Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠١ قوله تعالى : وجعلوا له من عباده . سورة الزخرف . وَجَعَلُوْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ، بُزْءًا إِنَّ الْإِنسَنَ لَكَفُورٌ مُبِينُ ( أَمِ أَتَخَذَِّما يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَتْكُم بِالْبِنَ () وَإِذَا يُشْرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَّدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٢)، أَوَ مَن يُنَشَؤُّأْ فِى الْخِلْبَةِ وَهُوَ فِى أَنْصَامِ غَيْرُبِينٍ (٣٨) وَجَعَلُوا الْمَئِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَدُ الَّْمَنِ إِنَّا أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَدَتَهُمْ وَيَسْئَلُونَ ١٩ ثم قال تعالى ( وإنا إلى ربنا لمنقلبون) واعلم أن وجه اتصال هذا الكلام بما قبله أن ركوب الفلك فى خطر الهلاك، فإنه كثيراً ما تنكسر السفينة ويهلك الإنسان وراكب الدابة أيضاً كذاك لأن الدابة قد يتفق لها اتفاقات توجب هلاك الراكب، وإذا كان كذلك فركوب الفلك والدابة يوجب تعريض النفس للهلاك، فوجب على الراكب أن يتذكر أمر الموت، وأن يقطع أنه مالك لا محالة ، وأنه منقلب إلى اللّه تعالى وغير منقلب من قضائه وقدره، حتى لو اتفق له ذلك المحذور كان قد وطن نفسه على الموت . قوله تعالى: ﴿وجعلوا له من عباده جزءاً إن الإنسان لكفور مبين، أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين، وإذا بشر أحدهم بما ضرب الرحمن مثلا ظل وجهه مسوداً وهو كظيم ، أو من ينشأ فى الخلية وهو فى الخصام غير مبين ، وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ستکتب شهادتهم ويستلون ﴾. أعلم أنه تعالى لما قال ( ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله) بين أنهم مع إقرارهم بذلك، جعلوا له من عباده جزءا، والمقصود منه التنبيه على قلة عقولهم وسخافة عقولهم. وفى الآ ية مسائل : المسألة الأولى﴾ قرأ عاصم فى رواية أبى بكر: جزء بضم الزاى والهمزة فى كل القرآن وهما لغتان، وأما حمزة فإذا وقف عليه قال جزا بفتح الزاى بلا همزة. المسألة الثانية﴾ فى المراد من قوله (وجعلوا له من عباده جزءاً) قولان: (الأول) وهو المشهور أن المراد أنهم أثبتوا له ولداً، وتقرير الكلام أن ولد الرجل جزء منه، قال عليه السلام ((فاطمة بضعة مى)) ولأن المعقول من الوالد أن ينفصل عنه جزء من أجزائه ، ثم يتربى ذلك الجزء ويتولد منه شخص مثل ذلك الا صل، وإذا كان كذلك فولد الرجل جزء منه وبعض منه ، : ٢٠٢ قوله تعالى : وجعلوا له من عباده . سورة الزخرف . فقوله ( وجعلوا له من عباده جزءاً) معنى جعلوا حكموا وأثبتوا وقالوا به ، والمعنى أنهم أثبتوا له جزءاً ، وذلك الجزء هو عبد من عباده. واعلم أنه لو قال وجعلوا لعباده منه جزءاً، أفاد ذلك أنهم أثبتوا أنه حصل جزء من أجزائه فى بعض عباده وذلك هو الولد، فكذا قوله ( وجعلوا له من عباده جزءاً) معناه وأثبتوا له جزءاً ، وذلك الجزء هو عبد من عباده، والحاصل أنهم أثبتوا الله ولداً، وذكروا. فى تقرير هذا القول وجوهاً أخر، فقالوا الجزء هو الأثى فى لغة العرب، واحتجوا فى إثبات هذه اللغة بيتين فالأولى إن أجزأت حرة يوماً فلا عجب قد تجزى. الحرة المذكاة أحياناً قوله : للعوسج اللدن فى أبياتها غزل زوجتها من بنات الآوس مجزئة و قوله : وزعم الزجاج والأزهرى وصاحب الكشاف : أن هذه اللغة فاسدة ، وأن هذه الأبيات مصنوعة ( والقول الثانى) فى تفسير الآية أن المراد من قوله (وجعلوا له من عباده جزءاً) إثبات الشركاء لله، وذلك لأنهم لمنا أثبتوا الشركاء لله تعالى فقد زعموا أن كل العباد ليس لله ، بل بعضها الله، وبعضها لغير الله، فهم ما جعلوا لله من عباده كلهم، بل جعلوا له منهم بعضاً وجزءاً منهم ، قالوا والذى يدل على أن هذا القول أولى من الأول، أنا إذا حملنا هذه الآية على إنكار الشريك قه، وحلنا الآية التى بعدها على إنكار الولد لله ، كانت الآية جامعة للرد على جميع المبطلين. قوله تعالى: ﴿أم اتخدمما يخلق بنات وأصفا كم بالبنين﴾. واعلم أنه تعالى رتب هذه المناظرة على أحسن الوجوه، وذلك لأنه تعالى بين أن إثبات الولد الله محال، وبتقدير أن يثبت الولد لجمله بنتاً أيضاً محال، أما بيان أن إثبات الولد لله محال، فلأن الولد لابد وأن يكون جزءاً من الوالد، وما كان له جزء كان مركباً ، وكل مركب ممكن ، وأيضاً ما كان كذلك فإنه يقبل الاتصال والانفصال والاجتماع والافتراق ، وما كان كذلك فهو عبد محدث ، فلا يكون إلهاً قديماً أزلياً . (وأما المقام الثانى) وهو أن بتقدير ثبوت الولد فإنه يمتنع كونه بنتاً، وذلك لأن الإبن أفضل من البنت، فلو قلنا إنه اتخذ لنفسه البنات وأعطى البنين لعباده، لزم أن يكون حال العبد أكمل وأفضل من حال اللّه، وذلك مدفوع فى بديهة العقل، يقال اصفيت فلاناً بكذا ، اى آثرته به إيثاراً حصل له على سبيل الصفاء من غير أن يكون له فيه مشارك ، وهو كقوله (افأصفا كم ربكم بالبنين) ثم بين نقصان البنات من وجوه (الأول) قوله (وإذا بشر احدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه مسوداً وهو كظيم) والمعنى ان الذى بلغ حاله فى النقص إلى هذا الحد كيف يجوز للعاقل إثباته لله تعالى! وعن بعض العرب أن أمراته وضعت أنثى، فهجر البيت الذى فيه المرأة ، فقالت : ٢٠٣ قوله تعالى : أو من ينشأ في الحلية . سورة الزخرف . ما لأبى حمزة لا يأتينا يظل فى البيت الذى يلينا غضبان أن لانلد البنينا ليس لنا من أمرنا ماشينا وإنما نأخذ ما أعطينا وقوله ( ظل ) أى صار، كما يستعمل أكثر الأفعال الناقصة ، قال صاحب الكشاف: قرى. مسود ومسواء، والتقدير وهو مسود، فتقع هذه الجملة موقع الخبر ( والثانى) قوله ( أو من ينشأً فى الحلية وهو فى الخصام غير مبين ) وفيه مسائل : المسألة الأولى ﴾ قرأ حمزة والكسائى وحفص عن عاصم ينشؤ بضم الياء وفتح النون وتشديد الشين على مالم يسم فاعله، أى يربى، والباقون ينشأ، بضم الياء وسكون النون وفتح الشين، قال صاحب الكشاف: وقرى. يناشأ، قال ونظير المناشأة بمعنى الإنشاء، المغالاة بمعنى الإغلاء. ﴿ المسألة الثانية) المراد من قوله ﴿أو من ينشأ فى الحلية﴾ التنبيه على نقصانها، وهو أن الذى يربى فى الحلية يكون ناقص الذات، لأنه لولا نقصان فى ذاتها لما احتاجت إلى تزبين نفسها بالحلية، ثم بين نقصان حالها بطريق آخر، وهو قوله ( وهو فى الخصام غير مبين) يعنى أنها إذا احتاجته المخاصمة والمنازعة عجزت وكانت غير مبين ، وذلك أضعف لسانها وقلة عقلها وبلادة طبعها ، ويقال قلما تكلمت امرأة فأرادت أن تتكلم بحجتها إلا تكلمت بما كان حجة عليها، فهذه الوجوه دالة علی کال نقصها ، فکیف يحوز إضافتهن بالولد یة إليه !. المسألة الثالثة﴾ دلت الآية على أن التحلى مباح للنساء، وأنه حرام للرجال، لأنه تعالى جعل ذلك من المعايب وموجبات النقصان، وإقدام الرجل عليه يكون إلقاء لنفسه فى الذل وذلك حرام، لقوله عليه السلام ((ليس للمؤمن أن يذل نفسه)) وإنما زينة الرجل الصبر على طاعة الله ، والنزين بزينة التقوى ، قال الشافعى : أصون بها عرضى وأجعلها ذخرا