Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
قوله تعالى : ذلك بأن الذين كفروا . سورة محمد .
ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ اتَّبَعُوْ اَلْبَطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوْ أَتَّبَعُواْ الْحَقِّ مِن رَّبِهِمْ
الفرس يؤذى بالتلويث يخاطب الفارس به ، فكذلك الروح راكب والبدن من كوب ، فإن كانت
الروح مشغولة بعبادة الله و ذكره، و یصدر من البدن شیء لا يلتفت إليه ، بل يستحسن منه ذلك
ويزاد فى تربية الفرس الرا كض ويهجر الفرس الواقف ، وإن كان غير مشغول فهو مؤاخذ
بأفعال البدن .
قوله تعالى : ﴿ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم﴾
أى ذلك الإضلال والإبطال بسبب اتباعهم الباطل ، وفيه مسائل:
{ المسألة الأولى﴾ فى الباطل وجوه (الأول) مالا يجوز وجوده، وذلك لأنهم اتبعوا إلها
غير الله، وإله غير اللّه محال الوجود، وهو الباطل وغاية الباطل، لأن الباطل هو المعدوم، يقال
بطل كذا، أى عدم، والمعدوم الذى لا يجوز وجوده ولا يمكن أن يوجد، ولا يجوز أن يصير
حقاً موجوداً ، فهو فى غاية البطلان ، فعلى هذا فالحق هو الذى لا يمكن عدمه وهو الله تعالى،
وذلك لأن الحق هو الموجود ، يقال تحقق الأمر ، أى وجد وثبت ، والموجود الذى لا يجوز
عدمه هو فى غاية الثبوت (الثانى ) الباطل الشيطان بدليل قوله تعالى (لأملأن جهنم منك وممن
تبعك منهم أجمعين) فبين أن الشيطان متبوع وأتباعه هم الكفار والفجار ، وعلى هذا فالحق هو
اللّه، لأنه تعالى جعل فى مقابلة حزب الشيطان حزب الله (الثالث ) الباطل ، هو قول كبراتهم
ودين آبائهم ، كما قال تعالى عنهم (إنا وجدناآباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون) ومفتدون
فعلى هذا الحق ما قاله النبى عليه السلام عن الله (الرابع) الباطل كل ما سوى الله تعالى، لأن الباطل
والهالك بمعنى واحد. و (كل شىء هالك إلا وجهه) وعلى هذا فالحق هو الله تعالى أيضاً.
﴿ المسألة الثانية) لو قال قائل من ربهم لا يلائم إلا وجهاً واحداً من أربعة أوجه، وهو
قولنا المراد من الحق هو ما أنزل الله وما قال التى عليه السلام من الله، فأما على قولنا الحق هو الله
فكيف يصح قوله (اتبعوا الحق من ربهم) نقول على هذا من ربهم لا يكون متعلقاً بالحق ، وإنما
يكون تعلقه بقوله بقوله تعالى (اتبعوا) أى اتبعوا أمر ربهم، أى من فضل الله أوهداية ربهم اتبعوا
الحق ، وهو الله سبحانه .
﴿ المسألة الثالثة) إذا كان الباطل هو المعدوم الذى لايجوز وجوده، فكيف يمكن اتباعه؟
نقول لما كانوا يقولون إنما يفعلون للأصنام وهى آلهة وهى تؤجر ثم بذلك كانوا متبعين فى زعمهم ،
ولا متبع هناك.

٤٢
قوله تعالى : كذلك يضرب الله للناس أمثالهم . سورة محمد .
٣
كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ لِلنَّاسِ أَمْثَلَهُمْ
المسألة الرابعة ﴾ قال فى حق المؤمنين (اتبعوا الحق من ربهم) وقال فى حق الكفار
(اتبعوا الباطل) من آلهتهم أو الشيطان، نقول أما آلهتهم فلأنهم لا كلام لهم ولا عقل ، وحيث
ینطقهم الله ینکرون فعلھم ، کما قال تعالى ( ویوم القيامة یکفرون بشر کكم) وقال تعالى( وکاوا
بعبادتهم كافرين) والله تعالى رضى بفعلهم وثبتهم عليه، ويحتمل أن يقال قوله (من ربهم) عائد
إلى الأمرين جميعاً، أى من ربهم اتبع هؤلاء الباطل، وهؤلاء الحق، أى من حكم ربهم، ومن
عند ربهم .
قوله تعالى: ﴿ كذلك يضرب الله للناس أمثالهم﴾ وفيه أيضاً مسائل:
المسألة الأولى﴾ أى مثل ضربه اللّه تعالى حتى يقول(كذلك يضرب الله للناس أمثالهم)؟
نقول فيه وجهان ( أحدهما) إضلال أعمال الكفار وتكفير سيئات الأبرار (الثانى) كون
الكافر متبعاً للباطل، وكون المؤمن متبعاً للحق، ويحتمل وجهين آخرين (أحدهما) على قولنا
(من ربهم) أى من عند ربهم اتبع هؤلاء الباطل وهؤلاء الحق ، نقول هذا مثل يضرب عليه جميع
الأمثال، فان الكل من عند الله الإضلال وغيره والاتباع وغيره (وثانيهما) هو أن الله تعالى لما
بين أن الكافر يضل الله عمله والمؤمن يكفر الله سيئاته، وكان بين الكفر والإيمان مباينة ظاهرة
فإنهما ضدان، نبه على أن السبب كذا أى ليس الإضلال والتكفير بسبب المضادة والاختلاف بل
بسبب اتباع الحق والباطل، وإذا علم السبب فالفعلان قد يتحدان صورة وحقيقة وأحدهما يورث
إبطال الأعمال والآخر يورث تكفير السيئات بسبب أن أحدهما يكون فيه اتباع الحق والآخر
اتباع الباطل ، فإن من يؤمن ظاهراً وقلبه مملوء من الكفر، ومن يؤمن بقلبه وقلبه مملوء من الإيمان
اتحد فعلاهما فى الظاهر ، وهما مختلفان بسبب اتباع الحق واتباع الباطل ، لابدع من ذلك فإن من
يؤمن ظاهراً وهو يسر الكفر، ومن يكفر ظاهراً بالإكراه وقلبه مطمئن بالإيمان اختطف الفعلان
فى الظاهر، وإبطال الأعمال لمن أظهر الإيمان بسبب أن اتباع الباطل من جانبه فكانه تعالى قال
الكفر والإيمان مثلان يثبت فيهما كان وعلم سببه، وهو اتباع الحق والباطل، فكذلك اعلموا
أن كل شىء اتبع فيه الحق كان مقبولا مثابً عليه، وكل أمر اتبع فيه الباطل كان مردوداً معاقباً عليه
فصار هذا عاماً فى الأمثال، على أنا نقول قوله ( كذلك) لا يستدعى أن يكون هناكمثل مضروب
بل معناه أنه تعالى لما بين حال الكافر وإضلال أعماله وحال المؤمن وتكفير سيئاته وبين السبب
فيهما ، كان ذلك غاية الإيضاح فقال ( كذلك) أى مثل هذا البيان (يضرب الله للناس أمثالهم) ويبين
لهم أحوالهم .
﴿ المسألة الثانية) الضمير فى قوله (أمثالهم) عائد إلى من؟ فيه وجهان: (أجدهما) إلى الناس

٤٣
قوله تعالى : فإذا لقيتم الذين كفروا سورة محمد .
فَإِذَا لَقِيتُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ الْرِقَابِ حََّ إِذَا أْخَهُمُوهُمْ
كافة قال تعالى (يضرب الله للناس أمثالهم) على أنفسهم (وثانيهما) إلى الفريقين السابقين فى الذكر
معناه: يضرب اللّه للناس أمثال الفريقين السابقين.
قوله تعالى: ﴿فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أتختموم﴾. وفيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ الفاء فى قوله (فإذا لقيتم) يستدعى متعلقاً يتعلق به ويترتب عليه، فما وجه
التعلق بما قبله؟ نقول هو من وجوه: (الأول) لما بين أن الذين كفروا أضل الله أعمالهم
واعتبار الإنسان بالعمل، ومن لم يكن له عمل فهو همج فإن صار مع ذلك بؤذى حسن إعدامه (فإذا
لقيتم) بعد ظهور أن لا حرمة لهم وبعد إبطال أعمالهم، فاضربوا أعناقهم ( الثانى) إذا تبين تباين
الفريقين وتباعد الطريقين ، وأن أحدهما يتبع الباطل وهو حزب الشيطان، والآخر يتبع الحق وهو
حزب الرحمن حق القتال عند التحزب ، فاذا لقيتموهم فاقتلوهم (الثالث ) أن من الناس من يقول .
لضعف قلبه وقصور نظره إيلام الحيوان من الظلم والطغيان ، ولا سيما القتل الذى هو تخريب
بنيان، فيقال رداً عليهم: لما كان اعتبار الأعمال باتباع الحق والباطل فمن يقتل فى سبيل الله لتعظيم
أمر الله لهم من الأجر ما للمصلى والصائم، فإذا لقيتم الذين كفروا فاقتلوهم ولا تأخذكم بهما رأفة
فإن ذلك اتباع للحق والاعتبار به لا بصورة الفعل .
المسألة الثانية ﴾ (فضرب ) منصوب على المصدر، أى فاضربوا ضرب الرقاب.
المسألة الثالثة﴾ ما الحكمة فى اختيار ضرب الرقبة على غيرما من الأعضاء تقول فيه: لما
بين أن المؤمن ليس يدافع إنما هو دافع، وذلك أن من يدفع الصائل لا ينبغى أن يقصد أولا مقتله
بل يتدرج ويضرب على غير المقتل ، فإن أندفع فذاك ولا يترقى إلى درجة الاهلاك، فقال تعالى
ليس المقصود إلا دفعهم عن وجه الأرض، وتطهير الأرض منهم، وكيف لا والأرض لكم
مسجد، والمشركون نجس ، والمسجد يطهر من النجاسة ، فإذا ينبغى أن يكون قصدكم أولا إلى
قتلهم بخلاف دفع الصائل ، والرقبة أظهر المقاتل لأن قطع الحلقوم والأ وداج مستلزم للموت
لكن فى الحرب لا يتهيأ ذلك، والرقبة ظاهرة فى الحرب ففى ضربها حز العنق وهو مستلزم الموت
بخلاف سائر المواضع، ولا سيما فى الحرب، وفى قوله (لقيتم) ما يني. عن مخالفتهم الصائل لأن
قوله ( لقيتم ) يدل على أن القصد من جانبهم بخلاف قولنا لقيكم، ولذلك قال فى غير هذا الموضع
( فاقتلوهم حيث ثقفتموهم).
المسألة الرابعة﴾ قال ههنا (ضرب الرقاب) بإظهار المصدر وترك الفعل، وقال فى الأنفال
( فاضربوا فرق الأعناق ) بإظهار الفعل ، وترك المصدر ، فهل فيه فائدة ؟ نقول نعم ولنبينها بتقديم
مقدمة ، وهى أن المقصود أولا فى بعض السور قد يكون صدور الفعل من فاعل ويتبعه المصدر

