Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
قوله تعالى : ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات . سورة الفتح .
لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحِْهَا الْأَنْهُ خَلِنَ فِيهَا
وَيُكَفِرَ عَنْهُمْ سَِعَانِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيً ◌ّ
(ثانيها) أنزل السكينة عليهم فصبروا فرأوا عين اليقين بما علموا من النصر علم اليقين إيماناً بالغيب
فازدادوا إيماناً مستفاداً من الشهادة مع إيمانهم المستفاد من الغيب (ثالثها) ازدادوا بالفروع مع
إيمانهم بالأصول، فإنهم آمنوا بأن محمداً رسول الله وأن الله واحد والحشر كان وآمنوا بأن كل
ما يقول النبى صلى الله عليه وسلم صدق وكل ما يأمر الله تعالى به واجب (رابعها) ازدادوا إيماناً
استدلالياً مع إيمانهم الفطرى ، وعلى هذا الوجه نبين لطيفة وهى أن اللّه تعالى قال فى حق الكافر
(أنما نملى لهم ليزدادى إثماً) ولم يقل مع كفرهم لأن كفرهم عنادى وليس فى الوجود كفر فطرى
لينضم إليه الكفر العنادى بل الكفر ليس إلا عنادياً وكذلك الكفر بالفروع لا يقال انضم إلى
الكفر بالأصول لأن من ضرورة الكفر بالأصول الكفر بالفروع وليس من ضرورة الإيمان
بالأصول الإيمان بالفروع بمعنى الطاعة والانقياد فقال (ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم) وقوله (ولله
جنود السموات والأرض) فكان قادراً على إهلاك عدوه بجنوده بل بصيحة ولم يفعل (بل أنزل
السكينة على المؤمنين ) ليكون إهلاك أعدائهم بأيديهم فيكون لهم الثواب، وفى جنود السموات
والأرض وجوه (أحدها) ملائكة السموات والأرض (ثانيها) من فى السموات من الملائكة
ومن فى الأرض من الحيوانات والجن (وثالثها) الأسباب السماوية والأرضية حتى يكون سقوط
كسف من السماء والخسف من جنوده، وقوله تعالى (وكان الله عليما حكيما) لما قال ( ولله جنود
السموات والأرض) وعددهم غير محصور، أثبت العلم إشارة إلى أنه ( لا يعزب عنه مثقال ذرة فى
السموات ولا فى الأرض) وأيضاً لما ذكر أمر القلوب بقوله (هو الذى أنزل السكينة فى قلوب
المؤمنين) والإيمان من عمل القلوب ذكر العلم إشارة إلى أنه يعلم السر وأخفى، وقوله (حكيما) !عد
قوله (عليهما ) إشارة إلى أنه يفعل على وفق العلم فإن الحكيم من يعمل شيئاً متقناً ويعلمه ، فإن من
يقع منه صنع مجيب اتفاقاً لا يقال له حكيم. ومن يعلم ويعمل على خلاف العلم لا يقال له حكيم.
قوله تعالى : ﴿ليدخل المؤمنين و المؤمنات جنات تجرى من الأنهار خالدين فيها ويكفرعهم
سيئاتهم وكان ذلك عند الله فوزاً عظيما ﴾ .
يستدعى فعلا سابقاً ( ليدخل ) فإن من قال ابتداء لتكر منى لا يصح ما لم يقل قبله جشك أو ما يقوم
مقامه وفى ذلك الفعل وجوه وضبط الأحوال فيه بأن تقول ذلك الفعل إما أن يكون مذكوراً بصريحه
أولا يكون ، وحينئذ ينبغى أن يكون مفهوماً، فإما أن يكون مفهوماً من لفظ يدل عليه بل فهم بقرينة
حالية فان كان مذكوراً فهو يحتمل وجوهاً (أحدها) قوله ( ليزدادوا إيماناً) كانه تعالى أنزل السكينة
الفخر الرازي - ج ٢٨ م ٦

٨٢
قوله تعالى : ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات . سورة الفتح .
ليزدادوا إيماناً بسبب الإزال ليدخلهم بسبب الإيمان جنات، فإن قيل فقوله (يعذب) عطف على
قوله (ليدخل) وازدياد إيمانهم لا يصلح سبباً لتعذيبهم، نقول بلى وذلك من وجهين (أحدهما)
أن التعذيب مذكور لكونه مقصوداً للؤمنين، كأنه تعالى يقول بسبب ازديادكم فى الإيمان
يدخلكم فى الآخرة جنات ويعذب بأيديكم فى الدنيا الكفار والمنافقين (الثانى) تقديره ويعذب
بسبب مالكم من الازدياد ، يقال فعلته لأجرب به العدو والصديق أى لأعرف بوجوده الصديق
و بعدمه العدو فكذلك ايزداد المؤمن إيماناً فيدخله الجنة ويزداد الكافر كفراً فيعذبه به ( ووجه
آخر ثالث ) وهو أن سبب زيادة إيمان المؤمنين بكثرة صبرهم وثباتهم فيعى المنافق والكافر معه
ويتعذب وهو قريب ما ذكرنا (الثانى) قوله (وينصرك الله) كأنه تعالى قال وينصرك الله بالمؤمنين
ليدخل المؤمنين جنات (الثالث ) قوله ( ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك) على قولنا المراد ذنب
المؤمن كأنه تعالى قال ليغفر لك ذنب المؤمنين، ليدخل المؤمنين جنات، وأما إن قلنا هو مفهوم
من لفظ غير صريح فيحتمل وجوهاً أيضاً (أحدها) قوله ( حكيما) يدل على ذلك كأنه تعالى قال
الله حكيم، فعل ما فعل ليدخل امؤمنین جنات ( و ثانیها) قوله تعالى( و يتم نعمته عليك) فى الدنيا
والآخرة ، فيستجيب دعاءك فى الدنيا ويقبل شفاعتك فى العقبى (ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات)
( ثالثها) قوله ( إنا فتحنا لك) ووجهه هو أنه روى أن المؤمنين قالوا التى يت لائم هنيئاً لك إن الله
غفرلك فماذا لنا ؟ فيزات هذه الآية كأنه تعالى قال: إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ليغفر لك وفتحنا
للمؤمنين ليدخلهم جنات، وأما إن قلنا إن ذلك مفهوم من غير مقال بل من قرينة الحال ، فنقول
هو الأمر بالقتال لأن من ذكر الفتح والنصر علم أن الحال حال القتال، فكأنه تعالى قال إن الله
تعالى أمر بالقتال ليدخل المؤمنين، أو نقول عرف من قريئة الحال أن الله اختار المؤمنين
ليدخلهم جنات .
المسألة الرابعة ﴾ قال ههنا وفى بعض المواضع (المؤمنين والمؤمنات) وفى بعض المواضع
ا کتفی بذکر المؤمنین ودخلت ااؤمنات فيهم كما فى قوله تعالى (وبشر المؤمنين) وقوله تعالى
(قد أفلح المؤمنون) فما الحكمة فيه ؟ نقول فى المواضع التى فيها مايوم اختصاص المؤمنين بالجزاء
الموعود به مع كون المؤمنات يشتركن معهم ذكرهن الله صريحاً، وفى المواضع التى ليس فيها
مایوم ذلك ا کتفى بدخولهم فى المؤمنین فقوله ( وبشر المؤمنين ) مع أنه علم من قوله تعالى ( وما
أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً) العموم لا وهم خروج المؤمنات عن البشارة، وأما ههنا
فلما كان قوله تعالى (ليدخل المؤمنين) لفعل سابق وهو إما الأمر بالقتال أو الصبر فيه أو
النصر للمؤمنين أو الفتح بأيديهم على ما كان يتوهم لأن إدخال المؤمنين كان القتال ، والمرأة
لاتقاتل فلا تدخل الجنة الموعود بها صرح الله بذكرهن، وكذلك فى المنافقات والمشركات ؛
والمنافقة والمشركة لم تقاتل فلا تعذب فصرح الله تعالى بذكرهن، وكذلك فى قوله تعالى (إن

