Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
-
قوله تعالى : ولما ضرب ابن مريم مثلاً ، سورة الزخرف .
وَلَمَّا ضُرِبَ أَبْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (2) وَقَالُواْ ، أَلِتْنَ
خَّأُمْ هُوَّ مَاضَرَبُ لَكَ إِلَّ ◌َجَدَلْ بَلْ هُمْ قَوْمُ خَصِمُونَ (﴿ إِنْ هُوَ إِلَّ عَبْدُ
أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَهُ مَثَلًا لِيَنِيّ إِسْرَاءِيلَ ﴿﴾ وَلَوْ نَشَاءُ لَعَلْنَا مِنْكُ مََّبَةً
ج
فِ الْأَرْضِ يَخْلُونَ (﴾ وَ إِنَّهُلَعِلَمْ لِلسَّاعَةِ فَلاَ تَمْتَرُنَّ بِهَا وَأَِّعُونِ هَذَا صِرَاطٌ
مُسْتَقِيمٌ (﴾ وَلَا يَصُدَّتَّكُ الشَّيْطَانُّ إِنَّهُ لَكُرْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (
وصرف المنايا بالرجال تقلب
مضوا سلفا قصد السبيل عليهم
فعلى هذا قال الفراء والزجاج يقول : جعلناهم متقدمين ليتعظ بهم الآخرون ، أى جعلناهم
سلفاً لكفار أمة محمد عليه السلام. وأكثر القراء قرأوا بالفتح وهو جمع سالف كما ذكر ناه، وقرأ
حمزة والكسائى (سلفاً) بالضم وهو جمع سلف ، قال الليث: يقال سلف بضم اللام يسلف سلوفاً
فهو سلف أى متقدم، وقوله ( ومثلا للآخرين) يريد عظة لمن بقى بعدهم وآية وعبرة، قال أبو على
الفارسى المثل واحد يراد به الجمع، ومن ثم عطف على سلف ، والدليل على وقوعه على أكثر من
واحد قوله تعالى ( ضرب الله مثلا عبداً مملوكا لا يقدر على شىء ومن رزقناه) فأدخل تحت المثل
شيئين والله أعلم .
قوله تعالى: ﴿ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منك يصدون ، وقالوا أ آلهتنا خير أم هو
ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون ، إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبنى إسرائيل
ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة فى الأرض يخلفون، وإنه لعلم الساعة فلا تمترن بها واتبعون هذا صراط
مستقيم ، ولا يصدنكم الشيطان إنه لكم عدو مبين ﴾ فى الآية مسائل:
المسألة الأولى» اعلم أنه تعالى ذكر أنواعا كثيرة من كفرياتهم فى هذه السورة وأجاب
عنها بالوجوه الكثيرة (فأولها) قوله تعالى ( وجعلوا له من عباده جزءاً) (وثانيها) قوله تعالى
وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً) ( وثالثها) قوله ( وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم)
(ورابعها) قوله (وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القربتين عظيم) (وخامسها) هذه الإية
التى نحن الآن فى تفسيرها، ولفظ الآية لا يدل إلا على أنه لما ضرب ابن مريم مثلا أخذ القوم
يضجون ويرفعون أصواتهم، فأما أن ذلك المثل كيف كان، وفى أى شىء كان فاللفظ لا يدل عليه
والمفسرون ذكروا فيه وجوهاً كلها محتملة (فالأول) أن الكفار لما سمعوا أن النصارى يعبدون

٢٢٢
قوله تعالى : ولما ضرب ابن مريم مثلاً . سورة الزخرف .
عيسى قالوا إذا عبدوا عيسى فآلهتنا خير من عيسى، وإنما قالوا ذلك لأنهم كانوا يعبدون الملائكة
(الثانى) روى أنه لما نزل قوله تعالى (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم) قال عبد الله
ابن الزبعرى هذا خاصة لنا ولآلهتنا أم لجميع الأمم؟ فقال عَّ الي (دبل لجميع الأمم)) فقال خصمتك
ورب الكعبة ، ألست تزعم أن عيسى ابن مريم فى وتثنى عليه خيراً وعلى أمه ، وقد علمت أن
النصاری یعبدونهما والیهود یعبدون عزیراً والملائكة يعبدون ، فاذا كان هؤلاء فى النار فقد. رضينا
أن نكون نحن وآلهتنا معهم فسكت النبى معَ له وفرح القرم وشحكوا وضجوا، فانزل الله
تعالى (إن الذين سبقتْ لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون) ونزلت هذه الآية أيضاً والمعنى، ولما
(ضرب) عبد الله بن الزبعرى عيسى (ابن مريم مثلا) وجادل رسول الله بعبادة النصارى إياه ( إذا
قومك) قريش (منه) أى من هذا المثل (يصدون) أى يرتفع لهم ضجيج وجلبة فرحاوجدلا وضحكا
بسبب مارأوا من إسكات رسول اللّه فإنه قد جرت العادة بأن أحد الخصمين إذا انقطع أظهر الخصم
الثابى الفرح والضجيج، (وقالوا أ آلهتنا خير أم هو) يعنون أن آلهتنا عندك ليست خيراً من عيسى
فإذا كان عيسى من حصب جهنم كان أمر آلهتنا أمون (الوجه الثالث) فى التأويل وهو أن التى حظا}
لما حكى أن النصارى عبدوا المسيح وجعلوه إلهاً لأنفسهم، قال كفار مكة إن محمداً يريد أن
يجعل لنا إلهاً كما جعل النصارى المسيح إلهاً لأنفسهم، ثم عند هذا قالوا (أ آلهتنا خير أم هو) يعنى
أ آلهتنا خير أم محمد، وذكروا ذلك لأجل أنهم قالوا: إن محمداً يدعونا إلى عبادة نفسه ، وآباؤنا
زعموا أنه يحب عبادة هذه الأصنام ، وإذا كان لابد من أحد هذين الأمرين فعبادة هذه الأصنام
أولى ، لأن آباءنا وأسلافنا كانوا متطابقين عليه، وأما محمد فإنه متهم فى أمرنا بعبادته فكان
الاشتغال بعبادة الأصنام أولى، ثم إنه تعالى بين أنا لم نقل إن الاشتغال بعبادة المسيح طريق حسن
بل هو كلام باطل ، فإن عيسى ليس إلا عبداً أنعمنا عليه، فإذا كان الأمر كذلك فقد زالت شبهتهم
فى قولهم : إن محمداً يريد ان يأمرنا يعبادة نفسه ، فهذه الوجوه الثلاثة مما يحتمل كل واحد منها
لفظ الآية.
﴿ المسألة الثانية) قرأ نافع وابن عامر والكسائى وأبو بكر عن عاصم يصدون بضم الصاد وهو
قراءة على بن أبى طالب عليه السلام والباقون بكسر الصاد وهى قراءة ابن عباس، واختلفوا فقال
الكسائى: هما بمعنى نحو يعرشون ويعرشون ويعكفون، ومنهم من فرق، أما القراءة بالضم فمن
الصدود، أى من أجل هذا المثل يصدون عن الحق ويعرضون عنه، وأما بالكسر فمعناه يضجون.
المسألة الثالثة﴾ قرأ عاصم وحمزة والكسائى أ آلهتنا استفهاماً بهمزتين الثانية . ظولة والباقون
استفهاماً بهمزة ومدّة .
ثم قال تعالى ( ما ضربوه لك إلا جدلا) أى ماضربوا لك هذا المثل إلا لأجل الجدل والغلبة .