٤٤
قوله تعالى : فشدوا الوثاق . سورة محمد .
٠٠٠٠١٠٠
فَشُدُّواْ الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنَا بَعْدُ وَإِمَا فِدَآءً
ضمناً ، إذ لا يمكن أن يفعل فاعل إلا ويقع منه المصدر فى الوجود، وقد يكون المقصود أولا المصدر
ولكنه لا يوجد إلا من فاعل فيطلب منه أن يفعل ، مثاله من قال: إنى حلفت أن أخرج من المدينة.
فيقال له: فأخرج، صار المقصود منه صدور الفعل منه والخروج فى نفسه غير مقصود الانتفاء، ولو
أمكن أن يخرج من غير تحقق الخروج منه لما كان عليه إلا أن يخرج لكن من ضرورات الخروج
أن يخرج، فإذا قال قائل ضاق بى المكان بسبب الأعداء فيقال له مثلا الخروج يعنى الخروج فاخرج
فإن الخروج هو المطلوب حتى لو أمكن الخروج من غير فاعل لحصل الغرض لكنه محال فيقبعه
الفعل ، إذا عرفت هذا فنقول فى الأنفال الحكاية عن الحرب الكائنة وهم كانوا فيها والملائكهأنزلوا
لنصرة من حضر فى صف القتال فصدور الفعل منه مطلوب ، وههنا الأمر وارد وليس فى وقت
القتال بدليل قوله تعالى (فإذا لقيتم) والمقصود بيان كون المصدر مطلوباً لتقدم المأمور على
الفعل قال (فضرب الرقاب) وفيما ذكرنا تبيين فائدة أخرى وهى أن الله تعالى قال هناك (واضربوا
منهم كل بنان) وذلك لأن الوقت وقت القتال فأرشدهم إلى المقتل وغيره إن لم يصيبوا المقتل،
وههنا ليس وقت القتال فبين أن المقصود القتل وغرض المسلم ذلك .
﴿ المسألة الخامسة﴾ حتى لبيان غاية الأمر لالبيان غاية القتل أى (حتى إذا اتخنتموم) لا بقى
الأمر بالقتل، ويبقى الجواز ولو كان لبيان القتل لما جاز القتل، والقتل جائز إذا التجق المثخن
بالشيخ الهرم، والمراد كما إذا قطعت يداه ورجلاه فنهى عن قتله .
قوله تعالى: ﴿ فشدوا الوثاق﴾ أمر إرشاد.
قوله تعالى : ﴿فإما مناً بعد وإما فداء ﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ (إما) وإنما للحصر وحالهم بعد الأسر غير منحصر فى الأمرين ، بل
يجوز القتل والاسترقاق والمن والفداء، نقول هذا إرشاد فذكر الأمر العام الجائز فى سائر
الأجناس، والاسترقاق غير جائز فى أسر العرب، فإن النبي ربيع كان معهم فلم يذكر الاسترقاق،
وأما القتل فلأن الظاهر فى المثخن الإزمان، ولأن القتل ذكره بقوله (فضرب الرقاب) فلم
يبق إلا الامران.
المسألة الثانية﴾ مناً وفداء منصوبان لكونهما مصدرين تقديره: فإما تمنون مناً وإما تفدون
فداء وتقديم المن على الفداء إشارة إلى ترجيح حرمة النفس على طلب المال ، والفداء يجوز أن
يكون مالا يكون وأن يكون غيره من الأسرى أو شرطاً بشرط عليهم أو عليه وحده .
المسألة الثالثة) إذا قدرنا الفعل وهو تمنون أو تفدون على تقدير المفعول ، حتى نقول
إما تمنون عليهم منا أو تفدونهم فداء، نقول لا. لأن المقصود المن والفداء لا عليهم وبهم كما يقول

٤٥
قوله تعالى : حتى تضع الحرب أوزارها . سورة محمد .
حَتَّى تَضَعَ الْحَرَّبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَآءُ اللَّهُ لَ نْتَصَرَ مِنْهُمْ
القائل : فلان يعطى ويمنع ولا يقال يعطى زيداً ويمنع عمراً لأن غرضه ذكر كونه فاعلا لا بيان
المفعول ، وكذلك ههنا المقصود إرشاد المؤمنين إلى الفضل .
قوله تعالى : ﴿حتى تضع الحرب أوزارها﴾.
وفى تعلق ( حتى) وجهان ( أحدهما ) تعلقها بالقتل أى اقتلوهم حتى تضع (وثانيهما) بالمن
والفداء، ويحتمل أن يقال متعلقة بشدوا الوثاق وقعلقها بالقتل أظهر وإن كان ذكره أبعد ، وفى
الأوزار وجهان (أحدهما) السلاح (والثانى) الآثام وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ إن كان المراد الإثم، فكيف تضع الحرب الإثم والإثم على المحارب؟
وكذلك السؤال فى السلاح لكنه على الأول أثد توجهاً ، فيقول تضع الحرب الأوزار لا من
نفسها، بل تضع الأوزار التى على المحاربين والسلاح الذى عليهم .
المسألة الثانية ) هل هذا كقوله تعالى (واسئل القرية) حتى يكون كأنه قال حتى تضع أمة
الحرب أو فرقة الحرب أوزارها؟ نقول ذلك محتمل فى النظر الأول ، لكن إذا أمعنت فى المعنى
تجد بينهما فرقاً ، وذلك لأن المقصود من قوله (حتى تضع الحرب أوزارها) الحرب بالكلية بحيث
لا يبقى فى الدنيا حزب من أحزاب الكفر يحارب حزباً من أحزاب الإسلام، ولو قلنا حتى
تضع أمة الحرب جاز أن يضعوا الأسلحة ويتركوا الحرب وهى باقية بمادتها كما تقول خصومتى
ما انفصلت ولكنى تركتها فى هذه الأيام ، وإذا أسندنا الوضع إلى الحرب يكون معناه إن
الحرب لم يبق .
﴿ المسألة الثالثة﴾ لو قال حتى لا يبقى حزب أو ينفر من الحرب هل يحصل معنى قوله (حتى
تضع الحرب أو زارها) نقول لا والتفاوت بين العبارة من مع قطع النظر عن النظم، بل النظر إلى
نفس المعنى كالتفاوت بين قولك انقرضت دولة بنى أمية ، وقولك لم يبق من دولتهم أثر ، ولا شك
أن الثانى أبلغ، فكذلك ههنا قوله تعالى (أوزارها) معناه آثارها فإن من أوزار الحرب آثارها.
﴿ المسألة الرابعة﴾ وقت وضع أوزار الحرب متى هو؟ نقول فيه أقوال حاصلها راجع إلى
أن ذلك الوقت هو الوقت الذى لا يبقى فيه حزب من أحزاب الإسلام وحزب من أحزاب الكفر
وقيل ذلك عند قتال الدجال ونزول عيسى عليه السلام .
قوله تعالى : ﴿ ذلك ولو يشاء الله لا نتصر منهم﴾.
فى معنى ذلك وجهان (أحدهما ) الأمر ذلك والمبتدأ محذوف ويحتمل أن يقال ذلك واجب
أو مقدم، كما يقول القائل إن فعلت فذاك أى فذاك مقصود ومطلوب ، ثم بين أن قتالهم ليس
طريقاً متعيناً بل الله لو أراد أهلكهم من غير جند .