٨٣
قوله تعالى : ويعذب المنافقين والمنافقات . سورة الفتح .
وَيُعَذِّبَ الْمُنَفِقِينَ وَالْمُنَفِقَتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَتِ الَّنِِّنَ بِاللّهِ
◌َنَّ الَّوْءِ عَيْهِمْ دَآيَةُ الَّوْءِ وَغَضِبَ اللهُ عَيْهِمْ وَعَهُمْ وَأَعَدَّلَهُمْ جَهَّ
وَلَتْ مَصِيرًا (ي وَلِلَّهِ جُنُودُ اَلَّمَنَتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللّهُ عَنِزًا حَكِيمًا
٧
المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات ) لأن الموضع موضع ذكر النساء وأحوالهن لقوله (ولا
تبرجن ، وأقن، وآتين ، وأطعن) وقوله (واذكرن ما يتلى فى بيوتكن) فكان ذكر هن هناك أصلا،
لكن الرجال لما كان لهم ما للنساء من الأجر العظيم ذكرهم وذكر هن بلفظ مفرد من غير تبعية لما
بينا أن الأصل ذكرهن فى ذلك الموضع.
المسألة الخامسة﴾ قال اللّه تعالى ( ويكفر عنهم سيئاتهم) بعد ذكر الإدخال مع أن تكفير
السيئات قبل الإدخال؟ نقول الجواب عنه من وجهين (أحدهما) الواو لا تقتضى الترتيب (الثانى)
تكفر السيئات والمغفرة وغيرهما من توابع كون المكلف من أهل الجنة ، فقدم الإدخال فى الذكر
بمعنى أنه من أهل الجنة (الثالث) وهو أن التكفير يكون بالباس خلع الكرامة وهى فى الجنة ،
وكان الإنسان فى الجنة تزال عنه قبائح البشرية الجرمية كالفضلات ، والمعنوية كالغضب والشهوة
وهو التكفير وتثبت فيه الصفات الملكية وهی أشرف أنواع الخلع ، وقوله تعالى (وكان ذلك عند
اللّه فوزاً عظيما) فيه وجهان (أحدهما) مشهور وهو أن الإدخال والتكفير فى اللّه فوز عظيم،
يقال عندى هذا الأمر على هذا الوجه ، أى فى اعتقادى ( وثانيهما) أغرب منه وأقرب منه
عقلا ، وهو أن يحمل عند الله كالوصف لذلك كانه تعالى يقول ذلك عند الله، أى بشرط أن يكون
عند الله تعالى ويوصف أن يكون عند الله فوز عظيم حتى أن دخول الجنة لو لم يكن فيه قرب
من اللّه بالعندية لما كان فوزاً.
قوله تعالى: ﴿ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين باللّه ظن السوء
عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيراً، ولله جنود السموات
والأرض وكان الله عزيزاً حكيما ﴾ .
واعلم أنه قدم المنافقين على المشركين فى الذكر فى كثير من المواضع لأمور (أحدها ) أنهم
كانوا أشد على المؤمنين من الكافر المجاهر لأن المؤمن كان يتوقى المشرك المجاهر وكان يخالط
المنافق لظنه بإيمانه، وهو كان يفشى أسراره، وإلى هذا أشار النبى معَّ له بقوله (أعدى عدوك
نفسك التى بين جنيك)) والمنافق على صورة الشيطان فإنه لا يأتى الإنسان على أنى عدوك ، وإنما

٨٤
قوله تعالى : وغضب الله عليهم . سورة الفتح .
يأتيه على أنى صديقك ، والمجاهر على خلاف الشيطان من وجه ، ولأن المنافق كان يظن أن
يتخلص للمخادعة ، والكافر لا يقطع بأن المؤمن إن غلب يفديه ، فأول ما أخبر الله أخبر عن
المنافق وقول ( الظانين بالله ظن السوء) هذا الظن يحتمل وجوهاً (أحدها) هو الظن الذى ذكره
الله فى هذه السورة بقوله ( بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول) ( ثانيها) ظن المشركين بالله فى
الإشراك كما قال تعالى ( إن هى إلا أسماء سميتوها أنتم) إلى أن قال (إن يتبعون إلا الظن وإن
الظن لا يغنى من الحق شيئاً) ( ثاثها) ظنهم أن الله لايرى ولا يعلم كماقال (ولكن ظننتم أن الله
لايعلم كثيراً مما تعملون) والأول أصح أو نقول المراد جميع ظنونهم حتى يدخل فيه ظهم الذى
ظنوا أن الله لا يحمي الموتى، وإن العالم خلقه باطل ، كما قال تعالى ( ذلك ظن الذين كفروا)
ويؤيد هذا الوجه الألف واللام الذى فى السوء وسنذكره فى قوله (ظن السوء) وفيه وجوه
(أحدها) ما اختاره المحققون من الأدباء، وهو أن السوء صار عبارة عن الفساد ، والصدق
عبارة عن الصلاح يقال مررت برجل سوء أى فاسد ، وسئلت عن رجل صدق أى صالح ،
فإذا كان مجموع قولنا رجل سوء يؤدى معنى قولنا فاسد ، فالسوء وحده يكون بمعنى الفساد ،
وهذا ما اتفق عليه الخليل والزجاج واختاره الزمخشرى، وتحقيق هذا أن السوء فى المعانى
كالفساد فى الأجساد ، يقال ساء مزاجه، وساء خلقه، وساءظنه، كما يقال فسد اللحم وفسد
الهواء، بل كل ماساء فقد فسد وكل ما فسد فقد ساء غير أن أحدهما كثير الاستعمال فى المعانى والآخر
فى الأجرام قال الله تعالى ( ظهر الفساد فى البر والبحر) وقال (ساء ما كانوا يعملون) هذا ما يظهر
لى من تحقيق كلامهم.
قوله تعالى : ﴿عليهم دائرة السوء) اى دائرة الفساد وحاق بهم الفساد بحيث لا خروج لهم منه.
ثم قال تعالى (وغضب الله عليهم) زيادة فى الإفادة لأن من كان به بلاء فقد يكون ميتلى به على
وجه الإمتحان فيكون مصاباً لكى يصير مثاباً، وقد يكون مصاباً على وجه التعذيب فقوله (وغضب
الله عليهم) إشارة إلى أن الذى حاق بهم على وجه التعذيب وقوله ( ولعنهم ) زيادة إفادة لأن
المغضوب عليه قد يكون بحيث يقنع الغاضب بالعتب والشتم أو الضرب ، ولا يفضى غضبه إلى
إبعاد المغضوب عليه من جنابه وظرده من بابه، وقد يكون بحيث ينتى إلى الطرد والإبعاد، فقال
(ولعنهم) لكون الغضب شديداً، ثم لما بين حالهم فى الدنيا بين مآلهم فى العقبى قال (وأعد لهم
جهنم وساءت مصيراً) وقوله (ساءت) إشارة لمكان التأنيث فى جهنم يقال هذه الدار نعم المكان ،
وقوله تعالى (ولله جنود السموات والأرض) قد تقدم تفهيره، وبقى فيه مسائل :
المسألة الأولى ﴾ ما الفائدة فى الإعادة؟ نقول لله جنود الرحمة وجنود العذاب أو جنود الله
إنزالهم قد يكون الرحمة، وقد يكون للعذاب فذكريم أولى لبيان الرحمة بامؤمنين قال تعالى (وكان

٨٥
قوله تعالى : إنا أرسلناك شاهداً . سورة الفتح .
١١٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠
أَنَّا أَرْسَلْنَكَ شَهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ﴾ لُِّؤْمِنُواْ بِلَّهِ وَ رَسُولِهِ، وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِرُوهُ
وَتُسَحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴾
بالمؤمنين رحيما) وثانياً لبيان إنزال العذاب على الكافرين.
﴿ المسألة الثانية﴾ قال هناك (وكان الله عليها حكيما) وهنا (وكان الله عزيزاً حكيما) لأن
قوله (ولله جنود السموات والأرض) قد بينا أن المقصود من ذكرهم الإشارة إلى شدة العذاب
فذكر العزة كما قال تعالى (أليس الله بعزيز ذى انتقام) وقال تعالى (فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر)
وقال تعالى ( العزيز الجبار )
﴿ المسألة الثالثة) ذكر جنود السموات والأرض قبل إدخال المؤمنين الجنة، وذكرم ههنا
بعد ذكر تعذيب الكفار وإعداد جهنم ، نقول فيه ترتيب حسن لأن الله تعالى ينزل جنود الرحمة
فيدخل المؤمنين مكرمين معظمين الجنة ثم يلبسهم خلع الكرامة بقوله ( ويكفر عنهم سيئاتهم ) كما
بينا ثم تكون لهم القربى والزلفى بقوله ( وكان ذلك عند الله فوزاً عظيماً) وبعد حصول القرب
والعندية لا تقى واسطة الجنود فالجنود فى الرحمة أولا ينزلون ويقربون آخراً. وأما فى الكافر
فيغضب عليه أولا فيبعد ويطرد إلى البلاد النائية عن ناحية الرحمة وهى جهنم ويسلط عليهم ملائكة
العذاب وهم جنود الله كما قال تعالى (عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم) ولذلك
ذكر جنود الرحمة أولا والقربة بقوله عند اللّه آخراً، وقال ههنا ( غضب الله عليهم ولعنهم) وهو
الإبعاد أولا وجنود السموات والأرض آخراً.
قوله تعالى: ﴿إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه
وتسبحوه بكرة وأصيلا ﴾ .
قال المفسرون (شاهداً) على أمتك بما يفعلون كما قال تعالى ( ويكون الرسول عليكم شهيداً)
والأولى أن يقال إن الله تعالى قال (إنا أرسلناك شاهداً) وعليه يشهد أنه: لا إله إلا الله كما قال
تعالى (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم) وهم الأنبياء عليهم السلام ، الذين أتاهم
الله علما من عنده. وعلمهم مالم يكونوا يعلمون، ولذلك قال تعالى (فاعلم أنه لا إله إلا الله) أى
فاشهد وقوله (ومبشراً) لمن قبل شهادته وعمل بها ويوافقه فيها (ونذيراً) لمن رد شهادته ويخالفه فيها
ثم بين فائدة الإرسال على الوجه الذى ذكره فقال ( لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه
وتسبحوه بكرة وأصيلا) وهذا يحتمل وجهين: (أحدهما) أن تكون الأمور الأربعة المذكورة
مرتبة على الأمور المذكورة من قبل فقوله (لتؤمنوا بالله ورسوله) مرتب على قوله (إنا أرسلناك)