٢٢٣
قوله تعالى : ولما جاء عيسى بالبينات . سورة الزخرف .
وَلَمَّا جَآءَ عِسَى بِالْبَِّشَتِ قَالَ قَدْ ◌ِتُكُ بِالْحِكَْةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِى
فى القول لالطلب الفرق بين الحق والباطل (بل هم قوم خصمون) مبالغون فى الحكومة، وذلك
لأن قوله (إنكم وما تعبدون من دون الله) لا يتناول الملائكة وعيسى، وبيانه من وجوه (الأول)
أن كلمة مالا تتناول العقلاء البتة (والثانى) أن كلمة ما ليست صريحة فى الاستغراق بدليل أنه
يصح إدخال لفظنى الكل والبعض عليه ، فيقال إنكم وكل ما تعبدون من دون الله، أو إنكم وبعض
ما تعبدون من دون الله (الثالث) أن قوله إنكم وكل ما تعبدون من دون الله أو وبعض ماتعبدون
خطاب مشافهة فلعله ما كان فيهم أحد يعبد المسيح والملائكة (الرابع ) أن قوله ( إنكم وما تعبدون
من دون الله) هب أنه عام إلا أن النصوص الدال على تعظيم الملائكة وعيسى أخص منه، والخاص
مقدم على العام .
المسألة الرابعة ﴾ القائلون بذم الجدل تمسكوا بهذه الآية إلا أنا قد ذكرنا فى تفسير قوله
تعالى ( ما يجادل فى آيات الله إلا الذين كفروا) أن الآيات الكثيرة دالة على أن الجدل موجب
للمدح والثناء ، وطريق التوفيق أن تصرف تلك الآيات إلى الجدل الذى يفيد تقرير الحق ، وأن
تصرف هذه الآية إلى الجدل الذى يوجب تقرير الباطل .
ثم قال تعالى (إن هو إلا عبد أنعمنا عليه) يعنى ماعيسى إلا عبد كبائر العبيد أنعمنا عليه حيث
جعلناه آية بأن خلقناه من غير أب كما خلقنا آدم وشرفناه بالنبوة وصير ناه عبرة عجيبة كانمثل السائر
(ولو نشاء جعلنا منكم ) لولدنا منکم یا رجال (ملائکه يخلفونكم فى الآرض)کما یخلفكم أولاد كم كما
ولدنا عيسى من أنثى من غير لحل لتعرفوا تميزنا بالقدرة الباهرة ولتعرفوا أن دخول التوليد والتولد
فى الملائكة أمر ممكن وذات اللّه متعالية عن ذلك (وإنه) أى عيسى (لعلم للساعة) شرط من
أشراطها تعلم به فسمى الشرط الدال على الشىء علماً لحصول العلم به، وقرأ ابن عباس: العلم. وهو
العلامة وقرى. للعلم وقرأ أبى: لذكر، وفى الحديث «أن عيسى ينزل على ثنية فى الأرض المقدسة
يقال لها أفيق وبيده حربة وبها يقتل الدجال فياتى ببيت المقدس فى صلاة الصبح والإمام يوم
بهم فيتأخر الإمام فيقدمه عيسى ويصلى خلفه على شريعة محمد رؤيته ثم يقتل الخنازير ويكثر الصليب
ويخرب البيع والكنائس ويقتل النصارى إلا من آمن به)) (فلا تمترن بها) من الحرية وهو الشك
(واتبعون) واتبعوا هداى وشرعى (هذا صراط مستقيم) أى هذا الذى أدعو كم إليه صراط مستقيم
(ولا يصدنكم الشيطان إنه لكم عدو مبين ) قد بانت عداوته لكم لأجل أنه هو الذى أخرج أبا كم
من الجنة ونزع عنه لباس النور .
قوله تعالى: ﴿ولما جاء عيسى بالبينات قال قد جئتكم بالحكمة ولابين لكم بعض الذى
تختلفون فيه فاتقوا الله وأطيعون ، إن الله هو ربى وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم، فاختلف
:

٢٢٤
قوله تعالى : الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض . سورة الزخرف .
تَخْلِفُونَ فِهِ فَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (﴾ إِنَّاللَّ هُوَ رَبِىِ وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا
فَأَخْتَ الْأَْابُ مِنْ بَعْنِمَّ قَوَيْلٌ لِلَذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ
صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ
عَذَابٍ يَوْمِ أَلِيمٍ ﴾ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ
الْأَخِلَاءُ يَوْمَدِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ عَدُوٌّإِلَّ الْمُتَّقِينَ ﴿ يَعِبَادِ لَا خَوْفُ
عَلَيْكُ أَلْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (2) الَّذِينَ ءَ امَنُواْبِعَايَتِنَا وَكَانُواْ مُسْلِينَ
الأحزاب من بينهم فويل الذين ظلوا من عذاب يوم أليم، هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة
وهم لا يشعرون
أعلم أنه تعالى ذكر أنه لمنا جاء عيسى بالمعجزات وبالشرائع البينات الواضحات (قال قد جئتكم
بالحكمة) وهى معرفة ذات الله وصفاته وأفعاله (ولا بين لكم بعض الذى"ختلفون فيه) يعنى أن
قوم موسى كانوا قد اختلفوا فى أشياء من أحكام التكاليف واتفقوا على أشياء، جاء عيسى ليين لهم
الحق فى تلك المسائل الخلافية ، وبالجملة فالحكمة معناها أصول الدين وبعض الذى يختلفون فيه
معناه فروع الدين، فإن قيل لم لم يبين لهم كل الذى يختلفون فيه ؟ قلنا لأن الناس قد يختلفون فى
أشياء لاحاجة بهم إلى معرفتها، فلا يجب على الرسول بيانها، ولما بين الأصول والفروع قال (فاتقوا
أفته) فى الكفر به والإعراض عن دينه ( وأطيعون) فيما أبلغه إليكم من التكاليف (إن الله هو ربى
وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم) والمعنى ظاهر (فاختلف الأحزاب) أى الفرق المتحزبة بعد
عيسى وهم الملكانية واليعقوبية والنسطورية ، وقيل اليهود والنصارى (فويل الذين ظلموا من عذاب
يوم أليم) وهو وعيد بيوم الأحزاب، فإن قيل قوله ( من بينهم) الضمير فيه إلى من يرجع؟ قلنا
إلى الذين خاطبهم عيسى فى قوله (قد جئتكم بالحكمة) وهم قومه .
ثم قال (هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة) فقوله أن تأتيهم بدل من الساعة والمعنى هل
ينظرون إلا إتيان الساعة. فان قالوا قوله ( بغتة) يفيد عين ما يفيده قوله (وهم لا يشعرون) فما
الفائده فيه؟ قلنا يجوز أن تأتيهم بغتة وهم يعرفونه بسبب أنهم يشاهدونه.
قوله تعالى: ﴿الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين، با عباد لا خوف عليكم اليوم
ولا أنتم تحزنون. الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين، ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبدون، يطاف

٢٢٥
قوله تعالى : الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض . سورة الزخرف .
يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ
أَدْ خُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَجُمْ تُحْبِرُونَ
وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَاتَشْتَبِ الْأَنْفُسُ وَتَذُّ الْأَعْنُ وَأَنْتُمْ فِيَهَا خَلِدُونَ (٨٦) وَتِلْكَ
لَكُمْ فِها فَكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا
الْجَنَّةُ الَّبِّ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾﴾
تَأْكُونَ
عليهم بصحاف من ذهب وأكواب وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون ، وتلك
الجنة التى أور ثنموها بما كنتم تعملون، لكم فيها فاكهة كثيرة منها تأكلون﴾ .
اعلم أنه تعالى لما قال (هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة) ذكر عقيبه بعض ما يتعلق
بأحوال القيامة (فأولها) قوله تعالى (الأخلاء يومئذ بعضهم عدو إلا المتقين) والمعنى (الأخلاء)
فى الدنيا ( يومئذ) يعنى فى الآخرة ( بعضهم لبعض عدو) يعنى أن الخلة إذا كانت على المعصية
والكفر صارت عداوة يوم القيامة ( إلا المتقين) يعنى الموحدين الذين يخالل بعضهم بعضاً
على الإيمان والتقوى ، فإن خلتهم لا تصير عداوة ، وللحكماء فى تفسير هذه الآية طريق حسن ،
قالوا إن المحبة أمر لا يحصل إلا عند اعتقاد حصول خير أو دفع ضرر، فمتى حصل هذا الاعتقاد
حصلت المحبة لا محالة ، ومتى حصل اعتقاد أنه يوجب ضرراً حصل البغض والنفرة، إذا عرفت
هذا فنقول: تلك الخيرات التى كان اعتقاد حصولها يوجب حصول المحبة، إما أن تكون قابلة
للتغير والتبدل، أو لا تكون كذلك، فإن كان الواقع هو القسم الأول، وجب أن تبدل تلك المحبة
بالنفرة، لأن تلك الجحبة إنما حصلت لا عتقاد حصول الخير والراحة ، فإذا زال ذلك الاعتقاد ،
وحصل عقيبه اعتقاد أن الحاصل هو الضرر والألم ، وجب أن تتبدل تلك المحبة بالبغضة ، لأن
تبدل العلمة بوجب تبدل المعلول ، أما إذا كانت الخيرات الموجبة للحبة ، خيرات باقية أبدية ، غير
قابلة للتبدل والتغير ، كانت تلك المحبة أيضاً محبة باقية آمنة من التغير ، إذا عرفت هذا الأصل
فتقول: الذين حصلت بينهم محبة ومودة فى الدنيا ، إن كانت تلك المحبة لأجل طلب الدنيا وطيباتها
ولذاتها ، فهذه المطالب لاتبقى فى القيامة، بل يصير طلب الدنيا سبباً لحصول الآلام والآفات فى
يوم القيامة ، فلا جرم تنقلب هذه المحبة الدنيوية بغضة ونفرة فى القيامة ، أما إن كان الموجب
لحصول المحبة فى الدنيا الاشتراك فى محبة الله وفى خدمته وطاعته ، فهذا السبب غير قابل للنسخ
والتغير، فلاجرم كانت هذه المحبة باقية فى القيامة، بل كانها قصير أقوى وأضفى وأكمل وأفضل
مما كانت فى الدنيا، فهذا هو التفسير المطابق لقوله تعالى ( الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا
الفخر الرازي - ج ٢٧ م ١٥