٤٦
قوله تعالى : ولكن ليبلو بعضكم بعض . سورة محمد .
وَلَكِن لِيَبْلُواْ بَعْضَكُمْ بِبَعْضِ وَالَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَلَهُمْ
قوله تعالى: ﴿ ولكن ليبلو بعضكم ببعض﴾.
أى ولكن ليكلفكم فيحصل لكم شرف باختياره إيا كم لهذا الأمر . فإن قيل ما التحقيق فى
قولنا التكليف ابتلاء وامتحان والله يعلم السر وأخفى، وماذا يفهم من قوله ( ولكن ليبلو بعضكم
ببعض)؟ تقول فيه وجوه (الأول) أن المراد منه يفعل ذلك فعل المبتلين أى كما يفعل المبتلى المختبر،
ومنها أن الله تعالى يبلو ليظهر الأمر لغيره إما للملائكة وإما الناس، والتحقيق هو أن الابتلاء
والامتحان والاختبار فعل يظهر بسبه أمر غير متعين عند العقلا، بالنظر إليه قصداً إلى ظهوره ،
وقولنا فعل يظم بسيبه أمر ظاهر الدخول فى مفهوم الابتداء، لأن ما لا يظهر بسببه شىء أصلا
لا يسمى ابتلاء ، أما قولنا أمر غير متعين عند العقلاء ، وذلك لأن من بضرب بسيفه على القثاء
والخيار لا يقال إنه يمتحن، لأن الأمر الذى يظهر منه متعين وهو القطع والقد بقسمين ، فإذا
ضرب بسيفه سبعاً يقال يمتحن بسيفه ليدفع عن نفسه وقد يقده وقد لا يقده، وأما قولنا ليظهر
منه ذلك فلأن من يضرب سبعاً بسيفه ليدفعه عن نفسه لا يقال إنه متحن لأن ضربه ليس لظهور
أمر متعين، إذا علم هذا فتقول الله تعالى إذا أمرنا بفعل يظهر بسببه أمر غير متعين، وهو إما
الطاعة أو المعصية فى العقول ليظهر ذلك يكون متحناً ، وإن كان عالماً بهالكون عدم العلم مقارناً فينا
لابتلائنا فإذا ابتلينا وعدم العلم فينا مستمر أمرنا وليس من ضرورات الابتلاء ، فإن قيل الابتلاء
فائدته حصول العلم عند المبتلى، فإذا كان الله تعالى عالماً فأية فائدة فيه ؟ نقول ليس هذا -ؤال يختص
بالابتلاء، فإن قول القائل: لم ابتلى كقول القائل لم عاقب الكافر وهو مستغن، ولم خلق النار محرفة
وهو قادر على أن يخلقها بحيث تنفع ولا تضر؟ (وجوابه) لا يسأل عما يفعل ، ونقول حينئذ ما قاله
المتقدمون إنه لظهور الامر المتعين لاله، وبعد هذا فنقول: المبتلى لا حاجة له إلى الأمر الذى يظهر
من الابتلاء، فإن الممتحن للسيف فيما ذكرنا من الصورة لا حاجة له إلى قطع ما يجرب السيف فيه
حتى أنه لو كان محتاجاً ، كما ضربنا من مثال دفع السبع بالسيف لا يقال إنه يمتحن وقوله (ليبلو بعضكم
ببعض) إشارة إلى عدم الحاجة تقريراً لقوله ( ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم).
قوله تعالى: ﴿ والذين قتلوا فى سبيل الله فلن يضل أعمالهم﴾
قرى. قتلوا وقاتلوا والكل مناسب لما تقدم، أما من قرأ قتلوا ملأنه لما قال (فضرب الرقاب)
ومعناه فاقتلوهم بين ما للقاتل بقوله (الذين قتلوا فى سبيل الله فلن يضل أعمالهم) زداً على من زعم
أن القتل فساد محموم إذ هو إفناء من هو مكرم، فقال عملهم ليس كمسنة الكافر يبطل بل هو فوق
حسنات الكافر أضل الله أعمال الكفار، ولن يضل القاتلين، فكيف يكون القتل سيئة، وأما من
قر! (قاتلوا) فهو أكثرفائدة وأعم تناولا، لأنه يدخل فيه من سعى فى القتل سواء قتل أو لم يقتل، وأما
من قرأ (والذين قتلوا) على البناء للمفعول فنقول هى مناسبة لما تقدم من وجوه (أحدها) هو أنه تعالى

٤٧
قوله تعالى : سيهديهم ويصلح بالهم . سورة محمد .
سَيَهْدِهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ
لما قال ( فضرب الرقاب ) أى أقتلوا والقتل لا يتأتى إلا بالإقدام وخوف أن يقتل المقدم يمنعه من
الإقدام، فقال لاتخافوا القتل فان من يقتل فى سبيل الله له من الأجر والثواب ما لا يمنع المقاتل من
القتال بل بحثه عليه (وثانيها) هو أنه تعالى لما قال (ليبلو بعضكم ببعض) والمبتلى بالشىء له على كل وجه
من وجوه الأثر الظاهر بالابتلاء حال من الأحوال، فإن السيف الممتحن تزيد قيمته على تقدير أن
يقطع وتنقص على تقدير أن لا يقطع فال المبتلين ماذا فقال إن قتل فله أن لايضل عمله ويهدى
ويكرم ويدخل الجنة ، وأما إن قتل فلا يخفى أمره عاجلا وآجلا ، وترك بيانه على تقدير كونه
قائلا لظهوره وبين حاله على تقدير كونه مقتولا ( وثالثها) هو أنه تعالى لما قال ( ليبلوكم) ولا
يبتلى الشىء النفيس بما يخاف منه هلاكه، فإن السيف المهند العضب الكبير القيمة لا يجرب بالشى.
الصلب الذى يخاف عليه منه الانكسار، ولكن الآدمى مكرم كرمه الله وشرفه وعظمه ، فلماذا
ابتلاه بالقتال وهو يفضى إلى القتل والهلاك إفضاء غير نادر، فكيف يحسن هذا الابتلاء؟ فنقول
القتل ليس بإهلاك بالنسبة إلى المؤمن فإنه يورث الحياة الأبدية فإذا ابتلاه بالقتال فهو على تقدير
أن يقتل مكرم وعلى تقدير أن لا يقتل مكرم هذا إن قاتل وإن لم يقاتل ، فالموت لابد منه وقد فوت
على نفسه الأجر الكبير
وأما قوله تعالى (فلن يضل أعمالهم) قد علم معنى الإضلال ، بقى الفرق بين العبار تین فی حق
الكافر والضال قال أضل وقال فى حق المؤمن الداعى لن يضل، لأن المقاتل داع إلى الإيمان لأن
قوله ( حتى تضع الحرب أو زارها) قد ذكر أن معناه حتى لم يبق إثم بسبب حرب ، وذلك حيث
يسلم الكافر فالمقاتل يقول إما أن تسلم وإما أن تقتل ، فهو داع والكافر صاد وبينهما تباين وقضاد
فقال فى حق الكافر أضل بصيغة الماضى، ولم يقل يضل إشارة إلى أن عمله حيث وجدعدم، وكأنه
لم يوجد من أصله، وقال فى حق المؤمن فلن يضل، ولم يقل ما أضل إشارة إلى أن عمله كلما ثبت
عليه أثبت له ، فلن يضل للتأبيد وبينهما غاية الخلاف، كما أن بين الداعى والصاد غاية التباين والتضاد،
فإن قيل ما معنى الفاء فى قوله ( فلن يضل)؟ جوابه لأن فى قوله تعالى (والذين قالوا) معنى الشرط.
قوله تعالى : ﴿ سیہديهم
إن قرى. (قتلوا) أو (قاتلوا) فالهداية محمولة على الآجلة والعاجلة، وإن قرى. ( قتلوا ) فهو
الآخرة ( سيهديهم ) طريق الجنة من غير وقفة من قبورهم إلى موضع حبورهم .
وقوله ﴿ ويصلح بالهم﴾ .
قد تقدم تفسيره فى قوله تعالى (أصلح بالهم) والماضى والمستقبل راجع إلى أن هناك وعدم
ما وعدهم بسبب الإيمان والعمل الصالح ، وذلك كان واقعاً منهم فأخبر عن الجزاء بصيغة تدل على

