Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
قوله تعالى : مثل دأب قوم نوح . سورة غافر .
برأى سوى ماذكرته أنه يجب قتله حسما لمادة الفتنة (وما أهديكم) بهذا الرأى (إلا سبيل الرشاد)
والصلاح ، ثم حكى تعالى أن ذلك المؤمن رد هذا الكلام على فرعون فقال ( إنى أخاف عليكم
مثل يوم الأحزاب).
واعلم أنه تعالى حكى عن ذلك المؤمن أنه كان يكتم إيمانه، والذى يكتم كيف يمكنه أن يذكر
هذه الكلمات مع فرعون، ولهذا السبب حصل ههنا قولان (الأول) أن فرعون لما قال (ذرونى
أقتل موسى) لم يصرح ذلك المؤمن بأنه على دين موسى ، بل أوهم أنه مع فرعون وعلى دينه ، إلا
أنه زعم أن المصلحة تقتضى ترك قتل موسى ، لأنه لم يصدر عنه إلا الدعوة إلى الله والإتيان
بالمعجزات القاهرة وهذا لا يوجب القتل، والإقدام على قتله يوجب الوقوع فى ألسنة الناس
بأقبح الكلمات ، بل الأولى أن يؤخر قتله وأن يمنع من إظهار دينه ، لأن على هذا التقدير إن كان
كاذباً كان وبال كذبه عائداً إليه، وإن كان صادقاً حصل الانتفاع به من بعض الوجوه، ثم
أكد ذلك بقوله ( إن الله لا یهدی من هو مسرف کذب) یعنی أنه إن صدق فيما يدعيه من
إثبات الإله القادر الحكيم فهو لا يهدى المسرف الكذاب، فأوهم فرعون أنه أراد بقوله (إن الله
لا يهدى من هو مسرف كذاب) أنه يريد موسى وهو إنما كان يقصد به فرعون ، لأن المسرف
الكذاب هو فرعون (والقولى الثانى) أن مؤمن آل فرعون كان يكتم إيمانه أولا، فلما قال فرعون
(ذرونى أفتل موسى) أزال الكتمان وأظهر كونه على دين موسى، وشافه فرعون بالحق .
واعلم أنه تعالى حكى عن هذا المؤمن أنواعاً من الكلمات ذكرها لفرعون (فالأول ) قوله
( ياقوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب) والتقدير مثل أيام الأحزاب ، إلا أنه لما أضاف
اليوم إلى الأحزاب وفسرهم بقومنوح وعاد وثمود ، حينئذ ظهر أن كل حزب كان له يوم معين فى
البلاء، فاقتصر من الجمع على ذكر الواحد لعدم الالتباس ، ثم فسر قوله (إنى أخاف عليكم مثل
يوم الأحزاب ) بقوله ( مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود) ودأب هؤلاء دونهم فى عملهم من
الکفار والتکذیب وسائر المعاھی ، فیکون ذلك دائباً ودائماً لا يفترون عنه ، ولا بد من حذف
مضاف يريد مثل جزاء دأبهم، والحاصل أنه خوفهم بهلاك معجل فى الدنيا، ثم خوفهم أيضاً بهلاك
الآخرة، وهو قوله ( ومن يضلل الله فما له من هاد) والمقصود منه التنبيه على عذاب الآخرة.
(والنوع الثانى) من كلمات ذلك المؤمن قوله تعالى ( وما اللّه يريد ظلماً للعباد) يعنى أن تدمير
أولئك الأحزاب كان عدلا ، لأنهم استوجبوه بسبب تكذيبهم للأنبياء ، فتلك الجملة قائمة ههنا ،
فوجب حصول الحكم ههنا ، قالت المعتزلة: ( وما اللّه يريد ظلماً للعباد) يدل على أنه لا يريد أن
يظلم بعض العباد بعضاً، ويدل على أنه لا يريد ظلم أحد من العباد ، فلو خلق الكفر فهم ثم عذبهم
على ذلك الكفر لكان ظالماً ، وإذا ثبت أنه لا يريد الظلم البتة ثبت أنه غير خالق لأفعال العباد ،
لأنه لو خلقها لأرادها، وثبت أيضاً أنه قادر على الظلم، إذلو لم يقدر عليه لما حصل المدح بترك

٦٢
قوله تعالى : ولقد جاءكم يوسف . سورة غافر .
وَلَقَدْ جَاءَ كُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيْنَتِ ◌َّا زِلْتُمْ فِ شَكٍّ ◌ِمَّا جَآءَ كُم بِهِ، خَ
إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُمِنْ بَعْدِهِ، رَسُولَاْ كَذَلِكَ يُضِلُّ اللّهُمَنْ هُوَ مُسْرِفٌ
الظلم ، وهذا الاستدلال قد ذكرناه مراراً فى هذا الكتاب مع الجواب ، فلا فائدة فى الإعادة .
