Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
قوله تعالى : ليكونا من الأسفلين . سورة فصلت .
وتشوشوا عليه وتغلبوا على قراءته، كانت قريش يوصى بذلك بعضهم بعضاً، والمراد افعلوا عند
تلاوة القرآن ما يكون لغواً وباطلا ، لتخرجوا قراءة القرآن عن أن تصير مفهومة للناس ، فبهذا
الطريق تغلبون محمداً بمئة، وهذا جهل منهم لأنهم فى الحال أقروا بأنهم مشتغلون باللغو والباطل
من العمل والله تعالى ينصر محمداً بفضله، ولما ذكر الله تعالى ذلك هددهم بالعذاب الشديد فقال
(فلنذيقن الذين كفروا عذاباً شديداً) لأن لفظ الذوق إنما يذكر فى القدر القليل الذى يؤتى به
لأجل التجربة ، ثم إنه تعالى ذكر أن ذلك الذوق عذاب الشديد ، فإذا كان القليل منه عذاباً شديداً
فكيف يكون حال الكثير منه ، ثم قال (ولنجزينهم أسوأ الذى كانوا يعملون) واختلفوا فيه فقال
الأكثرون المراد جزاء سوء أعمالهم، وقال الحسن بل المراد أنه لا يجازيهم على محاسن أعمالهم ،
لأنهم أحبطوها بالكفر فضاعت تلك الأعمال الحسنة عنهم، ولم يبق معهم إلا الأعمال القبيحة
الباطلة ، فلا جرم لم يتحصلوا إلا على جزاء السيئات.
ثم قال تعالى (ذلك جزاء أعداء الله النار) والمعنى أنه تعالى لما قال فى الآية المتقدمة (وانجرينهم
أسوأ الذى كانوا يعملون) بين أن ذلك الأسوأ الذى جعل جزاء أعداء الله هو النار.
ثم قال تعالى (لهم فيها دار الخلد) أى لهم فى جملة النار دار السيئات معينة وهى دار العذاب المخلد
لهم (جزاء بما كانوا بآياتنا يجحدون) أى جزاء بما كانوا يلغون فى القراءة، وإنما سماه جحوداً
لأنهم لما علموا أن القرآن بالغ إلى حد الإعجاز خافوا من أنه لو سمعه الناس لآمنوا به فاستخرجوا
تلك الطريقة الفاسدة، وذلك يدل على أنهم علموا كونه معجزاً إلا أنهم جحدوا للحسد.
واعلم أنه تعالى لما بين أن الذى حملهم على الكفر الموجب للعقاب الشديد مجالسة قرناء السوء
بين أن الكفار عند الوقوع فى العذاب الشديد يقولون (ربنا أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس)
والسبب فى ذكر هذين القسمين أن الشيطان على ضربين جنى وإنسى، قال تعالى ( وكذلك جعلنا
لكل فى عدواً شياطين الأنس والجن) وقال (الذى يوسوس فى صدور الناس من الجنة والناس)
وقيل فما إبليس وقابيل لأن الكفر سنة إبليس ، والقتل بغير حق سنة قابيل .
وقرى (أرنا) بسكون الراء لثقل الكسرة كما قالوا فى نفذ لذ، وقيل معناه أعطنا الذين أضلانا
وحكوا عن الخليل إنك إذا قلت أربى ثربك بالكسر ، فالمعنى بصرنيه وإذا قلته بالسكون فهو
استعطاء معناه أعطنى أوبك .
ثم قال تعالى (نجعلهما تحت أقدامنا) قال مقاتل يكونان أسفل منافى النار (ليكونا من الأسفلين)
قال الزجاج: ليكونا فى الدرك الأسفل من النار ، وكان بعض تلامذتى ممن يميل إلى الحكمة يقول
المراد باللذين يضلان الشهوة والغضب ، وإليهما الإشارة فى قصة الملائكة بقوله (أتجعل فيها من
يفسد فيها ويسفك الدماء) ثم قال والمراد بقوله ( نجعلهما تحت أقدامنا) يعنى ياربنا أعنا حتى
تجعل الشهوة والغضب تحت أقدام جوهر النفس القدسية ، والمراد بكونهما تحت أقدامه كونهما
" مسخرين للنفس القدسية مطيعين لها ، وأن لا يكونا مسئوليين عليها قاهرين لها.
i

١٢٢
قوله تعالى : إن الذين قالوا ربنا الله . سورة فصلت .
إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللهُمَ أَسْتَقَامُوْ نَتَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَئِكَهُ أَلَّ تَّخَافُواْ وَلَا
تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ الَّتِى كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (﴾ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِى الْحَيَزَةِ الدُّنْيَا
وَفِ الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيَهَا مَاتَشْتَبِىّ أَنْفُسُكُمْ وَلَكْ فِيَهَا مَا تَدَّعُونَ (﴾ نُلاً مِّنْ
غَفُورٍرَّحِيٍ
قوله تعالى: ﴿إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة أن لاتخافوا ولا تحزنوا
وأبشروا بالجنة التى كنتم توعدون، نحن أولياؤكم فى الحياة الدنيا وفى الآخرة ولكم فيها ما تشتهى
أنفسكم ولكم فيها ما تدعون ، نزلا من غفور رحيم ﴾.
أعلم أنه تعالى لما أطنب فى الوعيد أردفه بهذا الوعد الشريف، وهذا ترتيب لطيف مدار كل
القرآن عليه، وقد ذكرنا مراراً أن الكمالات على ثلاثة أقسام النفسانية والبدنية والخارجية وأشرف
المراقب النفسانية وأوسطها البدنية وأدونها الخارجية ، وذكرنا أن الكمالات النفسانية محصورة فى
نوعين العلم اليقينى والعمل الصالح ، فإن أهل التحقيق قالوا كمال الإنسان فى أن يعرف الحق إذانه
والخير لأجل العمل به ورأس المعارف اليقينية ورئيسها معرفة الله وإليه الإشارة بقوله (إن
الذين قالوا ربنا الله) ورأس الأعمال الصالحة ورئيسها أن يكون الإنسان مستقيماً فى الوسط غير
مائل إلى طرفى الإفراط والتفريط. كما قال ( وكذلك جعلنا كم أمة وسطاً) وقال أيضاً (اهدنا
الصراط المستقيم) وإليه الإشارة فى هذه الآية بقوله (ثم استقاموا) وسمعت أن القارى. قرأ
فى مجلس العبادى هذه الآية، فقال العبادى: والقيامة فى القيامة، بقدر الاستقامة، إذا عرفت هذا
فنقول: قوله تعالى ( إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا) ليس المراد منه القول باللسان فقط
لأن ذلك لا يفيد الاستقامة ، فلما ذكر عقيب ذلك القول الاستقامة علمنا أن ذلك القول كان
مقروناً باليقين التام والمعرفة الحقيقية ، إذا عرفت هذا فنقول فى الاستقامة قولان (أحدهما)
أن المراد منه الاستقامة فى الدين والتوحيد والمعرفة (الثانى) أن المراد منه الاستقامة فى الأعمال
الصالحة أما على القول الأول ففيه عبارات: قال أبو بكر الصديق رضى الله عنه: ثم استقاموا أى
لم يلتفتوا إلى إله غيره ، قال ابن عباس فى بعض الروايات هذه الآية نزلت فی أنی بکر رضى الله
عنه، وذلك أن أبا بكر رضى الله عنه وقع فى أنواع شديدة من البلاء والمحنة ولم يتغير البتة عن
دينه، فكان هو الذى قال (ربنا الله) وبقى مستقيما عليه لم يتغير بسبب من الأسباب، وأقول
يمكن فيه وجوه أخرى، وذلك أن من أقر بأن لهذا العالم إلهاً بقيت له مقامات أخرى (فأولها)