٤٨
قوله تعالى : ويدخلهم الجنة عرفها لهم . سورة محمد .
وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ ﴿َ يَأْيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تَنصُرُواْ اللَّهَ يَنْصُرْ كُرْ
وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾
الوقوع، وههنا وعدهم بسبب القتال والقتل، فكان فى اللفظ ما يدل على الاستقبال ، لأن قوله تعالى
(فإذا لقيتم) يدل على الاستقبال فقال ( ويصلح بالهم)
قوله تعالى : ﴿ويدخلهم الجنة ﴾.
وكأن الله تعالى عند حشرثم يهديهم إلى طريق الجنة ويلبسهم فى الطريق خلع الكرامة، وهو
إصلاح البال ( ويدخلهم الجنة ) فهو على ترتيب الوقوع .
. أما قوله ﴿عرفها لهم﴾. ففيه وجوه: (أحدها) هو أن كل أحد يعرف منزلته ومأواه ،
حتى أن أهل الجنة يكونون أعرف بمنازلهم فيها من أهل الجمعة ينتشرون فى الأرض کل احد یأوى
إلى منزله، ومنهم من قال الملك الموكل بأعماله يهديه (الوجه الثانى) (عرفها لهم) أى طيبها يقال
طعام معرف (الوجه الثالث ) قال الزمخشرى يحتمل أن يقال عرفها لهم حددها من عرف الدار
وأرفها أى حددها ، وتحديدها فى قوله ( وجنة عرضها السموات والأرض) ويحتمل أن يقال
المراد هو قوله تعالى ( وتلك الجنة التى أور ثتموها) مشيراً إليها معرفاً لهم بأنها هى تلك وفيه وجه
آخر وهو أن يقال معناه ( عرفها لهم ) قبل القتل فإن الشهيد قبل وفاته تعرض عليه منزلته فى الجنة
فيشتاق إليها (ووجه ثان) معناه ( ويدخلهم الجنة ) ولا حاجة إلى وصفها فانه تعالي (عرفها لحم)
مراراً ووصفها (ووجه ثالث) وهو من باب تعريف الضالة فإن الله تعالى لما قال (إن الله اشترى
من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة) فكأنه تعالى قال من يأخذ الجنة ويطلبها بماله أو بنفسه
فالذى قتل سمع التعريف وبذل ماطلب منه عليها فأدخلها ، ثم إنه تعالى لما بين ماعلى القتال من
الثواب والأجر وعدهم بالنصر فى الدنيا زيادة فى الحت ليزداد منهم الإقدام .
فقال ﴿يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم) وفى نصر الله تعالى
وجوه: (الأول) إن تنصروا دين الله وطريقه (والثانى) إن تنصروا حزب الله وفريقه (الثالث)
المراد نصرة الله حقيقة، فنقول النصرة تحقيق مطلوب أحد المتعاديين عند الاجتهاد والأخذ فى
تحقيق علامته ، فالشيطان عدو الله يجتهد فى تحقيق الكفر وغلبة أهل الإيمان، والله يطلب قمع
الكفر وإهلاك أهله وإفناء من اختار الإشراك بجهله، فمن حقق نصرة الله حيث حقق مطلوبه لا تقول
حقق مراده فإن مراد الله لا يحققه غيره، ومطلوبه عند أهل السنة غير مراده فإنه طلب الإيمان
من الکافر ولم یرده وإلا لوقع.
ثم قال (ينصر كم) فإن قيل فعلام قلت إذا نصر المؤمنين الله تعالى، فقد حقق ما طلبه، فكيف

٤٩
قوله تعالى : والذين كفروا فتعساً لهم . سورة محمد .
وَالَّذِينَ كَفَرُواْ فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَلَهُمْ (٨ّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُواْ مَا أَنَزَّلَ الله
فَأَحْبَطَ أَعْمَهُمْ هِ أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى الْأَرْضِ فَيَنْظُرُ وْكَيْفَ كَانَ عَنْقِبَةُ الَّذِينَ
مِن قَبْلِهِمْ
يحقق ماطلبه العبد وهو شىء واحد، فنقول المؤمن ينصر الله بخروجه إلى القتال وإقدامه، والله
ينصره بتقويته وتثبيت أقدامه ، وإرسال الملائكة الحافظين له من خلفه وقدامه .
قوله تعالى : ﴿والذين كفر فتمساً لهم﴾
هذا زيادة فى تقوية قلوبهم ، لأنه تعالى لما قال (ويثبت أقدامكم) جازأن يتوهم أن الكافرأيضاً
يصير ويثبت للقتال فيدوم القتال والحراب والطعان والضراب ، وفيه المشقة العظيمة فقال تعالى
لكم الثبات ولهم الزوال والتغير والهلاك فلا يكون الثبات، وسبيه ظاهر لأنآلهتهم جمادات لا قدرة
لها ولا ثبات عند من له قدرة ، فهى غير صالحة لدفع ما قدره الله تعالى عليهم من الدمار، وعند هذا
لابد عن زوال القدم والعثار، وقال فى حق المؤمنين ويثبت بصيغة الوعد لأن الله تعالى لا يجب
عليه شىء، وقال فى حقهم بصيغة الدعاء، وهى أبلغ من صيغة الإخبار من الله لأن عثارهم واجب
لأن عدم النصرة من آلهتهم واجب الوقوع إذلا قدرة لها والتثبيت من اللّه ليس بواجب الوقوع،
لأنه قادر مختار يفعل ما يشاء.
وقوله ﴿وأضل أعمالهم﴾ إشارة إلى بيان مخالفة موتاهم لقتلى المسلمين، حيث قال فى حق قبلام
(فلن يضل أعمالهم) وقال فى موتى الكافرين (وأضل أعمالهم) .
ثم بين الله تعالى سبب ما اختلفوافيه فقال ﴿ ذلك بأنهم كرهوا ما أنزال اللّه فأحبط أعمالهم) وفيه
وجوه (الأول) المراد القرآن، ووجه هوأن كيفية العمل الصالح لا تعلم بالعقل وإنما تدرك بالشرع
والشرع بالقرآن فلما أعرضو لم يعرفوا العمل الصالح وكيفية الإتيان به، فأتوا بالباطل فأحبط أعمالهم
(الثانى) ( كرهوا ما أنزل الله) من بيان التوحيد كما قال الله تعالى عنهم (أثنا لتاركوا آلهتنا) وقال تعالى
(أجعل الآلهة إلهاً واحداً) إلى أن قال (إن هذا إلا اختلاق) وقال تعالى (وإذا ذكر الله وحده
اشمازت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة) ووجهه أن الشرك محبط للعمل، قال الله تعالى (لئن
أشركت ليحبطن عملك) وكيف لا والعمل من المشرك لا يقع لوجه اللّه فلا بقاء له فى نفسه
ولا بقاء له ببقاء من له العمل ، لأن ماسوى وجه الله تعالى هالك محبط (الثالث) ( كرهوا ما أنزل
اللّه) من بيان أمر الآخرة فلم يعملوا لها، والدنيا وما فيها ومآلها باطل، فأحبط الله أعمالهم.
وقوله ﴿ أفلم يسيروا فى الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ﴾ .
الفخر الرازي - ج ٢٨ م ٤

٥٠
قوله تعالى : دمر الله عليهم . سورة محمد .
ذَالِكَ بِأَنَّ اللّهَ مَوْلَى الَّذِينَ
دَفَّىَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَّفِرِينَ أَمْثَلُهَا شَـ
ءَامَنُواْ وَأَنَّ الْكَفِرِينَ لَامَوَّلَى لَهُمْ
فيه مناسبة للوجه الثالث يعنى فينظروا إلى حالهم ويعلموا أن الدنيا فانية.
وقوله ﴿دمر الله عليهم﴾ أى أهلك عليهم متاع الدنيا من الأموال والأولاد والأزواج
والأجساد .
قوله تعالى: ﴿وللكافرين أمثالها ﴾ يحتمل وجهين (أحدهما) أن يكون المراد لهم أمثالها فى
الدنيا، وحينئذ يكون المراد من الكافرين هم الكافرون بمحمد عليه الصلاة والسلام (وثانيهما)
أن يكون المراد لهم أمثالها فى الآخرة، فيكون المراد من تقدم كأنه بقولی: دمی الله علیهم فىالدنيا
ولهم فى الآخرة أمثالها ، وفى العائد إليه ضمير المؤنث فى قوله (أمثالها) وجهان (أحدهما) هو
المذكور وهو العاقبة (وثانيهما) هو المفهوم وهو العقوبة، لأن التدمير كان عقوبة لهم، فان قيل
على قولنا المراد للكافرين بمحمد عليه السلام أمثال ما كان لمن تقدمهم من العاقبة يرد سؤال، وهو
أن الأولين أهلكوا بوقائع شديدة كالزلازل والنيران وغيرهما من الرياح والطوفان، ولا كذلك
قوم محمد صلى الله عليه وسلم، نقول جاز أن يكون عذابهم أشد من عذاب الأولين لتكون دين محمد
أظهر بسبب تقدم الأنبياء عليهم السلام عليه وإخبارهم عنه وإنذارهم به على أنهم قتلوا وأسروا
بأيديهم من كانوا يستخفونهم ويستضعفونهم والقتل بيد المثل آلم من الهلاك بسبب عام (وسؤال
آخر ) إذا كان الضمير عائداً إلى العاقبة فكيف يكون لها أمثال؟ قلنا يجوز أن يقال المراد العذاب
الذى هو مدلول العاقبة أو الألم الذى كانت العاقبة عليه.
قوله تعالى: ﴿ ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولی لهم ﴾
(ذلك) يحتمل أن يكون إشارة إلى النصر وهو اختيار جماعة ذكره الواحدى، ويحتمل وجهاً
آخر أغرب من حيث النقل، وأقرب من حيث العقل، وهو أنا لما بينا أت قوله تعالى (والكافرين
أمثالها) إشارة إلى أن قوم محمد عليه الصلاة والسلام أهلكوا بأيدى أمثالهم الذين كانوا لايرضون
بمجالستهم وهو آلم من الهلاك بالسبب العام ، قال تعالى (ذلك) أى الإهلاك والموان بسبب
أن الله تعالى ناصر المؤمنين، والكافرون اتخذوا آلهة لا تنفع ولا تضر، وتركوا الله فلا ناصر لهم
ولا شك أن من ينصره الله تعالى يقدر على القتل والأسر وإن كان له ألف ناصر فضلاعن أن يكون
لا ناصر لهم، فان قيل كيف الجمع بين قوله تعالى (لامولى لحم) وبين قوله (مولاهم الحق) نقول المولى
ورد بمعنى السيد والرب والناصر حيث قال (لامولى لهم) أراد لا ناصر لهم، وحيث قال (مولاهم
الحق) أى ربهم ومالكهم، كما قال (يا أيها الناس اتقوا ربكم) وقال (ربكم ورب آبائكم الأولين)