(النوع الثالث) من كلمات هذا المؤمن قوله (وياقوم إنى أخاف عليكم يوم التناد) وفيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ التنادى تفاعل من النداء ، يقال تنادى القوم ، أى نادى بعضهم بعضاً،
والأصل الياء وحذف الياء حسن فى الفواصل، وذكرنا ذلك فى (يوم التلاق) وأجمع المفسرون
على أن ( يوم التناد ) يوم القيامة ، وفى سبب تسمية ذلك اليوم بذلك الاسم وجوه (الأول) أن
أهل النار ينادون أهل الجنة ، وأهل الجنة ينادون أهل النار، كما ذكر الله عنهم فى سورة
الأعراف (ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة)، (ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار) (الثانى) قال
الزجاج: لا يبعد أن يكون السبب فيه قوله تعالى (يوم ندعون كل أناس بإمامهم)، (الثالث) أنه ينادى
بعض الظالمين بعضاً بالويل والثبور فيقولون ( يا ويلنا)، (الرابع) ينادون إلى المحشر، أى يدعون
(الخامس) ينادى المؤمن (هاؤم اقرأوا كتابيه) والكافر (ياليتنى لم أوت كتابيه)، (السادس)
ينادى باللعنة على الظالمين (السابع) يجاء بالموت على صورة كبش أملح، ثم يذبح وينادى يا أهل
القيامة لاموت، فيزداد أهل الجنة فرحاً على فرحهم ، وأهل النار جزئاً على حزنهم ( الثامن ) قال
أبو على الفارسى: التنادى مشتق من التناد ، من قولهم ند فلان إذا هرب ، وهو قراءة ابن عباس
وفسرها، فقال يندون كما تند الإبل، ويدل على صحة هذه القراءة قوله تعالى ( يوم يفر المرء من
أخيه) الآية. وقوله تعالى بعد هذه الآية ( يوم قولون مدبرين) لأنهم إذا سمعوا زفير النار
يندون هاربين، فلا يأتون قطراً من الأقطار إلا وجدوا ملائكة صفوفاً، فيرجعون إلى المكان
الذى كانوا فيه .
المسألة الثانية﴾ انتصب قوله (يوم التناد) لوجهين (أحدهما) الظرف للخوف، كأنه خاف
عليهم فى ذلك اليوم، لما يلحقهم من العذاب إن لم يؤمنوا (والآخر) أن يكون التقدير (إنى أخاف
عليكم - عذاب - يوم التناد ) وإذا كان كذلك كان انتصاب يوم انتصاب المفعول به ، لا انتصاب
الظرف، لأن إعرابه إعراب المضاف المحذوف، ثم قال (يوم تولون مدبرين) وهو بدل من قوله
(يوم التناد) عن قتادة: منصرفين عن موقف يوم الحساب إلى النار ، وعن مجاهد: فارين عن النار
غير معجزين ، ثم أكد التهديد فقال ( ما لكم من الله من عاصم) ثم نبه على قوة ضلالتهم وشدة
جهالتهم فقال ( ومن يضلل الله فما له من هاد).
قوله تعالى: ﴿ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم فى شك بما جاءكم به حتى إذا

٦٣
قوله تعالى : الذين يجادلون في آيات الله . سورة غافر .
مُلْتَابُ ﴿ الَّذِينَ يُحَدِلُونَ فِىّ ◌َتِ اللّهِ بِغَيْرِ سُلْطَادٍ أَتَهُمَّ كَبُرَ مَقْنًا عِندَ اللهِ
وَعِنْدَ الَّذِينَ ءَ امَنُواْ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلَى كُلِّ قَلْبٍ مُتَكٍَّ جَبَّارٍ ﴾
هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا كذلك يضل الله من هو مسرف مر تاب ، الذين يجادلون
فى آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتاً عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب
متكبر جبار ﴾
واعلم أن مؤمن آل فرعون لما قال ( ومن يضلل الله فما له من هاد) ذكر لهذا مثلا، وهو أن
يوسف لما حا.هم بالبينات الباهرة فأصروا على الشك والشبهة، ولم ينتفعوا بتلك الدلائل ، وهذا
يدل على أن من أضله الله ( فما له من هاد) وفى الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قيل إن يوسف هذا هو يوسف بن يعقوب عليهما السلام، ونقل صاحب
الكشاف أنه يوسف بن أفراييم بن يوسف بن يعقوب أقام فيهم نيفاً وعشرين سنة ، وقيل إن
فرعون موسى هو فرعون يوسف بقي حياً إلى زمانه وقيل فرعون آخر ، والمقصود من الكل شىء
واحد وهو أن يوسف جاء قومه بالبينات ، وفى المراد بها قولان (الأول ) أن المراد بالبينات
قوله (أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار)، (والثانى) المراد بها المعجزات، وهذا أولى،
ثم إنهم بقوا فى نبوته شاكين مرتابين ، ولم ينتفعوا البتة بتلك البينات ، فلما مات قالوا إنه (لن يبعث
الله من بعده رسولا) وإنما حكموا بهذا الحكم على سبيل التشهى والتمنى من غير حجة ولا برهان،
بل إنما ذكروا ذلك ليكون ذلك أساساً لهم فى تكذيب الأنبياء الذين يأتون بعد ذلك وليس فى
قولهم (لن یبعث الله من بعده رسولا) لأجل تصدق رسالة یوسفو کیف وقدشکوا فيها و كفروا
بها وإنما هو تكذيب لرسالة من هو بعده مضموماً الى تكذيب رسالته، ثم قال ( كذلك يضل الله
من هو مسرف منتاب) أی مثل هذا الضلال يضل الله كل مسرف فى عصیانه مرتاب فى دينه ،
قال الكعبى هذه الآية حجة لأهل القدرلا نه تعالى بين كفرثم ، ثم بين أنه تعالى إنما أضلهم لكونهم
مسرفين مر قابين ، فثبت أن العبد ما لم يضل عن الدين ، فإن الله تعالى لا يضله.