٨٦
قوله تعالى : لتؤمنوا بالله ورسوله . سورة الفتح .
لأن كونه مرسلا من الله يقتضى أن يؤمن المكلف باللّه والمرسل وبالمرسل وقوله (شاهداً)
يقتضى أن يعزر الله ويقوى دينه لأن قوله (شاهداً) على ما بينا معناه أنه يشهد أنه لا إله إلا هو
فدينه هو الحق وأحق أن يتبع وقوله (مبشراً) يقتضى أن يوقر اللّه لأن تعظيم الله عنده على شبه
تعظيم الله إياه، وقوله (نذيراً) يقتضى أن ينزه عن السوء والفحشاء مخافة عذابه الأليم وعقابه
الشديد، وأصل الإرسال مرتب على أصل الإيمان ووصف الرسول یترتب عليه وصف المؤمن
(وثانيهما) أن يكون كل واحد مقتضياً للأمور الأربعة فكونه مرسلا يقتضى أن ؤمن المكلف بالله
ورسوله ويعزره ويوفره ويسبحه، وكذلك كونه (شاهداً) بالوحدانية يقتضى الأمور المذكورة،
وكذلك كونه ( مبشراً ونذيراً) لايقال إن اقتران اللام بالفعل يستدعى فعلا مقدماً يتعلق
به ولا يتعلق بالوصف وقوله ( لتؤمنوا) يستدعى فعلا وهو قوله ( إنا أرسلناك ) فكيف تترتب
الأمور على كونه (شاهداً ومبشراً) لأنا نقول يجوز الترتيب عليه معنى لا لفظاً، كما أن القائل
إذا قال بعثت إليك عالماً لتكرمه فاللفظ ينى. عن كون البعث سبب الإكرام ، وفى المعنى كونه
عالماً هو السبب للاكرام، ولهذا لو قال بعثت إليك جاهلا لتكرمه كان حسناً، وإذا أردنا الجمع
بين اللفظ والمعنى نقول : الإرسال الذى هو إرسال حال كونه شاهداً كما تقول بعث العالم سبب
جعله سياً لا مجرد البعث، ولا مجرد العالم، فى الآية مسائل:
المسألة الأولى﴾ قال فى الأحزاب ( إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله
بإذنه وسراجاً منيراً) وههنا اقتصر على الثلاثة من الخمسة فما الحكمة فيه؟ نقول الجواب عنه من
وجهين (أحدهما) أن ذلك المقام كان مقام ذكره لأن أكثر السورة فى ذكر الرسول صلى الله عليه
وسلم وأحواله وما تقدمه من المبايعة والوعد والدخول ففصل هنالك، ولم يفصل «هنا (ثانيهما) أن
نقول الكلام مذكور ههنا لأن قوله (شاهداً) لما لم يقتض أن يكون داعياً لجواز أن يقول مع
نفسه أشهد أن لا إله إلا الله، ولا يدعو الناس قال هناك وداعياً لذلك، وههنا لما لم يكن كونه
( شاهداً ) منبتاً عن كونه داعیاً قال ( لتؤمنوا بالله ورسوله و تعزروه و توقروہ و تسبحوه) دليل
على كونه سراجاً لأنه أتى بما يجب من التعظيم والاجتناب عما يحرم من السوء والفحشاء بالتفزيه
وهو التسبيح .
﴿ المسألة الثانية) قد ذكرنا مراراً أن اختيار البكرة والأصيل يحتمل أن يكون إشارة إلى
المداومة، ويحتمل أن يكون أمراً بخلاف ما كان المشركون يعملونه فإنهم كانوا يجتمعون على عبادة
الأصنام فى الكعبة بكرة وعشية فأمروا بالتسبيح فى أوقات كانوا يذكرون فيها الفشحاء والمنكر .
﴿ المسألة الثالثة ﴾ الكنايات المذكور فى قوله تعالى (وتعزروه وتوفروه وتسبحوه) راجعة
إلى الله تعالى أو إلى الرسول عليه الصلاة والسلام؟ والأصح هو الأول.

٨٧.
قوله تعالى : إن الذين يبايعونك . سورة الفتح .
إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ الَّهِ فَوْقَ أَيْدِيِهِمْ فَ نَّكَثَ فَإِنَّمَا
ج
يَنْكُتُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْقَى بِمَا عَدَ عَلَيْهُ الََّ فَسَيُؤْتِيِهِ أَبْرًا عَظِيمًا (َ﴾
قوله تعالى: ﴿ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكت
على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجراً عظيما﴾.
لما بین أنه مرسل ذکر أن من بایعه فقد بایع الله ، وقوله تعالى ( ید الله فوق أيديهم) يختمل
وجوهاً ، وذلك أن اليد فى الموضعين إما أن تكون بمعنى واحد ، وإما أن تكون بمعنيين ، فإن
قلنا إنها بمعنى واحد، ففيه وجهان (أحدهما) (يد الله) بمعنى نعمة الله عليهم فوق إحسانهم إلى الله
كما قال تعالى (بل اللّه يمن عليكم أن هدا كم الإيمان) (وثانيهما) (يد الله فوق أيديهم) أى نصرته
إياهم أقوى وأعلى من نصرتهم إيا ، يقال: اليد لفلان، أى الغلبة والنصرة والقهر. وأما إن قلنا
إنها بمعنيين ، فنقول فى حق الله تعالى بمعنى الحفظ، وفى حق المبايعين بمعنى الجارحة، واليد كنابة
عن الحفظ مأخوذ من حال المتبايعين إذا مد كل واحد منهما يده إلى صاحبه فى البيع والشراء ،
ويذهما ثالث متوسط لا يريد أن يتفامخا العقد من غير إتمام البيع ، فيضع يده على يديهما ،
ويحفظ أيديهما إلى أن يتم العقد ، ولا يترك أحدهما يترك بد الآخر ، فوضع اليد فوق الأيدى
صار سباً للحفظ على البيعة ، فقال تعالى ( يد الله فوق أيديهم) يحفظهم على البيعة كما يحفظ ذلك
المتوسط أيدى المتبايعين ، وقوله تعالى (فمن ذكث فإنما ينكث على نفسه) أما على قولنا المراد من
اليد النعمة أو الغلبة والقوة ، فلأن من نكث فوت على نفسه الإحسان الجزيل فى مقابلة العمل
القليل، فقد خسر ونكثه على نفسه، وأما على قولنا المراد الحفظ، فهو عائد إلى قوله (إنما
بايعون الله) يعنى من يبايعك أيها النبى إذا نكث لا يكون نكثه عائداً إليك، لأن البيعة مع الله
ولا إلى الله، لأنه لا يتضرر بشىء، فضرره لا يعود إلا إليه. قال ( ومن أوفى بما عامد عليه الله
فسيؤتيه أجراً عظيما) وقد ذكرنا أن العظم فى الأجرام، لا يقال إلا إذا اجتمع فيه الطول البالغ
والعرض الواسع والسمك الغليظ ، فيقال فى الجبل الذى هو مرتفع ، ولا اقساع لعرضه جبل عال
أو مرتفع أو شاهق، فإذا انضم إليه الانساع فى الجوانب يقال عظيم، والأجر كذلك، لأن
مآكل الجنة تكون من أرفع الأجناس ، وتكون فى غاية الكثرة ، وتكون ممتدة إلى الأبد
لانقطاع لها ، فحصل فيه ما يناسب أن يقال له عظيم والعظيم فى حق الله تعالى إشارة إلى کاله فى
صفاته ، كما أنه فى الجسم إشارة إلى كماله فى جهاته .