٥١
قوله تعالى : إن الله يدخل الذين آمنوا . سورة محمد .
إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأُنْهَُ
وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَ تَأْكُلُ الْأَنْعَثُمُ وَالنَّارُ مَثْوَّى لَهُمْ لَـ
وفى الكلام تباين عظيم بين الكافر والمؤمن . لأن المؤمن ينصره الله وهو خير الناصرين، والكافر
لامولى له بصيغة نافيه للجنس ، فليس له ناصر وإنه شر الناصرين .
:
قوله تعالى : ﴿إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجرى من تحتها الأنهار
والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لحم
لما بين اللّه تعالى حال المؤمنين والكافرين فى الدنيا بين حالهم فى الآخرة . وقال إنه يدخل
/أؤمن الجنة والكافر النار وفيه مسائل :
المسألة الأولى ﴾ كثيراً ما يقتصر الله على ذكر الأنهار فى وصف الجنة لأن الأنهار يتبعها
الأشجار والأشجار تتبعها الثمار ولأنه سبب حياة العالم، والنار سبب الإعدام، وللمؤمن الماء
ينظر إليه وينتفع به، وللكافر النار يتقلب فيها ويتضرر بها.
المسألة الثانية﴾ ذكرنا مراراً أن من فى قوله من تحتها الأنهار يحتمل أن يكون صلة معناه
تجرى تحتها الأنهار ، ويحتمل أن يكون المراد أن ما. ها منها لا يجرى إليها من موضع آخر، فيقال
هذا النهر منبعه من أين؟ يقال من عين كذا من تحت جبل كذا .
﴿ المسألة الثالثة﴾ قال (والذين كفروا يتمتعون) خصهم بالذكر مع أن المؤمن أيضاً له
التمتع بالدنيا وطيباتها، نقول من يكون له ملك عظيم ويملك شيئاً يسيراً أيضاً لا يذكر إلا بالملك
العظيم، يقال فى حق الملك العظيم صاحب الضيعة الفلانية ومن لا يملك إلا شيئاً يسيراً فلا يذكر
إلا به ، فالمؤمن له .لك الجنة فمتاع الدنيا لا يلتفت إليه فى حقه والكافر ليس له إلا الدنيا، ووجه
آخر: الدنيا للمؤمن سجن كيف كان ، ومن بأكل فى السجن لا يقال إنه يتمتع، فإن قيل كيف تكون
الدنيا سجناً مع مافيها من الطيبات؟ نقول للمؤمن فى الآخرة طيبات معدة وإخوان تمكرمون نسبتها
ونسبتهم إلى الدنيا ومن فيها تتبين بمثال ، وهو أن من يكون له بستان فيه من كل الثمرات الطيبة فى
غاية الذة وأنهار جارية فى غاية الصفاء ودور وغرف فى غاية الرفعة وأولاده فيها ، وهو قد
غاب عنهم سنين ثم توجه إليهم وهم فيها ، فلما قرب منهم عوق فى أجمة فيها من بعض الثمار العفصة
والمياه الكدرة، وفيها سباع وحشرات كثيرة، فهل يكون حاله فيها كمال مسجون فى بئر مظلمة وفى
بيت خراب أم لا؟ وهل يجوز أن يقال له اترك ماهو لك وتعلل بهذه الثمار وهذه الأنهار أم لا؟

٥٢
قوله تعالى : وكأين من قرية هي . سورة محمد .
وَكَأٍَِ مِنْ قَرْيَةٍ هِىَ أَشَدُّ قُوّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَِّّ أَنْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَهُمْ فَلَا
نَاصِرَ لَهُمْ (٤) أَقَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ، كَنْ زُيِّنَ لَهُر ◌ُسُوْءُ عَمَلِهِ، وَأَتْبَعُواْ
و
أَهْوَآءُهُم
كذلك حال المؤمن، وأما الكافر فى له كمال من يقدم إلى القتل فيصبر عليه أياماً فى مثل تلك
الأجمة التى ذكر ناها يكون فى جنة، ونسبة الدنيا إلى الجنة والنار دون ماذكرنا من المثال ، لكنه
يني. ذا البال، عن حقيقة الحال .
وقوله تعالى (كما تأكل الأنعام) يحتمل وجوهاً (أحدها ) أن الأنعام يهمها الأكل لا غير
والكافر كذلك والمؤمن يأكل ليعمل صالحاً ويقوى عليه (وثانيها) الأنعام لا تستدل بالمأكول
على خالقها والكافر كذلك (وثالثها) الأنعام تعلف لتسمن وهى غافلة عن الأمر، لا تعلم أنها كلما
كانت أسمن كانت أقرب إلى الذيح والهلاك ، وكذلك الكافر ويناسب ذلك قوله تعالى (والنار
مئوی لهم).
قال فى حق المؤمن (إن الله يدخل) بصيغة الوعد، وقال فى حق الكافر
المسألة الرابعة
(والنار مثوى لهم) بصيغة تنى. عن الاستحقاق لما ذكرنا أن الإحسان لا يستدعى أن يكون عن
استحقاق ، فالمحسن إلى من لم يوجد منه ما يوجب الإحسان كريم، والمعذب منغيراستحقاق ظالم.
قوله تعالى : ﴿وكأين من قرية هى أشد قوة من قريتك التى أخرجتك أهلكناهم فلا
ناصر لهم ﴾ .
لما ضرب الله تعالى لهم مثلا بقوله (أفلم يسيروا فى الأرض) ولم ينفعهم مع ما تقدم من
الدلائل ضرب للنبى عليه السلام مثلا تسلية له فقال ( وكاين من قرية هى أشد قوة من قريتك
التی ◌ُخر جتك أملکنام) وكانوا أشد من أهل مكة کذلك نفعل بهم ، فاصبر کما صبر رسلهم ،
وقوله ( فلا ناصر لهم) قال الزمخشرى كيف قوله (فلا ناصر لهم) مع أن الإهلاك ماض ، وقوله
( فلا ناصر لهم) الحال والاستقبال ؟ والجواب أنه محمول على الحكاية والحكاية كالحال الحاضر،
ويحتمل أن يقال أهلكناهم فى الدنيا فلا ناصر لحم ينصرهم ويخلصهم من العذاب الذى هم فيه ،
ويحتمل أن يقال قوله ( فلا ناصر لهم) عائد إلى أهل قرية محمد عليه السلام كأنه قال أهلكنا من
تقدم أهل قريتك ولا ناصر لأهل قريتك بنصرهم ويخلصهم ما جرى على الأولين .
ثم قال تعالى ﴿ أفن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءم).
اعلم أن هذا إشارة إلى الفرق بين النبى عليه السلام والكفار ليعلم أن إهلاك الكفار ونصرة

٥٣
قوله تعالى : مثل الجنة التي وعد . سورة محمد .
مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِى وُعِدَ الْمُتَّقُونٌ
النبى عليه السلام فى الدنيا محقق، وأن الحال يناسب تعذيب الكافر وإثابة المؤمن ، وقوله ( على
بينة) فرق فارق، وقوله ( من ربه) مكمل له ، وذلك أن البينة إذا كانت نظرية تكون كافية للفرق
بين المتمسك بها وبين القائل قولا لادليل عليه، فإذا كانت البينة منزلة من الله تعالى تكون أقوى
وأظهر فتكون أعلى وأبهر، ويحتمل أن يقال قوله (من ربه) ليس المراد إنزالها منه بل المراد
كونها من الرب بمعنى قوله ( يهدى من يشاء) وقولنا الهداية من اللّه، وكذلك قوله تعالى (كمن
زين له سوء عمله) فرق فارق، وقوله (واتبعوا أعوام) تكملة . وذلك أن من زين له سوء عمله
وراجت الشبهة عليه فى مقابلة من يتبين له اليرهان وقبله ، لكن من راجت الشبهة عليه قد يتفكر
فى الأمر ويرجع إلى الحق، فيكون أقرب إلى من هو على البرهان، وقد يتبع هواه ولا يتدبر فى
البرهان ولا يتفكر فى البيان فيكون فى غاية البعد، فإذن حصل النبى مؤتم والمؤمن مع الكافر فى
طرفى التضاد وغاية التباعد حتى مدهم بالبينة، والكافر له الشبهة وهو مع الله وأولاشك مع الهوى
وعلى قولنا (من ربه) معناه الإضافة إلى اللّه، كقولنا الهداية من الله، فقوله (اتبعوا أهواءهم) مع
ذلك القول يفيد معنى قوله تعالى ( ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك )
وقوله ( كمن زين له سوء عمله) بصيغة التوحيد محمول على لفظة من، وقوله ( واتبعوا أهواءهم )
محمول على معناه فإنها للجميع والعموم، وذلك لأن النزيين للكل على حد واحد فحمل على اللفظ
لقربه منه فى الحس والذكر، وعند اتباع الهوى، كل أحد يتبع هوى نفسه، فظهر التعدد تحمل
على المعنى .
قوله تعالى: ﴿مثل الجنة التى وعد المتقون
لما بين الفرق بين الفريقين فى الاهتداء والضلال . بين الفرق بينهما فى مرجعهما ومآ لهما ، وكما
قدم من على البينة فى الذكر على من اتبع هواه ، قدم حاله فى مآ له على حال من هو بخلاف حاله،
وفى التفسير مسائل :
المسألة الأولى﴾ قوله تعالى (مثل الجنة) يستدعى أمراً يمثل به فما هو ؟ نقول فيه وجوه:
(الأول) قول سيبويه حيث قال المثل هو الوصف معناه وصف الجنة ، وذلك لا يقتضى ممثلا به ،
وعلى هذا ففيه احتمالان (أحدهما ) أن يكون الخبر محذوفاً ويكون مثل الجنة مبتدأ تقدره فيا
قصصناه مثل الجنة ، ثم يستأنف ويقول فيها أنهار، وكذلك القول فى سورة الرعد يكون قوله تعالى
( تجرى من تحتها الأنهار ) ابتداء بیان (والاحتمال الثانی) أن یکون فيها أنهار و قوله ( تجرى من
تحتها) خبراً كما يقال صف لى زيداً، فيقول القائل: زيد أحمر قصير، والقول الثانى: أن المثل
زيادة والتقدير: الجنة التى وعد المتقون فيها أنهار. ( الوجه الثانى) ههنا الممثل به محذوف غير

