم
يؤ كده فى غيره .
المسألة الثانية ﴾ الذكر والأنثى اسمان هما صفة أو إسمان ليسا بصفة؟ المشهور عند أهل اللغة
الثانى والظاهر أنهما من الأسماء التى هى صفات، فالذكر كالحسن والعزب والأنثى كالحبلى والكبرى
وإنما فلنا إنها كالحبلى فى رأى لأنها حيالها أنشئت لا کالکبری ، وإن قلنا إنها کالكبرى فى رأى ،
وإنما فلنا إن الظاهر أنهما صفتان، لأن الصفة ما يطلق على شىء ثبت له أمر كالعالم يطلق على شىء له
علم والمتحرك يقال لشىء له حركة بخلاف الشجر والحجر، فان الشجر لا يقال لشىء بشرط أن يثبت
له أمر بل هو اسم موضوع لشىء معين، والذكر اسم يقال لشىء له أمر، ولهذا يوصف به ، ولا
يوصف بالشجر، يقال جاءنى شخص ذكر، أو إنسان ذكر ، ولا يقال جسم شجر، والذى ذهب
إلى أنه اسم غير صفة إنما ذهب إليه، لأنه لم يرد له فعل، والصفة فى الغالب له فعل كالمالم والجاهل

٢٢
قوله تعالى : من نطفه إذا تمنى. سورة النجم.
، وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأَحْرَى
٤٧
مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى أ
والعزب والكبرى والحبلى، وذلك لا يدل على ما ذهب إليه، لأن الذكورة والأنوثة من
الصفات التى لا يتبدل بعضها ببعض ، فلا يصاغ لها أفعال لأن الفعل لما يتوقع له تجدد فى صورة
الغالب، ولهذا لم يوجد للاضافيات أفعال كالأبوة والبنوة والأخوة إذلم تكن من الذى يتبدل، ووجد
للأضافيات المتبدلة أفعال يقال وأخاه وتبناه لما لم يكن مثبتاً بتكلف فقبل التبدل.
قوله تعالى : ﴿ من نطفة) أى قطعة من الماء.
قوله تعالى: ﴿إذا تمنى﴾ من أمنى المنى إذا نزل أو من يمنى إذا قدر وقوله تعالى ( من نطفة)
تنبيه على كمال القدرة لأن النطفة جسم متناسب الأجزاء، ويخلق الله تعالى منه أعضاء مختلفة وطباعاً
متباينة وخاق (الذكر والأنثى) منها أعجب ما يكون على ما بينا، ولهذا لم يقدر أحد على أن يدعيه
كما لم يقدر أحد على أن يدعى خلق السموات، ولهذا قال تعالى (ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن
الله) كما قال ( ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله).
ثم قال تعالى ﴿وأن عليه النشأة الأخرى) وهى فى قول أكثر المفسرين إشارة إلى الحشر،
والذى ظهر لى بعد طول التفكر, والسؤال من فضل الله تعالى الهداية فيه إلى الحق، أنه يحتمل أن
يكون المراد نفخ الروح الإنسانية فيه، وذلك لأن النفس الشريفة لا الأمارة تخالط الأجسام
الكثيفة المظلمة ، وبها كرم الله بنى آدم، وإليه الإشارة فى قوله تعالى (فكسونا العظام لحماًثم
أنشأناه خلفاً آخر) غير خلق النطقة علقة، والعلقة مضغة، والمضغة عظاماً، وبهذا الخلق الآخر
تميز الإنسان عن أنواع الحيوانات، وشارك الملك فى الإدراكات فكما قال هنالك (أنشأناه
خلقاً آخر) بعد خلق النطفة قال ههنا ( وأن عليه النشأة الأخرى ) جعل نفخ الروح نشأة أخرى
كما جعله هنالك إنشاء آخر، والذى أوجب القول بهذا هو أن قوله تعالى (وأن إلى ربك المنتهى)
عند الأكثرين لبيان الإعادة، وقوله تعالى ( ثم يجزاه الجزاء الأوفى) كذلك فيكون ذكر النشأة
الأخرى إعادة ، ولأنه تعالى قال بعد هذا (وأنه هو أغنى وأقنى) وهذا من أحوال الدنيا ، وعلى.
ماذكرنا يكون الترتيب فى غاية الحسن فإنه تعالى يقول (خلق الذكر والأنثى) ونفخ فيهما الروح
الإنسانية الشريفة ثم أغناه بلبن الأم وبنفقة الأب فى صغره، ثم أقناه بالكسب بعد كبره ، فإن
قيل فقد وردت النشأة الأخرى للحشر فى قوله تعالى (فانظروا كيف بدأ الخلق ثم اللّه ينشىء النشأة
الآخرة) نقول الآخرة من الآخر لا من الآخر لأن الآخر أفعل، وقد تقدم على أن هناك لما
ذكر البدء حمل على الإعادة وههنا ذكر خلقه من نطفة ، كما فى قوله ( ثم خلقنا النطفة علقة )
ثم قال (أنشأناه خلفاً آخر) وفى الآية مسائل :
المسألة الأولى) على الوجوب، ولا يجب على الله الإعادة، فما معنى قوله تعالى (وأن عليه)

٢٣
قوله تعالى : وانه هو اغنى واقنى. سورة النجم.
١٤٤٠ ٠٤٠٠١
٠٥٤٠
٠٠٤٠١١٥٤٠
، وَأَنّهَوَ هُوَ رَبَّ الشِّعْرَى
وَأَنّهُ, هُوَ أُغْنَى وَأُقْنَى
قال الزمخشرى على ما هو مذهبه عليه عقلا، فإن من الحكمة الجزاء، وذلك لا يتم إلا بالحشر ،
فيجب عليه عقلا الإعادة، ونحن لا نقول بهذا القول، ونقول فيه وجهان (الأول) عليه بحكم
الوعد فإنه تعالى قال (إنا نحن نحى الموتى) فعليه بحكم الوعد لا بالعقل ولا بالشرع (الثانى)
عليه للتعيين . فإن من حضر بين جمع وحاولوا أمراً ومعجزوا عنه ، يقال وجب عليك إذن أن
تفعله . أى تعيفت له .
﴿ المسألة الثانية) قرى. (النشأة) على أنه مصدر كالضربة على وزن فعلة وهى للمرة ، تقول
ضربته ضربتين ، أى مرة بعد مرة، يعنى النشأة مرة أخرى عليه، وقرى. النشأه بالمد على أنه مصدر
على وزن فعالة كالكفالة، وكيفما قرى. فهى من نشأ، وهو لازم وكان الواجب أن يقال عليه
الإنشاء لا النشأة، نقول فيه فائدة وهى أن الجزم يحصل من هذا بوجود الخلق مرة أخرى ، ولو
قال عليه الإنشاء ربما يقول قائل الإنشاء من باب الإجلاس، حيث يقال فى السعة أجلسته فما
جلس ، وأقته فما قام . فيقال أنشاء وما نشأ أى قصده لينشأ ولم يوجد ، فإذا قال عليه النشأة أى
يوجد النش. ويحققه بحيث يوجد جزءاً.
﴿ المسألة الثالثة ﴾ هل بين قول القائل عليه النشأة مرة أخرى، وبين قوله عليه النشأة الأخرى
فرق؟ نقول نعم إذا قال : عليه النشأة مرة أخرى لا يكون المش. قد علم أولا ، وإذا قال (عليه
النشأة الأخرى ) يكون قد علم حقيقة النشأة الأخرى، فنقول ذلك المعلوم عليه.
ثم قال تعالى ﴿وأنه هو أغنى وأفنى﴾ وقد ذكرنا تفسيره فنقول أغنى يعنى دفع حاجته ولم
يتركه محتاجا لأن الفقير فى مقابلة العنى ، فمن لم يبق فقيراً بوجه من الوجوه فهو غنى مطلقاً، ومن
لم يبق فقيراً من وجه فهو غنى من ذلك الوجه، قال ويتم ((أغنوم عن المسألة فى هذا اليوم))
وحمل ذلك على زكاة الفطر ، ومعناه إذا أتاه ما احتاج إليه، وقوله تعالى (أقنى) معناه وزاد عليه
الإفناء فوق الإغناء ، والذى عندى أن الحروف متناسبة فى المعنى ، فتقول لما كان مخرج القاف
فوق مخرج الغين جعل الإقناء لحالة فوق الإغناء ، وعلى هذا فالإغناء هو ماآتاه الله من العين
واللسان، وهداه إلى الارتضاع فى صباه أو هو ما أعطاه الله تعالى من القوت واللباس المحتاج اليهما
وفى الجملة كل ما دفع الله به الحاجة فهو إغناء، وكل ما زاد عليه فهو إقنا ..
ثم قال تعالى ﴿وأنه هو رب الشعرى﴾ إشارة إلى فساد قول قوم آخرين، وذلك لأنبعض
الناس يذهب إلى أن الفقر والغنى بكسب الإنسان واجتهاده فمن كسب استغنى، ومن كسل افتقر.
وبعضهم يذهب إلى أن ذلك بالبخت ، وذلك بالنجوم، فقال (هو أغنى وأفنى) وإن قائل الغنى
بالنجوم غالط ، فنقول هو رب النجوم وهو محمر کها ، كما قال تعالى (و هو ربالشعرى) وقوله( هو

