Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
قوله تعالى : فيها يفرق كل أمر حكيم . سورة الدخان .
إلا به، وأما بيان أن هذه الليلة ليلة مباركة فهو أمران: (أحدهما) أنه تعالى يفرق فيها كل أمر حكيم،
و (الثانى) أن منث الأمر الحكيم مخصوصاً بشرف أنه إنما يظهر من عنده، وإليه الإشارة بقوله
(أمراً من عندنا).
﴿ وأما النوع الثالث) فهو بيان شرف القرآن لشرف منزله وذلك هو قوله (إنا كنا مرسلين)
فبين أن ذلك الإنذار والإرسال إنما حصل من اللّه تعالى، ثم بين أن ذلك الإرسال إنما كان لأجل
تكميل الرحمة وهو قوله (رحمة من ربك) وكان الواجب أن يقال رحمة ميز إلا أنه وضع الظاهر
موضع المضمر إيذاناً بأن الربوبية تقتضى الرحمة على المربوبين، ثم بين أن تلك الرحمة وقعت على
وفق حاجات المحتاجين لأنه تعالى يسمع تضرعاتهم، ويعلم أنواع حاجاتهم ، فلهذا قال ( إنه هو
السميع العليم) فهذا ماخط البال فى كيفية تعلق بعض هذه الآيات ببعض.
﴿ المسألة الثامنة﴾ فى تفسير مفردات هذه الألفاظ، أما قوله تعالى ( إنا أنزلناه فى ليلة
مباركة ) فقد قيل فيه إنه تعالى أنزل كلية القرآن من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا فى هذه الليلة، ثم
أنزل فى كل وقت ما يحتاج إليه المكلف، وقيل يبدأ فى استنساخ ذلك من اللوح المحفوظ فى ليلة البراءة
ويقع الفراغ فى ليلة القدر فتدفع نسخة الأرزاق إلى ميكائيل، ونخة الحروب إلى جبرائيل
وكذلك الزلازل والصواعق والخف، ونسخة الأعمال إلى إسمعيل (١) صاحب سماء الدنيا وهو
ملك عظيم، ونسخة المصائب إلى ملك الموت .
أما قوله تعالى (فيها يفرق) أى فى تلك الليلة المباركة يفرق أى يفصل ويبين من قولهم فرقت
الشىء أفرقه فرقاً وفرقاناً، قال صاحب الكشاف وقرى. يفرق بالتشديد ويفرق على إسناد الفعل
إلى الفاعل ونصب كل والفارق هو الله عز وجل ، وقرأ زيد بن على نفرق بالنون .
أما قوله (كل أمر حكيم) فالحكيم معناه ذو الحكمة، وذلك لأن تخصيص الله تعالى كل أحد
بحالة معينة من العمر والرزق والأجل والسعادة والشقاوة يدل على حكمة بالغة لله تعالى، فلما كانت
تلك الأفعال والأقضية دالة على حكمة فاعلها وصفت بكونها حكيمة، وهذا من الإسناد المجازى،
لأن الحكيم صفة صاحب الأمر على الحقيقة ووصف الأمر به مجاز، ثم قال (أمراً من عندنا)
وفى انتصاب قوله (أمراً) وجهان: (الأول) أنه نصب على الاختصاص، وذلك لأنه تعالى بين
شرف تلك الأقضية والأحكام بسبب أن وصفها بكونها حكيمة ، ثم زاد فى بيان شرفها بأن قال
أغنى بهذا الأمر أمراً حاصلا من عندنا كائنا من لدنا، وكما اقتضاه علمنا وتدبيرنا (والثانى) أمه
نصب على الحال وفيه ثلاثة أوجه: (الأول) أن يكون حال من أحد الضميرين (فى أنزلناه)، إما
من ضمير الفاعل أى (إنا أنزلناه) آمرين أمراً أو من ضمير المفعول أى (إنا أنزلناه) فى حال كونه
امرأً من عندنا بما يجب أن يفعل ( والثالث) ما حكاه أبو على الفارسى عن أبى الحسن رحمهما
أقله أنه حمل قوله (امرأً) على الحال وذو الحال قوله (كل امر حكيم) وهو نكراً.
(١) هكذا فى الأصل والمعروف المشهور المتواتر أن اسمه ((إسرافيل).
الفخر الرازي - ج ٢٧ م ١٦

٢٤٢
قوله تعالى : فارتقب يوم تأتي السماء . سورة الدخان .
فَأَرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِىِ السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ (٢) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٥)
أَنَّى لَهُمُ الذِّكَرَى وَقَدْ جَاءَ هُمْ رَسُولٌ
رَبَّنَا أَكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ
مُبِينٌ ( ثُمَّ تَوَلَّوْ عَنْهُ وَقَالُواْ مُعَلَمٌ مَجْنُونُ (2) إِنَّا كَلِفُواْ الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ
عَِدُونَ (٥) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَىَ إِنَّا مُنْتَقِمُونَ
ثم قال (إنا كنا مرسلين) يعنى أنا إنما فعلنا ذلك الإنذار لأجل (إنا كنا مرسلين) يعنى الأنبياء.
ثم قال ( رحمة من ربك ) أى للرحمة فهى نصب على أن يكون مفعولا له .
ثم قال (إنه هو السميع العليم ) يعنى أن تلك الرحمة كانت رحمة فى الحقيقة لأن المحتاجين، إما
أن يذكروا بألسنتهم حاجاتهم، وإما أن لا يذكروها فإن ذكروها فهو تعالى يسمع كلامهم فيعرف
حاجاتهم، وإن لم يذكروها فهو تعالى عالم بها فثبت أن كونه (سميعاً عليما) يقتضى أن ينزل رحمته عليهم
ثم قال ﴿رب السموات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين﴾ وفيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ عاصم وحمزة والكسائى بكسر الباء من رب عطفاً على قوله (رحمة
من ربك ) والباقون بالرفع عطفاً على قوله ( هو السميع العليم ).
المسألة الثانية﴾ المقصود من هذه الآية أن المنزل إذا كان موصوفاً بهذه الجلالة والكبرياء
كان المنزل الذى هو القرآن فى غاية الشرف والرفعة .
المسألة الثالثة﴾ الفائدة فى قوله ( إن كنتم موقنين) من وجوه (الأول) قال أبو مسلم
معناه إن كنتم تطلبون اليقين وتريدونه ، فاعرفوا أن الأمر كما قلنا، كقولهم فلان منجد متهم أى
يريد نجداً وتهامة ( الثانى) قال صاحب الكشاف كانوا يقرون بأن السموات والأرض رباً
وخالقاً فقيل لهم إن إرسال الرسل وإنزال الكتب رحمة من الرب سبحانه وتعالى، ثم قيل إن هذا
هو السميع العليم الذى أنتم مقرون به ومعترفون بأنه رب السموات والأرض وما بينهما إن كان
إقراركم عن علم ويقين، كما تقول هذا إنعام زيد الذى تسامح الناس بكرمه إن بلغك حديثه
وسمعت قصته، ثم إنه تعالى رد أن يكونوا موقنين بقوله (بل هم فى شك يلعبون) وأن إقرارهم
غير صادر عن علم ويقين ولا عن جد وحقيقة بل قول مخلوط بهزء ولغب والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿فار تقب يوم تأتى السماء بدخان مبين، يغشى الناس هذا عذاب أليم ، ربنا اكشف
عنا العذاب إنامؤمنون، أنى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين، ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون،
إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون، يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون ﴾