٨٨
قوله تعالى : سيقول المخلفون من الأعراب . سورة الفتح .
سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلِّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَآَ أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَأَمْتَغْفِرْلَنَا
يَقُولُونَ بِأَلِنَنِمِ مَّلَيْسَ فِى مُوِهِمْ قُلّ ◌َمَنْ يَمْلِكُ لَكُم مِنَ الَِّ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ.
ضَرّا أَوْ أَرَادَ بِكُرْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًاً (﴾
قوله تعالى: ﴿ سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا يقولون
يألستهم ماليس فى قلوبهم قل فمن يملك لكم من الله شيئاً إن أراد بكم ضراً أو أراد بكم نفعاً بلكان
الله بما تعملون خبيراً ﴾ .
لما بين حال المنافقين ذكر المتخلفين، فإن قوماً من الأعراب امتنعوا عن الخروج مع رسول
اللّه وَلّ لظنهم أنه يهزم، فإنهم قالوا أهل مكة يقاتلون عن باب المدينة، فكيف يكون حالهم إذا
دخلوا بلادهم وأحاط بهم العدو فاعتذروا، وقولهم (شغلتنا أموالنا وأهلونا) فيه أمران يفيدان
وضح العذر (أحدهما) [فولهم] (أموالنا) ولم يقولوا شغلتنا الأموال، وذلك لأن جمع المال
لا يصلح عذراً [لأنه] لا نهاية له، وأما حفظ ما جمع من الشتات ومنع الحاصل من الفوات يصلح
عذراً، فقالوا (شغلتنا أموالنا) أى ماصار مالا لنا لا مطلق الأموال (وثانيهما) قوله تعالى (وأهلونا)
وذلك لو أن قائلا قال لهم: المال لا ينبغى أن يبلغ إلى درجة يمنعكم حفظه من متابعة الرسول وزيع
لكان لهم أن يقولوا: فالأهل يمنع الاشتغال بهم وحفظهم عن أهم الأمور، ثم إنهم مع العذر
تضرعوا وقالوا (فاستغفر لنا) يعنى فنحن مع إقامة العذر معترفون بالإساءة، فاستغفر لنا واعف
عنا فى أمر الخروج، فكذبهم الله تعالى فقال (يقولون بألسنتهم ما ليس فى قلوبهم) وهذا يحتمل
أمرين (أحدهما) أن يكون التكذيب راجعاً إلى قولهم (فاستغفر لنا) وتحقيقه هو أنهم أظهروا"
أنهم يعتقدون أنهم مسيتون بالتخلف حتى استغفروا، ولم يكن فى اعتقادهم ذلك ، بل كانزا يعتقدون
أنهم بالتخلف محزون (ثانيهما) قالوا (شغلتنا) إشارة إلى أن امتناعنا لهذا لاغير، ولم يكن ذلك
فى اعتقادهم، بل كاوا يعتقدون امتناعهم لاعتقاد أن النبى لتر والمؤمنون يقهرون ويغليون، كما
قال بعده ( بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبداً) وقوله ( قل فمن يملك لكم
من الله شيئاً إن أراد بكم ضراً أو أراد بكم نفعاً) معناه أنكم تحترزون عن الضرر. وتتركون
امر الله وسوله ، وتقعدون طلباً للسلامة ، ولو أراد بكم الضرر لا ينفعكم قعود کم من الله شيئاً؛
أو معناه أنكم تحترزون عن ضرر القتال والمقاتلين وتعتقدون أن أهليكم وبلادكم تحفظكم
من العدو، فهب أنكم حفظتم أنفسكم عن ذلك ، فمن يدفع عنكم عذاب الله فى الآخرة ، مع أن
ذلك أولى بالاحتراز، وقد ذكرنا فى سورة يس٣ فى قوله تعالى (إن يردن الرحمن بضر) أنه فى

٨٩
قوله تعنى . بل ظننتم أن لن ينقلب . سورة الفتح .
بَلْ فَظَفْتُمْ أَن ◌َّنْ يَنْقَلِبَ الَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِهِمْ أَبَدًا وَزُيِنَ ذَلِكَ
فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَفْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْمَا بُورًا ﴾ وَمَن لَّرْ يُؤْمِنْ بِلَّهِ وَرَسُولِهِ،
١٣
فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا
صورة كون الكلام مع المؤمن أدخل الباء على الضر، فقال (إن إردانى اللّه بضر) وقال ( وإن
يمسسك الله بضر) وفى صورة كون الكلام مع الكافر أدخل الباء على الكافر ، فقال ههنا (إن
أراد بكم ضراً) وقال (من ذا الذى يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءاً) وقد ذكرنا الفرق الفائق
هناك، ولا نعيده ليكون هذا باعثاً على مطالعة تفسير سورة يس، فإنها درج الدرر البقيمة ، ( بل
كان الله بما تعملون خبيراً) أى بما تعملون من إظهار الحرب وإضمار غيره.
قوله تعالى: ﴿بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبداً وزين ذلك فى
قلوبكم وظنقتم ظن السوء وكنتم قوماً بوراً ﴾.
يعنى لم يكن تخلفكم لما ذكرتم (بل ظننتم أن لن ينقلب) وأن مخففة من الثقيلة ، أى ظننتم أنهم
لا ينقلبون ولا يرجعون، وقوله ( وزين ذلك فى قلوبكم) يعنى ظنفتم أولا ، فزين الشيطان ظنكم
عندكم حتى قطعتم به ، وذلك لأن الشبهة قد يزينها الشيطان ، ويضم إليها مخايلة يقطع بها الغافل،
وإن كان لا يشك فيها العاقل، وقوله تعالى (وظفتم ظن السوء) يحتمل وجهين (أحدهما) أن
يكون هذا العطف عطفاً يفيد المغايرة ، فقوله ( وظنتم ظن السوء) غير الذى فى قوله ( بل ظنقتم)
وحينئذ يحتمل أن يكون الظن الثانى معناه: وظننتم أن اللّه يخلف وعده، أوظننتم أن الرسول
كاذب فى قوله (وثانيهما) أن يكون قوله ( وظفتم ظن السوء) هو ما تقدم من ظن أن لا ينقلبوا،
ويكون على حد قول القائل: علمت هذه المسألة وعلمت كذا ، أى هذه المسألة لا غيرها، وذلك
كأنه قال: بل ظنقتم ظن أن لن ينقلب . وظنكم ذلك فاسد، وقد بينا التحقيق فى ظن السوء،
وقوله تعالى (وكنتم قوماً بوراً) يحتمل وجهين (أحدهما) وصرتم بذلك الظن بائرين مالكين
(وثانيهما) أنتم فى الأصل باثرون وظنفتم ذلك الظن الفاسد.
قوله تعالى: ﴿ومن لم يؤمن بالله ورسوله فانا أعتدنا للكافرين سعيراً﴾.
على قولنا (وظننتم ظن السوء) ظن آخر غير مافى قوله ( بل ظنتم) ظاهر، لأنا بينا أن ذلك
ظهم بأن الله يخلف وعده أوظهم بأن الرسول كاذب فقال (ومن لم يؤمن بالله ورسوله) ويظن به
خلفاً وبرسوله كذباً فإنا أعتدنا له سعيراً، وفى قوله (للكافرين) بدلا عن أن يقول فإنا أعتدنا له

٩٠
قوله تعالى: ولله ملك السموات والأرض . سورة الفتح .
ج
ج
وَلِلَّ مُلَكُ السَّمَنَتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَكَانَ
اللهُغَفُورًا رَّحِيمًا ( ٣) سَقُولُ الْمُخَلَُّونَ إِذَا أَنْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَاتِمَ لِتَأْخُذُوهَا
ذَرُونَ ◌َّعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوْ كَ الَّهِ قُل لَّنْ تَِّعُونَا كَلِكُمْ قَالَ اللهُ مِنْ
قَبْلُ
فائدة وهى التعميم كأنه تعالى قال: ومن لم يؤمن بالله فهو من الكافرين، وإنا أعتدنا للكافرين سعيراً.
قوله تعالى: ﴿ولله ملك السموات والأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء وكان الله غفورارحيما﴾.
بعد ماذكر من له أجر عظيم من المبايعين ومن له عذاب أليم من الظانين الضالين ، أشار إلى
أنه يغفر للأولين بمشيئه ويعذب الآخرين بمشيئته، وغفرانه ورحمته أعم وأشمل وأتم وأكمل ،
وقوله تعالى ( ولله .لك السموات والأرض) يفيد عظمة الأمرين جميعاً لأن من عظم ملكه يكون
أجره وهبته فى غاية العظم وعذابه وعقوبته. كذلك فى غاية النكال والألم .
قوله تعالى: ﴿ سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم ﴾.
أوضح الله كذبهم بهذا حيث كانوا عند ما يكون السير إلى مغانم يتوقعونها يقولون من تلقاء
أنفسهم (ذرونا نتبعكم) فاذا كان أموالهم وأهلوم شغلتهم يوم دعوتكم إياهم إلى أهل مكة ، فما بالهم.
لا يشتغلون بأموالهم يوم الغنيمة، والمراد من المغانم مغانم أهل خيبر وفتحها وغنم المسلمون
ولم يكن معهم إلا من كان معه فى المدينة ، وفى قوله ( سيقول المخلفون) وعد المبايعين الموافقين
بالغنيمة والمتخلفين المخالفين بالحرمان.
قوله تعالى: ﴿ يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم قال اللّه من قبل﴾.
يحتمل وجوها (أحدها) هو ما قال الله إن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية وعاهد بها لا غير
وهو الأشهر عند المفسرين، والأظهر نظراً إلى قوله تعالى ( كذلكم قال الله من قبل)، ( ثانيها)
يريدون أن يبدلوا كلام الله وهو قوله (وغضب الله عليهم) وذلك لأنهم لو اتبعوكم لكانوا فى
حكم بيعه أهل الرضوان الموعودين بالغنيمة فيكونون من الذين رضى الله عنهم كما قال تعالى
( لقد رضى اللّه عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة) فلا يكونون من الذين غضب الله عليهم
فيلزم تبديل كلام الله ( ثالثها) هو أن النبى صلى الله عليه وسلم لما تخلف القوم أطلعه الله على
باطنهم وأظهر له تفاقهم وأنه يريد أن يعاقبهم ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم (فقل لن تخرجوا
معى أبداً ولن تقاتلوا معى عدواً) فأرادوا أن يبدلوا ذلك الكلام بالخروج معه ، لا يقال فالآية