ثم بين تعالى مالاً جله بقوا فى ذلك الشك والإسراف فقال (الذين يجادلون فى آيات الله بغير
سلطان ) أى بغير حجة ، بل إما بناء على التقليد المجرد، وإما بناء على شبهات خسيسة (كبر مقتاً عند
اللّه) والمقت هو أن يبلغ المرء فى القوم مبلعاً عظيما فيمقته الله ويبغضه ويظهر خزيه وقعسه.
وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ فى ذمه لهم بأنهم يجادلون بغير سلطان دلالة على أن الجدال بالحجة حسن
وحق وفيه إبطال للتقليد .

٦٤
قوله تعالى : وقال فرعون یا هامان . سورة غافر .
أَسْبَبَ السَّمَوَّتِ
وَقَالَ فِرْعَوْنُ ◌َهَمَنُ أَبْنِ لِ صَرْحًا لَّعَلِّى أَبْلُغُ الْأَسْبَبَ(
﴿ المسألة الثانية﴾ قال القاضى مقت الله إياهم يدل على أن فعلهم ليس بخلق الله لأن كونه
فاعلا للفعل وماقتاً له محال .
المسألة الثالثة) الآية تدل على أنه يجوز وصف الله تعالى بأنه قد يمقت بعض عباده إلا أن
ذلك صفة واجبة التأويل فى حق الله كالغضب والحياء والتعجب والله أعلم. ثم بين أن هذا المقت
كما حصل عند الله فكذلك قد حصل عند الذين آمنوا .
ثم قال﴿ كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار ﴾ وفيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ قرأ ابن عامر و أبو عمرو و قتيبة عن الكسائى (قلب) منوناً (متكبر) صفة للقلب
والباقون بغير تنوين على إضافة القلب إلى المتكبر قال أبو عبيد الاختيار الإضافة لوجوه (الأول)
أن عبد الله قرأ (على كل قلب متكبر) وهو شاهد لهذه القراءة (الثانى) أن وصف الإنسان بالتكبر
والجبروت أولى من وصف القلب بهما، وأما الذين قرأوا بالتنوين فقالوا إن الكبر قد أضيف إلى
القلب فى قوله (إن فى صدورهم إلا كبر) وقال تعالى (فانه آثم قلبه) وأيضاً فيمكن أن يكون
ذلك على حذف المضاف أى على كل ذى قلب متكبر، وأيضاً قال قوم الإنسان الحقيقي هو القلب
وهذا البحث طويل وقد ذكرناه فى تفسير قوله (نزل به الروح الأمين على قلبك) قالوا ومن
أضاف، فلا بد له من تقدير حذف ، والتقدير يطبع الله على قلب كل متكبر .
﴿ المسألة الثانية﴾ الكلام فى الطبع والرين والقسوة والغشاوة قد سبق فى هذا الكتاب
بالاستقصاء، وأصحابنا يقولون قوله (كذلك يطبع اللّه) يدل على أن الكل من الله والمعتزلة يقولون
إن قوله (كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار) يدل على أن هذا الطبع إنما حصل من الله
لأنه كان فى نفسه متكبراً جباراً وعند هذا قصير الآية حجة لكل واحد من هذين الفريقين من
وجه، وعليه من وجه آخر ، والقول الذى يخرج عليه الوجهان ما ذهبنا إليه وهو أنه تعالى يخلق
دواعى الكبر والرياسة فى القلب، فتصير تلك الدواعى مانعة من حصول ما يدعون إلى الطاعة
والانقياد لأمر الله، فيكون القول بالقضاء والقدرحياً ويكون تعليل الصدعن الدين بكونه متجبراً
متكبراً باقياً، فثبت أن هذا المذهب الذى اخترناه فى القضاء والقدر هو الذى ينطبق لفظ القرآن
من أوله إلى آخره عليه .