٥٤
قوله تعالى : فيها انهار من ماء . سورة محمد .
75 ١١/٠٤/١٤ /٠٠٠٠١/٤
فِيهَا أَنْهَثْرٌ مِّن مَّآهٍ غَيْرَِاسِنٍ وَأَنْهَرْ مِن لَّبٍّ لَّمْ يَتَغَيََّ طَعْمُهُ، وَأَنْهٌَ مِنْ نَحْرٍ لَّذَّةٍ
٤٠٠٠٠٠٠١١/٠٤٠
للشّرِ بِينَ وَانَهْرٌ مِنْ عسلٍ مصفى
مذكور وهو يحتمل قولين (أحدهما) قال الزجاج حيث قال (مثل الجنة) جنة تجرى (فيها أنهار)
كما يقال مثل زيد رجل طويل أسمر فيذكر عين صفات زيد فى رجل منكر لا يكون هو فى الحقيقة
إلا زيداً (الثانى) من القولين هو أن يقال معناه ( مثل الجنة التى وعد المتقون) مثل عجيب ، أو
شىء عظيم. أو مثل ذلك، وعلى هذا يكون قوله ( فيها أنهار) كلاماً مستأنفاً محققاً لقولنا مثل عجيب
(الوجه الثالث) الممثل به مذكور وهو قول الزمخشرى حيث قال (كمن هو عائد فى النار)
مشبه به على طريقة الإنكار، وحينئذ فهذا كقول القائل حركات زيد أو أخلاقه كعمرو، وكذلك
على أحد التأويلين ، إما على تأويل كمركات عمرو أو على تأويل زيد فى حركاته كعمر، وكذلك
ههنا كأنه تعالى قال: مثل الجنة ، كمن هو خالد فى النار ، وهذا أقصى ما يمكن أن يقرر به قول
الزمخشرى، وعلى هذا فقوله تعالى (فيها أنهار) وما بعدهذا جمل اعتراضية وقعت بين المبتدأ والخبر
كما يقال نظير زيد فيه مروءة وعنده علم وله أصل عمرو.
قوله تعالى: ﴿ فيها أنهار من ماء غير آمن، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وأنهار من خمر لذة
الشاربين ، وأنهار من عسل مصفى﴾.
اختار الأنهار من الأجناس الأربعة، وذلك لأن المشروب إما أن يشرب لطعمه، وإما أن
يشرب لأمر غير عائد إلى الطعم، فان كان للطعم فالطعوم تسعة: المر والمالح والحريف والحامض
والعفص والقابض والتفه والحلو والدسم ألذها الحلو والدسم، لكن أخلى الأشياء العسل فذكره
وأما أدسم الأشياء فالدهن ، لكن الدسومة إذا تمحضت لا تطيب للأكل ولا للشرب، فإن الدهن
لا يؤكل ولا يشرب كما هو فى الغالب، وأما اللبن فيه الدسم الكائن فى غيره وهو طيب للأكل
وبه تغذية الحيوان أولا فذكره الله تعالى، وأما ما يشرب لا لأمر عائد إلى الطعم فالماء والخر فان
الخمر فيها أمر يشربها الشارب لأجله ، وهى كريمة الطعم باتفاق من يشربها وحصول التواز به ثم
عرى كل واحد من الأشياء الأربعة عن صفات النقص التى هى فيها وتتغير بها الدنيا فالماء يتغير
يقال أسن الماء يأسن على وزن أمن بأمن فهو آسن وأسن اللبن إذا قى زماناً تغير طعمه، والخمر
يكرهه الشارب عند الشرب. والعمل يشيربه أجزاء من الشمع ومن النحل يموت فيه كثيراً، ثم إن
اللّه تعالى خلط الجنسين فذكر الماء الذى يشرب لا الطعم وهو عام الشرب، وقرن به اللبن الذى
يشرب لطعمه وهو عام الشرب إذ ما من أحد إلا وكان شربه اللبن ، ثم ذكر الخمر الذى يشرب
لا الطعم وهو قليل الشرب، وقرن به العسل الذى يشرب للطعم وهو قليل الشرب، فإن قيل العسل

٥٥
قوله تعالى : ولهم فيها من كل الثمرات . سورة محمد .
وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الَّمَرَتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّنْ زَّيْهِمْ
لا يشرب، نقول شراب الجلاب لم يكن إلا من العسل والسكر قريب الزمان، ألا ترى أن السكنجين
من ((سركة وانكبين)) وهو الخل والعسل بالفارسية كما أن استخراجه كان أولا من الخل والعسل
ولم يعرف السكر إلا فى زمان متأخر، ولأن العسل اسم يطلق على غير عسل النحل حتى يقال عسل
النحل للتمييز والله أعلم .
﴿ المسألة الثانية﴾ قال فى الخمر (لذة للشاربين) ولم يقل فى اللبن لم يتغير طعمه للطاعمين
ولا قال فى العسل مصفى للناظرين لأن اللذة تختلف باختلاف الأشخاص فرب طعام يلتذ به شخص
ويعافه الآخر، فقال ( لذة للشاربين) بأسرهم ولأن الخمر كريهة الطعم فقال (لذة) أى لا يكون
فى خمر الآخرة كراهة الطعم ، وأما الطعم واللون فلا يختلفان باختلاف الناس ، فإن الحلو والحامض
وغيرهما يدركه كل أحد كذلك ، لكنه قد يعافه بعض الناس ويلتذ به البعض مع اتفاقهم على أن
له طعماً واحداً وكذلك اللون فلم يكن إلى التصريح بالتعميم حاجة، وقوله (لذة) يحتمل وجهين :
(أحدهما ) أن يكون تأنيث لذ يقال طعام لذ ولذيذ وأطعمة لذة ولذيذة ( وثانيهما) أن يكون ذلك
وصفاً بنفس المعنى لا بالمشتق منه كما يقال الحليم هو حلم كله وللعاقل كله .
ثم قال تعالى ﴿ ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم ).
بعد ذكر المشروب أشار إلى المأكول، ولما كان فى الجنة الأكل للذة لا للحاجة ذكر الثمار
فإنها تؤكل للذة بخلاف الخبز واللحم، وهذا كقوله تعالى فى سورة الرعد ( مثل الجنة التى وعد
المتقون تجرى من تحتها الأنهار أكلها دائم وظلها) حيث أشار إلى المأكول والمشروب ، وههنا
لطيفة وهى أنه تعالى قال فيها (وظلها) ولم يقل ههنا ذلك، نقول قال ههنا (ومغفرة) والظل فيه معنى
الستر والمغفرة كذلك، ولأن المغفور تحت نظر من رحمة الغافر يقال نحن تحت ظل الأمير، وظلها
هو رحمة الله ومغفر ته حیث لا يمسهم حر ولابرد.
﴿ المسألة الثالثة﴾ المتقى لا يدخل الجنة إلا بعد المغفرة فكيف يكون لهم فيها مغفرة؟ فنقول
(الجواب) عنه من وجهين: (الأول ) ليس بلازم أن يكون المعنى لهم مغفرة من ربهم فيها ،
بل يكون عطفاً على قوله (لهم) كأنه تعالى قال لهم الثمرات فيها ولهم المغفرة قبل دخولها (والثانى)
هو أن يكون المعنى لهم فيها مغفرة أى رفع التكليف عنهم فيأكلون من غير حساب بخلاف الدنيا
فإن الثمار فيها عليها حساب أو عقاب، ووجه آخر وهو أن الآكل فى الدنيا لا يخلوعن استنتاج قبيح
أو مكروه كمرض أو حاجة إلى تبرز ,فقال (لهم فيها من كل الثمرات ومغفرة) لاقبيح على الآكل بل
مستور القبائح مغفور ، وهذا استفدته من المعلمين فى بلادنا فإنهم يعودون الصبيان بأن يقولون