١٢٣
قوله تعالى : إن الذين قالوا ربنا الله . سورة فصلت .
أن خ يتوغل فى جانب النفي إلى حيث ينتهى إلى التعطيل، ولا يتوغل فى جانب الإثبات إلى حيث
ينتهى إلى التشبيه، بل يبقى على الخط المستقيم الفاصل بين التشبيه والتعطيل، وأيضاً يجب أن يبقى
على الخط المستقيم الفاصل بين الجبر والقدر، وكذا فى الرجاء والقنوط يجب أن يكون على الخط
المستقيم ، فهذا هو المراد من قوله ( إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا) وأما على القول الثانى
وهو أن نحمل الاستقامة على الإتيان بالأعمال الصالحة ، فهذا قول جماعة كثيرة من الصحابة والتابعين ،
قالوا وهذا أولى حتى يكون قوله ( إن الذين قالوا ربنا الله) متناولا للقول والاعتقاد ويكون
قوله ( ثم استقاموا) متناولا للأعمال الصالحة .
ثم قال ( تتنزل عليهم الملائكة) قيل عند الموت وقيل فى مواقف ثلاثة عند الموت وفى القبر
وعند البحث إلى القيامة (أن لا تخافوا) أن بمعنى أى أو بمخففة من الثقيلة وأصله بأنه لاتخافوا والها.
ضمير الشأن واعلم أن الغاية القصوى فى رعاية المصالح دفع المضار وجلب المنافع، ومعلوم أن دفع
المضرة أولى بالرعاية من جلب المصلحة، والمضرة إما أن تكون حاصلة فى المستقبل أو فى الحال أو
فى الماضى، ومهنا دقيقة عقلية وهى أن المستقبل مقدم على الحاضر والحاضر مقدم على الماضى،
فان الشىء الذى لم يوجد ويتوقع حدوثه يكون مستقبلا، فإذا وجد يصير حاضراً، فاذا عدم وفى
بعد ذلك بصير ماضياً، وأيضاً المستقبل فى كل ساعة يصير أقرب حصولا والماضى فى كل حالة أبعد
حصولا ، ولهذا قال الشاعر :
فلا زال ماتهواه أقرب من غد ولا زال ماتخشاه أبعد من أمس
وإذا ثبت هذا فالمضار التى يتوقع حصولها فى المستقبل أولى بالدفع من المضار الماضية ، وأيضاً
الخوف عبارة عن تألم القلب بسبب توقع حصول مضرة فى المستقبل ، والغم عبارة عن تألم القلب
بسبب قوة نفع كان موجوداً فى الماضى، وإذا كان كذلك فدفع الخوف أولى من دفع الحزن الحاصل
بسبب الغم، إذا عرفت هذا، فنقول: إنه تعالى أخبر عن الملائكة أنهم فى أول الأمر يخبرون بأنه
لاخوف عليكم بسبب ما تستقلونه من أحوال القيامة، ثم يخبرون بأنه لا حزن عليكم بسبب مافاتكم
من أحوال الدنيا ، وعند حصول هذين الأمرين فقد زالت المضار والمتاعب بالكلية ، ثم بعد
الفراغ منه يبشرون بحصول المنافع وهو قوله تعالى ( وأبشروا بالجنة التى كنتم توعدون) فإن
قيل البشارة عبارة عن الخبر الأول بحصول المنافع ، فأما إذا أخبر الرجل بحصول منفعة ثم أخبر
ثانياً بحصولها كان الإخبار الثانى إخباراً ولا يكون بشارة ، والمؤمن قد يسمع بشارات الخير فإذا
سمع المؤمن هذا الخبر من الملائكة وجب أن يكون هذا إخباراً ولا يكون بشارة ، فما السبب فى
تسمية هذا الخبر بالبشارة، قلنا المؤمن يسمع أن من كان مؤمناً تقياً كان له الجنة، أما من لم يسمع
البينة أنه من أهل الجنة فإذا سمع هذا الكلام من الملائكة كان هذا إخباراً بنفع عظيم مع أنه هو الخبر
الأول بذلك فكان ذلك بشارة .

١٢٤
قوله تعالى : ومن أحسن قولاً . سورة فصلت .
وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنِّى مِنَ الْمُسْلِين
واعلم أن هذا الكلام يدل على أن المؤمن عند الموت وفى القبر وعند البعث لا يكون فازعاً
من الأهوال ومن الفزع الشديد ، بل يكون آمن القلب ساكن الصدر لأن قوله ( أن لا تخافوا
ولا تحزنوا) يفيد نفى الخوف والحزن على الإطلاق.
ثم إنه تعالى أخبر عن الملائكة أنهم قالوا للمؤمنين (نحن أولياؤكم فى الحياة الدنيا وفي الآخرة)
وهذا فى مقابلة ما ذكره فى وعيد الكفار حيث قال (وقيضنا لهم قرناء) ومعنى كونهم أولياء
للمؤمنين أن الملائكة تأثيرات فى الأرواح البشرية، بالإلهامات والمكاشفات اليقينية، والمقامات
الحقيقية، كما أن للشياطين تأثيرات فى الأرواح بإلقاء الوساوس فيها وتخييل الأباطيل إليها. وبالجملة
فكون الملائكة أولياء الأرواح الطيبة الطاهرة حاصل من جهات كثيرة معلومة لأرباب المكاشفات
والمشاهدات ، فهم يقولون: كما أن تلك الولاية كانت حاصلة فى الدنيا فهى تكون باقية فى الآخرة
فإن تلك العلائق ذاتية لازمة غير قابلة للزوال ، بل كأنها قصير بعد الموت أقوى وأبقى ، وذلك
لأن جوهر النفس من جنس الملائكة، وهى كالشعلة بالنسبة إلى الشمس ، والقطرة بالنسبة إلى
البحر، والتعلقات الجسمانية هى التى تحول بينها وبين الملائكة ، كما قال صلى الله عليه وسلم «لولا
أن الشياطين يحومون على قلوب بنى آدم لنظروا إلى ملكوت السموات) فإذا زالت العلائق
الجسمانية والتدبيرات البدنية، فقد زال الغظاء والوطاء، فيتصل الأثر بالمؤثر، والقطرة بالبحر ،
والشعلة بالشمس، فهذا هو المراد من قوله (نحن أولياؤكم فى الحياة الدنيا وفي الآخرة) ثم قال
(ولكم فيها ما تشتهى أنفسكم ولكم فيها ما تدعون) قال ابن عباس: (ولكم فيها ما تدعون) أى
ماتتمنون،، کقوله تعالى ( لهم فيها فا کمة ولهم ما يدعون) فان قيل فعلى هذا التفسیر لا يبقى فرق
بین قوله ( ولکم فیہا ما تشتهى أنفسكم) وبین قوله (ولكم فيها ماتدعون) قلنا: الأقرب عندى
أن قوله ( ولكم فيها ما تشتهى أنفسكم) إشارة إلى الجنة الجسمانية، وقوله (ولكم فيها ما تدعون)
إشارة إلى الجنة الروحانية المذكورة فى قوله ( دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام ،
وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين).
ثم قال (نزلا من غفور رحيم) والنزل: رزق النزيل وهو الضيف، وانتصابه على الحال ، قال
العارفون: دلت هذه الآية على أن كل هذه الاشياء المذكورة جارية مجرى النزل، والكريم إذا أعلى
النزل فلا بد وأن يبعث الخلع النفيسة بعدها، وتملك الخلع النفيسة ليست إلا السعادات الحاصلة عند
الرؤية والتجلی والکشف التام، نسأل الله تعالى أن يجعلنا لما أهلا بفضله وكرمه ، إنه قريب مجيب.
قوله تعالى: ﴿ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إننى من المسلمين)

١٢٥
قوله تعالى : ومن أحسن قولاً . سورة فصلت .
وَلَا تَسْتَوِى الْحَسَنَةُ وَلَ السَّيِّئَةُ أَدْفَعْ بِلَِّىِ هِىَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِى
بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ, عَدَوَةٌ كَانَهُ وَلِّ حِيمٌ ﴾ وَمَا يُلَقَّنَهَا إِلَّا الّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا
يُكَّهَا إِلَّا ذُوحَظٍ عَظٍِ (﴾ وَإِمَّا يَتْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَِ نَزْعُ فَاسْتَعِدْ بِلَهِ
إِنَُّ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
٣٦
﴿ ولا تستوى الحسنة ولا السيئة ادفع بالتى هى أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولى
حيم، وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم، وإما ينزغنك من الشيطان نزغ
فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم ﴾ .
إعلم أن فى الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ أنا ذكرنا أن الكلام من أول هذه السورة إنما ابتدى. حيث قالوا للرسول
(قلوبنا فى أ كنة مما تدعوننا إليه) ومرادهم ألا نقبل قولك ولا نلتفت إلى دليلك ، ثم ذكروا
طريقة أخرى فى السفاهة ، فقالوا ( لا تسمعوا لهذا القرآن وألغوا فيه) وإنه سبحانه ذكر الأجوبة
الشافية ، والبيانات الكافية فى دفع هذه الشبهات وإزالة هذه الضلالات ، ثم إنه سبحانه وتعالى بين
أن القوم وإن أنو بهذه الكلمات الفاسدة ، إلا أنه يجب عليك تتابع المواظبة على التبليغ والدعوة ،
فان الدعوة إلى الدين الحق أكمل الطاعات ورأس العبادات ، وعبر عن هذا المعنى فقال ( ومن
أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إننى من المسلمين ) فهذا وجه شريف حسن فى نظم
آيات هذه السورة. وفيه وجه آخر. وهو أن مراتب السعادات اثنان: التام، وفوق التام، أما
التام: فهو أن يكتسب من الصفات الفاضلة ما لأجلها يصير كاملافى ذاته ، فإذا فرغ من هذه الدرجة
اشتغل بعدها بتكميل الناقصين وهو فوق التام، إذا عرفت هذا فنقول إن قوله ( إن الذين قالوا
ربنا الله ثم استقاموا) إشارة إلى المرتبة الأولى، وهى اكتساب الأحوال التى تفيد كمال النفس فى
جوهرها ، فإذا حصل الفراغ من هذه المرتبة وجب الانتقال إلى المرتبة الثانية. وهى الاشتغال
بتكميل الناقصين، وذلك إنما يكون بدعوة الخلق إلى الدين الحق، وهو المراد من قوله (ومن أحسن
قولا ممن دعا إلى الله) فهذا أيضاً وجه حسن فى نظم هذه الآيات .
واعلم أن من آتاه الله قريحة قوية ونصاباً وافياً من العلوم الإلهية الکشفیة، عرف أنهلاترتيب
أحسن ولا أكمل من ترتيب آيات القرآن .
المسألة الثانية﴾ من الناس من قال المراد من قوله (ومن أحسن قولا ممن دعا إلى أنّه)