٢٤٣
قوله تعالى : فارتقب يوم تأتي السماء ، سورة الدخان .
اعلم أن المراد بقوله ( فار تقب ) انتظر ويقال ذلك فى المكروه، والمعنى انتظر يا محمد عذابهم
حذف مفعول الارتقاب لدلالة ما ذكر بعده عليه وهو قوله (هذا عذاب أليم) ويجوز أيضاً أن
يكون ( يوم تأتى السماء) مفعول الارتقاب وقوله ( بدخان ) فيه قولان .
﴿ الأول) أن التى تمر ◌ّ دعا على قومه بمكة لما كذبوه فقال ((اللهم اجعل سنيهم كسنى
يوسف)) فارتفع المطر وأجدبت الأرض وأصابت قريشاً شدة المجاعة حتى أكلوا العظام والكلاب
والجيف ، فكان الرجلى لما به من الجوع يرى بينه وبين السماء كالدخان ، وهذا قول ابن عباس
رضى الله عنهما فى بعض الروايات ومقاتل ومجاهد واختيار الفراء والزجاج وهو قول ابن مسعود
رضى الله عنه وكان ينكر أن يكون الدخان إلا هذا الذى أصابهم من شدة الجوع كالظلمة فى أبصارهم
حتى كانوا كأنهم يرون دخاناً، فالحاصل أن هذا الدخان هو الظلمة التى فى أبصارهم من شدة الجوع،
وذكر ابن قتيبة فى تفسير الدخان بهذه الحالة وجهين (الأول) أن فى سنة القحط يعظم يبس الأرض
بسبب انقطاع المطر وير تفع المطر وير تفع الغبار الكثير ويظلم الهواء، وذلك يشبه الدخان ولهذا
يقال لسنة الجماعة الغبراء (الثانى) أن العرب يسمون الشر الغالب بالدخان فيقول كان بيننا أمر ارتفع
له دعان ، والسبب فيه أن الإنسان إذا اشتد خوفه أو ضعفه أظلمت عيناه فيرى الدنيا كالمملوءة
من الدخان .
﴿ والقول الثانى) فى الدخان أنه دخان يظهر فى العالم وهو إحدى علامات القيامة، قالوا
فإذا حصلت هذه الحالة حصل لأهل الإيمان منه حالة تشبة الزكام، وحصل لأهل الكفر حالة
يصير لأجلها رأسه كرأس الحنيذ، وهذا القول هو المنقول عن على بن أبى طالب عليه السلام وهو
قول مشهور لابن عباس واحتج القائلون بهذا القول بوجوه (الأول) أن قوله ( يوم تأتى السماء
بدغان ) يقتضى وجود دعان تأتى به السماء وما ذكر تموه من الظلمة الحاصلة فى العين بسبب شدة
الجوع غذاك ليس بدعان أتت به السماء فكان حمل لفظ الآية على هذا الوجه عدولا عن الظاهر
لالدليل منفصل، وإنه لا يجوز (الثانى) أنه وصف ذلك الدخان بكونه مبيناً، والحالة التى ذكر تموها
ليست كذلك لأنها عارضة تعرض لبعض الناس فى أدمغتهم ، ومثل هذا لا يوصف بكونها دعاناً
مبيناً (والثالث) أنه وصف ذلك الدخان بأنه يغشى الناس، وهذا إنما يصدق إذا وصل ذلك
الدعان إليهم واتصل بهم والحال الى ذكر تموها لا توصف بأنها تغشى الناس إلا على سبيل الحجاز
وقد ذكرنا أن العدول من الحقيقة إلى الحجاز لا يجوز إلا لدليل منفصل (الرابع) روى عن النبى
صلى الله عليه وسلم أنه قال ((أول الآيات الدخان ونزول عيسى ابن مريم عليهما السلام ونار
تخرج من قعر عدن تسوق الناس إلى المحشر، قال حذيفة يارسول الله وما الدخان فتلا رسول الله
صلى الله عليه وسلم الآية وقال دخان يملأ ما بين المشرق والمغرب يمكث أربعين يوما وليلة، أما
المؤمن فيصيبه كهيئة الزكمة ، وأما الكافر فهو كالسكران يخرج من منخريه وأذنيه ودبره )) رواه

٢٤٤
قوله تعالى : أنى لهم الذّكرى . سورة الدخان.
صاحب الكشاف ، وروى القاضى عن الحسن عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال (( باكروا
بالأعمال ستاً، وذكر منها طلوع الشمس من مغربها والدجال والدخان والدابة) أما القاتلون
بالقول الأول ، فلاشك أن ذلك يقتضى صرف اللفظ عن حقيقته إلى المجاز، وذلك لا يجوز إلا
عند قيام دليل يدل على أن حمله على حقيقته ممتنع والقوم لم يذكروا ذلك الدليل فكان المصير إلى
ماذكروه مشكلا جداً ، فإن قالوا الدليل على أن المرادماذكرناه، أنه تعالى حكى عنهم أنهم يقولون
(ربنا ا كشف عنا العذاب إنا مؤمنون) وهذا إذا حملناه على القحط الذى وقع بمكه استقام
فإنه نقل أن القحط لما اشتد بمكة مشى إليه أبو سفيان وناشده بالله والرحم ووعده أنه إن
دما لهم وأذال الله عنهم تلك البلية أن يؤمنوا به ، فلا أزال اللّه تعالى عنهمذلك رجعوا إلى شر کهم،
أما إذا حملناه على أن المراد منه ظهور علامة من علامات القيامة لم يصح ذلك ، لأن عند ظهور
علامات القيامة لا يمكنهم أن يقولوا ( ربنا ا كشف عنا العذاب إنا مؤمنون) ولم يصح أيضاً
أن يقال لهم (إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون) (والجواب) لم لا يجوز أن يكون ظهور
هذه العلامة جارياً مجرى ظهور سائر علامات القيامة فى أنه لا يوجب انقطاع التكليف فتحدث هذه
الحالة، ثم إن الناس يخافون جدا فيتضرعون، فإذا زالت تلك الواقعة عادوا إلى الكفر والفسق ،
وإذا كان هذا محتملا فقد سقط ما قالوه والله أعلم .
ولنرجع إلى التفسير فنقول قوله تعالى ( يوم تأتى السماء بدخان مبين) أى ظاهر الحال لايشك
أحد فى أنه دخان يغشى الناس أى يشملهم وهو فى محل الجر صفة لقوله (بدعان) وفى قوله (هذا
عذاب أليم) قولان (الأول) أنه منصوب المحل بفعل مضمر وهو (يقولون) ويقولون منصوب
على الحال أى قائلين ذلك ( الثانى) قال الجرجانى صاحب النظم هذا إشارة إليه وإخبار عن دنوه
واقترابه كما يقال هذا العدو فاستقبله والغرض منه التنبيه على القرب .
ثم قال (ربنا ا كشف عنا العذاب) فان قلنا التقدير يقولون (هذا عذاب أليم ربنا اكشف عنا
العذاب) فالمعنى ظاهر وإن لم يضمر القول هناك أضمرناه ههنا والعذاب على القول الأول هو
القحط الشديد، وعلى القول الثانى الدخان المهلك (إنا. ؤمنون) أى بمحمد وبالقرآن، والمراد
منه الوعد بالإيمان إن كشف عنهم العذاب .
قوله تعالى : ﴿أنى لهم الذكرى﴾ يعنى كيف يتذكرون وكيف يتعظون بهذه الحالة وقد
جاءهم ماهو أعظم وأدخل فى وجوب الطاعة وهو ما ظهر على رسول الله من المعجزات القاهرة.
والبينات الباهرة (ثم تولوا عنه) ولم يلتفتوا إليه (وقالوا .. لم مجنون) وذلك لأن كفار مكا كان
لهم فى ظهور القرآن على محمد عليه الصلاة والسلام قولان منهم من كان يقال إن محمداً يتعلم هذه
الكلمات من بعض الناس لقوله ( إنما يعلمه بشر لسان الذى لحدون إليه أعجمى) وكقوله تعالى

٢٤٥
قوله تعالى : ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون . سورة الدخان .
وَلَقَدْ فَنَّا قَبْلُهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَ هُمْ رَسُولُ كَرِيمُ ﴾ أَنْ أَدُواْ إِلَىَّ عِبَادَ اللَّهِإِنِ
لَكُرُ رَسُولُّ أَمِينٌ ﴾ وَأَن ◌َّا تَعْلُواْ عَلَى الَِّ إِّءَاتِيَكُ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ( وَإِى
◌ُدْتُ بِرَبِى وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْبُونِ ﴾ وَ إِن لَّمْ تُؤْمِنُوْلِ فَاعْتَزِلُونِ (٨﴾ فَدَا رَبَهُ مٍ أَنَّ
هَؤُلَآءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (8) فَأَسْرِ بِعِبَادِى لَيْلًا إِنَّكُم ◌ُتَبَعُونَ ◌َّهَ وَأَثْرُكِ اَلْبَحْرَ رَهْوًّا
(وأعانه عليه قوم آخرون) ومنهم من كان يقول إنه مجنون والجن يلقون عليه هذه الكلمات حالى
ما يعرض له الغشى .
ثم قال تعالى ( إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون) أى كما يكشف العذاب عنكم تعودون
فى الحال إلى ما كنتم عليه من الشرك ، والمقصود التنبيه على أنهم لا يوفون بعهدهم وأنهم فى حال
العجز يتضرعون إلى الله تعالى، فإذا زال الخوف عادوا إلى الكفر والتقليد لمذاهب الأسلاف.
ثم قال تعالى ( يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون) قال صاحب الكشاف : وقرى.
نبطش بضم الطاء، وقرأ الحسن نبطش بضم النون كانه تعالى يأمر الملائكة بأن يبطشرا بهم والبطش
الأخذ بشدة، وأكثر ما يكون بوقع الضرب المتتابع ثم صار بحيث يستعمل فى إيصال الآلام
المتتابعة ، وفى المراد بهذا اليوم قولان:
(القول الأول) أنه يوم بدر وهو قول ابن مسعود وابن عباس ومجاهد ومقاتل وأبى العالية
رضى اللّه تعالى عنهم ، قالوا إن كفار مكة لما أزال اللّه تعالى عنهم القحط والجوع عادوا إلى
التكذيب فانتقم الله منهم يوم بدر .
(والقول الثانى) أنه يوم القيامة روى عكرمة عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أنه قال
قال ابن مسعود: البطشة الكبرى يوم بدر ، وأنا أقول هى يوم القيامة، وهذا القول أصح لأن
يوم بدر لا يبلغ هذا المبلغ الذى يوصف بهذا الوصف العظيم ، ولأن الانتقام التام إنما يحصل يوم
القيامة لقوله تعالى (اليوم تجزى كل نفس بما كسبت) ولأن هذه البطشة لما وصفت بكونها كبرى
على الإطلاق وجب أن تكون أعظم أنواع البطش وذلك ليس إلا فى القيامة ولفظ الانتقام فى
حق الله تعالى من المتشابهات كالغضب والحياء والتعجب، والمعنى معلوم والله أعلم.
قوله تعالى : ﴿ ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون وجاءهم رسول كريم، أن أدوا إلى عباد الله إنى
لكم رسول أمین ، وأن لا تعلوا علی الله إنی آتیکم بسلطان مبين، وإنی عدت بریی وربكم أن
ترجمون، وإن لم تؤمنوا لى فاعتزلون ، فدعا ربه أن هؤلاء قوم مجرمون ، فأسر بعبادي ليلا