٢٤
قوله تعالى : وانه اهلك عاداً الاولى. سورة النجم.
وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلٌ
وَأَنَّهُ بِ أَهْلَكَ عَدًّا الْأُولَى (﴾ وَتَمُودَاْ قَمَآ أَبْقَ
إِنَّهُمْ كَانُوْهُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى
5.
رب الشعرى) لإنكارهم ذلك أكد بالفصل ، والشعرى نجم مضىء، وفى النجوم شعريان إحداهما
شامية والأخرى يمانية ، والظاهر أن المراد اليمانية لأنهم كاوا يعبدونها.
ثم قال تعالى ﴿ وأنه أهلك عاداً الأولى﴾ لما ذكر أنه (أغنى وأفنى) وكان ذلك بفضل الله
لا بعطاء الشعرى وجب الشكر لمن قد أهلك وكفى لهم دليلا حال عاد وثمودو غيرهم (وعاداً الأولى)
قيل بالأولى تميزت من قوم كانوا بمكة هم عاد الآخرة، وقيل الأولى لبيان تقدمهم لا لتميزهم، تقول
زيد العالم جاءفى فتصفه لا لتميزه ولكن لتبين علمه، وفيه قراءات عاداً الأولى بكسرنون التنوين
لالتقاء الساكنين، وعاد الأولى باسقاط نون التنوين أيضاً لالتقاء الساكنين كقراءة عزير بن الله
(وقل هو الله أحد الله الصمد) وعاداً لولى بإدغام النون فى اللام ونقل ضمة الهمزة إلى اللام وعاد
انؤلى بهمزة الواو وقرأ هذا القارى. على سؤقه ودليله ضعيف وهو يحتمل هذا فى موضع المؤقدة
والمؤصدة للضمة والواو فهى فى هذا الموضع تجزى على الهمزة، وكذا فى سؤقه لوجود الهمزة
فى الأصل ، وفى موسى وقوله لا يحسن.
ثم قال تعالى ﴿ونمود فما أتى ﴾ يعنى وأهلك ثمود وقوله (فما أبقى). عائد إلى عاد وثمود أى
فما أبقى عليهم، ومن المفسرين من قال فما أبقاء أى فما أبقى منهم أحداً ويؤيد هذا قوله تعالى (فهل
ترى لهم من باقية) وتمسك الحجاج على من قال إن ثقيفاً من ثمود بقوله تعالى ( فما أبقى).
﴿وقوم نوح) أى أهلكهم ﴿من قبل﴾ والمسألة مشهورة فى قبل وبعد تقطع عن
الإضافة فتصير كالغاية فتبنى على الضمة . أما البناء فلتضمنه الإضافة، وأما على الضمة فلأنها لو
بنيت على الفتحة لكان قد أثبت فيه ما يستحقه بالإعراب من حيث إنها ظروف زمان فتستحق
النصب والفتح مثله، ولو بنيت على الكسر لكان الأمر على ما يقتضيه الإعراب وهو الجربالجار
فبنى على ما يخالف حالتی إعرابها .
وقوله تعالى ﴿إنهم كانوا هم أظلم وأطغى﴾ أما الظلم ،لأنهم هم المبادئون به المتقدمون فيه
((ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها)) والبادى. أظلم، وأما أطفى بلأنهم سمعوا
المواعظ وطال عليهم الأمد ولم يرتدعوا حتى دعا عليهم نبيهم ، ولا يدعو نى على قومه إلا بعد
الإصرار العظيم، والظالم واضع الشىء فى غير موضعه، والطاغى المجاوز الحد .. فالطاغى أدخل فى
الظلمفهو كالمغاير والمخالف فإن المخالف مغاير مع وصف آخر زائد، وكذا المغاير والمضاد وكل ضد
غير وليس كل غير ضداً، وعليه سؤال وهو أن قوله (وقوم نوح) المقصود منه تخويف الظالم

٢٥
قوله تعالى : والمؤتكفة اهوى. سورة النجم.
٥٤
،فَغَشَِّهَا مَاغَشَى
وَالْمُؤْتَفِكَةَ أُهْوَى
٠٤٠/
بالهلاك، فإذا قال هم كانوا فى غاية الظلم والطغيان فأهلكوا يقول الظالم ثم كانوا أظلم فأهلكوا لمبالغتهم
فى الظلم، ونحن ما بالغنا فلا هلك ، وأما لو قال أهلكوا لأنهم ظلمة لخاف كل ظالم فما الفائدة فى
قوله (أظلم) ؟ نقول المقصود بيان شدتهم وقوة أجسامهم فإنهم لم يقدموا على الظلم والطغيان الشديد
إلابتماديهم وطول أعمارهم ، ومع ذلك ما نجا أحد منهم فما حال من هودونهم من العمر والقوة فهو
كقوله تعالى (أشد منهم بطشاً).
قوله تعالى: ﴿والمؤتفكة أهوى﴾ المؤتفكة المنقلبة، وفيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ قرى. (والمؤتفكات) والمشهور فيه أنها قرى قوم لوط لكن كانت لهم
مواضع اتفكت فهى مؤتفكات ، ويحتمل أن يقال المراد كل من انقلبت مساكنه ودثرت أما كنه
ولهذا ختم المهلكين بالمؤتفكات كمن يقول مات فلان وفلان وكل من كان من أمثالهم وأشكالهم .
﴿ المسألة الثانية﴾ (أموى) أى أهواما بمعنى أسقطها، فقيل أهواها من الهوى إلى الأرض من
حيث حملها جبريل عليه السلام على جناحه، ثم قلبها، وقيل كانت عمارتهم مرتفعة وأهواها بالزلزلة
وجعل عليها سافلها .
﴿ المسألة الثالثة) قوله تعالى (والمؤ تفكة أهوى) على ماقلت كفول القائل والمنقلبة قلبها
وقلب المنقلب تحصيل الحاصل، نقول ليس معناه المنقلبة ما انقلبت بنفسها بل اللّه قلبها فانقلبت.
﴿ المسألة الرابعة﴾ ما الحكمة فى اختصاص المؤتفكة باسم الموضع فى الذكر ، وقال فى عاد
ونمود، وقوم نوح اسم القوم ؟ نقول الجواب عنه من وجهين: (أحدهما ) أن نمود اسم الموضع
فذكرعاداً باسم القوم، وتمود باسم الموضع، وقوم نوح باسم القوم والمؤتفكة باسم الموضع ليعلم
أن القوم لا يمكنهم صون أما كنهم عن عذاب الله تعالى ولا الموضع يحصن القوم عنه فإن فى العادة
تارة يقوى الساكن فيذب عن مسكنه وأخرى يقوى المسكن فيرد عن ساكنه وعذاب الله لا يمنعه
مانع، وهذا المعنى حصل المؤمنين فى آيتين: (أحدهما) قوله تعالى ( وكف أيدى الناس عنكم)
وقوله تعالى (وظنوا أنهم مافعتهم حصونهم من اللّه) ففى الأول لم يقدر الساكن على حفظ مسكنه
وفى الثانى لم يقو الحصن على حفظ الساكن ( والوجه الثانى ) هو أن عاداً وثمود وقوم نوح، كان
أمرهم متقدماً، وأما كنهم كانت قد دثرت ، ولكن أمرهم كان مشهوراً متواتراً، وقوم لوط كانت
مساكنهم وآثار الانقلاب فيها ظاهرة ، فذكر الأظهر من الأمرين فى كل قوم .
ثم قال تعالى ﴿ فغشباها ما غشى﴾ يحتمل أن يكون ما مفعولا وهو الظاهر، ويحتمل أن يكون
فاعلا يقال ضربه من ضربه، وعلى هذا نقول يحتمل أن يكون الذى غشى هو الله تعالى فيكون
كقوله تعالى (والسماء وما بناها) ويحتمل أن يكون ذلك إشارة إلى سبب غضب الله عليهم أى