١٢٦
قوله تعالى : ومن أحسن قولاً . سورة فصلت .
هو الرسول التى، ومنهم من قال هم المؤذنون، ولكن الحق المقطوع به أن كل من دعا إلى الله
بطريق من الطرق فهو داخل فيه، والدعوة إلى الله مراتب :.
﴿ فالمرتبة الأولى ﴾ دعوة الأنبياء عليهم السلام راجحة على دعوة غيرهم من وجوه (أحدما)
أنهم جمعوا بين الدعوة بالحجة أولا، ثم الدعوة بالسيف ثانياً ، وقلما اتفق لغير هم الجمع بين هذين
الطريقين ( وثانيها) أنهم هم المبتدئون بهذه الدعوة، وأما العلماء فإنهم يبنون دعوتهم على دعوة
الأنبياء، والشارع فى إحداث الأمر الشريف على طريق الابتداء أفضل ( وثالثها ) أن نفوسهم
أقوى قوة، وأرواحهم أصفى جوهراً، فكانت تأثيراتها فى إحياء القلوب الميتة واشراق الأرواح
الكدرة أكمل، فكانت دعوتهم أفضل (واربعها) أن النفوس على ثلاثة أقسام: ناقصة وكاملة
لاتقوى على تكميل النافصين وكاملة تقوى على تكميل الناقصين (فالقسم الأول) العوام ( والقسم
الثانى) هم الأولياء (والقسم الثالث) هم الأنبياء، ولهذا السبب قال صلى الله عليه وسلم ((علما.
أمتى، كانبياء بنى إسرائيل)) وإذا عرفت هذا فنقول: إن نفوس الأنبياء حصلت لها مزيتان :
الكمال فى الذات ، والتكميل للغير ، فكانت قوتهم على الدعوة أقوى ، وكانت درجاتهم أفضل
وأكمل ، إذا عرفت هذا فنقول: الأنبياء عليهم السلام لحم صفتان: العلم والقدرة ، أما العلماء، فهم
نواب الأنبياء فى العلم، وأما الملوك، فهم نواب الأنبياء فى القدرة، والعلم يوجب الاستيلاء على
الأرواح، والقدرة توجب الاستيلاء على الأجساد، فالعلماء خلفاء الأنبياء فى عالم الأرواح ،
والملوك خلفاء الأنبياء فى عالم الأجساد . وإذا عرفت هذا ظهر أن أكمل الدرجات فى الدعوة
إلى الله بعد الأنبياء درجة العلماء، ثم العلماء على ثلاثة أقسام: العلماء بالله. والعلماء بصفات الله،
والعلماء بأحكام الله . أما العلماء بالله ، فهم الحكماء الذين قال الله تعالی فی حقهم ( يؤتى الحكمة من
يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيراً كثيراً) وأما العلماء بصفات الله تعالى فهم أصحاب الأصول،
وأما العلماء بأحكام اللهفهم الفقهاء، ولكل واحد من هذه المقامات ثلاث درجات لانهاية لها، فلهذا
السبب كان الدعوة إلى الله درجات لانهاية لها، وأما الملوك فهم أيضاً يدعون إلى دين الله بالسيف،
وذلك بوجهين إما بتحصيله عند عدمه مثل المحاربة مع الكفار ، وإما بإبقائه عندوجوده وذلك مثل
قولنا المرتد يقتل، وأما المؤذنون فهم يدخلون فى هذا الباب دخولا ضعيفاً، أما دخولهم فيه فلان
ذكر كلمات الأذان دعوة إلى الصلاة، فكان ذلك داخلا تحت الدعاء إلى الله، وأما كون هذه
المرتبة ضعيفة فلأن الظاهر من حال المؤذن أنه لا يحيط بمعانى تلك الكلمات وبتقدير أن يكون
محيطاً بها إلا أنه لا يريد بذكرها تلك المعانى الشريفة، فهذا هو الكلام ، فى مراتب الدعوة إلى الله.
﴿ المسألة الثالثة﴾ قوله ( ومن أحسن قولا ممن دفا إلى اللّه) يدل على أن الدعوة إلى الله
أحسن من كل ماسواها ، إذا عرفت هذا فنقول : كلَّ ما كان أحسن الأعمال وجب أن يكون
واجباً ، لأن كل مالا يكون واجباً فالواجب أحسن منه، فثبت أن كل ما كان أحسن الأعمال نهر

١٢٧
قوله تعالى : وقال انني من المسلمين . سورة فصلت . .
واجب ، إذا عرفت هذا فنقول الدعوة إلى الله أحسن الأعمال بمقتضى هذه الآية ، وكل ما كان
أحسن الأعمال فهو واجب ، ثم ينتج أن الدعوة إلى الله واجبة، ثم نقول الأذان دعوة إلى
والدعوة إليه واجبة فينتج الأذان واجب ، واعلم أن الأكثرين من الفقهاء زعموا أن الأذان غير
واجب ، وزعموا أن الأذان غير داخل فى هذه الآية ، والدليل القاطع عليه أن الدعوة المرادة
بهذه الآية يجب أن تكون أحسن الأقوال، وثبت أن الأذان ليس أحسن الأقوال، لأن الدعوة
إلى دين الله سبحانه وتعالى بالدلائل اليقينية أحسن من الأذان، ينتج من الشكل الثانى أن الداخل
تحت هذه الآية ليس هو الأذان .
المسألة الرابعة ﴾ اختلف الناس فى أن الأولى أن يقول الرجل أنا المسلم أو الأولى أن يقول
أنا مسلم إن شاء الله، فالقائلون بالقول الأولى احتجوا على صحة قولهم بهذه الآية فإن التقدير ومن
أحسن قولا ممن قال إنى من المسلمين ، فحكم بأن هذا القول أحسن الأقوال ، ولو كان قولنا إن
شاء الله معتبراً فى كونه أحسن الأقوال لبظل ما دل عليه ظاهر هذه الآية.
﴿ المسألة الخامسة﴾ الآية تدل على أن أحسن الأقوال قول من جمع بين خصال ثلاثة (أولها)
الدعوة إلى الله ( وثانيها) العمل الصالح ( وثالثها) أن يكون من المسلمين، أما الدعوة إلى الله فقد
شرحناها وهى عبارة عن الدعوة إلى الله بإقامة الدلائل اليقينية والبراهين القطعية:
وأما قوله ( وعمل صالحاً) فاعلم أن العمل الصالح إما أن يكون عمل القلوب وهو المعرفة، أو
عمل الجوارح وهو سائر الطاعات .
وأما قوله ( وقال إننى من المسلمين) فهو أن ينضم إلى عمل القلب وعمل الجوارح الإقرار
باللسان، فيكون هذا الرجل موصوفاً بخصال أربعة (أحدها ) الإقرار باللسان (والثانى) الأعمال
الصالحة بالجوارح (والثالث) الاعتقاد الحق بالقلب (والرابع ) الاشتغال بإقامة الحجة على دين
اللّه، ولا شك أن الموصوف بهذه الخصال الأربعة أشرف الناس وأفضلهم ، وكمال الدرجة فى هذه
المراتب الأربعة ليس إلا محمد مَخطاء .
قوله تعالى : ﴿ولا تستوى الحسنة ولا السيئة﴾ واعلم انا بينا أن الكلام من أول السورة
ابتدىء من أن اللّه حكى عنهم أنهم قالوا ( قلوبنا فى أكنة مما تدعونا إليه) فأظهروا من أنفسهم
الإصرار الشديد على أديانهم القديمة وعدم التاثر بدلائل محمد موزئي ، ثم إنه تعالى أطنب فى الجواب
عنه وذكر الوجوه الكثيرة وأردفها بالوعد والوعيد، ثم حكى عنهم شبهة أخرى وهى قولهم
( لا تسمعوا بهذا القرآن والغوافيه) وأجاب عنها أيضاً بالوجوه الكثيرة ، ثم إنه تعالى بعد
الإطناب فى الجواب عن تلك الشبهات رغب مجمداً فَ له فى أن لا يترك الدعوة إلى الله فابتدأ
أولا بأن قال ( إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا) فلهم الثواب العظيم ثم ترفى من تلك الدرجة
إلى درجة أخرى وهى أن الدعوة إلى الله من أعظم الدرجات، فصار الكلام من أول السورة إلى