٩١
قوله تعالى : قل للمخلفين من الأعراب . سورة الفتح .
فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَّا بَلْ كَانُواْ لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا (َ قُل
لِلْمُخَلِّينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أَوْلِ بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَدِلُونَهُمْ أَوْ
يُسْلِمُونٌّ فَإِن ◌ُطِيعُواْ يُؤْتِكُ الله أَبْرًا حَسَنًا وَ إِن تَوَلَّوَ كَانَيُ مِنْ قَبْلُ يُعَذِبُ
عَذَابًا أَلِيمًا
١٦
التى ذكر تم واردة فى غزوة تبوك لافى هذه الواقعة ، لأنا نقول قد وجد ههنا بقوله ( لن تتبعونا)
على صيغة النفى بدلا عن قوله : لا تتبعونا، على صيغة النهى معنى لطيف وهو أن النبى صلى الله
عليه وسلم بنى على إخبار الله تعالى عنهم النفى لوثوقه وقطعه بصدقه تجزم وقال ( لن تتبعونا) يعنى
لو أذنتكم ولو أرد تم واخترتم لا يتم لكم ذلك لما أخبر الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿فسيقولون بل تحسدوننا ﴾ .
رداً على قوله تعالى ( کذلکم قال الله من قبل ) كانهم قالوا : ما قال الله كذلك من قبل ، بل
تحسدوننا، وبل للاضراب والمضروب عنه محذوف فى الموضعين ، أما ههنا فهو بتقدير ماقال الله
وكذلك، فإن قيل بما ذا كان الحسد فى اعتقادهم؟ نقول كأنهم قالوا نحن كنا مصيبين فى عدمالخروج
حيث رجعوا من الحديبية من غير حاصل ونحن استرحنا ، فإن خرجنا معهمٍ ويكون فيه غنيمة
يقولون ثم غنموا معنا ولم يتعبوا معنا .
ثم قال تعالى رداً عليهم كما ردوا ﴿ بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا﴾ أى لم يفقهوا من قولك
لا تخرجوا إلا ظاهر النهى ولم يفهموا من حكمه إلا قليلا حملوه على ما أرادوه وعلاره بالحسد.
قوله تعالى: ﴿قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولى بأس شديد تقاتلونهم أو
يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجراً حسناً وإن تتولواكما توليتم من قبل يعذبكم عذاباً أليماً﴾ .
لما قال النبى صلى الله عليه وسلم (قل لن تتبعونا) وقال (فقل لن تخرجوا معى أبداً) فكان
المخلفون جمعاً كثيراً ، من قبائل متشعبة، دعت الحاجة إلى بيان قبول توبتهم فإنهم لم يبقوا على
ذلك ولم يكونوا من الذين مردوا على النفاق، بل منهم من حسن حالة وصلح باله تجعل لقبول
توبتهم علامة ، وهو أنهم يدعون إلى قتال قوم أولى بأس شديد ويطيعون بخلاف حال ثعلبة
حيث امتنع من أداء الزكاة ثم أتى بها ولم يقبل منه النبى صلى الله عليه وسلم واستمر عليه الحال ولم
يقبل منه أحد من الصحابة، کذلك کان یستمر حال هؤلاء لولاأنه تعالیبین أنهم يدعون فإن كانوا
يطيعون يؤتون الأجر الحسن وما كان أحد من الصحابة يتركهم يتبعونه ، والفرق بين حال ثعلبة

٩٢
قوله تعالى : اولى بأس شديد . سورة الفتح .
وبين حال هؤلاء من وجهين (أحدهما) أن ثعلبة جاز أن يقال حاله لم يكن يتغير فى علم اللّه ، فلم
يبين لتوبته علامة، والأعراب تغيرت، فإن بعد النبى صلى الله عليه وسلم لم يبق من المنافقين على
النفاق أحد على مذهب أهل السنة ( وثانيهما) أن الحاجة إلى بيان حال الجمع الكثير والجم الغفير
أمس ، لأنه لولا البيان لكان يفضى الأمر إلى قيام الفتنة بين فرق المسلمين، وفى قوله (ستدعون
إلى قوم أولى بأس شديد) وجره أشهرها وأظهرها أنهم بنو حنيفة حيث تابعوا مسيلمة وغزام
أبو بكر (وثانيها) هم فارس والروم غزاهم عمر (ثالثها) هوازن وثقيف غزاهم النبى صلى الله
عليه وسلم، وأقوى الوجوه هو أن الدعاء كان من النبى صلى الله عليه وسلم وإن كان الأظهر غيره،
أما الدليل على قوة هذا الوجه هو أن أهل السنة اتفقوا على أن أمر العرب فى زمان التى مَ ائم ظهر
ولم يبق إلا كافر مجاهر، أو مؤمن تقى طاهر، وامتنع النبى وم ئم من الصلاة على موتى المنافقين، وترك
المؤمنون مخالطتهم حتى أن عبادة بن كعب مع كونه بين المؤمنين لم يكلمه المؤمنون مدة، وماذكره
الله علامة لظهور حال من كان منافقاً ، فإن كان ظهر حالهم بغير هذا، فلا معنى لجعل هذا علامة وإن
ظهر بهذا الظهور كان فى زمان النبى يوائم ، لأن النبى عليه الصلاة والسلام لو امتنع من قبولهم
لاتباعه لامتنع أبو بكر وعمر لقوله تعالى (واتبعوه) وقوله (فاتبعونى) فإن قيل «١٠ ضعيف
لوجهين (أحدهما) أن النبى يَّم قال (لن تتبعونا) وقال (لن تخرجوا معى أبدا، فكيف
كانوا يتبعونه مع النفى؟ (الثانى) قوله تعالى (أولى بأس شديد) ولم يبق بعد ذلك النبى عليه الصلاة
والسلام حرب قوم أولى بأس شديد فإن الرعب استولى على قلوب الناس ولم يبق الكفار
بعده شدة وبأس ، واتفاق الجمهور يدل على القوة والظهور، نقول أما الجواب معن الأول فن
وجهين (أحدهما ) أن يكون ذلك مقيداً، تقديره: لن تخرجوا معى أبدا وأنتم على ما أنتم عليه ،
ويجب هذا التقیید لأنا أجمعنا على أن منهم من أسلم وحسن إسلامه بل الأكثر ذلك ، وما كان
يجوز للنبى مانع أن يقول لهم لستم مسلمين لقوله تعالى ( ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست
مؤمناً) ومع القول بإسلامهم ما كان يجوز أن يمنعهم ما كان من الجهاد فى سبيل الله معوجوبه عليهم
وكان ذلك مقيداً، وقد تبين حسن حالهم، فإن التبي ويتم دعاهم إلى جهاد فأطاعه قوم وامتنع
آخرون ، وظهر أمرهم وعلم من استمر على الكفر ممن استقر قلبه على الإيمان (الثاني) المراد
من قوله (لن تتبعونا) فى هذا القتال حسب وقوله ( لن تخرجوا معى) كان فى غير هذا وم
المنافقون الذين تخلفوا فى غزوة تبوك ، وأما اتفاق الجمهور فنقول لا مخالفة بيننا وبينهم لأنا نقول
النبى وَلّم دعاهم أولا، وأبو بكر رضى الله عنه أيضاً دعاهم بعد معرفته جواز ذلك من فعل النبى
صلى الله عليه وسلم، إنما نحن تثبت أن النبى صلى الله عليه وسلم دعاهم فإن قالوا أبو بكر رضى الله
عنه دعاهم لم يكن بين القولين تناف، وإن قالوا لم يدعهم النبى صلى الله عليه وسلم فالنفى والجزم
به فى غاية البعد لجواز أن يكون ذلك قد وقع، وكيف لا والنبى عليه الصلاة والسلام قال من كلام.