٢٤٦
قوله تعالى : وجاءهم رسول كريم . سورة الدخان .
إِنَهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (٢٨) كَمْ تَرَكُواْ مِنْ جَنَّتٍ وَعُيُونٍ () وَذُرُوِعٌ وَمَقَامٍ
كَرِ ﴾ وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِهَا فَكِهِينَ (﴾ كَذَلِكَّ وَأَوْرَتْشَهَا قَوْمَاءَ اتَّرِينَ (٨)
◌َا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوْ مُنْظَرِينَ (١٨)
إنكم متبعون، واترك البحر رهواً إنهم جند مغرقون، کم تركوا من جنات وعيون ، وزروع
ومقام كريم ، ونعمة كانوا فيها فاكهين ، كذلك وأورثناها قوما آخرين ، فما بكت عليهم السماء
والأرض وما كانوا منظرين ﴾.
أعلم أنه تعالى لما بين أن كفار مكة مصرون على كفرهم، بين أن كثيراً من المتقدمين أيضاً
كانوا كذلك ، فبين حصول هذه الصفة فى أكثر قوم فرعون ، قال صاحب الكشاف قرى.،
(ولقد فتنا) بالتشديد للنأكيد قال ابن عباس ابتلينا، وقال الزجاج بلونا، والمعنى عاملناهم معاملة
المختبر ببعث الرسول إليهم (وجاءهم رسول كريم) وهو موسى واختلفوا فى معنى الكريم ههنا فقال
الكلبى كريم على ربه يعنى أنه استحق على ربه أنواعاً كثيرة من الإكرام، وقال مقاتل حسن الخلق
وقال الفراء يقال فلان كريم قومه لأنه قل ما بعث رسول إلا من أشراف قومه وكرامهم .
ثم قال ( أن أدوا إلى عباد الله) وفى أن قولان (الأول) أنها أن المفسرة وذلك لأن مجى.
الرسول إلى من بعث إليهم متضمن لمعنى القول لأنه لا يحيثهم إلا مبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله
(الثانى) أنها المخففة من الثقيلة ومعناه وجاءهم بأن الشأن والحديث أدواء، وعباد الله مفعول به
وثم بنوا إسرائيل يقول أدوهم إلى وأرسلوهم معى وهو كقوله ( فأرسل معنا بنى إسرائيل ولا
تعذبهم) ويجوز أيضاً أن يكون نداء لهم والتقدير: أدو إلى عباد الله ما هو واجب عليكم من
الإيمان، وقبول دعوتى، واتباع سبيلى، وعلل ذلك بأنه (رسول أمين) قد ائتمنه الله على وحيه
ورسالته وأن لا تعلوا أن هذه مثل الأول فى وجهيها أى لا تتكبروا على اللّه بإهانة وحيه ورسوله
(إنى آتيكم بسلطان مبين) بحجة بينة يعترف بصحتها كل عاقل (وإنى عذت بربى وربكم أن ترجمون)
قيل المراد أن تقتلون وقيل ( أن ترجمون) بالقول فتقولوا ساحر كذاب ( وإن لم تؤمنوا لى) أى
إن لم تصدقوفى ولم تؤمنوا بالله لأجل ما أتيتكم به من الحجة، فاللام فى لى لام الأجل (فاعتزلون)
أى اخلوا سبيلى لا لى ولا على .
قال مصنف الكتاب رحمه الله تعالى: إن المعتزلة يتصلفون ويقولون إن لفظ الاعتزال أينما

٢٤٧
قوله تعالى : فدعا ربه أن هؤلاء قوم مجرمون . سورة الدخان .
جاء فى القرآن كان المراد منه الاعتزال عن الباطل لا عن الحق، فاتفق حضورى فى بعض المحافل،
وذكر بعضهم هذا الكلام فأوردت عليه هذه الآية، وقلت المراد الاعتزال فى هذه الآية الاعتزال
عن دين موسى عليه السلام وطريقته وذلك لاشك أنه اعتزال عن الحق فانقطع الرجل .
ثم قال تعالى ( فدعا ربه ) الفاء فى فدعا تدل على أنه متصل بمحذوف قبله التأويل أنهم كفروا
ولم يؤمنوا فدعا موسى ربه بأن هؤلاء قوم مجر مون، فإن تألوا الكفر أعظم حال من الجرم ، فما
السبب فى أن جعل صفة الكفار كونهم مجرمين حال ما أراد المبالغة فى ذمهم؟ قلت لأن الكافر قديكون
عدلا فی دینه وقد يكون مجرماً فی دینه وقد يكون فاسقاً فی دینه فیکون أخس الناس ، قال صاحب
الكشاف قرى. إن هؤلاء بالكسر على إضمار القول أى فدعا ربه فقال (إن هؤلاء قوم مجرمون).
ثم قال (فأسر بعبادى ليلا) قرأ ابن كثير ونافع ( فأسر) موصولة الألف والباقون مقطوعة
الألف سرى وأسرى لغتان أى أوحينا إلى موسى أن أسر بعباى ليلا إنكم متبعون، أى يتبعكم
فرعون وقومه ذلك سبباً لهلا كهم (واترك البحر رهواً) وفى الرهو قولان (أحدهما) أنه الساكن
يقال عيش راه إذا كان خافضاً وادعاً ، وافعل ذلك سهواً رهواً أى ساكناً بغير تشدد، أراد موسى
عليه السلام لما جاوز البحر أن يضربه بعصاه فينطبق كما كان فأمره اللّه تعالى بأن يتركه ساكناً على
هيئته قاراً على حاله فى انغلاق الماء وبقاء الطريق يبساً حتى تدخله القبط فاذا حصلوا فيه أطبقه اللّه
عليهم ( والثانى) أن الرهو هو الفرجة الواسعة ، والمعنى ذا رهو أى ذا فرجة يعنى الطريق الذى
أظهره الله فيما بين البحر أنهم جند مغرقون، يعنى اترك الطريق كما كان يدخلوا فيغرقوا، وإنما أخبره
الله تعالى بذلك حتى يبقى فارغ القلب عن شرهم وإيذائهم.
قوله تعالى: ﴿كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم) دلت هذه الآية على أنه
تعالى أغرقهم، ثم قال بعد غرقهم هذا الكلام، وبين تعالى أنهم تركوا هذه الأشياء الخمسة ، وهى
الجنات والعيون والزروع والمقام الكريم والمراد بالمقام الكريم ما كان لهم من المجالس والمنازل
الحسنة، وقيل المنابر التى كانوا يمدحون فرعون عليها ( ونعمة كاوا فيها فا كهين) قال علماء اللغة
فعمة العيش، بفتح النون حسنه ونضارته ، ونعمة الله إحسانه وعطاؤه ، قال صاحب الكشاف
النعمة بالفتح من التنعم وبالكسر من الإنعام ، وقرى. فاكهين وفكين كذلك الكاف منصوبة
على معنى مثل ذلك الإخراج أخر جناهم منها وأورثناها أو فى موضع الرفع على تقدير أن الأمر
( كذلك وأورثناها قوماً آخرين) ليـوا منهم فى شىء من قرابة ولادين ولا ولاء، وهم بنو إسرائيل
كانوا مستعبدين فى أيديهم فأهلكهم الله على ايديهم واورثهم ملكهم وديارهم.
قوله تعالى: ﴿فما بكت عليهم السماء والأرض) وفيه وجوه: (الأول) قال الواحدى فى
البسيط ، روى أنس بن مالك أن النبى صلى الله عليه وسلم قال ((مامن عبد إلا وله فى السماء بابان
باب يخرج منه رزقه وباب يدخل فيه عمله، فإذا مات فقداه وبكيا عليه)) وتلاهذه الآية، قال وذلك