٢٢٦
قوله تعالى : إن المجرمين في عذاب جهنم . سورة الزخرف .
٠١٠٠/١٠٠٠
إِنَّ الْمُجْرِمِنَ فِ عَذَابٍ جَهَنَّمَ خَلِدُونَ (٨) لَا يُفَتَُّ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلُونَ
المتقين)، (الحكم الثانى) من أحكام يوم القيامة، وقوله تعالى ( باعباد لاخوف عليكم اليوم ولا
أنتم تحزنون ) وقد ذكرنا مراراً أن عادة القرآن جارية بتخصيص لفظ العباد ، بالمؤمنين المطيعين
المتقين ، فقوله (باعباد) كلام الله تعالى، فكان الحق يخاطبهم بنفسه ويقول لهم (ياعباد لاخوف
عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون) وفيه أنواع كثيرة ما يوجب الفرح (أولها) أن الحق سبحانه
وتعالى خاطبهم بنفسه من غير واسطة ( وثانيها) أنه تعالى وصفهم بالعبودية، وهذا تشريف
عظيم، بدليل أنه لما أراد أن يشرف محمداً ويح ليلة المعراج، قال ( سبحان الذي أسرى بعبده)
( وثالثها) قوله (لاخوف عليكم اليوم) فأزال عنهم الخوف فى يوم القيامة بالكلية ، وهذا من
أعظم النعم ( ورابعها) قوله ( ولا أنتم تحزنون) فنفى عنهم الحزن بسبب فوت الدنيا الماضية.
ثم قال تعالى ( الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين) قيل (الذين آمنوا) مبتدأ، وخبره مضمر،
والتقدير بقال لهم: أدخلوا الجنة، ويحتمل أن يكون المعنى أعنى الذين آمنوا، قال مقاتل: إذا وقع
الخوف يوم القيامة، نادى مناد ( ياعباد لاخوف عليكم اليوم) فإذا سمعوا النداء رفع الخلائق
ر.وسهم، فيقال (الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين) فتنكس أهل الأديان الباطلة، ؤوسهم
(الحكم الثالث) من وقائع القيامة، أنه تعالى إذا أمن المؤمنين من الخوف والحرف، وجب
أن يمر حسابهم على أسهل الوجوه وعلى أحسنها، ثم يقال لهم (ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تصبرون)
والحبرة المبالغة فى الإكرام فيما وصف بالجميل، يعنى يكرمون إكراماً على سبيل المبالغة، وهذا
مما سبق تفسيره فى سورة الروم .
ثم قال ﴿يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب﴾ قال الفراء: الكوب المستدير الرأس
الذى لا أذن له، فقوله (يطاف عليهم بصحاف من ذهب) إشارة إلى المطعوم، وقوله (وأكواب)
إشارة إلى المشروب ، ثم إنه تعالى ترك التفصيل وذكر بياناً كلياً، فقال (فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ
الأعين وأنتم فيها خالدون).
ثم قال ﴿ وتلك الجنة التى أور ثتموها بما كنتم تعملون﴾ وقد ذكرنا فى وراثة الجنة وجهين فى
قوله (أولئك هم الوارثون، الذين يرثون الفردوس) ولما ذكر الطعام والشراب فيما تقدم، ذكر
ههنا حال الفاكهة، فقال ( لكم فيها فاكهة منها تأكلون).
واعلم أنه تعالى بعث محمداً وبيع إلى العرب أولا، ثم إلى العالمين ثانياً، والعر كانوا فى ضيق
شديد بسبب المأكول والمشرب والفاكهة، فلهذا السبب تفضل الله تعالى عليهم بهذه المعانى مرة
بعد أخرى ، تكميلا لرغبتهم وتقوية لدواعيهم.
قوله تعالى: ﴿ إن المجرمين فى عذاب جهنم خالدون، لا يفتر عنهم وم فيه مبلون ،

٢٢٧
قوله تعالى : وما ظلمناهم ولكن كانوا . سورة الزخرف .
وَمَا ظَلَهُمْ وَلَكِن كَانُوْ هُمُ الظَّلِينَ (٤٦) وَنَادَوْ يَمَلِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبّكَ قَالَ
إِنَّكُم مَّكِتُونَ ﴿ لَقَدْ جِثْنَكُم بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ كُمْ لِحَقِّ كَِّهُونَ (٨) أَمْ أَبْرَمُواْ .
أَمْرًا فَّامُبْرِمُونَ ﴿ أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّ لَا تَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَتَوَنُهُمْ بَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ
وء
يَكْتُبُونَ
٨٠
وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين ، ونادوا يامالك ليقض علينا ربك قال إنكم ما كثون ، لقد
جناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون، أم أبرموا أمراً فإنا مبرمون، أم يحسبون أنالا نسمع
سرهم وبهواهم على ورسلنا لديهم يكتبون﴾.
أعلم أنه تعالى لما ذكر الوعد، أردفه بالوعيد على الترتيب المستمر فى القرآن ، وفيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ احتج القاضى على القطع بوعيد الفساق بقوله ( إن المجرمين فى عذاب
جهنم خالدون، لا يفتر عنهم وثم فيه مبلسون) ولفظ المجرم يتناول الكافر والفاسق، فوجب كون
الكل فى عذاب جهنم، وقوله ( خالدون ) يدل على الخلود، وقوله أيضاً (لا يفتر عنهم) يدل على
الخلود والدوام أيضاً (والجواب) أن ماقبل هذه الآية وما بعدها ، يدل على أن المراد من لفظ
(المجرمين) ههنا الكفار ، أما ماقبل هذه الآية فلأنه قال ( يا عباد لاخوف عليكم اليوم ولا أنتم
تحزنون، الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلين) فهذا يدل على أن كل من آمن بآيات الله وكانوامسلمين،
فإنهم يدخلون تحت قوله ( با عباد لاخوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون، الذين آمنوا بآياتنا
وكانوا مسلمين) والفاسق من أهل الصلاة آمن بالله تعالى وبآياته وأسلم، فوجب أن يكون داخلا
تحت ذلك الوعد، ووجب أن يكون خارجاً عن هذا الوعيد، وأما ما بعد هذه الآية فهو قوله
(جثناكم بالحق ولكن أكثر كم الحق كارهون) والمراد (بالحق) ههنا إما الإسلام وإما القرآن،
والرجل المسلم لا يكره الإسلام ولا القرآن ، فثبت أن ما قبل هذه الآية وما بعدها ، يدل على أن
المراد من المجرمين الكفار، والله أعلم.
﴿ المسألة الثانية ) أنه تعالى وصف عذاب جهنم فى حق المجرمين بصفات ثلاثة (أحدهما)
الخلود، وقد ذكرنا فى مواضع كثيرة أنه عبارة عن طول المكث ولا يفيد الدوام ( وثانيها) قوله
(لا يفتر عنهم) أى لا يخفف ولا ينقص من قولهم فترت عنه الحى إذا سكنت ونقص حرها (وثالثها)
قوله (وثم فيه مبلسون) والمبلس اليائس الساكت سكوت يائس من فرج، عن الضحاك يجعل
المجرم فى تابوت من نار، ثم يقفل عليه فيبقى فيه خالداً لا يرى، قال صاحب الكشاف وقرى.
(وم فيها) أنى وهم فى النار.