تدرعت يوماً للقنوع حصينة قصاراه أن يرمى بى الموت والفقرا ولم أحذر الدهر الختون وإنما وأعددت الفقر التجلد والصبرا فأعددت للموت الإله وعفوه قوله تعالى: ﴿وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى﴾ المراد بقوله: جعلوا، أى حكموا به، ثم قال (أشهدوا خلقهم) وهذا استفهام على سبيل الإنكار ، يعنى أنهم لم يشهدوا خلقهم، وهذا ما لاسبيل إلى معرفته بالدلائل العقلية ، وأما الدلائل النقلية فكلها مفرعة على إثبات النبوة ، وهؤلاء الكفار منكرون النبوة ، فلا سبيل لهم إلى إثبات هذا المطلوب بالدلائل النقلية ، فثبت انهم ذكروا هذه الدعوى من غير أن عرفوه لا بضرورة ولا بدليل، ثم إنه تعالى هددهم فقال (ستكتب شهادتهم ويسألون) وهذا يدل على أن القول بغير دليل منكر، وان التقليد يوجب الذم العظيم والعقاب الشديد. قال أهل ٢٠٤ قوله تعالى : وقالوا لو شاء الرحمن . سورة الزخرف . وَقَالُوْلَوْ شَآءَ الْمَنُ مَا عَبَدْنَشُهُمْ مَّالَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْ إِنْ هُمْ إِلَ يَخْرُصُونَ (٣) أَمْءَاتَيْنَهُمْ كِتَبًا مِنْ قَبْلِهِ، فَهُم ◌ِهِ، مُسْتَمْسِكُونَ (#) بَلْ قَالُواْ إِنَّ وَجَدْنَآَ ءَاءَ نَا عَلَ أَمَّةٍ وَإِنَّ عَلَى ءَاقَدِهِمْ مُهْتَدُونَ ﴾ وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَاءَنَا عَّ أَمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىَّ ءَاثَرِهِم التحقيق: هؤلاء الكفار كفروا فى هذا القول من ثلاثة أوجه ( أولها ) إثبات الولد لله تعالى (وثانيها) أن ذلك الولد بنت ( وثالثها) الحبكم على الملائكة بالأنوثة . المسألة الثانية﴾ قرأ نافع وابن كثير وابن عامر: عند الرحمن بالنون، وهو اختيارأبى حاتم واحتج عليه بوجوه ( الأول) أنه يوافق قوله (إن الذين عند ربك) وقوله (ومن عنده) (والثانى) أن كل الخلق عباده فلا مدح لهم فيه ( والثالث) أن التقدير أن الملائكة يكر فون عند الرحمن ، لا عند هؤلاء الكفار ، فكيف عرفوا كونهم إناثاً ؟ وأما الباقون فقرأوا عباد جمع عبد وقيل جمع عابد، كقائم وقيام ، وصائم وصيام، ونائم ونيام، وهى قراءة ابن عباس، وإختيار أبى عبيد، قال لأنه تعالى رد عليهم قولهم: إنهم بنات اللّه، وأخبر أنهم عبيد، ويؤيد هذه القراءة قوله ( بل عباد مكرمون ). المسألة الثالثة﴾ قرأ نافع وحده: (آ أشهدوا) بهمزة ومدة بعدها خفيفة لينة وضمة ، أى [أ] أحضروا خلفهم، وعن نافع غير مدود على مالم يسم فاعله، والباقون: أشهدوا، بفتح الألف، من [أ] شهدوا ، أى أحضروا. المسألة الرابعة ) احتج من قال بتفضيل الملائكة على البشر بهذه الآية ، فقال أما قراءة عند بالنون، فهذه العندية لا شك أنها عندية الفضل والقرب من الله تعالى بسبب الطاعة، ولفظة (م) توجب الحصر، والمعنى أنهم هم الموصوفون بهذه العندية لا غيرهم ، فوجب كونهم أفضل من غيرهم رعاية للفظ الدال على الحصر ، وأما من قرأ عباد جمع العبد، فقد ذكرنا أن لفظ العباد مخصوص فى القرآن بالمؤمنين فقوله ( هم عباد الرحمن ) يفيد حصر العبودية فيهم، فإذا كان اللفظ الدال على العبودية دالا على الفضل والشرف ، كان اللفظ الدال على حصر العبودية دالا على حصر الفضل والمنقبة والشرف فيهم. وذلك يوجب كونهم افضل من غيرهم وأُنته اعلم . قوله تعالى: ﴿وقالوا لو شاء الرحمن ماعبدناهم مالهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون، ام آتيناهم كتاباً من قبله فهم به مستمسكون، بل قالوا إنا وجدبا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون ، ٢٠٥ قوله تعالى : وقالوا لو شاء الرحمن . سورة الزخرف . مُقْتَدُونَ (#) قَلَ أَوَلَوْ جِئْتُم بِأَهْدَى بِمَّا وَجَدَّمْ عَلَيْهِ ءَابَ كُمْ قَالُواْ إِنَّ ◌ِمَاَ أُرْسِلْتُم بِ كَافِرُونَ (8) فَانْتَقَّمْنَا مِنْهُمْ فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ( ـمـ ٢٥ وكذلك ما أرسلنا من قبلك فى قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون: قال أولو جنتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباء كم قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون، فانتقمنا منهم فانظر كيف كان عاقبة المكذبين ) اعلم أنه تعالى حكى نوعا آخر من كفرثم وشبهاتهم، وهو أنهم قالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم، وفيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ قالت المعتزلة هذه الآية تدل على فساد قول المجبرة فى أن كفر الكافر يقع بإرادة الله من وجهين (الأول) أنه تعالى حكى عنهم أنهم قالوا (لو شاء الرحمن ما عبدنام) وهذا صريح قول المجبرة ، ثم إنه تعالى أبطله بقوله ( مالهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون) فثبت أنه حكى مذهب المجبرة، ثم أردفه بالإبطال والإفساد، فثبت أن هذا المذهب باطل ، ونظيره قوله تعالى فى سورة الأنعام ( سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشر كنا) إلى قوله ( قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تقبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون)، (والوجه الثانى) أنه تعالى حكى عنهم قبل هذه الآية أنواع كفرم ( فأولها) قوله ( وجعلوا له من عباده جزءاً)، (وثانيها) قوله ( وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً)، (وثالثها) قوله تعالى (وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم) فلما حكى هذه الأقاويل الثلاثة بعضها على إثر بعض، وثبت أن القولين الأولين كفر محض. فكذلك هذا القول الثالث يجب أن يكون كفراً، واعلم أن الواحدى أجاب فى البسيط عنه من وجهين (الأول) ما ذكره الزجاج: وهو أن قوله تعالى (ما لهم بذلك من علم) عائد إلى قولهم الملائكة إناث وإلى قولهم الملائكة بنات اللّه (والثانى) أنهم أرادوا بقولهم (لو شاء الرحمن ما عبدناهم ) أنه أمرنا بذلك ، وأنه رضى بذلك، وأقرنا عليه، فأنكر ذلك عليهم ، فهذا ما ذكره الواحدى فى الجواب ، وعندى هذان الوجهان ضعيفان ( أما الأول ) فلأنه تعالى حكى عن القوم قولين باطلين ، وبين وجه بطلانهما ، ثم حكى بعده مذهباً ثالثاًفى مسألة أجنبية عن المسألتين الأوليين، ثم حكم بالبطلان والوعيد فصرف هذا الإبطال عن هذا الذى ذكره عقيبه إلى كلام متقدم أجنبى عنه فى غاية البعد ( وأما الوجه الثانى) فهو أيضاً ضعيف، لأن قوله (لو شاء الرحمن ! ما عبد ناهم) ليس فيه بيان متعلق بتلك المشيئة ، والإجمال خلاف الدليل، فوجب أن يكون التقدير ( لو شاء الله ألا نعبدهم ما عبدناهم، وكلمة لو تفيد انتفاء الشىء لا نتفاء غيره، فهذا يدل على أنه لم توجد مشيئة الله لعدم عبادتهم، وهذا عين مذهب المجبرة ، فالإبطال والإفساد يرجع إلى هذا ٢٠٦ قوله تعالى : إن هم إلا يخرصون . سورة الزخرف . المعنى ، ومن الناس من أجاب عن هذا الاستدلال بأن قال إنهم إنما ذكروا ذلك الكلام على سبيل الاستهزاء والسخرية، فلهذا السبب استوجبوا الطعن والذم ، وأجاب صاحب الكشاف عنه من وجهين (الأول) أنه ليس فى اللفظ ما يدل على أنهم قالوا مستهزئين، وادعاء مالا دليل عليه باطل ( الثانى) أنه تعالى حكى عنهم ثلاثة أشياء