١٢٨٠٠
قوله تعالى : وإما ينزعنك من الشيطان . سورة فصلت .
هذا الموضع واقعاً على أحسن وجوه الترتيب ، ثم كأن سائلا سأل فقال إن الدعوة إلى الله وإن
كانت طاعة عظيمة ، إلا أن الصبر على سفاهة هؤلاء الكفار شديد لا طاقة لنا به ، فعند هذا ذكر
الله ما يصلح لأن يكون دافعاً لهذا الأشكال فقال (ولا تستوى الحسنة ولا السيئة) والمراد بالحسنة
دعوة الرسول وزيع إلى الدين الحق، والصبر على جهالة الكفار، وترك الانتقام ، وترك
الالتفات إليهم، والمراد بالسيئة ما أظهروه من الجلافة فى قولهم ( قلوبنا فى أكنة مما تدعونا إليه)
وما ذكروه فى قولهم ( لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه) فكأنه قال يا محمد فعلك حسنة وفعلهم
سيئة، ولا تستوى الحسنة ولا السيئة ، بمعنى أنك إذا أتيت بهذه الحسنة تكون مستوجباً للتعظيم
فى الدنيا والثواب فى الآخرة، وهم بالضد من ذلك ، فلا ينبغى أن يكون إقدامهم على تلك السيئة
مانعاً لك من الاشتغال بهذه الحسنة .
ثم قال (ادفع بالتى هى أحسن) يعنى ادفع سفاهتهم وجهالتهم بالطريق الذى هو أحسن الطرق،
فإنك إذا صبرت على سوء أخلاقهم مرة بعد أخرى ، ولم تقابل سفاهتهم بالغضب ولا إضرارم
بالإيذاء والإيحاش استحيوا من تلك الأخلاق المذمومة وتركوا تلك الأفعال القبيحة.
ثم قال ( فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولى حميم) يعنى إذا قابلت إساءتهم بالإحسان ،
وأفعالهم القبيحة بالأفعال الحسنة تركوا أفعالهم القبيحة وانقلبوا من العداوة إلى المحبة ومن البغضة
إلى المودة، ولما أرشد اللّه تعالى إلى هذا الطريق النافع فى الدين والدنيا والآخرة عظمه فقال:
( وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم) قال الزجاج: أى وما يلق هذه الفعلة
إلا الذين صبروا على تحمل المكاره وتجرع الشدائد وكظم الغيظ وترك الانتقام .
ثم قال ( وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم) من الفضائل النفسانية والدرجة العالية فى القوة
الروحانية ، فإن الاشتغال بالانتقام والدفع لا يحصل إلا بعد تأثر النفس ، وتأثر النفس من
الواردات الخارجية لا يحصل إلا عند ضعف النفس فأما إذا كانت النفس قوية الجوهر لم تتأثر من
الواردات الخارجية، وإذا لم تتأثر منها لم تضعف ولم تتأذ ولم تشتغل بالانتقام ، فثبت أن هذه السيرة
التى شرحناها لا يلقاها إلا ذوحظ عظيم من قوة النفس وصفاء الجوهر وطهارة الذات ، ويحتمل
أن يكون المراد (وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم) من ثواب الآخرة، فعلى هذا الوجه قوله (وما يلقاها
إلا الذين صبروا) مدح بفعل الصبر، وقوله ( وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم) وعد بأعظم الحظ
من الثواب .
ولما ذكر هذا الطريق الكامل فى دفع الغضب والانتقام ، وفى ترك الخصومة ذكر
عقيبه طريقاً آخر عظيم النفع أيضاً فى هذا الباب ، فقال ( وإما ينزغنك من الشيطان نوغ
فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم) وهذه الآية مع مافيها من الفوائد الجليلة مفسرة فى آخر سورة
الأعراف على الاستقصاء، قال صاحب الكشاف التزغ والنسخ بمعنى واحد وهو شبه النحس

١٢٩
قوله تعالى : ومن آياته الليل والنهار . سورة فصلت .
ج
وَمِنْ ءَشِهِ الَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرْ لَا تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ
فَإِنِ أَسْتَكْبَرُواْ
وَأَسْجُدُوْ لِلَّهِ الَّذِى خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّهُ تَعْبُدُونَ (®)
فَالَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ، ◌ِلَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْعَمُونَ (﴿ وَمِنْ
ءَايَشِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَشِعَةٌ فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَآءَ أَهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ
الَّذِىّ أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْنَّ إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرُ
والشيطان ينزغ الإنسان ، كا نه ینخسه بيعته على مالا ینبغی وجعل النزغ نازغاً ، كما قيل: جد جده
أو أريد ( وإما ينزغنك) نازغ وصفاً للشيطان بالمصدر، وبالجملة فالمقصود من الآية وإن صرفك
الشيطان عما شرعت من الدفع بالتى هى أحسن ، فاستعذ بالله من شره ، وامض على شأنك ولا
قطعه، والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واجدوا
قه الذى خلقهن إن كنتم إياه تعبدون ، فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل
والنهار وهم لا يسأمون، ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت
إن الذى أحياها نحى الموتى إنه على كل شىء قدير ﴾.
أعلم أنه تعالى لما بين فى الآية المتقدمة أن أحسن الأعمال والأقوال هو الدعوة إلى الله تعالى
أردفه بذكر الدلائل الدالة على وجود الله وقدرته وحكمته، تنبيهاً على أن الدعوة إلى الله تعالى
عبارة عن تقرير الدلائل الدالة على ذات الله وصفاته، فهذه تنبيهات شريفة مستفادة من تناسق
هذه الآيات ، فكان العلم بهذه اللطائف أحسن علوم القرآن ، وقد عرفت أن الدلائل الدالة على
هذه المطالب العالية هى العالم بجميع مافيه من الأجزاء والأبعاض، فبدأ ههنا بذكر الفلكيات وهى
الليل والنهار وإنما قدم ذكر الليل على ذكر النهار تنبيهاً على أن الظلمة عدم، والنور وجود، والعدم
سابق على الوجود، فهذا كالتنبيه على حدوث هذه الأشياء، وأما دلالة الشمس والقمر والأفلاك
وسائر الكواكب على وجود الصانع ، فقد شرحناها فى هذا الكتاب مراراً، لا سيما فى تفسير
قوله (الحمد لله رب العالمين) وفى تفسير قوله (الحمد لله الذى خلق السموات والأرض).
ولما بين أن الشمس والقمر محدثان، وهما دليلان على وجود الإله القادر قال (لا تسجدوا
الشمس ولا للقمر) يعنى أنهما عبدان دليلان على وجود الإله ، والسجدة عبارة عن نهاية التعظيم
الفخر الرازي - ج ٢٧ م ٩

١٣٠
قوله تعالى : فإن استكبروا فالذين عند ربك . سورة فصلت .
فهى لا تليق إلا بمن كان أشرف الموجودات، فقال (لا تسجدوا الشمس ولا القمر) لأنهما عبدان
مخلوقان (واسجدوا له) الخالق القادر الحكيم، والضمير فى قوله (خلقهن) الليل والنهار والقمر، لأن
حكم جماعة ما لا يعقل حكم الأنثى أو الإناث، يقال للأفلام بريتها وبريتهن، ولما قال (ومن آياته)
كن فى معنى الإناث فقال ( خلقهن) وإنما قال (إن كنتم إياه تعبدون) لأن ناساً كانوا يسجدون
للشمس والقمر كالصابتين فى عبادتهم الكواكب ويزعمون أنهم يقصدون بالسجود لهما السجودته
قنهوا عن هذه الواسطة وأمروا أن لا يسجدوا إلا لله الذى خلق الأشياء، فإن قيل إذا كان لا بد
فى الصلاة من قبلة معينة ، فلو جعلنا الشمس قبلة معينة عند السجود كان ذلك أولى ، قلنا الشمس
جوهر مشرق عظيم الرفعة عالى الدرجة ، فلو أذن الشرع فى جعلها قبلة فى الصلوات، فعند اعتياد
السجود إلى جانب الشمس ربما غلب على الأوهام أن ذلك السجود للشمس لا لله، فلأجل الخوف
من هذا المحذورنهى الشارع الحكيم عن جعل الشمس قبلة للسجود، بخلاف الحجر المعين فانه ليس
فيه ما يوم الإلهية، فكان المقصود من القبلة حاصلا والمحذور المذكور زائلا فكان هذا أولى، واعلم
أن مذهب الشافعى رضى الله عنه أن موضع السجود هو قوله (تعبدون) لأجل أن قوله (واسجدوا
قه) متصل به، وعند أبى حنيفة هو قوله (وهم لا يسأمون) لأن الكلام إنما يتم عنده.
ثم إنه تعالى لما أمر بالسجود قال بعده ( فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل
والنهار وهم لا يسأمون) وفيه سؤالات :
( السؤال الأول) إن الذين يسجدون للشمس والقمر يقولون نحن أقل وأذل من أن
يحصل لنا أهلية عبودية اللّه تعالى، ولكنا عبيد الشمس وهما عبدان لله، وإذا كان قول هؤلاء
هكذا ، فكيف يليق أن يقال إنهم استكبروا عن السجود لله؟ (والجواب) ليس المراد من
لفظ الاستكبار ماذكرتم ، بل المراد فإن استكبروا عن قبول قولك يامحمد فى النهى عن السجود
الشمس والقمر .
﴿ السؤال الثانى) أن المشبهة تمسكوا بقوله (الذين عند ربك) فى إثبات المكان والجهة فيه
تعالى (والجواب) أنه يقال عند الملك من الجند كذا وكذا، ولا يراد به قرب المكان. فكذا
ههنا . ويدل عليه قوله («أنا عند ظن عبدى بى، وأنا عند المنكسرة قلوبهم لآجلى، فى مقعد صدق
عند مليك مقتدر )) ويقال عند الشافعى رضى الله عنه إن المسلم لا يقتلى بالذمى.
( السؤال الثالث) هل تدل هذه الآية على أن الملك أفضل من البشر؟ (الجواب) نعم، لأنه
إنما يستدل بحال الأعلى على حال الأدون، فيقال هؤلاء الأقوام إن استكبروا عن طاعة ثلان
فالأكابر يخدمونه ويعترفون بتقدمه، فثبت أن هذا النوع من الاستدلال إنما يحسن بحال الأعلى
على حال الأدون .
( السؤال الرابع ) قال ههنا فى صفة الملائكة (يسبحون بالليل والنهار) فهذا يدل على