٩٣
قوله تعالى : ليس على الأعمى حرج . سورة الفتح .
لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجُ وَلَ عَلَى الْأَعْرَجِ حَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرْجٌ
الله ( إن كنتم تحبون الله فاتبعونى) وقال (واتبعونى هذا صراط مستقيم) ومنهم من أحب الله
واختار اتباع النبى محمد وائم لأن بقاء جمهعم على النفاق والكفر بعد ما اتسعت دائرة الإسلام
واجتمت العرب على الإيمان بعيد، ويوم قوله صلى الله عليه وسلم (لن تتبعونا) كان أكثر العرب
على الكفر والنفاق، لأنه كان قبل فتح مكة وقبل أخذ حصون كثيرة.
وأما قوله لم يبق للنبي صلى الله عليه وسلم حرب مع أولى بأس شديد، قلنا لا نسلم ذلك لأن
النبى صلى الله عليه وسلم عام الحديبيه دعاهم إلى الحرب لأنه خرج محرماً ومعه الهدى ليعلم قريش
أنه لا يطلب القتال وامتنعوا فقال ستدعون إلى الحرب ولا شك أن من يكون خصمه مسلحاً
محارباً ا كثر بأساً ممن يكون على خلاف ذلك فكان قد علم من حال مكة أنهم لا يوقرون حاجاً
ولا معتمراً فقوله ( أولى بأس شديد) يعنى أولى سلاح من آلة الحديد فيه بأس شديد ، ومن
قال بأن الداعى أبو بكر وعمر تمسك بالآية على خلافتهما ودلالتها ظاهرة، وحينئذ أتقاتلونهم
( أو يسلمون) إشارة إلى أن أحدهما يقع، وقرى. (أو يسلموا) بالنصب بإضمار أن على معنى
تقاتلونهم إلى أن يسلموا، والتحقيق فيه هو أن أو لا تجىء إلا بين المتغابرين وتنى. عن الحصر
فيقال العدد زوج أو فرد ، ولهذا لا يصح أن يقال هو زيد أو عمرو، ولهذا يقال العدد زوج أو
خمسة أو غيرهما ، إذا علم هذا فقول القائل لألزمنك أو تقضينى حقى يفهم منه أن الزمان انحصر
فى قسمين : قسم يكون فيه الملازمة ، وقسم يكون فيه قضاء الحق ، فلا يكون بين الملازمة وقضاء
الحق زمان لا يوجد فيه الملازمة ولا قضاء الحق، فيكون فى قوله [الزمنك أو تقضینی ، كما حكى فى
قول القائل ، لألزمنك إلى أن تقضينى، لامتداد زمان الملازمة إلى القضاء ، وهذا ما يضعف قول
القائل الداعى هو عمر والقوم فارس والروم لأن الفريقين يقران بالجزية ، فالقتال معهم لا يمتد
إلى الإسلام لجواز أن يؤدوا الجزية، وقوله تعالى (فإن تطيعوا يؤتكم اللّه أجراً حسناً وإن تتولوا
كما توليتم من قبل) فيه فائدة لأن التولى إذا كان بعذركما قال تعالى ( ليس على الأعمى حرج)
لا يكون للمتولى عذاب أليم، فقال (وإن تتولوا كما توليتم ) يعنى إن كان توليكم بناء على الظن
الفاسد والاعتقاد الباطل كما كان حيث قلتم بألسنتكم لا بقلوبكم ( شغلتنا أموالنا) فالله يعذبكم
عذابا أليماً .
ثم إن الله تعالى قال ﴿ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج﴾
بين من يجوز له التخلف وترك الجهاد وما بسبه يجوز ترك الجهاد وهو ما يمنع من الكر والفر.
وبين ذلك بيان ثلاثة أصناف (الأول) (الأعمى) فإنه لا يمكنه الإقدام على العدو والطلب
ولا يمكنه الاحتراز والحرب، والأعرج كذلك والمريض كذلك ، وفى معنى الأعرج الأقطع

٩٤
قوله تعالى: ليس على الأعمى حرج . سورة الفتح .
والمقعد، بل ذلك أولى بأن يعذر ، ومن به عرج لا يمنعه من الكر والفر لا يعذر، وكذلك المرض
القليل الذى لا يمنع من الكر والفر كالطحال والسعال إذ به يضعف وبعض أوجاع المفاصل لإ يكون
عذراً وفيه مسائل :
المسألة الأولى ﴾ أن هذه أعذار تكون فى نفس المجاهد ولنا أعذار خارجة كالفقر الذى
لا يتمكن صاحبه من استصحاب ما يحتاج إليه والاشتغال بمن لولاه لصناع كطفل أو مريض،
والأعذار تعلم من الفقه ونحن نبحث فيما يتعلق بالتفسير فى بيان مسائل :
المسألة الأولى﴾ ذكر الأعذار التى فى السفر، لأن غيرما ممكن الإزالة بخلاف العرج
والعمى .
﴿ المسألة الثانية﴾ اقتصر منها على الأصناف الثلاثة، لأن المذر إما أن يكون بإخلال فى
عضو أو بإختلال فى القوة، والذى بسبب إخلال العضو، فإما أن يكون بسبب اختلال فى العضو
الذى به الوصول إلى العدو والانتقال فى مواضع القتال، أو فى العضو الذى تتم به فائدة الحصول
فى المعركة والوصول، والأول هو الرجل، والثانى هو العين، لأن بالرجل يحصل الانتقال،
وبالعين يحصل الانتفاع فى الطلب والهرب. وأما الأذن والأنف واللسان وغيرها من الأعضاء ،
فلا مدخل لها فى شىء من الأمرين، بقيت اليد، فإن المقطوع اليدين لا يقدر على شىء، وهو عذر
واضح ولم يذكره، نقول: لأن فائدة الرجل وهى الانتقال تبطل بالخلل فى إحداهما، وفائدة اليد
وهى الضراب والبطش لا تبطل إلا ببطلان اليدين جميعاً، ومقطوع اليدين لا يوجد إلا نادراً،
ولعل فى جماعة النبى معَ له لم يكن أحد مقطوع اليدين فلم يذكره، أو لأن المقطوع ينتفع به فى
الجهاد ، فإنه ينظر ولولاه لا ستقل به مقاتل فيمكن أن يقاتل، وهو غير معذور فى التخلف، لأن
المجاهدين ينتفعون به بخلاف الأعمى، فإن قيل كما أن مقطوع اليد الواحدة لا تبطل منفعة بطشه
كذلك الأعور لا تبطل منفعة رؤيته، وقد ذكر الأعمى، وما ذكر الأشل وأقطع اليدين ، قلنا
لما بينا أن مقطوع اليدين نادر الوجود والآفة النازلة بإحدى اليدين لا تعمهما والآفة النازلة
بالعين الواحدة تعم العينين لأن منبع النور واحد وهما متجاذبان والوجود يفرق بينهما، فإن الأعمى
كثير الوجود ومقطوع اليدين نادر.
المسألة الثالثة﴾ قدم الآفة فى الآلة على الآفة فى القوة، لأن الآفة فى القوة تزول وتطرأ ،
والآفة فى الآلة إذ طرأت لانزول، فإن الأعمى لا يعود بصيراً فالعذر فى محل الآلة أتم .
﴿ المسألة الرابعة﴾ قدم الأعمى على الأعرج، لأن عذر الأعمى يستمر ولو حضر القتال،
والأعرج إن حضر را كباً او بطريق آخر بقدر على القتال بالزمې وغير،

٩٥
قوله تعالى : ومن يطع الله ورسوله . سورة الفتح .
وَمَنْ يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلُهُ جَنَّاتٍ تَخْرِى مِن تَحِهَا الْأَنْهَرِّ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِبُ
عَذَابًا أَلِيمًا (®) لَّقَدْ رَضِىَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَابِعُونَكَ نَّحْتَ الشَّجَرَةِ
فَعَلِمَ مَا فِ قُلُوبِهِمْ فَأْزَلَ اٌلَّكِينَةَ عَيْهِمْ وَأَتَبِهُمْ فَتْحً قَرِيبً (٨) وَمَغَاتِمَ
كَثِيرَةً يَأْخُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَنِ بِزًا حَكِيمًا (﴾
قوله تعالى: ﴿ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجرى من تحتها الأنهار ومن يتول يعذبه
عذاباً أليماً، لقد رضى الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما فى قلوبهم فأنزل السكينة
عليهم وأثايهم فتحاً قريباً ، ومغانم كثيرة يأخذونها وكان الله عزيزاً حكيما ﴾.
أعلم أن طاعة كل واحد منهما طاعة الآخر تجمع بينهما بياناً لطاعة الله، فإن الله تعالى لو قال:
ومن يطع الله ، كان لبعض الناس أن يقول: نحن لا نرى الله ولا نسمع كلامه، فمن أين نعلم أمره
حتى نطيعه ؟ فقال طاعته فى طاعة رسوله وكلامه يسمع من رسوله .
ثم قال ( ومن يتول) أى بقلبه، ثم لما بين حال المخلفين بعد قوله ( إن الذين يبايعونك إنما
يبايعون اللّه) عاد إلى بيان حالهم وقال (لقد رضى الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة
فعلم ما فى قلوبهم) من الصدق كما علم ما فى قلوب المنافقين من المرض (فأنزل السكينة عليهم) حتى
بايعوا على الموت، وفيه معنى لطيف وهو أن اللّه تعالى قال قبل هذه الآية ( ومن يطع الله ورسوله
يدخله جنات) نجعل طاعة الله والرسول علامة لإدخال الله الجنة فى تلك الآية، وفى هذه الآية
بين أن طاعة الله والرسول وجدت من أهل بيعة الرضوان، أما طاعة الله فالإشارة إليها بقوله
( لقد رضى الله عن المؤمنين) وأما طاعة الرسول فبقوله (إذ يبايعونك تحت الشجرة) بقى الموعود
به وهو إدخال الجنة أشار إليه بقوله تعالى ( لقد رضى الله عن المؤمنين) لأن الرضا يكون معه
إدخال الجنة كما قال تعالى ( ويدخلهم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها رضى الله عنهم)
ثم قال تعالى ( فعلم ما فى قلوبهم) والفاء للتعقيب وعلم اللّه قبل الرضا لأنه علم ما فى قلوبهم من
الصدق فرضى عنهم فكيف، يفهم التعقيب فى العلم؟ نقول قوله (فعلم مافى قلوبهم) متعلق بقوله (إذ
يبايعونك تحت الشجرة) كما يقول القائل فرحت أمس إذ كلمت زيداً فقام إلى، أو إذ دخلت عليه
فأكرمنى، فيكون الفرح بعد الإكرام ترتيباً كذلك، ههنا قال تعالى ( لقد رضى الله عن المؤمنين
إذ بايعونك تحت الشجرة فعلم مافى قلوبهم) من الصدق إشارة إلى أن الرضا لم يكن عند المبايعة
فحسب، بل عند المبايعة التى كان معها على اللّه بصدقهم، والفاء فى قوله ( فأنزل السكينة عليهم )