٢٦
قوله تعالى : فبأي آلاء ربك تتمارى. سورة النجم.
، هَذَا نَذِيرٌ مِّنَ النَّذُرِ الأولَى
فَبِأَىّ ءَالَاءِ رَبِّكَ نَتَمَارَى
غشاها عليهم السبب، بمعنى أن الله غضب عليهم بسببه، يقال لمن أغضب ملكا بكلام فضربه الملك
كلامك الذى ضربك .
ثم قال تعالى ﴿ فبأي آلاء ربك تتمارى﴾ قيل هذا أيضاً ما فى الصحف، وقيل هو ابتداء
كلام والخطاب عام ، كأنه يقول بأى النعم أيها السامع تشك أو تجادل ، وقيل هو خطاب
مع الكافر ، ويحتمل أن يقال مع النبى صلى الله عليه وسلم، ولا يقال كيف يجوز أن
يقول للنبى صلى الله عليه وسلم (تنمارى) لأنا نقول هو من باب (لئن أشركت ليحبطن عملك)
يعنى لم يق فيه إمكان الشك، حتى أن فارضاً لو فرض التى صلى الله عليه وسلم من يشك أو جادل
فى بعض الأمور الخفية لما كان يمكنه المراه فى نعم الله والعموم هو الصحيح كأنه يقول: بأى
آلا. ربك تتمارى أيها الإنسان، كماقال ( يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم) وقال تعالى.
(وكان الإنسان أكثر شىء جدلا) فإن قيل المذكور من قبل نعم والالا. نعم ، فكيف آلا.
ربك ؟ نقول لما عد من قبل النعم وهو الخلق من النطفة ونفخ الروح الشريفة فيه والإغناء
والإقناء، وذكر أن الكافر بنعمه أهلك قال (فبأى آلامربك تمادى) فيصيبك مثل ما أصاب
الذين تماروا من قبل، أو تقول لما ذكر الإهلاك، قال للشنك: أنت ما أصابك الذى أصلهم
وذلك بحفظ الله إياك (فبأي آلاء ربك تتمارى) وسيزيده بيا ◌ًفىقوله تعالى (على الاركا
تكذبان) فى مواضع.
ثم قال تعالى ﴿هذا نذير من النذر الأولى) وفيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ المشار إليه بهذا ماذا؟ نقول فيه وجوه (أحدها) محمد صلى الله عليه وسلم
من جنس النذر الأولى (.ثانيها) القرآن (ثالثها) ماذكره من أخبار المهلكين، ومعناه حيئذ هذا
بعض الأمور التى هى منذرة، وعلى قولنا المراد محمد صلى الله عليه وسلم فالمدير هو المندر ومر
لبيان الجنس، وعلى قولنا المراد هو القرآن يحتمل أن يكون النذير معى المصدر، ويختم أر
يكون بمعنى الفاعل، وكون الاشارة إلى القرآر بعيد لفظاً ومعى، أما معنى: دلأن القرآن ايس
من جنس الصحف الأولى لأنه معجزو تلك لم تكن معجزة ، وذلك لأنه تعالى لما بين الوحدانيه.
وقال (فبأي آلاء ربك تمارى) قال (هذا بذير) إشارة إلى محمد صلى الله عليه وسلم وإنساناً
للرسالة ، وقال بعد ذلك (أزفت الآزفة) إشارة إلى القيامة ليسكون فى الآيات الثلاث المرتبة
إثبات أصول ثلاث مرتبة، فإن الأصل الأول هو الله ووحدانيته ثم الرسول ورسالته ثم الحشر
والقيامة، وأما لفظاً ولأن النذير إن كان كاملا، فما ذكره من حكاية المهلكين أولى لأنه أقرب ويكون

٢٧
-
قوله تعالى : أزفت الآزفة. سورة النجم .
أَزِفَتِ الْآَزِفَةُ ﴿ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ الِّ كَاشِفَةٌ
٧٥
على هذا من بقى على حقيقة التبعيض أى هذا الذى ذكرنا بعض ماجرى ونبذ ما وقع ، أو يكون
لابتداء الغاية ، بمعنى هذا إنذار من المنذرين المتقدمين ، يقال هذا الكتاب ، وهذا الكلام من فلان.
وعلى الأقوال كلها ليس ذكر الأولى لبيان الموصوف بالوصف وتمييزه عن النذر الآخرة كما يقال
الفرقة الأولى احترازاً عن الفرقة الأخيرة، وإنما هو لبيان الوصف الموصوف، كما يقال زيد
العالم جاءنى. فيذكر العالم، إما لبيان أن زيداً عالم غير أنك لا تذكره بلفظ الخبر فتأتى به على طريفة
الوصف، وإما لمدح زيد به، وإما لأمر آخر، والأولى على العود إلى لفظ الجمع وهو النذر ولو
كان لمعنى الجمع لقال: من النذر الأولين يقال من الأقوام المتقدمة والمتقدمين على اللفظ والمعنى.
ثم قال تعالى ﴿ أزفت الآزفة) وهو كقوله تعالى (وقعت الواقعة) ويقال كانت الكائنة .
وهذا الاستعمال يقع على وجوه منها ما إذا كان الفاعل صار فاعلا لمثل ذلك الفعل من قبل، ثم
صدر منه مرة أخرى مثل الفعل ، فيقال فعل الفاعل أى الذى كان فاعلا صار فاعلا مرة أخرى ،
يقال حاكه الحائك أى من شغله ذلك من قبل فعله، ومنها ما يصير الفاعل فاعلا بذلك الفعل ، ومنه
يقال: ((إذا مات الميت انقطع عمله)) وإذا غصب العين غاصب ضمنه، فقوله (أزفت الآزفة)
يحتمل أن يكون من القبيل الأول أى قربت الساعة التى كل يوم يزداد قربها فهى كائنة قريبة
وازدادت فى القرب، ويحتمل أن يكون كقوله تعالى (وقعت الواقعت) أى ق ب وقوعها وأزفت
فاعلها فى الحقيقة القيامة أو الساعة ، فكأنه قال: أزفت القيامة الآزفة أو الساعة أو مثلها .
قوله تعالى: ﴿ ليس لها من دون الله كاشفة) فيه وجوه (أحدها) لامظهر لها إلا الله
فمن يعلمها لا يعلم إلا بإعلام الله تعالى إياه وإظهاره إياها له، فهو كقوله تعالى (إن الله عنده علم
الساعة) وقوله تعالى ( لا يحليها لوقتها إلا هو). (ثانيها) لا يأتى بها إلا الله، كقوله تعالى (وإن
يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو) وفيه مسائل:
﴿ الأولى ) من زائدة تقديره ليس لها غير اللّه كاشفة، وهى تدخل على النفى فتؤكد معناه،
تقول ما جاءنى أحد وما جاءت من أحد ، وعلى هذا يحتمل أن يكون فيه تقديم وتأخير ، تقديره
ليس لها من كاشفة دون الله، فيكون نفياً عاماً بالنسبة إلى الكواشف، ويحتمل أن يقال ليست
بزائدةبل معنى الكلام أنه ليس فى الوجود نفس تكتشفها أى تخبر عنها كما هى ومتى وقتها من
غير اللّه تعالى يعنى من يكشفها فإنما يكشفها من الله لا من غير الله يقال كشف الأمر من زيد،
ودون يكون بمعنى غير كما فى قوله تعالى (أتفكاآلهة دون الله تربدون) أى غير الله.
المسألة الثانية) كاشفة صفة أو نث أء. نفس كاشفة، وقيل هى المبالغة كما فى العلامة
وعلى هذا لا يقال بأنه نفى أن يكون لها كاشفة بصيغة المبالغة ولا يلزم من الكاشف الفائق نفى

٢٨
قوله تعالى : أفمن هذا الحديث. سورة النجم.
أَفَنْ هَذَا الْحَدِيثِ تُعْجَبُونَ.
فَأَسْجُدُواْ للَّهِ وَأَعْبُدُواْ
وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ
٥٩
٦٠
٠٠١٤٠
وَأَنتُمْ سَمِدُونَ
نفس الكاشف، لأ نا نقول لو کشفها أحد لكان كاشفاً بالوجه الكامل ، فلا كاشف لها ولا يكشفها
أحد وهو كقوله تعالى ( وما أنا بظلام للعبيد) من حيث نفى كونه ظالما مبالغاً ، ولا يلزم منه نفى
كونه ظالماً، وقلنا هناك إنه لوظلم عبيده الضعفاء بغير حق لكان فى غاية الظلم وليس فى غاية الظلم
فلا يظلهم أصلا .
﴿ المسألة الثالثة) إذا قلت إن معناه ليس لها نفس كاشفة، فقوله (من دون الله) استثناء على
الأشهر من الأقوال، فيكون اللّه تعالى نفساً لها كاشفة؟ نقول الجواب عنه من وجوه (الأول)
لافساد فى ذلك قال الله تعالى (ولا أعلم ما فى نفسك) حكاية عن عيسى عليه السلام والمعنى الحقيقة.
(الثانى) ليس هو صريح الاستثناء فيجوز فيه أن لا يكون نفساً (الثالث) الاستثناء الكاشف المبالغ.
ثم قال تعالى ﴿ أفمن هذا الحديث تعجبون) قيل من القرآن، ويحتمل أن يقال هذا إشارة
إلى حديث ( أزفت الآزفة) فإنهم كانوا يتعجبون من حشر الأجساد وجمع العظام بعد الفساد .
قوله تعالى: ﴿وتضحكون﴾ يحتمل أن يكون المعنى وتضحكون من هذا الحديث، كما قال
تعالى ( فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون) فى حق موسى عليه السلام، وكانوا هم أيضاً
يضحكون من حديث التى والقرآن ، ويحتمل أن يكون إنكاراً على مطلق الضحك مع سماع
حديث القيامة ، أى أنضحكون وقد سمعتم أن القيامة قربت ، فكان حقاً أن لا تضحكوا حينئذ.
قوله تعالى: ﴿ ولا تبكون﴾ أى كان حقاً لكم أن تبكوا منه فتتركون ذلك وتأتون بضده.
قوله تعالى: ﴿وأنتم سامدون﴾ أى غافلون، وذكر باسم الفاعل، لأن الغفلة دائمة، وأما
الضحك والعجب فهما أمران يتجددان ويعدمان.
قوله تعالى: ﴿فاسجدوا لله واعبدوا﴾ يحتمل أن يكون الأمر عاماً، ويحتمل أن يكون التفاتاً،
فيكون كأنه قال: أيها المؤمنون اسجدوا شكراً على الهداية واشتغلوا. بالعبادة، ولم يقل اعبدوا الله
إما لكونه معلوماً، وإما لأن العبادة فى الحقيقة لا تكون إلا لله، فقال (واعبدوا) أى ائتوا
بالمأمور ، ولا تعبدوا غير الله، لأنها ليست بعبادة، وهذا يناسب السجدة عند قراءته مناسبة أشد
وأتم ما إذا حملناه على العموم.
والحمد لله رب العالمين، وصلاته على سيدنا محمد سيد المرسلين، وخاتم النبيين، وعلى آله
وصحبه أجمعين.
٠٠