١٣١
قوله تعالى : إن الذين يلحدون في أياتنا . سورة فصلت .
إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِىّ ءَايَقِنَا لَا يَحْفَوْنَ عَيْنَا أَنْ يُلَقَ فِ النَّارِ خَيْرُ أَم مَّن
يَأْتِّءَامِنَا يَوْمَ الْقِيَدَمَّةِ أعملواْ مَا شِئْتُمْ إِنَُّرِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرُّ (﴾ إِنَّالَّذِينَ
أنهم مواظبون على التسبيح، لا ينفكون عنه لحظة واحدة، واشتعالهم بهذا العمل على سبيل الدوام
يمنعهم من الاشتغال بسائر الأعمال ككونهم ينزلون إلى الأرض كما قال (نزل به الروح الأمين
على قلبك) وقال (ونبهم عن ضيف إبراهيم) وقوله تعالى (عليها ملائكة غلاظ شداد) الجواب
أن الذين ذكرهم الله تعالى ههنا بكونهم مواظبين على التسبيح أقوام معينون من الملائكة وم
الأشراف الأكابر منهم ، لأنه تعالى وصفهم بكونهم عنده، والمراد من هذه العندية كمال الشرف
والمنقبة، وهذا لا ينافى كون طائفة أخرى من الملائكة مشتغلين بسائر الأعمال ، فان قالوا هب
أن الأمر كذلك إلا أنهم لابد وإن يتنفسوا ، فاشتغالهم بذلك التنفس يصدهم عن تلك الحالة من
التسبيح قلنا كما أن التنفس سبب لصلاح حال الحياة بالنسبة إلى البشر فذكر الله تعالى سبب لصلاح
حالهم فى حياتهم ، ولا يجب على العاقل المنصف أن يقيس أحوال الملائكة فى صفاء
جوهرها وإشراق ذواتها واستغرافها فى معارج معارف اللّه بأحوال البشر، فإن بين الحالتين بعد
المشرقين .
ثم قال تغالى ( ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة) .
وأعلم أنه تعالى لما ذكر الآيات الأربع الفلكية وهى الليل والنهار والشمس والقمر ، أتبعها
بذكر آية أرضية فقال ( ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة) والخشوع التذلل والتصاغر ،
واستعير هذا اللفظ لحال الأرض حال خلوها عن المطر والنبات ( فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزات
وربت) أى تحركت بالنبات، وربت: انتفخت لأن النبت إذا قرب أن يظهر ارتفعت له الأرض
وانتفخت، ثم تصدعت عن النبات ، ثم قال (إن الذى أحياها محيي الموتى) يعنى أن القادر على
إحياء الأرض بعدموتها هو القادر على إحياء هذه الأجساد بعد موتها، وقد ذكرنا تقرير هذا
الدليل مراراً لاحصر لها، ثم قال (إنه على كل شىء قدير) وهذا هو الدليل الأصلى وتقريره إن
عودة التأليف والتركيب إلى تلك الأجزاء المتفرقة ممكن لذاته، وعود الحياة والعقل والقدرة إلى
تلك الأجزاء بعد اجتماعها أيضاً أمر ممكن لذاته، والله تعالى قادر على الممكنات، فوجب أن يكون
قادراً على إعادة التركيب والتأليف والحياة والقدرة والعقل والفهم إلى تلك الأجزاء، وهذا يدل
دلالة واضحة على أن حشر الأجساد ممكن لا امتناع فيه البتة، والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿ إن الذين يلحدون فى آياتنا لا يخفون علينا أفن يلقى فى النار خير أمن يأتى آمناً
يوم القيامة أعملوا ماشئتم إنه بما تعملون بصير، إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم وإنه لكتاب

١٣٢
قوله تعالى : لا يأتيه الباطل من بين يديه . سورة فصلت .
كَفَرُواْبِالذِّكْ لَمَّا بَجَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَبُّ عَزِيزٌ ﴾ لَا يَأْتِهِ الْبَطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيِ
وَلَا مِنْ خَلْفِهِ، تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيم حِيدٍ
٤٢
عزيز، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد﴾ .
أعلم أنه تعالى لما بين أن الدعوة إلى دين الله تعالى أعظم المناصب وأشرف المراتب، ثم بين
أن الدعوة إلى دين الله تعالى، إنما تحصل بذكر دلائل التوحيد والعدل وصحة البهيث والقيامة ،
عاد إلى تهديد من ينازع فى تلك الآيات، ويحاول إلقاء الشبهات فيها، فقال (إن الذين يلحدون فى
فى آياتنا) يقال ألحد الحافر ولحد إذا مال عن الاستقامة خفر فى شق، فالملحد هو المنحرف . ثم
يحكم العرف اختص بالمنحرف عن الحق إلى الباطل ، وقوله (لا يخفون علينا) تهديد كما إذا قال
الملك المهيب : إن الذین ينازعونی فی ملکی أعرفهم ، فانه يكون ذلك تهديداً، ثم قال (افن باقی فی
النار خير أمن يأتى آمناً يوم القيامة ) وهذا استفهام بمعنى التقرير، والغرض التنبيه على أن الذين
يلحدون فى آبائنا يلقون فى النار، والذين يؤمنون بآياتنا يأتون آمنين يوم القيامة. ثم قال (اعملوا
ما شئتم إنه بما تعملون بصير) وهذا أيضاً تهديد ثالث، ونظيره ما يقوله الملك المهيب عند الغضب
الشديد إذا أخذ يعاتب بعض عبيده ثم يقول لهم (اعملوا ماشتنم) فان هذا مما يدل على الوعيد
الشديد.
قوله تعالى: ﴿إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم﴾ وهذا أيضاً تهديد، وفى جوابه وجهان:
(أحدهما ) أنه محذوف كسائر الأجوبة المحذوفة فى القرآن على تقدير (إن الذين كفروا بالذكر
لما جاءهم) يجازون بكفرهم أو ما أشبه ذلك (والثانى) أن جوابه قوله (أولئك بنادون من
مكان بعيد) والأول أصوب ، ولما بالغ فى تهديد الذين يلحدون فى آيات القرآن أتبعه بيبان
تعظيم القرآن، فقال ( وإنه لكتاب عزيز) والعزيز له معنيان (أحدهما) الغالب القاهر (والثانى)
الذى لا يوجد نظيره، أما كون القرآن عزيزاً بمعنى كونه غالباً، فالأمر كذلك لأنه بقوة حجته
غلب على كل ماسواه، وأما كونه عزيزاً بمعنى عديم النظير، فالأمر كذلك لأن الأولين والآخرين
مجمزوا عن معارضته، ثم قال ( لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه) وفيه وجوه: (الأول)
لا تكذبه الكتب المتقدمة كالتوراة والإنجيل والزبور ، ولا يحى، كتاب من بعده يكذبه
(الثانى) ما حكم القرآن بكونه حقاً لا يصير باطلا، وما حكم بكونه باطلا لا يصير حقاً (الثالث)
معناه أنه محفوظ من أن ينقص منه فيأتيه الباطل من بين يديه ، أو يزاد فيه فيأتيه الباطل من
خلفه. والدليل عليه قوله (وإنا له لحافظون) فعلى هذا الباطل هو الزيادة والنقصان (الرابع)
يحتمل أن يكون المراد أنه لا يوجد فى المستقبل كتاب يمكن جعله معارضاً له ولم يوجد فيما تقدم

١٣٣
قوله تعالى : ما يقال لك إلا ما قد قيل . سورة فصلت .
مَّا يُقَالُ لَكَ إِلَّ مَا قَدْ قِلَ لِلرَّسُلِ مِن قَبْلِكَّ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَفُو عِقَابٍ
أَلٍِ ﴿ وَلَوْ جَعَلْنَهُ قُرْءَانًا أَعْجِيًّا لَّقَالُواْ لَوْلَا فُصِلَتْ ءَ ايَلُهُ رَ أْنْجَمِىُّ وَعَرَبِىّ
قُلْ هُوَ لَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدًى وَشِفَاءٌ وَالّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِى ءَاذَانِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ
وَلَقَدْءَ اتَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ
عَمِّىْ أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانِ بَعِدٍ
فَأْتُلِفَ فٍِ وَلَوْلًا كَلِمَةُ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَّقُضِىَ بَهُمْ وَهُمْلَفِي ◌ٍَّ
مِنْهُ مُرِيبٍ (﴾ مَّنْ عَمِلَ صَالِمًا فِلِنَفْسِهِ، وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظٍَّ
للْعَبِيدِ
كتاب يصلح جعله معارضاً له (الخامس) قال صاحب الكشاف هذا تمثيل، والمقصود أن (الباطل)
لا یتطرق إله، ولا يهد إليه سبيلا من جهة من الجهات حتى يتصل إليه.
واعلم أن لأبى مسلم الأصفهانى أن يحتج بهذه الآية على أنه لم يوجد الفسخ فيه لأن النسخ إبطال
فلو دخل الفسخ فيه لكان قد أتاه الباطل من خلفه وإنه على خلاف هذه الآية.
ثم قال تعالى (تنزيل من حكيم حميد) أى حكيم فى جميع أحواله وأفعاله، حميد إلى جميع خلقه
بسبب كثرة نعمه، ولهذا السبب جعل (الحمد قه رب العالمين) فاتحة كلامه، وأخبر أن عائمة كلام
أهل الجنة، وهو قوله (الحمد لله رب العالمين).
قوله تعالى : ﴿ مايقال لك إلا ما قد قيل الرسل من قبلك إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب إليم،
ولو جعلناه قرآناً أعجمياً لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمى وعربى قل هو الذين آمنوا هدى وشفاء
والذين لا يؤمنون فى آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد ، ولقد آتينا
موسى الكتاب فاختلف فيه ولولا كلمة سبقت من ربك لقضى بينهم وإنهم لفى شك منه مريب ،
﴾.
من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد
واعلم أنه تعالى لما هدد الملحدین فی آيات الله، ثم بين شرف آیات اله، وعلى درجة كتاب
اللّه رجع إلى أمر رسول اله تزئے بأن یصبر على أذى قومه وأن لا يضيق قلبه بسبب ما حكاه عنهم
قى أول السورة من أنهم ( قالوا قلوبنا فى أكنة مما تدعونا إليه) إلى قوله (فاعمل إننا عاملون)