المسألة الثالثة ﴾ لابد من بيان الفرق بين المتكبر والجبار، قال مقاتل (متكبر) عن قبول
التوحيد ( جبار) فى غير حق ، وأقول كمال السعادة فى أمرين التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله
فعلى قول مقاتل التكبر كالمضاد للتعظيم لأمر الله والجبروت كالمضاد للشفقة على خلق الله واقه أعلم.
قوله تعالى: ﴿وقال فرعون يامامان ابن لى صرحا لعلى أبلغ الأسباب، أسباب السموات فأطلع

٦٥
قوله تعالى : وقال فرعون يا هامان . سورة غافر.
فَأَطَّلِعَ إِلَّ إِلَهِ مُوسَى وَإِ لَأُّهُ كَذِبًا وَكَلِكَ زُبِنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ
عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِ تَبَابِ
إلى إله موسى وإنى لأظنه كاذباً وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل وما كيد فرعون
الا فی تباب
اعلم أنه تعالى لما وصف فرعون بكونه متكبراً جباراً بين أنه أبلغ فى البلادة والحماقة إلى أن
قصد الصعود إلى السموات ، وفى الآية مسائل :
المسألة الأولى﴾ احتج الجمع الكثير من المشبهة بهذه الآية فى إثبات أن الله فى السموات
وقرروا ذلك من وجوه: (الأول) أن فرعون كان من المنكرين لوجود الله، وكل ما يذكره فى
صفات الله تعالى فذلك إنما يذكره لأجل أنه سمع أن موسى يصف الله بذلك، فهو أيضاً يذكره
كما سمعه، فلولا أنه سمع موسى يصف اللّه بأنه موجود فى السماء وإلا لما طلبه فى السماء (الوجه الثانى)
أنه قال وإنى لأظنه كاذباً، ولم يبين أنه كاذب فيماذا، والمذكور السابق متعين الصرف الكلام إليه
فكان التقدير فأطلع إلى الإله الذى يزعم موسى أنه موجود فى السماء، ثم قال ( وإنى لأظنه كاذباً)
أی وانی لأظن موسی کاذباً فی ادعائه أن الإله موجود فى السماء ، وذلك يدل على أن دين موسى
هو أن الإله موجود فى السماء (الوجه الثالث) العلم بأنه لو وجد إله لكان موجوداً فى السماء على
بديهى متقرر فى كل العقول ولذلك فان الصبيان إذا تضرعوا إلى الله رفعوا وجوههم وأيديهم إلى
السماء، وإن فرعون مع نهاية كفره لما طلب الإله فقد طلبه فى السماء ، وهذا يدل على أن العلم بأن
الإله موجود فى السماء علم متقرر فى عقل الصديق والزنديق والملحد والموحد والعالم والجاهل .
فهذا جملة استدلالات المشبهة هذه الآية ،(والجواب) أن هؤلاء الجهال یکفیهم فى کمال الخزى
والضلال أن جعلوا قول فرعون اللعين حجة لهم على صحة دينهم ، وأما موسى عليه السلام فانه
لم يزد فى تعريف إله العالم على ذكر صفة الخلافية فقال فى سورة طه (ربنا الذى أعطى كل
شى خلقه ثم هدى) وقال فى سورة الشعراء (ربكم ورب آبائكم الأولين رب المشرق والمغرب
وما بينهما) فظهر أن تعريف ذات الله بكونه فى السماء دين فرعون وتعريفه بالخلافية والموجودية
دبن موسى ، فمن قال بالأول كان على دين فرعون ، ومن قال بالثانى كان على دين موسى ، ثم
نقول لانسلم أن كل ما يقوله فرعون فى صفات الله تعالى فذلك قد سمعه من موسى عليه السلام ،
بل لعله كان على دين المشبهة فكان يعتقد أن الإله لو كان موجوداً لكان حاصلا فى السماء، فهو إنما
ذكر هذا الاعتقاد من قبل نفسه لا لأجل أنه قد سمعه من موسى عليه السلام .
وأما قوله ( وإنى لأظنه كاذباً) فنقول لعله لما سمع موسى عليه السلام قال (رب السموات
الفخر الرازي - ج ٢٧ م ٥

٦٦
قوله تعالى : يا هامان ابن لي صرحاً . سورة غافر .
والأرض) ظن أنه عنى به أنه رب السموات، كما يقال للواحد منا إنه رب الدار بمعنى كونه ساكناً
فيه ، فلما غلب على ظنه ذلك حكى عنه ، وهذا ليس بمستبعد، فإن فرعون كان بلغ فى الجهل والحماقة
إلى حيث لا يبعد نسبة هذا الخيال إليه، فإن استبعد الخصم نسبة هذا الخيال إليه كان ذلك لائقاً
بهم، لأنهم لما كانوا على دين فرعون وجب عليهم تعظيمه. وأما قوله إن فطرة فرعون شهدت
بأن الإله لو كان موجوداً لكان فى السماء، قلنا نحن لا ننكر أن فطرة أكثر الناس تخيل إليهم صحة
ذلك لاسيما من بلغ فى الحمافة إلى درجة فرعون فثبت أن هذا الكلام ساقط .