٩٦
قوله تعالى: وعدكم الله مغاتم كثيرة . سورة الفتح .
وَعَدَ كُمُ اللهُ مَغَائِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُرْ هَذِهِ، وَكَفَّ أَيْدِىَ النَّاسِ
عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ ءَايَةً لِلْمُؤْمِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ﴾ وَأَنْرَى لَمْ تَقْدِرُواْ
عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرًا
للتعقيب الذى ذكرته فإنه تعالى رضى عنهم فأنزل السكينة عليهم ، وفى (على) بيان وصف المبايعة
بكونها معقبة بالعلم بالصدق الذى فى قلوبهم وهذا توفيق لا يتأتى إلا لمن هداه الله تعالى إلى معانى
كتابه الكريم وقوله تعالى (وأثابهم فتحاً قريباً) هو فتح خيبر ( ومغانم كثيرة يأخذونها) مغانمها
وقيل مغانم مجر ( وكان الله عزيزاً) كامل القدرة غنياً عن إعانتكم إياه (حكيما) حيث جعل هلاك
أعدائه علی أیدیکم لیثییکم علیه أو لآن فى ذلك إعزاز قوم وإذلال آخرين، فإنه ذل من يشاء بعزته
ويعز من يشاء مجمته.
قوله تعالى: ﴿وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه وكف أيدى الناس عنكم
ولتكون آية للمؤمنين ويهديكم صراطاً مستقيما﴾.
إشارة إلى أن ما أتاهم من الفتح والمغانم ليس هو كل الثواب بل الجزاء قدامهم، وإنما هى
العاجلة مجل بها، وفى المغانم الموعود بها أقوال، أصحها أنه وعدم مغانم كثيرة من غير تعيين وكل
ما غنموه كان منها والله كان عالماً بها، وهذا كما يقول الملك الجواد لمن يخدمه: يكون لك منى على
ما فعلته الجزاء إن شاء الله ، ولا یریدشيئاً یعینه، ثم كل ما يأتى به ويؤتيه يكون داخلا تحت ذلك
الوعد، غير أن الملك لا يعلم تفاصيل ما يصل إليه وقت الوعد، والله عالم بها، وقوله تعالى (وكيف
أيدى الناس عنكم) لإتمام المئة، كأنه قال رزقتكم غنيمة باردة من غير مس حر الفتال ولو تعبتم
فيه لقلم هذا جزاء تعبنا، وقوله تعالى ( ولتكون آية للمؤمنين) عطف على مفهوم لأنه لما قال .
الله تعالى (فعجل إنكم هذه) واللام يني. عن النفع كما أن على يأتىء عن الضر القائل لا على ولا
ليا بمعنى لا ما أنضرر به ولا ما أنتفع به ولا أضر به ولا أنفع، فكذلك قوله (تمجل لكم هذه)
لتنفعكم (ولتكون آية للمؤمنين) وفيه معنى لطيف وهو أن المغانم الموعود بها كل ما يأخذه المسلمون
فقوله (ولتكون آية للمؤمنين) يعنى لينفعكم بها وليجعلها لمن بعدكر آية تدلهم على أن ما وعدهم
الله يصل إليهم كما وصل إليكم، أو نقول: معناه لتنفعكم فى الظاهر وتنفعكم فى الباحث ، حيث يزداد
يقينكم إذا رأيتم صدق الرسول فى إخباره عن الغيوب فتجمل أخباركم ويكمل اعتقادكم، وقوله
(ويهديكم صراطاً مستقيما) وهو التوكل عليه والتفويض إليه والاعتزاز به".
قوله تعالى: ﴿وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط اللّه بها وكان الله على كل شىء تقديراً﴾

٩٧
قوله تعالى : ولو قاتلكم الذين كفروا . سورة الفتح .
وَلَوْ قَدْتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوْ لَوَلّواْ الْأَدْبَانُمَّلَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا
٢٢
سُنََّ اللهِ الَِّى قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلٌّ وَلَن ◌َجِدَ لِسُنَّةِ الَّهِ تَبْدِيلًا ﴾
قيل غنيمة هوازن ، وقيل غنائم فارس والروم وذكر الزمخشرى فى أخرى ثلاثة أوجه أن
تكون منصوبة بفعل مضمر يفسره (قد أحاط) و (لم تقدر واعليها) صفة لأخرى كأنه يقول وغنيمة
أخرى غير مقدورة (قد أحاط الله بها) (ثانيها) أن تكون مرفوعة، وخبرها (قد أحاط الله بها)
وحسن جعلها مبتدأ مع كونه نكرة لكونها موصوفة بلم تقدروا (وثالثها ) الجر بإضمار وب
ويحتمل أن يقال منصوبة بالعطف على منصوب وفيه وجهان (أحدهما ) كأنه تعالى قال (فعجل
لكم هذه) وأخرى ما قدرتم عليها وهذا ضعيف لأن أخرى لم يعجل بها (وثانيهما) على مغانم
كثيرة تأخذونها، وأخرى أى وعدكم الله أخرى، وحينتذكأنه قال (وعدكم الله مغانم) تأخذونها
ومغانم لا تأخذونها أنتم ولا تقدرون عليها، وإنما يأخذها من يجىء بعدكم من المؤمنين وعلى
هذا تبين لقول الفراء حسن، وذلك لأنه فسر قوله تعالى (قد أحاط الله بها) أى حفظها للمؤمنين
لا يجرى عليها هلاك إلى أن يأخذها المسلمون كاحاطة الحراس بالخزائن.
.
قوله تعالى: ﴿ ولو قاتلكم الذين كفروا لولو الأدبار
وهو يصلح جواباً لمن يقول: كف الأيدى عنهم كان أمراً اتفاقياً، ولو اجتمع عليهم العرب
كما عزموا لمنعوثم من فتح خيبر واغتنام غنائمها، فقال ليس كذلك ، بل سواء قاتلوا أو لم يقاتلوا
لا ينصرون، والغلبة واقعة للمسلمين، فليس أمرثم أمراً اتفاقياً، بل هو إلهى محكوم به محتوم .
قوله تعالى : ﴿ ثم لايجدون ولياً ولا نصيراً﴾.
قد ذكرنا مراراً أن دفع الضرر عن الشخص إما أن يكون بولى ينفع باللطف ، أو بنصير
يدفع بالعنف ، وليس للذين كفروا شىء من ذلك، وفى قوله تعالى (ثم ) لطيفة وهى أن من
يولى دبره يطلب الخلاص من القتل بالالتحاق بما ينجيه ، فقال وليس إذا ولوا الأدبار يتخلصون،
بل بعد التولى الهلاك لا حق بهم .
قوله تعالى: ﴿سنة اللّه التى قد خلت من قبل ﴾
جواب عن سؤال آخر يقوم مقام الجهاد: وهو أن الطوالع لها تأثيرات، والاتصالات لها
تغيرات ، فقال ليس كذلك [ بل] سنة الله نصرة رسوله، وإهلاك عدوه.
قوله تعالى : ﴿ ولن تجد لسنة الله تبديلا.
بشارة ودفع وهن يقع بسبب وهم ، وهو أنه إذا قال الله تعالى ليس هذا بالتأثيرات فلا يجب
وقوعه ، بل الله فاعل مختار، ولو أراد أن يهلك العباد لأ هلكهم، بخلاف قول المنجم بأن الغلب لمن
الفخر الرازي - ج ٢٨ م ٧