١٣٤
قوله تعالى : وقالوا قلوبنا في أکنه . سورة فصلت .
فقال ( ما يقال لك إلا ماقد قيل الرسل من قبلك) وفيه وجهان: (الأول) وهو الأقرب أن
المراد ما تقول لك كفار قومك إلا مثل ماقد قال المرسل كفار قومهم من الكلمات المؤذية والمطاعن
فى الكتب المنزلة (وإن ربك لذو مغفرة) للمحقين (وذو عقاب أليم) للبطلين تفوض هذا الأمر
إلى الله واشتغل بما أمرت به وهو التبليغ والدعوة إلى الله تعالى (الثانى) أن يكون المراد ماقال انه لك
إلا مثل ما قال لسائر الرسل وهو أنه تعالى أمرك وأمر كل الأنبياء بالصبر على سفاهة الأقوام فمن حقه أن
يرجوه أهل طاعته. ويخافه أهل معصيته، وقد ظهر من كلامنا فى تفسير هذه السورة أن المقصود من
هذه السورة، هو ذکر الأجوبة عن قولهم ( وقالوا قلوبنا فی أ کنة معما تدعونا إلیه وفی آذاننا وقر
ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا عاملون) فتارة ينبه على فساد هذه الطريقة، وتارة يذكر
الوعد والوعيد لمن لم يؤمن بهذا القرآن ولمن يعرض عنه، وامتد الكلام إلى هذا الموضع من أول
السورة على الترتيب الحسن والنظم الكامل. ثم إنه تعالى ذكر جواباً آخر عن قولهم ( وقالوا قلوبنا
فى أكنة مما تدعونا إليه وفى آذاننا وقر) فقال ( ولو جعلناه قرآناً أعجمياً لقالوا لولا فسلت آياته
العجمى وعربى ) وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ حمزة والكسائى وأبو بكر عن عاصم: أأعجمى بهمرتين على الاستفهام،
والباقون بهمزة واحدة ومدة على أصلهم فى أمثاله، كقوله (النذرتهم) ونحوها على الإستفهام،
وروى عن ابن عباس بهمزة واحدة، وأما القراءة بهمرتين: فالهمزة الأولى همزة إنكار، والمراد
أنكروا وقالواقرآن أعجمى ورسول عربى، أو مرسل إليه عربى، وأما القراءة بغير همزة الاستفهام،
فالمراد الإخبار بأن القرآن أعجمى والمرسل إليه عربى .
المسألة الثانية) نقلوا فى سبب نزول هذه الآية أن الكفار لأجل التعنت ، قالوالونزل
القرآن بلغة العجم فنزلت هذه الآية ، وعندى أن أمثال هذه الكلمات فيها حيف عظيم على القرآن ،
لأنه يقتضى ورود آيات لا تعلق البعض فيها بالبعض، وأنه يوجب أعظم أنواع الطعن فكيف يتم
مع التزام مثل هذا الطعن ادعاء كونه كتاباً منتظما، فضلا عن ادعاء كونه معجزاً؟ بل الحق عندى
أن هذه السورة من أولها إلى آخرها كلام واحد ، على ما حكى الله تعالى عنهم من قولهم ( قلوبنا فى
أكنة ما تدعونا إليه وفى آذاننا وقر) وهذا الكلام أيضاً متعاق به، وجراب له، والتقدير: أنا لو
أنزلنا هذا القرآن بلغة العجم لكان لهم أن يقولوا: كيف أرسلت الكلام العجمى إلى القوم العرب،
ويصح لهم أن يقولوا ( قلوبنا فى أكنة مما تدعونا إليه) أى من هذا الكلام (وفى آذاننا وقر)
منه لأنا لانفهمه ولا نخيط بمعناه، أما لما أنزلنا هذا الكتاب بلغة العرب وبألفاظهم وأنتم من أهل
هذه اللغة، فكيف يمكنكم ادعاء أن قلوبكم فى أكنة منها، وفى آذانكم وقر منها ، فظهر أنا إذا جعلنا
هذا الكلام جواباً عن ذلك الكلام، بقيت السورة من أولها إلى آخرها على أحسن وجوه النظم،
وأما على الوجه الذى يذكره الناس فهو عجيب جداً .

١٣٥
قوله تعالى : قل هو للذين آمنوا . سورة فصلت .
قوله تعالى : ﴿قل هو الذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون فى آذانهم وقر وهو عليهم
عی أولتك ینادون من مكان بعيد﴾.
واعلم أن هذا متعلق بقولهم (وقالوا قلوبنا فى أ كنة مما تدعونا إليه) إلى آخر الآية ، كانه تعالى
يقول : إن هذا الكلام أرسلته إليكم بلغتكم لا بلغة أجنبية عنكم ، فلا يمكنكم أن تقولوا إن قلوبنا
فى أ كنة منه بسبب جهلنا بهذه اللغة، فبقى أن يقال إن كل من آتاه الله طبعاً مائلا إلى الحق، وقلباً
مائلا إلى الصدق، وهمة تدعوه إلى بذل الجهد فى طلب الدين ، فإن هذا القرآن يكون فى حقه
هدى وشفاء. أماكونه (هدى) ملأنه دليل على الخيرات ويرشد إلى كل السعادات ، وأما كونه
(شفاء) فإنه إذا أمكنه الاهتداء فقد حصل الهدى ، فذلك الهدى شفاء له من مرض الكفر والجهل ،
وأما من كان غارقاً فى بحر الخذلان ، وقائها فى مفاوز الحرمان ، ومشغوفاً بمتابعة الشيطان ، كان
هذا القرآن فی آذانه وقراً ، کما قال (وفی آذاننا وقر) وكان القرآن عليهم ( عمی ) کما قال ( ومن بيننا
وبينك حجاب ، أولئك ينادون من مكان بعيد) بسبب ذلك الحجاب الذى حال بين الانتفاع بيان
القرآن، وكل من أنصف ولم يتعسف علم أنا إذا فسرنا هذه الآية على الوجه الذى ذكر ناه صارت
هذه السورة من أولها إلى آخرها كلاماً واحداً منتظماً مسوقاً نحو غرض واحد، فيكون هذا
التفسير أولى مما ذكروه، وقرأ الجمهور (وهو عليهم عمى) على المصدر ، وقرأ ابن عباس عم على
النعت، قال أبو عبيد والأول هو الوجه، كقوله (هدى وشفاء) وكذلك (عى) هو مصدر مثلها ،
ولو كان المذكور أنه هاد وشاف لكان الكسر فى (على) أجود فيكون نعتاً مثلهما، وقوله تعالى
( أولئك ينادون من مكان بعيد) قال ابن عباس : يريد مثل البهيمة التى لا تفهم الإ دعاء ونداء ،
وقيل من دعى من مكان بعيد لم يسمع، وإن سمع لم يفهم ، فكذا حال هؤلا ..
قوله تعالى: ﴿ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه﴾ وأقول أيضاً إن هذا متعلق بما قبله،
كأنه قيل إنا لما آتينا موسى الكتاب اختلفوا فيه، فقبله بعضهم ورده الآخرون، فكذلك آتيناك
هذا الكتاب فقبله بعضهم وهم أصحابك ، ورده الآخرون، وهم الذين يقولون ( قلوبنا فی أ کنة ما
تدعونا إليه ) .
قوله تعالى: ﴿ولولا كلمة سبقت من ربك﴾ يعنى فى تأخير العذاب عنهم إلى أجل مسمى وهو
يوم القيامة ، كما قال ( بل الساعة موعدهم لقضى بينهم) يعنى المصدق والمكذب بالعذاب الواقع
بمن كذب وإنهم لفي شك من صدقك وكتابك مريب، فلا ينبغى أن تستعظم استيحاشك من قولهم
( قلوبنا فى أكنة مما تدعونا إليه ) .
ثم قال ﴿من عمل صالحاً فلنفسه، ومن أساء فعليها ﴾ يعنى خفف على نفسك إعراضهم، فإنهم
إن آمنوا فنفع إيمانهم يعود عليهم، وإن كفروا فضرر كفرثم يعود إليهم، والله سبحانه يوصل إلى
كل أحد ما يليق بعمله من الجزاء ( وما ربك بظلام للعبيد).

