Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١ قوله تعالى : من كان يريد حرث الآخرة . سورة الشورى . مَنْ كَانَ يُرِدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ فَزِدْ لَهُ، فِ حَرِيُّهِ وَمَن كَانَ يُرِدُ حَرْثَ الدُّنْيَانُؤِْهِ مِنْهَا وَمَالَهُ فِ الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ (﴾ أَمْ لَهُمْ تُرَكَنُواْ شَرَهُوْ لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَالَمْ يَأْذَنْ بِ اللهُ وَلَولاً كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّالَِّينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦) تَى الَّلِينَ مُثْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُواْ وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَغَمِلُواْ الصَّالِحَتِ فِ رَوْضَاتِ الْجَنَّتِ لَهُ مَّايَشَاءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِرُ چِ ذَلِكَ الَّذِى يُبَشِرُ اللهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ قُل ◌َّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَبْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِ الْقُرْبَّ وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً فَزِدْلَهُ. تدخلهم المرية والشك فى وقوع الساعة ، فيمارون فيها ويجحدون ( لنى ضلال بعيد) لأن استيفاء حق المظلوم من الظالم واجب فى العدل ، فلولم تحصل القيامة لزم إسناد الظلم إلى الله تعالى ، وهذا من أمحل المحالات ، فلا جرم كان إنكار القيامة ضلالا بعيداً. ثم قال ( الله لطيف بعباده) أى كثير الإحسان بهم، وإنما حسن ذكر هذا الكلام ههنا لأنه أنزل عليهم الكتاب المشتمل على هذه الدلائل اللطيفة، فكان ذلك من لطف الله بعباده ، وأيضاً المتفرفون استوجبوا العذاب الشديد ، ثم إنه تعالى أخر عنهم ذلك العذاب فكان ذلك أيضاً من لطف الله تعالى، فلما سبق ذكر إيصال أعظم المنافع إليهم ودفع أعظم المضار عنهم، لا جرم حسن ذكره ههنا، ثم قال (يرزق من يشاء) يعنى أن أصل الإحسان والبرعام فى حق كل العباد، وذلك هو الإحسان بالحياة والعقل والفهم، وإعطاء مالابد منه من الرزق، ودفع أكثر الآنات والبليات عهم، فأما مراقب العطية والبهجة فمتفاوتة مختلفة . ثم قال (وهو القوى) أى القادر على كل ما يشاء (العزيز) الذى لا يغالب ولا يدافع. قوله تعالى : ﴿من کان یرید حرث الآخرة نزد له فی حرئه ومن کان یرید حرث الدنیا تؤته منها وماله فى الآخرة من نصيب ، أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ولولا كلمة الفضل لقضى بينهم وإن الظالمين فى عذاب أليم ، ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم والذين آمنوا وعملوا الصالحات فى روضات الجنات لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك الفضل الكبير ، ذلك الفخر الرازي - ج ٢٧ م ١١ ١٦٢ قوله تعالى : نزد له فى حرثه . سورة الشورى. فِيهَا حُسْنَا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورُ ﴾ أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبِّ فَإِنْ يََّى اللهُ يَخْتِمْ عَى قَلْبِكٌّ وَيَمْحُ اللهُ الْبَشِطِلَ وَيُحِقُّ الْحَّ بِكَِّ ◌ُِّ عَلِيمٌ بِذَّاتِ الصُّدُورِ (﴾ وَهُوَ الَّذِىِ يَقْبَلُ الثَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ، وَيَعْفُواْ عَنْ الَِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (﴾ وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ ءَ امَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ، وَالْكَفِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ ٢٦ الذى يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة فى القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسناً إن الله غفور شكور ، أم يقولون افترى على الله كذباً فإن يشا الله يختم على قلبك ويمح الله الباطل ويحق الحق بكلماته إنه عليم بذات الصدور، وهو الذى يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون ، ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذاب شديد ﴾. أعلم أنه تعالى لما بين كونه لطيفاً بعباده كثير الإحسان إليهم بين أنه لابد لهم من أن يسعوا فى طلباخیرات وفىالاحترازعن القامح فقال (من کان یریدحرث الآخرة نزد لهفى حرئه) قال صاحب الكشاف إنه تعالى سمى ما يعمله العامل مما يطلب به الفائدة حرثاً على سبيل المجاز وفى الآية مسائل: خ المسألة الأولى﴾ أنه تعالى أظهر الفرق فى هذه الآية بين من أراد الآخرة وبين من أراد الدنيا من وجوه (الأول) أنه قدم مريد حرث الآخرة فى الذكر على مربد حرث الدنيا، وذلك يدل على التفضيل، لأنه وصفه بكونه آخرة ثم قدمه فى الذكر تنبيهاً على قوله «نحن الآخرون السابقون» ( الثانى ) أنه قال فى مريد حرث الآخرة (نزد له فى حرثة) وقال فى مريد حرث الدنيا (نؤته منها) وكلمة من للتبعيض ، فالمعنى أنه يعطيه بعض ما يطلبه ولا يؤتيه كله ، وقال فى سورة بنى إسرائيل (عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد) وأقول البرهان العقلى مساعد على البابين ، وذلك لأن كل من عمل للآخرة وواظب على ذلك العمل، فكثرة الأعمال سبب لحصول الملكات ، فكل من كانت مواظبته على تلك الأعمال أكثر كان ميل قلبه إلى طلب الآخرة أكثر، وكلما كان الأمر كذلك كان الابتهاج أعظم والسعادات أكثر، وذلك هو المراد بقوله (نزد له فى حرثه) وأما طالب الدنيا فگام) کانت مواظپته على أعمال ذلك الطلب ! گثر كانت رغبته فى الفوز بالدنیا ا کثر وہہلہ إليها ١٦٣ قوله تعالى : نزد له في حرثه . سورة الشورى . أشد، وإذا كان الميل أبداً فى الفزايد، وكان حصول المطلوب باقياً على حالة واحدة كان الحرمان لازماً لامحالة (الثالث) أنه تعالى قال فى طالب حرث الآخرة (مزد له فى حرثه) ولم يذكر أنه تعالى يعطيه الدنيا أم لا ، بل بقى الكلام ساكناً عنه نقياً وإثباتاً، وأما طالب حرث الدنيا فانه تعالى بين أنه لا يعطيه شيئاً من نصيب الآخرة على التنصيص ، وهذا يدل على التفاوت العظيم كأنه يقول الآخرة أصل والدنيا تبع، فواجد الأصل يكون واجداً للتبع بقدر الحاجة، إلا أنه لم يذكر ذلك تفيهاً على أن الدنيا أخس من أن يقرن ذكرها بذكر الآخرة (والرابع) أنه تعالى بين أن طالب الآخرة يزاد فى مطلوبه ، وبين أن طالب الدنيا يعطى بعض مطلوبه من الدنيا ، وأما فى الآخرة فإنه لا يحصل له نصيب البتة ، فين بالكلام الأول أن طالب الآخرة يكون حاله أبداً فى الترقى والتزايد وبين بالكلام الثانى أن طالب الدنيا يكون حاله فى المقام الأول فى النقصان وفى المقام الثانى فى البطلان التام (الخامس) أن الآخرة نسيئة والدنيا نقد والنسيئة من جوحه بالنسبة إلى النقد، لأن الناس يقولون النقد خير من الفسيئة فبين تعالى أن هذه القضية انعكست بالنسبة إلى أحوال الآخرة والدنيا، فالآخرة وإن كانت نقداً إلا أنها متوجهة للزيادة والدوام فكانت أفضل وأكمل ، والدنيا وإن كانت نقداً إلا أنها متوجهة إلى النقصان ثم إلى البطلان فكانت أخس وأرذل، فهذا يدل على أن حال الآخرة لا يناسب حال الدنيا البتة، وأنه ليس فى الدنيا من أحوال الآخرة إلا مجرد الاسم كما هو مروى