٢٤٨
قوله تعالى : ولقد نجينا بني إسرائيل . سورة الدخان .
وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِيّ إِسْرَءِيلَ مِنَ الْعَذَابِ أَلْمُهِينِ (٠﴾ مِن فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ
◌َلِيَا مِّنَ الْمُسْرِفِينَ (﴾ وَلَقَدِ أَ خْتَنَهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَلِينَ () وَءَاتَيْنَئُهُم مِّنَ
الَّتِ مَافِهِ بَنُواْ مُّبِينُ (﴾ إِنَّ هَنُلاَءَ لَيَقُولُونَ ﴿ إِنْ هِىَ إِلَّ مَوْنَكُنَا
الْأُولَ وَمَا تَحْنُ بِمُنْشَرِينَ ( ◌َ﴾ فَأْتُواْبِهَابَآَبِنَآ إِن كُنتُمْ صَئِنَ () أَهُمْ خَيْأُمْ
قَوْمُ تُبَّعِ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ (*) وَمَا خَلَقْنَا
لأنهم لم يكونوا يعملون على الأرض عملا صالحاً فتبكى عليهم ، ولم يصعد لهم إلى السماء كلام طيب
ولا عمل صالح فتبكى عليهم ، وهذا قول أكثر المفسرين.
﴿ القول الثانى) التقدير: فما بكت عليهم أهل السماء وأهل الأرض، حذف المضاف والمعنى
ما بكت عليهم الملائكة ولا المؤمنون، بل كانوا بهلا كهم مسرورين.
﴿والقول الثالث) أن عادة الناس جرت بأن يقولوا فى هلاك الرجل العظيم الشأن: إنه أظلمت
له الدنيا، وكسفت الشمس والقمر لأجله. وبكت الريح والسماء والأرض، ويربدون المبالغة فى
تعظيم تلك المصيبة لا نفس هذا الكذب. ونقل صاحب الكشاف عن النبى مزمن، أنه قال ((ما من
مؤمن مات فى غربة غابت فيها بواكيه إلا بكت عليه السماء والأرض)).
وقال جرير :
الشمس طالعة ليست بكاسفة تبكى عليك نجوم الليل والقمرا
وفيه ما يشبه السخرية بهم يعنى أنهم كانوا يستعظمون أنفسهم ، وكانوا يعتقدون فى أنفسهم
أنهم لو ماتوا لبكت عليهم السماء والأرض، فما كانوا فى هذا الحد، بل كانوا دون ذلك ، وهذا
إنما يذكر على سبيل التهكم .
ثم قال ( وما كانوا منظرين) أى لما جاء وقت هلاكهم لم ينظروا إلى وقت آخر لتوبة
وتدارك وتقصير .
قوله تعالى : ﴿ولقد نجينا بنى إسرائيل من العذاب المهين، من فرعون إنه كان عالياً من
المسرفين ، ولقد اخترناهم على علم على العالمين، وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين، إن هؤلاء
ليقولون إن هى إلا موتقنا الأولى وما نحن بمنشرين، فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين، أم خير أم
قوم تبع والذين من قبلهم أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين، وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما

٢٤٩
قوله تعالى : اخترناهم على علم على العالمين . سورة الدخان .
اَلَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَعِبِينَ (﴾ مَا خَقْنَهُمَآ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ
د روُ
لَا يَعْلَمُونَ (
لاعبین ، ماخلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون
أعلم أنه تعالى لما بين كيفية إهلاك فرعون وقومه بين كيفية إحسانه إلى موسى وقومه .
واعلم أن دفع الضرر مقدم على إيصال النفع فبدأ تعالى بيان دفع الضرر عنهم فقال ( ولقد نجينا
بنى إسرائيل من العذاب المهين ) يعنى قتل الأبناء واستخدام النساء والإتعاب فى الأعمال الشاقة.
ثم قال ( من فرعون) وفيه وجهان: (الأول ) أن يكون التقدير من العذاب المهين الصادر
من فرعون (الثانى) أن يكون فرعون بدلا من العذاب المهين كأنه فى نفسه كان عذاباً مهيناً لإفراطه
فى تعذيبهم وإهانتهم . قال صاحب الكشاف وقرى. (من عذاب المهين) وعلى هذه القراءة (فالمين)
هو فرعون لأنه كان عظيم السعى فى إهانة المحقين. وفى قراءة ابن عباس (من فرعون) وهو بمعنى
الاستفهام وقوله ( إنه كان عالياً من المسرفين ) جوابه كأن التقدير أن يقال هل تعرفونه من هو "
فى عتوه وشيطنته؟ ثم عرف حاله بقوله (إنه كان عالياً من المسرفين) أى كان عالى الدرجة فى طبقة
المسرفين، ويجوز أن يكون المراد (إنه كان عالياً) لقوله (إن فرعون علا فى الأرض) وكان
أيضاً مسرفاً ومن إسرافه أنه على حقارته وخسته ادعى الإلهية . ولما بين الله تعالى أنه كيف دفع
الضرر عن بنى إسرائيل وبين أنه كيف أوصل إليهم الخيرات فقال (ولقد اخترناهم على علم على
العالمين ) وفيه بحثان :
﴿البحث الأولى) أن قوله على علم فى موضع الحال ثم فيه وجهان: (أحدهما) أى عالمين
بكونهم مستحقين لأن يختاروا ويرجحوا على غيرهم ( والثانى) أن يكون المعنى مع علمنا بأنهم
قد يزيغون ويصدر عنهم الفرطات فى بعض الأحوال.
﴿ البحث الثانى ) ظاهر قوله (ولقد اخترناهم على علم على العالمين) يقتضى كونهم أفضل
من كل العالمين فقيل المراد على عالمى زمانهم، وقيل هذا عام دخله التخصيص كقوله (كنتم خير
أمة أخرجت للناس).
قوله تعالى: ﴿وآتيناهم من الآيات﴾ مثل فلق البحر، وتظليل الغمام، وإنزال المن والسلوى،
وغيرها (من الآيات) القاهرة التى ما أظهر الله مثلها على أحد سواهم (بلاء مبين) أى نعمة ظاهرة،
لأنه تعالى لما كان يبلو بالمحنة فقد يبلو أيضاً بالنعمة اختباراً ظاهراً ليتميز الصديق عن الزنديق ،
وههنا آخر الكلام فى قصة موسى عليه السلام ثم رجع إلى ذكر كفار مكة، وذلك لأن الكلام
فيهم حيث قال ( بل هم فى شك يلعبون) أى بل هم فى شك من البحث والقيامة ، ثم بين كيفية

٢٥٠
قوله تعالى : إن هي إلا موتتنا الأولى . سورة الدخان .
٠٫٠٠
إصرارهم على كفرهم ، ثم بين أن قوم فرعون كانوا فى الإصرار على الكفر على هذه القصة، ثم
بين أنه كيف أهلكهم وكيف أنعم على بنى إسرائيل، ثم رجع إلى الحديث الأول ، وهو كون
كفار مكة منكرين للبعث، فقال (إن «ؤلاء ليقولون، إن هى إلا موتتنا الأولى وما نحن بمنشرين)
فإن قيل القوم كانوا ينكرون الحياة الثانية فكان من حقهم أن يقولوا: إن هى إلا حياتنا الأولى
وما نحن بمنشرين؟ قلنا إنه قيل لهم إنكم تموتون موتة تعقبها حياة، كما أنكم حال كونكم نطقاً كنتم
أمواتاً وقد تعقبها حياة ، وذلك قوله (وكنتم أمواتاً فأحيا كم ثم يميتكم ثم يحييكم، فقالوا إن هى
إلا موتتنا الأولى) يربدون ما الموتة التى من شأنها أن تعقبها حياة إلا الموتة الأولى دون الموتة
الثانية ، وما هذه الصفة التى تصفون بها الموتة من تعقيب الحياة لها إلا الموتة الأولى خاصة ، فلا
فرق إذاً بين هذا الكلام وبين قوله ( إن هى إلا حياتنا الدنيا) هذا ماذكره صاحب الكشاف
ويمكن أن يذكر فيه وجه آخر ، فيقال قوله ( إن هى إلا موتتنا الأولى) يعنى أنه لا يأتينا شىء من
الأحوال إلا الموتة الأولى، وهذا الكلام يدل على أنهم لا تأتيهم الحياة الثانية البتة ، ثم صرحوا
بهذا المرموز فقالوا ( وما نحن بمنشرين) فلا حاجة إلى التكلف الذى ذكره صاحب الكشاف.
ثم قال تعالى ( وما نحن بمنشرين) يقال نشر الله الموتى وأنشرهم إذا بعثهم، ثم إن الكفار
احتجوا على نفى الحشر والنشر بأن قالوا : إن كان البعث والنشور مكناً معقولا فجعلوا لنا إحياء
من مات من آبائنا بأن تسألوا ربكم ذلك، حتى يصير ذلك دليلا عندنا على صدق دعوا كم فى
النبوة والبعث فى القيامة، قيل طلبوا من الرسول بدليل أن يدعو الله حتى ينشر قصى بن كلاب
ليشاوروه فى صحة نبوة محمد ورائع وفى صحة البعث، ولما حكى الله عنهم ذلك قال (أم خير أم قوم
تبع والذين من قبلهم أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين) والمعنى أن كفا مكة لم يذكروا فى نفى الحشر
والنشر شبهة حتى يحتاج إلى الجواب عنها، ولكنهم أصروا على الجهل والتقليد فى ذلك الإنكار ،
فلهذا السبب اقتصر اللّه تعالى على الوعيد، فقال إن سائر الكفار كانوا أقوى من هؤلاء ، ثم إن
الله تعالى أهلكهم فكذلك يهلك هؤلاء، فقوله تعالى (أهم خير أم قوم تبع ) استفهام على سبيل
الإنكار، قال أبو عبيدة: ملوك اليمن كان كل واحد منهم يسمى تبعاً لأن أهل الدنيا كانوا يتبعونه،
وموضع تبع فى الجاهلية موضع الخليفة فى الإسلام وهم الأعاظم من ملوك العرب قالت عائشة ،
كان تبع رجلا صالحاً ، وقال كعب: ذم الله قومه ولم يذمه، قال الكلبى هو أبو کرب أسعد، وعن
النبى صلى الله عليه وسلم (( لا تسبوا تبعاً، فإنه كان قد أسلم ما أدرى أكان تبع نبياً أو غير نبى )» فإن
قبل ما معنى قوله ( أهم خير أم قوم تبع) مع أنه لا خير فى الفريقين ؟ قلنا معناه أم خير فى القوة
والشوكة، كقوله (أ كفاركم خير من أولشكم) بعد ذكر آل فرعون، ثم إنه تعالى ذكر الدليل
القاطع على القول بالبعث والقيامة، فقال ( وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين)