٥٦
قوله تعالى : کمن هو خالد في النار . سورة محمد .
كَنْ هُوَ خِدٌ فِ النَّارِ وَسُقُواْ مَاءَ حِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَآءَ هُمْ (٥
.**
وقت جاجتهم إلى إراقة البول وغيره: يا معلم غفر الله لك، فيفهم المعلم أنهم يطلبون الإذن فى الخروج
لقضاء الحاجة فيأذن لهم ، فقلت فى نفسى معناه هو أن الله تعالى فى الجنة غفر لمن أكل ، وأما فى
الدنيا ، فلأن للأكل توابع ولوازم لابد منها فيفهم من قولهم حاجتهم .
قوله تعالى: ﴿ كمن هو خالد فى النار وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم ﴾ وفيه أيضاً مسائل:
المسألة الأولى) على قول من قال (مثل الجنة) معناه وصف الجنة فقوله ( كمن هو)
بماذا يتعلق؟ نقول قوله ( لهم فيها من كل الثمرات ) يتضمن كونهم فيها فكأنه قال هوفيها كمن هو
خالد فى النار ، فالمشبه يكون محذوفا مدلولا عليه بما سبق ، ويحتمل أن يقال ماقيل فى تقرير قول
الزمخشرى أن المراد هذه الجنة التى مثلها ما ذكرنا كمقام من هو خالد فى النار .
المسألة الثانية﴾ قال الزجاج قوله تعالى (كمن هو خالد فى النار) راجع إلى ما تقدم كأنه
تعالى قال (أفن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله) وهو خالد فى النار فهل هو صحيح
أم لا ؟ نقول لنا نظر إلى اللفظ فيمكن تصحيحه بتعسف ونظر إلى المعنى لا يصح إلا بأن يعود إلى
ماذكرناه ، أما التصحيح فبحذف كمن فى المرة الثانية أو جعله بدلا عن المتقدم أو بإضمار عاطف
يعطف (كمن هو خالد) على ( كمن زين له سوء عمله) أو (كمن هو خالد فى النار)، وأما التعسف
فبين نظراً إلى الحذف وإلى الإضمار مع الفاصل الطويل بين المشبه والمشبه به، وأما طريقة البدل
ففاسدة وإلا لكان الاعتماد على الثانى فيكون كأنه قال : أفن كان على بينة كمن هو حالة.؟ وهو
سمج فى التشبيه تعالى كلام الله عن ذلك، والقول فى إضمار العاظف كذلك لأن المعطوف أبداً
يصير مستقلا فى التشبيه ، اللهم إلا أن يقال يقابل المجموع بالمجموع كأنه يقول: أفن كان على بينة
من ربه ، وهو فى الجنة التى وعد المتقون فيها أنهار، كمن زين له سوء عمله وهو خالد فى النار، وعلى
هذا تقع المقابلة بين من هو على بينة من ربه، وبين من زين له سوء عمله ، وبين من فى الجنة وبين
من هو خالد فى النار, وقد ذكرناه فلاحاجة إلى خلط الآية بالآية، وكيف وعلى ما قاله تقع المقابلة
بين من هو فى النار وسقوا ماء حميما وبين من هو على بينة من ربه وأية مناسبة بينهما، بخلاف ما
ذكرناه من الوجوه الأخر فإن المقابلة بين الجنة التى فيها الأنهار وبين النار التى فيها المساء الحميم
وذلك تشبيه إنكار مناسب .
﴿ المسألة الثالثة﴾ قال (كمن هو خالد) حملا على اللفظ الواحد وقال (وسقوا ماء حميا) على
المعنى وهو جمع وكذلك قال من قبل ( كمن زين له سوء عملها) على التوحيد والإفراد (واتبعوا
أهواءهم) على الجمع فما الوجه فيه ؟ نقول المسند إلى من إذا كان متصلا فرعاية اللفظ أولى لأنه هو
المسموع، وإذا كان مع انفصال قالعود إلى المعنى أولا، لأن اللفظ لا يبقى فى السمع، والمعنى يبقى فى ذهن
٠

٥٧
قوله تعالى : ومنهم من يستمع . سورة محمد .
وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ خَّىَ إِذَا ◌َجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُوالِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلَمَ مَاذَا
قَالَ ءَانِفًا
السامع فالحمل فى الثانى على المعنى أولى وحمل الأول على اللفظ أولى، فان قيل كيف قال فى سائر المواضع
(من آمن وعمل صالحاً) و(من قاب وأصلح)؟ نقول إذا كان المعطوف مفرداً أو شبيها بالمعطوف عليه فى
المعنى فالا ولى أن يختلفا كما ذكرت فإنه عطف مفرد على مفردو كذلك لو قال: كمن هو خالد فى النارو مهذب
فيها لأن المشابهة تنافى المخالفة، وأما إذا لم يكن كذلك كما فى هذا الموضع، فإن قوله (سقوا ما.) جملة
غير مشابهة لقوله (هو خالد) وقوله تعالى (وسقوا ما. حميما) بيان لمخالفتهم فى سائر أحوال أهل الجنة
فلهم أنهار من ماء غير آسن ، ولهم ماء حميم ، فإن قيل المشابه الإنكارية بالمخالفة على ما ثبت ، وقد
ذكرت البعض وقلت بأن قوله (على بينة) فى مقابلة (زين له سوء عمله) و (من ربه) فى مقابلة
قوله (واتبعوا أهواءهم) والجنة فى مقابلة النار فى قوله ( خالد فى النهار) والماء الحميم فى
مقابلة الأنهار، فأين ما يقابل قوله ( ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة) فنقول تقطع الأمعاء
فى مقابلة مغفرة لأنا بينا على أحد الوجوه أن المغفرة التى فى الجنة هى تعرية أكل الثمرات عما
يلزمه من قضاء الحاجة والأمراض وغيرها، كأنه قال: للمؤمن أكل وشرب مطهر طاهر لا يجتمع
فى جوفهم فيؤذيهم ويحوجهم إلى قضاء حاجة، وللكافر ماء حميم فى أول ما يصل إلى جوفهم يقطع
أمعاءهم ويشتهون خروجه من جوفهم، وأما الثمار فلم يذكر مقابلها ، لأن فى الجنة زيادة مذكوره
فتقها بذکر أمر زايد .
المسألة الرابعة﴾ الماء الحار يقطع أمعاءهم لأمر آخر غير الحرارة ، وهى الحدة التى تكون
فى السموم المدوفه (١)، وإلا فمجرد الحرارة لا يقطع، فإن قيل قوله تعالى (فقطع) بالفاء يقتضى أن
يكون القطع بما ذكر، نقول نعم، لكنه لا يقتضى أن يقال: يقطع ، لأنه ما. حيم تحسب ، بل
ماء حميم مخصوص يقطع.
قوله تعالى : ﴿ ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا الذين أوتوا العلم
ماذا قال آنفاً
لما بين اللّه تعالى حال الكافر ذكر حال المنافق بأنه من الكفار، وقوله (ومنهم) يحتمل أن
يكون الضمير عائداً إلى الناس، كما قال تعالى فى سورة البقرة (ومن الناس من يقول آمنا بالله) بعد ذكر
الكفار، ويحتمل أن يكون راجعاً إلى أهل مكة ، لأن ذكرهم سبق فى قوله تعالى (هى أشد قوة
من قريتك التى أخرجتك أهلكناهم) ويحتمل أن يكون راجعاً إلى معنى قوله ( كمن هو خالد فى النار
(١) (المدونة) بالنون وكلاها تصحيف ومعنى المدونة المعدة الشرب.

