Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١ قوله تعالى : وجزاء سيئة سيئة مثلها . سورة الشورى . م (المثال السادس) قال الشافعى رضى الله عنه المكره يجب عليه القود لأنه صدر عنه الفعل ظلماً فوجب أن يجب عليه مثله، أما أنه صدر عنه القتل فالحس يدل عليه وأما أنه قتل ظلماً فلأن المسلمين أجمعوا على أنه مكلف من قبل اللّه تعالى بأن لا يقتل وأجمعوا على أنه يستحق به الإثم العظيم والعقاب الشديد، وإذا ثبت هذا فوجب أن يقابل بمثله لقوله تعالى (وجزاء سيئة سيئة مثلها). (المثال السابع) قال الشافعى رضى الله عنه القتل بالمثقل يوجب القرد، والدليل عليه أن الجانى أبطل حياته فوجب أن يتمكن ولى المقتول من إبطال حياة القاتل لقوله تعالى ( وجزاء سيئة سيئة مثلها ) . (المثال الثامن) الحر لا يقتل بالعبد قصاصاً ونحن وإن ذكرنا هذه المسألة فى المثال الأول إلا أنا نذكر ههنا وجهاً آخر من البيان ، فنقول إن القاتل أتلف على مالك العبد شيئاً يساوى عشرة دنانير مثلا فوجب عليه أداء عشرة دنانير لقوله تعالى ( وجزاء سيئة سيئة مثلها) وإذا وجب الضمان وجب أن لا يجب القصاص لأنه لاقائل بالفرق . (المثال التاسع) منافع الغصب مضمونة عند الشافعى رضى الله عنه والدليل عليه أن الغاصب فوت على المالك منافع تقابل فى العرف بدينار فوجب أن يفوت على الغاصب مثله من المال لقوله تعالى ( وجزاء سيئة سيئة مثلها ) وكل من أوجب تفويت هذا القدر على الغاصب قال بأنه يجب أداؤه إلى المغصوب منه. (المثال العاشر) الحر لا يقتل بالعبد قصاصاً لأنه لوقتل بالعبد لكان هو مساوياً للعبد فى المعانى الموجبة للقصاص لقوله ( من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها) ولسائر النصوص التى تلوناها ثم إن عبده يقتل قصاصا بعبد نفسه فيجب أن يكون عبد غيره مساوياً لعبد نفسه فى المعانى الموجبة القصاص لعين هذه النصوص التى ذكرناها، فعلى هذا التقدير يكون عبد نفسه مساوياً لعبد غيره فى المعانى الموجبة للقصاص، فكان عبد نفسه مثلا لمثل نفسه ، ومثل المثل مثل فوجب كون عبدنفسه مثلا لنفسه فى المعانى الموجبة للقصاص ، ولو قتل الحربعبد غيره لقتل بعبد نفسه بالبيان الذى ذكر ناه ولا يقتل بعيد نفسه فوجب أن لا يقتل بعبد غيره، فقد ذكرنا هذه الأمثلة العشرة فى التفريع على هذه الآية، ومن أخذت الفطانة بيده سهل عليه تفريع كثير من مسائل الشريعة على هذا الأصل واللّه ◌ُعلى ، ثم ههنا بحث وهو أن أبا حنيفة رضی الله عنه قال فی قطع الأ یدی لاشك أنه صدر كل القطع أو بعضه عن كلهم أو عن بعضهم إلا أنه لا يمكن استيفاء ذلك الحق إلا باستيفاء الزيادة لأن تفويت عشرة من الأ يدى أزيد من تفويت يد واحدة ، فوجب أن يبقى على أصل الحرمة ، فقال الشافعى رضى الله عنه لو كان تفويت عشرة من الأ يدى فى مقابلة يد واحدة جراماً لكان تفويت عشرة من النفوس فى مقابلة نفس واحدة حراماً، لأن تفويت النفس يشتمل على تفويت اليد فتفويت عشرة من النفوس فى مقابلة النفس الواحدة يوجب تفويت عشرةمن الأ يدى فى مقابلة اليدالواحدة. ١٨٢ قوله تعالى : ولمن انتصر بعد ظلمه . سورة الشورى . فلو كان تفويت عشرة من الأيدى فى مقابلة اليد الواحدة حراماً لكان تفويت عشرة من النفوس لأجل النفس الواحدة مشتملا على الحرام وكل ما اشتمل على الحرام فهو حرام فكان يجب أن يحرم قتل النفوس العشرة فى مقالة النفس الواحدة، وحيث أجمعنا على أنه لا يحرم علمنا أن ماذكر تم من استيفاء الزيادة غير منوع منه شرعاً، والله أعلم. ﴿ المسألة الثالثة) قد بينا أن قوله ( وجزاء سيئة سيئة مثلها) يقتضى وجوب رعاية المماثلة مطلقاً فى كل الأحوال إلا فيما خصه الدليل ، والفقهاء أدخلو التخصيص فيه فى صور كثيرة فتارة بناء على نص آخر أخس منه وأخرى بناء على القياس ، ولا شك أن من ادعى التخصيص فعليه البيان والمكلف يكفيه أن يتمسك بهذا النص فى جميع المطالب، قال مجاهد والسدى إذا قال له أخزاه الله، فليقل له أخزاه الله، أما إذا قذفه قذفاً يوجب الحد فليس له ذلك بل الحد الذى أمر اقه به . ثم قال تعالى (فمن عفا وأصلح) بينه وبين خصمه بالعفو والإغضاء كما قال تعالى (فإذا الذى بينك وبينه عدواة كأنه ولى حيم)، (فأجره على الله) وهو وعد مبهم لا يقاس أمره فى التعظيم. ثم قال تعالى (إنه لا يحب الظالمين) وفيه قولان (الأول) أن المقصود منه التنبيه على أن المجنى عليه لا يجوز له استيفاء الزيادة من الظالم لأن الظالم فيما وراء ظلمه معصوم والانتصار لايكاد يؤمن فيه تجاوز التسوية والتعدى خصوصاً فى حال الحرب والتهاب الحمية ، فربما صار المظلوم عند الإقدام على استيفاء القصاص ظالما، وعن النبى صلى الله عليه وسلم ((إذا كان يوم القيامة نادى مناد من كان له على الله أجر فليقم ، قال فيقوم خلق فيقال لهم ما أجركم على الله ؟ فيقولون نحن الذين عفونا عمن ظلمنا، فيقال لهم ادخلوا الجنة بإذن الله تعالى)) (الثانى) أنه تعالى لمباحث دلى العفو عن الظالم أخبر أنه مع ذلك لا يحبه تقبيهاً على أنه إذا كان لا يحبه ومع ذلك فانه بندب إلى عفوه، فالمؤمن الذى هو حبيب الله بسبب إيمانه أولى أن يعفو عنه . ثم قال تعانى (ولمن انتصر بعد ظلمه) أى ظالم الظالم إياه، وهذا من باب إضافة المصدر إلى المفعول (فأولئك) يعنى المنتصرين (ماعليهم من سبيل) كعقوبة ومؤاخذة لأنهم أتوابما أبيع لحم من الانتصار واحتج الشافعى رضى الله تعالى عنه بهذه الآية فى بيان أن سراية القود مهدرة، فقال الشرع إما أن يقال إنه أذن له فى القطع مطلقاً أو بشرط أن لا يحصل منه السريان، وهذا الثانى باطل لأن الأصل فى القطع الحرمة فإذا كان تجويزه معلقاً بشرط عدم السريان، وكان هذا الشرط مجهولا وجب أن يبقى ذلك القطع على أصل الحرمة، لأن الأصل فيها هو الحرمة، والحل إنما يحصل معلقاً على شرط مجهول فوجب أن يبقى ذلك أصل الحرمة، وحيث لم يكن كذلك علمنا أن الشرع أذن له فى القطع كيف كان سواء سرى أولم يسر، وإذا كان كذلك وجب أن لا يكون ذلك السريان مضموناً لأنه قد انتصر من بعد ظلمه فوجب أن لا يحصل لأحد عليه سبيل. ١٨٣ قوله تعالى : وترى الظالمين لما رأوا العذاب . سورة الشورى . ثم قال (إنما السبيل على الذين يظلون الناس) أى يبدأون بالظلم (ويبغون فى الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم ). ثم قال تعالى ( ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور) والمعنى (ولمن صبر) بأن لا يقتص (وغفر) وتجاوز (فان ذلك) الصبر والتجاوز (من عزم الأمور) يعنى أن عزمه على ترك الانتصار لمن عزم الأمور الجيدة وحذف الراجع لأنه مفهوم كما حذف من قولهم السمن منوان بدرهم ويحكى أن رجلا سب رجلا فى مجلس الحسن فكان المسبوب يكظم ويعرق فيمسح العرق ثم قام وتلا هذه الآ ية ، فقال الحسن عقلها والله وفهمها لما ضيعها الجاهلون. ثم قال تعالى ( ومن يضلل الله فما له من ولى من بعده) أى فليس له من ناصر يتولاه من بعد خذلانه أى من بعد إضلال الله إياه ، وهذا صريح فى جواز الإضلال من اللّه تعانى، وفى أن الهداية ليست فى مقدور أحد سوى الله تعالى، قال القاضى المراد من يضلل الله عن الجنة فما له من ولى من بعده ينصره ( والجواب ) أن تقييد الإضلال بهذه الصورة المعينة خلاف الدليل، وأيضاً فالله تعالى ما أضله عن الجنة على قولكم بل هو أضل نفسه عن الجنة. قوله تعالى: ﴿وترى الظالمين لما رأوا العذاب يقولون هل إلى مرد من سبيل﴾ والمراد أنهم يطلبون الرجوع إلى الدنيا لعظم ما يشاهدون من العذاب، ثم ذكر حالهم عند عرض النار عليهم فقال ( وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ) أى حال كونهم خاشعين حقيرين مهانين بسبب ما لحقهم من الذل ، ثم قال (ينظرون من طرف خفى) أى يبتدى. نظرهم من تحريك لأجفانهم ضعيف خفى بمسارقة كما ترى الذى يتيقن أن يقتل فإنه ينظر إلى السيف كأنه لا يقدر على أن يفتح أجفانه عليه ويملأ عينيه منه كما يفعل فى نظره إلى المحبوبات ، فان قيل أليس أنه تعالى قال فى صفة الكفار إنهم يحشرون عمياً فكيف قال ههنا إنهم ينظرون من طرف خفي؟ قلنا لعلهم يكونون فى الابتداء هكذا، ثم يجعلون عمياً أو لعل هذا فى قوم، وذلك فى قوم آخرين ، ولما وصف الله تعالى حال الكفار حكى ما يقوله المؤمنون فيهم فقال ( وقال الذين آمنوا إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ) قال صاحب الكشاف (يوم القيامة) إما أن يتعلق بخسروا أو يكون قول المؤمنين واقعاً فى الدنيا، وإما أن يتعلق بقال أى يقولون يوم القيامة إذا رأوهم على تلك الصفة ثم قال ( ألا إن الظالمين فى عذاب مقيم ) أى دائم قال القاضى ، وهذا يدل على أن الكافر والفاسق يدوم عذابهما ( والجواب ) أن لفظ الظالم المطلق فى القرآن مخصوص بالكافر قال تعالى (والكافرون هم الظالمون) والذى يؤكدهذا أنه تعالى قال بعد هذه الآية ( وما كان لهم من أولياء ينصرونهم من اللّه) والمعنى أن الأصنام التى كانوا يعبدونها لأجل أن تشفع لهم عند الله تعالى ما أتوا بتلك الشفاعة ومعلوم أن هذا لا يليق إلا بالكفار ثم قال ( ومن يضلل الله فما له من سبيل) وذلك يدل على أن المضل والهادى هو اللّه تعالى على ما هو قولنا ومذهبنا والله أعلم. ١٨٤ قوله تعالى : إستجيبوا لربكم من قبل . سورة الشورى . أَسْتِجِبُوْ لِوَيِّكُم مِّن قَبْلِ أَنْ يَأْتِى يَوْمٌ لَّا مَرَّلَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِن ◌ََّجٍَ يَوَْبِذٍ وَمَا لَكُمْ مِّنْ نَّكِيرٍ ﴾ فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَمَآَ أَرْسَلْنَئِكَ عَلَيْهِمْ حَفِظً إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَغُ وَإِنََّ إِذَا أَذَقْنَا الْإِنسَنَ مِنَّا رَحْمَةٌ فَرِحَ بِهَا وَ إِن تُصِبُهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيِهِمْ فَإِنَّ الْإِنسَانَ كَفُورٌ (2﴾ ◌ِّمُلْكُ النَّمَوَّتِ وَالأَرْضِ يَخْلُ مَا يَشَآءُ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنًَّا وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ اَلُّكُورَ ى أَوْ ◌ُزَوِّجُهُمْ فُ كَانًا وَإِنَّاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ حَقِيمًاْ إِنْهُ عَلِيمٌ قَدِيرُ قوله تعالى: ﴿استجيبوا لربكم من قبل أن يأتى يوم لامرد له من الله مالكم من ملجأ يومئذ ومالكم من نيكير ، فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظاً إن عليك إلا البلاغ وإنا إذا أذقنا الإنسان منارحمة فرح بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور ، لله ملك السموات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثاً ويهب لمن يشاء الذكور، أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً ويجعل من يشاء عقما إنه عليم قدير ﴾ اعلم أنه تعالى لما أطنب فى الوعد والوعيد ذكر بعده ما هو المقصود فقال (استجيبوا لربكم من قبل أن يأتى يوم لا مرد له من الله) وقوله ( من اللّه) يجوز أن يكون صلة لقوله (لامرد له) يعنى لا يرده اللّه بعد ما حكم به، ويجوز أن يكون صلة لقوله ( يأتى) أى من قبل أن يأتى من اللّه يوم لا يقدر أحد على رده، واختلفوا فى المراد بذلك اليوم فقيل يوم ورود الموت، وقيل يوم القيامة لأنه وصف ذلك اليوم ( بأنه لا مرد له) وهذا الوصف موجود فى كلا اليومين، ويحتمل أن يكون معنى قوله ( لامرد له ) أنه لا يقبل التقديم والتأخير أو أن يكون معناه أن لا مرد فيه إلی حال التكليف حتى يحصل فيه التلافى . ثم قال تعالى فى وصف ذلك اليوم ( مالكم من ملجأ ) ينفع فى التخلص من العذاب ( وما لكم من نكير ) من ينكر ذلك حتى يتغير حالكم بسبب ذلك المنكر، ويجوز أن يكون المراد من النكير الإنكار أى لا تقدرون أن تنكروا شيئاً ما اقترفتموه من الأعمال (فان أعرضوا) أى هؤلاء الذين أمرتهم بالاستجابة أى لم يقبلوا هذا الأمر (فما أرسلناك عليهم حفيظاً) بأن تحفظ أعمالهم وتحصيها ( إن عليك إلا البلاغ) وذلك تسلية من الله تعالى، ثم إنه تعالى بين السبب فى ١٨٥ قوله تعالى : ويهب لمن يشاء الذكور . سورة الشورى . إصرارهم على مذاهبهم الباطلة ، وذلك أنهم وجدوا فى الدنيا سعادة وكرامة والفوز بمطالب الدنيا يفيد الغرور والفجور والتكبر وعدم الانقياد للحق فقال ( وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها) ونعم الله فى الدنيا وإن كانت عظيمة إلا أنها بالنسبة إلى السعادات المعدة فى الآخرة كالقطرة بالنسبة إلى البحر فلذلك سماما ذوقاً فبين تعالى أن الإنسان إذا فاز بهذا القدر الحقير الذى حصل فى الدنيا فانه يفرح بها ويعظم غروره بسببها ويقع فى العجب والكبر، ويظن أنه فاز بكل المنى ووصل إلى أقاصى السعادات، وهذه طريقة من يضعف اعتقاده فى سعادات الآخرة ، وهذه الطريقة مخالفة لطريقة المؤمن الذى لا يعد نعم الدنيا إلا كالوصلة إلى نعم الآخرة، ثم بين أنه متى أصابتهم ( سيئة) أى شىء يسوهم فى الحال كالمرض والفقر وغيرهما فانه يظهر منه الكفر وهو معنى قوله ( فان الإنسان كفور) والكفور الذى يكون مبالغاً فى الكفران ، ولم يقل فإنه كفور ، ليبين أن طبيعة الإنسان تقتضى هذه الحالة إلا إذا أدبها الرجل بالآداب التى أرشد الله إليها، ولما ذكر الله إذاقة الإنسان الرحمة واصابته بضدها أتبع ذلك بقوله (لله ملك السموات والأرض) والمقصود منه أن لا يغتر الإنسان بما ملكه من المال والجاه بل إذا علم. أن الكل ملك الله وملكه، وأنه إنما حصل ذلك القدر تحت يده لأن الله أنعم عليه به حينئذ يصير ذلك حاملاله على مزيد الطاعة والخدمة، وأما إذا اعتقد أن تلك النعم ، إنما تحصل بسبب عقله وجده واجتهاده بقى مغروراً بنفسه معرضاً عن طاعة الله تعالى، ثم ذكر من أقسام تصرف الله فى العالم أنه يخص البعض بالأولاد الإناث والبعض بالذكور والبعض بهما والبعض بأن يجعله محروماً من الكل ، وهو المراد من قوله ( ويجعل من يشاء عقيما). واعلم أن أهل الطبائع يقولون السبب فى حدوث الولد صلاح حال النطفة والرحم وسبب الذكورة استيلاء الحرارة ، وسبب الأنوثة استيلاء البرودة، وقد ذكرنا هذا الفصل بالاستقصاء التام فى سورة النحل، وأبطلناه بالدلائل اليقينية ، وظهر أن ذلك من الله تعالى لا أنه من الطبائع والأنجم والأفلاك وفى الاية سؤالات: ﴿ السؤال الأول ﴾ أنه قدم الإناث فی الذکر علی الت کور فقال ( ہہب لمن يشاء إناثاً ویہب لمن يشاء الذكور) ثم فى الاية الثانية قدم الذكور على الإناث فقال (أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً) فما السبب فى هذا التقديم والتأخير؟. : ﴿ السؤال الثانى) أنه ذكر الإناث على سبيل التنكير فقال (يهب لمن يشاء إناثاً) وذكر الذكور بلفظ التعريف فقال ( ويهب لمن يشاء الذكور) فما السبب فى هذا الفرق؟. ( السؤال الثالث) لم قال فى إعطاء الإناث وحدهن، وفى إعطاء الذكور وحدهم بلفظ الحبة فقال ( يهب لمن يشاء إناثاً ويهب لمن يشاء الذكور) وقال فى إعطاء الصنفين معاً (أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً). ١٨٦ قوله تعالى : وإما ينزغنك من الشيطان . سورة الشورى . ﴿ السؤال الرابع) لما كان حصول الولد هبة من الله فيكفى فى عدم حصوله أن لايهب فأى حاجة فى عدم حصوله إلى أن يقول ( ويجعل من يشاء عقيما)؟. ﴿السؤال الخامس) هل المراد من هذا الحكم جمع معينون أو المراد الحكم على الإنسان المطلق؟ ﴿والجواب) عن السؤال الأول من وجوه (الأول) أن الكريم يسعى فى أن يقع الختم على الخير والراحة والسرور والبهجة فإذا وهب الولد الأثى أولا ثم أعطاه الذكر بعده فكأنه نقله من الغم إلى الفرح وهذا غاية الكرم، أما إذا أعطى الولد أولا ثم أعطى الأثى ثانياً فكأنه نقله من الفرح إلى الغم فذكر تعالى هبة الولد الأنثى أولا وثانياً حبة الولد الذكر حتى يكون قد نقله من الغم إلى الفرح فيكون ذلك أليق بالكرم (الوجه الثانى) أنه إذا أعطى الولد الأثى أولا علم أنه لا اعتراض له على الله تعالى فيرضى بذلك فإذا أعطاه الولد الذكر بعد ذلك على أن هذه الزيادة فضل من الله تعالى وإحسان إليه فيزداد شكره وطاعته، ويعلم أن ذلك إنما حصل بمحض الفضل والكرم (والوجه الثالث) قال بعض المذكرين الأنثى ضعيفة ناقصة عاجزة فقدم ذكرها تنبيهاً على أنه كلما كان العجز والحاجة أتم كانت عناية الله به أكثر (الوجه الرابع) كأنه يقال أيتها المرأة الضعيفة العاجزة إن أباك وأمك يكرمان وجودك فإن كانا قد كرها وجودك فأنا قدمتك فى الذكر لتعلى أن الحسن المكرم هوانه تعالى، فإذا علمت المرأة ذلك زادت فى الطاعة والخدمة والبعد عن موجبات الطعن والذم، فهذه المعانى هى التى لأجلها وقع ذكر الإناث مقدماً على ذكر الذكور وإنما قدم ذكر الذكور بعد ذلك على ذكر الإناث لأن الذكرا كمل وأفضل من الأثى والأفضل الأكمل مقدم على الأخس الأرذل، والحاصل أن النظر إلى كونه ذكراً أو أنثى يقتضى تقديم ذكر الذكر على ذكر الأثى، أما العوارض الخارجية التى ذكر ناها فقد أوجبت تقديم ذكر الأثى على ذكر الذكر، فلما حصل المقتضى التقديم والتأخير فى البابين لا جرم قدم هذا مرة وقدم ذلك مرة أخرى والله أعلم . ﴿ وأما السؤال الثانى) وهو قوله لم عبر عن الإناث بلفظ التنكير، وعن الذكور بلفظ التعريف؟ بجوابه أن المقصود منه التنبيه على كون الذكر أفضل من الأنثى. ﴿وأما السؤال الثالث) وهو قوله لم قال تعالى فى إعطاء الصنفين (أو يزوجهم ذكرانا. وإناثاً)؟ لجرابه أن كل شيئين بقرن أحدهما بالآخر فهما زوجان، وكل واحد منهما يقال له زوج والكتابة فى (يزوجهم) عائدة على الإناث والذكور التى فى الآية الأولى، والمعنى يقرن الإناث والذكور فيجعلهم أزواجاً . ﴿ وأما السؤال الرابع﴾ جرابه أن المقيم هو الذى لا يولد له، يقال رجل عقيم لا يلد، وامرأة عقيم لا تلد وأصل العقم القطع، ومنه قيل الملك عقيم لأنه يقطع فيه الأرحام بالقتل والعقوق . ﴿ وأما السؤال الخامس) بجوابه قال ابن عباس (يهب لمن يشاء إناثاً) يريد لوطاً وشعبياً عليهما السلام لم يكن لها إلا البنات ( ويهب لمن يشاء الذكور) يريد إبراهيم عليه السلام لم يكن له قوله تعالى وما كان لبشر ان يكلمه الله إلا وحياً . سورة الشورى. ١٨٧ وَمَا كَانَ لِمَشَرٍ أَنْ يُكَِّهُ اللهُ إِلَّ وَحْيًا أَوْ مِنِ وَرَآمٍ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُرِىَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ إِنَّهُ عَلُّ حَكِيمٌ ﴾ وَكَذَ لِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَّ مَاكُنْتَ تَكْرِى مَا الْكِتَبُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنِ جَعَلْتَهُ نُورًا شَهْدِى بِهِ مَنْ نَشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِىّ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقٍِ ◌َ صِرَطِ اللّهِ الَّذِى لَهُ مَا فِ اَلَّمَلَوْتِ وَمَا فِ الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ ٥٣ إلا الذكور (أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً) يريد محمداً عن له كان له من البنين أربعة القاسم والطاهر وعبد الله وإبراهيم، ومن البنات أربعة زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة ( ويجعل من يشاء عقيما) يريد عيسى ويحيى، وقال الا كثرون من المفسرين هذا الحكم عام فى حق كل الناس، لأن المقصود بيان نفاذ قدرة الله فى تكوين الأشياء كيف شاء وأراد فلم يكن للتخصيص معنى والله أعلم. ثم ختم الآية بقوله ( إنه عليم قدير ) قال ابن عباس عليم بما خلق قدير على ما يشاء أن يخلقه والله أعلم. قوله تعالى: ﴿ وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحى بإذنه مايشاء إنه على حكيم ، وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نوراً نهدى به مز نشاء من عبادنا وإنك لتهدى إلى صراط مستقيم، صراط الله الذى له ما فى السموات وما فى الأرض ألا إلى الله تصير الأمور ﴾ أعلم أنه تعالى لما بين كمال قدرته وعلمه وحكمته أتبعه ببيان أنه كيف يخص أنبياءه بوحيه وكلامه وفى الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ (وما كان لبشر) وماصح لأحد من البشر ( أن يكلمه الله) إلا على أخد ثلاثة أوجه، إما على الوحى وهو الإلهام والقذف فى القلب أو المنام كما أوحى الله إلى أم موسى وإبراهيم عليه السلام فى ذبح ولده، وعن مجاهد أوحى الله تعالى الزبور إلى داود عليه السلام فى صدره، وإما على أن يسمعه كلامه من غير واسطة مبلغ، وهذا أيضاً وحى بدليل أنه تعالى أسمع موسى كلامه من غير واسطة مع أنه سماه وحياً ، قوله تعالى (فاستمع لما يوحى) وإما على أن يرسل إليه رسولا من الملائكة فيبلغ ذلك الملك ذلك الوحى إلى الرسول البشرى فطريق الحصر أن يقال وصول الوحى من اللّه إلى البشر إما أن يكون من غير واسطة مبلغ أو يكون بواسطة مبلغ، وإذا كان الأول وهو أن يصل إليه وحى الله لا بواسطة شخص آخر فهينا إما أن يقال إنه ١٨٨ قوله تعالى : وما كان لبشر ان يكلمه الله إلا وحياً . سورة الشورى . لم يسمع عين كلام اللّه أو يسمعه، أما الأول وهو أنه وصل إليه الوحى لا بواسطة شخص آخر وما سمع عين كلام الله فهو المراد بقوله (إلا وحياً) وأما الثانى وهو أنه وصل إليه الوحى لا بواسطة شخص آخر ولكنه سمع عين كلام اللّه فهو المراد من قوله (أو من وراء حجاب) وأما الثالث وهو أنه وصل إليه الوحى بواسطة شخصٍ آخر فهو المراد بقوله ( أو يرسل رسولا فيوحى بإذنه ما يشاء). واعلم أن كل واحد من هذه الأقسام الثلاثة وحى، إلا أنه تعالى خصص القسم الأول باسم الوحى، لأن ما يقع فى القلب على سبيل الإلهام فهو يقع دفعةٍ فكان تخصيص لفظ الوحى به أولى فهذا هو الكلام فى تميز هذه الأقسام بعضها عن بعض. ﴿ المسألة الثانية﴾ القائلون بأن الله فى مكان احتجوا بقوله ( أو من وراء حجاب) وذلك لأن التقدير وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا على أحد ثلاثة أوجه (أحدها) أن يكون أنه من وراء حجاب ، وإنما يصح ذلك لو كان مختصاً بمكان معين وجهة معينة ( والجواب) أن ظاهر اللفظ وإن أوهم ما ذكرتم إلا أنه دات الدلائل العقلية والنقلية على أنه تعالى، يمتنع حصوله فى المكان والجهة، فوجب حمل هذا اللفظ على التأويل، والمعنى أن الرجل إذا سمع كلاماً مع أنه لا يرى ذلك المتكلم كان ذلك شبيهاً بما إذا تكلم من وراء حجاب ، والمشابهة سبب لجواز المجاز . المسألة الثالثة) قالت المعتزلة هذه الآية تدل على أنه تعالى لا يرى، وذلك لأنه تعالى حصر أقسام وحيه فى هذه الثلاثة ولو صحت رؤية الله تعالى لصح من اللّه تعالى أنه يتكلم مع العبد حال مايراه العبد، لحينئذ يكون ذلك قسما رابعاً زائداً على هذه الأقسام الثلاثة ، والله تعالى نفى القسم الرابع بقوله ( وما كان لبشر أن يكلمه الله) إلا على هذه الأوجه الثلاثة ( والجواب) نزيد فى اللفظ قيداً فيكون التقدير وما كان لبشر أن يكلمه الله فى الدنيا إلا على أحد هذه الأقسام الثلاثة. وحينئذ لا يلزم ما ذكر تموه، وزيادة هذا القيد وإن كانت على خلاف الظاهر لكنه يجب المصير إليها للتوفيق بين هذه الآيات وبين الآيات الدالة على حصول الرؤية فى يوم القيامة والله أعلم. ﴿ المسألة الرابعة) أجمعت الأمة على أن اللّه تعالى متكلم، ومن سوى الأشعرى وأتباعه أطبقوا على أن كلام الله هوهذه الحروف المسموعة والأصوات المؤلفة، وأما الأشعرى وأتباعه. فإنهم زعموا أن كلام اللّه تعالى صفة قديمة يعبر عنها بهذه الحروف والأصوات. ﴿ أما الفريق الأول ) وهم الذين قالوا كلام اللّه تعالى هو هذه الحروف والكلمات فهم. فريقان (أحدهما) الحنابلة الذين قالوا بقدم هذه الحروف وهؤلاء أخس من أن يذكروا فى زمرة العقلاء، واتفق أنى قلت يوماً لبعضهم لو تكلم الله بهذه الحروف إما أن يتكلم بها دفعة واحدة. أو على التعاقب والتوالى والأول باطل لأن التكلم بحملة هذه الحروف دفعة واحدة لا يفيد هذا النظم المركب على هذا التعاقب والتوالى، فوجب أن لا يكون هذا النظم المركب من هذه الحروف ١٨٩ قوله تعالى : أو يرسل رسولاً فيوحي . سورة الشورى . المتوالية كلام اللّه تعالى، والثانى باطل لأنه تعالى لو تكلم بها على التوالى والتعاقب كانت محدثة ، ولما سمع ذلك الرجل هذا الكلام قال الواجب علينا أن نقر ونمر ، يعنى نقر بأن القرآن قديم ونمر على هذا الكلام على وفق ماسمعناه فتعجبت من سلامة قلب ذلك القائل ، وأما العقلاء من الناس فقد أطبقوا على أن هذه الحروف والأصوات كائنة بعد أن لم تكن حاصلة بعد أن كانت معدومة، ثم اختلفت عباراتهم فى أنها هل هى مخلوقة ، أولا يقال ذلك ، بل يقال إنها حادثة أو يعبر عنها بعبارة أخرى، واختلفوا أيضاً فى أن هذه الحروف هل هى قائمة بذات الله تعالى أو يخلقها فى جسم آخر ، فالأول هو قول الكرامية، والثانى قول المعتزلة، وأما الأشعرية الذين زعموا أن كلام الله صفة قديمة تدل عليها هذه الألفاظ والعبارات فقد اتفقوا على أن قوله (أو من وراء حجاب) هو أن الملك والرسول يسمع ذلك الكلام المنزه عن الحرف والصوت من وراء حجاب، قالوا وكما لا يبعد أن زى ذات الله مع أنه ليس بجسم ولا فى حيز فأى بعد فى أن يسمع كلام ألقه مع أنه لا يكون حرفاً ولا صوتاً ؟ وزعم أبو منصور الماتريدى السمر قندى أن تلك الصفة القائمة يمتنع كونها مسموعة ، وإنما المسموع حروف وأصوات يخلقها اللّه تعالى فى الشجرة وهذا القول قريب من قول المعتزلة والله أعلم . المسألة الخامسة﴾ قال القاضى هذه الآية تدل على حدوث كلام الله تعالى من وجوه: (الأول) أن قوله تعالى ( أن يكلمه الله) يدل عليه لأن كلمة أن مع المضارع تقيد الاستقبال (الثانى) أنه وصف الكلام بأنه وحى لأن لفظ الوحى يفيد أنه وقع على أسرع الوجوه (الثالث) أن قوله ( أو يرسل رسولا فيوحى بإذنه مايشاء) يقتضى أن يكون الكلام الذى يبلغه الملك إلى الرسول البشر مثل الكلام الذى سمعه من اللّه والذى يبلغه إلى الرسول البشرى حادث ، فلما كان الكلام الذى سمعه من اللّه مماثلا لهذا الذى بلغه إلى الرسول البشرى، وهذا الذى بلغه إلى الرسول البشرى حادث ومثل الحادث حادث ، وجب أن يقال إن الكلام الذى سمعه من الله حادث ( الرابع) أن قوله ( أو يرسل رسولا فيوحى) يقتضى كون الوحى حاصلا بعد الإرسال ، وما كان حصوله متأخراً عن حصول غيره كان حادثاً (والجواب) أنا نصرف جملة هذه الوجوه التى ذكر نموها إلى الحروف والأصوات ونعترف بأنها حادثة كائنة بعد أن لم تكن وبديهة العقل شاهدة بأن الأمر كذلك ، فأى حاجة إلى إثبات هذا المطلوب الذى علمت صحته بيديهة العقل وبظواهر القرآن ؟ والله أعلم . ﴿ المسألة السادسة) ثبت أن الوحى من الله تعالى، إما أن لا يكون بواسطة شخص آخر، ويمتنع أن يكون كل وحى حاصلا بواسطة شخص آخر، وإلا لزم إما التسلسل ولما الدور، وهما محالان ، فلا بد من الاعتراف بحصول وحى يحصل لا بواسطة شخص آخر ، ثم ههنا أبحاث: ﴿ البحث الأول) أن الشخص الأول الذى سمع وحى الله لا بواسطة شخص آخر كيف ١٩٠ قوله تعالى : أو يرسل رسولاً فيوحي . سورة الشورى . يعرف أن الكلام الذى سمعه كلام اللّه؟ فإن قلنا إنه سمع تلك الصفة القديمة المنزهة عن كونها حرفاً وصوناً ، لم يبعد أنه إذا سمعها علم بالضرورة كونها كلام اللّه تعالى، ولم يبعد أن يقال إنه يحتاج بعد ذلك إلى دليل زائد، أما إن قلنا إن المسموع هو الحرف والصوت امتنع أن يقطع بكونه كلاماً لله تعالى ، إلا إذا ظهرت دلالة على أن ذلك المسموع هو كلام الله تعالى. ﴿ البحث الثانى) أن الرسول إذا سمعه من الملك كيف يعرف أن ذلك المبلغ ملاك معصوم لاشيطان معضل ؟ والحق أنه لا يمكنه القطع بذلك إلا بناء على معجزة تدل على أن ذلك المبلغ ملك معصوم لاشيطان خبيث، وعلى هذا التقدير ، فالوحى من اللّه تعالى لا يتم إلا بثلاث مراتب فى ظهور المعجزات : ﴿ المرتبة الأولى) أن الملك إذا سمع ذلك الكلام من الله تعالى، فلا بد له من معجزة تدل على أن ذلك الكلام كلام اللّه تعالى . ﴿ المرتبة الثانية) أن ذلك الملك إذا وصل إلى الرسول، لابد له أيضاً من معجزة. ﴿ المرتبة الثالثة) أن ذلك الرسول إذا أوصله إلى الأمة، فلابد له أيضاً من معجزة ، فثبت أن التكليف لا يتوجه على الخلق إلا بعد وقوع ثلاث مراتب فى المعجزات. ﴿ البحث الثالث) أنه لا شك أن ملكا من الملائكة قد سمع الوحى من الله تعالى ابتداء، فذلك الملاك هو جبريل، ويقال لعل جبريل سمعه من ملك آخر، فالكل محتمل ولو بألف واسطة، ولم يوجد ما يدل على القطع بواحد من هذه الوجوه. ﴿البحث الرابع) هل فى البشر من سمع وحى الله تعالى من غير واسطة؟ المشهور أن. وسى عليه السلام سمع كلام الله من غير واسطة، بدليل قوله تعالى (فاستمع لما يوحى) وقيل إن محمد سمعه أيضاً لقوله تعالى (فأوحى إلى عبده ما أوحى). ﴿البحث الخامس) أن الملائكة يقدرون على أن يظهروا أنفسهم على أشكال مختلفة، فبتقدير أن يراه الرسول، وت لى فى كل مرة وجب أن يحتاج إلى المعجزة، ليعرف أن هذا الذى رآه فى هذه المرة عين ما رآه فى المرة الأولى ، وإن كان لا يرى شخصه كانت الحاجة إلى المعجزة أقوى ، الإحتمال أنه حصل الاشتباه فى الصوت، إلا أن الإشكال فى أن الحاجة إلى إظهار المعجزة فى كل منة لم يقل به أحد . المسألة السابعة﴾ دلت المناظرات المذكورة فى القرآن بين الله تعالى وبين إبليس على أنه تعالى كان يتكلم مع إبليس من غير واسطة ، فذلك هل يسمى وحياً من الله تعالى إلى إبليس أم لا ، الأظهر منعه، ولا بد فى هذا الموضع من بحث غامض كامل . المسألة الثامنة ﴾ قرأ نافع (أو یرسل رسولا) برفع اللام، فيوحى بسكون الياء ومحله رفع على تقدير، وهو يرسل فيوحى، والباقون بالنصب على تأويل المصدر ، كأنه قيل ما كان ليشر ١٩١ قوله تعالى : ما كنت تدري الكتاب . سورة الشورى . أن يكلمه الله إلا وحياً أو إسماعاً لكلامه من وراء حجاب أو يرسل، لكن فيه إشكال لأن قوله وحياً أو إسماعاً اسم وقوله ( أو يرسل) فعل، وعطف الفعل على الاسم قبيح، فأجيب عنه بأن التقدير: وما كان لبشر أن يكلمه إلا أن يوحى إليه وحياً أو يسمع إسماعاً من وراء حجاب أو يرسل رسولا . ﴿ المسألة التاسعة﴾ الصحيح عند أهل الحق أن عندما يبلغ الملك الوحى إلى الرسول، لا يقدر الشيطان على إلقاء الباطل فى أثناء ذلك الوحى ، وقال بعضهم: يجوز ذلك لقوله تعالى ( وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نى إلا إذا تمنى ألقى الشيطان فى أمنيته) وقالوا الشيطان ألقى فى أثناء سورة النجم ، تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى، وكان صديقنا الملك سام بن محمد رحمه الله، وكان أفضل من لقيته من أرباب السلطنة يقول هذا الكلام بعد الدلائل القوية القاهرة ، باطل من وجهين آخرين (الأول) أن النبى يَّم قال ((من رآنى فى المنام فقد رآنى، فإن الشيطان لا يتمثل بصورتى)) فإذا لم يقدر الشيطان على أن يتمثل فى المنام بصورة الرسول، فكيف قدر على التشبه بجبريل حال اشتغال تبليغ وحى الله تعالى؟ ( والثانى) أن النبى صلى الله عليه وسلم قال ((ما سلك عمر بنجاً إلا وسلك الشيطان فياً آخر) فإذا لم يقدر الشيطان أن يحضر مع عمر فى فج واحد، فكيف يقدر على أن يحضر مع جبريل فى موقف تبليغ وحى الله تعالى؟: ﴿ المسألة العاشرة) قوله تعالى (فيوحى بإذنه ما يشاء) يعنى فيوحى ذلك الملك بإذن الله ما يشاء الله، وهذا يقتضى أن الحسن لا يحسن لوجه عائد عليه، وأن القبيح لا يقبح لوجه عائد إليه ، بل لله أن يأمر بما يشاء من غير تخصيص، وأن ينهى عما يشاء من غير تخصيص، إذ لو لم يكن الأمر كذلك لما صح قوله ( ما يشاء) والله أعلم. ثم قال تعالى فى آخر الآية ( إنه على حكيم) يعنى أنه على عن صفات المخلوقين (حكيم) يجرى أفعاله على موجب الحكمة، فيتكلم تارة بغير واسطة على سبيل الإلهام، وأخرى بإسماع الكلام، وثالثاً بتوسيط الملائكة الكرام، ولما بين اللّه تعالى كيفية أقسام الوحى إلى الأنبياء عليهم السلام، قال ( وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا) والمراد به القرآن وسماه روحاً، لأنه يفيد الحياة من موت الجهل أو الكفر . . قوله تعالى: ﴿ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الإيمان﴾ واختلف العلماء فى هذه الآية مع الإجماع، على أنه لا يجوز أن يقال الرسل كانوا قبل الوجى على الكفر، وذكروا فى الجواب وجوهاً (الأول) (ما كنت تدرى ما الكتاب) أى القرآن ( ولا الإيمان) أى الصلاة ، لقوله تعالى ( وما كان الله ليضيع إيمانكم) أى صلاتكم (الثانى ) أن يحمل هذا على حذف المضاف ، أى (ما كنت تدرى ما الكتاب) ومن أهل الإيمان، يعنى من الذى يؤمن، ومن الذى لا يؤمن (الثالث) (ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الإيمان ) حين كنت طفلا فى المهد (الرابع) ١٩٢ قوله تعالى : ألا إلى الله تصير الأمور . سورة الشورى . ( الإيمان) عبارة عن الإقرار بجميع ما كلف الله تعالى به، وإنه قبل النبوة ما كان عارفاً بجميع تكاليف اللّه تعالى، بل إنه كان عارفاً بالله تعالى، وذلك لا ينافى ما ذكرناه (الخامس) صفات الله تعالى على قسمين : منها ما يمكن معرفته بمحض دلائل العقل، ومنها ما لا يمكن معرفته إلا بالدلائل السمعية . فهذا القسم الثانى لم تكن معرفته حاصلة قبل النبوة. ثم قال تعالى ( ولكن جعلناه نوراً نهدى به من نشاء من عبادنا) واختلفوا فى الضمير فى قوله ( ولكن جعلناه ) منهم من قال إنه راجع إلى القرآن دون الإيمان لأنه هو الذى يعرف به الأحكام ، فلا جرم شبه بالنور الذى يهتدى به ، ومنهم من قال إنه راجع إليهما معاً، وحسن ذلك لأن معناهما واحد كقوله تعالى ( وإذا رأوا تجارة أو لهوأً انفضوا إليها). ثم قال ( نهدى به من نشاء من عبادنا) وهذا يدل على أنه تعالى بعد أن جعل القرآن نفسه فى نفسه هدى كما قال (هدى للمتقين) فإنه قد يهدى به البعض دون البعض وهذه الهداية ليست إلا عبارة عن الدعوة وإيضاح الأدلة لأنه تعالى قال فى صفة محمد منير له (وإنك لتهدى إلى صراط مستقيم) وهو يفيد العموم بالنسبة إلى الكل وقوله ( نهدى به من نشاء من عبادنا) يفيد الخصوص ثبت أن الهداية بمعنى الدعوة عامة والهداية فى قوله (نهدى به من نشاء من عبادنا) خاصة والهداية الخاصة غير الهداية العامة فوجب أن يكون المراد من قوله (نهدى به من نشاء من عبادنا) أمراً مغايراً الإظهار الدلائل ولإزالة الأعذار ، ولا يجوز أيضاً أن يكون عبارة عن الهداية إلى طريق الجنة لأنه تعالى قال (ولكن جعلناه نوراً نهدى به من نشاء من عبادنا) أى جعلنا القرآن نورآنهدی به من نشاء، وهذا لا يليق إلا بالهداية التى تحصل فى الدنيا، وأيضاً فالهداية إلى الجنة عندكم فى حق البعض واجب ، وفى حق الآخرين محظور ، وعلى التقديرين فلا يبقى لقوله ( من نشاء من عبادنا) فائدة ، فثبت أن المراد أنه تعالى يهدى من يشاء ويضل من يشاء ولا اعتراض عليه فيه. ثم قال تعالى لمحمد بر لتر (وإنك لتهدى إلى صراط مستقيم) فبين تعالى أنه كما أن القرآن يهدى فكذلك الرسول يهدى ، وبين أنه (يهدى إلى صراط مستقيم) وبين أن ذلك الصراط هو (صراط الله الذى له مافي السموات وما فى الأرض ) نبه بذلك على أن الذى تجوز عبادته هو الذى يملك السموات والأرض، والغرض منه إبطال قول من يعبد غير الله. ثم قال ( ألا إلى الله تصير الأمور) وذلك كالوعيد والزجر ، فبين أن أمر من لا يقبل هذه التكاليف يرجع إلى الله تعالى، أى إلى حيث لا حاكم سواه فيجازى كلا منهم بما يستحقه من أواب أو عقاب . ( قال رضى الله عنه) ثم تفسير هذه السورة آخر يوم الجمعة الثامن من شهر ذى الحجة سنة ثلاث وستمائة ، یا مدبر الأمور ، ویا مدهر الدهور ويا معطی كل خير وسرور، ويا دافع البلايا والشرور، أوصلنا إلى منازل النور، فى ظلبات القبور، بفضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين. ١٩٣ سورة الزخرف (٤٣) سُورَة الْهْرُفَمِكِيَّة وَآيَاتِها تستْع وَثَانِونَ بِسُـ ١ حمّ ﴿ وَالْكِتَبِ الْمُبِينِ (٣) إِنَّا جَعَلْنَهُ قُرْءَ نَّا عَ بِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ـ وَإِنَّهُ فِ أُمِّ الْكِتَبِ لَيْنَا لَعَلِىٌّ حَكِيمٌ ﴾ أَفَضْرِبُ عَنكُالذِّرَ صَفْعًا أَنْ كُنتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ ﴾ وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنِ نَِّ فِ اَلْأَوَّلِينَ ﴾ وَمَا يَأْتِمِ مِ نٍَّإلَّ كَانُواْ بِه يَسْتَهْزِءُ ونَ (َهِ فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْنًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَلِينَ ﴾ بسم الله الرحمن الرحيم حم، والكتاب المبين ، إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون ، وإنه فى أم الكتاب لدينا لعلى حكيم، أفنضرب عنكم الذكر صفحاً أن كنتم قوماً مسرفين، وكم أرسلنا من فى فى الأولين، وما يأتيهم من نى إلا كانوا به يستهزئون، فأهلكنا أشد منهم بطشاً ومضى مثل الأولين﴾. اعلم أن قزله ( حم، والكتاب المبين) يحتمل وجهين (الأول) أن يكون التقدير هذه (حم والكتاب المبين) فيكون القسم واقعاً على أن هذه السورة هى سورة ( حم) ویکون قوله ( إنا جعلناه قرآناً عربياً) ابتداء لكلام آخر (الثانى) أن يكون التقدير هذه (حم). ثم قال (والكتاب المبين، إنا جعلناه قرآناً عربياً) فيكون المقسم عليه هو قوله (إنا جعلنا. قرآناً عربياً) وفى المراد بالكتاب قولان (أحدهما) أن المراد به القرآن، وعلى هذا التقدير فقد أقسم بالقرآن أنه جعله عربياً (الثانى) أن المراد بالكتاب الكتابة والخط أقسم بالكتابة لكثرة ما فيها من المنافع، فإن العلوم إنما تكاملت بسبب الخط فإن المتقدم إذا استنبط علماً وأثبته فى كتاب، وجاء المتأخر ووقف عليه أمكنه أن يزيد فى استنباط الفوائد ، فبهذا الطريق تكاثرت الفوائد وانتهت إلى الغايات العظيمة، وفى وصف الكتاب بكونه مبيناً من وجوه (الأول) أنه المبين الفخر الرازي - ج ٢٧ م ١٣ ١٩٤ صـ قوله تعالى: إنا جعلناه قرآناً عربياً . سورة الزخرف . الذين أنزل إليهم لأنه بلغتهم واسانهم (والثانى) المبين هو الذى أبان طريق الهدى من طريق الضلالة وأبان كل باب عما سواه وجعلها مفصلة ملخصة. واعلم أن وصفه بكونه مبيناً بجاز لأن المبين هو الله تعالى وسمى القرآن بذلك توسعاً من حيث إنه حصل البيان عنده . أما قوله ﴿إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون﴾ ففيه مسائل: ﴿ المسألة الأولى ﴾ القائلون بحدوث القرآن احتجوا بهذه الآية من وجوه (الأول) أن الآية تدل على أن القرآن مجمعول، والمجمعول هو المصنوع المخلوق ، فإن قالوا لم لا يجوز أن يكون المراد أنه سماه عربياً؟ قلنا هذا مدفوع من وجهين (الأول) أنه لو كان المراد بالجعل هذا لوجب أن من سماه عجيماً أن يصير معجمياً وإن كان بلغة العرب ومعلوم أنه باطل (الثانى) أنه لو صرف الجعل إلى القسمية لزم كون القسمية مجعولة، والقسمية أيضاً كلام الله، وذلك يوجب أنه فعل ب.ض كلامه، وإذا صح ذلك فى البعض صح فى الكل (الثانى) أنه وصفه بكونه قرآناً، وهو إنما سمى قرآناً لأنه جعل بعضه مقروناً بالبعض وما كان كذلك كان مصنوعاً معمولا (الثالث) أنه وصفه بكونه عربياً، وهو إنما كان عربياً لأن هذه الألفاظ إنما اختصت بمسمياتهم يوضع العرب واصطلاحانهم، وذلك يدل على كونه معمولا ومجعولا (والرابع) أن القسم بغير الله لا يجوز على ماهو معلوم فكان التقدير حم ورب الكتاب المبين ، وتأكد هذا أيضاً بما روى أنه عليه السلام كان يقول يارب طه ويس ويارب القرآن العظيم ( والجواب) أن هذا الذى ذكر تموه حق ، وذلك لأنكم إنما استدللتم بهذه الوجوه على كون هذه الحروف المتوالية والكلمات المتعاقبة محدثة مخلوقة ، وذلك معلوم بالضرورة ومن الذى ينازعكم فيه ، بل كان كلامكم يرجع حاصله إلى إقامة الدليل على ماعرف ثبوته بالضرورة . ﴿ المسألة الثانية ) كلمة لعل التمنى والترجى وهو لا يليق بمن كان عالماً بعواقب الأمور، فكان المراد منها مهنا: كى أى أنزلناه قرآناً عربياً لكى تعقلوا معناه ، وتحيطوا بفحواه ، قالت المعتزله فصار حاصل الكلام (إنا أنزلناه قرآناً عربياً) لأجل أن تحيطوا بمعناه، وهذا يفيد أمرين (أحدهما) أن أفعال الله تعالى معللة بالأغراض والدواعى (والثانى) أنه تعالى إنما أنزل القرآن ليهتدى به الناس، وذلك يدل على أنه تعالى أراد من الكل الهداية والمعرفة، خلاف قول من يقول إنه تعالى أراد من البعض الكفر والإعراض، واعلم أن هذا النوع من استدلالات المعتزلة مشهور، وأجوبتنا عنه مشهورة ، فلا فائدة فى الإعادة والله أعلم . المسألة الثالثة) قوله ( لعلكم تعقلون) يدل على أن القرآن معلوم وليس فيه شىء مبهم مجهول خلافاً لمن يقول بعضه معلوم وبعضه مجهول . ثم قال تعالى ( وإنه فى أم الكتاب لدينا لعلى حكيم) وفيه مسائل : ١٩٥ قوله تعالى : أفنضرب عنكم الذكر . سورة الزخرف . المسألة الأولى﴾ قرأحمزة والكسائى (أم الكتاب) بكسر الألف والباقون بالضم . المسألة الثانية﴾ الضمير فى قوله وإنه عائد إلى الكتاب الذى تقدم ذكره فى (أم الكتاب لدينا) واختلفوا فى المراد بأم الكتاب على قولين: ( فالقول الأول) إنه اللوح المحفوظ لقوله ( بل هو قرآن مجيد فى لوح محفوظ ). واعلم أن على هذا التقدير فالصفات المذكورة هينا كلها صفات اللوح المحفوظ. ﴿ الصفة الأولى) أنه (أم الكتاب) والسبب فيه أن أصل كل شىء أمه والقرآن .ثبت عند اللّه فى اللوح المحفوظ، ثم نقل إلى سماء الدنيا، ثم أنزل حالا بحسب المصلحة، عن ابن عباس رضى الله عنه ((إن أول ماخلق الله القلم، فأمره أن يكتب ما يريد أن يخلق)). فالكتاب عنده فان قيل وما الحكمة فى خلق هذا اللوح المحفوظ مع أنه تعالى علام الغيوب ويستحيل عليه السهو والنسيان ؟ قلنا إنه تعالى لما أثبت فى ذلك أحكام حوادث المخلوقات ، ثم إن الملائكة يشاهدون أن جميع الحوادث إنما تحدث على موافقة ذلك المكتوب، استدلوا بذلك على كمال حكمة الله وعليه. ﴿الصفة الثانية) من صفات اللوح المحفوظ قوله (لدينا) هكذا ذكره ابن عباس، وإنما خصة الله تعالى بهذا التشريف لكونه كتاباً جامعاً لأحوال جميع المحدثات، فكانه الكتاب المشتمل على جميع ما يقع فى ملك الله وملكونه، فلا جرم حصل له هذا التشريف، قال الواحدى ، ويحتمل أن يكون هذا صفة القرآن والتقدير إنه لدينا فى أم الكتاب . ( الصفة الثالثة) كونه (علياً) والمعنى كونه عالياً عن وجوه الفساد والبطلان وقيل المراد كونه عالياً على جميع الكتب بسبب كونه معجزاً باقياً على وجه الدهر. ﴿ الصفة الرابعة) كونه (حكما) أى محكما فى أبواب البلاغة والفصاحة ، وقيل حكيم أى ذو حكمة بالغة ، وقيل إن هذه الصفات كلها صفات القرآن على ماذكرناه ( والقول الثانى) فى تفسير أم الكتاب أنه الآيات المحكمة لقوله تعالى ( هو الذى أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات من أم الكتاب ) ومعناه أن سورة حم وافعة فى الآيات المحكمة التى هى الأصل والأم. قوله تعالى: ﴿ أنتضرب عنكم الذكر صفحاً أن كنتم قوماً مسرفين ) وفيه مسائل: المسألة الأولى﴾ قرأ افع وحمزة والكسائى (إن كنتم) بكسر الألف تقديره: إن كنتم مسرفين لا نضرب عنكم الذكر صفحاً، وقيل إن بمعنى إذ كقوله تعالى ( وذروا مابقى من الربا إن كنتم مؤمنين) وبالجملة فالجزاء مقدم على الشرط، وفرأ الباقون بفتح الألف على التعليل أى لأن كنتم مسرفين. ﴿ المسألة الثانية). قال الفراء والزجاج يقول ضربت عنه وأضربت عنه أى تركته وأمسكت عنه وقوله (صفحاً) أى إعراضا والأصل فيه أنك توليت بصفحة عنقك وعلى هذا فقوله (أفنضرب عنكم الذكر صفحاً) تقديره: أفتضرب عنكم إضرابنا أو تقديره أنتصفح عنكم صفحا، واختلفوا ١٩٦ قوله تعالى : ولئن سألتهم من خلق السموات . سورة الزخرف . وَلَيْنِ سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ الَّمَنَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ الَّذِى جَعَلَ لَكُرُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيَهَا سُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَالَّذِىِ نَّلَ مِنَ اَلَّمَآءِ مَآءَ، بِقَدَرٍ فَأَنْشَّرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْئًا كَذَلِكَ نُخْرَجُونَ ١٠ ﴿ وَلَّى خَلَقَ الْأَزْوَجَ كُّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَمِ مَاتَرْ حَكُونَ (7) لِتَسْتُدْ عَ ظُهُورِهِ ثُمَّتَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا أَسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُواْ سُبْحَلْنَ الَّذِى فى معنى الذكر فقيل معناه أفرد عنكم ذكر عذاب الله، وقيل أفترد عنكم النصائح والمواعظ، وقيل أفرد عنكم القرآن، وهذا استفهام على سبيل الإنكار، يعنى إنا لا نترك هذا الإعذار الإنذار بسبب كونكم مسرفين، قال قتادة: لو أن هذا القرآن رفع حين رده أوائل هذه الأمة لهلكوا ولكن الله برحمته كرره عليهم ودعاهم إليه عشرين سنة إذا عرفت هذا فنقول هذا الكلام يحتمل وجهين: (الأول) الرحمة يعنى أنا لا نترككم مع سوء اختيار كم بل نذكركم ونعظكم إلى أن ترجعوا إلى الطريق الحق (الثانى) المبالغة فى التغليظ يعنى أنظنون أن تتركوا مع ما تريدون ، كلا بل نلزمكم العمل وندعوكم إلى الدين ونؤاخذكم متى أخللتم بالواجب وأقدمتم على القبيح . المسألة الثالثة ﴾ قال صاحب الكشاف القاء فى قوله (أفنضرب) للعطف على محذوف تقديره أجملكم فضرب عنكم الذكر . ثم قال تعالى ( وكم أرسلنا من نى فى الأولين وما يأتيهم من فى إلا كانوا به يستهزئون) والمعنى أن عادة الأمم مع الأنبياء الذين يدعونهم إلى الدين الحق هو التكذيب والاستهزاء، فلا ينبغى أن تتأذى من قومك بسبب إقدامهم على التكذيب والاستهزاء لأن المصيبة إذا عمت خفت. ثم قال تعالى (فأهلكنا أشد منهم بطئاً) يعنى أن أولئك المتقدمين الذين أرسل الله إليهم الرسل كانوا أشد بطشاً من فریش یعنى أكثر عدداً وجهداً، ثم قال (ومضى مثل الأولين) والمعنى أن کفار مکه سلکوا فی الکفر والتكذيب مسلك من کان قبلهم فليحذروا أن ینزل بهم من الخزى مثل ما نزل بهم فقد ضربنا لهم مثلهم كما قال ( وكلا ضربنا له الأمثال) وكقوله (وسكنتم فى مساكن الذين ظلموا أنفسهم) إلى قوله (وضربنا لكم الأمثال) والله أعلم. قوله تعالى: ﴿ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن خلفهن العزيز العليم، الذى جعل لكم الأرضمهداًو جعللكم فيها سبلا لعلكم تهتدون، والذىنزل من السماء ماء بقدرفانشرنا به بلدة ميتاً كذلك تخرجون، والذى خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والأنعام ماتركبون، ١٩٧ قوله تعالى : الذي جعل لكم الأرض مهداً . سورة الزخرف . ◌َّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُّ لَهُو مُقْرِنِينَ (٢) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ ١٤. لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذى سخر لنا هذا وماكنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون أعلم أنه قد تقدم ذكر المسرفين وهم المشركون وتقدم أيضاً ذكر الأنبياء فقوله (ولئن سألتهم) يحتمل أن يرجع إلى الأنبياء، ويحتمل أن يرجع إلى الكفار إلا أن الأقرب رجوعه إلى الكفار ، فبين تعالى أنهم مقرون بأن خالق السموات والأرض وما بينهما هو الله العزيز الحكيم، والمقصود أنهم مع كونهم مقرين بهذا المعنى يعبدون معه غيره وينكرون قدرته على البعث ، وقد تقدم الإخبار عنهم، ثم إنه تعالى ابتدأ دالا على نفسه بذكر مصنوعاته فقال (الذى جعل لكم الأرض مهدأ) ولو كان هذا من جملة كلام الكفارلوجب أن يقولوا : الذى جعل لنا الأض مهداً ، ولأن قوله فى أثناء الكلام (فأنشرنا به بلدة ميتاً) لا يتعلق إلا بكلام الله ونظيره من كلام الناس أن يسمع الرجل رجلا يقول الذى بنى هذا المسجد فلان العالم فيقول السامع لهذا الكلام الزاهد الكريم كان ذلك السامع بقول أنا أعرفه بصفات حميدة فوق ما تعرفه فأزيد فى وصفه. فيكون النعتان جمعياً من رجلين لرجل واحد . إذا عرفت كيفية النظم فى الآية فنقول إنها تدل على أنواع من صفات الله تعالى. ( الصفة الأولى) كونه خالقاً السموات والأرض والمتكلمون بينوا أن أول العلم بالله العلم بكونه محدثاً للعالم فاعلا له، فلهذا السبب وقع الابتداء بذكر كونه خالقاً ، وهذا إنما يتم إذا فسرنا الخلق بالإحداث والإبداع . ( الصفة الثانية ) العزيز وهو الغالب وما لاً جله يحصل المكنة من الغلبة هو القدرة وكان العزيز إشارة إلى كمال القدرة : ( الصفة الثالثة) العليم وهو إشارة إلى كمال العلم، واعلم أن كمال العلم والقدرة إذا حصل كان الموصوف به قادراً على خلق جميع الممكنات ، فلهذا المعنى أثبت تعالى كونه موصوفاً بهاتين الصفتين ثم فرع عليه سائر التفاصيل . ﴿الصفة الرابعة) قوله (الذى جعل لكم الأرض مهدأ) وقد ذكرنا فى هذا الكتاب أن كون الأرض مهدأ إنما حصل لأجل كونها واقفة ساكنة ولاً جل كونها موصوفة بصفات مخصوصة باعتبارها يمكن الانتفاع بها فى الزراعة وبناء الأبنية وفى كونها ساترة لعيوب الأحياء والأموات، ولما كان المهد موضع الراحة للعنبى جعل الأرض مهداً لكثرة ما فيها من الراحات . ( الصفة الخامسة) قوله ( وجعل لكم فيها سبلا) والمقصود أن انتفاع الناس إنما يكمل ١٩٨ قوله تعالى : والذي خلق الأزواج كلها . سورة الزخرف . إذا قدر كل أحد أن يذهب من بلد إلى بلد ومن إقليم إلى إقليم، ولولا أن الله تعالى هيأ تلك السبل ووضع عليها علامات مخصوصة وإلا لما حصل هذا الانتفاع . ثم قال تعالى ﴿لعلكم تهتدون﴾ يعنى المقصود من وضع السبل أن يحصل لكم المكنة من الاهتداء، والثانى المعنى لتهتدوا إلى الحق فى الدين . ﴿ الصفة السادسة) قوله تعالى (والذى نزل من السماء ماء بقدر فأنشرنا به لمدة ميتاً) وههنا مباحث (أحدها ) أن ظاهر هذه الآية يقتضى أن الماء ينزل من السماء، فهل الأمر كذلك أو يقال إنه ينزل من السحاب وسمى نازلا من السماء لأن كل ما سماك فهو سماء؟ وهذا البحث قد مر ذكره بالاستقصاء (وثانيها) قوله (بقدر) أى إنما ينزل من السماء بقدر ما يحتاج إليه أهل تلك البقعة من غير زيادة ولا نقصان لا كما أنزل على قوم نوح بغير قدر حتى أغرقهم بل بقدر حتى يكون معاشاً لكم ولأنعامكم ( وثالثها) قوله ( فأنشرنا به بلدة ميتاً) أى خالية من النبات فأحياها وهو الإنشار. ثم قال﴿ كذلك تخرجون﴾ یعنی أن هذا الدلیل كما يدل على قدرة الله وحكمته فكذلك بدل على قدرته على البعث والقيامة ووجه التشبيه أنه يجعلهم أحياء بعد الإماتة كهذه الأرض التى أنشرت بعد ما كانت بينة ، وقال بعضهم بل وجه التشبيه أن يعيدهم ويخرجهم من الأرض بماء كالمی كما تنبت الأرض بماء المطر، وهذا الوجه ضعيف لأنه ليس فى ظاهر اللفظ إلا إثبات الإعادة فقط دون هذه الزيادة . ( الصفة السابعة) قوله تعالى (والذى خلق الأزواج كلها) قال ابن عباس الأزواج الضروب والأنواع كالحلو والحامض والأبيض والأسود والذكروالأنثى، وقال بعض المحققين كل ماسوى الله فهو زوج كالفوق والتحت واليمين واليسار والقدام والخلف والماضى والمستقبل والذوات والصفات والصيف والشتاء والربيع والخريف، وكونها أزواجاً يدل على كونها ممنكنة الوجود فى ذواتها محدثة مسبوقة بالعدم ، فأما الحق سبحانه فهو الفرد المنزه عن الضندو الند والمقابل والمعاضد فلهذا قال سبحانه ( والذى خلق الأزواج كلها ) أى كل ما هو زوج فهو مخلوق، فدل هذا على أن خالقها فرد مطلق منزه عن الزوجية ، وأقول أيضاً العلماء بعلم الحساب بينوا أن الفرد أفضل من الزوج من وجوه (الا ول) أن أقل الا زواج هو الإثنان وهو لا يوجد إلا عند حصول وحدتين فالزوج يحتاج إلى الفرد والفرد وهو الوحدة غنية عن الزوج والغنى أفضل من المحتاج ( الثانى) أن الزوج يقبل القسمة بقسمين متساويين والفرد هو الذى لا يقبل القسمة وقبول القسمة انفعال وتأر وعدم قبولها قوة وشدة ومقاومة فكان الفرد أفضل من الزوج (الثالث ) أن العدد الفرد لا بد وأن يكون أحد قسميه زوجا والثانى فرداً فالعدد الفرد حصل فيه الزوج والفرد معاً، وأما العدد الزوج فلابد وأن يكون كل واحد من قسميه زوجا والمشتمل على القسمين أفضل من الذى ١٩٩ قوله تعالى : وجعل لكم من الفلك . سورة الزخرف . لا يكون كذلك ( الرابع) أن الزوجية عبارة عن كون كل واحد من قسميه معادلاً للقسم الآخر فى الذات والصفات والمقدار، وإذا كان كل ما حصل له من الكمال فتله حاصل لغيره لم يكن هو كاملا على الإطلاق، أما الفرد فالفردية كائنة له خاصة لا لغيره ولا لمثله فكماله حاصلا له لا لغيره فكان أفضل (الخامس ) أن الزوج لا بد وأن يكون كل واحد من قسميه مشاركا للقسم الآخر فى بعض الأمور ومغايراً له فى أمور أخرى وما به المشاركة غير ما به المخالفة فكل زوجين فهما ممكنا الوجود لذاتيهما وكل ممكن فهو محتاج فثبت أن الزوجية منشأ الفقر والحاجة ، وأما الفردانية فهى منشأ الاستغناء والاستقلال لأن العدد محتاج إلى كل واحد من تلك الوحدات ، وأما كل واحد من تلك الوحدات فإنه غنى عن ذلك العدد ، فثبت أن الأزواج مكنات ومحدثات ومخلوقات وأن الفرد هو القائم بذاته المستقبل بنفسه الغنى عن كل ما سواه ، فلهذا قال سبحانه (والذى خلق الأزواج كلها ) . ﴿ الصفة الثامنة) قوله (وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون) وذلك لأن السفر إما سفر البحر أو البر، أما سفر البحر فالحامل هو السفينة ، وأما سفر البر فالحامل هو الأنعام وههنا سؤالان : ﴿ السؤال الأول) لم لم يقل على ظهورها؟ أجابوا عنه من وجوه (الأول) قال أبو عبيدة التذكير لقوله ما والتقدير ما تركبون (الثانى) قال الفراء أضاف الظهور إلى واحد فيه معنى الجمع بمنزل الجيش والجند، ولذلك ذكر وجمع الظهور (الثالث) أن هذا التأنيث ليس تأنيثاً حقيقياً جاز أن يختلف اللفظ فيه كما يقال عندى من النساء من يوافقك . ﴿ السؤال الثانى) يقال ركبوا الأنعام وركبوا فى الفلك وقد ذكر الجنسين فكيف قال تركبون؟ ( والجواب) غلب المتعدى بغير واسطة لقوته على المتعدى بواسطة . ثم قال تعالى ( ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه) ومعنى ذكر نعمة الله، أن يذكروما فى قلوبهم، وذلك الذكر هو أن يعرف أن الله تعالى خلق وجه البحر، وخلق الرياح ، وخلق جرم السفينة على وجه يتمكن الإنسان من تصريف هذه السفينة إلى أى جانب شاء وأراد، إذا تذكروا أن خلق البحر، وخلق الرياح، وخلق السفينة على هذه الوجوه القابلة لتصريفات الإنسان ولتحريكاته ليس من تدبير ذلك الإنسان، وإنما هو من تدبير الحكيم العليم القدير، عرف أن ذلك نعمة عظيمة من الله تعالى، فيحمله ذلك على الإنقياد والطاعة له تعالى، وعلى الاشتغال بالشكر لنعمه التى لا نهاية لها . ثم قال تعالى ( وتقولوا سبحان الذى سخر لناهذا وما كنا له .قرنين). واعلم أنه تعالى عين ذكراً معيناً لركوب السفينة، وهو قوله (بسم الله مجراها ومرساها) وذكراً آخر لركوب الأنعام، وهو قوله ( سبحان الذى سخر لنا هدا) وذكر عند دخول المنازل ٢٠٠ قوله تعالى : لتستوا على ظهوره . سورة الزخرف . ذكراً آخر، وهو قوله (رب أنزلنى منزلا مباركا وأنت خير المنزلين) وتحقيق القول فيه أن الدابة التى يركبها الإنسان ، لابد وأن تكون أكثر قوة من الإنسان بكثير ، وليس لها عقل يهديها إلى طاعة الإنسان ، ولكنه سبحانه خلق تلك البهيمة على وجوه مخصوصة فى خلقها الظاهر ، وفى خلقها الباطن يحصل منها هذا الانتفاع ، أما خلقها الظاهر : فلأنها تمشى على أربع قوائم ، فكان ظاهرها كالموضع الذى يحسن استقرار الإنسان عليه، وأما خلقها الباطن ، فلأنها مع قوتها الشديدة قد خلقها الله سبحانه بحيث تصير منقادة للانسان ومسخرة له، فإذا تأمل الإنسان فى هذه العجائب وخاص بعقله فى بجار هذه الأسرار، عظم تعجبه من تلك القدرة القاهرة والحكمة غير المتناهية، فلابد وأن يقول (سبحان الذى سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين) قال أبو عبيدة: فلان مقرن لفلان ، أى ضابط له . قال الواحدى: وكان اشتقاقة من قولك ضرب له قرناً، ومعنى أنا قرن لفلان، أى مثاله فى الشدة ، فكان المعنى أنه ليس عندنا من القوة والطاقة أن نقرن هذه الدابة والفلك وأن نضبطها، فسبحان من سخرها لنا بعلمه وحكمته وكمال قدرته، روى صاحب الكشاف عن النبى صلى الله عليه وسلم، أنه كان إذا وضع رجلیه فى الركاب قال « بسم الله ، فاذا استوى على الدابة ، قال الحمد لله على كل حال، سبحان الذى سخر لنا هذا، إلى قوله لمنقلبون)) وروى القاضى فى تفسيره عن أبى مخلد أن الحسن بن على عليهما السلام: رأى رجلا ركب دابة، فقال سبحان الذى سخر لنا هذا ، فقال له ما بهذا أمرت، أمرت أن تقول: الحمدلله الذي هدانا للإسلام، الحمدته الذى من علينا بمحمد صلى الله عليه وسلم، والحمدقه الذى جعلنا من خير أمة أخرجت للناس ، ثم تقول: سبحان الذى سخر لنا هذا ، وروى أيضاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (( أنه كان إذا سافر وركب راحلته، كبر ثلاثا ، ثم يقول : سبحان الذى سخر لنا هذا ، ثم قال : اللهم إنى أسألك فى صغرى هذا البر والتقوى ومن العمل ماترضى، اللهم هون علينا السفر واطوعنا بعد الأرض، اللهم أنت الصاحب فى السفر والخليفة على الأهل ، اللهم احبنا فى سفرنا، واخلفنا فى أهلنا) وكان إذا رجع إلى أهله يقول (( آيبون تائبون، لربنا حامدون)) قال صاحب الكشاف: دلت هذه الآية على خلاف قول المجبرة من وجوه (الأول) أنه تعالى قال (لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نجمة ربكم) فذكره بلام كى، وهذا يدل على أنه تعالى أراد منا هدا الفعل، وهذا يدل على بطلان قولهم أنه تعالى أراد الكفر منه، وأراد الإصرار على الإنكار (الثانى) أن قوله ( لتستووا) يدل على أن فعله معلل بالأغراض (الثالث) أنه تعانى بين أن خلق هذه الحيونات على هذه الطبائع إنما كان لغرض أن يصدر الشكر على العبد، فلو كان فعل العبد فعلا لله تعالى، لكان معنى الآية إنى خلقت هذه الحيوانات لأجل أن أغلق سبحان الله فى لسان العبد، وهذا باطل، لأنه تعالى قادرعلى أن يخلق هذا اللفظ فى لسانه بدون هذه الوسائط . واعلم أن الكلام على هذه الوجوه معلوم ، فلا فائدة فى الإعادة.