المسألة الثانية﴾ اختلف الناس فى أن فرعون هل قصد بناء الصرح ليصعد منه إلى السماء
"أم لا ؟ أما الظاهريون من المفسرين فقد قطعوا بذلك، وذكروا حكاية طويلة فى كيفية بناء ذلك
الصرح، والذى عندى أنه بعيد والدليل عليه أن يقال فرعون لا يخلو إما أن يقال إنه كان من
المجانين أو كان من العقلاء ، فإن قلنا إنه كان من المجانين لم يجز من الله تعالى إرسال الرسول إليه ،
لأن العقل شرط فى التكليف ، ولم يجز من الله أن يذكر حكاية كلام .سون فى القرآن، وأما إن
قلنا إنه كان من العقلاء فنقول إن كل عاقل يعلم بديهية عقله أنه يتعذر فى قدرة البشر وضع بناء
يكون أرفع من الجبل العالى ، ويعلم أيضاً بيديهية عقله أنه لا يتفاوت فى البصر حال السماء بين أن
ينظر إليه من أسفل الجبال وبين أن ينظر إليه من أعلى الجبال ، وإذا كان هذان العلمان بديهيين
امتنع أن يقصد العاقل وضع بناء يصعد منه إلى السماء ، وإذا كان فساد هذا معلوماً بالضرورة امتنع
إسناده إلى فرعون، والذى عندى فى تفسير هذه الآية أن فرعون كان من الدهرية وغرضه من
ذكر هذا الكلام إيراد شبهة فى نفى الصانع وتقريره أنه قال: إنا لا نرى شيئاً تحكم عليه بأنه إله العالم
فلم يجز إثبات هذا الإله ، أما إنه لانراه فلأنه لوكان موجوداً لكان فى السماء ونحن لا سبيل لنا
إلى صعود السموات فكيف يمكننا أن نراه ، ثم إنه لأجل المبالغة فى بيان أنه لا يمكنه صعود
السموات (قال ياهامان ابن لى صرحا لعلى أبلغ الأسباب) والمقصود أنه لما عرف كل أحد أن
هذا الطريق يمتنع كان الوصول إلى معرفة وجود الله بطريق الحس ممتنعاً ، ونظيره قوله تعالى ( فإن
استطعت أن تبتغى نفقاً فى الأرض أو سلماً فى السماء فتأتيهم بآية) وليس المراد منه أن محمداً صلى
الله عليه وسلم طلب نفقاً فى الأرض أو وضع سلباً إلى السماء ، بل المعنى أنه لما عرف أن هذا
المعنى متنع فقد عرف أنه لا سبيل لك إلى تحصيل ذلك المقصود ، فكذا ههنا غرض فرعون من
قوله ( يا مامان ابن لى صرحا) يعنى أن الإطلاع على إله موسى لما كان لا سبيل إليه إلا بهذا الطريق
وكان هذا الطريق ممتنعاً ، حينئذ يظهر منه أنه لاسبيل إلى معرفة الإله الذى يثبته موسى فنقول هذا
ما حصلته فى هذا الباب .
واعلم أن هذه الشبهة فاسدة لأن طرق العلم ثلاثة الحس والخبر والنظر ، ولا يلزم من انتفاء
طريق واحد وهو الحس انتفاء المطلوب ، وذلك لأن موسى عليه السلام كان قد بين لفرعون

٦٧
قوله تعالى : لعلي أبلغ الأسباب . سورة غافر .
أن الطريق فی معرفة الله تعالی إنما هو الحجة والدلیل کما قال ( ربکم ورب آبائكم الأولین رب
المشرق والمغرب ) إلا أن فرعون لخبئه ومكره تغافل عن ذلك الدليل ، وألقى إلى الجهال أنه لما
كان لا طريق إلى الإحساس بهذا الإله وجب نفيه، فهذا ماعندى فى هذا الباب وبالله التوفيق
والعصمة .
المسألة الثالثة﴾ ذهب قوم إلى أنه تعالى خلق جواهر الأفلاك وحركاتها بحيث تكون
هى الأسباب لحدوث الحوادث فى هذا العالم الأسفل، واحتجوا بقوله تعالى ( لعلى أبلغ الأسباب
أسباب السموات) ومعلوم أنها ليست أسباباً إلا لخوادث هذا العالم قالوا ويؤكد هذا بقوله تعالى
فى سورة ص ( فلير تقوا فى الأسباب) أما المفسرون فقد ذكروا فى تفسير قوله تعالى (لعلى أبلغ
الأسباب أسباب السموات ) أن المراد بأسباب السموات طرقها وأبوابها وما يؤدى إليها ، وكل
ما أداك إلى شىء فهو سبب كالرشاد ونحوه.