٢٩
سورة القمر
(٥٤) سُورَة الْقَمَلَكِيَة
وَآيَاتِها خْسُ وَخْسُونَ
بِشْـ
أَقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَأَنسَّقَّ الْقَمَرُ يَ وَإِن يَرَوْءَايَةٌ يُعْرِضُواْ وَيَقُولُواْ مِرٌ مُسْتَعِرٌَّ:
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿اقتربت الساعة وانشق القمر﴾ أول السورة مناسب لآخر ما قبلها، وهو قوله ( أزفت
الازفة ) فكأنه أعاد ذلك مع الدليل، وقال قلت (أزفت الآزفة) وهو حق ، إذ القمر انشق ،
والمفسرون بأسرهم على أن المراد أن الفمر انثق ، وحصل فيه الانشقاق، ودلت الأخبار على
حديث الانشقاق ، وفى الصحيح خبر مشهور رواه جمع من الصحابة، وقالوا سئل رسول الله
راجع آيه الانشقاق بعينها معجزة، فسأل ربه فشقه ومضى، وقال بعض المفسرين: المراد سينشق،
وه، بعد ولا معى له، لأن من منع ذلك وهو الفلسفى يمنعه فى الماضى والمستقبل، ومن يجوزه
لا حاجة إلى التأويل، وإنما ذهب إليه ذلك الذاهب، لأن الانشقاق أمر هائل، فلو وقع لعم وجه
الأرض بكان ينبغى أن يبلغ حد التوائر، نقول النبى ◌ُ ◌ّ لما كان يتحدى بالقرآن، وكانوا
ية. لون: إنا نأتى أفصح ما يكون من الكلام، وعجزوا عنه، فكان القرآن معجزة باقية إلى قيام
القيامة لا يتمسك بمعجزه أخرى فلم ينقله العلماء بحيث يبلغ حد التواتر. وأما المؤرخون فتركوه،
لأن التواريخ فى أكثر الأمر يستعملها المنجم، وهو لما وقع الأمر قالوا بأنه مثل خسوف القمر،
وظهورشىء فى الجو على شكل نصف القمر فى موضع آخر فتركوا حكايته فى توا يخهم ، والقرآن
أدل دليل وأقوى مثبت له ، وإمكانه لا يشك فيه ، وقد أخبر عنه الصادق فيجب اعتقاد وقوعه ،
وحديث امتناع الخرق والالتزام حديث التام، وقد ثبت جواز الخرق والتخريب على السموات،
وذكر ناه مراراً فلا نعيده .
قوله تعالى: ﴿وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر ﴾ تقديره: وبعد هذا إن يروا
آية يقولوا سحر، فإنهم رأوا آيات أرضية، وآيات سماوية، ولم يؤمنوا، ولم يتركوا عنادهم ، فإن
يروا ما يرون بعد هذا لا يؤمنون، وفيه وجه آخر وهو أن يقال: المعنى أن عادتهم أنهم إن يروا
آية يعرضوا، فلما رأوا انشقاق القمر أعرضوا لتلك العادة، وفيه مسائل:

٣٠
قوله تعالى : اقتربت الساعة وانشق القمر. سورة القمر.
﴿ الأولى) قوله (آية) ماذا؟ نقول آية اقتراب الساعة، فإن انشقاق القمر من آياته، وقد
ردوا وكذبوا ، فإن يروا غيرها أيضاً يعرضوا، أو آية الانشقاق فإنها معجزة، أما كونها معجزة
ففى غاية الظهور، وأما كونها آية الساعة، فلأن منكر خراب العالم ينكر انشقاق السماء وانفطارها
وكذلك قوله فى كل جسم سماوى من الكواكب ، فإذا انشق بعضها ثبت خلاف ما يقول به ،
وبان جواز خراب العالم، وقال أكثر المفسرين: معناه أن من علامات قيام الساعة انشقاق القمر
عن قريب ، وهذا ضعيف حملهم على هذا القول ضيق المكان ، وخفاء الأمر على الأذهان ، وبيان
ضعفه هو أن الله تعالى لو أخبر فى كتابه أن القمر ينشق ، وهو علامة قيام الساعة ، لكان ذلك
أمراً لابد من وقوعه مثل خروج دابة الأرض ، وطلوع الشمس من المغرب، فلا يكون معجزة
النبى رائع، كما أن هذه الأشياء جائب، وليست بمعجزة للنبى، لا يقال الإخبار عنها قبل وقوعها
معجزة ، لأنا نقول فينئذ يكون هذا من قبيل الإخبار عن الغيوب، فلا يكون هو معجزة برأسه
وذلك فاسد، ولا يقال بأن ذلك كان معجزة وعلامة، فأخبر الله فى الصحف والكتب السالفة أن
ذلك يكون معجزة للنبى رقم وتكون الساعة قريبة حينئذ، وذلك لأن بعثة النبى منظلم علامة كائنة
حيث قال ((بعثت أنا والساعة كهاتين)) ولهذا يحكى عن سطيح أنه لما أخير بوجود النبى صلى الله
عليه وسلم قال عن أمور تكون ، فكان وجوده دليل أمور، وأيضاً القمر لما انشق كان انشقاقه
عند استدلال النبى صلى الله عليه وسلم على المشركين، وهم كانوا غافلين عما فى الكتب، وأما
أصحاب الكتب فلم يفتقروا إلى بيان علامة الساعة، لأنهم كانوا يقولون بها وبقربها ، فهى إذن
آية دالة على جواز تخريب السموات وهو العمدة الكبرى، لأن السموات إذا طويت وجوز ذلك،
فالأرض ومن عليها لا يستبعد فناؤهما، إذا ثبت هذا فنقول: معنى (اقتربت الساعة ) يحتمل أن
يكون فى العقول والأذهان ، يقول من يسمع أمراً لا يقع هذا بعيد مستبعد ، وهذا رجه حسن،
وإن كان بعض ضعفاء الأذهان ينكره ، وذلك لأن حمله على قرب الوقوع زماناً لا إمكاناً يمكن
الكافر من مجادلة فاسدة، فيقول قال الله تعالى فى زمان النبى والم (اقتربت) ويقولون بأن
من قبل أيضاً فى المكتب [ السابقة] كان يقول ( اقترب الوعد ) ثم مضى مائة سنة ولم يقع ،
ولا يبعد أن يمضى ألف آخر ولا يقع ، ولو صح إطلاق لفظ القرب زماناً على مثل هذا لا يبقى
وأوق بالإخبارات، وأيضاً قوله (اقتربت) لانتهاز الفرصة، والإيمان قبل أن لا يصح الإيمان،
فللكافر أن يقول ، إذا كان القرب بهذا المعنى فلا خوف منها ، لأنها لا تدركنى ، ولا تدرك
أولادى، ولا أولاد أولادى ، وإذا كان إمكانها قريباً فى العقول يكون ذلك رداً بالغاً على
المشركين والفلاسفة، والله سبحانه وتعالى أول ما كلف الاعتراف بالوحدانية واليوم الآخر،
وقال اعلموا أن الحشر كائن تخالف المشرك والفلسفى، ولم يقنع بمجرد إنكار ما ورد الشرع ببيانه،

٣١
قوله تعالى : وإن يرو آيه يعرضوا. سورة القمر.
ولم يقل: لا يقع أو ليس بكان ، بل قال ذلك بعيد، ولم يقنع بهذا أيضاً، بل قال ذلك: غير ممكن،
ولم يقنع به أيضاً ، بل قال: فإن امتناعه ضرورى، فإن مذهبهم أن إعادة المعدوم وإحياء الموتى محال
بالضرورة ، ولهذا قالوا (أندا متنا، أنذا كنا عظاماً، أهذا ضللنا فى الأرض ) بلفظ الاستفهام
بمعنى الإنكار مع ظهور الأمر، فلما استبعدوا لم يكتف الله ورسوله بيان وقوعه، بل قال (إن
الساعة آتية لا ريب فيها ) ولم يقتصر عليه بل قال ( وما يدريك لعل الساعه تكون قريباً) ولم
يتركها حتى قال ( اقتربت الساعة، واقترب الوعد الحق، اقترب للناس حسابهم) اقتراباً عقلياً
لا يجوز أن ينكر ما يقع فى زمان طرفة عين، لأنه على اللّه يسير، كما أن تقليب الحدقة علينا يسير،
بل هو أقرب منه بكثير، والذى يقويه قول العامة إن زمان وجود العالم زمان مديد ، والباقى
بالنسبة إلى الماضى شىء يسير ، فلهذا قال ( اقتربت الساعة ).
وأما قوله ◌ِّ ((بعثت أنا والساعة كهاتين)) فمعناه لا نى بعدى فإن زمانى يمتد إلى قيام
الساعة، فزمانى والساعة متلاصقان كهاتين ، ولا شك أن الزمان زمان النبى صلى الله عليه وسلم،
وما دامت أو امره نافذة فالزمان زمانه وإن كان ليس هو فيه ، كما أن المكان الذى تنفذ فيه أوامر
الملك مكان الملك يقال له بلاد فلان ، فإن قيل كيف يصح حمله على القرب بالمعقول مع أنه
مقطوع به؟ قلت كما صح قوله تعالى (لعل الساعة تكون قريباً) فإن لعل للترجى والأمر عند الله
معلوم ، وفائدته أن قيام الساعة ممكن لا إمكاناً بعيداً عن العادات حمل الآدمى فى زماننا حملا فى
غاية الثقل أو قطعه مسافة بعيدة فى زمان يسير ، فإن ذلك ممكن إمكاناً بعيداً، وأما تقليب الحدقة
فيمكن إمكاناً فى غاة القرب .
﴿ المسألة الثانية﴾ الجمع الذين تكون الواو ضميرهم فى قوله (بروا) و(يعرضوا) غير مذكور
فمن هم؟ نقول هم معلومون وهم الكفار تقديره: وهؤلاء الكفار إن يروا آية يعرضوا.
﴿ المسألة الثالثة﴾ التفكير فى الآية للنعظيم أى إن يروا آية قوية أو عظيمة يعرضوا.
﴿ المسألة الرابعة) قوله تعالى ﴿ويقولوا سحر مستمر) ما الفائدة فيه ؟ نقول فائدته بيان كون
الآية خالية عن شوائب الشبه، وأن الإعتراف لزمهم لأنهم لم يقدروا أن يقولوا نحن نأتى بمثلها
وبيان كونهم معرضين لا إعراض معذور ، فإن من يعرض إعراض مشغول بأمر مهم فلم ينظر
فى الآية لا يستقبح منه الاعراض مثل ما يستقبح لمن ينظر فيها إلى آخرها ويعجز عن نسبتها إلى
أحد ودعوى الإتيان بمثلها ، ثم يقول هذا ليس بشىء هذا سحر لأن ما من آية إلا ويمكن المعاند
أن يقول فيها هذا القول .
﴿ المسألة الخامسة﴾ ما المستمر؟ نقول فيه وجوه (أحدها) دائم فإن محمداً صلى الله عليه

٣٢
قوله تعالى : وكذبوا واتبعوا أهواءهم. سورة القمر.
وَكَذَّبُواْ وَتَّبَعُواْ أَهْوَآءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ ﴾ وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّنَ
الْأَنْبَآءِ مَافِيهِ مَنْدَجْرَ
وثلاثة ويعجز عن غيرها وهو قادر على الكل (وثانيها) مستمر أى قوى من حبل مرير الفتل من
المرة وهى الشدة (وثالثها) من المرارة أى سحر مر مستبشع (ورابعها) مستمر أى مار ذاهب،
فإن السحر لا بتاء له .
ثم قال تعالى ﴿وكذبوا واتبعوا أهواءهم﴾ وهو يحتمل أمرين (أحدهما) وكذبوا محمداً
المخبر عن اقتراب الساعة (وثانيهما) كذبوا بالآية وهى انشقاق القمر، فإن قلنا كذيرا محمداً
وقوله (واتبعوا أهواءهم) أى تركوا الحجة وأولوا الآيات وقالوا هو مجنون تعينه الجن وكاهن يقول
عن النجوم ويختار الأوقات للأفعال وساحر، فهذه أهواءهم، وإن قلنا كذبوا بانشقاق القمر،
فقوله ( واتبعوا أهواءهم) فى أنه سحر القمر، وأنه خسوف والقمر لم يصبه شىء فهذه أهواءهم،
وكذلك قولهم فى كل آية .
قوله تعالى: ﴿وكل أمر مستقر﴾ فيه وجوه (أحدها) كل أمر مستقر على سنن الحق يثبت
والباطل يزهق ، وحينئذ يكون تهديداً لهم، وتسلية النبى صلى الله عليه وسلم، وهو كقوله تعالى
( ثم إلى ربكم مرجعكم فيذبتكم) أى بأنها حق (ثانيها) وكل أمر مستقر فى علم الله تعالى (لا يخفى
عليه شىء ) فهم كذبوا واتبعوا أهواءهم، والأنبياء صدقوا وبلغوا ما جاءهم، كقوله تعالى (لا يخفى
على الله منهم شىء)، وكما قال تعالى، فى هذه السورة ( وكل شىء فعلوه فى الزبر، وكل صغير وكبير
مستطر)، (ثالثها) هو جواب قولهم (سحر مستمر) أى ليس أمره بذاهب بل كل أمر من أموره مستقر.
ثم قال تعالى ﴿ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر) إشارة إلى أن كل ماهو لطف بالعباد
قد وجد، فأخبرم الرسول باقتراب الساعة، وأقام الدليل على صدقه، وإمكان قيام الساعة عقيب
دعواه بانشقاق القمر الذى هو آیة لأن من یکذب بها لا يصدق بشىء من الآيات فكذبوا بها
واتبعوا الأباطيل الذاهبة ، وذكروا الأقاويل الكاذبة فذكر لهم أنباء المهلكين بالآيتين تخويفاً
لهم، وهذا هو الترتيب الحكمى، ولهذا قال بعد الآيات (حكمة بالعة) أى هذه حكمة بالغة،
والأنباء هى الأخبار العظام ، ويدلك على صدقه أن فى القرآن لم يرد النبأ والأنباء إلا لما له وقعقال
(وجئتكٍ من سبأ بنبأ يقين) لأنه كان خبراً عظيما. وقال (إن جاءكم فاسق بنبأ) أى محاربة أو مسالمة
وما يشبهه من الأمور العرفية، وإنما يجب التثبت فيما يتعلق به حكم ويترتب عليه أمر ذو بال،
وكذلك قال تعالى ( ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك ) فكذلك الأنباء ههنا، وقال تعالى عن
موسى (لعلى آتيكم منها بخير أو جذوة) حيث لم يكن يعلم أنه يظهرله شىء عظيم يصلح أن يقال له نبأ

٣٣
قوله تعالى : حكمه بالغه فما تغنى النذر. سورة القمر.
حِكْمَةٌ بَلِغَّةً فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ ◌ّ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الذَّاعِ إِلَى شَىْءٍ تُكُ ◌ّ
ولم يقصده ، والظاهر أن المراد أنباء المهلكين بسبب التكذيب وقال بعضهم المراد القرآن، وتقديره
جاء فيه الأنباء، وقيل قوله (جاءكم من الأنباء) يتناول جميع ماورد فى القرآن من الزواجر والمواعظ
وماذكر ناه أظهرلة وله (فيه مزدجر) وفى (ما) وجهان (أحدهما) أنها موصولة أى جاءكم الذى فيهمزدجر
(ثانيهما) موصوفة تقديره (جاءكم من الأنباء) شىء موصوف بأن فيه (مزدجر) وهذا أظهر والمزدجر
فيه وجهان أحدهما ازدجار وثانيهما موضع ازدجار، كالمرتقى، ولفظ المفعول بمعنى المصدر كثير.
لأن المصدر هو المفعول الحقيقى .
ثم قال تعالى ﴿حكمة بالغة﴾ وفيه وجوه (الأول) على قول من قال (ولقد جاءهم من الأنباء)
المراد منه القرآن، قال (حكمة بالغة) بدل كأنه قال ولقد جاءهم حكمة بالغة ( ثانيها) أن يكون بدلا
عن ما فى قوله ( ما فيه مزدجر ) (الثانى) حكمة بالغة خبر مبتدأ محذوف تقديره هذه حكمة بالغة
والإشارة حينئذ تحتمل وجوها (أحدها) هذا الترتيب الذى فى إرسال الرسول وإيضاح الدليل
والإنذار بمن مضى من القرون وانقضى حكمة بالغة ( ثانيها) إنزال ما فيه الأنباء ( حكمة بالغة)
( ثالثها ) هذه الساعة المقتربة والآية الدالة عليها حكمة (الثالث ) قرى. بالنصب فيكون حالا وذو
الحال ما فى قوله ( ما فيه مزدجر ) أى جاءكم ذلك حكمة ، فإن قيل إن كان ما موصولة تكون
معرفة فيحسن كونه ذا الحال فأما إن كانت بمعنى جاءهم من الأنباء شىء فيه ازدجار يكون منكراً
وتفكير ذى الحال قبيح نقول كونه موصوفاً يحسن ذلك.
وقوله ﴿ٍ فما تغنى النذر﴾ فيه وجهان (أحدهما) أن ما نافية، ومعناه أن النذر لم يبعثوا ليغنوا
ويلجئوا قومهم إلى الحق، وإنما أرسلوا مبلغين وهو كقوله تعالى (فإن أعرضوا فما أرسلناك
عليهم حفيظاً) ويؤيد هذا قوله تعالى (فتولى عنهم ) أى ليس عليك ولا على الأنبياء الإغناء
والإلجاء ، فإذا بلغت فقد أتيت بما عليك من الحكمة البالغة التى أمرت بها بقوله تعالى (ادع
إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة) وتول إذا لم تقدر (ثانيهما) ما استفهامية، ومعنى الآيات
حينئذ أنك أتيت بما عليك من الدعوى وإظهار الآية عليها وكذبوا فأنذرتهم بما جرى على
المكذبين فلم يفدهم فهذه حكمة بالغة وما الذى تغنى النذر غير هذا فلم يبق عليك شىء آخر .
قوله تعالى ﴿ فتولى عنهم﴾ قد ذكرنا أن المفسرين يقولون إلى قوله (تولى) منسوخ وليس
كذلك، بل المراد منه لا تناظرهم بالكلام .
ثم قال تعالى ﴿ يوم يدع الداع إلى شىء نكر﴾ قد ذكرنا أيضاً أن من ينصح شخصاً ولا يؤثر
فيه النصح يعرض عنه ويقول مع غيره ما فيه نصح المعرض عنه، ويكون فيه قصد إرشاده أيضاً
فقال بعد ما قال ( فتول عنهم يوم يدع الداع) ( يخرجون من الأجداث) للتخويف، والعامل
الفخر الرازي - ج ٢٩ م ٣