٢٢٨
قوله تعالى : وما ظلمناهم ولكن كانوا . سورة الزخرف .
المسألة الثالثة﴾ احتج القاضى بقوله تعالى (وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين). فقال إن
كان خلق فيهم الكفر ليدخلهم النار ما الذى نفاه بقوله ( وما ظلمناهم) وما الذى نسبه إليهم ما
نفاه عن نفسه؟ أوليس لو أثبتناه ظلماً لهم كان لا يزيد على ما يقوله القوم ، فإن قالوا ذلك الفعل لم يقع
بقدرة الله عز وجل فقط ، بل إنما وقع بقدرة الله مع قدرة العبد معاً، فلم يكن ذلك ظلماً من الله.
قلنا: عندكم أن القدرة على الظلم موجبة للظلم، وخالق تلك القدرة هو الله تعالى، فكانه تعالى ما
فعل مع خلق الكفر قدرة على الكفر خرج عن أن يكون ظالما لهم ، وذلك محال لأن من يكون
ظالماً فى فعل ، فإذا فعل معه ما يوجب ذلك الفعل يكون بذلك أحق ، فيقال للقاضى قدرة العبد هل
هى صالحة للطرفين أو هى متعينة لأحد الطرفين ؟ فإن كانت صالحة لكلا الطرفين فالترجيح إن
وقع لا لمرجح لزم نفى الصانع، وإن افتقر إلى مرجح عاد التقسيم الأول فيه، ولا بد وأن ينتهى
إلى داعية مرجحة يخلقها الله فى العبد، وإن كانت متعينة لأحد الطرفين فيفئذ يلزمك ما أوردته علينا.
واعلم أنه ليس الرجل من يرى وجه الاستدلال فيذكره، إنما الرجل الذى ينظرفيما قبل الكلام
وفيما بعده، فإن رآه وارداً على مذهبه بعينه لم يذكره والله أعلم .
المسألة الرابعة﴾ قرأ ابن مسعود (يامال) بحذف الكاف الترخيم فقيل لابن عباس إن ابن
مسعود قرأ ونادوا يامال فقال: ماأشغل أهل النار عن هذا الترخيم! وأجيب عنه بأنه إنما حسن
هذا الترخيم لأنه يدل على أنهم بلغوا فى الضعف والنحافة إلى حيث لا يمكنهم أن يذكروامن الكلمة
إلا بعضها .
المسألة الخامسة ﴾ اختلفوا فى أن قولهم (يامالك ليقض علينا ربك ) على أى وجه طلبوا
فقال بعضهم على التمنى، وقال آخرون على وجه الاستغاثة، وإلافهم عالمون بأنه لاخلاص لهم عن
ذلك العقاب، وقيل لا يبعد أن يقال إنهم لشدة ما هم فيه من العذاب نسوا تلك المسألة فذكروه
على وجه الطلب . ثم إنه تعالى بين أن ما لكايقول لهم (إنكم ما كثون) وليس فى القرآن متى أجابهم،
هل أجابهم فى الحال أو بمدة طويلة، وإن كان بعد ذلك قهل حصل ذلك الجواب بعد ذلك السؤال
بمدة قليلة أو بمدة طويلة , فلا يمتنع أن تؤخر الإجابة استحفاعاً بهم وزيادة فى غمهم، فعن عبد الله
بن عمر بعد أربعين سنة، وعن غيره بعد مائة سنة، وعن ابن عباس بعد ألف سنة والله أعلم
بذلك المقدار .
ثم بين تعالى أن مالكا لما أجابهم بقوله ( إنكم ما كثون) ذكر بعده ماهو كالعلة لذلك
الجواب فقال ( لقد جئنا کم باحق ولکن أ کثر کم للحق كارهون) والمراد نقرتهم عن محمد وچن
القرآن وشدة بغضهم لقبول الدين الحق ، فان قيل كيف قال (ونادوا بامالك) بعد ما وصفهم
بالإبلاس؟ قلنا تلك أزمنة متطاولة وأحقاب ممتدة ، فتختلف بهم الأحوال فيسكتون أوقاتاً لغلبة
البأس عليهم ويستغيثون أوقاتاً لشدة مابهم ، روى أنه يلق على أهل النار الجوع حتى يعدل مام

٢٢٩
قوله تعالى : قل إن كان للرحمن ولد . سورة الزخرف .
قُلْ إِن كَانَ لِلَّهَنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ الْعَنْبِدِينَ (9﴾ سُبْحَنَ رَبِّ الَّمَنَّتِ
فَذَرْهُمْ تَخُضُواْ وَيَلْعَبُواْ خَّى يُلَقُواْ
وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (19)
يَوْمَهُمُ الَّذِى يُؤْعَدُونَ ﴿ وَهُوَ الَّذِىِ فِ السَّمَاءِ إِلَهُ وَفِ الْأَرْضِ إِلَةٌ وَهُوَ
الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (﴾ وَتَبَارَكَ الَّذِ لَّهُ مُلْكُ السَّمَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَ
وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ
وَعِندَهُ عِمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (9﴾
و
الشَّفَعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴿ وَلَيْنِ سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَهُمْ
وَقِيلِهِ، يَرَبّ إِنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لَّا يُؤْمِنُونَ
٤٤٠
لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ
M
٨٧
فيه من العذاب، فيقولون ادعوا مالكا فيدعون ( يا مالك ليقض علينا ربك) ولما ذكر الله تعالى
كيفية عذابهم فى الآخرة ذكر بعده كيفية مكرهم وفساد باطنهم فى الدنيا فقال (أم أبرموا أمراً فإنا
مبرمون) والمعنى أم أبرموا أى مشركوا مكة أمراً من كيدهم ومكرثم برسول الله، فإنا مبرمون
كيدنا كما أبرموا كيدهم كقوله تعالى (أم يريدون كيداً فالذين كفروا م المكيدون) قال مقاتل:
نزلت فى تدییرم فی المکر به فى دار الندوة، وهو ما ذكره الله تعالى فى قوله تعالى (وإذ يمكر
بك الذين كفروا) وقد ذكرنا القصة.
ثم قال (أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم) السر ما حدث به الرجل نفسه أو غيره فى
مكان خال ، والنجوى ما تكلموا به فيما بينهم (بلى) نسمعها ونطلع عليها ( ورسلنا) يريد الحفظة
( يكتبون ) عليهم تلك الأحوال، وعن يحي ابن معاذ من ستر من الناس ذنوبه وأبداها الذى
لا يخفى عليه شىء فى السموات فقد جعله أهون الناظرين إليه وهو من علامات النفاق.
قوله تعالى : ﴿قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين، سبحان رب السموات والأرض رب
العرش عما يصفون، فذرهم يخرضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذى يوعدون ، وهو الذى فى
السماء إله و فى الأرض إله وهو الحكيم العليم، وتبارك الذى له ملك السموات والأرض وما بينهما
وعنده على الساعة وإليه ترجعون ، ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق
وم یعلمون، ولتنسألتهم من خلقهملیقولناتهنأنى يؤفكون، وقیله ياربإنهؤلاء قوم لا يؤمنون،

٢٣٠
قوله تعالى : قل إن كان للرحمن ولد . سورة الزخرف .
فَأَصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَمْ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ
اصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون ﴾، وفيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ قرأحمزة والكسائى (ولد) بضم الواد وإسكان اللام والباقون بفتحهما
(فأنا أول العابدين ) قرأ نافع (فأنا) بفتحة طويلة على النون والباقون بلا تطويل .
المسألة الثانية﴾ اعلم أن الناس ظنوا أن قوله ( قل إن كان الرحمن ولد فأنا أول العابدين)
لو أجريناه على ظاهره فانه يقتضى وة ع الشبك فى إثبات ولد لله تعالى، وذلك محال فلا جرم
افتقروا إلى تأويل الآية، وعندى أنه ليس الأمر كذلك وليس فى ظاهر اللفظ ما يوجب العدول
عن الظاهر، وتقريره أن قوله ( إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين) قضية شرطية والقضية
الشرطية مركبة من قضيتين خبربتين أدخل على إحداهما حرف الشرط وعلى الأخرى حرف
الجزاء حصل بمجموعهما قضية واخدة، ومثاله هذه الآية فان قوله (إن كان الرحمن ولد فأنا أول
العابدين) قضية مركبة من قضيتين: (إحداهما) قوله (إن كان الرحمن ولد)، (والثانية) قوله (فأنا
أول العابدين) ثم أدخل حرف الشرط وهو لفظة إن على القضية الأولى وحرف الجزاء وهو الفاء
على القضية الثانية لحصل من مجموعهما قضية الأولى واحدة، وهو القضية الشرطية ، إذا عرفت هذا
فنقول القضية الشرطية لا تفيد إلا كر الشرط مستلزماً للجزاء، وليس فيها إشعار بكون الشرط
حقاً أو باطلا أو بكون الجزاء حقاً أو باطلا، بل نقول القضية الشرطية الحقة قد تكون مز كبةمن قديتين
حقيتين أو من قضيتين باطلتين أومن شرط باطل وجزاء حق أومن شرط حق وجراء باطل ، فأما
القسم الرابع وهو أن تكون القضية الشرطية الثقة مركبة من شرط حق وجزاء باطل فهذا محال .
ولنبين أمثال هذه الأقسام الأربعة، فإذا قلنا إن كان الإنسان حيواناً فالإنسان جسم فهذه
شرطية حقة وهى مركبة من قضيتين حقيتين، إحداهما قولنا الإنسان حيوان، والثانية قولنا الإنسان
جسم، وإذا قلنا إن كانت الخمسة زوجاً كانت منقسمة بمتساويين فهذه شرطية حقة لكنها مركية
من قولنا الخمسة زوج، ومن قولنا الخمسة منقسمة بمتساويين وهما باطلان، وكونهما باطلين لا يمنع
من أن يكون استلزام أحدهما للآخر حقاً، وقد ذكرنا أن القضية الشرطية لا تفيد إلا مجرد
الاستلزام ، وإذا قلنا إن كان الإنسان حجراً فهو جسم، فإذا جسم، فهذا أيضاً حق لكنها مركبة
من شرط باطل وهو قولنا الإنسان حجر ، ومن جزء حق وهو قولنا الإنسان جسم، وإنما جاز
هذا لأن الباطل قد يكون بحيث يلزم من فرض وقوعه وقوع حق ، فأنا فرضنا كون الإنسان حجراً
وجب کونه جسما فهذا شرط باطل يستلزم جزءاً حقاً .
(وأما القسم الرابع) وهو تركيب قضية شرطية حقة من شرط حق وجزاء باطل، فيهذا