المسألة الرابعة ) قالت اليهود أطبق الباحثون عن تواريخ بنى إسرائيل وفرعون أن مامان
ماكان موجوداً البتة فى زمان موسى وفرعون وإنما جاء بعدهما بزمان مديد ودهر داهر ، فالقول
بأن مامان كان موجوداً فى زمان فرعون خطأ فى التاريخ ، وليس لقائل أن يقول إن وجود شخص
يسمى بهامان بعد زمان فرعون لا يمنع من وجود شخص آخر يسمى بهذا الإسم فى زمانه ، قالوا
لأن هذا الشخص المسمى بهامان الذى كان موجوداً فى زمان فرعون ما كان شخصاً خسيساً فى
حضرة فرعون بل كان كالوزير له، ومثل هذا الشخص لا يكون مجهول الوصف والحلية فلو كان
موجوداً لعرف حاله ، وحيث أطبق الباحثون عن أحوال فرعون وموسى أن الشخص المسمى
بهامان ما كان موجوداً فى زمان فرعون وإنما جاء بعده بأدوار علم أنه غلط وقع فى التواريخ ،
قالوا ونظير هذا أنا نعرف فى دين الإسلام أن أبا حنيفة إنما جاء بعد محمد صلى الله عليه وسلم
فلوأن قائلا ادعى أن أبا حنيفة كان موجوداً فی زمان محمد عليه السلام وزعم أنه شخص آخر سوى
الأول وهو أيضاً يسمى بأبى حنيفة ، فإن أصحاب التواريخ يقطعون بخطئه فكفا ههنا (والجواب)
أن تواريخ موسى وفرعون قد طال العهد بها واضطربت الأحول والأدوار فلم يبق على
كلام أهل التواريخ اعتماد فى هذا الباب ، فكان الأخذ بقول الله أولى بخلاف حال رسولنا مع
أبى حنيفة فإن هذه التواريخ قريبة غير مضطربة بل هى مضبوطة فظهر الفرق بين البابين ، فهذا
جملة ما يتعلق بالمباحث المعنوية فى هذه الآية، وبقى ما يتعلق بالمباحث اللفظية .
قيل (الصرح) البناء الظاهر الذى لا يخفى على الناظر وإن بعد ، اشتقوه من صرح الشىء إذا
ظهر و (أسباب السموات) طرقها، فإن قيل ما فائدة هذا التكرير. ولو قيل : لعلى أبلغ أسباب
السموات، كان كافياً ؟ أجاب صاحب الكشاف عنه فقال : إذا أبهم الشىء ثم أوضح كان تفخيما
لشأنه، فلما أراد تفخيم أسباب السموات أبهمها ثم أوضحها، وقوله (فأطلع إلى إله موسى) قرأ حفض
:

٦٨
قوله تعالى : وقال الذي آمن . سورة غافر .
يَقَوْمِ إِنََّا هَذِهِ الْحَيَوَةُ
وَقَالَ الَّذِىّءَامَنَ يَقَوْمِ أَّعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الَّشَادِ ﴾
الدُّنْيَا مَعٌ وَإِنَّالْآخِرَةَ هِىَ دَارُ الْقَرَرِ جَ مَنْ عِلَ سَبِئَةُ فَلَا يُجْزَّ إِلَّ مِثْلَهًا وَمَنْ
عن عاصم (فأطلع) بفتح العين والباقون بالرفع، قال المبرد: من رفع فقد عطفه على قوله (أبلغ)
والتقدير (لعلى أبلغ الأسباب) ثم أطلع إلا أن حرف ثم أشد تراخياً من الفاء، ومن نصب جعله
جواباً، والمعنى لعلى أبلغ الأسباب فتى بلغتها أطلع والمعنى مختلف، لأن الأول لعلى أطلع والثانى
لعلى أبلغ وأنا ضامر أنى متى بلغت فلا بد وأن أطلع .
وأعلم أنه تعالى لما حكى عن فرعون هذه القصة قال بعدها ( وكذلك زين لفرعون سوء عمله
وصد عن السبيل ) وفيه مسائل.
المسألة الأولى﴾ قرأ عاصم وحمزة والكسائى (وصد) بضم الصاد. قال أبو عبيدة: وبه
يقرأ، لأن ما قبله فعل مبنى للمفعول به لجعل ما عطف عليه مثله، والباقون (وصد) بفتح الصاد
على أنه منع الناس عن الإيمان، قالوا ومن صده قوله (لأقطعن أيديكم وأرجلكم) ويؤيد هذه
القراءة قوله ( الذين كفروا وصدو عن سبيل الله) وقوله (هم الذين كفروا وصدوكم من
المسجد الحرام ).