عن ابن عباس (السادس) الآية دالة على أن منافع الآخرة والدنيا ليست حاضرة بل لابد فى البابين من الحرث ، والحرث لا يتأتى إلا بتحمل المشاق فى البذر ثم النسقية والتنمية والحصد ثم التنقية، فلما سمى الله كلا القسمين حرئاً علمنا أن كل واحد منهما لا يحصل إلا بتحمل المتاعب والمشاق، ثم بين تعالى أن مصير الآخرة إلى الزيادة والكمال وإن مصير الدنيا إلى النقصان ثم الفناء، فكأنه قيل إذا كان لابد فى القسمين جميعاً من تحمل متاعب الحراثة والقسمية والتنمية والحصد والتنقية، فلأن تصرف هذه المتاعب إلى ما يكون فى التزايد والبقاء أولى من صرفها إلى ما يكون فى النقصان والانقضاء والفناء . ﴿ المسألة الثانية﴾ فى تفسير قوله (نزد له فى حرثه) قولان (الأول) المعنى أنا نزيد فى توفيقه وإعانته وتسهيل سبل الخيرات والطاعات عليه، وقال مقاتل (نزد له فى حرثه) بتضعيف الثواب ، قال تعالى (ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله) وعن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ((من أصبح وهمه الدنيا شقت اللّه تعالى عليه همه وجعل فقره بين عينيه، ولم يأنه من الدنيا إلى ما كتب له ، ومن أصبح همه الآخرة جمع اللّه همه وجعل غناه فى قلبه وأتته الدنيا وهى رغمة عن أنفها)، أو لفا يقرب من أن يكون هذا معناه . المسألة الثالثة﴾ ظاهر اللفظ يدل على أن من صلى لأجل طلب الثواب أو لأجل دفع العقاب فإنه تصح صلاته ، وأجمعوا على أنها لا تصح(والجواب) أنه تعالى قال (من کان یریدحرث ١٦٤ قوله تعالى : أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين . سورة الشورى . الآخرة) والحرث لا يتأتى إلا بإلقاء البذر الصحيح فى الأرض ، والبذر الصحيح لجميع الخيرات والسعادات ليس إلا عبودية الله تعالى. ﴿ المسألة الرابعة﴾ قال أصحابنا إذا توضأ بغير نية لم يصح، قالوا لأن هذا الإنسان ماأراد حرث الآخرة، لأن الكلام فيما إذا كان غافلا عن ذكر الله وعن الآخرة، فوجب أن لا يحصل له نصيب فيما يتعلق بالآخرة والخروج عن عهدة الصلاة من باب منافع الآخرة، فوجب أن لا يحصل فى الوضره العارى عن النية . واعلم أن الله تعالى لما بين القانون الأعظم والقسطاس الأقوم فى أعمال الآخرة والدنيا أردفه بالتنبيه على ما هو الأصل فى باب الضلالة والشقاوة فقال (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين مالم يأذن به الله) ومعنى الهمزة فى أم التقرير والتفريع و(شركاؤهم) شياطينهم الذين زينوا الشرك وإنكار البعث والعمل الدنيا لأنهم لا يعلمون غيرها، وقيل (شركاؤم ) أو ثانهم، وإنما أضيفت إليهم لأنهم ثم الذين اتخذوها شركاء فته، ولما كان سبباً لضلالتهم جعلت شارعة لذين الضلالة كما قال إبراهيم صلى الله عليه وسلم (رب إنهن أضللن كثيراً من الناس) وقوله (شرعوا لهم من الدين مالم يأذن به الله) يعنى أن تلك الشرائع بأسراها على ضدين الله، ثم قال (ولولا كلمة الفصل) أى القضاء السابق بتأخير الجزاء، أو يقال ولولا الوعد بأن الفصل أن يكون يوم القيامة ( لقضى بينهم) أى بين الكافرين والمؤمنين أو بين المشركين وشركاتهم (وإن الظالمين لهم عذاب. أليم) وقرأ بعضهم، وأن بفتح الهمزة فى أن عطفاً له على كلمة الفصل يعنى ( ولولا كلمة الفصل) وأن تقريره تعذيب الظالمين فى الآخرة ( لقضى بينهم) فى الدنيا ثم إنه تعالى ذكر أحوال أهلل العقاب وأحوال أهل الثواب، (الأول) فهو قوله (ترى الظالمين مشفقين) خائفين خوفاً شديداً (بما كسبوا) من السيئات (وهو واقع بهم) يريد أن وباله واقع بهم سواء أشفقوا أو لم يشفقوا ، وأما (الثانى) فهو أحوال أهل الثواب وهو قوله تعالى (والذين آمنوا وعملوا الصالحات فى روضات الجنات) لأن روضة الجنة أطيب بقعة فيها، وفى الآية تنبيه على أن الفساق من أهل الصلاة كلهم فى الجنة ، إلا أنه خص الذين آمنوا وعملوا الصالحات بروضات الجنات ، وهى البقاع الشريفة من الجنة ، فالبقاع التى دون تلك الروضات لابد وأن تكون مخصوصة بمن كان دون أولئك الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، ثم قال (لهم ما يشاءون عند ربهم) وهذا يدل على أن كل الأشياء حاضرة عنده مهيأة ، ثم قال تعالى فى تعظيم هذه الدرجة ( ذلك هو الفضل الكبير) وأصحابنا استدلوا بهذه الآية على أن الثواب غير واجب على الله، وإنما يحصل بطريق الفضل من اللّه تعالى لأنه تعالى قال ( والذين آمنوا وعملوا الصالحات فى روضات الجنات لهم ما يشاءون عند ربهم ) فهذا يدل على أن روضات الجنات ووجدان كل مايريدونه إنما كان جزاء على الإيمان والأعمال الصالحات .. ١٦٥ قوله تعالى : قل لا أسألكم عله أجراً . سورة الشورى . ثم قال تعالى (ذلك هو الفضل الكبير) وهذا تصريح بأن الجزاء المرتب على العمل إنما حصل بطريق الفضل لا بطريق الاستحقاق . ثم قال ( ذلك الذى يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) قال صاحب الكشاف قرى. ( يبشر) من بشره ( ويبشر) من أبشره ( ويبشر) من بشره. واعلم أن هذه الآيات دالة على تعظيم حال الثواب من وجوه: (الأول) أن الله سبحانه رتب على الإيمان وعمل الصالحات روضات الجنات، والسلطان الذى هو أعظم الموجودات وأكرمهم إذا رتب على أعمال شافة جزاء، دل ذلك على أن ذلك الجزاء قد بلغ إلى حيث لا يعلم كنهه إلا الله تعالی ( الثانى ) أنه تغالى قال ( لهم مايشاءون عند ربهم) وقوله ( لهم ما يشاءون) يدخل فى باب غير المنتاهى لأنه لادرجة إلا والإنسان يريد ماهو أعلى منها (الثالث) أنه تعالى قال ( ذلك هو الفضل الكبير) والذى يحكم بكبره من له الكبرياء والعظمة على الإطلاق كان فى غاية التكبر (الرابع) أنه تعالى أعاد البشارة على سبيل التعظيم فقال ( الذى يبشر الله عباده) وذلك يدل أيضاً على غاية العظمة ، نسأل الله الفوز بها والوصول اليها . واعلم أنه تعالى لما أوحى إلى محمد يترائع هذا الكتاب الشريف العالى وأودع فيه الثلاثة أقسام الدلائل وأصناف التكاليف ، ورتب على الطاعة الثواب، وعلى المعصية العقاب، بين أنى لا أطلب منكم بسبب هذا التبليغ نفعاً عاجلا ومطلوباً حاضراً، لئلا يتخيل جاهل أن مقصود محمد بمالع من هذا التبليغ المال والجاه فقال ﴿قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى) وفيه مسائل: المسألة الأولى﴾ ذكر الناس فى هذه الآية ثلاثة أقوال: (الأول) قال الشعبى أكثر الناس علينا فى هذه الآّية، فكتبنا إلى ابن عباس نسأله عن ذلك فكتب ابن عباس أن رسول الله يزمع كان واسط النسب من قريش ليس بطن من بطونهم إلا وقد ولده فقال الله (قل لا أسألكم) على ما أدعوكم إليه (أجراً إلا) أن تودونى لقرابتى منكم، والمعنى أنكم قومى وأحق من أجابنى وأطاعنى، فاذا قد أيتم ذلك فاحفظوا حق القربى ولا تؤذونى ولا تهيجوا على. ﴿والقول الثانى) روى الكلبى عن ابن عباس رضى الله عنهما قال إن النبى صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة كانت تعروه نوائب وحقوق وليس فى يده سعة ، فقال الأنصار إن هذا الرجل قد هدا كم الله على يده وهو ابن أختكم وجاركم فى بلدكم ، فاجمعوا له طائفة من أموالكم ففعلوا ثم أتوه به فرده عليهم، فنزل قوله تعالى (قل لا أسألكم عليه أجراً) أى على الإيمان إلا أن تودوا أقاربى فتهم على مودة أقاربه . ١٦٦ قوله تعالى : إلا المودة في القربى . سورة الشورى . ﴿القول الثالث) ما ذكره الحسن فقال: إلا أن تودوا إلى الله فيما يقربكم إليه من التودد إليه بالعمل الصالح ، فالغربى على القول الأول القرابة التى هى بمعنى الرحم وعلى الثانى القرابة التى هى بمعنى الأقارب، وعلى الثالث هى فعلى من القرب والتقريب، فإن قيل الآية مشكلة، ذلك لأن طلب الأجر على تبليغ الوحى لا يجوز ويدل عليه وجوه: (الأول) أنه تعالى حكى عن أكثر الأنبياء عليهم السلام: أنهم صرحوا بنفى طلب الأجرة، فذكر فى قصة نوح عليه السلام (وما أسألكم عليه من أجر إلى أجرى إلا على رب العالمين) وكذا فى قصة هود وصالح ، وفى قصة لوط وشعيب عليهم السلام، ورسولنا أفضل من سائر الأنيا. عليهم السلام فكان بأن لا يطلب الأجر على النبوة والرسالة أولى (الثانى) أنه صلى اله: عليه وسلم صرح بنفى طلب الأجر فى سائر الآيات فقال (قل ما سألتكم من أجرفهو لكم). وقال (قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين) ( الثالث) العقل يدل عليه وذلك لأن ذلك التبليغ كان واجباً عليه قال تعالى ( بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته) وطلب الأجر على أداء الواجب لا يليق بأقل الناس فضلا عن أعلم العلماء (الرابع ) أن النبوة أفضل من الحكمة وقد قال تعالى فى صفة الحكمة (ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيراً كثيراً) وقال فى صفة الدنيا ( قل متاع الدنيا قليل ) فكيف يحسن فى العقل مقابلة أشرف الأشياء بأخس الأشياء (الخامس) أن طلب الأجر كان يوجب التهمة ، وذلك ينافى القطع بصحة النبوة ، فثبت بهذه الوجوه أنه لا يجوز من التى يؤرائع أن يطلب أجراً البتة على التبليغ والرسالة، وظاهر هذه الآية يقتضى أنه طلب أجراً على التبليغ والرسالة، وهو المودة فى القربى هذا تقرير السؤال. (والجواب عنه) أنه لا نزاع فى أنه لا يجوز طلب الأجر على التبليغ والرسالة، فى قوله ( إلا المودة فى القربى) نقول الجواب عنه من وجهين (الأول ) أن هذا من باب قوله : بها من قراع الدارعين فلول ولا عيب فیهم غیر أن سیوفهم المعنى أنا لا أطلب منكم إلا هذا. وهذا فى الحقيقة ليس أجراً لأن حصول المودة بين المسلمين أمر واجب قال تعالى (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) وقال صلى أقه عليه وسلم ((المؤمنون كالبنيان يشد بعضهم بعضاً)) والآ يات والأخبار فى هذا الباب كثيرة وإذا كان حصول المودة بين جمهور المسلمين واجباً لحصولها فى حق أشرف المسلمين وأكابرهم أولى ، وقوله تعالى : ( قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة فى القربى) تقديره والمودة فى القربى ليست أجراً ، فرجع الحاصل إلى أنه لا أجر البتة (الوجه الثانى) فى الجواب أن هذا استثناء منقطع، وتم الكلام عند قوله ( قل لا أسألكم عليه أجراً). ثم قال (إلا المودة فى القربى) أى لكن أذكر كم قرابتى منكم وكأنه فى اللفظ أجر وليس بأجر. ﴿ المسألة الثانية) نقل صاحب الكشاف عن النبى يبيع أنه قال ((من مات على حب آل محمد ١٦٧ قوله تعالى : إلا المودة في القربى . سورة الشورى . مات شهيداً . ألا ومن مات على حب آل محمد مات مغفوراً له، ألا ومن مات على حب آل محمد مات تائباً، ألا ومن مات على حب آل محمد مات مؤمناً مستكمل الإيمان، ألا ومن مات على حب آل محمد بشره ملك الموت بالجنة ثم منكر ونكير، ألا ومن مات على حب آل محمد يزف إلى الجنة كما نزف العروس إلى بيت زوجها ، ألا ومن مات على حب آل محمد فتح له فى قيره بابان إلى الجنة ، ألا ومن مات على حب آل محمد جعل الله قبره مزار ملائكة الرحمة، ألا ومن مات على حب آل محمد مات على السنة والجماعة ، ألا ومن مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوباً بين عينيه آيس من رحمة الله، ألا ومن مات على بغض آل محمد مات كافراً، ألا ومن مات على بغض آل محمد لم يشم رائحة الجنة)) هذا هو الذى رواه صاحب الكشاف، وأنا أقول: آل محمد رائع هم الذين يؤول أمرثم إليه فكل من كان أمرثم إليه أشد وأكمل كانوا هم الآل، ولا شك أن فاطة وعلياً والحسن والحسين كان التعلق بينهم وبين رسول اللّه ◌َ ايم أشد التعلقات وهذا كالمعلوم بالنقل المتواتر فوجب أن يكونوا هم الآل، وأيضاً اختلف الناس فى الآل فقيل هم الأقارب وقيل هم أمته، فإن حملناه على القرابة فهم الآل، وإن حملناه على الأمة الذين قبلوا دعوته فهم أيضاً آل فثبت أن على جميع التقديرات هم الآّل، وأما غيرهم فهل يدخلون تحت لفظ الآّل ؟ فمختلف فيه. وروى صاحب الكشاف أنه لما نزلت هذه الآية قيل يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم؟ فقال على وفاطمة وأبناهما، فثبت أن هؤلاء الأربعة أقارب النى مريم وإذا ثبت هذا وجب أن يكونوا مخصوصين بمزيد التعظيم ويدل عليه وجوه: (الأول) قوله تعالى ( إلا المودة فى القربى) ووجه الاستدلال به ما سبق (الثانى) لا شك أن النبى معَّ الي كان يحب فاطمة عليها السلام قال صلى الله عليه وسلم ((فاطمة بضعة منى وذينى ما يؤذيها)) وثبت بالنقل المتواتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يحب علياً والحسن والحسين وإذا ثبت ذلك وجب على كل الأمة مثله لقوله (واتبعوه لعلكم تهتدون) ولقوله تعالى ( فليحذر الذين يخالفون عن أمره) ولقوله (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوفى يحببكم الله) ولقوله سبحانه ( لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة) (الثالث) أن الدعاء للآل منصب عظيم ولذلك جعل هذا الدعاء خاتمة التشهد فى الصلاة وهو قوله اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وارحم محمداً وآل محمد، وهذا التعظيم لم يوجد فى حق غير الآّل ، فكل ذلك يدل على أن حب آل محمد واجب، وقال الشافعى رضى الله عنه: يا راكباً قف بالمحصب من منى واهتف بساكن خيفها والناهض فيضاً كما نظم الفرات الفائض سحراً إذا فاض الحجيج إلى منى فليشهد الثقلان أنى رافضي إن کان رفضاً حب آل محمد ﴿ المسألة الثالثة) قوله (إلا المودة في القربى) فيه منصب عظيم للصحابة لأنه تعالى قال: ( والسابقون السابقون أولئك المقربون) فكل من أطاع الله كان مقرباً عند الله تعالى فدخل ١٦٨ قوله تعالى : ومن يقترف حسنه . سورة الشورى . تحت قوله ( إلا المودة فى القربى) والحاصل أن هذه الآية تدل على وجوب حب آل رسول الله وَح وحب أصحابه، وهذا المنصب لا يسلم إلا على قول أصحابنا أهل السنة والجماعة الذين جمعوا بين حب العترة والصحابة، وسمعت بعض المفكرين قال إنه ي لائم قال «مثل أهل بيتى كمثل سفينة نوح من ركب فيها نجا)) وقال مي ((أصحابى كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم)) ونحن الآن فى بحر التكليف وقضربنا أمواج الشبهات والشهوات وراكب البحر يحتاج إلى أمرين (أحدهما) السفينة الخالية عن العيوب والثقب ( والثانى ) الكواكب الظاهرة الطالعة النيرة ، فاذا ركب تلك السفينة ووقع نظره على تلك الكواكب الظاهرة كان رجاء السلامة غالباً ، فكذلك ركب أصحابنا أهل السنة سفينة حب آل محمد ووضعوا أبصارهم على نجوم الصحابة فرجوا من الله تعالى أن يفوزوا بالسلامة والسعادة فى الدنيا والآخرة. ولترجع إلى التفسير: أورد صاحب الكشاف على نفسه سؤالا فقال: هلا قيل إلا مودة القربى، أو إلا مودة القربى، وما معنى قوله (إلا المودة فى القربى)؟ وأجاب عنه بأن قال جعلوا مكاناً لدودة ومقرأ لها كقوله لى فى آل فلان مودة ولى فيهم هوى وحب شديد، تريد أحبهم وم مکان حی و محله . ثم قال تعالى ( ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا) قيل نزلت هذه الآية فى أبى بكر رضى الله عنه، والظاهر العموم فى أى حسنة كانت ، إلا أنها لما ذكرت عقيب ذكر المودة فى القربى دل ذلك على أن المقصود التأكيد فى تلك المودة . ثم قال تعالى (إن الله غفور شكور) والشكور فى حق الله تعالى مجاز والمعنى أنه تعالى يحسن إلى المطيعين فى إيصال الثواب إليهم وفى أن يزيد عليه أنواعاً كثيرة من التفضيل . وقال تعالى ( أم يقولون افترى على الله كذباً) واعلم أن الكلام فى أول السورة إنما ابتدى. فى تقرير أن هذا الكتاب إنما حصل بوجى اللّه وهو قوله تعالى (كذلك يوحى إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم) واقصل الكلام فى تقرير هذا المعنى وتعلق البعض بالبعض حتى وصلى إلى ههنا، ثم حكى مهنا شبهة القوم وهى قولهم: إن هذا ليس وحياً من الله تعالى فقال (أم يقولون افترى على الله كذباً) قال صاحب الكشاف أم منقطعة، ومعنى الهمزة نفس التوبيخ كأنه قيل: أيقع فى قلوبهم ويجرى فى ألسنتهم أن ينسبوا مثله إلى الافتراء على الله الذى هو أقبح أنواع الفرية وأختها ، ثم أجاب عنه بأن قال (فإن يشاء الله يختم على قلبك) وفيه وجوه (الأول) قال مجاهد يربط على قلبك بالصبر على أذاهم حتى لا يشق عليك قولهم إنه مفتر كذاب (والثانى) يعنى بهذا الكلام أنه إن يشا الله يجعلك من المختوم على قلوبهم حتى يفترى عليه الكذب فأنه لا يجترى. على افتراء الكذب على الله إلا من كان فى مثل هذه الحالة، والمقصود من ذكر هذا الكلام المبالغة فى تقرير الاستبعاد، ومثاله أن ينسب رجل بعض الأمناء إلى الخيانة فيقول ١٦٩ قوله تعالى : أم يقولون افترى على الله . سورة الشورى . الأمين، لعل الله خذلنى لعل الله أعمى قلبى، وهو لا يريد إثبات الخذلان وعمى القلب لنفسه، وإنما يريد إستبعاد صدور الخيانة عنه . ثم قال تعالى ( وبمح اللّه الباطل ويحق الحق) أى ومن عادة الله إبطال الباطل وتقرير الحق فلو كان محمد مبطلا كذاباً لفضحه الله ولكشف عن باطله ولما أمده بالقوة والنصرة، ولما لم يكن الأمر كذلك علمنا أنه ليس من الكاذبين المفترين على الله، ويجوز أن يكون هذا وعداً من الله لرسوله بأنه يمحو الباطل الذى هم عليه من البهت والفرية والتكذيب ويثبت الحق الذى كان محمد صلى الله عليه وسلم عليه . ثم قال ( إنه عليم بذات الصدور) أى إن الله عليم بما فى صدرك وصدورهم فيجرى الأمر على حسب ذلك ، وعن قتادة يختم على قلبك ينسيك القرآن ويقطع عنك الوحى ، بمعنى لو افترى على الله الكذب لفعل الله به ذلك. واعلم أنه تعالى لما قال (أم يقولون افترى على الله كذباً) ثم برأ رسوله ما أضافوه إليه من هذا وكان من المعلوم أنهم قد استحقوا بهذه الفرية عقاباً عظيما ، لاجرم ندبهم اللّه إلى التوبة وعرفهم أنه يقبلها من كل مسئ. وإن عظمت إساءته ، فقال ﴿ وهو الذى يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات﴾ وفى هذه الآية مسائل: ﴿ المسألة الأولى﴾ قال صاحب الكشاف يقال قبلت منه الشىء وقبلته عنه، فمعنى قبلته منه أخذته منه وجعلته مبدأ قبول ومنشأه، ومعنى قبلته عنه أخذته وأثبته عنه وقد سبق البحث المستقصى عن حقيقة التوبة فى سورة البقرة ، وأقل مالابد منه الندم على الماضى والترك فى الحال والعزم على أن لا يعود إليه فى المستقبل، وروى جابر أن أعرابياً دخل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال اللهم إنى أستغفرك وأتوب إليك وكبر، فلما فرغ من صلاته قال له على عليه السلام يا هذا إن سرعة اللسان بالاستغفار توبة الكذابين فتوبتك تحتاج إلى توبة ، فقال يا أمير المؤمنين وما التوبة؟ فقال اسم يقع على ستة أشياء على الماضى من الذنوب الندامة ولتضييع الفرائض الإعادة ورد المظالم وإذابة النفس فى الطاعة كما ربيتها فى المعصية وإذاقة النفس مرارة الطاعة كما أذقتها حلاوة المعصية والبكاء بدل كل ضحك فمكته . ﴿ المسألة الثانية) قالت المعتزلة يجب على اللّه تعالى عقلا قبول التوبة، وقال أصحابنا لا يجب على اللّه شىء وكل ما يفعله فانما يفعله بالكرم والفضل، واحتجوا على صحة مذهبهم بهذه الآية فقالوا إنه تعالى تمدح بقبول التوبة ، ولو كان ذلك القبول واجباً لما حصل التمدح العظيم ، ألا ترى أن من مدح نفسه بأن لا يضرب الناس ظلماً ولا يقتلهم غضباً ، كان ذلك مدحاً قليلا ، أما إذا قال إنى أحسن اليهم مع أن ذلك لا يجب على كان ذلك مدحاً وثنا .. المسألة الثالثة م قوله تعالى (ويعفو عن السيئات) إما أن يكون المراد منه أن يعفو ١٧٠ قوله تعالى : ولو بسط الله الرزق . سورة الشورى . وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الْرِزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْ فِى الْأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدّرٍ مَّايَشَاءُ إنّهُ بِعِبَادِهِهُ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴾ وَهُوَ الَّذِى يُتَزِّلُ الْغَيْثُ مِنْ بَعْدِ مَا قَتَّطُواْ وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ، وَهُوَ الْوَلِّالْحَمِيهُ ﴾ وَمِنْ ءَايَتِهِ، خَلْقُ السَّمَلُوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ عن الكبائر بعد الإتيان بالتوبة، أو المراد منه أنه يعفو عن الصغائر، أو المراد منه أنه يعفو عن الكبائر قبل التوبة ، والأول باطل وإلا لصار قوله (ويعفو عن السيئات) عين قوله (وهو الذى يقبل التوبة) والتكرار خلاف الأصل، والثانى أيضاً باطل لأن ذلك واجب وأداء الواجب لا يتمدح به فقى القسم الثالث فيكون المعنى أنه تارة يعفو بواسطة قبول التوبة وتارة يعفو ابتداء من غير توبة . ثم قال (ويعلم ما تفعلون) قرأ حمزة والكسائى وحفص عن عاصم بالتاء على المخاطبة والباقون بالياء على المغايبة ، والمعنى أنه تعالى يعلمه فيئيبه على حسناته ويعاقبه على سيئاته. ثم قال ( ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله) وفيه قولان (أحدهما) الذين آمنوا وعملوا الصالحات رفع على أنه فاعل تقديره ويجيب المؤمنون الله فيما دعاهم إليه. (والثانى) محله نصب والفاعل مضمر وهو الله وتقديره، ويستجيب الله للمؤمنين إلا أنه حذف اللام كما حذف فى قوله (وإذا كالوم) وهذا الثانى أولى لأن الخبر فيما قبل وبعد عن الله لأن ماقبل الآية قوله تعالى (وهو الذى يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات) وما بعدها قوله (ويزيدهم من فضله) فيزيد عطف على ويستجيب، وعلى الأول ويجيب العبد ويزيد الله من فضله. أما من قال إن الفعل للذين آمنوا ففيه وجهان: (أحدهما) ويجيب المؤمنون ربهم فيما دعاهم إليه ( والثانى) يطيعونه فيما أمرهم به، والاستجابة الطاعة . وأما من قال إن الفعل لله فقد اختلفوا، فقيل يجيب الله دعاء المؤمنين ويزيدهم ماطلبوه من فضله، فإن قالوا تخصيص المؤمنين بإجابة الدعاء هل يدل على أنه تعالى لا يجيب دنماء النكفار؟ قلتا قال بعضهم لا يجوز لأن إجابة الدعاء تعظيم ، وذلك لا يليق بالكفار، وقيل جوز على بعض الوجوه، وفائدة التخصيص أن إجابة دعاء المؤمنين تكون على سبيل التشريف، وإجابة دعا. الكافرين تكون على سبيل الاستدراج ، ثم قال (ويزيدهم من فضله) أى بزيدم على ما طلبوه بالدعاء ( والكافرون لهم عذاب شديد) والمقصود التهديد. قوله تعالى: ﴿ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا فى الأرض ولكن بنزل بقدر ما يشاء إنه بعباده خبير بصير ، وهو الذى ينزل الغيث من بعد ماقنطوا وينشر رحمته وهو الولى الحميد، ومن ١٧١ قوله تعالى : ولو بسط الله الرزق . سورة الشورى . ج فِ مَا مِنْ دَاءَةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٌ ﴾ وَمَآ أَصَبَكُم مِّنْ يُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَنْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَنْ كَثِيرٍ ﴾ وَمَا أَنتُم بِمُعِْينَ فِ الْأَرْضِّ وَمَا لَحُ مِّن دُونِ اللّهِ مِن وَلٍِ وَلَا نَصِبْرٍ ٣١ آياته خلق السموات والأرض وما بث فيهما من دابة وهو على جمعهم إذا يشاء قدير ، وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير ، وما أنتم بمعجزين فى الأرض وما لكم من دون اللّه من ولى ولا نصير﴾ . وفى الآية مسائل: ﴿ المسألة الأولى) اعلم أنه تعالى لما قال فى الآية الأولى: إنه يجيب دعاء المؤمنين ورد عليه سؤال وهو أن المؤمن قد يكون فى شدة وبلية وفقر ثم يدعوا فلا يشاهد أثر الإجابة فكيف الحال فيه مع ما تقدم من قوله (ويستجيب الذين آمنوا)؟ فأجاب تعالى عنه بقوله ( ولو بسط اللّه الرزق لعباده لبغوا فى الأرض) أى ولأقدموا على المعاصى، ولما كان ذلك محذوراً وجب أن لا يعطيهم ما طلبوه، قال الجبائى: هذه الآية تدل على بطلان قول المجبرة من وجهين: (الأول) أن حاصل الكلام أنه تعالى (لو بسط الرزق لعباده لبغوا فى الأرض) والبغى فى الأرض غير مراد فإرادة بط الرزق غير حاصلة، فهذا الكلام إنما يتم إذا قلنا إنه تعالى يريد البغى فى الأرض ، وذلك يوجب فساد قول المجبرة (الثانى) أنه تعالى بين أنه إنما لم يرد بسط الرزق لأنه يفضى إلى المفسدة فلما بين تعالى أنه لا يريد ما يفضى إلى المفسدة فبأن لا يكون مريداً للفسدة كان أولى ، أجاب أصحابنا بأن الميل الشديد إلى البغى والقسوة والقهر صفة حدثت بعد أن لم تكن فلا بد لها من فاعل، وفاعل هذه الأحوال إما العبد أو اللّه والأول باطل لأنه إنما يفعل هذه الأشياء لو مال طبعه إليها فيعود السؤال فى أنه من المحدث لذلك الميل الثانى؟ ويلزم التسلسل، وأيضاً فالميل الشديد إلى الظلم والقسوة عيوب ونقصانات ، والعاقل لا يرضى بتحصيل موجبات النقصان لنفسه، ولما بطل هذا ثبت أن محدث هذا الميل والرغبة هو اللّه تعالى ، ثم أورد الجبائى فى تفسيره على نفسه سؤالا قال: فإن قيل أليس قد بسط اللّه الرزق لبعض عباده مع أنه بنى؟ وأجاب عنه بأن الذى عنده الرزق وبغى كان المعلوم من حاله أنه يبغى على كل حال سواء أعلى ذلك الرزق أو لم يعط ، وأفول هذا الجواب فاسد ويدل عليه القرآن والعقل ، أما القرآن فقوله تعالى ( إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى) حكم مطلقاً بأن حصول الغنى سبب لحصول الطغيان. وأما العقل فهو أن النفس إذا كانت مائلة إلى الشر لكنها كانت فاقدة الآلات والأدوات كان الشر أقل، وإذا كانت واجدة لها كان الشر أكثر، فثبت أن وجدان المال يوجب الطغيان. ١٧٢ قوله تعالى : ومن آياته خلق السموات والأرض . سورة الشورى . ﴿ المسألة الثانية) فى بيان الوجه الذى لأجله كان التوسع موجباً للطغيان ذكروا فيه وجوهاً (الأول) أن الله تعالى لو سوى فى الرزق بين الكل لامتنع كون البعض خادماً للبعض ولو صار الأمر. كذلك لخرب العالم وتعطلت المصالح ( الثانى) أن هذه الآية مختصة بالعرب فأنه كلما اتسع رزقهم ووجدوا من المطر مايرويهم ومن الكلأ والعشب ما يشبعهم أقدموا على النهب والغارة (الثالث ) أن الإنسان متكبر بالطبع فإذا وجد الغنى والقدرة عاد إلى مقتضى خلقته الأصلية وهو التكبر، وإذا وقع فى شدة وبلية ومكروه انكسر فعاد إلى الطاعه والتواضع . ﴿ المسألة الثالثة﴾ قال خباب بن الأرت فينا نزلت هذه الآية وذلك أنا نظرنا إلى أموال بنى قريظة والنضير وبى قينقاع فتمنيناها ، وقيل نزلت فى أهل الصفة تمنوا سعة الرزق والغنى . ثم قال تعالى ( ولكن ينزل بقدر ما يشاء) قرأ ابن كثير وأبو عمرو (ينزل) خفيفة والباقون بالتشديد، ثم نقول ( بقدز) بتقدير يقال قدره قدراً وقدراً (إنه بعباده خبير بصير) يعنى أنه عالم بأحوال الناس وبطباعهم وبعواقب أمورهم فيقدر أرزاقهم على وفق مصالحهم، ولما بين تعالى أنه لا يعطيهم ما زاد على قدر حاجتهم لأجل أنه علم أن تلك الزيادة قضريم فى دينهم بين أنهم إذا احتاجوا إلى الرزق فإنه لا يمنعهم منه فقال ( وهو الذى ينزل الغيث من بعد ما قنظوا) قرأ نافع وابن عامر وعاصم (ينزل) مشددة والباقون مخففة، قال صاحب الكشاف قرى. (قطوا) بفتح النون وكسرها ، وإنزال الغيث بعد القنوط أدعى إلى الشكر لأن الفرح بحصول النعمة بعد البلية أتم، فكان إقدام صاحبه على الشكر أكثر (وينشر رحمته) أى بركات الغيث ومنافعه وما يحصل به من الخصب، وعن عمر رضى الله عنه أنه قيل له واشتد القحط وقنط الناس فقال: إذن مطروا)) أراد هذه الآية، ويجوزأن يريد رحمته الواسعة فى كل شىء كأنه قيل ينزل الرحمة التى هى الغيث ويقشر سائر أنواع الرحمة (وهو الولى الحميد) (الولى) الذى يتولى عباده بإحسانه ( والجميد) المحمود على ما يوصل للخلق من أقسام الرحمة ، ثم ذكر آية أخرى تدل على إلهيته فقال ( ومن آياته خلق السموات والأرض وما بث فيهما من دابة) فنقول: أما دلالة خلق السموات والأرض على" وجود الإله الحكيم فقد ذكرناها وكذلك دلالة وجود الحيوانات على وجود الإله الخمتكيم، فان قيل كيف يجوز إطلاق لفظ الدابة على الملائكه؟ قلنا فيه وجوه (الأول) أنه قد يضاف الفعل إلى جماعة وإن كان فاعله واحداً منهم يقال بنوفلان فعلوا كذا، وإنما فعله واحد منهم ومنه قوله تعالى (يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان) (الثانى) أن الدبيب هو الحركة، والملائكة لهم حركة (الثالث) لا يبعد أن يقال إنه تعالى خلق فى السموات أنواعاً من الحيوانات يمشون مشى الأناسى على الأرض . ثم قال تعالى (وهو على جمعهم إذا يشاء قدير) قال صاحب الكشاف، إذا تدخل على المضارع كما تدخل على الماضى، قال تعالى ( والليل إذا يغشى) ومنه (إذا يشاء قدير) والمقصود أنه تعالى خلقها متفرقة، لالعجز ولكن لمصلحة، فلهذا قال ( وهو على جمعهم إذا يشاء قدير) يمنى الجمع ١٧٣ قوله تعالى : وما أصابكم من مصيبة . سورة الشورى . للحشر والمحاسبة، وإنما قال (على جمعهم) ولم يقل على جمعها، لأجل أن المقصود من هذا الجمع المحاسبة، فكأنه تعالى قال، وهو على جمع العقلاء إذا يشاء قدير، واحتج الجبائى بقوله (إذا يشاء قدير ) على أن مشيئته تعالى محدثة بان قال: إن كلمة ( إذا) تفيد ظرف الزمان ، وكلمة (يشاء) صيغة المستقبل ، فلو كانت مشيئته تعالى قديمة لم يكن لتخصيصها بذلك الوقت المعين من المستقبل فائدة، ولما دل قوله (إذا يشاء قدير) على هذا التخصيص علمنا أن مشيئته تعالى محدثة (والجواب) أن هاتين الكلمتين كما دخلنا على المشيئة، أى مشيئة الله، فقد دخلتا أيضاً على لفظ (القدير) فلزم على هذا أن يكون كونه قادراً صفة محدثة ، ولما كان هذا باطلا ، فكذا القول فا ذكره ، والله أعلم . قوله تعالى: ﴿ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم) وفى الآية مسائل: المسألة الأولى﴾ قرأ نافع وابن عامر (بما كسبت) بغير فاء، وكذلك هى فى مصاحف الشام والمدينة ، والباقون بالفاء وكذلك هى فى مصاحفهم، وتقدير الأول أن مامبتدأ بمعنى الذى ، وبما كسبت خبره ، والمعنى والذى أصابكم وقع بما كسبت أيديكم ، وتقدير الثانى تضمين كلمة : (ما ) معنى الشرطية . ﴿ المسألة الثانية ) المراد بهذه المصائب الأحوال المكروهة نحو الآلام والأسقام والقحط والفرق والصواعق وأشباهها ، واختلفوا فى نحو الآلام أنها هل هى عقوبات على ذنوب سلفت أم لا ؟ منهم من أنكر ذلك لوجوه (الأول) قوله تعالى (اليوم تجزى كل نفس بما كسبت) بين تعالى أن الجزاء إنما يحصل فى يوم القيامة ، وقال تعالى فى سورة الفاتحة ( مالك يوم الدين) أى يوم الجزاء ، وأطبقوا على أن المراد منه يوم القيامة ( والثانى ) أن مصائب الدنيا يشترك فيها الزنديق والصديق ، وما يكون كذلك امتنع جعله من باب العقوبة على الذنوب ، بل الاستقراء يدل على أن حصول هذه المصائب للصالحين والمتقين أكثر منه للمذنبین، ولهذا قال ڑٹے « خص البلاء بالأنبياء، ثم الأولياء، ثم الأمثل فالأمثل)) (الثالث) أن الدنيا دار التكليف، فلو جعل الجزاء فيها لكانت الدنيا دار التكليف ودار الجزاء معاً، وهو محال، وأما القائلون بأن هذه المصائب قد تكون أجزية على الذنوب المتقدمة، فقد تمسكوا أيضاً بما روى عن النبى زلي أنه قال ((لا يصيب ابن آدم خدش عود ولا غيره إلا بذنب أو لفظ)) هذا معناه وتمسكوا أيضاً بهذه الآ ية، وتمسكوا أيضاً بقوله تعالى ( فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات) وتمسكوا أيضاً بقوله تعالى بعد هذه الآية (أو يوبقهن بما كسبوا) وذلك تصريح بأن ذلك الإهلاك كان بسبب كسبهم ، وأجاب الأولون عن التمسك بهذه الآية، فقالوا إن حصول هذه المصائب يكون من باب الامتحان فى التكليف، لامن باب العقوبة كما فى حق الأنبياء والأولياء، ويحمل قوله (فبما كسبت أيديكم) ١٧٤ قوله تعالى : فبما كسبت ايديكم . سورة الشورى . على أن الأصلح عند إتيانكم بذلك الكسب إنزال هذه المصائب عليكم ، وكذا الجواب عن بقية الدلائل، والله أعلم . المسألة الثالثة﴾ احتج أهل التناسخ بهذه الآية، وكذلك الذين يقولون إن الأطفال والبهائم لا تألم، فقالوا دلت الآية على أن حصول المصائب لا يكون إلا لسابقة الجرم ، ثم إن أهل التناسخ قالوا : لكن هذه المصائب حاصلة للأطفال والبهائم ، فوجب أن يكون قد حصللها ذنوب فى الزمان السابق، وأما القائلون بأن الأطفال والبهائم ليس لها ألم قالوا قد ثبت أن هذه الأطفال والبهائم ما كانت موجودة فى بدن آخر لفساد القول بالتناسخ فوجب القطع بأنها لا تتألم إذ الألم مصيبة ( والجواب) أن قوله تعالى ( وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم) خطاب مع من يفهم ويعقل، فلا يدخل فيه البهائم والأطفال، ولم يقل تعالى: إن جميع ما يصيب الحيوان من المكاره فإنه بسبب ذنب سابق، والله أعلم . المسألة الرابعة ﴾ قوله (فبما كسبت أيديكم) يقتضى إضافة الكسب إلى اليد، قال والكب لا يكون باليد، بل بالقدرة القائمة باليد، وإذا كان المراد من لفظ اليد ههنا القدرة ، وكان هذا المجاز مشهوراً مستعملا ، كان لفظ اليد الوارد فى حق الله تعالى يجب حمله على القدرة تنزيهاً لله تعالى عن الأعضاء والأجزاء، والله أعلم. قوله تعالى: ﴿ويعفوا عن كثير﴾ ومعناه أنه تعالى قد يترك الكثير من هذه التشديدات بفضله ورحمته ، وعن الحسن قال: دخلنا على عمران بن حصين فى الوجع الشديد ، فقيل له: إنا لنفتم لك من بعض ما نرى، فقال لا تفعلوا فوالله إن أحبه إلى الله أحبه إلى، وقرأ ( وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم) فهذا بما كسبت يداى، وسيأتينى عفو ربى، وقد روى أبو حملة عن على بن أبى طالب رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية وقال: ((ماءفى الله عنه فهو أعزوأ كرم من أن يعود إليه فى الاخرة ، وما عاقب عليه فى الدنيا فالله أكرم من أن يعيد العذاب عليه فى الاخرة )» رواه الواحدی فیالبسيط ، وقال إذا كان كذلك فهذه أرجی آیة فی کتاب الله لأن الله تعالى جعل ذنوب المؤمنين صنفين: صنف كفره عنهم بالمصائب فى الدنيا، وصنف عفا عنه فى الدنيا، وهو كريم لا يرجع فى عفوه، وهذه سنة الله مع المؤمنين، وأما الكافر ملأنه لا يعجل عليه عقوبة ذنبه حتى يوافى ربه يوم القيامة . قوله تعالى: ﴿وما أنتم بمعجزين فى الأرض) يقول ما أنتم معشر المشركين بمعجزين فى الأرض، أى لا تعجزوتى حيثما كنتم، فلا تسبقونى بسبب هربكم فى الأرض ( وما لكم من دون الله من ولى ولا نصير) والمراد بهم من يعبد الأصنام ، بين أنه لا فائدة فيها البتة، والنصير هو الله تعالى ، فلا جرم هو الذى تحسن عبادته . ١٧٥ قوله تعالى : ومن آياته الجوار في البحر . سورة الشورى . وَمِنْ ءَايَتِهِ الْجَوَارِ فِىِ الْبَحْرِ كَلْأَعْلَمِ (﴾ إِن يَشَّأْ يُسْكِنِ الرِّيَحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكَِ عَلَى نَظَهْرِهِ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَبَتِ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴿ أَوْ يُرِقْهُنَّ بِمَا كَبُواْ وَيَعْفُ عَنْ كَثِيٍ ﴾ وَيَعْلَمَالَّذِينَ يُحَدِلُونَ فِىْ ءَايَئِنَا مَالهُمْ مِنْ غِصِ (﴾ قَآَ أُوِيتُ مِنْ شَىْءٍ فَعُ الْخَبَزِةِ الدُّنْيَا وَمَ عِندَ اللّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَلِلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَى رَبِهِمْ يَتَوَُّونَ (﴾ وَالَّذِينَ يَحْتَذِبُونَ كَبَتْرَ الْإِنْ وَالْفَوَِّشَ وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ (﴾ وَلَّذِينَ أَسْتَجَابُواْ لِرَبِهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوةَ وَأَمْرُهُمْ وَلَّذِينَ إِذَا أَصَبَّهُمُ الْبَغْىُ هُمْ ٣٨ رَزَقْنَهُمْ يَنْفِقُونَ ٠٠٠٠٠ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمّا يَنْتَصِرُونَ قوله تعالى: ﴿ومن آياته الجوار فى البحر كالأعلام، إن يشأ يسكن الريح فيظلان روا كد على ظهره إن فى ذلك لآيات لكل صبار شكور، أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن كثير. ويعلم الذين يجادلون فى آياتنا ما لهم من محيص ، فما أوتيتم من شىء فمتاع الحياة الدنيا وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون، والذين يحتذبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ماغضبوا م يغفرون والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزفناهم ينفقون، والذين إذا أصابهم البغى هم يقتصرون ﴾. وفى الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى ﴾ قرأ نافع وأبو عمرو (الجوارى) بياء فى الوصل والوقف ، فإثبات الياء على الأصل وحذفها للتخفيف . المسألة الثانية ﴾ الجوارى ، يعنى السفن الجوارى، لحذف الموصوف لعدم الالتباس. المسألة الثالثة) اعلم أنه تعالى ذكر من آياته أيضاً هذه السفن العظيمة التى تجرى على وجه البحر عند هبوب الرياح، واعلم أن المقصود من ذكره أمران (أحدهما) أن يستدل به على وجود القادر