٩٨
قوله تعالى : وهو الذي كف ايديهم . سورة الفتح .
وَهُوَ الَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَّكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُرْ
عَلَيْهِمْ وَكَانَ الهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًاً
٢٤
له طالع وشواهد تقتضى غلبته قطعاً، فقال الله تعالى (ولن تجد لسنة الله تبديلا) يعنى أن الله
فاعل مختار يفعل مايشاء ويقدر على إهلاك أصدقاته، ولكن لا يبدل سنته ولا يغير عادته .
قوله تعالى: ﴿وهو الذى كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعدأن أظفر كم
عليهم؟
تبييناً لما تقدم من قوله ( ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار) أى هو بتقدير الله، لأنه
كف أيديهم عنكم بالفرار ، وأيديكم عنهم بالرجوع عنهم وتركهم، وقوله تعالى (بيطن مكة) إشارة
إلى أمر كان هناك يقتضى عدم الكف، ومع ذاك وجد كف الأيدى، وذلك الأمر هو دخول
المسلمين ببطن مكة ، فإن ذلك يقتضى أن يصبر المكفوف على القتال لكون العدو دخل دارم
طلبين ثأرم ، وذلك مما يوجب اجتهاد البليد فى الذب عن الحريم ، ويقتضى أن يبالغ المسلمون
فى الاجتهاد فى الجهاد لكونهم لو قصروا لكسروا وأسروا لبعد مأمنهم ، فقوله ( ببطن مكا)
إشارة إلى بعد الكف ، ومع ذلك وجد بمشيئة الله تعالى، وقوله تعالى (من بعد أن أظفركم
عليهم) صالح لأمرين (أحدهما) أن يكون منة على المؤمنين بأن الظفر كان لكم، مع أن الظاهر
كان يستدعى كون الظفر لهم لكون البلاد لهم، ولكثرة عددهم (الثانى) أن يكون ذكر أمرين
مانعين من الأمرين الأولين، مع أن الله حققهما مع المنافقين ، أما كف أيدى الكفار، فكان
بعيداً لكونهم فى بلادهم ذابين عن أهليهم وأولادهم، وإليه أشار بقوله (ببطن مكة) وأما كف
أيدى المسلمين ، فلأنه كان بعد أن ظفروا بهم ، ومتى ظفر الإنسان بعدوه الذى لو ظفر هو به
لاستأصله يبعد انكفافه عنه ، مع أن الله كف اليدين.
قوله تعالى : ﴿وكان الله بما تعملون بصيراً﴾.
يعنى كان الله يرى فيه من المصلحة، وإن كنتم لا ترون ذلك، وبينه بعوله تعالى (ثم الذين
كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدى معكوناً) إلى أن قال ( ولولا رجال مؤمنون ونساء
•ؤمنات) يعنى كان الكف محافظة على مافى .كه من المسلمين ليخرجوا منها، ويدخلوها على وجه
لا يكون فيه ايذاء من فيها من المؤمنين والمؤمنات، واختلف المفسرون فى ذلك الكف منهم من
: قال المرادما كان عام الفتح، ومنهم من قال ما كان عام الحديبية، فإن المسلمين هزموا جيش الكفار
حتى أدخلوم بيوتهم، وقيل إن الحرب كان بالحجارة ..

٩٩
قوله تعالى : هم الذين كفروا وصدوكم . سورة الفتح .
٢٠
هُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُوَكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْىَ مَعْتُوفًا أَن يَبْلُغَ
◌َلُ وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَآءُ مُؤْمِنَتْ أَمْ تَعْلَمُوُهُمْ أَنْ تَطَُّوهُمْ فَتُصِيبَكُمُ
مِنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ
قوله تعالى : ﴿هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدى معكوناً أن يبلغ محله﴾.
إشارة إلى أن الكف لم يكن لأمر فيهم لأنهم كفروا وصدوا وأحصروا ، وكل ذلك يقتضى
قتالهم ، فلا يقع لأحدأن الفريقين اتفقوا، ولم يبق بينهما خلاف واصطلحوا ، ولم يبق بينهما نزاع،
بل الاختلاف باق والنزاع مستمر ، لأنهم ( هم الذين كفروا وصدوكم) ومنعوا فازدادوا كفراً
وعداوة، وإنما ذلك للرجال المؤمنين والنساء المؤمنات، وقوله ( والهدى) منصوب على العطف
على كم فى (صدوكم) ويجوز الجر عطفاً على المسجد، أى وعن الهدى. و(معكوفاً) حال و(أن يبلغ)
تقديره عن أن يبلغ، ويحتمل أن يقال (أن يبلغ محله) رفع، تقديره معكوفاً بلوغه محله، كما يقال:
رأيت زيداً شديداً بأسه، ومعكوفاً، أى منوعاً، ولا يحتاج إلى تقدير عن على هذا الوجه .
قوله تعالى: ﴿ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطنوم فتصيبكم منهم معرة
بغير علم ﴾ .
وصف الرجال والنساء، يعنى لولا رجال ونساء يؤمنون غير معلومين ، وقوله تعالى (أن
قطنوم) بدل اشتمال ، كأنه قال: رجال غير معلومى الوطء فتصيبكم منهم معرة عيب أو إثم ،
وذلك لأنكم ربما تقتلونهم فتلزمكم الكفارة وهى دليل الإثم ، أو يعيبكم الكفار بأنهم فعلوا
يإخوانهم مافعلوا بأعدائهم، وقوله تعالى (بغير علم) قال الزمخشرى: هو متعلق بقوله (أن تطئوم)
يعنى قطتوهم بغير علم، وجاز أن يكون بدلا عن الضمير المنصوب فى قوله (لم تعلموم) ولقائل
أن يقول: يكون هذا تكراراً، لأن على قولنا هو بدل من الضمير يكون التقدير: لم تعلموا أن
قطنوهم بغير علم، فيلزم تكرار بغير علم الحصوله بقوله (لم تعلموهم) فالأولى أن يقال (بغير علم)
هو فى موضعه تقديره : لم تعلموا أن تطنوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ، من يعركم وإعيب
عليكم، يعنى إن وطأتموهم غير عالمين يصبكم مسبة الكفار (بغير علم) أى بجهل لا يعلمون أنكم
معذورون فيه، أو نقول تقديره: لم تعدوا أن تطنوعمٍ فتصيبكم منهم معرة بغير علم ، أى فتقتلوهم
بسير علم، أو تؤذوهم بغير علم، فيكون الوطء سبب القتل ، والوط، غير معلوم لكم ، والقتل
الذى هو بسبب المعرة وهو الوطء الذى يحصل بغير علم. أو نقول: المعرة قسمان (أحدهما)
ما يحصل من القتل العمد من هو غير العالم بحال المحل ( والثانى) ما يحصل من انقتل خطأ، وهو

١٠٠
قوله تعالى: ليدخل الله في رحمته . سورة الفتح .
لِيُدْخِلَ اللهُ فِ رَحْمَتِهِ، مَن يَشَاءُ لَوْ تَزَيِّلُواْ لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَعِرُواْ مِنْهُمْ عَذَابًا
ألِيمًا
٢٥
غير عدم العلم ، فقال: تصيبكم منهم معرة غير معلومة ، لا التى تكون عن العلم (وجواب) أولا
محذوف تقديره: لولا ذلك لما كف أيديكم عنهم، هذا ما قاله الزمخشرى وهو حسن ، ويحتمل أن
يقال (جوابه) ما يدل عليه قوله تعالى (هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام) يعنى قد
استحقوا أن لا يهملوا، ولولا رجال مؤمنون لوقع ما استحقوه ، كما يقول القائل: هو
سارق ولولا فلان لقطعت يده ، وذلك لأن لولا لا تستعمل إلا لامتناع الشىء لوجود غيره،
وامتناع الشىء لا يكون إلا إذا وجد المقتضى له فمنعه الغير فذكر الله تعالى أولا المقتضى التام البالغ
وهو الكفر والصد والمنح، وذكر ما امتنع لأجله مقتضاه وهو وجود الرجال المؤمنين.
قوله تعالى: ﴿ ليدخل اللّه فى رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذاباً أنما
فيه أبحاث :
﴿الأول) فى الفعل الذى يستدعى اللام الذى بسببه يكون الإدخال وفيه وجوه (أحدها)
أن يقال هو قوله ( كف أيديكم عنهم) ليدخل ، لا يقال بأنك ذكرت أن المانع وجود رجال
مؤمنين فيكون كأنه قال : كف أيديكم لتلاقطنوا فكيف يكون لشىء آخر ؟ نقول الجواب عنه من
وجهين (أحدهما) أن نقول كف أيديكم لئلا قطنوا لتدخلوا كما يقال أطعمته ليشبع ليغفر الله لى
أى الإطعام للشابع كان ليغفر (الثانى) هو أنا بينا أن لولاجوابه مادل عليه قوله (ثم الذين كفروا)
فيكون كأنه قال هم الذين كفروا واستحقوا التعجل فى إهلاكهم ، ولولا رجال لعجل بهم ولكن
كف أيديكم ليدخل (ثانيها) أن يقال فعل مافعل ليدخل لأن هناك أفعالاً من الألطاف والهداية
وغيرهما، وقوله ( ليدخل الله فى رحمته من يشاء) ليؤمن منهم من علم اللّه تعالى أنه يؤمن فى تلك
السنة أو ليخرج من مکه ويها جرفیدخلهم فى رحمته و قوله تعالى (لو تزيلوا) أى لو تميزوا، والضمير
يحتمل أن يقال هو ضمير الرجال المؤمنين والنساء المؤمنات، فإن قيل كيف يصح هذا وقد قلتم بأن
جواب لولا محذوف وهو قوله لما كف أو العجل ولو كان لو زيلوا راجعاً إلى الرجال لكان
لعذبنا جواب لولا ؟ نقول وقد قال به الزمخشرى فقال (لو تزيلوا) يتضمن ذكر لولا فيحتمل أن
يكون لعذبنا جواب لولا ، ويحتمل أن يقال هو ضمير من يشاء، كأنه قال ليدخل من يشاء فى رحمته
لو تزيلوا هم وتميزوا وآمنوا لعذبنا الذين كتب الله عليهم أنهم لا يؤمنون، وفيه أبحاث:
﴿ البحث الأول ) وهو على تقدير تفرضه فالكلام يفيد أن العذاب الأليم اندفع عنهم ، إما
بسبب عدم التزبيل ، أو بسبب وجود الرجال وعلم تقدير وجود الرجال والعذاب الأليم لايندفع