﴿ المسألة الثانية) قوله تعالى (زين) لابد له من المزين، فقالت المعتزلة: إنه الشيطان ، فقيل
لهم إن كان المزين لفرعون هو الشيطان، فالمزين الشيطان إن كان شيطاناً آخر لزم إثبات التسلسل
فى الشياطين أو الدور وهو محال، ولما بطل ذلك وجب انتهاء الأسباب والمسببات فى درجات
الحاجات إلى واجب الوجود، وأيضاً فقوله (زين) يدل على أن الشىء إن لم يكن فى اعتقاد الفاعل
موصوفاً بأنه خير وزينة وحسن فإنه لا يقدم عليه، إلا أن ذلك الاعتقاد إن كان صواباً فهو العلم،
وإن كان خطأ فهو الجهل ، ففاعل ذلك الجهل ليس هوذلك الإنسان ، لأن العاقل لا يقصد تحصيل
الجهل لنفسه ، ولأنه إنما يقصد تحصيل الجهل لنفسه إذا عرف كونه جهلا، ومتى عرف کو نه جهلا
امتنع بقاؤه جاهلا ، فثبت أن فاعل ذلك الجهل ليس هو ذلك الإنسان ، ولا يجوز أن يكون فاعله
هو الشيطان، لأن البحث الأول بعينه عائد فيه، فلم يبق إلا أن يكون فاعله هو الله تعالى والله أعلم.
ويقوى ما قلناه أن صاحب الكشاف نقل أنه قرى. (وزين له سوء عمله) على البناء الفاعل والفعل
لله عز وجل ، ويدل عليه قوله ( إلى إله موسى) .
ثم قال تعالى ( وما كيد فرعون إلا فى تباب) والتباب الهلاك والخسران ، وتظيره قوله تعالى
(وما زادوثم غير تقبيب) وقوله تعالى ( تبت يدا أبي لهب) والله أعلم،
قوله تعالى: ﴿وقال الذى آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد، يا قوم إنما هذه الحياة
٠

٦٩
قوله تعالى : وقال الذي آمن . سورة غافر .
◌َمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أَنَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْ خُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ
◌ِحِسَابٍ (﴾ وَيَنْقَوْمِ مَلِ أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَوَةِ وَتَدْعُونَنِيّ إِلَى النَّارِ (٤) تَدْعُونَنِي
لِأَ كْفُرَ بِاللهِ وَأَشْرِكَ بِهِ، مَيْسَ لِ بِهِ، عِمْ وَأَنَاْ أَدْعُوُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّرِ ﴾
لَ أَّمَا تَدْعُونِيّ إِلَيْهِ لَّيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِ الدُّنْيَا وَلَا فِ الْآَخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدًَّا إِلَى
اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَعَْبُ الَّارِ ﴾ فَسَذْ كُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأَفَوِّضُ أَصْرِىّ
٤
إِلَى آلِهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ
الدنيا متاع وإن الآخرة هى دار القرار ، من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها ومن عمل صالحاً من
ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب، ويا قوم مالى أدعوكم إلى
النجاة وتدعونى إلى النار، تدعونى لأ كفر بالله وأشرك به ما ليس لى به علم وأنا أدعوكم إلى
العزيز الغفار، لا جرم أنما تدعونى إليه ليس له دعوة فى الدنيا ولا فى الآخرة وأن مردنا إلى
الله وأن المسرفين هم أصحاب النار، فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمرى إلى الله إن الله
بصير بالعباد
إعلم أن هذا من بقية كلام الذى آمن من آل فرعون، وقد كان يدعوهم إلى الإيمان بموسى
والتمسك بطريقته. واعلم أنه نادى فى قومه ثلاث مرات: فى المرة الأولى دعاهم إلى قبول ذلك
الدين على سبيل الإجمال ، وفى المرتين الباقيتين على سبيل التفصيل.
أما الإجمال فهو قوله ( يا قوم اتبعونى أهدكم سبيل الرشاد) وليس المراد بقوله (اتبعون)
طريقة التقليد، لأنه قال بعده (أهدكم سبيل الرشاد) والهدى هو الدلالة، ومن بين الأدلة للغير
يوصف بأنه هداه ، وسبيل الرشاد هو سبيل الثواب والخير وما يؤدى إليه ، لأن الرشاد نقيض
الغى ، وفيه تصريح بأن ما عليه فرعون وقومه هو سبيل الغى .
وأما التفصيل فهو أنه بين حقارة حال الدنيا وكمال حال الآخرة، أما حقارة الدنيا فهى قوله
( يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع) والمعنى أنه يستمتع بهذه الحياة الدنيا فى أيام قليلة ، ثم تنقطع
وتزول، أما الآخرة فهى دار القرار والبقاء والدوام، وحاصل الكلام أن الآخرة باقية دائمة.