٢٣١
قوله تعالى : قل إن كان للرحمن ولد . سورة الزخرف .
محال ، لأن هذا التركيب يلزم منه كون الحق مستلزماً للباطل وذلك محال بخلاف القسم الثالث
فإنه يلزم منه كون الباطل مستلزماً للحق وذلك ليس بمحال ، إذا عرفت هذا الأصل فلنرجع إلى
الآية فنقول قوله (إن كان الرحمن ولد فأنا أول العابدين) قضية شرطية حقة من شرط باطل ومن
جزاء باطل لأن قولنا كان للرحمن ولد باطل ، وقولنا (أنا أول العابدين) لذلك الولد باطل أيضاً
إلا أنا بينا أن كون كل واحد منهما باطلا لا يمنع من أن يكون استلزام أحدهما للآخر حقاً كماضربنا
من المثال فى قولنا إن كانت الخمسة زوجاً كانت منقسمة بمتساويين ، فثبت أن هذا الكلام لا امتناع
فى إجرائه على ظاهره ، ويكون المراد منه أنه إن كان المرحمن ولد فأنا أول العابدين لذلك الولد ،
فان السلطان إذا كان له ولد فكما يجب على عبده أن يخدمه فكذلك يجب عليه أن يخدم ولده ، وقد
بينا أن هذا التركيب لا يدل على الاعتراف بإثبات ولد أم لا .
ومما يقرب من هذا الباب قوله ( لوكان فيهما آلهة إلا اللّه لفسدتا) فهذا الكلام قضية
شرطية والشرط هو قولنا (فيهما آلهة) والجزاء هو قولنا (فسدتا) فالشرط فى نفسه باطل والجزاء
أيضاً باطل لأن الحق أنه ليس فيهما آلهة، وكلمة لو تفيد انتفاء الشىء بانتفاء غيره لأنهما ما فسدتا
ثم مع كون الشرط باطلا وكون الجزاء باطلا كان استلزام ذلك الشرط لهذا الجزاء حقاً فكذا
ههنا ، فإن قالوا الفرق أن ههنا ذكر الله تعالى هذه الشرطية بصيغة لو فقال ( لو كان فيهما آلهة)
وكلمة لو تفيد انتفاء الشىء لانتفاء غيره، وأما فى الآية التى نحن فى تفسيرها إنما ذكر الله تعالى كلمة
· إن وهذه الكلمة لا تفيد انتفاء الشىء لانتفاء غيره، بل هذه الكلمة تفيد الشك فى أنه هل حصل
الشرط أم لا، وحصول هذا الشك ابرسول غير ممكن ، قلنا الفرق الذى ذكرتم صحيح إلا أن
مقصودنا بيان أنه لا يلزم من كون الشرطية صادقة كون جزءيها صادقتين أو كاذبتين على ماقررناه
،أما قوله إن لفظة إن تفيد حصول الشرط هل حصل أم لا ، قلنا هذا منوع فان حرف
إن حرف الشرط وحرف الشرط لا يفيد إلا كون الشرط مستلزماً للجزاء، وأما يان أن
ذلك الشرط معلوم الوقوع أو مشكوك الوقوع، فاللفظ لادلالة فيه عليه البتة، فظهر من المباحث
التى لخصناها أن الكلام «هنا ممكن الإجراء على ظاهره من جميع الوجوه وأنه لاحاجة فيه البتة
إلى التأويل، والمعنى أنه تعالى قال (قل) يا محمد (إن كان المرحمن ولد فأنا أول العابدين) لذلك الولد
وأنا أول الخادمين له ، والمقصود من هذا الكلام بيان أنى لا أنكر ولده لأجل العناد والمنازعة
فان بتقدير أن يقوم الدليل على ثبوت هذا الولد كنت مقراً به معترفاً بوجوب خدمته إلا أنه لم
يوجد هذا الولد ولم يقم الدليل على ثبوته البتة، فكيف أقول به ؟ بل الدليل القاطع قائم على عدمم
فكيف أقول به وكيف أعترف بوجوده؟ وهذا الكلام ظاهر كامل لاحاجة به البتة إلى التأويلى
والعدول عن الظاهر، فهذا ما عندى فى هذا الموضع ونقل عن السدى من المفسرين أنه كان يقول
حمل هذه الآية على ظاهرها ممكن ولا حاجة إلى التأويل، والتقرير الذى ذكرناه يدل على أن الذى

٠٢٣٢
قوله تعالى : سبحان رب السموات والارض . سورة الزخرف ..
قاله هو الحق، أما القائلون بأنه لابد من التأويل فقد ذكروا وجوهاً (الأول) قال الواحدى
كثرت الوجوه فى تفسير هذه الآية، والأقوى أن يقال المعنى إن كان الرحمن ولد فى رحمكم (أ)
أول العابدين) أى الموحدين قد المكذبين لقولكم بإضافة الولد إليه، ولقائل أن يقول إما أن يكون
تقدير الكلام : إن يثبت الرحمن ولد فى نفس الأمر فأما أول المنكرين له أو يكون التقدير إن
يثبت لكمادماء أن الرحمن ولداً .أما أول المنكرين له، والأول باطل لأن ثبوت الشىء فى قطه
لا يقتضى كون الرسول منكراً له، لأن فوله إن كان الشىء ثابتاً فى نفسه فأنا أول المنكرين يقتفى
إصراره على الكذب والجهل وذلك لا يليق بالرسول، والثانى أيضاً باطل لأنهم سواء أثبتواته
ولداً أو لم يثبتزه له فالرسول منكر لذلك الولد، فلم يكن لزعمهم تأثيراً فى كون الرسول منكراً
لذلك الولد فلم يصلح جعل زعمهم إثبات الولد مؤثراً فى كون الرسول مشكراً للواد.
(الوجه الثانى) قالوا معناه (إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين) الآنفين من أن يكون له
ولد من عبد یعبد إذا اشتدت أنهته فهو عبد وعابد ، وقرأ بعضهم عبدين.
وأعلم أن السؤال المذكور قائم ههنا لأنه إن كان المراد إن كان الرحمن ولد فى نفس الأمر فأنا
أول الآنفين من الإقرار به، فهذا يقتضى الإصرار على الجهل والكذب، وإن كان المراد إن كان
للرحمن ولد فى زعمكم واعتقادكم فأنا أول الآنفين، فهذا التعليق فاسد لأن هذه الأنفة حاصلة سواء
حصل ذلك الزعم والاعتقاد أولم يحصل ، وإذا كان الأمر كذلك لم يكن هذا التعليق جائزاً.
(والوجه الثالث) قال بعضهم إن كلمة إن ههنا هى النافية والتقدير ما كان الرحمن ولد فأنا أول
الموحدين من أهل مكة أن لا ولد له .
واعلم أن التزام هذه الوجوه البعيدة إنما يكون للضرورة، وقد بينا أنه لا ضرورة البتة فلم يمن
المصير إليها والله أعلم .
قوله تعالى: ﴿ سبحان رب السموات والأرض رب العرش عما يصفون﴾ والمعنى
أن إله العالم يجب أن يكون واجب الوجود لذاته ، وكل ما كان كذلك فهو فرد مطلق لا يقبل التجزأ
بوجه من الوجوه ، والولد عبارة عن أن ينفصل عن الشىء جزء من أجوائه فيتولد عن ذلك الجزء
شخص مثله، وهذا إنما يعقل فيما تكون ذاته قابلة للتجزى. والتبعيض، وإذا كان ذلك محمالا
فى حق إله العالم امتنع إثبات الولد له، ولما ذكر هذا البرهان القاطع قال (فذرم يخوضوا ويلعبوا
حتى يلاقوا يومهم الذى يوعدون) والمقصود منه التهديد، يعنى قد ذكرت الجهة القائمة على
فساد ما ذكروا وهم لا يلتفتوا إليها لأجل كونهم مستغرقين فى طلب المال والجاه والرياسة فتر كهم فى
ذلك الباطل والعب حتى يصلوا إلى ذلك اليوم الذى وعدوا فيه بما وعدوا، والمقصود منه التهديد،
قوله تعالى: ﴿وهو الذى فى السماء إله وفى الأرض إلى﴾ وفيه أبحاث:
i