٥٨
قوله تعالى : أولئك الذين طبع . سورة محمد .
أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَتَّبَعُواْ أَهْوَآءَ هُمْ ﴾ وَلَّذِينَ أَهْتَدَوْاْ
زَادَهُمْ هُدًى وَءَ أَنْهُمْ تَقْوَنُهُمْ (3)
٤١٠١٠
وسقوا ماء حميما) يعنى ومن الخالدين فى النار قوم يستمعون إليك، وقوله ( حتى إذا خرجوا من
عندك) على ماذكرنا حمل على المعنى الذى هو الجمع، ويستمع حمل على اللفظ، وقد سبق التحقيق
فيه، وقوله ( حتى) للعطف فى قول المفسرين، وعلى هذا فالعطف بحتى لا يحسن إلا إذا كان
المعطوف جزءاً من المعطوف عليه إما أعلاه أو دونه، كقول القائل: أكرمنى الناس حتى الملك،
وجاء الحاج حتى المشاة، وفى الجملة ينبغى أن يكون المعطوف عليه من حيث المعنى)، ولا يشترط
فى العطف بالواو ذلك ، فيجوز أن تقول فى الواو: جاء الحاج وما علمت ، ولا يجوز مثل ذلك
فى حتى، إذا عليت هذا فوجه التعلق مهنا هو أن قوله ( حتى إذا خرجوا من عندك) يفيد معنى
زائداً فى الاستماع كأنه يقول: يستمعون استماعاً بالغاً جيداً، لأنهم يستمعون وإذا خرجوا
يستعيدون من العلماء كما يفعله المجتهد فى التعلم الطالب للنفهم ، فإن قلت فعلى هذا يكون هذا صفة
مدح لهم، وهو ذكرهم فى معرض الذم، نقول يتميز بما بعده وهو أحد أمرين: إما كونهم بذلك
مستهزئين ، كالذكى يقول للبليد: أعد كلامك حتى أفهمه ، ويرى فى نفسه أنه مستمع إليه غاية
الاستماع، وكل أحد يعلم أنه مشترزى. غير مستفيد ولا مستعيد، وإما كونهم لا يفهمون مع أنهم
- يستمعون ويستعيدون، ويناسب هذا الثانى قوله تعالى (كذلك يطبع الله على قلوب المجرمين) ،
والأول يؤكده قوله تعالى (وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون) والثانى
يؤكده قوله تعالى ( قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلنا ولما يدخل الإيمان فى
قلوبكم) وقوله ( آنفاً) قال بعض المفسرين: معناه الساعة، ومنه الاستئناف وهو الابتداء ، فعلى
هذا فالأولى أن يقال يقولون ماذا قال آنفا بمعنى أنهم يستعيدون كلامه من الابتداء، كما يقول
المستعيد للمعيد: أعد كلامك من الابتداء حتى لا يفوتنى شىء منه.
قوله تعالى: ﴿ أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم﴾.
أى تركوا اتباع الحق إما بسبب عدم الفهم ، أو بسبب عدم الاستماع للاستفادة واتبعوا ضده.
قوله تعالى: ﴿ والذين اهتدوا زادهم هدى وآتام تقوام﴾.
لما بين اللّه تعالى أن المنافق يستمع ولا ينتفع، ويستعيد ولا يستفيد، بين أن حال المؤمن
المهتدى بخلافه، فإنه يستمع فيفهم، ويعمل بما يعلم، والمنافق يستعيد، والمهتدى يفسر ويعيد ،
وفيه فائدتان (إحداهما) ماذكرنا من بيان التباين بين الفريقين (وثانيهما) قطع عذر المنافق
وإيضاح کونه مذموم الطريقة ، فإنه لو قال مافهمته لغموضه و کونه معمی ، یرد عليه ويقول ليس

٠٩
فوله تعالى : وآتاهم تقواهم . سورة محمد .
كذلك، فإن المهتدى فهم واستنبط لوازمه وتوابعه ، فذلك لعما. القلوب، لا خفاء المطلوب.
وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ ما الفاعل للزيادة فى قوله (زادهم)؟ نقول فيه وجوه (الأول) المسموع
من النبى عليه الصلاة والسلام من كلام الله وكلام الرسول يدل عليه قوله (ومنهم من يستمع إليك)
فإنه يدل على مسموع، والمقصود بيان التباين بين الفريقين، فكأنه قال: هم لم يفهموه، وهؤلاء
فهموه (والثانى) أن الله تعالى زادهم ويدل عليه قوله تعالى ( أولئك الذين طبع الله على قلوبهم)
وكأنه تعالى طبع على قلوبهم فزادهم عمى، والمهتدى زاده هدى ( والثالث ) استهزاء المنافق زاد
المهتدى هدى، ووجهه أنه تعالى لما قال (واتبعوا أهواءهم) قال ( والذين اهتدوا زادمٍ)
انباعهم الهدى هدى، فإنهم استقبحوا فعلهم فاجتنبوه.
﴿ المسألة الثانية﴾ ما معنى قوله (وآناهم تقواهم) ؟ نقول فيه وجوه منقولة ومستنبطة ، أما
المنقولة فنقول : قيل فيه إن المراد آتاهم ثواب تقواهم ، وقيل آتاهم نفس تقوام من غير إضمار ،
يعنى بين لهم التقوى ، وقيل آتاهم توفيق العمل بما علموا. وأما المستنبط فنقول: يحتمل أن يكون
المراد به بيان حال المستمعين للقرآن الفاهمين لمعانيه المفسرين له بياناً لغاية الخلاف بين المنافق ،
فإنه استمع ولم يفهمه، واستعاد ولم يعلمه، والمهتدى فإنه عليه وبينه لغيره ، ويدل عليه قوله تعالى
(زادهم هدى) ولم يقل اهتداء، والهدى مصدر من هدى، قال الله تعالى (فبهداهم اقتده) أى
خذ بما هدوا ، واهتد كما عدوا، وعلى هذا فقوله تعالى (وآتاهم تقواهم ) معناه جنبهم عن القول
فى القرآن بغير برهان، وحملهم على الاتقاء من التفسير بالرأى ، وعلى هذا فقوله (زادهم هدى)
معناه كانوا مهتدين فزادهم على الاهتداء هدى حتى ارتقوا من درجة المهتدين إلى درجة الهادين
ويحتمل أن يقال قوله (زادهم هدى) إشارة إلى العلم (وآتاهم تقواهم) إشارة إلى الأخذ
بالاحتياط فيما لم يعلموه، وهو مستنبط من قوله تعالى (فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون
أحسنه) وقوله ( والراسخون فى العلم يقولون آمنا به).
(المعنى الثالث) يحتمل أن يكون المراد بيان أن المخلص على خطر فهو أخشى من غيره ،
وتحقيقه هو أنه لما قال (زادهم مدى) أفاد أنهم ازداد علمهم، وقال تعالى (إنما يخشى الله من
عباده العلماء ) فقال آتاهم خشيتهم التى يفيدها العلم .
(والمعنى الرابع) بتقواهم من يوم القيامة كما قال تعالى ( يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا
يوماً لا يجزى والد عن ولده) ويدل عليه قوله تعالى (فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة) كان
ذكر الساعة عقيب التقوى يدل عليه .
(المعنى الخامس) آتاهم تقواهم، التقوى التى تليق بالمؤمن ، وهى التقوى التى لا يخاف معها
لومة لائم .

٦٠
قوله تعالى : فهل ينظرون إلا الساعة . سورة محمد .
فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةُ فَقَدْجَاءَ أَقْرَاءُهَا فَأَقَّى لَهُمْ إِذَا
جآءَتْهُمْذِ رُهُمْ﴾
ثم قال تعالى (الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله) وكذلك
قوله تعالى ( ياأيها النبى اتق الله ولا قطع الكافرين والمنافقين) وهذا الوجه مناسب لأن الآية
لبيان تباين الفريقين ، وهذا يحقق ذلك، من حيث إن المنافق كان يخشى الناس وهم الفريقان،
المؤمنون والكافرون فكان يتردد بينهما ويرضى الفريقين ويسخط الله فقال الله تعالى المؤمن المهتدى
بخلاف المنافق حيث علم ذاك ولم يعلم ذلك واتقى الله لاغير، واتقي ذلك غير الله.
قوله تعالى: ﴿ فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها﴾.
يعنى الكافرون والمنافقون لا ينظرون إلا الساعة، وذلك لأن البراهين قد حث والأمور
قد اتضحت وهم لم يؤمنوا فلا يتوقع منهم الإيمان إلا عند قيام الساعة وهو من قبيل بدل الاشتمال
على تقدير لا ينظرون إلا الساعة إتيانها بغتة ، وقرى. ( فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم) على
الشرط وجزاؤه لا ينفعهم ذكراهم، يدل عليه قوله تعالى ( فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم)، وقد
ذكرنا أن القيامة سميت بالساعة لساعة الأمور الواقعة فيها من البعث والحشر والحساب.
وقوله (فقد جاء أشراطها) يحتمل وجهين (أحدهما) لبيان غاية عنادهم وتحقيقه هو أن
الدلائل لما ظهرت ولم يؤمنوا لم يبق إلا إيمان اليأس وهو عند قيام الساعة لكن أشرماها
بانت فكان ينبغى أن يؤمنو ولم يؤمنوافهم فى لجة الفساد وغاية العناد (ثانيهما) يكون لتسلية
قلوب المؤمنين كأنه تعالى لما قال ( فهل ينظرون) فهم منه تعذيبهم والساعة عند العوام مستبطأة
فكأن قائلا قال متى تكون الساعة ؟ فقد جاء أشراطها كقوله تعالى (اقتربت الساعة وانشق
القمر) والأشراط العلامات ، قال المفسرون هى مثل انشقاق القمر ورسالة محمد عليه السلام ،
ويحتمل أن يقال معنى الأشراط البينات الموضحة لجواز الحشر ، مثل خلق الإنسان ابتداء وخلق
السموات والأرض ، كما قال تعالى (أوليس الذى خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق
مثلهم) والأول هو التفسير .
قوله تعالى: ﴿فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم﴾ يعنى لا تنفعهم الذكرى إذ لا تقبل التوبة ولا
يحسب الإيمان، والمراد فكيف لهم الحال إذا جاءتهم ذكراهم ، ومعنى ذلك يحتمل أن يكون هو
قوله تعالى (هذا يومكم الذی كنتم توعدون ، هذا يوم الفصل الذی کنتم به تكذبون) فيذكرون
به للتحسر، وكذلك قوله تعالى (ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء
يومكم هذا) .