٢٥١
قوله تعالى : إن يوم الفصل ميقاتهم . سورة الدخان .
إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِقَدُهُمْ أَبْمَعِينَ (٤) يَوْمَ لَا يُغْنِى مَوْلَ عَن مَّوْلَى شَيْئًا وَلَا
هُمْ يُنْصَرُونَ (٤) إِلَّا مَن رَّحِمَ الله ◌ِإِنَُّهُوَ أَلْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (﴾ إِنَّ نَجْرَتَ
الرَّقْوِمِ ( طَعَامُ الْأَنِ كَالْمُهْلِ يَغْلِيِ فِ الْبُطُونِ ◌ّ كَفَلِ الْحَمِيمِ
y
خُذُوهُ فَاعْتِلُوُ إلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (﴾ ثُمَّ صُبُواْ فَوْقَ رَأْسِهِ، مِنْ عَذَابٍ
٤٦
ـ ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ ﴾ إِنَّ هَذَا مَا كُنُ بِهِ، تَمْتَّرُونَ
٤٨٦
الحَمِیم
ولو لم يحصل البعث لكان هذا الخلق لعباً وعبثاً، وقدمر تقرير هذه الطريقة بالاستقصاء فى أول
سورة يونس، وفى آخر سورة ( قد أفلح المؤمنون) حيث قال (أخسبتم أنما خلقناكم عبئاً) وفى
سورة ص حيث قال ( وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا).
ثم قال ( ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون) والمراد أهل مكة ، وأما استدلال
المعتزلة بهذه الآية على أنه تعالى لا يخلق الكفر والفسق ولا يريدهما فهو مع جوابه معلوم، والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين، يوم لا يغنى مولى عن مولى شيئاً ولاهم ينصرون،
إلا من رحم الله إنه هو العزيز الرحيم، إن شجرت الزقوم، طعام الأثيم ، كالمهل يغلى فى البطون ،
كغلى الحميم، خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم، ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الجحيم ، ذق إنك أنت
العزيز الكريم، إن هذا ما كنتم به تمترون
اعلم أن المقصود من قوله ( وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين) إثبات القول
بالبعث والقيامة ، فلا جرم ذكر حقيبه قوله (إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين) وفى تسمية يوم القيامة
بيوم الفصل وجوه (الأول) قال الحسن: يفصل الله فيه بين أهل الجنة وأهل النار (الثانى)
يفصل فى الحكم والقضاء بين عباده (الثالث) أنه فى حق المؤمنين يوم الفصل، بمعنى أنه يفصل
بينه وبين كل ما يكرهه ، وفى حق الكفار ، بمعنى أنه يفصل بينه وبين كل ما يريده (الرابع) أنه
يظهر حال كل أحد كما هو ، فلا يبقى فى حاله ريبة ولا شبهة ، فتنفصل الخيالات والشبهات ، وتبقى
الحقائق والبينات ، قال ابن عباس رضى الله عنهما: المعنى أن يوم يفصل الرحمن بين عباده ميقاتهم
أجمعين البر والفاجر ، ثم وصف ذلك اليوم فقال ( يوم لا يغنى مولى عن مولى شيئاً) يريد قريب

٢٥٢
قوله تعالى : إن شجرة الزقوم . سورة الدخان .
عن قريب (ولا هم ينصرون) أى ليس لهم ناصر، والمعنى أن الذى يتوقع منه النصرة إما القريب
فى الدين أو فى النسب أو المعتق، وكل هؤلاء يسمون بالمولى، فذا لم تحصل النصرة منهم فبأن
لاتحصل ممن سوام أولى، وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى ( واتقوا يوماً لاتجزى نفس عن نفس
شيئاً) إلى قوله ( ولا هم ينصرون) قال الواحدى: والمراد بقوله (مولى عن مولى) الكفار ألا
ترى أنه ذكر المؤمن فقال (إلا من رحم الله) قال ابن عباس رضى الله عنهما: يريد المؤمن فإنه
تشفع له الأنبياء والملائكة.
أعلم أنه تعالى لما أقام الدلالة على أن القول بالقيامة حق ، ثم أردفه رصف ذلك اليوم ذكر
عقيبه وعيد الكفار ، ثم بعده وعد الأبرار، أما وعيد الكفار فهو قوله (إن شجرة الزقوم طعام
الأثيم) وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قال صاحب الكشاف: قربى. (إن شجرة الزقوم) بكسر الشين ، ثم قال
وفيها ثلاث لغات: شجرة بفتح الشين وكسرها، وشيرة بالياء، وشبرة بالباء .
﴿ المسألة الثانية) البحث عن اشتقاق لفظ (الزقوم) قد تقدم فى سورة والصافات ، فلا فائدة
فى الإعادة .
﴿ المسألة الثالثة) قالت المعتزلة: الآية تدل على حصول هذا الوعيد الشديد للأثيم، والأثيم
هو الذى صدر عنه الإثم ، فيكون هذا الوعيد حاصلا للفساق (والجواب) أنا بينا فى أصول الفقه
أن اللفظ المفرد الذى دخل عليه حرف التعريف الأصل فيه أن ينصرف إلى المذكور السابق ،
ولا يفيد العموم، وههنا المذكور السابق هو الكافر، فينصرف إليه.
المسألة الرابعة﴾ مذهب أبى حنيفة: أن قراءة القرآن بالمعنى جائزٍ، واحتج عليه بأنه نقل
أن ابن مسعود كان يقرى. رجلا هذه الآية فكان يقول: طعام اللثيم، فقال قل طعام الفاجر ،
وهذا الدليل فى غاية الضعف على مابيناه فى أصول الفقه .
ثم قال (.كالمهل) قرى. بضم الميم وفتحها وسبق تفسيره فى سورة الكهف، وقد شبه الله تعالى
هذا الطعام بالمهل، وهو دردى الزيت وعكر القطران ومذاب النحاس وسائر الفلزات، وتم
الكلام ههنا، ثم أخبر عن غليانه فى بطون الكفار فقال ( يغلى فى البطون) وقرىء بالتاء فمن قرأ.
بالتاء فلتأنيث الشجرة، ومن قرأ باليا. حمله على الطعام فى قوله ( طعام الأثيم) لأن الطعام هو
[ ثمر] الشجرة فى المعنى، واختار أبو عبيد الياء لأن الإسم المذكور يعنى المهل هو الذى بل الفعل.
فصار التذكير به أولى، واعلم أنه لا يجوز أن يحمل الغلى على المهل لأن المهل مشبه به، وإنما يغلى
ما يشتبه بالمهل كغلى الحيم والماء إذا اشتد غليانه فهوٍ حيم .
ثم قال (خذوه) أى خذوا الأثيم (فاعتلوه) قرى. بكسر التاء، قال اليث: المثل أن تأخذ
بمنكث الرجل فتحتله أى تجره إليك وتذهب به إلى حبس أو محنة، وأخذ فلان بزمام الناقة يمثلها