١٣٦
قوله تعالى: إليه يرد علم الساعة. سورة فصلت. الحامير والبخوت
إِلَيْهِ يُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ تَرَّتٍ مِنْ أَِّهَا وَمَا تَحِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا
تَضَعُ إِلَّ بِعِهِ، وَيَوْمَ يُنَادِهِمْ أَيْنَ شُرَكَاءِى قَالُواْءَ اذَّكَ مَلِمِنَّا مِنْ شَسِدٍ ﴾
وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَدْعُونَ مِن قَبْلُّ وَنُواْ مَالَهُمْ مِنْ تَخِصِ ﴾ لَّا يَسْعَمُ
الإِنسَانُ مِن دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِن مَّسَّهُ الشَّرُّ فَيَعُومِرْ قَنُوطُ () وَلَبِنْ أَذَقْنَهُ
رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَآءَ مَسَّهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِ وَمَا أُرُّ السّاعَةَ قَاتِمَةُ وَكَين
رْجِعْتُ إَِ رَبِ إِنَّلِ عِندَهُ لَحُسْنَى قَالَنْفَقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِمَا عَمِلُواْ
ج
وَلَنُذِيقَنْهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظِ
٥٠
وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى آلْإِنسَنِ أَعْرَضَ وَنَفَا
قُلْ أَرَءَّيْمْ إِن كَانَ مِنْ
٥١
الشَّرُّ فَذُودُعَاءِ عَرِيضِ
بِجَانِبِهِ، وَإِذَا مَسَّهُ
عِندِ اللّهِثُمَّ كَفَرْ تُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِنْ هُوَ فِى شِفَاقٍ بَعِدٍ (® سَثُرِمْ،َ آَيَقِنَا
فِ آلْأَفَقِ وَفِى أَنفُسِمْ خَّ ◌َبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَنَّ أَوَلَمْ يَكْفٍ بِرَبِّكَ أَهُ عَ كُلٍ
قوله تعالى: ﴿إليه يرد علم الساعة وما تخرج من ثمرات من أكمامها وما تحمل من أنثى ولا
تضع إلا بعلمه ويوم بناديهم أين شركائى قالوا آذناك ما منا من شهيد، وعضل عنهم ما كانوا يدعون
من قبل وظنوا ما لهم من محيص ، لا يسأم الإنسان من دعاء الخير وإن مسه الشر فينوس
قنوط ، ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لى وما أظن الساعة قائمة ولن
رجعت إلى ربى إن لى عند، الحسنى فائقين الذين كفروا بما عملوا ولنذيقنهم من عذاب غليظ ،
وإذا أفعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر فذو دماء عريض، قل أرأيتم إن كان
من عند الله ثم كفرتم به من أضَل ممن هو فى شقاق بعيد، سنريهم آياتنا فى الآفاق وفى أنفسهم
حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شىء شهيد.

١٣٧
قوله تعالى : ما منا من شهيد . سورة فصلت .
﴿ أَلَ إِنْهُمْ فِى مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَيْهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلّ شَىْءٍ مُحِيطٌ
شَىْءٍ شَهِدَ
ألا إنهم فى مربة من لقاء ربهم ألا إنه بكل شىء محيط
واعلم أنه تعالى لما هدد الكفار فى الآية المتقدمة بقوله (من عمل صالحاً فلنفسه، ومن أمناء فعليها)
ومعناه أن جزاء كل أحد يصل إليه فى يوم القيامة ، وكأن سائلا قال ومتى يكون ذلك اليوم؟ فقال تعالى
إنه لا سبيل للخلق إلى معرفة ذلك اليوم ولا يعلمه إلا الله، فقال (إليهيرد علم الساعة) وهذه الكلمة تفيد
الحصر أى لا يعلم وقت الساعة بعينه إلا الله، وكما أن هذا العلم ليس إلا عند اللّه فكذلك العلم
بحدوث الحوادث المستقبلة فى أوقاتها المعينة ليس إلا عند الله سبحانه وتعالى، ثم ذكر من أمثلة هذا
الباب مثالين (أحدهما) قوله ( وما تخرج من ثمرات من أكمامها) ( والثانى) قوله ( وما تحمل من
أنثى ولا تضع إلا بعلمه) قال أبو عبيدة أكمامها أوعيتها وهى ما كانت فيه الثمرة واحدها كم وكمة،
قرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم من ثمرات بالألف على الجمع والباقون من ثمرة بغير ألف
على الواحد .
واعلم أن نظير هذه الآية قوله ( إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ) إلى آخر الآية ، فإن
قيل أليس أن المنجمين قد يتعرفون من طالع سنة العالم أحوالا كثيرة من أحوال العالم، وكذلك
قد يتجرفون من طوالع الناس أشياء من أحوالهم، وههنا شىء آخر يسمى علم الرمل وهو كثير
الإصابة وأيضاً على التعبير بالاتفاق قد يدل على أحوال المغيبات ، فكيف الجمع بين هذه العلوم
المشاهدة وبين هذه الآية؟ قلنا إن أصحاب هذه العلوم لا يمكنهم القطع والجزم فى شىء من المطالب
البتة وإنما الغاية القصوى ادعاء ظن ضعيف والمذكور فى هذه الآية أن علمها ليس إلا عند الله
والعلم هو الجزم واليقين وبهذا الطريق زالت المناناة والمعاندة والله أعلم، ثم إنه تعالى لما ذكر
القيامة أردفه بشىء من أحوال يوم القيامة ، وهذا الذى ذكره ههنا شديد التعلق أيضاً بما وقع
الابتداء به فى أول السورة، وذلك لأن أول السورة يدل على أن شدة نفورثم عن استماع القرآن
إنما حصلت من أجل أن عمداً ترفع كان يدعوهم إلى التوحيد وإلى البراءة عن الأصنام والأوثان
بدليل أنه قال فى أول السورة (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلى أنما إلهكم إله واحد) فذكر
فى عائمة السدورة وعيد القائلين بالشركاء والأنداد فقال (ويوم يناديهم فيقول أين شركائى) أى
بحسب زهكم واعتقاد كم قالوا (آذاك) قال ابن عباس أسمعناك كقوله تعالى (وأذنت لربها وحقت)
بمعنى سمعت ، وقال الكُلى أعلمناك وهذا بعيد، لأن أهل القيامة يعلمون اللّه ويعلمون أنه يعلم
الأشياء علياً واجباً ، فالإعلام فى حقه محال .
ثم قال (مامنا من شهيد) وفيه وجوه (الأول) ليس أحد منا يشهد بأن لك شريكا، فالمقد رد
أنهم فى ذلك اليوم يتبرءون من إثبات الشريك له تعالى (الثانى) ما منا من أحد يشاهدهم لأنهم

١٣٨
قوله تعالى : وما أظن الساعة قائمة . سورة فصلت .
شاوا عنهم وضلت عنهم آلهتهم لا يبصرونها فى ساعة التوبيخ (الثالث) أن قوله ( مامنا من شهيد)
كلام الأصنام فإن الله يجنيها ، ثم إنها تقول مامنا من أحد يشهد بصحة ما أضافوا إلينا من الشركة،
وعلى هذا التقدير قعنى أنها لا تنفعهم فكانهم عناوا عنهم.
ثم قال (وظنوا مالهم من محیص) وهذا ابتداء كلام من الله تعالى يقول إن الكفار ظنوا
أولا ثم أيقنوا أنه لا محيص لهم عن النار والعذاب، ومنهم من قال إنهم ظنوا أولا أنه لا محيص
لهم عن النار ثم أيقنوا ذلك بعده، وهذا بعيد لأن أهل النار يعلمون أن عقابهم دائم، ولما بين الله
تعالى من حال هؤلاء الكفار أنهم بعد أن كانوا مصرين على القول بإثبات الشركاء والأضداد فيه
فى الدنيا تبرموا عن تلك الشركاء فى الآخرة بين أن الإنسان فى جميع الأوقات مبدل الأحوال.
متغیر المنهج , فإن أحس بخير وقدرة استفخ وتعظم وإن احس یلا، ومحنة ذبل، کما قيل فى المثل: إن
هذا كالقرى، إن رأى خيراً تدلى، وإن رأى خراً تولى، فقال (لا يسأم الإنسان من دماء الخير
وإن مسبه الشر فينوس قنوط) يعنى أنه فى حال الإقبال ومجىء المرادات لا ينتهى قط إلى درجة إلا
ويطلب الزيادة عليهاويطمع بالفوز بها، وفى حال الإدبار والحرمان يصير آيساً تانطاً ، والانتقال
من ذلك الرجاء الذی لا آخر له إلى هذا اليأس الكلى يدل على كونه متبدل الصفة متغير الحال وفى
قوله (ينوس قنوط) مبالغة من وجهين (احدهما) من طريق بناء فعول (والثانى) من طريق:
التكرير واليأس من صفة القلب ، والقنوط أن يظهر آثار اليأس فى الوجه والأحوال الظاهرة.
ثم بين تعالى أن هذا الذى صار آيساً قانطاً لوعاودته النعمة والدولة، وهو المراد من قوله
(ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته) فإن هذا الرجل بأتى بثلاثة أنواع من الأقاويل الفاسدة
والمذاهب الباطلة الموجبة للكفر والبعد عن اللّه تعالى (فأولها) أنه لابد وأن يقول هذالى وفيه
وجهان (الأول) معناه أن هذا حتى وصل إلى، لأنى استوجبته بما حصل عندى من أنواع الفضائل
وأعمال البر والقربة من الله ولا يعلم المسكين أن أحداً لا يستحق على الله شيئاً، وذلك لأنه إن
كان ذلك الشخص عارياً عن الفضائل، فهذا الكلام ظاهر الفساد وإن كان موصوفاً بشىء من
الفضائل والصفات الحميدة، فهى بأسرها إنما حصلت له بفضل الله وإحسانه، وإذا تفضل الله بشى.
على بعض عبيده ، امتنع أن يصير تفضله عليه بتلك العطية سبباً لأن يستحق على أنه شيئاً آخر ،
ثبت بهذا فساد قوله إنما حصلت هذه الخيرات بسبب استحقاقى (والوجه الثانى ) أن هذا لى أى
لا یزول غی رییقی علی رعلی أولادى وذریتی.
( والنوع الثانى) من كلماتهم الفاسدة أن يقول (وما أظن الساعة قائمة) يعنى أنه يكون شديد
الرغبة فى الدنيا عظيم النفرة عن الآخرة فإذا آل الأمر إلى أحوال الدنيا يقول إنها لى وإذاJF
الأمر إلى الآخرة يقول ( وما أظن الساعة قائمة).
(والنوع الثالث ) من كلماتهم الفاسدة أن يقول (ولئن رجعت إلى ربى إن لى عنده الحسنى)