وهى: أنهم (جعلوا له من عباده جزءاً) وأنهم جعلوا الملائكة إناثاً، وأنهم قالوا (لو شاء الرحمن ما عبدنائم) فلو قلنا بأنه إنما جاء الذم على القول الثالث لأنهم ذكروه على طريق الجد ، وجب أن يكون الحال فى حكاية القولين الأولين كذلك، فلزم أنهم لو نطقوا بتلك الأشياء على سبيل الجد أن يكونوا محقين، ومعلوم أنه كفر، وأما القول بأن الطعن فى القولين الأولين إنما توجه على نفس ذلك القول ، وفى القول الثالث لاعلى نفسه بل على إيراده على سبيل الاستهزاء ، فهذا يوجب تشويش النظم، وإنه لا يجوز فى كلام الله . واعلم أن الجواب الحق عندى عن هذا الكلام ماذكر ناه فى سورة الأنعام ، وهو أن القوم إنما ذكروا هذا الكلام لأنهم استدلوا بمشيئة الله تعالى للكفر على أنه لا يجوز ورود الأمر بالإيمان فاعتقدوا أن الأمر والإرادة يجب كونهما متطابقين، وعندنا أن هذا باطل فالقوم لم يستحقرا الذم بمجرد قولهم إن الله يريد الكفر من الكافر بل لأجل أنهم قالوا لما أراد الكفر من الكافر وجب أن يقبح منه أمر الكافر بالإيمان، وإذا صرفنا الذم والطعن إلى هذا المقام سقط استدلال المعتزلة بهذه الآية، وتمام التقرير مذكور فى سورة الأنعام والله أعلم . ﴿ المسألة الثانية) أنه تعالى لما حكى عنهم ذلك المذهب الباطل قال (ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون) وتقريره كأنه قيل إن القوم يقولون لما أراد الله الكفر من الكافر وخلق فيه ما أوجب ذلك الكفر وجب أن يقبح منه أن يأمره بالإيمان لأن مثل هذا التكليف قبيح فى الشاهد فيكون قبيحاً فى الغائب فقال تعالى (ما لهم بذلك من علم) أى مالهم بصحة هذا القياس من علم، وذلك لأن أفعال الواحد منا وأحكامه مبنية على رعاية المصالح والمفاسد لأجل أن كل ماسوى أبته فإنه ينتفع بحصول المصالح ويستضر بحصول المفاسد، فلا جرم أن صريح طبعه وعقله يحمله على بناء أحكامه وأفعاله على رعاية المصالح، أما الله سبحانه وتعالى فإنه لا ينفعه شىء ولا يضره شيء فكيف يمكن القطع بأنه تعالى يبى أحكامه وأفعاله على رعاية المصالح مع ظهور هذا الفارق العظيم فقوله تعالى ( ما لهم بذلك من علم) أى مالهم بصحة قياس الغائب على الشاهد فى هذا الباب علم . ثم قال ( إن هم إلا يخرصون) أى كمالم يثبت لهم مهمة ذلك القياس فقد ثبت بالبرهان القاطع كونهم كذابين خراصين فى ذلك القياس لأن قياس المنزه عن التفع والضر من كل الوجوه على المحتاج المنتفع المتضرر قياس باطل فى بديهة العقل . ٢٠٧ قوله تعالى : قال أولو جئتكم باهدى . سورة الزخرف ثم قال ( أم آتيناهم كتاباً من قبله فهم به مستمسكون) يعنى أن القول الباطل الذى حكاه الله تعالى عنهم عرفوا صحته بالعقل أو بالنقل، أما إثباته بالعقل فهو باطل أقوله ( مالهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون) وأما إثباته بالنقل فهو أيضاً باطل لقوله (أم آنينام كتاباً من قبله فهم به مستمسكون) والضمير فى قوله من قبله للقرآن أو الرسول، والمعنى أنهم [هل] وجدوا ذلك الباطل فى كتاب منزل قبل القرآن حتى جازلهم أن يعولوا عليه، وأن يتمسكوا به، والمقصود منه ذكره فى معرض الإنكار ، ولماثبت أنه لم يدل عليه لادليل عقلى ولا دليل نقلى وجب أن يكون القول به باطلا. ثم قال تعالى ( بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون) والمقصود أنه تعالى لما بين أنه لا دليل لحم على صحة ذلك القول البتة بين أنه ليس لهم حامل بحملهم عليه إلا التقليد المحض ، ثم بين أن تمسك الجهال بطريقة التقليد أمر كان حاصلا من قديم الدهر فقال (وكذلك ما أرسلنا من قبلك فى قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباء ناعلى أمة وإنا على آثارهم مقتدون) وفى الآية مسائل : المسألة الأولى﴾ قال صاحب الكشاف قرى. (على إمة) بالكسر وكلتاهما من الأم وهو القصد، فالأمة الطريقة التى تؤم أى تقصد كالرحلة للمرحول إليه ، والإمة الحالة التى يكون عليها الأم وهو القاصد . ﴿ المسألة الثانية﴾ لو لم يكن فى كتاب الله إلا هذه الآيات لكفت فى إبطال الفول بالتقليد وذلك لأنه تعالى بين أن هؤلاء الكفار لم يتمسكوا فى إثبات ما ذهبوا إليه لا بطريق عقلى ولا بدليل نقلى، ثم بين أنهم إنما ذهبوا إليه بمجرد تقليد الآباء والأسلاف، وإنما ذكر تعالى هذه المعانى فى معرض الذم والتهجين، وذلك يدل على أن القول بالتقليد باطل ، ومما يدل عليه أيضاً من حيث العقل أن التقليد أمر مشترك فيه بين المبطل وبين المحق وذلك لأنه كما حصل لهذه الطائفة قوم من المقلدة فكذلك حصل الأضدادهم أقوام من المقلدة فلو كان التقليد طريقاً إلى الحق لوجب كون الشىء ونقيضه حقاً ومعلوم أن ذلك باطل . ﴿ المسألة الثالثة﴾ أنه تعالى بين أن الداعى إلى القول بالتقليد والحامل عليه، إنما هو حب التنعم فى طيبات الدنيا وحب الكسل والبطالة وبغض تحمل مشاق النظر والاستدلال لقوله ( إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة) والمترفون هم الذين أترفتهم النعمة أى أبطرتهم فلا يحبون إلا الشهوات والملاهى ويبغضون تحمل المشاق فى طلب الحق، وإذا عرفت هذا علمت أن رأس جميع الآفات حب الدنيا واللذات الجسمانية ورأس جميع الخيرات هو حب الله والدار الآخرة ، فلهذا. قال عليه السلام (( حب الدنيا رأس كل خطيئة)). ثم قال تعالى لرسوله ( قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم) أى بدين أهدى من دين آبائكم فعند هذا حكى الله عنهم أنهم قالوا إنا ثابتون على دين آبائنا لا تنفك عنه وإن جئتنا بما ٢٠٨ قوله تعالى : وإذ قال إبراهيم لأبيه . سورة الزخرف . وَإِذْ قَالَ إِبْرَهِيُ لِأَبِهِ وَقَوْمِهِ: إِنَِّى بَآءُ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٣٦) إِلَّا الَّذِى فَطَنِ فَإنَّهُ سَيَهْدِينٍ (٣٦) وَجَعَلَهَا كَلِمَةٌ بَائِيَةً فِ عَقِهِ، لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ بَلْ مَثَّعْتُ هَؤُلاَءِ وَابَآءُهُمْ ◌َّى ◌َجَآءُهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُّبِينٌ (3﴾ وَلَمَّا جَاءَ هُمُ الْحَقُّ قَالُواْ هَذَا سِرٌ وَإِنَّا بِهِ، كَافِرُونَ ٣٠ هو أهدى (فإنا بما أرسلتم به كافرون) وإن كان أهدى ما كنا عليه ، فعند هذا لم يبق لهم عذر ولاءلة ، فلهذا قال تعالى (فانتقمنا منهم فانظر كيف كان عاقبة المكذبين) والمراد منه تهديد الكفار والله أعلم. قوله تعالى : ﴿وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إننى براء مما تعبدون، إلا الذى فطرنى فإنه سيهدين، وجعلها كلمة باقية فى عقبه لعلهم يرجعون ، بل متعت هؤلاء وآباءهم حتى جاءهم الحق ورسول مبين، ولما جاءهم الحق قالوا هذا سحر وإنا به كافرون﴾ . أعلم أنه تعالى لما بين فى الآية المتقدمة أنه ليس لأولئك الكفارداع يدعوهم إلى تلك الأقاويل الباطلة إلا تقليد الآباء والأسلاف، ثم بين أنه طريق باطل ومنهج فاسد، وأن الرجوع إلى الدليل أولى من الاعتماد على التقليد، أردفه بهذه الآية والمقصود منها ذكر وجه آخر يدل على فساد القول بالقليد وتقريره من وجهين: (الأول) أنه تعالى حكى عن إبراهيم عليه السلام أنه تبرأ عن دين آبائه بناء على الدليل فنقول: إما أن