٢٥٣
قوله تعالى : إن المتقين في مقام أمين . سورة الدخان .
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِى مَقَامٍ أَمِنٍ (٤٦) فِ جَنَّدٍ وَمُونٍ ﴿ يَلْبِسُونَ مِنِ سُنْدُسٍ
وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَِينَ (® كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَهُمْ بِحُودٍ عِينٍ ﴿ يَدْعُونَ فِيهَا
بِكُلٍّ فَكِهَةٍ ،َامِنِينَ ﴿ لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْنَةَ الْأُولَ وَوَقَنْهُمْ
◌َذَابَ الْجَحِيمِ ﴾ فَضْلاً مِّن رَّبِّكٌ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٥) فَمَا يَسَّرْنَهُ
بِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكُرُونَ
فَأَرْتَقِبْ إِنَّهُم مَنْ تَقِبُونَ
٠١٠٠١٠٠
٥٨
وذلك إذا قبض على أصل الزمام عند الرأس وقادها قوداً عنيفاً، وقال ابن السكيت عتلته إلى
السجن وأعتلته إذا دفعته دفعاً عنيفاً، هذا قول جميع أهل اللغة فى العقل، وذكروا فى اللغتين ضم
التاء وكسرها وهما صحيحان مثل يعكفون ويعكفون ، ويعرشون ويعرشون .
قوله تعالى (إلى سواء الجحيم) أى إلى وسط الجحيم (ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم)
وكان الأصل أن يقال: ثم صبوا من فوق رأسه الحميم أو يصب من فوق رؤوسهم الحميم إلاأن هذه
الاستعارة أكمل فى المبالغة كأنه يقول: صبوا عليه عذاب ذلك الحميم ، ونظيره قوله تعالى (ربنا
أفرغ علينا صبراً) و (ذق إنك أنت العزيز الكريم) وذكروا فيه وجوهاً (الأول) أنه يخاطب
بذلك على سبيل الاستهزاء ، والمراد إنك أنت بالضد منه (والثانى) أن أبا جهل قال لرسول الله
صلى الله عليه وسلم: ما بين جيليها أعز ولا أكرم من فوا الله ما تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا
بي شيئاً (والثالث) أنك كنت تعتز لا بالله فانظر ما وقعت فيه، وقرى. أنك بمعنى لأنك.
ثم قال (إن هذا ما كنتم به تمترون) أنى أن هذا العذاب ما كنتم به تمترون أى تشكون،
والمراد منه ما ذكره فى أول السورة حيث قال (بل هم فى شك يلعبون).
قوله تعالى : ﴿إن المتقين فى مقام أمين، فى جنات وعيون، يلبسون من سندس وإستبرق
متقابلين، كذلك وزوجناهم بحور عين، يدعون فيها بكل فاكهة آمنين ، لا يذوقون فيها الموت إلا
الموتة الأولى ووقاهم عذاب الجحيم ، فضلا من ربك ذلك هو الفوز العظيم، فإنما يسرناه بلسانك
لعلهم يتذكرون ، فارتقب إنهم مر تقبون ﴾.
اعلم أنه تعالى لما ذكر الوعيد فى الآيات المتقدمة ذكر الوعد فى هذه الآيات فقال (إن المتقين)
قال أصحابنا كل من اتقى الشرك فقد صدق عليه اسم المتقى فوجب أن يدخل الفاسق فى هذا الوعد.
واعلم أنه تعالى ذكر من أسباب تنعمهم أربعة أشياء (أولها) مساكنهم فقال (فىمقام أمين)

٢٥٤
قوله تعالى : يدعون فيها بكل فاكهة . سورة الدخان .
واعلم أن المسكن إنما يطيب بشرطين (أحدهما) أن يكون آمناً عن جميع ما يخالف ويحذر
وهو المراد من قوله ( فى مقام أمين ) قرأ الجمهور فى مقام بفتح الميم، وقرأ نافع وابن عامر بضم
الميم، قال صاحب الكشاف المقام بفتح الميم هو موضع القيام، والمراد المكان وهو من الخاص
الذى جعل مستعملا فى المعنى العام وبالضم هو موضع الإقامة ، والأمين من قولك أمن الرجل
أمانة فهوأمين وهوضد الخائن، فوصف به المكان استعارة لأن المكان الخيف كأنه يخون صاحبه
( والشرط الثانى) لطيب المكان أن يكون قد حصل فيه أسباب النزهة وهى الجنات والعيون، فلا
ذكر تعالى هذين الشرطين فى مساكن أهل الجنة فقد وصفها بما لا يقبل الزيادة .
( والقسم الثانى ) من تنعماتهم الملبوسات فقال (يلبسون من سندس، إستعراق) قيل السندس
مارق من الديباج، والإستبرق ماغلظ منه، وهو تعريب استبرك، فإن قالوا كيف جاز ورود
الأعجمى فى القرآن ؟ قلنا لما عرب فقد صار عربياً .
( والقسم الثالث) فهو جلوسهم على صفة التقابل والغرض منه استئناس البعض بالبعض،
فإن قالوا الجلوس على هذا الوجه موحش لأنه يكون كل واحد منهم مطلعاً على ما يفعله الآخر،
وأيضاً فالذى يقْل ثوابه إذا اطلع على حال من يكثر ثوابه يتنغص عيشه، قلنا أحوال الآخرة
بخلاف أحوال الدنيا .
(والقسم الرابع) أزواجهم فقال ( كذلك وزوجناهم بحور عين ) الكاف فيه وجهان أن
تكون مرفوعة والتقدير الأمر كذلك أو منصوبة والتقدير آتيناهم مثل ذلك ، قال أبو عبيدة :
جعلناهم أزواجا كما يزوج البعل بالبعل أى جعلناهم اثنين اثنين ، واختلفوا فى أن هذا اللفظ هل
يدل على حصول عقد التزويج أم لا ؟ ، قال يونس قوله ( وزوجناهم بحور عين) أى قر ناهم بهن
فليس من عقد التزويج، والعرب لا تقول تزوجت بها وإنما تقول تزوجتها ، قال الواحدى رحمه
الله والتنزيل يدل على ماقال يونس وذلك قوله (فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها) ولو كان
المراد تزوجت بها زوجناك بها وأيضاً فقول القائل زوجته به معناه أنه كان فرداً فزوجته بآخر
كما يقال شفعته بآخر ، وأما الحور، فقال الواحدى أصل الحور البياض والتحوير التبييض، وقد
ذكر ناذلك فى تفسير الحواريين ، وعين حوراء إذا اشتد بياض بياضها واشتد سواد سوادها، ولا
تسمى المرأة حوراء حتى يكون حور عينيها بياضاً فى لون الجسد، والدليل على أن المراد بالحور
فى هذه الآية البيض قراءة ابن مسعود بعيس عين والعيس البيض ، وأما العين لجمع عينا. وهى
التى تكون عظيمة العينين من النساء، فقال الجبانى رجل أعين إذا كان ضخم العين واسعها والأنثى
عيناه والجمع عين ، ثم اختلفوا فى هؤلاء الحور العين ، فقال الحسن من جماتؤكم الدرد ينشئهن الله
خلقاً آخر ، وقال أبو هريرة إنهن ليسوا من نساء الدنيا .
(والنوع الخامس) من تنعمات أهل الجنة المأكول فقال ( يدعون فيها بكل فاكهة آمنين)

٢٥٥
قوله تعالى : فضلاً من ربك . سورة الدخان .
قالوا إنهم يأكلون جميع أنواع الفاكهة لأجل أنهم آمنون من التخم والأمراض.
ولما وصف الله تعالى أنواع ماهم فيه من الخيرات والراحات، بين أن حياتهم دائمة ، فقال
(لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى) وفيه سؤالان:
﴿السؤال الأول) أنهم ماذافوا الموتة الأولى فى الجنة فكيف حسن هذا الاستثناء؟ وأجيب
عنه من وجوه (الأول) قال صاحب الكشاف أريد أن يقال: لا يذوقون فيها الموت البتة فوضع
قوله (إلا الموتة الأولى) موضع ذلك لأن الموتة الماضية محال فى المستقبل، فهو من باب التعليق
بالمحال ، كأنه قيل إن كانت الموتة الأولى يمكن ذوقها فى المستقبل فإنهم يذو قونها ( الثانى ) أن إلا
بمعنى لكن والتقدير لا يذوقون فيها الموت لكن الموتة الأولى قد ذاقوها (والثالث ) أن الجنة
حقيقتها ابتهاج النفس وفرحها بمعرفة اللّه تعالى وبطاعته ومحبته، وإذا كان الأمر كذلك فإن الإنسان
الذى فاز بهذه السعادة فهو فى الدنيا فى الجنة وفى الآخرة أيضاً فى الجنة ، وإذا كان الأمر كذلك
فقد وقعت الموتة الأولى حين كان الإنسان فى الجنة الحقيقية التى هى جنة المعرفة بالله والمحبة، فذكر
هذا الاستثناء كالتنبيه على قولنا إن الجنة الحقيقة هى حصول هذه الحالة لا الدار التى هى دار الأكل
والشرب، ولهذا السبب قال عليه السلام ((أنبياء الله لا يموتون ولكن ينقلون من دار إلى دار))
(والرابع) أن من جرب شيئاً ووقف عليه صح أن يقال إنه ذاقه ، وإذا صح أن يسمى العلم بالذوق
صح أن يسمى تذكره أيضاً بالذوق فقوله (لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى) يعنى إلا الذوق
الحاصل بسبب تذكر الموتة الأولى.
﴿ السؤال الثانى) أليس أن أهل النار أيضاً لا يموتون فلم بشر أهل الجنة بهذا مع أن أهل
النار يشاركونهم فيه؟ ( والجواب) أن البشارة ماوقعت بدوام الحياة بل بدوام الحياة مع سابقة
حصول تلك الخيرات والسعادات فظهر الفرق .
ثم قال تعالى (ووقاهم عذاب الجحيم) قرى. ووقاهم بالتشديد، فإن قالوا مقتضى الدليل أن
يكون ذكر الوقاية عن عذاب الجحيم متقدماً على ذكر الفوز بالجنة لأن الذى وقى عن عذاب الجحيم
قد يفوزوقد لا يفوز، فإذا ذكر بعده أنه فاز بالجنة حصلت الفائدة ، أما الذى فاز بخيرات الجنة فقد
تخلص عن عقاب الله لا محالة فلم يكن ذكر الفوز عن عذاب جهنم بعد الفوز بثواب الجنة مفيداً،
قلنا التقدير كأنه تعالى قال ووقاهم فى أول الأمر عن عذاب الجحيم .
ثم قال (فضلا من ربك) يعنى كل ما وصل إليه المتقون من الخلاص عن النار والفوز بالجنة
فإنما يحصل بفضل الله، واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن الثواب يحصل تفضلا من الله تعالى
لا بطريق الاستحقاق لأنه تعالى لما عدد أقسام ثواب المتقين بين أنها بأسرها إنما حصلت على
سبيل الفضل والإحسان من الله تعالى، قال القاضى أكثر هذه الأشياء وإن كانوا قد استحقوه
بعملهم فهو بفضل الله لأنه تعالى تفضل بالتكليف ، وغرضه منه أن يصيرهم إلى هذه المنزلة فهو