٣٤
قوله تعالى : خشعاً ابصارهم يخرجون. سورة القمر.
◌ُتَّعًا أَبْصَُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ ◌َادُ مُنْقَشِرْچٌ
فى (يوم) هو ما بعده، وهو قوله (يخرجون من الأجداث) والداعى معرف كالمنادى فى قوله (يوم
ينادى المناد) لأنه معلوم قد أخبر عنه، فقيل إن مناديا ينادى وداعياً يدعو وفى الداعى وجوه أحدها ...
أنه إسرافيل (وثانيها) أنه جبريل ( وثالثها) أنه ملك موكل بذلك والتعريف حيث لا يقطع حد
العلمية، وإنما يكون ذلك كقولنا جاء رجل فقال الرجل، وقوله تعالى إلى شىء ذكر) أى منكر
وهو يحتمل وجوهاً (أحدها) إلى شىء فكر فى يومنا هذا لأنهم أنكروه أى يوم يدعو الداعى إلى
الشىء الذى أنكروه يخرجون (ثانيها) نكر أى منكر يقول ذلك القائل كان ينبغى أن لا يكون أى
من شأنه أن لا يوجد يقال فلان ينهى عن المنكر ، وعلى هذا فهو عندهم كان ينبغي أن لا يقع لأنه
يرديهم فى الهاوية، فان قيل ماذلك الشىء الشكر؟ تقول الحساب أو الجمع له أو النشر للجمع، وهذا
أقرب، فإن قيل النشر لا يكون منكراً فإنه إحياء ولأن الكافر من أين يعرف وقت النشر وما يجرى
عليه لينكره؟ نقول يعرف ويعلم بدليل قوله تعالى عنهم ( يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا).
ثم قال تعالى ﴿خشعاً أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر﴾ وفيه قراءات
خاشعاً وخاشعة وخشعاً. فمن قرأ خاشعاً على قول القائل: يخشع أبصارهم على ترك التأنيت لتقدم
الفعل ومن قرأ خاشعة على قوله ( تخشع أبصارهم) ومن قرأ خشعاً فله وجوه (أحدها) على قول
من يقول يخشعن أبصارهم على طريقة من يقول: أكاونى البراغيث (ثانيها) فى (خشماً) ضميرا
أبصارهم بدل عنه، تقديره يخضعون أبصارهم على بدل الاشتمال كقول القائل: أعجبنى حسنهم.
( ثالثها) فيه فعل مضمر يفسره يخرجون تقديره يخرجون خشعاً أبصارهم على بدل الاشتمال
والصحيح خاشعاً، روى أن مجاهداً رآى النبي صلى الله عليه وسلم فى منامه فقال له يانى الله خشداً
أبصارهم أو خاشعاً أبصارهم ؟ فقال عليه السلام خاشعاً، ولهذه القراءة وجه آخر أعظم مما قالوه
وهو أن يكون خشعاً منصوباً على أنه مفعول بقوله ( يوم يدع الداع) خشعاً أى يدعو هؤلاء،
فإن قيل هذا فاسد من وجوه (أحدها ) أن التخصيص لا فائدة فيه لأن الداعى يدعو كل أحد ،
( ثانيها) قوله ( يخرجون من الأجداث ) بعد الدعاء فيكونون خشماً قبل الخروج وإنه باطن ،
(ثالثها) قراءة خاشعاً تبطل هذا، نقول أما الجواب عن الأول فهو أن يقال قوله ( إلى شىء نكر)
يدفع ذلك لأن كل أحد لا يدعى إلى شىء نكر وعن الثانى المراد (من شىء ذكر) الحساب العسر
يعنى يوم يدع الداع إلى الحساب العسر خشماً ولا يكون العامل فى ( يوم يدعو ) يخرجون بل
اذكروا، أو (فما تغنى النذر) كما قال تعالى (فما تنفعهم شفاعة الشافعين) ويكون يخرجون ابتداء
كلام ، وعن الثالث أنه لامنافاة بين القراءتين ؛ وخاشعاً نصب على الحال أو على أنه مفعول يدعو

٣٥
قوله تعالى : مهطعين إلى الداع. سورة القمر . .
مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَفِرُونَ هَذَا يَوْمُ عَسِرُ ◌ّ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ
نُوحٍ فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا وَقَالُواْ مَجْنُونٌ وَأَزْدُِرَچ
كأنه يقول يدعو الداعى قوماً خاشعة أبصارهم والخشوع السكون قال تعالى (وخشعت الأصوات)
وخشوع الأبصار سكونها على كل حال لا تنفلت يمنة ولا يسرة كما فى قوله تعالى (لا يرتد إليهم طرفهم)
وقوله تعالى (يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر) مثلهم بالجراد المنتشر فى الكثرة والمرج،
ويحتمل أن يقال: المنتشر مطاوع نشره إذا أحياه فكأنهم جراد يتحرك من الأرض ويدب إشارة
إلى كيفية خروجهم من الأجداث وضعفهم.
ثم قال تعالى ﴿مهطعين إلى الداع﴾ أى مسرعين إليه انقياداً ﴿يقول الكافرون هذا يرم
عسر﴾ يحتمل أن يكون العامل الناصب ليوم فى قوله تعالى ( يوم يدع الداع) أى يوم دعو
الداعى ( يقول الكافرون هذا يوم عسر )، وفيه فائدتان (إحداهما) تنبيه المؤمن أن ذلك اليوم
على الكافر عسير لفحسب ، كما قال تعالى ( فذلك يوم عسير، على الكافرين غير يسير ) يعنى له عسر
لا يسر معه (ثانيتهما ) هى أن الأمرين متفقان مشتركان بين المؤمن والكافر، فإن الخروج من
الأجداث كأنهم جراد والانقطاع إلى الداعى يكون للمؤمن فانه يخاف ولا يأمن العذاب إلا
بإيمان اللّه تعالى إياه فيؤتيه الله الثواب فيقى الكافر فيقول (هذا يوم عسر).
ثم إنه تعالى أعاد بعض الأنباء فقال ﴿ كذبت قبلهم قوم نوح فكذوا عبدنا وقالوا مجنون
وازدجر﴾ فيها تهوين وتسلية لقلب محمد صلى الله عليه وسلم فإن حاله كمال من تقدمه وفيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ إلحاق ضمير المؤنث بالفعل قبل ذكر الفاعل جائز بالاتفاق وحسن ،
وإحاق ضمیر الجمع به قبيح عند الأ کثرین ، فلا يجوزون کذبوا قوم نوح ، وجوزون كذبت
ذا الفرق ؟ نقول التأنيث قبل الجمع لأن الأنوثة والذكورة للفاعل أمر لا يتبدل ولم تحصل الأنوثة
للفاعل بسبب فعلها الذى هو فاعله فليس إذا قلنا ضربت هذه كانت هذه أثنى لأجل الضرب بخلاف
الجمع ، لأن الجمع للفاعلين بسبب فعلهم الذى هم فاعلوه، ((إنا إذا قلنا جمع ضربوا وثم ضاربون
ليس مجرد اجتماعهم فى الوجود يصحح قولنا ضربوا وهم صاربون، لأنهم إن اجتمعوا فى مكان
فهم جمع، ولكن إن لم يضرب الكل لا يصح قولنا ضربوا ، فضمير الجمع من الفعل فاعلون
جمعهم بسبب الاجتماع فى الفعل والفاعلية ، وليس بسبب الفعل ، فلم يجز أن يقال ضربوا جمع ،
لأن الجمع لم يفهم إلا بسبب أنهم ضربوا جميعهم، فينبغى أن يعلم أولا اجتماعهم فى الفعل، فيقول
الضاربون ضريرا، وأما ضربت هند فصحيح ، لأنه لا يضح أن يقال التأنيث لم يفهم إلا بسبب
أنها ضربت ، بل هى كانت أنثى فوجد منها ضرب فصارت ضاربة ، وليس الجمع كانوا جميعاً فضربوا