الحكيم (والثانى) أن يعرف ما فيه من النعم العظيمة لله تعالى على العباد (أما الوجه الأول) فقد اتفقوا على أن المراد بالأعلام الجبال، قالت الخنساء فى مرئية أخيها : ، ١٧٦ قوله تعالى : إن يشأ يسكن الريح . سورة الشورى . وإن صخراً لتأتم الهداة به كأنه على فى رأسه نار ونقل أن التى يتم استنشد قصيدتها هذه فلما وصل الراوى إلى هذا البيت، قال وقاتلها الله مارضيت بتشبيهها له بالجبل حتى جعلت على رأسه ناراً !)) إذا عرفت هذا فنقول : هذه السفن العظيمة التى تكون كالجبال تجرى على وجه البحر عند هبوب الرياح على أسرع الوجوه ، وعند سكون هذه الرياح تقف، وقد بينا بالدليل فى سورة النحل، أن محرك الرياح ومسكنها هو الله تعالى ، إذ لا يقدر أحد على تحريكها من البشر ولا على تسكينها، وذلك يدل على وجود الإله القادر، وأيضاً أن السفينة تكون فى غاية الثقل ، ثم إنها مع ثقلها بقيت على وجه الماء، وهو أيضاً دلالة أخرى ( وأما الوجه الثانى) وهو معرفة ما فيها من المنافع ، فهو أنه تعالى خص كل جانب من جوانب الأرض بنوع آخر من الأمتعة ، وإذا نقل متاع هذا الجانب إلى ذلك الجانب فى السفن وبالعكس حصلت المنافع العظيمة فى التجارة ، فلهذه الأسباب ذكر الله تعالى جال هذه السفينة . قوله تعالى: ﴿إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره﴾ قرأ أبو عمرو والجمهور: بهمزة ( إن يشأ) لأن مكون الهمزة علامة الجزم، وعن ورش عن نافع بلا حمزة، وقرأ نافع وحده (يسكن الرياح) على الجمع، والباقون (الريح) على الواحد، قال صاحب الكشاف: قرى. (يظللن) بفتح اللام وكسرها من ظل يظل ويظل، وقوله تعالى ( روا كد) أى رواتب ، أى لاتجرى على ظهره، أى على ظهر البحر (إن فى ذلك لا يات لكل صبار) على بلاء الله (شكور) لنعمائه، والمقصود التنبيه، على أن المؤمن يجب أن لا يكون غافلا عن دلائل معرفة الله البتة، لأنه لا بد وأن يكون إما فى البلاء وإما فى الآ لاء ، فإن كان فى البلاء كان من الصابرين « وإن كان في النعماء كان من الشاكرين، وعلى هذا التقدير فإنه لا يكون البتة من الغافلين. قوله تعالى: ﴿أو يوبقهن بما كسبوا﴾ يعنى أو يهلكهن، يقال أوبقه، أى أهلكه، ويقال للمجرم أو بقته ذنوبه، أى أملكته، والمعنى أنه تعالى إن شاء ابتلى المسافرين فى البحر بإحدى بليتين: إما أن يسكن الريح فتركد الجوارى على متن البحر وتقف، وإما أن يرسل الرياح عاصفة فيها فيهلكن بسبب الإغراق، وعلى هذا التقدير فقوله (أو يوبقهن) معطوف على قوله ( يسكن) لأن التقدير ( إن يشأ يسكن الريح) فير كدن، أو يعصفها فيغرقن بعصفها، وقوله (.ويعفو عن كثير) معناه إن يشأ يهلك ناساً وينج ناساً عن طريق العفو عنهم ، فإن قيل فما معنى إدخال العفو فى حكم الإيباق حيث جعل مجزوماً مثله، قلنا معناه إن يشأ يهلك ناساً وينج ناساً على طريق العفو عنهم، وأما من قرأ (ويعفو) فقد استأنف الكلام. ثم قال (ويعلم الذين يجادلون فى آياتنا مالهم من محميص) قرأ نافع وابن عامر: يعلم بالرفع على الاستئناف، وقرأ الباقون بالنصت، فالقراءة بالرفع على الاستئناف، وأما بالتضب غللعطفت على ١٧٧ قوله تعالى : ويعلم الذين يجادلون في آياتنا . سورة الشورى . تعليل محذوف تقديره لينتقم منهم ( ويعلم الذين يجادلون فى آياتنا) والعطف على التعليل المحذوف غير عزيز فى القرآن ، ومنه قوله تعالى ( ولنجعله آية الناس ) وقوله تعالى (خلق السموات والأرض بالحق ولتجزى كل نفس بما كسبت) قال صاحب الكشاف: ومن قرأ على جزم (ويعلم) فكأنه قال أو إن يشأ، يجمع بين ثلاثة أمور: هلاك قوم، ونجاة قوم، وتحذير آخرين . إذا عرفت هذا فنقول معنى الآية ( وليعلم الذين يجادلون) أى ينازعون على وجه التكذيب ، أن لا خاص لهم إذا وقفت السفن، وإذا عصفت الرياح فيصير ذلك سبباً لاعترافهم بأن الإله النافع الضار ليس إلا الله . واعلم أنه تعالى لما ذكر دلائل التوحيد أردفها بالتفسير عن الدنيا وتحقير شأنها، لأن الذى يمنع من قبول الدليل إنما هو الرغبة فى الدنيا بسبب الرياسة وطلب الجاه ، فإذا صغرت الدنيا فى عين الرجل لم يلتفت إليها، فحينئذ ينتفع بذكر الدلائل، فقال (فما أوتيتم من شىء فمتاع الحياة الدنيا) وسماه متاعاً تنبيهاً على قلتهو حقارته، ولأن الحس شاهد بأن كل ما يتعلق بالدنيا فإنه يكون سريع الانقراض والانقضاء . ثم قال تعالى ( وما عند الله خير وأبقى) والمعنى أن مطالب الدنيا خسيسة منقرضة، ونبه على خساستها بتسميتها بالمتاع، ونبه على انقراضها بأن جعلها من الدنيا. وأما الآخرة فإنها خير وأبقى، وصريح العقل يقتضى ترجيح الخير الباقى على الخسيس الفانى،، ثم بين أن هذه الخيرية إنما تحصل لمن كان موصوفاً بصفات : ( الصفة الأولى) أن يكون من المؤمنين بدليل قوله تعالى (الذين آمنوا). (الصفة الثانية) أن يكون من المتوكلين على فضل الله، بدليل قوله تعالى (وعلى ربهم يتوكلون) فأما من زعم أن الطاعة توجب الثواب ، فهو متكل على عمل نفسه لا على الله ، فلا يدخل تحت الآية. ﴿ الصفة الثالثة) أن يكونوا محتذبين لكبائر الإثم والفواحش، عن ابن عباس: كبير الإثم ، هو الشرك، نقله صاحب الكشاف وهو عندى بعيد، لأن شرط الإيمان مذكور أولا وهو يغنى عن عدم الشرك ، وقيل المراد بكبائر الإثم ما يتعلق بالبدع واستخراج الشبهات ، وبالفواحش ما يتعلق بالقوة الشهوانية، وبقوله ( وإذا ما غضبوا هم يغفرون) ما يتعلق بالقوة الغضبية، وإنما خص الغضب بلفظ الغفران ، لأن الغضب على طبع النار ، واستيلاؤه شديد ومقاومته صعبة ، فلهذا السبب خصه بهذا اللفظ ، والله أعلم . الصفة الرابعة ) قوله تعالى ( والذين استجابوا لربهم) والمراد منه تمام الانقياد ، فإن قالوا أليس أنه لما جعل الإيمان شرطاً فيه فقد دخل فى الإيمان إجابة اللّه ؟ قلنا الأقرب عندى أن يحمل هذا على الرضاء بقضاء الله من صميم القلب، وأن لا يكون فى قلبهمنازعةفى أمرمنالأمور. ولما ذكر هذا الشرط قال ( وأقاموا الصلاة) والمراد منه إقامة الصلوات الواجبة، لأن هذا هو الفخر الرازي - ج ٢٧ م ١٢ ١٧٨ ة) قوله تعالى : وجزاء سيئة سيئة مثلها . سورة الشورى . ج ج وَبَؤُاْ سَيْئَةٍ سَبِئَةٌ مِثْلُهَا ثَنْ عَا وَأَصْلَحَ فَأَبْرُ عَلَى الَهِ إِنَُّ لَا يُحِبُ الظَّلِينَ (٣) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ نُلْبِهِ، فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّنْ سَبِيلٍ ﴾ إِنَّمَا الَِّيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِ الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أَوْلَئِكَ الشرط فى حصول الثواب . وأما قوله تعالى ( أمرهم شورى بينهم) فقيل كان إذا وقعت بينهم واقعة اجتمعوا وتشاوروا فأثنى الله عليهم، أى لا ينفردون برأى بل مالم يجتمعوا عليه لا يقدمون عليه، وعن الحسن: ما تشاور قوم إلا هدوا لأرشد أمرهم، والشورى مصدر كالفتيا بمعنى التشاور، ومعنى قوله (وأمرهم شورى بينهم ) أى ذو شورى . ﴿ الصفة الخامسة) قوله تعالى (والذين إذا أصابهم البغى هم يقتصرون) والمعنى أن يقتصروا فى الانتصار على ما يجعله الله لهم ولا يتعدونه، وعن النخعى أنه كان إذا قرأها قال كانوا يكرهون أن یذلوا أنفسهم فيجترى. علیهم السفهاء، فإن قیل هذه الآ ية مشکلة لو جهین (الأول ) أنه لما ذكر قبله (وإذا ما غضبوا هم يغفرون) فكيف يليق أن يذكر معه ما يجرى مجرى الضد له وهو قوله (والذين إذا أصابهم البغى هم ينتصرون)؟ (الثانى) وهو أن جميع الآيات دالة على أن العفو أحسن قال تعالى ( وأن تعفوا أقرب للتقوى) وقال ( وإذا منها باللغو مروا كراماً) وقال (خذ العفو. وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين) وقال وإن عافيتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبر ثم لهو خير الصابرين) فهذه الآيات تناقض مدلول هذه الآية (والجواب) أن العفو على قسمين (أحدهما) أن يكون العفو سبباً لتسكين الفتنة وجناية الجانى ورجوعه عن جنايته (والثانى) أن يصير العفو سبباً لمزيد جراءة الجانى ولقوة غيظه وغضبه، والآيات فى العفو محمولة على القسم الأول، وهذه الآية محمولة على القسم الثانى، وحينئذ يزول التناقض والله أعلم ، ألا ترى أن العفو عن المصر يكون كالإغراء له ولغيره، فلو أن رجلا وجد عبده جربجاريته وهو مصر فلوعفا عنه كان مذموماً ، وروى أن زينب أقبلت على عائشة فشتمتها فنهاها النبي صلى الله عليه وسلم عنهاً فلم تنته فقال النبى ((دونك فانتصرى)) وأيضاً إنه تعالى لم يرغب فى الانتصار بل بين أنه مشروع فقط، ثم بين بعده أن شرعه مشروط برعاية المائلة ، ثم بين أن المفرأولى بقوله (فمن عفا وأصلح فأجره على الله) فزال السؤال والله أعلم. قوله تعالى: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله. إنه لا يحب الظالمين، ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل ، إنما السبيل على الذين بظلمون الناس ويبغون فى ١٧٩ قوله تعالى : وجزاء سيئة سيئة مثلها . سورة الشورى . لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ® وَمَن يُضْلِلِ الله ◌َا لَهُ مِن وَلِيٍ مِّنْ بَعْدِهِ، وَتَرَى الَّلِينَ لَمَّا رَأَوأُ الْعَذَابَ وَتَرَنَهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ ٤٤ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍ مِن سَبِيلٍ الُِّ يَنْظُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ الْخَسِينَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِمْ يَوْمَ الْقِيْمَةِ أَ إِنَّ الظَّالِنَ فِ عَذَابٍ مُقِبٍ (﴾ وَمَا كَانَ ◌َهُمْ مِنْ أَوْلِيَآءَ يَنْصُرُونَهُم مِّنِ دُونِ اللهِ وَمَنْ يُضْلِلِ الله ◌َّا لَهُ، مِن سَبِيلٍ( ٤٦ الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم، ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور، ومن يضلل الله فما له من ولى من بعده وترى الظالمين لما رأوا العذاب يقولون هل إلى مرد من سبيل، وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي وقال الذين آمنوا إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا إن الظالمين فى عذاب مقيم ، وما كان لهم من أولياء ينصرونهم من دون الله ومن يضلل الله فما له من سبيل اعلم أنه تعالى لما قال ( والذين إذا أصابهم البغى هم ينتصرون) أردفه بما يدل على أن ذلك الانتصار يجب أن يكون مقيداً بالمثل فإن النقصان حيف والزيادة ظلم والتساوى هو العدل وبه قامت السموات والأرض، فلهذا السبب قال ( وجزاء سيئة سيئة مثلها ) وفى الآية مسائل: المسألة الأولى ﴾ لقائل أن يقول جزاء السيئة مشروع مأذون فيه، فكيف سمى بالسيئة؟ أجاب صاحب الکشاف عنه كلتا الفعلتين الأولى وجزاؤها سيئة لأنها تسوء من تنزل به ، قال تعالى ( وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك ) يريد ما يسوهم من المصائب والبلايا ، وأجاب غيره بأبه لما جعل أحدهما فى مقابلة الآخر على سبيل الحجاز أطلق اسم أحدهما على الآخر ، والحق ما ذكره صاحب الكشاف. المسألة الثانية) هذه الآية أصل كبير فى علم الفقه فإن مقتضاها أن تقابل كل جناية بمثلها وذلك لأن الإهدار يوجب فتح باب الشر والعدوان، لأن فى طبع كل أحد الظلم والبغى والعدوان ، فإذا لم يزجر عنه أقدم عليه ولم يتركه، وأما الزيادة على قدر الذنب فهو ظلم والشرع منزه عنه فلم يبق إلا أن يقابل بالمثل، ثم تأكد هذا النص بنصوص أخر، كقوله تعالى (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما يعوقبتم به) وقوله تعالى ( من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها) وقوله عز وجل (كتب علكم ١٨٠ قوله تعالى : وجزاء سيئة سيئة مثلها . سورة الشورى . القصاص ) فى القتلى والقصاص عبارة عن المساواة والماثلة وقوله تعالى (والجروح قصاص) وقوله تعالى ( ولكم فى القصاص حياة) فهذه النصوص بأسرها تقتضى مقابلة الشىء بمثله. ثم ههنا دقيقة: وهى أنه إذا لم يمكن استيفاء الحق إلا باستيفاء الزيادة فههنا وقع التعارض بين إلحاق زيادة الضرر بالجانى وبين منع المجنى عليه من استيفاء حقه، فأيهما أولى؟ فههنا محل اجتهاد المجتهدين، ويختلف ذلك باختلاف الصور، وتفرع على هذا الأصل بعض المسائل تنبيهاً على الباقى . ﴿ المثال الأول ) احتج الشافعى رضى الله عنه على أن المسلم لا يقتل بالذمى وأن الحر لا يقتل بالعبد، بأن قال المائلة شرط لجريان القصاص وهى مفقودة فى هاتين المسألتين ، فوجب أن لا يجرى القصاص بينهما ، أما بيان أن المائلة شرط لجريان القصاص فهى النصوص المذكورة ، وكيفية الاستدلال بها أن نقول إما أن نحمل المائلة المذكورة فى هذه النصوص على المائلة فى كل الأمور إلا ما خصه الدليل أو نحملها على المائلة فى أمرمعين، والثانى مرجوح لأن ذلك الأمر المعين غير مذكور الآية، فلو حملنا الآية عليها لزم الإجمال. ولو حملنا النص على القسم الأول لزم تحمل التخصيص ، ومعلوم أن دفع الإجمال أولى من دفع التخصيص ، فثبت أن الآية تقتضى رعاية المائلة فى كل الأمور إلا ما خصه دليل العقل ودليل نقلى منفصل ، وإذا ثبت هذا فنقول رعاية المائلة فى قتل المسلم بالذمى، وفى قتل الحر بالعبد لا تمكن لأن الإسلام اعتبره الشرع فى إيجاب القتل ، لتحصيله عند عدمه كما فى حق الكافر الأصلى ، ولإبقائه عند وجوده كما فى حق المرتد وأيضاً الحرية صفة اعتبرها الشرع فى حق القضاء والإمامة والشهادة ، فثبت أن المماثلة شرط لجريان القصاص وهى مفقودة ههنا فوجب المنع من القصاص. ( المثال الثانى) احتج الشافعى رضى الله عنه فى أن الأيدى تقطع باليد الواحدة ، فقال لاشك أنه إذا صدر كل القطع أو بعضه عن كل أولئك القاطمين أو عن بعضهم فوجب أن يشرع فى حق أولئك القاطعين مثله لهذه النصوص وكل من قال يشرع القطع إماكله أو بعضه فى حق كلهم أو بعضهم قال بإيجابه على الكل ، بقى أن يقال فيلزم منه استيفاء الزيادة من الجانى وهو ممنوع منه إلا أنا نقول لما وقع التعارض بين جانب الجانى وبين جانب المجنى عليه كان جانب المجنى عليه بالرعاية أولى . ( المثال الثالث ) شريك الأب شرع فى حقه القصاص، والدليل عليه أنه صدر عنه الجرح فوجب أن يقابل بمثله لقوله تعالى (والجروح قصاص) وإذا ثبت هذا ثبت تمام القصاص لأنه ١ لا قائل بالفرق . ( المثال الرابع ) قال الشافعى رضى الله تعالى عنه من حرق حرقناه ومن غرق غرقناه والدليل عليه هذه النصوص الدالة على مقابلة كل شىء بممائله . (المثال الخامس ) شهود القصاص إذا رجعوا وقالوا تعمدنا الكذب يلزمهم القصاص لأنهم بتلك الشهادة أهدروا دمه، فوجب أن يصير دمهم مهدراً لقوله تعالى (وجزاء سيئة سيئة مثلها)