٢٥٦
قوله تعالى : فارتقب إنهم مرتقبون . سورة الدخان .
كمن أعلى غيره مالا ليصل به إلى ملك ضيعة، فإنه يقال فى تلك الضيعة إنها من فضله، قلنامذهبك
أن هذا الثواب حق لازم على الله، وإنه تعالى لو أخل به لصار سفيهاً وخرجبه عن الإلهية فكيف
يمكن وصف مثل هذا الشىء بأنه فضل من الله تعالى ؟ .
ثم قال تعالى ( ذلك هو الفوز العظيم) واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن التفضيل أعلى درجة
من الثواب المستحق ، فإنه تعالى وصفه بكونه فضلا من الله ثم وصف الفضل من اللّه بكونه فوزاً
عظيما ، ويدل عليه أيضاً أن الملك العظيم إذا أعطى الأجير أجرته ثم خلع على إنسان آخر فإن
تلك الخلمة أعلى حالا من إعطاء تلك الأجرة، ولما بين اللّه تعالى الدلائل وشرح الوعد والوعيد
قال (فانما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون) والمعنى أنه تعالى وصف القرآن فى أول هذه السورة
بكونه كتاباً مبيناً أى كثير البيان والفائدة وذكر فى خاتمتها ما يؤكد ذلك فقال: إن ذلك الكتاب
المبين ، الكثير الفائدة إنما يسرناه بلسانك، أى إنما أنزلناه عربياً بلغتك ، لعلهم يتذكرون، قال
القاضى وهذا يدل على أنه تعالى أراد من الكل الإ ان والمعرفة وأنه ما أراد من أحد الكفر
وأجاب أصحابنا أن الضمير فى قوله (لعلهم يتذكرون) عائد إلى أقوام مخصوصين فنحن نحمل ذلك
على المؤمنين .
ثم قال (فارثقب) أى فانتظر ما يحل بهم (إنهم من تقبون) ما يحل بك، متربصون بك الدوائر
والله أعلم .
قال المصنف رحمه الله تعالى: ثم تفسير هذه السورة ليلة الثلاثاء فى نصف الليل الثانى عشر من
ذى الحجة سنة ثلاث وستمائة، يا دائم المعروف، يا قديم الإحسان ، شهد لك إشراق العرش ،
وضوء الكرسى، ومعارج السموات، وأنوار الثوابت والسيارات ، على منابرها، المتوغلة فى العلو
الأعلى، ومعارجها المقدسة عن غبار عالم الكون والفساد ، بأن الأول الحق الأزلى، لا يناسبه
شىء من علائق العقول، وشوائب الخواطر، ومناسبات المحدثات، فالقمر يسبب محمود مقر
بالنقصان، والشمس بشهادة المعارج بتغيراتها ، معترفة بالحاجة إلى تدبير الرحمن ، والطبائع مقهورة
تحت القدرة القاهرة ، فاقه فى غيبيات المعارج العالية، والمتغيرات شاهدة بعدم تغيره، والمتعاقبات
ناطقة بدوام سرمديته، وكل ما نوجه عليه أنه مضى وسيأتى فهو خالقه وأعلى منه، فبجوده الوجود
وإيجاد، وبإعدامه الفناء والفساد، وكل ماسواء فهو تائه فى جبروته، ناثر عند طلوع نور ملكوته،
وليس عند عقول الخلق إلا أنه بخلاف كل الخلق، له العز والجلال ، والقدرة والكمال ، والجود
والافضال، ربنا ورب مبادينا إياك روم، ولك فصلى ونصوم، وعليك المعول، وأنت المبدأ
الأول ، سبحانك سبحانك .

٢٥٧
سورة الجاثية
(٤٥) سُورَة الْجَائِيَّة ◌ُمكِيَّةْ
وَآيَاتِهَا شِبْع وَثَلاثُونَ
بِسْـ
13
حمَ يَ تَنْزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ اللهِالْعَزِيزِ الْحَكِيمِ إِنَّ فِ السَّمََّتِ
وَالْأَرْضِ لَآَيَنْتِ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣) وَفِ خَلْفِكُمْوَ وَمَا يُثْ مِنْ دَآٍَّ ،َابَتْ لِقَوْمٍ
يُقِنُونَ لَ وَاخْتِلَافِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَزَّلَ اللهُمِنَ السَّمَاءِ مِنِ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ
الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْنِهَا وَتَصْرِيفِ الْرِيَجِ ◌َيَلْتُ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ( تِلْكَ ءَايَتُ اللهِ
تَتْلُهَا عَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيّ حَدِيثٍ بَعْدَ الَّهِ وَايَتِهِ، يُؤْمِنُونَ (٢)
بسم الله الرحمن الرحيم
حمّ، تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم، إن فى السموات والأرض لآيات للمؤمنين،
وفى خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون ، واختلاف الليل النهار وما أنزل الله من السماء
من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرباح آيات لقوم يعقلون، تلك آيات الله تتلوها
عليك بالحق فبأى حديث بعد اللّه وآياته يؤمنون ) وفيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ اعلم أن قوله (حم، تنزيل الكتاب) وجوهاً (الأول) أن يكون (حم)
مبتدأ ( وتنزيل الكتاب ) خبره وعلى هذا التقدير فلا بد من حذف مضاف، والتقدير تنزيل حم،
تنزيل الكتاب، و ( من اللّه) صفة للتنزيل (الثانى) أن يكون قوله ( حم) فى تقدير: هذه (حم)
ثم نقول (تنزيل الكتاب ) واقع من الله العزيز الحكيم (الثالث) أن يكون (حم) قسما (وتنزيل
الكتاب ) نعتاً له، وجواب القسم (إن فى السموات) والتقدير: وحم الذى هو تنزيل الكتاب
أن الأمر كذا وكذا .
المسألة الثانية) قوله (العزيز الحكيم ) يجوز جعلهما صفة للكتاب ، ويجوز جعلهما
صفة للّه تعالى، إلا أن هذا الثانى أولى، ويدل عليه وجوه (الأول) أنا إذا جعلناهما صفة لله تعالى
الفخر الرازي - ج ٢٧ م ١٧

٢٥٨
قوله تعالى : إن في السموات والأرض . سورة الجاثية .
كان ذلك حقيقة ، وإذا جعلناهما صفة للكتاب كان ذلك مجازاً والحقيقة أولى من المجاز (الثانى) أن
زيادة القرب توجب الرجحان (الثالث) أنا إذا جعلنا العزيز الحكيم صفة لله كان ذلك إشارة إلى
الدليل الدال على أن القرآن حق، لأن كونه عزيزاً يدل على كونه قادراً على كل الممكنات وكوه
(حكيما) يدل على كونه عالما بجميع المعلومات غنياً عن كل الحاجات، ويحصل لنا من مجموع كونه
تعالى (عزيزاً حكيما) كونه قادراً على جميع الممكنات ، عالماً بجميع المعلومات ، غنياً عن كل
الحاجات، وكل ما كان كذلك امتنع منه صدور العبث والباطل، وإذا كان كذلك كان ظهور المعجز
دليلا على الصدق ، فثبت أنا إذا جعلنا كونه (عزيزاً حكيما) صفتين لله تعالى يحصل منه هذه الفائدة،
وأما إذا جعلناهما صفتين للكتاب لم يحصل منه هذه الفائدة، فكان الأول أولى والله أعلم.
ثم قال تعالى (إن فى السموات والأرض لآيات للمؤمنين) وفيه مباحث :
( البحث الأول ) أن قوله (إن فى السموات والأرض لا يات) يجوز إجراؤه على ظاهره،
لأنه حضل فى ذوات السموات والأرض أحوال دالة على وجود الله تعالى مثل مقاديرهاو كيفياتها
وحركاتها، وأيضاً الشمش والقمر والنجوم والجبال والبحار موجودة فى السموات والأرض وهى
آيات، ويجوز أن يكون المعنى (إن فى خلق السموات والأرض) كما صرح به فى سورة البقرة فى
قوله (إن فى خلق السموات والأرض) وهو يدل على وجود القادر المختار فى تفسير قوله (٢-أحمد
لله الذى خلق السموات والأرض)
( البحث الثانى) فد ذكرنا الوجوه الكثيرة فى دلالة السموات والأرض على وجود الإله
القادر المختار فى تفسير قوله (الحمد لله الذى خلق السموات والأرض) ولا بأس. باعادة بعضها
فتقول إنها تدل على وجود الإله من وجوه: (الأول) أنها أجسام لا تخلو عن الحوادث، ومالايخلو
عن الحوادث فهو حادث فهذه الأجسام حادثه وكل حادث فله محدث (الثانى ) أنها مركبة من
من الأجزاء وتلك الأجزاء متماثلة، لما بينا أن الأجسام متماثلة، وتلك الأجزاء وقع بعضها فى
لعمق دون السطح وبعضها فى السطح دون العمق فيكون وقوع كل جزء فى الموضع الذى وقع فيه
من الجائزات، وكل جائز فلابد له من مرجح ومخصص ( الثالث ) أن الأ فلاك والعناصر مع تماثلها
فى تمام الماهية الجسمية اختص كل واحد منها بصفة معينة كالحرارة والبرودة واللطافة والكثافة
الفلكية والعنصرية ، فيكون ذلك أمراً جائزاً ولا بدلها من مرجح (الرابع) أن أجرام الكواكب
مختلفة فى الألوان مثل كمودة زحل ، وبياض المشترى، وحمرة المريخ ، والضوء الباهر للشمس ،
ودرية الزهرة، وصفرة عطارد، ومحر القمر، وأيضاً فبعضها سعيدة ، وبعضها نخسة، وبعضها
نهارى ذكر، وبعضها ليلى أنثى، وقد بينا أن الأجسام فى ذواتها متماثلة، فوجب أن يكون اختلاف
الصفات لأجل أن الإله القادر المختار خصص كل واحد منها بصفته المعينة (الخامس) أن كل ذلك
فإنه مختص بالحركة إلى جهة معينة ومختص بمقدار واحد من السرعة والبطء ، وكل ذلك أيضاً من