٣٦
قوله تعالى : كذبت قبلهم قوم نوح. سورة القمر.
فصاروا ضاربين ، بل صاروا ضاربين لاجتماعهم فى الفعل. ولهذا ورد الجمع على اللفظ بعد ورود
التأنيث عليه فقيل ضاربة وضاربات ولم يجمع اللفظ أولا لأنثى ولا لذكر، ولهذا لم يحسن أن
يقال ضرب هند، وحسن بالإجماع ضرب قوم والمسلمون .
﴿ المسألة الثانية﴾ لما قال تعالى (كذبت) ما الفائدة فى قوله تعالى (فكذبو أعبدنا) ؟ نقول الجواب
عنه من وجوه (الأول ) أن قوله ( كذبت قبلهم قوم نوح) أى بآياتنا وآية الانشقاق فكذبوا
( الثانى) ( کذبت قوم نوح الرسل) وقالوا لم يبعث الله رسولا و کذبوهم فى التوحيد ( فكذبوا
عبدنا) كما كذبوا غيره وذلك لأن قوم نوح مشركون يعبدون الأصنام ومن يعبدالأصنام يكذب
كل رسول وينكر الرسالة لأنه يقول لا تعلق لله بالعالم السفلى وإنما أمره إلى الكواكب فكان
مذهبهم التكذيب فكذبوا (الثالث ) قوله تعالى ( فكذبو عبدنا ) للتصديق والرد عليهم تقديره
(كذبت قوم نوح) وكان تكذيبهم عبدنا أى لم يكن تكذيباً بحق كما يقول القائل كذبنى فكذب صادقاً.
﴿ المسألة الثالثة ) كثيراً مايخص الله الصالحين بالإضافة إلى نفسهكما فى قوله تعالى(إن عبادي،
يا عبادى، واذكر عبدنا، إنه من عبادنا) وكل واحد عبده فما السرفيه ؟ نقول الجواب عنه من وجوه
(الأول ) ما قيل فى المشهور أن الإضافة إليه تشريف منه فمن خصصه بكونه عبده شرف وهذا
كقوله تعالى ( أن طهرا بيتى) وقوله تعالى (ناقة اللّه) (الثانى) المراد من عبدنا أى الذى عبدنا
فالكل عباد لأنهم مخلوقون للعبادة لقوله ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) لكن منهم من
عبد حقق المقصود فصار عبده، ويؤيد هذا قوله تعالى (كونواعبادالى) أى حققوا المقصود (الثالث)
الإضافة تفيد الحصر فمعنى عبدنا هو الذى لم يقل بمعبود سوانا، ومن اتبع هواه فقد اتخذ إلهاً فالعبد
المضاف هو الذى بكليته فى كل وقت لله فأكله وشربه وجميع أموره لوجه الله تعالى وقليل ماهم .
﴿ المسألة الرابعة﴾ ما الفائدة فى اختيار لفظ العبد مع أنه لو قال رسولنا لكان أدل على قبح
فعلهم؟ نقول قوله عبدنا أدل على صدقه وقبح تكذيبهم من قوله رسولنا لوقاله لأن العبد أقل تحريفاً.
لكلام السيد من الرسول، فيكون كقوله تعالى ( ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه
باليمين ثم لقطعنا منه الوتين )
﴿ المسألة الخامسة﴾. قوله تعالى وقالوا (مجنون) إشارة إلى أنه أتى بالآيات الدالة على صدقه
حيث رأوا ما جزوا منه ، وقالوا هو مصاب الجن أو هو لزيادة بيان قبح صنعهم حيث لم يقدموا
بقولهم إنه كاذب، بل قالوا مجنون، أى يقول مالا يقبله عاقل، والكاذب العاقل يقول ما يظن به
أنه صادق فقالوا (مجنون) أى يقول مالم يقل به عاقل فبين مبالغتهم فى التكذيب.
﴿المسألة السادسة﴾ (وازدجر) إخبار من الله تعالى أو حكاية قولهم، نقول فيه خلاف
منهم من قال إخبار من اللّه تعالى وهو عطف على كذبوا ، وقالوا أى هم كذبوا وهو (ازدجر) أي !..
أو ذیوز جر ، وهو کقوله تعالى ( کذبوا وأوذوا) وعلىهذا إن قیللو قال کذبوا عبدناوزجروه

٣٧
قوله تعالى : فدعا ربه أني مغلوب فانتصر. سورة القمر،
فَدَعَ رَ بٍَُّ أَلِى مَغْلُوبٌ فَأَنْتَصِرْ لَه فَفَتَحْنَا أَبُوَبَ السَّمَاءِ بِمَآءٍ مُنْهَمٍِ ﴾
كان الكلام أكثر مناسبة، نقول لا بل هذا أبلغ لأن المقصود تقوية قلب النبى صلى الله عليه وسلم
بذكر من تقدمه فقال وازدجر أى فعلوا ما يوجب الانزجار من دعائهم حتى ترك دعوتهم وعدل
عن الدعاء إلى الإيمان، إلى الدعاء عليهم ، ولو قال زجروه ما كان يفيد أنه تأذى منهم لأن فى السعة
يقال آذونى ولكن ما تأذيت ، وأما أوذيت فهو كاللازم لا يقال إلا عند حصول الفعل لا قبله ،
ومنهم من قال (وازد حر) حكاية قولهم أى هم قالوا ازدجر، تقديره قالوا مجنون مزدجر، ومعناه:
ازدجره الجن أو كأنهم قالوا جن وازدجر ، والأول أصح ويترتب عليه:
قوله تعالى: ﴿ فدعا ربه أبى مغلوب فانتصر﴾ ترتيباً فى غاية الحسن لأنهم لما زجروه وانزجر
هو عن دعائهم دعا ربه أنى مغلوب وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى) قرى. إنى بكسر الهمزة على أنه دعاء، فكأنه قال إنى مغلوب، وبالفتح
على معنى بأنى .
المسألة الثانية) مامعنى مغلوب؟ نقول فيه وجوه (الأول) غلبنى الكفار فانتصر لى منهم
( الثانى) غلتى نفسى وحملتى على الدعاء عليهم فانتصر لى من نفسى، وهذا الوجه نقله ابن عطية.
وهو ضعيف (الثالث) وجه مركب من الوجهين وهو أحسن منهما وهو أن يقال إن النبى صلى الله
عليه وسلم لا يدعو على قومه مادام فى نفسه احتمال وحلم، واحتمال نفسه يمتد ما دام الإيمان
منهم محتملا، ثم إن بأسه يحصل والاحتمال يفر بعد اليأس بمدة، بدليل قوله تعالى لمحمد صلى الله عليه
وسلم (لعلك باخع نفسك)، (فلا تذهب نفسك عليهم حسرات) وقال تعالى (ولا تخاطبى فى الذين
ظلموا إنهم مغرقون) فقال نوح يا إلهى إن نفسى غلبتنى وقد أمرتنى بالدعاء عليهم فأهلكهم .
فيكون معناه {إنى] مغلوب بحكم البشرية أى غلبت وعيل صبرى فانتصر لى منهم لا من نفسى.
﴿ المسألة الثالثة﴾ فانتصر معناه انتصر لى أو لنفسك فإنهم كفروا بك وفيه وجوه (أحدها )
فانتصرلى مناسب لقوله مغلوب (ثانيها) فانتصرلك ولدينك فإنى غلبت وعجزت عن الانتصار لدينك
(ثالثها) فانتصر للحق , لا يكون فيه ذكره ولا ذكر ربه، وهذا يقوله قوى النفس بكون الحق معه،
يقول القائل اللهم أهلك الكاذب منا ، وانصر المحق منا .
قوله تعالى: ﴿ ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر﴾ عقيب دعائه، وفيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ المراد من الفتح والأبواب والسماء حقائقها أو هو مجاز؟ نقول فيه قولان
( أحدهما ) حقائقها وللسماء أبواب تفتح وتغلق ولا استبعاد فيه (وثانيهما) هو على طريق
الاستعارة ، فإن الظاهر أن الماء كان من السحاب، وعلى هذا فهو كما يقول القائل فى المطر الوابل
جرت ميازيب السماء وفتح أفواه القرب أى كأنه ذلك، فالمطر فى الطوفان كان بحيث يقول القائل:

٣٨
قوله تعالى : وفجرنا الارض عيونا. سورة القمر.
وََّرْنَا الْأَرْضَ عَيُونًا فَالْتَّقَ الْمَآءُ عَلَّ أَمْرٍ قَدْ قُدرَ
فتحت أبواب السماء، ولا شك أن المطر من فوق كان فى غاية الهطلان .
المسألة الثانية﴾ قوله تعالى ( ففتحنا) بيان أن الله انتصر منهم وانتقم بما لا يجند أنزله ،
كما قال تعالى ( وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين ، إن كانت إلا
صيحة واحدة) بياناً لكمال القدرة، ومن العجيب أنهم كانوا يظليون المطر سنين فأهلكهم
بمطلوبهم.
﴿ المسألة الثالثة) الباء فى قوله ( بماء منهمر) ما وجهه، وكيف موقعه؟ نقول فيه وجهان:
(أحدهما ) كماهى فى قول القائل: فتحت الباب بالمفتاح، وتقديره: هو أن يجعل كان الماء جاء
،وفتح الباب. وعلى هذا تفسير قول من يقول: يفتح الله لك بخير. أى يقدر خيراً يأتى ويفتح
الباب ، وعلى هذا فقيه لطيفة وهى من بدائع المعانى ، وهى أن يجعل المقصود مقدماً فى الوجود ،
ويقول كان مقصودك جاء إلى باب مغلق ففتحه وجاءك، وكذلك قول القائل: لعل الله يفتح
برزق ، أی یقدر رزقاً یأتی إلى الباب الذى كامغلق فيدفعه و یفتحه، فیکون الله قد فتحه بالرزق
(ثانيهما) (فتحنا أبواب السماء) مقرونة (بماء منهمر) والانهمار الانسكاب والانصباب صباً
شديداً، والتحقيق فيه أن المطر يخرج من السماء التى هى السحاب خروج مترشح من ظرفه ، وفى
ذلك اليوم كان يخرج خروج مرسل خارج من باب .
ي:
قوله تعالى: ﴿وجرنا الأرض عيوناً فالتقى الماء على أمر قد قدر﴾ وفيه من البلاغة ما ليس
فى قول القائل: وجرنا عيون الأرض، وهذا بيان التمییزفی کثیر من المواضع، إذا قلت ضاق زيد
ذرعاً ، أُثبت مالا يثبته قولك ضاق ذرع زيد ، وفيه مسائل :
١
المسألة الأولى﴾ قال (وجرنا الأرض عيونً) ولم يقل ففتحنا السماء أبواباً، لأن السماء
أعظم من الأرض وهى للمبالغة، ولهذا قال ( أبواب السماء) ولم يقل أنابيب ولا منافذ ولا مجارى
أو غيرها .
وأما قوله تعالى (وجرنا الأرض عيوناً) فهو أبلغ من قوله: وجرنا عيون الأرض ، لأنه
يكون حقيقة لا مبالغة فيه، ويكفى فى صحة ذلك القول أن يجعل فى الأرض عيوناًثلاثة، ولا
يصلح مع هذا فى السماء إلا قول القائل: فأنزلنا من السماء ماء أو مياهاً، ومثل هذا الذى ذكرناه
فى المعنى لا فى المعجزة، والحكمة قوله تعالى (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع فى
الأرض) حيث لامبالغة فيه، وكلامه لا يماثل كلام الله ولا يقرب منه، غير أنى ذكرته مثلا (ولله
المثل الأعلى).
﴿ المسألة الثانية﴾ العيون فى عيون الماء حقيقة أو مجاز ؟ نقول المشهور أن لفظ العين