١٣٩
٠٠
قوله تعالى : ممن هو في شقاق بعيد . سورة فصلت .
يعنى أن الغالب على الظن أن القول بالبعث والقيامة باطل ، وبتقدير أن يكون حقاً فإن لى عنده
الحسينى، وهذه الكلمة تدل على جزمهم بوصولهم إلى الثواب من وجوه (الأول) أن كلمة إن
تفيد التأكيد (الثانى) أن تقديم كلمة لى تدل على هذا التأكيد (الثالث) قوله ( عنده) يدل على
أن تلك الخيرات حاضرة مهيئة عنده كما تقول لى عند فلان كذا من الدنانير ، فإن هذا يفيد كونها
حاضرة عنده ، فلو قلت إن لى عند فلان كذا من الدنانير لا يفيد ذلك ( والرابع) اللام فى قوله
(للحسنى) تفيد التأكيد (الخامس) للحسنى يفيد الكمال فى الحسنى.
ولما حكى الله تعالى عنهم هذه الأقوال الثلاثة الحاسدة قال (بلتنبئن الذين كفروامما عملوا)
أى نظهر لهم أن الأمر على ضدما اعتقدوه وعلى عكس ماتصوروه كما قال تعالى ( وقدمنا إلى ما عملوا
من عمل جعلناه هباء منثوراً، ولنذيقنهم من عذاب غليظ) فى مقابلة قولهم (إن لى عنده
للحسنى ) .
ولما حكى الله تعالى أقوال الذى أنعم عليه بعد وقوعه فى الآفات حكى أفعاله أيضاً فقال
(وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض) عن التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله ( ونأى بجانبه)
أى ذهب بنفسه وتكبر وتعظم ، ثم إن مسه الضر والفقر أقبل على دوام الدعاء وأخذ فى الابتهال
والتضرع، وقد استعير العرض لكثرة الدماء ودوامه وهو من صفات الأجرام ويستعار له الطول
أيضاً كما استغير الغلظ لشدة العذاب .
واعلم أنه تعالى لما ذكر الوعيد العظيم على الشرك وبين أن المشركين يرجعون عن القول
بالشرك فى يوم القيامة ، ويظهرون من أنفسهم الذلة والخضوع بسبب استيلاء الخوف عليهم، وبين
أن الإنسان جبل على التبدل، فإن وجد لنفسه قوة بالغ فى التكبر والتعظيم، وإن أحس بالفتور
والضعف بالغ فى إظهار الذلة والمسكنة ذكر عقيبه كلاماً آخربو جب على هؤلاء الكفارأن لا يبالغوا
فى إظهار النفرة من قبول التوحيد ، وأن لا يفرطوا فى إظهار العداوة مع الرسول صلى الله عليه
وسلم فقال (قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل ممن هو فى شقاق بعيد) وتقرير هذا
الكلام أنكم كلماً سمعتم هذا القرآن أعرضتم عنه وماتأملتم فيه وبالغتم فى النفرة عنه حتى قلتم (قلوبنا
فى أكنة ما تدعونا إليه وفى آذاننا وقر) ثم من المعلوم بالضرورة أنه ليس العلم بكون القرآن
باطلا علماً بديهياً، وليس العلم بفساد القول بالتوحيد والنبوة علماً بديهياً، فقبل الدليل يحتمل أن
يكون صحيحاً وأن يكون فاسداً فبتقدير أن يكون صحيحاً كان إصراركم على دفعه من أعظم موجبات
العقاب ، فهذا الطريق يوجب عليكم أن تتركوا هذه الثغرة؛ وأن ترجعوا إلى النظر والاستدلال
فان دل الدليل على صحته قبلتمره، وإن دل على فساده تركتموه، فأما قبل الدليل فالإصرار على
الدفع والإعراض بعيد عن العقل، وقوله ( من هو فى شقاق بعيد) موضوع موضع منكم بياناً
لحالهم وصفاتهم، ولما ذكر هذه الوجوه الكثيرة فى تقرير التوحيد والنبوة، وأجاب عن شبهات

١٤٠
قوله تعالى : ستريهم آياتنا في الآفاق . سورة فصلت .
المشركين وتمويهات الضالين قال (سفريهم آياتنا فى الآفاق وفى أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق) قال
الواحدى وأحد الآفاق أفق وهو الناخية من نواحى الأرض ، وكذلك آفاق السماء نواحيها
وأطرافها، وفى تفسير قوله (سنريهم آياتنا فى الآفاق وفى أنفسهم ) قولان (الأول) أن المراد
بآيات الآفاق الآيات الفلكية والكوكبية وآيات الليل والنهار وآيات الأضواء والإضلال
والظلمات وآيات عالم العناصر الأربعة وآيات المواليد الثلاثة ، وقد أكثر الله منها فى القرآن،
وقوله ( وفى أنفسهم ) المراد منها الدلائل المأخوذة من كيفية تكون الأجنة فى ظلمات الأرحام
وحدوث الأعضاء العجيبة والتركيبات الغريبة ، كما قال تعالى (وفى أنفسكم أفلا تبصرون) يعنى
نزيهم من هذه الدلائل مرة بعد أخرى إلى أن تزول الشبهات عن قلوبهم ويحصل فيها الجزم والقطع
بوجود الإله القادر الحكيم العليم المنزه عن المثل والضد، فإن قيل هذا الوجه ضعيف لأن قوله
تعالى (سنريهم) يقتضى أنه تعالى ما أطلعهم على تلك الآيات إلى الآن وسيطلعهم عليها بعد ذلك ،
والآيات الموجودة فى العالم الأعلى والأسفل قد كان اللّه أطلعهم عليها قبل ذلك فثبت أنه تعذر
حمل هذا اللفظ على هذا الوجه، قلنا إن القوم وإن كانوا قد رأوا هذه الأشياء إلا أن العجائب
التى أودعها الله تعالى فى هذه الأشياء بما لانهاية لها، فهو تعالى يطلعهم على تلك العجائب زماناً
فزماناً، ومثاله كل أحد رأى بعينه بنية الإنسان وشاهدها، إلا أن العجائب التى أبدعها الله فى
تركيب هذا البدن كثيرة وأكثر الناس لا يعرفونها، والذى وقف على شىء منها فكلما ازداد وقوفاً
على تلك العجائب والغرائب فصح بهذا الطريق قوله (سنريهم آياتنا فى الآفاق وفى أنفسهم)
(والقول الثانى) أن المراد بآيات الآفاق فتح البلاد المحيطة بمكه وبآيات أنفسهم فتح مكة والقائلون
بهذا القول رجحوه على القول الأول لأجل أن قوله (سنريهم) يليق بهذا الوجه ولا يليق بالأول
إلا أنا أجبنا عنه بأن قوله ( سنريهم) لائق بالوجه الأول كما قرر ناه، فإن قيل حمل الآية على هذا
الوجه بعيد لأن أقصى مافى الباب أن محمداً صلى الله عليه وسلم استولى على بعض البلاد المحيطة بمكا،
ثم استولى على مكة ، إلا أن الاستيلاء على بعض البلاد لا يدل على كون المستولى مقاً ، فإنا خرى
أن الكفار قد يحصل لهم استيلاء على بلاد الإسلام وعلى ملوكهم، وذلك لا يدل على كونهم بمحقين،
ولهذا السبب قلنا إن حمل الآية على الوجه الأول أولى ، ثم نقول إن أردنا تصحيح هذا الوجه ،
قلنا إنا لا نستدل بمجرد استيلاء محمد صلى الله عليه وسلم على تلك البلاد على كونه محقاً فى ادعاء
النبوة ، بل نستدل به من حيث أنه صلى الله عليه وسلم أخبر عن مكة أنه يستولى عليها ويقهر أهلها
وبصير أصحابه قاهرين للأعداء، فهذا إخبار عن الغيب وقد وقع مخبره مطابقاً خبره ، فيكون هذا
إخباراً صدقا عن الغيب ، والإخبار عن الغيب معجزة، فيهذا الطريق يستدل بحصول هذا الاستيلاء
على كون هذا الدين حقاً .
ثم قال (أو لم يكف بربك أنه على كل شىء شهيد) وقوله (بربك) فى موضع الرفع على أنه