٢٥٩
قوله تعالى : وفي خلقكم وما ييث من دابه . سورة الجاثية .
الجائزات ، فلا بد من الفاعل المختار (السادس) أن كل ذلك مختص بشىء معين وكل ذلك أيضاً من
الجائزات ، فلابد من الفاعل المختار، وتمام الوجوه مذكور فى تفسير تلك الآيات .
﴿ البحث الثالث) قوله ( لآيات المؤمنين) يقتضى كون هذه الآيات مختصة بالمؤمنين ،
وقالت المعتزلة إنها آيات للمؤمن والكافر ، إلا أنه لما انتفع بها المؤمن دون الكافر أضيف كونها
آيات إلى المؤمنين، ونظيره قوله تعالى ( هدى للمتقين) فانه هدى لكل الناس كما قال تعالى (هدى
للناس) إلا أنه لما انتفع بها المؤمن خاصة لاجرم قيل (هدى للمتقين) فكذا ههنا، وقال الأصحاب
الدليل والآية هو الذى يترتب على معرفته حصول العلم، وذلك العلم إنما يحصل بخلق الله تعالى
لا يإيجاب ذلك الدليل، والله تعالى إنما خلق ذلك العلم للمؤمن لا للكافر فكان ذلك آية دليلا
فی حق المؤمن لافی حق الكافر والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿وفى خلقكم وما ببث من دابة آيات لقوم يوقنون) وفيه مبأحدث:
﴿ البحث الأول ) قال صاحب الكشاف قوله (وما يبث) عطف على الخلق المضاف لا على
الضمير المضاف إليه ، لأن المضاف ضمير متصل مجرور والعطف عليه مستقبح، فلا يقال مررت بك
وزيد، ولهذا طعنوا فى قراءة حمزة (تساءلون به والأرحام) بالجر فى قوله (والأرحام) وكذلك
إن الذين استقبحوا هذا العطف ، فلا يقولون مررت بك أنت وزيد .
﴿ البحث الثانى) قرأ حمزة والكسائى (آبات) بكسر التاء وكذلك الذى بعده (وتصريف
الرياح آيات ) والباقون بالرفع فيهما، أما الرفع فمن وجهين ذكرهما المبرد والزجاج وأبو على:
(أحدهما ) العطف على موضع إن وما عملت فيه ، لأن موضعهما رفع بالابتداء فيحمل الرفع فيه
على الموضع، كما تقول إن زيداً منطلق وعمر، و( أن الله برى. من المشركين ورسوله) لأن معنى
قوله ( أن الله برى.) أن يقول الله برى. من المشركين ورسوله، (والوجه الثانى) أن يكون
قوله ( وفى خلقكم) مستأنفاً، ويكون الكلام جملة معطوفة على جملة أخرى كما تقول إن زيداً
منظلق وعمرو كاتب ، جعلت قولك وعمرو كاتب كلاماً آخر، كما تقول زيد فى الدار وأخرج غداً
إلى بلد كذ، فإنما حدثت بحديثين ووصلت أحدهما بالآخر بالواو ، وهذا الوجه هو اختيار أبى
الحسن والفراء، وأما وجه القراءة بالنصب فهو بالعطف على قوله ( إن فى السموات ) على معنى
(وإن فى خلقكم الآيات) ويقولون هذه القراءة إنها فى قراءة أنى وعبد الله (لا يات) ودخول اللام
يدل على أن الكلام محمول على إن.
(البحث الثالث) قوله (وفى خلفكم) معناه خلق الإنسان، وقوله (وما يبث من دابة) إشارة
إلى خلق سائر الحيوانات، ووجه دلالتها على وجود الإله القادر المختار أن الأجسام متساوية
فاختصاص كل واحد من الأعضاء بكونه المعين وصفته المعينة وشكله المعين، لابد وأن يكون

٢٦٠
قوله تعالى : وتصريف الرياح . سورة الجاثية .
بتخصيص القادر المختار ، ويدخل فى هذا الباب انتقاله من سن إلى سن آخر ومن حال إلى حال
آخر ، والاستقصاء فى هذا الباب قد تقدم.
ثم قال تعالى (واختلاف الليل والنهار) وهذا الاختلاف يقع على وجوه: (أحدها ) تبدل النهار
بالليل وبالضد منه ( وثانيها) أنه تارة يزداد طول النهار على طول الليل وتارة بالعكس وبمقدار
ما يزداد فى النهار الصبفى يزداد فى الليل الشتوى (وثالثها) اختلاف مطالع الشمس فى أيام السنة.
ثم قال تعالى ( وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها) وهو يدل على
القول بالفاعل المختار من وجوه (أحدها ) إنشاء السحاب وإنزال المطر منه (وثانيها) تولد النبات
من تلك الحبة الواقعة فى الأرض (وثالثها) تولد الأنواع المختلفة وهى ساق الشجرة وأغصانها
وأوراقها وثمارها ثم تلك الثمرة منها ما يكون القشر محيطاً بالب كالجوز واللوز، ومنها ما يكون
اللب محيطاً بالقشر كالمشمش والخوخ، ومنها ما يكون خالياً عن القشر كالتين، فتولد أقسام النبات
على كثرة أصنافها وتباين أقسامها على على صحة القول بالفاعل المختار الحكيم الرحيم .
ثم قال (وتصريف الرياح) وهى تنقسم إلى أقسام كثيرة بحسب تقسيمات مختلفة فيها المشرقية
والمغربية والشمالية والجنوبية، ومنها الحارة والباردة ومنها الرياح النافعة والرياح الضارة، ولما
ذكر الله تعالى هذه الأنواع الكثيرة من الدلائل قال إنها ( آيات لقوم يعقلون).
واعلم أن الله تعالى جمع هذه الدلائل فى سورة البقرة فقال (إن فى خلق السموات والأرض
واختلاف الليل والنهار والفلك التى تجرى فى البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من
ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين
السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون) فذكر الله تعالى هذه الأقسام الثمانية من الدلائل والتفاوت
بين الموضعين من وجوه (الأول) أنه تعالى قال فى سورة البقرة (إن فى خالق السموات والأرض)
وقال ههنا (إن فى السموات) والصحيح عند أصحابنا أن الخلق عين المخلوق، وقد ذكر لفظ
الخلق فى سورة البقرة ولم يذكره فى هذه السورة تنبيها على أنه لا يتفاوت بين أن يقال السموات
وبين أن يقال خلق السموات فيكون هذا دليلا على أن الخلق عين المخلوق (الثانى) أنه ذكر هناك
ثمانية أنواع من الدلائل وذكر ههنا ستة أنواع وأهمل منها الفلك والسحاب، والسبب أن مدار
حركة الفلك والسحاب على الرياح المختلفة فذكر الرياح الذى هو كالسبب يغنى عن ذكرهما (والتفاوت
الثالث) أنه جمع الكل وذكر لها مقطعاً واحداً وههنا رتبها على ثلاثة مقاطع والغرض التنبيه على أنه
لابد من إفراد كل واحد منها بنظر تام شاف ( الرابع) أنه تعالى ذكر فى هذا الموضع ثلاثة مقاطع
(أولها) يؤمنون (وثانيها) يوقنون (وثالثها) يعقلون، وأظن أن سبب هذا الترتيب أنه
قيل إن كنتم من المؤمنين فافهموا هذه الدلائل ، وإن كنتم لستم من المؤمنين بل أنتم من طلاب
الحق واليقين فافهموا هذه الدلائل، وإن كنتم لستم من المؤمنين ولا من الموقنين فلا أقل من أن