يكون تقليد الآباء فى الأديان محرماً أو جائزاً ، فإن كان محرماً فقد بطل القول بالنقليد، وإن كان جائزاً فمعلوم أن أشرف آباء العرب هو إبراهيم عليه السلام، وذلك لأنهم ليس لهم ثمر ولا شرف إلا بأنهم من أولاده ، وإذا كان كذلك فتقليد هذا الأب الذى هو أشرف الآباء أولى من تقليد سائر الآباء، وإذا ثبت أن تقليده أولى من تقليد غيره فنقول إنه ترك دين الآباء، وحكم بأن اتباع الدليل أولى من متابعة الآباء، وإذا كان كذلك رجب تقليده فى ترك تقليد الآباء ووجب تقليده فى ترجيح الدليل على التقليد، وإذا ثبت هذا فتقول : فقد ظهر أن القول بوجوب التقليد يوجب المنع من التقليد، وما أفضى ثبوته إلى نفيه كان باطلا ، فوجب أن يكون القول بالتقليد باطلا ، فهذا طريق رقيق فى إبطال التقليد وهو المراد بهذه الآية. (الوجه الثانى ) فى بيان أن ترك التقليد والرجوع إلى متابعة الدليل أولى فى الدنيا وفى الدين ، أنه تعالى بين أن إبراهيم عليه السلام لماعدل من طريقة أبيه إلى متابعة الدليل لا جرم جعل الله دينه ومذهبه باقياً فى عقبه إلى يوم القيامة، وأما أديان آبائه فقد اندرست وبطلت ، فثبت أن الرجوع ٢٠٩ قوله تعالى : وجعلها كلمة باقية . سورة الزخرف . إلى متابعة الدليل يقى محمود الأثر إلى قيام الساعة ، وأن التقليد والإصرار ينقطع أثره ولا يبقى منه فى الدنيا خير ولا أثر ، فثبت من هذين الوجهين أن متابعة الدليل وترك التقليد أولى ، فهذا بيان المقصود الأصلى من هذه الآية ، وليرجع إلى تفسير ألفاظ الآية . أما قوله (إننى براء ما تعبدون) فقال الكسائى والفراء والمبرد والزجاج (براء) مصدر لا يثى ولا يجمع مثل عدل ورضا وتقول العرب أنا البراء متك والخلاء منك ونحن، البراء منك والخلاء ولا يقولون البرا آن ولا البراون لأن المعنى ذوا البراء وذو والبراء فان قلت برى. وخلى ثميت وجمعت. ثم استثنى خالقه من البراءة فقال (إلا الذى فطرنى) والمعنى أنا أتبرأ مما تعبدون إلا من الله عز وجل ، ويجوز أن يكون إلا بمعنى لكن فيكون المعنى لكن الذى فطرنى فإنه سيهدين أى سیر شدنى لدينه ويوفقنى لطاعته . واعلم أنه تعالى حكى عن إبراهيم عليه السلام فى آية أخرى أنه قال ( الذى خلقنى فهو يهدين) وحكى عنه ههنا أنه قال (سيهدين) فأجمع بينهما وقدر كأنه قال : فهو يهدين وسيهدين ، فيدلان على استمرار الهداية فى الحال والاستقبال (وجعلها) أى وجعل إبراهيم كلمة التوحيد التى تكلم بها وهى قوله (إننى براء ما تعبدون) جارياً مجرى (لا إله) وقوله (إلا الذى فطرنى) جارياً مجرى قوله ( إلا اللّه) فكان مجموع قوله (إننى براء بما تعبدون إلا الذى فطرنى) جارياً مجرى قوله ( لا إله إلا الله) ثم بين تعالى أن إبراهيم جعل هذه الكلمة باقية فى عقبه أى فى ذريته فلا يزال فيهم من يوحد الله ويدعو إلى توحيده (لعلهم يرجعون) أى لعل من أشرك منهم يرجع بدعاء من وحد منهم ، وقيل وجعلها الله، وقرى. كلمة على التخفيف وفى عقيبه . ثم قال تعالى (بل متعت هؤلاء وآباءهم) يعنى أهل مكة وهم عقب إبراهيم بالمد فى العمر والنعمة فاغتروا بالمهلة واشتغلوا بالتنعم واتباع الشهوات وطاعة الشيطان عن كلمة التوحيد ( حتى جاءهم الحق) وهو القرآن ( ورسول مبين) بين الرسالة وأوضحها بما معه من الآيات والبينات فكذبوا به وسموه ساحراً وما جاء به سحراً وكفروا به ، ووجه النظم أنهم لما عولوا على تقليد الآباء ولم يتفكروا فى الحجة اغتروا بطول الإمهال وامتاع الله إياهم بنعيم الدنيا فأعرضوا عن الحق، قال صاحب الكشاف إن قيل ماوجه قراءة من قرأ متعت بفتح التاء؟ قلنا كان الله سبحانه اعترض على ذاته فى قوله ( وجعلها كلمة باقية فى عقبه لعلهم يرجعون ) فقال بل متعتهم بما متعتهم به من طول العمر والسعة فى الرزق حتى شغلهم ذلك عن كلمة التوحيد ، وأراد بذلك المبالغة فى تعييرم لأنه إذا متعهم بزيادة النعم وجب عليهم أن يجعلوا ذلك سبباً فى زيادة الشكر والثبات على التوحيد لا أن يشركوا به ويجعلوا له أنداداً، فمثاله أن يشكو الرجل إساءة من أحسن إليه ثم يقبل على نفسه فيقول أنت السبب فى ذلك بمعروفك وإحسانك إليه ، وغرضه بهذا الكلام توبيخ المسى. لا تقبيح فعل نفسه . الفخر الرازي - ج ٢٧ م ١٤ ٢١٠ قوله تعالى : وقالوا لولا نزل هذا القرآن . سورة الزخرف . وَقَالُواْ لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ◌َيَّ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكْ لَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِشَهُمْ فِى الْحَزَةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجْتٍ لِيَتَِّذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ◌ُفِيَّهُ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ ثَمَّا يَجْمَعُونَ قوله تعالى: ﴿ وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم، أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم فى الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً ورحمت ربك خير مما يجمعون أعلم أن هذا هو (النوع الرابع) من كفرياتهم التى حكاها الله تعالى عنهم فى هذه السورة، وهؤلاء المساكين قالوا منصب رسالة اللّه منصب شريف فلا يليق إلا برجل شريف ، وقد صدقوا فى ذلك إلا أنهم ضموا إليه مقدمة فاسدة وهى أن الرجل الشريف هو الذى يكون كثير المال والجاه ومحمد ليس كذلك فلا تليق رسالة الله به، وإنما يليق هذا المنصب برجل عظيم الجاه كثير المال فى إحدى القريتين وهى مكة والطائف ، قال المفسرون والذى بمكة هو الوليد بن المغيرة والذى بالطائف هو عروة بن مسعود الثقفي، ثم أبطل الله تعالى هذه الشبهة من وجهين (الأول) قوله (أهم يقسمون رحمت ربك) وتقرير هذا الجواب من وجوه (أحدها) أنا أوقعنا التفاوت فى مناصب الدنيا ولم يقدر أحد من الخلق على تغييره فالتفاوت الذى أوقعناه فى مناصب الدين والنبوة بأن لا يقدروا على التصرف فيه كان أولى (وثانيها) أن يكون المراد أن اختصاص ذلك الغنى بذلك المال الكثير إنما كان لأجل حكمنا وفضلنا وإحساننا إليه، فكيف يليق بالعقل أن نجعل إحساننا إليه بكثرة المال حجة علينا فى أن نحسن إليه أيضاً بالنبوة؟ (وثالثها ) إنا لما أوقعنا التفاوت فى الإحسان بمناصب الدنيا لالسبب سابق فلم لا يجوز أيضاً أن توقع التفاوت فى الإحسان بمناصب الدين والنبوة لالسبب سابق ؟ فهذا تقرير الجواب ، ونرجع إلى تفسير الألفاظ فنقول الهمزة فى قوله (أم يقسمون رحمت ربك) للافكار الدال على التجهيل والتعجب من إعراضهم وتحكمهم وأن يكونوا هم المدبرين لأمر النبوة ، ثم ضرب لهذا مثالا فقال (نحن قسمنا بينهم معيشتهم فى الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ) وفيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ أنا أوقعنا هذا التفاوت بين العباد فى القوة والضعف والعلم والجهل والحذافة والبلاهة والشهرة والخمول ، وإنما فعلنا ذلك لأنا لوسوينا بينهم فى كل هذه الأحوال لم يخدم أحد ٢١١ قوله تعالى : ولولا أن يكون الناس . سورة الزخرف . وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُونِهِمْ سُقُفًا مِنِ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَيْهَا يَظْهَرُونَ (﴾ وَلُيُونِهِمْ أَبْوَّبًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَشْكِّعُونَ وَزُبُهَا وَإِنْ كُلْ ذَلِكَ لَمَّ مَتَعُ الْحَيَزَةِالدُّنْيَ وَالْآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُشَّقِينَ ( ٣٥ ٣٤ وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الَّهَِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطًَا فَهُوَ لَهُ وَرِينٌ (﴾ وَإِنْهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ 1 حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَلَيْتَ بَيْنِى وَبَيْنَكَ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (2) بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ ﴾ وَلَن يَنْفَعَكُ الْيَوْمَ إِذ ◌َلَمْتُمْ أَنَّكُرْ فِ اَلْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ أحداً ولم يصر أحد منهم مسخراً لغيره وحينئذ يفضى ذلك إلى خراب العالم وفساد نظام الدنيا ، ثم إن أحداً من الخلق لم يقدر على تغيير حكمنا ولا على الخروج عن قضائنا ، فإن عجزوا عن الإعراض عن حكمنا فى أحوال الدنيا مع قلتها ودنامتها ، فكيف يمكنهم الاعتراض على حكمنا وقضائنا فى تخصيص العباد بمنصب النبوة والرسالة؟ . المسألة الثانية ) قوله تعالى ( نحن قسمنا بينهم معيشتهم فى الحياة الدنيا) يقتضى أن تكون كل أقسام معايشهم إنما تحصل بحكم الله وتقديره، وهذا يقتضى أن يكون الرزق الحرام والجلال كله من اللّه تعالى (والوجه الثانى) فى الجواب ماهو المراد من قوله ( ورحمت ربك خير ما يجمعون ) ؟، وتقريره أن الله تعالى إذا خص بعض عبيده بنوع فضله ورحمته فى الدين فهذه الرحمة خير من الأموال التى يجمعها لأن الدنيا على شرف الانقضاء والانقراض وفضل الله ورحمته تبقى أبد الآباد . قوله تعالى: ﴿ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفاً من فضة ومعارج عليها يظهرون، ولبيوتهم أبواباً وسرراً عليها يتكئون، وزخرفاً وإن كل ذلك لمامتاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين ، ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً فهو له قرين ، وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون ، حتى إذا جاءنا قال يا ليت بينى وبينك بعد المشرقين فبئس القرين، ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم فى العذاب مشتركون﴾ وفى الآية مسائل: : ٢١٢ قوله تعالى ؛ولولا أن یکون الناس . سورة الزخرف . المسألة الأولى﴾ أعلم أنه تعالى أجاب عن الشبهة التى ذكروها بناء على تفضيل التى على الفقير بوجه ثالث وهو أنه تعالى بين أن منافع الدنيا وطيباتها حقيرة خسيسة عند القه وبين حقارتها بقوله ( ولولا أن يكون الناس أمة واحدة) والمعنى لولا أن يرغب الناس فى الكفر إذا رأوا الكافر فى سعة من الخير والرزق لأعطيتهم أكثر الأسباب المفيدة للتعم (أحدها) أن يكون سقفهم من فضة ( وثانيها) معارج أيضاً من فضة عليها يظهرون ( وثالثها) أن نجعل لبيوتهم أبواباً من فضة وسرراً أيضاً من فضة عليها بتكئون. ثم قال ( وؤخرفاً) وله تفسيران (أحدهما) أنه الذهب ( والثانى) أنه الزينة ، بدليل قوله تعالى (حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت) فعلى التقدير الأول يكون المعنى وتجعل لهم مع ذلك ذهباً کثیراً ، وعلى الثانى أنا نعطيهم زينة عظيمة فی کل باب ، ثم بین تعالى أن كل ذلك متاع الحياة الدنيا، وإنما سماه متاعاً لأن الإنسان يستمتع به قليلا ثم ينقضى فى الحال، وأما الآخرة فهى باقية دائمة ، وهى عند اللّه تعالى وفى حكمه للمتقين عن حب الدنيا المقبلين على حب المولى، وحاصل الجواب أن أولئك الجهال ظنوا أن الرجل الغنى أولى بمنصب الرسالة من محمد بسبب فقره، فبين تعالى أن المال والجاه حقيران عند الله، وأنهما على شرف الزوال حصولهما لا يفيد حصول الشرف والله أعلم . المسألة الثانية﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرو (سقفاً) بفتح السين وسكون القاف على لفظ الواحد لإرادة الجنس، كمافى قوله (مخر عليهم السقف من فوقهم) والباقون سقفاً على الجمع واختلفوا فقيل هو جمع سقف، كرهن ورهن، قال أبو عبيد: ولا ثالث لهما ، وقيل السقف جمع سقوف، کرهن ورهون وزبر وزبور ، فهو جمع الجمع . المسألة الثالثة﴾ قوله ( لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم) فقوله (لبيوتهم) مدن اشتمال من قوله (لمن يكفر) قال صاحب الكشاف: قرى. معارج ومعاريج، والمعارج جمع معرج، أو اسم جمع المعراج، وهى المصاعد إلى المساكن العالية كالدرج والسلالم عليها يظهرون، أى على تلك المعارج يظهرون، وفى نصب قوله ( وزخرفاً) قولان: قيل لجعلنا لبيوتهم سقفاً من فضة، ولجعلنا لهم زخرفاً وقيل من فضة وزخرف، فلما حذف الخافض انتصب. وأما قوله ( وإن كل ذلك لما متاح الحياة الدنيا) قرأ عاصم وحمزة (لما) بتشديد الميم، والبافون بالتخفيف، وأما قراءة حمزة بالتهديد فإنه جعل لما فى معنى إلا، وحكى سيبويه: نشدتك بالله لما فعلت، بمعنى إلا فعلك، ويقوي هذه القراءة أن فى حرف أبى، وما ذلك إلا متاع الحياة الدنيا، وهذا يدل على أن لما بمعنى إلا، وأما القراءة بالتخفيف، فقال الواحدى لفظة مالغو، والتقدير لمتاع الحياة الدنيا، قال أبو الحسن: الوجه التخفيف ، لأن لما بمعنی إلا لا تعرف ، وحکی عن الکسائی أنه قال: لا أعرف وجه التثقيل. ٢١٣ قوله تعالى : ومن يعش عن ذكر الرحمن . سورة ازخرف . ﴿ المسألة الرابعة) قالت المعتزلة: دلت الآية على أنه تعالى إنما لم يعط الناس نعم الدنيا، لأجل أنه لو فعل بهم ذلك لدعاهم ذلك إلى الكفر، فهو تعالى لم يفعل بهم ذلك لأجل أن لا يدعوهم إلى الكفر، وهذا يدل على أحكام (أحدها) أنه إذا لم يفعل بهم ما يدعوهم إلى الكفر فلأن لا يخلق فيهم الكفر أولى (وثانيها) أنه ثبت أن فعل اللطف قائم مقام إزاحة العذر والعلة ، فلما بين تعالى أنه لم يفعل ذلك إزاحة للعذر والعلة عنهم ، دل ذلك على أنه يجب أن يفعل بهم كل ما كان لطفاً داعياً لهم إلى الإيمان، فصارت هذه الآية من هذا الوجه دالة على أنه يجب على اللّه تعالى فعل اللطف ( وثالثها) أنه ثبت بهذه الآية ، أن الله تعالى إنما يفعل ما يفعله ويترك ما يتركه لأجل حكمة ومصلحة ، وذلك يدل على تعليل أحكام الله تعالى وأفعاله بالمصالح والعلل ، فإن قيل لما بين تعالى أنه لوفتح على الكافر أبواب النعم ، لصار ذلك سبباً لاجتماع الناس على الكفر ، فلم لم يفعل ذلك بالمسلمين حتى يصير ذلك سبباً لاجتماع الناس، على الإسلام؟ قلنا لأن الناس على هذا التقدير كانوا يجتمعون على الإسلام لطلب الدنيا، وهذا الإيمان إيمان المنافقين ، فكان الأصوب أن يضيق الأمر على المسلمين، حتى أن كل من دخل الإسلام ، فإنما يدخل فيه لمتابعة الدليل ولطلب رضوان الله تعالى، حينئذ يعظم ثوابه لهذا السبب . ثم قال تعالى (ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً فهو له قرين) والمراد منه التنبيه على آفات الدنيا، وذلك أن من فاز بالمال والجاه صار كالأعشى عن ذكر الله، ومن صار كذلك صار من جلساء الشياطين الضالين المضلين ، فهذا وجه تعلق هذا الكلام بما قبله ، قال صاحب الكشاف: قرى. (ومن يعش) بضم الشين وفتحها ، والفرق بينهما أنه إذا حصلت الآفة فى بصره قيل عشى، وإذا نظر نظر العشى ولا آفة به، قيل عشى ونظيره عرج لمن به الآفة ، وعرج لمن مشى مشية العرجان من غير عرج ، قال الحطيئة : متى تأته تعشو إلى ضوء ناره أى تنظر إليها نظر العشى ، لما يضعف بصرك من عظم الوقود واتساع الضوء، وقرى. يعشو على أن من موصولة غير مضمنة معنى الشرط ، وحق هذا القارى. أن يرفع (نقيض) ومعنى القراءة بالفتح، ومن يعم عن ذكر الرحمن وهو القرآن ، لقوله (صم بكم عنى) وأما القراءة بالضم فمعناها ومن بتعام عن ذكره، أی بعرف أنه الحق وهو يتجاهل ویتعامی، کقولهتعالى (و جحدوا بهاواستيقنتها أنفسهم)، (ونقيض له شيطاناً) قال مقاتل: نضم إليه شيطاناً (فهو له قرين). ثم قال ( وإنهم ليضدونهم عن السبيل) يعنى وإن الشياطين ليصدونهم عن سبيل الهدى والحق وذكر الكناية عن الإنسان والشياطين بلفظ الجمع، لأن قوله (ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً) يفيد الجمع، وإن كان اللفظ على الواحد (ويحسبون أنهممهتدون) يعنى الشياطين يصدون الكفار عن السبيل، والكفار يحسبون أنهم مهتدون، ثم عاد إلى لفظ الواحد ، فقال (حتى إذا ٢١٤ قوله تعالى : يا ليت بيني وبينك . سورة الزخرف . جاءنا) يعنى الكافر، وقرى. جاءانا، ين الكافر وشيطانه، روى أن الكافر إذا بعث يوم القيامة من قبره أخذ شيطانه بيده، فلم يفارقه حتى يصيرهما الله إلى النار، فذلك حيث يقول ( يا ليت ينى وبينك بعد المشرقين) والمراد باليت حصل بينى وبينك بعد على أعظم الوجوه ، واختلفوا فى تفسير قوله ( بعد المشرقين) وذكروا فيه وجوهاً (الأول) قال الأكثرون: المراد بعد المشرق والمغرب، ومن عادة العرب تسمية الشيئين المتقابلين باسم أحدهما ، قال الفرزدق: لنا قراها والنجوم الطوالع يريد الشمس والقمر ، ويقولون الكوفة والبصرة: البصرتان، والغداة والعصر: العصران، ولأنى بكر وعمر: العمران، والماء والتمر: الأسودان (الثانى) أن أهل النجوم يقولون: الحركة التى تكون من المشرق إلى المغرب، هى حركة الفلك الأعظم، والحركة التى من المغرب إلى المشرق ، هى حركة الكواكب الثابتة، وحركة الأفلاك الممثلة التى السيارات سوى القمر، وإذا كان كذلك فالمشرق والمغرب كل واحد منهما مشرق بالنسبة إلى شىء آخر، فثبت أن إطلاق لفظ المشرق على كل واحد من الجهتين حقيقة ( الثالث) قالوا يحمل ذلك على مشرق الصيف ومشرق الشتاء وبينهما بعد عظيم ، وهذا بعيد عندى، لأن المقصود من قوله ( ياليت بينى وبينك بعد المشرقين) المبالغة فى حصول البعد، وهذه المبالغة إنما تحصل عن ذكر بعد لا يمكن وجود بعد آخر أزيد منه، والبعد بين مشرق الصيف ومشرق الشتاء ليس كذلك، فيبعد حمل اللفظ عليه (الرابع) وهو أن الحس يدل على أن الحركة اليومية إنما تحصل بطلوع الشمس من المشرق إلى المغرب، وأما القمر فإنه يظهر فى أول الشهر فى جانب المغرب، ثم لا يزال يتقدم إلى جانب المشرق، وذلك يدل على أن مشرق حركة القمر هو المغرب، وإذا ثبت هذا فالجانب المسمى بالمشرق هو مشرق الشمس. ولكنه مغرب القمر، وأما الجانب المسمى بالمغرب، فإنه مشرق القمر ولكنه مغرب الشمس، وبهذا التقدير يصح تسمية المشرق والمغرب بالمشرقين، ولعل هذا الوجه أقرب إلى مطابقة اللفظ ورعاية المقصود من سائر الوجوه، والله أعلم . ثم قال تعالى ( فبئس القرين) أى الكافر يقول لذلك الشيطان ( يا ليت بنى وينك بعد المشرقين فبئس القرين) أنت، فهذا ما يتعلق بتفسير الألفاظ، والمقصود من هذا الكلام تحقير الدنيا وبيان ما فى المال والجاه من المضار العظيمة ، وذلك لأن كثرة المال والجاه تجعل الإنسان كالأعشى عن مطالعة ذكر الله تعالى ومن صار كذلك صار جليساً للشيطان ومن صار كذلك ضل عن سبيل الهدى والحق وبقى جليس الشيطان فى الدنيا وفى القيامة، ومجالسة الشيطان حالة توجب الضرر الشديد فى القيامة بحيث يقول الكافر ( ياليت بنى وبينك بعد المشرقين فبئس القرين) أنت فثبت بما ذكرنا أن كثرة المال والجاه توجب كمال النقصان والحرمان فى الدين والدنيا، وإذا ظهر هذا فقد ظهر أن الذين قالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ، قالوا كلاماً ٢١٥ قوله تعالى : أفأنت تسمع الصم . سورة الزخرف . أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الْهُمَّ أَوْ تَهْدِى الْعُمْىَ وَمَنْ كَانَ فِ ضَلَالٍ مُّبِينٍ (٢﴾ فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنْتَقِمُونَ (٣) أَوْ نُرِيَّنَّكَ الَّذِى وَعَدْنَهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِم مُقْتَدِرُونَ () فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِىّ أَوِىَ إِلَيْكٌ إِنَّكَ عَى صِرَطِ مْتَقٍِ ﴾ وَإِنَّهُ لُِّلَّكَ وَلِقَوْمِكٌ وَسَوْفَ تُسْعَلُونَ (﴾ وَسْعَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنَآ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ ءَاِمَةٌ يُعْبَدُونَ ٤٥ فاسداً وشبهة باطلة. ثم قال تعالى (ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم فى العذاب مشتركون) فقوله ( أنكم) فى محل الرفع على الفاعلية يعنى ولن ينفعكم اليوم كونكم مشتركين فى العذاب والسبب فيه أن الناس يقولون المصيبة إذا عمت طابت ، وقالت الخنساء فى هذا المعنى : ولولا كثرة الباكين حولى على إخوانهم لقتلت نفسى ولا ييكون مثل أخى ولكن أعزى النفس عنه بالتأسى فبين تعالى أن حصول الشركة فى ذلك العذاب لا يفيد التخفيف كما كان يفيده فى الدنيا والسبب فيه وجوه (الأول ) أن ذلك العذاب شديد فاشتغال كل واحد بنفسه يذهله عن حال الآخر ، فلا جرم الشركة لا تفيد الخفة ( الثانى) أن قوماً إذا اشتركوا فى العذاب أعان كل واحد منهم صاحبه بما قدر عليه فيحصل بسببه بعض التخفيف وهذا المعنى متعذر فى القيامة (الثالث) أن جلوس الإنسان مع قرينه يفيده أنواعا كثيرة من السلوة . فبين تعالى أن الشيطان وإن كان قريناً إلا أن مجالسته فى القيامة لاتوجب السلوة وخفة العقوبة وفى كتاب ابن مجاهد عن ابن عامر قرأ (إذ ظلتم إنكم) بكسر الألف وقرأ الباقون أنكم بفتح الألف والله أعلم . قوله تعالى: ﴿ أفأنت تسمع الصم أو تهدى العمى ومن كان فى ضلال مبين، فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون، أو نزينك الذى وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون ، فاستمسك بالذى أوحى إليك إنك على صراط مستقيم، وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون، واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلت أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون ﴾ . اعلم أنه تعالى لما وصفهم فى الآية المتقدمة بالعشى وصفهم فى هذه الآية بالصمم والعمى ٢١٦ قوله تعالى : فإما تذهين بك . سورة الزخرف . وما أحسن هذا الترتيب، وذلك لأن الإنسان فى أول اشتغاله بطلب الدنيا يكون كمن حصل بعينه رمد ضعيف ، ثم كلما كان اشتغاله بتلك الأعمال أكثر كان ميله إلى الجسمانيات أشد وإعراضه عن الروحانيات أكمل، لما ثبت فى علوم العقل أن كثرة الأفعال توجب حمول