قوله تعالى: لا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة . سورة الزخرف . ٢٣٣
﴿ البحث الأول ) قال أبو على نظرت فيما يرتفع به إله فوجدت ارتفاعه يصح بأن يكون
خبر مبتدأ محذوف والتقدير وهو الذى فى السماء هو إله .
﴿والبحث الثانى) هذه الآية من أدل الدلائل على أنه تعالى غير مستقر فى السماء، لأنه
تعالى بين بهذه الآية أن نسبته إلى السماء بالإلهية كنسبته إلى الأرض، فلما كان إلهاً للأرض مع أنه
غير مستقر فيها فكذلك يجب أن يكون إلهاً للسماء مع أنه لا يكون مستقراً فيها، فإن قيل وأى
تعلق لهذا الكلام بنفى الولد عن اللّه تعالى؟ فلنا تغلقه به أنه تعالى خلق عيسى بمحض كن فيكون من
غير واسطة النطفة والأب ، فكأنه قيل إن هذا القدر لا يوجب كون عيسى ولداً لله سبحانه ، لأن
هذا المعنى حاصل فى تخليق السموات والأرض وما بينهما مع انتفاء حصول الولدية هناك.
ثم قال تعالى (وهو الحكيم العليم) وقد ذكرنا فى سورة الأنعام أن كونه تعالى حكيما عليها
بنافی حصول الولد له .
ثم قال (وتبارك الذى له ملك السموات والأرض ومابينهما وعنده على الساعة وإليه ترجعون)
واعلم أن قوله (تبارك) إما أن يكون مشتقاً من الثبات والبقاء، وإما أن يكون مشتقاً من كثرة
الخير، وعلى التقديرين فكل واحد من هذين الوجهين ينافى كون عيسى عليه السلام ولداً لله تعالى ،
لأنه إن كان المراد منه الثبات والبقاء، فعيسى عليه السلام لم يكن واجب البقاء والدوام ، لأنه حدث
بعد أن لم يكن ، ثم عند النصارى أنه قتل ومات ومن كان كذلك لم يكن بينه وبين الباقى الدائم الأزلى
مجانسة ومشابهة ، فامتنع كونه ولداً له ، وإن كان المراد بالبركة كثرة الخيرات مثل كونه خالقاً
السموات والأرض وما بينهما فعيسى لم يكن كذلك بل كان محتاجاً إلى الطعام وعند النصارى أنه
كان خائفاً من اليهود وبالآخرة أخذوه وقتلوه، فالذى هذا صفته كيف يكون ولداً لمن كان خالفاً
السموات والأرض وما بينهما !.
وأما قوله ( وعنده علم الساعة) فالمقصود منه إنه لما شرح كمال قدرته فكذلك شرح كمال عله ،
والمقصود التنبيه على أن من كان كاملا فى الذات والعلم والقدرة على الحد الذى شرحناه امتنع أن
يكون ولده فى العجز وعدم الوقوف على أحوال العالم بالحد الذى وصفه النصارى.
ولما أطنب الله تعالى فى نفى الولد أردفه ببيان نفى الشركاء فقال ( ولا يملك الذين يدعون
من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون) ذكر المفسرون فى هذه الآية قولين (أحدهما)
أن الذين يدعون من دونه الملائكة وعيسى وعزير، والمعنى أن الملائكة وعيسى وعزبراً لا يشفعون
إلا لمن شهد بالحق، روى أن النضر بن الحرث ونقرأ معه قالوا إن كان ما يقول محمد حقاً فنحن
تتولى الملائكة فهم أحق بالشفاعة من محمد ، فأنزل الله هذه الآية يقول لا يقدر هؤلاء أن يشفعوا
لأحد ثم استثنى فقال ( إلا من شهد بالحق) والمعنى على هذا القول هؤلاء لا يشفعون إلا لمن شهد
بالحق، فأضمر اللام أو يقال التقدير إلا شفاعة من شهد بالحق تحذف المضاف، وهذا على لغة من

٢٣٤
قوله تعالى : وقیله يا رب إن هؤلاء . سورة الزخرف .
يعدى الشفاعة بغير لام، فيقول شفعت فلاناً بمعنى شفعت له كما تقول كلمته وكامت له ونصحته
ونصحت له ( والقول الثانی) أن الذین یدعون من دونه كل معبود من دون الله ، وقوله (إلا من
شهد بالحق ) الملائكة وعيسى وعزير، والمعنى أن الأشياء التى عبدها الكفار لا يملكون الشفاعة
إلا من شهد بالحق ، وهم الملائكة وعيسى وعزير فان لهم شفاعة عند الله ومنزلة ، ومعنى من شهد
بالحق من شهد أنه لا إله إلا الله.
ثم قال تعالى (وهم يعلمون) وهذا القيد يدل على أن الشهادة باللسان فقط لا تفيد البتة، واحتج
القائلون بأن إيمان المفلد لا ينفع البتة بهذه الآية ، فقالوا بين الله تعالى أن الشهادة لا تنفع إلا إذا
حصل معها العلم والعلم عبارة عن اليقين الذى لوشكك صاحبه فيه لم يتشكك ، وهذا لم يحصل إلا
عند الدليل، فثبت أن إيمان المقلد لا ينفع البتة .
قوله تعالى: ﴿ولتن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون﴾ وفيه مسألتان:
﴿ المسألة الأولى﴾ ظن قوم أن هذه الآية وأمثالها فى القرآن تدل على أن القوم مضطرون
إلى الاعتراف بوجود الإله للعالم، قال الجبائى وهذا لا يصح لأن قوم فرعون قالوا لا إله لهم غيره،
وقوم إبراهيم قالوا (وإنا لفي شك بما تدعوننا إليه) فيقال لهم لا نسلم أن قوم فرعون كانوا منكرين
لوجود الإله، والدليل على قولنا قوله تعالى (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً) وقال موسى
لفرعون (لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض بصائر) فالقراءة بفتح التاء فى
علمت تدل على أن فرعون كان عارفاً بالله، وأما قوم إبراهيم حيث قالوا ( وإنا لفي شك ما تدعوننا
إليه) فهو مصروف إلى إثبات القيامة وإثبات التكاليف وإثبات النبوة.
﴿ المسألة الثانية) اعلم أنه تعالى ذكر هذا الكلام فى أول هذه السورة وفى آخرها ، والمقصود
التنبيه على أنهم لما اعتقدوا أن خالق العالم وعالق الحيوانات هو الله تعالى فكيف أقدموا مع هذا
الاعتقاد على عبادة أجسام خسيسة وأصنام خبيئة لا تضر ولا تنفع ، بل هى جمادات محضة .
وأما قوله (فأنى تؤفكون) معناه لم تكذبون على الله فتقولون إن الله أمرنا بعبادة الأصنام،
وقد احتج بعض أصحابنا به علی أن إفکھم لیس منهم بل من غیرم بقوله (فانىتؤفكون) وأجاب
القاضى بأن من يضل فى فهم الكلام أو فى الطريق يقال له أين يذهب بك ، والمراد أين تذهب ،
وأجاب الأصحاب بأن قول القائل أين يذهب بك ظاهره يدل على أن ذاهباً آخر ذهب به، فصرف
الكلام عن حقيقته خلاف الأصل الظاهر ، وأيضاً فإن الذى ذهب به هو الذى خلق تلك الداعية
فى قلبه ، وقد ثبت بالبرهان الباهر أن عالق تلك الداعية هو الله تعالى.
قوله تعالى : ﴿ وقیلہ یارب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون﴾ وفيه مباحث:
﴿الأول) قرأ الأكثرون (وقيله) بفتح اللام وقرأ عاصم وحمزة بكسر اللام، قال الواحدى
وقرأ أناس من غير السبعة بالرفع ، أما الذين قرؤًا بالنصب فذكر الأخفش والفراء فينه قولين

٢٣٥
قوله تعالى : فاصفح عنهم وقل سلام . سورة الزخرف .
(أحدهما) أنه نصب على المصدر بتقدير وقال قيله وشكا شكواه إلى ربه يعنى التى صلى الله عليه
وسلم فانتصب قيله بإضمار قال (والثانى) أنه عطف على ما تقدم من قوله (أنا لا نسمع سرعم
ونهوام ... وقيله) وذكر الزجاج فيه وجهاً (ثالثاً) فقال إنه نصب على موضع الساعة لأن قوله
(وعنده علم الساعة) معناه أنه علم الساعة، والتقدير على الساعة ، وقيله ، ونظيره قولك عجبت من
ضرب زيد وعمراً، وأما القراءة بالجر فقال الأخفش والفراء والزجاج إنه معطوف على الساعة ،
أى عنده علم الساعة، وعلم قيله يارب ، قال المبرد العطف على المنصوب حسن وإن تباعد المعطوف
من المعطوف عليه لأنه يجوز أن يفصل بين المنصوب وعامله والمجرور يجوز ذلك فيه على قبح ،
وأما القراءة بالرفع فيها وجهان (الأول) أن يكون وقيله مبتدأ وخبره ما بعده (والثانى) أن يكون
معظرفاً على على الساعة على تقدير حذف المضاف معناه وعنده على الساعة وعلم قيله ، قال صاحب
الكشاف هذه الوجوه ليست قوية فى المعنى لاسيما وقوع الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه
بمالا يحسن اعتراضاً، ثم ذكر وجهاً آخر وزعم أنه أقوى مما سبق، وهو أن يكون النصب
والجر على إضمار حرف القسم وحذفه والرفع على قولهم أيمن اللّه وأمانة اللّه ويمين الله، يكون قرله
(إن هؤلاء قوم لا يؤمنون) جواب القسم كأنه قيل وأقسم بقيله يارب أو وقيله يارب قسمى ،
وأقول هذا الذى ذكره صاحب الكشاف متكلف أيضاً وههنا إضمار امتلأ القرآن منه وهو إضمار
اذكر، والتقدير واذكر قيله يارب، وأما القراءة بالجر ، فالتقدير واذكر وقت قيله يارب ، وإذا
وجب التزام الإضمار فلأن يضمر شيئاً جرت العادة فى القرآن بالتزام إضماره أولى من غيره، وعن
ابن عباس أنه قال فى تفسير قوله ( وقيله يارب) المراد وقيل يارب والهاء زيادة.
(البحث الثانى) القيل مصدر كالقول، ومنه قول النبى صلى الله عليه وسلم (( نهى عن قيل
وقال » قال اللیث تقول العرب کثر فيه القيل والقال، وروى شمر عن أبا زيد يقال ما أحسن
فيلك وقرلك وتالك ومقالتك خمسة أوجه.
(البحث الثالث) الضمير فى قيله لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
( البحث الرابع) أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ضجر منهم وعرف إصرارهم أخبر عنهم
أنهم قوم لا يؤمنون وهو قريب مما حكى الله عن نوح أنه قال (رب إنهم عصوفى واتبعوا من
لم يرده ماله وولده إلا خساراً).
ثم إنه تعالى قال له (اصفح عنهم) فأمره بأن يصفح عنهم وفى ضمنه منعه من أن يدعو عليهم
بالعذاب، والصفح هو الإعراض .
ثم قال (وقل سلام) قال سيبويه إنما معناه المشاركة، ونظيره قوله إبراهيم لأبيه (سلام عليك
سأستغفر لك ربى) وكقوله (سلام عليكم لا نبتغى الجاهلين) .
قوله ﴿فسوف تعدوم﴾ والمنصود منه التهديد. وفيه مسائل:

٢٣٦
قوله تعالى : فاصفح عنهم وقل سلام . سورة الزخرف .
المسألة الأولى﴾ فرأ نافع وابن عامر تعلمون بالتاء على الخطاب، والباقون بالياء كتابة عن
قوم لا يؤمنون .
﴿ المسألة الثانية﴾ احتج قوم بهذه الآية على أنه يجوز السلام على الكافر، وأقول إن صح
هذا الاستدلال فهذا يوجب الاقتصار على مجرد قوله (سلام) وأن يقال للزمن سلام عليكم.
والمقصود التنبيه على التحية التى تذكر للمسلم والكافر .
المسألة الثالثة﴾ قال ابن عباس قوله تعالى (ناصفح عنهم وقل سلام) منسوخ بآية السيف،
وعندى أن التزام الفسخ فى أمثال هذه المواضع مشكل، لأن الأمر لا يفيد الفعل إلا مرة واحدة
فإذا أتى به مرة واحدة فقد سقطت دلالة اللفظ، فأى حاجة فيه إلى التزام الفسيخ، وأيضاً فله يمين
الفور مشهورة عند الفقهاء وهى دالة على أن اللفظ قد يتقيد بحسب قريبة العرف، وإذا كان الأمر
كذلك فلا حاجة فيه إلى التزام النسخ والله أعلم بالصواب.
قال مولانا المؤلف عليه سحائب الرحمة والرضوان: ثم تفسير هذه السورة يوم الأحد الحادى
عشر من ذى الحجة سنة ثلاث وستمائة والحمد لله أولا وآخراً وباطناً وظاهراً، والصلاة على
ملائكته المقربين والأنبياء والمرسلين خصوصاً على محمد صلى الله عليه وسلم وآله وصحبه أجمعين
أبد الآبدين ودهر الداهرين .
---
ء

٢٣٧
سورة الدخان
(٤٤) سُورَة الدّخَانِ مَكِيَّة
وَآَنَ اْهَا تَسْتَعْ وَتَخْشُونَ
خمسون وتسع آيات مكية إلا قوله إنا كاشفوا العذاب
بشـ
حمّ لَ وَالْكِتَبِ الْمُبِينِ ﴾ إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ
فِهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْيِ حَكِيٍ ﴿ أَمْرًا مِنْ عِنِدِنَّا إِنَّ كُ مُرْسِلِينَ يْ رَحْمَةً
٣
مِنِ رَبِّكْ إِنَُّهُوَلَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴿ رَبِّ السَّعَلَّتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَّاً إن
كُنْتُ مُوقِنِينَ (َ لَا إِلَهَ إِلَّ مُوَيُحِي، وَيُحِتٌ رَبُّكُمْ وَرَبُّءَا بَبِكُ الْأَوَّلِينَ
بَلْ هُمْ فِ شَكِّ يَلْعَبُونَ
٨
بسم الله الرحمن الرحيم
حم، والكتاب المبين ، إنا أنزلناه فى ليلة مباركة إنا كنا منذرين فيها يفرق كل أمر حكيم ،
أمراً من عندنا إنا كنامر سلين، رحمة من ربك إنه هو السميع العليم ، رب السموات والأرض
وما بينهما إن كنتم موقنين، لا إله إلا هو يحيي ويميت ربكم ورب آباءكم الأولين ، بل هم فى شك
يلعبون ﴾ ، وفى الآية مسائل :
المسألة الأولى﴾ فى قرله (حم، والكتاب المبين) وجوه من الإحتمالات (أولها) أن
يكون التقدير: هذه ( حم، والكتاب المبين ) كقولك هذا زيد والله ( وثانيها) أن يكون الكلام
قد تم عند قوله (حم) ثم يقال (والكتاب المبين، إنا أنزلناه)، ( وثالثها ) أن يكون التقدير:"
وحم، والكتاب المبين، إنا أنزلناه، فيكون ذلك فى التقدير قسمين على شىء واحد .
﴿المسألة الثانية) قالوا هذا يدل على حدوث القرآن لوجوه (الأول) أن قوله (حم)
تقديره: هذه حم، يعنى هذا شىء مؤلف من هذه الحروف، والمؤلف من الحروف المتعاقبة
محدث (الثانى) أنه ثبت أن الحلف لا يصح بهذه الأشياء بل يإله هذه الأشياء، فيكون التقدير

٢٣٨
قوله تعالى : حم والكتاب المبين . سورة الدخان .
ورب حم ورب الكتاب المبين ، وكل من كان مربوباً فهو محدث (الثالث) أنه وصفه بكونه كتاباً
والكتاب مشتق من الجمع فمعناه أنه مجموع والمجموع محل تصرف الغير، وما كان كذلك فهو محدث
(الرابع) قوله ( إنا أنزلناه) والمنزل محل تصرف الغير، وما كان كذلك فهو محدث ، وقد ذكرنا
مراراً أن جميع هذه الدلائل تدل على أن الشىء المركب من الحروف المتعاقبة والأصوات المتوالية
محدث ، والعلم بذلك ضرورى بديهى، لا ينازع فيه إلا من كان عديم العقل وكان غير عارف بمعنى
القديم والمحدث . وإذا كان كذلك فكيف ينازع فى صحة هذه الدلائل ، إنما الذى ثبت قدمه شىء
آخر سوى ما تركب من هذه الحروف والأصوات.
المسألة الثالثة﴾ يجوز أن يكون المراد بالكتاب ههنا الكتب المتقدمة التى أنزلها الله على
أنبيائه، كما قال تعالى ( لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان) ويجوز أن يكون
المراد اللوح المحفوظ، كما قال ( يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب) وقال (وإنه فى أم
الكتاب لدينا) ويجوز أن يكون المراد به القرآن، وبهذا التقدير فقد أفسم بالقرآن على أنه أنزل
القرآن فى ليلة مباركة ، وهذا النوع من الكلام يدل على غاية تعظيم القرآن ، فقد يقول الرجل
إذا أراد تعظيم رجل له حاجة إليه : أستشفع بك إليك وأقسم بحقك عليك .
المسألة الرابعة﴾ (المبين) هو المشتمل على بيان ما بالناس حاجة إليه فى دينهم ودنياهم،
فوصفه بكونه مبيناً، وإن كانت حقيقة الإبانة لله تعالى، لأجل أن الإبانة حصلت به، كما قال تعالى
( إن هذا القرآن يقص على بنى إسرائيل) وقال فى آية أخرى (نحن نقص عليك أحسن القصص)
وقال ( أم أنزلنا عليهم سلطاناً فهو يتكلم بما كانوا به يشركون) فوصفه بالتكلم إذ كان غاية فى
الإبانة ، فكأنه ذو لسان ينطق، والمعنى فيه المبالغة فى وصفه بهذا المعنى .
﴿ المسألة الخامسة﴾ اختلفوا فى هذه الليلة المباركة، فقال الأكثرون: إنها ليلة القدر، وقال
عكرمة وطائفة آخرون: إنها ليلة البراءة , وهى ليلة النصف من شعبان (أما الأولون) فقد احتجوا
على صحة قولهم بوجوه (أولها) أنه تعالى قال ( إنا أنزلناه فى ليلة القدر) وههنا قال ( إنا أنزلناه فى
ليلة مباركة) فوجب أن تكون هذه الليلة المباركة هى تلك المسماة بليلة القدر، لئلا يلزم التناقض
(وثانيها) أنه تعالى قال (شهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن) فبين أن إنزال القرآن إنما وقع فى
شهر رمضان، وقال ههنا ( إنا أنزلناه فى ليلة مباركة) فوجب أن تكون هذه الليلة المباركة واقعة
فى شهر رمضان، وكل من قال إن هذه الليلة المباركة واقعة فى شهر رمضان، قال إنها ليلة القدر،
فثبت أنها ليلة القدر (وثالثها) أنه تعالى قال فى صفة ليلة القدر (تنزل الملائكة والروح فيها بإذن
ربهم من كل أمر سلام هى) وقال أيضاً ههنا ( فيها يفرق كل أمر حكيم) وهذا مناسب لقوله
( تنزل الملائکا والروح فيها) وههنا فال ( أمراً من عندنا) وقال فى تلك الآية (بإذن ربهم من
كل أمر) وقال ههنا (رحمة من ربك) وقال فى تلك الآية ( سلام هى) وإذا تقاربت الأوصاف