٣٩
قوله تعالى : وحملناها على ذات الواح ودسر. سورة القمر.
وَخَلْنَهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَجٍ وَدُسُرٍ ([8] تَجْرِى بِأَعْيُنِنَا
مشترك، والظاهر أنها حقيقة فى العين التى هى آلة الأبصار ومجاز فى غيرها , أما فى عيون الماء
فلأنها تشبه العين الباصرة التى يخرج منها الدمع، أو لأن الماء الذى فى العين كالنور الذى فى العين
غير أنها مجاز مشهور صار غالباً حتى لا يفتقر إلى القرينة عند الاستعمال إلا للتمييز بين العينين،
فكما لا يحمل اللفظ على العين الباصرة إلا بقرينة ، كذلك لا يحمل على الفوارة إلا بقرينة مثل:
شربت من العين واغتسلت منها ، وغير ذلك من الأمور التى توجد فى البنبوع ، ويقال عامه يعينه
إذا أصابه بالعين، وعينه تعييناً، حقيقته جعله بحيث تقع عليه العين، وعاينه معاينة وعياناً، وعين
أى صار بحيث تقع عليه العين .
المسألة الثالثة) قوله تعالى ( فالتقى الماء) قرى. فالتقى الماءان، أى النوعان، منهماء السماء
وماء الأض، فتثنى أسماء الأجناس على تأويل صنف ، تجمع أيضاً، يقال عندى تمران وتمور
وأتمار على تأويل نوعين وأنواع منه. والصحيح المشهور (فالتقى المساء) وله معنى لطيف، وذلك
أنه تعالى لما قال ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر) ذكر الماء وذكر الانهمار وهو النزول بقوة ،
فلما قال (وجرنا الأرض عيوناً) كان من الحسن البديع أن يقول ما يفيد أن الماء نبع منها بقوة،
فقال ( فالتقى الماء) أى من العين فار الماء بقوة حتى ارتفع والتقى بماء السماء، ولو جرى جرياً
ضعيفاً لما كان هو يلتقى مع ماء السماء بل كان ماء السماء يرد عليه ويتصل به، ولعل المراد من قوله
(وفار التنور ) مثل هذا.
وقوله تعالى ( على أمر قد قدر) فيه وجوه (الأول) على حال قد قدرها الله تعالى كماشا.
(الثانى) على حال قدر أحد الماءين بقدر الآخر (الثالث) على سائر المقادير، وذلك لأن الناس
اختلفوا، فمنهم من قال: ماء السماء كان أكثر، ومنهم من قال: ما. الأرض، ومنهم من قال كانا
متساويين، فقال على أى مقدار كان، والأول إشارة إلى عظمة أمر الطوفان، فإن تذكير الأمر
يفيد ذلك ، يقول القائل : جرى على فلان شىء لا يمكن أن يقال ، إشارة إلى عظمته، وفيه احتمال
آخر، وهو أن يقال التقى الماء، أى اجتمع على أمر هلاكهم، وهو كان مقدوراً مقدراً، وفيه
رد على المنجمين الذين يقولون: إن الطوفان كان بسبب اجتماع الكواكب السبعة حول برج مائى،
والغرق لم يكن مقصوداً بالذات ، وإنما ذلك أمر لزم من الطوفان الواجب وقوعه، فقال لم يكن
ذلك إلا لأمر قد قدر، ويدل عليه أن الله تعالى أوحى إلى نوح بأنهم من المغرقين.
وقوله تعالى ﴿وحملناه على ذات ألواح ودسر تجرى بأعيننا﴾ أى سفينة، حذف الموصوف
وأقام الصفة مقامه، إشارة إلى أنها كانت من ألواح مركبة موثقة بدثر ، وكان انفكاكها فى غاية
السهولة ، ولم يقع فهو بفضل الله، والدسر المسامير.

:
٤٠
قوله تعالى : جزاء لمن كان كفر. سورة القمر.
جَزَآءَ لِمَن كَانَ كُفَرَ
وقوله تعالى (تجرى) أى سفينة ذات ألواح جارية، وقوله تعالى ( بأعيننا) أى مر أى منا أو
بحفظنا، لأن العين آلة ذلك فتستعمل فيه .
قوله تعالى: ﴿جزاء لمن كان كفرا﴾ يحتمل وجوهاً (أحدها) أن يكون نصبه بقوله (حملناه)
أى حملناه جزاء ، أى ليكون ذلك الحمل جزاء الصبر على كفرانهم (وثانيها) أن يكون بقوله
(تجرى بأعيننا ) لأن فيه معنى حفظنا، أى مانز كناه عن أعيننا وعوننا جزاء له ( ثالثها ) أن يكون
بفعل حاصل من مجموع ما ذكره كأنه قال . فتحنا أبواب السماء وبجريا الأرض عيوناً وحملناه ،
وكل ذلك فعلناه جزاء له ، وإنما ذكرنا هذا ، لأن الجزاء ما كان يحصل إلا بحفظه وإنجابه لهم،
فوجب أن يكون جزاء منصوباً بكونه مفعولا له بهذه الأفعال، ولنذكرمافيه من اللطائف فى مسائل:
المسألة الأولى﴾ قال فى السماء (ففتحنا أبواب السماء) لأن السماء ذات الرجع وما لها
فطور، ولم يقل: وشققنا السماء، وقال فى الأرض (وجرنا الأرض) لأنها ذات الصدع.
( الثانية) لما جعل المطر كالماء الخارج من أبواب مفتوحة واسعة، ولم يقل فى الأرض
وأجرينا من الأرض بحلواً وأنهاراً، بل قال (عيوناً) والخارج من العين دون الخارج من الباب
ذكر فى الأرض أنه تعالى جرها كلها، فقال (وجرنا الأرض) لتقابل كثرة عيون الأرض سعة
أبواب السماء فيحصل بالكثرة ههنا ما حصل بالسعة ههنا.
﴿ الثالثة ) ذكر عند الغضب سبب الإهلاك وهو فتح أبواب السماء وجز الأرض بالعيون،
وأشار إلى الإهلاك بقوله تعالى (على أمر قد قدر) أى أمر الإهلاك ولم يصرح وعند الرحمة
ذكر الإيجاء صريحاً بقوله تعالى (وحملناه). وأشار إلى طريق النجاة بقوله ( ذات ألواح) وكذلك
قال فى موضع آخر فأخذهم الطوفان، ولم يقل فأهلكوا ، وقال فانجيناه وأصحاب السفينة فصرح
بالإنجاء ولم يصرح بالإهلاك إشارة إلى سعة الرحمة وغاية الكرم أى خلقنا سبب الهلاك ولو رجعوا
لما ضرهم ذلك السبب كما قال صلى الله عليه وسلم (يانى اركب معنا) وعند الإنجاء أنجاه وجعل
للتجاة طريقاً وهو اتخاذ السفينة ولو انكسرت لما ضره بل كان ينجيه فالمقصود عند الإنجاء هو
النجاة فذكر المحل والمقصود عند الإهلاك إظهار البأس فذكر السبب صريحاً .
﴿الرابعة) قوله تعالى (تجرى بأعيننا) أبلغ من حفظنا، يقول القائل اجعل هذا نصب عينك
ولا يقول احفظه طلباً البالغة.
﴿ الخامسة) (بأعيننا) يحتمل أن يكون المراد بحفظنا، ولهذا يقال الرؤية لسان العين.
﴿السادسة) قال كان ذلك جزاء على ما كفروا به لا على إيمانه وشكره فماجوزى به كان
جزاء صبره على كفرهم، وأما جزاء شكره لنا فباق، وقرى. ( جزاء) بكسر الجيم أى مجازاة كقتال