الملكات الراحة فيفتقل الإنسان من الرمد إلى أن يصير أعشى فإذا واظب على تلك الحالة أياماً أخرى انتقل من كونه أعشى إلى كونه أعمى، فهذا ترتيب حسن موافق لما ثبت بالبراهين اليقينية، روى أنه صلى الله عليه وسلم كان يجتهد فى دعاء قومه وهم لا يزيدون إلا تصميما على الكفر وتمادياً فى الغى ، فقال تعالى (أفأنت تسمع الصم أو تهدى العمى) يعنى أنهم بلغوا فى النفرة عنك وعن دينك إلى حيث إذا أسمعتهم القرآن كانوا كالأصم، وإذا أريتهم المعجزات كانوا كالأعمى ، ثم بين تعالى أن صممهم وعمام إنما كان بسبب كونهم فى ضلال مبين . ولما بين تعالى أن دعوته لا تؤثر فى قلوبهم قال (فإما نذهين بك) يريد حصول الموت قبل نزول النقمة بهم ( فإنا منهم منتقمون) بعدك أو نرينك فى حياتك ما وعدناهم من الذل والقتل فإنا مقتدرون على ذلك ، وأعلم أن هذا الكلام يفيد كمال التسلية للرسول عليه السلام لأنه تعالى بين أنهم لا تؤثر فيهم دعوته واليأس إحدى الراحتين، ثم بين أنه لا بد وأن ينتقم لأجله متهم إما عنال حياته أو بعدوفاته، وذلك أيضاً يوجب القسلية، فبعد هذا أمره أن يستمسك بما أمره تعالى، فقال (فاستمسك بالذى أوحى إليك) بأن تعتقد أنه حق وبأن تعمل بموجبه فانه الصراط المستقيم الذى لا يميل عنه إلا ضال فى الدين . ولما بين تأثير التمسك بهذا الدين فى منافع الدين بين أيضاً تأثيره فى منافع الدنيا فقال ( وأنه لذكر لك ولقومك) أى إنه يوجب الشرف العظيم لك ولقومك حيث يقال إن هذا الكتاب العظيم أنزله الله على رجل من قوم هؤلاء ، واعلم أن هذه الآية تدل على أن الإنسان لابد وأن يكون عظيم الرغبة فى الثناء الحسن والذكر الجميل، ولو لم يكن الذكر الجميل أمراً مرغوباً فيه لما من الله به على محمد صلى الله عليه وسلم حيث قال (وإنه لذكر لك ولقومك) ولما طلبه إبراهيم عليه السلام حيث قال ( واجعل لى لسان صدق فى الآخرين) ولأن الذكر الجميل قائم مقام الحياة الشريفة، بل الذكر أفضل من الحياة لأن أثر الحياة لا يحصل إلا فى مسكن ذلك الحى، أما أثر الذكر الجيل فإنه يحصل فى كل مكان وفى كل زمان . ثم قال تعالى (وسوف تسألون) وفيه وجوه (الأول) قال الكلبى تسألون هل أديتم شكر إنعامنا عليكم بهذا الذكر الجميل (الثانى) قال مقاتل المراد أن من كذب به يسأل لم كذبه ، فيسأل سؤال توبيخ ( الثالث ) تسألون هل عملتم بما دل عليه من التكاليف، واعلم أن السبب الأقوى فى إنكار الكفار لرسالة محمد صلى الله عليه وسلم ولبغضهم له أنه كان ينكر عبادة الأصنام، فين تعالى أن إنكار عبادة الأصنام ليس من خواص دين محمد صلى الله عليه وسلم ، بل كل الأنيا. ٣١٧ قوله تعالى : ولقد أرسلنا موسى بآياتنا . سورة الزخرف . وَمٍَ، فَقََّلَ إِنِّى رَسُولُ رَبِّ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِشَايَتِنَآ إِلَى فِرْعَوْنَ الْعَلَمِينَ (٦َ فَلَمَّا جَاءَهُم ◌ِثَايَقِنَآَ إِذَاهُمْ مِنْهَ يَضْحَكُونَ (٦) وَمَا نُرِهِم مِنْ ءَايَةٍ إِلَّ مِىَ أَعْبُ مِنْ أَخِيًّا وَأَخَذْنَنُهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ بَرْجُونَ () وَقَالُواْ يَأْهَ الَّهُ أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ إِنََّا لَمُهْتَدُونَ ﴾ فَلَّا كَثَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (٢﴾ وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِى قَوْمِهِ، قَلَ يَوْمِ أَلَيْسَ لِ مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ آلْأَنْهُ تَخْرِى مِنْ تَحْتِ أَقَلَا تُبْصِرُونَ (٦) أَمْ أَتَأْ خَبْ والرسل كانوا مطبقين على إنكاره فقال ( واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون) وفيه أقوال (الأول) معناه واسأل مؤمنى أهل الكتاب أى أهل التوراة والإنجيل فإنهم سيخبرونك أنه لم يرد فى دين أحد من الأنبياء عبادة الأصنام، وإذا كان هذا الأمر متفقاً عليه بين كل الأنبياء والرسل وجب أن لا يجعلوه سبباً لبغض محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ والقول الثانى) قال عطاء عن ابن عباس «لما أسرى به لتهم إلى المسجد الأقصى بعث الله له آدم وجميع المرسلين من ولده، فأذن جبريل ثم أقام فقال: يا محمد تقدم فصل بهم فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه من الصلاة قال له جبريل عليه السلام واسأل يا محمد من أرسلنا من قبلك من رسلنا الآية، فقال صلى الله عليه وسلم لا أسأل لأنى لست شاكا فيه)). ﴿ والقول الثالث) أن ذكر السؤال فى موضع لا يمكن السؤال فيه يكون المراد منه النظر والاستدلال، كقول من قال: سل الأرض من شق أنهارك، وغرس أشجارك، وجنى ثمارك ، فإنها إن لم تجبك جواباً أجابتك اعتباراً ، فيهنا سؤال النبى صلى الله عليه وسلم عن الأنبياء الذين كانوا قبله ممتنع ، فكان المراد منه انظر فى هذه المسألة بعقلك وتدبر فيها بفهمك والله أعلم . قوله تعالى : ﴿ ولقد أرسلنا موسى بآياتنا إلى فرعون و ملائه فقال إنى رسول رب العالمين ، فلما جاءهم بآياتنا إذاهم منها يضحكون ، وما نريهم من آية إلا هى أكبر من أختها وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون، وقالوا يا أيها الساحر ادع لنا ربك بما عهد عندك إننا لمهتدون، فلما كشفنا عنهم العذاب إذاهم ينكثون ، ونادى فرعون فى قومه قال يا قوم أليس لى ملك مصر وهذه الأنهار تجرى من تحتى أفلا تبصرون ، أم أنا خير من هذا الذى هو مهين ولا يكاد يبين فلولا ألق عليه ٢١٨ قوله تعالى: ولقد أرسلنا موسى بآياتنا . سورة الزخرف . مِنْ هَا الَّذِى هُوَمَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (﴾ قَوْلَا أَلَِّي ◌َيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَآءَ مَعَهُ الْمَلَبْكُ مُفْتَرِنِينَ (﴾ فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ، فَأْطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمًا فَسقينَ. فَلَّآءَ اسَفُونَا أَنْتَغَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَ قْنَهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ّ ◌َعَلْنَهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْنِينَ اسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنین، فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوماً فاسقين، فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين فجعلناهم سلفاً ومثلا للآخرين﴾ وفى الآية مسائل: ﴿ المسألة الأولى﴾ اعلم أن المقصود من إعادة قصة موسى عليه السلام وفرعون فى هذا المقام تقرير الكلام الذى تقدم، وذلك لأن كفار قريش طعنوا فى نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بسبب كونه فقيراً عديم المال والجاه، فبين الله تعالى أن موسى عليه السلام بعد أن أورد المعجزات القاهرة الباهرة التى لا يشك فى صحتها عاقل أورد فرعون عليه هذه الشبهة التى ذكرها كفار قريش فقال: إنى غنى كثير المال والجاه، ألا ترون أنه حصل لى ملك مصر وهذه الأنهار تجرى من تمنى، وأما موسى فإنه فقير مهين وليس له بيان ولمسان ، والرجل الفقير كيف يكون رسولا من من عند الله إلى الملك الكبير