٢٣٩
قوله تعالى : حم والكتاب المبين . سورة الدخان .
وجب القول بأن إحدى الليلتين هى الأخرى (ورابعها) نقل محمد بن جرير الطبرى فى تفسيره عن
قتادة أنه قال : نزلت صحف إبراهيم فى أول ليلة من رمضان ، والتوراة لست ليال منه ، والزبور
لا ثنى عشرة ليلة مضى منه، والإنجيل لثمان عشرة ليلة مضت منه، والقرآن لأربع وعشرين ليلة
معنت من رمضان، والليلة المباركة هى ليلة القدر (وخامسها) أن ليلة القدر إنما سميت بهذا الاسم،
لأن قدرها وشرفها عندالله عظيم، ومعلوم أنه ليس قدرها وشرفها لسبب ذلك الزمان ، لأن الزمان
شىء واحد فى الذات والصفات ، فيمتنع كون بعضه أشرف من بعض لذاته ، فثبت أن شرفه
وقدره بسبب أنه حصل فيه أمور شريفة عالية لها قدر عظيم ومرتبة رفيعة ، ومعلوم أن منصب الدين
أعلى وأعظم من منصب الدنيا، وأعلى الأشياء وأشرفها منصباً فى الدين هو القرآن، لأجل أن به
ثبقت نبوة محمد ربيع ، وبه ظهر الفرق بين الحق والباطل فى سائر كتب الله المنزلة، كما قال فى صفته
(ومهيمناً عليه) وبه ظهرت درجات أرباب السعادات، ودركات أرباب الشقاوات ، فعلى هذا
لاشىء إلا والقرآن أعظم قدراً وأعلى ذكراً وأعظم منصباً منه فلو كان نزوله إنما وقع فى ليلة
أخرى سوى ليلة القدر ، لكانت ليلة القدر هى هذه الثانية لا الأولى، وحيث أطبقوا على أن
ليلة القدر التى وقعت فى رمضانٍ ، علمنا أن القرآن إنما أنزل فى تلك الليلة ، وأما القائلون بأن
المراد من الليلة المباركة المذكورة فى هذه الآية، هى ليلة النصف من شعبان، فما رأيت لهم فيه
دليلا يعول عليه، وإنما قنعوا فيه بأن نقلوه عن بعض الناس، فإن صح عن رسول الله بروائع فيه
كلام فلامزيد عليه، وإلا فالحق هو الأول، ثم إن هؤلاء القائلين بهذا القول زعموا أن ليلة النصف
من شعبان لها أربعة أسماء: الليلة المباركة، وليلة البراءة، وليلة الصك، وليلة الرحمة ، وقيل إنما
سميت بليلة البراءة، وليلة الصك، لأن البندار إذا استوفى الخراج من أهله كتب لهم البراءة، كذلك
الله عز وجل يكتب لعباده المؤمنين البراءة فى هذه الليلة، وقيل هذه الليلة مختصة بخمس خصال
(الأولى) تفريق كل أمر حكيم فيها ، قال تعالى (فيها يفرق كل أمر حكيم). (والثانية) فضيلة
العبادة فيها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((من صلى فى هذه الليلة مائة ركعة أرسل الله إليه مائة
ملك ثلاثون يبشرونه بالجنة ، وثلاثون ؤمنونه من عذاب النار ، وثلاثون يدفعون عنه آفات
الدنيا، وعشرة يدفعون عنه مكايد الشيطان))، (الخصلة الثالثة) نزول الرحمة، قال عليه السلام ((إن
الله يرحم أمى فى هذه الليلة بعدد شعر أغنام بنى كلب)) (والخصلة الرابعة) حصول المغفرة، قال
وزي (( إن الله تعالى ينفر لجميع المسلمين فى تلك الليلة، إلا لكامن، أو مشاحن، أو مدمن خر،
أو عاق للوالدين، أو مصر على الزنا)) (والخصلة الخامسة) أنه تعالى أعطى رسوله فى هذه الليلة
تمام الشفاعة ، وذلك أنه سأل ليلة الثالث عشر من شعبان فى أمته فأعطى الثالث منها، ثم سأل ليلة
الرابع عشر ، فأعلى الثلثين، ثم سأل ليلة الخامس عشر، فأعطى الجميع إلا من شرد على الله شراد
البعير ، هذا الفصل نقلته من الكشاف ، فإن قيل لا شك أن الزمان عبارة عن المدة الممتدة التى

٢٤٠
قوله تعالى : حم والكتاب المبين . سورة الدخان .
تقدرهاحرکات الأفلاك والكوا کب، وأنه فىذاته أمر متشابه الأجزاء فيمتنع كون بعضها أفضل
من بعض ، والمكان عبارة عن الفضاء الممتد والخلاء الخالى فيمتنع كون بعض أجزائه أشرف من
البعض، وإذا كان كذلك كان تخصيص بعض أجزائه بمزيد الشرف دون الباقى ترجيحاً لأحد
طرفى الممكن على الآخر لا لمرجع وإنه محال، قلنا القول بإثبات حدوث العالم وإثبات أن فاعله
فاعل مختار بناء على هذا الحرف وهو أنه لا يبعد من الفاعل المختار تخصيص وقت معين بإحداث
العالم فيه دون ما قبله وما بعده ، فإن بظل هذا الأصل فقد بطل حدوث العالم وبطل الفاعل المختار
وحينئذ لا يكون الخوض فى تفسير القرآن فائدة، وإن صح هذا الأصل فقد زال ما ذكر تم من
السؤال، فهذا هو الجواب المعتمد، والناس قالوا لا يبعد أن بخص الله تعالى بعض الأوقات بمزيد
تشريف حتى يصير ذلك داعياً للمكلف إلى الإقدام على الطاعات فى ذلك الوقت ، ولهذا السبب بين
أنه تعالى أخفاه فى الأوقات وماعنه لأنه لم یکن معيناً جوز المكلف فى كل وقتمعين أن يكون هو
ذلك الوقت الشريف فيصير ذلك حاملا له على المواظبة على الطاعات فى كل الأوقات، وإذا وقعت
على هذا الحرف ظهر عندك أن الزمان والمكان إنما فازا بالتشريفات الزائدة تبعاً لشرف الإنسان
فهو الأصل وكل ما سواء فهو تبع له والله أعلم.
﴿ المسألة السادسة ﴾ روی أن عطية الحروری سال ابن عباس رضى اته عنهما عن قوله (إنا
أنزلناه فى ليلة القدر) وقوله ( إنا أنزلناه فى ليلة مباركة) كيف يصح ذلك مع أن الله تعالى أنزل
القرآن فى جميع الشهور؟ فقال ابن عباس رضى الله عنهما: يا ابن الأسود لو هلكت أنا ووقع هذا
فى نفسك ولم تجد جوابه هلكت، نزل القرآن جملة من اللوح المحفوظ إلى البيت المعمور، وهو فى
السماء الدنيا ، ثم نزل بعد ذلك فى أنواع الوقائع حالا لحالا . والله أعلم.
المسألة السابعة﴾ فى بيان نظم هذه الآيات، أعلم أن المقصود منها تعظيم القرآن من ثلاثة
أوجه (أحدها) بيان تعظيم القرآن بحسب ذاته (الثانى) بيان تعظيمه بسبب شرف الوقت الذى
نزل فيه (والثالث) بيان تعظيمه بحسب شرف منزلته ، أما بيان تعظيمه بحسب ذاته فن ثلاثة أوجه
(أحدما ) أنه تعالى أقسم به وذلك يدل على شرفه ( وثانيها) أنه تعالى أقسم به على كونه نازلا فى
ليلة مباركة ، وقد ذكرنا أن القسم بالشىء على حالة من أحوال نفسه يدل على كونه فى غاية الشرف
(وثالثها) أنه تعالى وصفه بكونه مبيناً وذلك يدل أيضاً على شرفه فى ذاته .
﴿وأما النوع الثانى) وهويان شرفه لأجل شرف الوقت الذى أنزل فيه فهو قوله ( إنا أنزلناه
فى ليلة مباركة) وهذا تنبيه على أن نزوله فى ليلة مباركة يقتضى شرفه وجلالته ، ثم نقول إن قوله
(إنا أنزلناه فى ليلة مباركة) يقتضى أمرين: (أحدهما) أنه تعالى أنزله (والثانى) كون تلك الليلة
مباركه فذكر تعالى عقيب هذه الكلمة ما يجرى مجرى البيان لكل واحد منهما، أما بيان أنه تعالى
لم أنزله فهو قوله (إنا كنا منذرين) يعنى الحكمة فى إنزال هذه السورة أن إنذار الخلق لا يتم.