الغنى، فثبت أن هذه الشبهة التى ذكرها كفار مكة وهى قولهم (لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم) وقد أوردها بعينها فرعون على موسى، ثم إنا اتقمنا منهم فأغرقناهم، والمقصود من إيراد هذه القصة تقرير أمرين (أحدهما) أن الكفار والجهال أبداً يحتجون على الأنبياء بهذه الشبهة الركيكة فلا يبالى بها ولا يلتفت إليها. ( والثانى) أن فرعون على غابة کال حاله فى الدنیا صار مقهوراً باطلا ، فیکون الأمر فی حق أعدائك ھکذا ، فثبت أنه ليس المقصود من إعادة هذه القصة عين هذه القصة، بل المقصود تقرير الجواب عن الشبهة المذكورة، وعلى هذا فلا يكون هذا تقريراً للقصة البتة وهذا من نفائس الأبحاث والله على . المسألة الثانية﴾ فى تفسير الألفاظ ذكر تعالى أنه أرسل موسى بآياته وهى المعجزات التى كانت مع موسى عليه السلام إلى فرعون وملائه أى قومه ، فقال موسى إنى رسول رب العالمين، فلما جاءهم بتلك الآيات إذاهم منها يضحكون، قيل إنه لما ألقى عصاء صار ثعباناً، ثم أخذه فعاد عماً کا کان نحکوا ، ولما عرض عليهم الید البیضاء ثم عادت کما کانت محکوا ، فإن قيل كيف جاز أن جاب عن لما إذا الذى يفيد المفاجأة؟ قلنا لأن فعل المفاجأة معها مقدر كأنه قيل فلما جاءهم بآياتنا فاجأوا وقت ضحكهم. ٢١٩ قوله تعالى : أم أنا خير من هذا الذي . سورة الزخرف . ثم قال ( وما نريهم من آية إلا هى أكبر من أختها ) فإن قيل ظاهر اللفظ يقتضى كون كل واحد منها أفضل من التالى وذلك محال ، قلنا إذا أريد المبالغة فى كون كل واحد من تلك الأشياء بالغاً إلى أقصى الدرجات فى الفضيلة ، فقد يذكر هذا الكلام بمعنى أنه لا يبعد فى أناس ينظرون إليها أن يقول هذا إن هذا أفضل من الثانى ، وأن يقول الثانى لا بل الثانى أفضل ، وأن يقول الثالث لا بل الثالث أفضل ، وحينئذ يصير كل واحد من تلك الأشياء مقولا فيه إنه أفضل من غيره . ثم قال تعالى ( وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون) أى عن الكفر إلى الإيمان ، قالت المعتزلة هذا يدل على أنه تعالى يريد الإيمان من الكل وأنه إنما أظهر تلك المعجزات القاهرة لإرادة أن يرجعوا من الكفر إلى الإيمان، قال المفسرون ومعنى قوله (وأخذنام بالعذاب) أنى بالأشياء التى سلطها عليها كالطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والطمس . ثم قال تعالى (وقالوا يا أيها الساحر ادع لنا ربك بما عهد عندك إننا لمهتدون) فإن قيل كيف سموه بالساحر مع قولهم (إننا لمهتدون)؟ قلنا فيه وجوه (الأول) أنهم كانوا يقولون للعالم الماهر ساحر ، لأنهم كانوا يستعظمون السحر ، وكما يقال فى زماننا فى العامل العجيب الكامل إنه أتى بالسحر (الثانی) (یا أيها الساحر) فی زعم الناس ومتعارف قوم فرعون کقوله ( يا أيها الذى نزل عليه الذكر إنك لمجنون) أى نزل عليه الذكر فى اعتقاده وزعمه (الثالث) أن قولهم ( إننا لمهتدون) وقد كانوا عازمين على خلافه ألا ترى إلى قوله (فلما كشفنا عنهم العذاب إذاهم ينكثون) فقسميتهم إياه بالسحر لا ينافى قولهم (إننا لمهتدون) ثم بين تعالى أنه لما كشف عنهم العذاب نكثوا ذلك العهد . ولما حكى الله تعالى معاملة فرعون مع موسى، حكى أيضاً معاملة فرعون معه فقال (ونادى فرعون فى قومه) والمعنى أنه أظهر هذا القول فقال (قال يا قوم أليس لى ملك مصر وهذه الأنهار تجرى من تحتى) يعنى الأنهار التى فصلوها من النيل ومعظمها أربعة نهر الملك ونهر طولون و نهر دمياط ونهر تنيس ، قيل كانت تجرى تحت قصره ، وحاصل الأمر أنه احتج بكثرة أمواله وقوة جاهه على فضيلة نفسه . ثم قال (أم أنا خير من هذا الذى هو مهين ولا يكاد يبين) وعنى بكونه مهيناً كونه فقيراً ضعيف الحال، وبقوله ( ولا يكاد يبين) حبسة كانت فى لسانه ، واختلفوا فى معنى أم ههنا فقال أبو عبيدة مجازها بل أنا خير ، وعلى هذا فقدتم الكلام عند قوله (أفلا تبصرون ) ثم ابتدأ فقال (أم أنا خير) بمعنى بل أنا خير ، وقال الباقون أم هذه متصلة لأن المعنى (أفلا تبصرون) أم تبصرون إلا أنه وضع قوله (أنا خير) موضع تبصرون، لأنهم إذا قالوا له أنت خير فهم عنده بصراء ، وقال آخرون إن تمام الكلام عند قوله (أم) وقوله ( أنا خير) ابتداء الكلام والتقدير ( أفلا ٢٢٠ قوله تعالى فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب . سورة الزخرف . تبصرون) أم تبصرون لكنه اكتفى فيه بذكر أم كما تقول لغيرك: أتأكل أم . أى أنتأكل أم لا تأكل ، تقتصر على ذكر كلمة أم إيثاراً للاختصار فكذا ههنا، فإن قيل أليس أن موسى عليه السلام سأل الله تعالى أن يزيل الرنة عن لسانه بقوله ( واحلل عقدة من لسائى يفقهوا قولى) فأعطاه الله تعالى ذلك بقوله ( قد أوتيت سؤلك يا موسى) فكيف عابه فرعون بتلك الرتة؟ ( والجواب) عنه من وجهين: ( الأول) أن فرعون أراد بقوله (ولا يكاد يبين) حجته التى تدل على صدقه فيما يدعى ولم يرد أنه لا قدرة له على الكلام (والثانى) أنه عابه بما كان عليه أولا، وذلك أن موسى كان عند فرعون زماناً طويلا وفى لسانه حبسة، فنسبه فرعون إلى ماعهده عليه من الرته لأنه لم يعلم أن الله تعالى أزال ذلك العيب عنه . ثم قال (فلولا ألقى عليه أسورة من ذهب) والمراد أن عادة القوم جرت بأنهم إذا جعلوا واحداً منهم رئيساً لهم سوروه بسوار من ذهب وطوقوه بطوق من ذهب ، فطلب فرعون من موسى مثل هذه الحالة ، واختلف القراء فى أسورة فبعضهم قرأ أسورة وآخرون أساورة فأسورة جمع سوار لأدنى العدد، كقولك حمار وأحمرة وغراب وأغربة، ومن قرأ أساورة فذاك لأن أساوير جمع أسوار وهو السوار فأساورة تكون الهاء عوضاً عن الياء ، نحو بطريق وبطاوقة وزنديق وزنادقة وفرزين وفرازنه فتكون أساورة جمع أسوار، وحاصل الكلام يرجع إلى حرف واحد وهر أن فرعون كان يقول أنا أكثر مالا وجاها ، فوجب أن أكون أفضل منه فيمتنع كونه رسولا من الله، لأن منصب النبوة يقتصى المخدومية، والأخس لا يكون مخدوماً للأشرف، ثم المقدمة الفاسدة هى قوله من كان أكثر مالا وجاهاً فهو أفضل وهى عين المقدمة التى تمسك بها كفار قريش فى قولهم (لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم) ثم قال (أو جاء معه الملائكة مقترنين ) يجوز أن يكون المراد مقرنين به ، من قولك قرنته به فاقترن وأن يكون من قولهم اقتربوا بمعنى تقارنوا، قال الزجاج معناه يمشون معه فيدلون على صحة نبوته . ثم قال تعالى (فاستخف قومه فأطاعوه) أى طلب منهم الخفتهفى الإتيان بما كان يأمرهم به فأطاعوه ( إنهم كانوا قوماً فاسقين) حيث أطاعوا ذلك الجاهل الفاسق (فلما آسفونا) أغضبونا ، حكى أن ابن جريج غضب فى شىء فقيل له أتغضب يا أبا خالد؟ فقال قد غضب الذى خلق الأحلام إن الله يقول (فلما آسفونا) أى أغضبونا. ثم قال تعالى (انتقمنا منهم) واعلم أن ذكر لفظ الأسف فى حق الله تعالى محال وذكر لفظ الانتقام وكل واحد منهما من المتشابهات التى يجب أن يصار فيها إلى التأويل، ومعنى الغضب فى حق الله إرادة العقاب، ومعنى الانتقام إرادة العقاب لجرم سابق. ثم قال تعالى ( ي لمناهم سلفاً ومثلا) السلف كل شىء قدمته من عمل صالح أو قرض فهو سلف والسلف أيضاً من تقدم من آبائك وأقاربك وأحدهم سالف ، ومنه قول طفيل يرئی قومه .