والدنيا منقضية منقرضة ، والدائم خير من المنقضى ، وقال بعض العارفين : لو كانت الدنيا

٧٠
قوله تعالى : ومن عمل صالحاً . سورة غافر .
ذهباً فانياً، والآخرة خزفاً باقياً، لكانت الآخرة خيراً من الدنيا ، فكيف والدنيا خزف فان،
والآخرة ذهب باق .
واعلم أن الآخرة كما أن النعيم فيها دائم فكذلك العذاب فيها دائم ، وإن الترغيب فى النعيم
الدائم والترهيب عن العذاب الدائم من أقوى وجوه الترغيب والترهيب ، ثم بين كيف تحصل
المجازاة فى الآخرة ، وأشار فيه إلى أن جانب الرحمة غالب على جانب العقاب فقال ( من عمل سيئة
فلا يجزى إلا مثلها) والمراد بالمثل ما يقابلها فى الاستحقاق، فإن قيل كيف يصح هذا الكلام ، مع
أن كفر ساعة يوجب عقاب الأبد؟ قلنا إن الكافر. يعتقد فى كفره كونه طاعة وإيماناً فلهذا السبب
يكون الكافر على عزم أن يقى مصراً على ذلك الاعتقاد أبداً ، فلا جرم كان عقابه مؤبدأ بخلاف
الفاسق فإنه يعتقد فيه كونه خيانة ومعصية فيكون على عزم أن لا يبقى مصراً عليه، فلا جرم قلنا أن
عقاب الفاسق منقطع. أما الذى يقوله المعتزلة من أن عقابه مؤيد فهو باطل، لأن مدة تلك المعصية
منقطعة والعزم على الإتيان بها أيضاً ليس دائماً بل منقطعاً فمقابلته بعقاب دائم يكون على خلاف
قوله ( من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها)، واعلم أن هذه الآية أصل كبير فى علوم الشريعة فيما
يتعلق بأحكام الجنايات فإنها تقتضى أن يكون المثل مشروعا، وأن يكون الزائد على المثل غير
مشروع، ثم نقول ليس فى الآية بيان أن تلك المائلة معتبرة فى أن الأمور فلو حملناه على رعاية المماثلة
فى شىء معين ، مع أن ذلك المعين غير مذكور فى الآية صارت الآية محملة ، ولو حملناه على رعاية
المائلة فى جميع الأمور صارت الآية عاماً مخصوصاً ، وقد ثبت فى أصول الفقه أن التعارض إذا وقع
بين الإجمال وبين التخصيص كان دفع الإجمال أولى فوجب أن تحمل هذه الآية على رعاية المائلة
من كل الوجوه إلا فى مواضع التخصيص ، وإذا ثبت هذا فالأحكام الكثيرة فى باب الجنايات
على النفوس ، وعلى الأعضاء، وعلى الأموال يمكن تفريعها على هذه الآية .
ثم نقول إنه تعالى لما بين أن جزاء السيئة مقصور على المثل بين أن جزاء الجسنة غير مقصور
على المثل بل هو خارج عن الحساب فقال (ومن عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك
يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب) واحتج أصحابنا بهذه الآية فقالوا قوله (ومن عمل صالحاً)
فكرة فى معرض الشرط فى جانب الإثبات تجرى مجرى أن يقال من ذكر كلمة أو من خطا خطوة
فله كذا فإنه يدخل فيه كل من أتى بتلك الكلمة أو بتلك الخطوة مرة واحدة ، فكذلك ههنا وجب
أن يقال كل من عمل صالحاً واحداً من الصالحات فإنه يدخل الجنة ويرزق فيها بغير حساب، والآتى
بالإيمان والمواظب على التوحيد والتقديس مدة ثمانين سنة قد أتى بأعظم الصالحات وبأحسن
الطاعات ، فوجب أن يدخل الجنة والخصم يقول أنه يبقى مخلداً فى النار أبد الآباد فكان ذلك على
خلاف هذا النص الصريح. قالت المعتزلة إنه تعالى شرط فيه كونه مؤمناً وصاحب الكبيرة عندنا

٧١
قوله تعالى : ويا قوم مالي أدعوكم . سورة غافر .
ليس بمؤمن فلا يدخل فى هذا الوعد (والجواب) أنا بينا فى أول سورة البقرة فى تفسير قوله تعالى
(الذين يؤمنون بالغيب ) أن صاحب الكبيرة مؤمن فسقط هذا الكلام ، واختلفوا فى تفسير
قوله (يرزقون فيها بغير حساب ) فمنهم من قال لما كان لانهاية لذلك الثواب قيل بغير حساب ،
وقال الآخرون لأنه تعالى يعطيهم ثواب أعمالهم ويضم إلى ذلك الثواب من أقسام التفضل
ما يخرج عن الحساب وقوله (بغير حساب) واقع فى مقابلة ( إلا مثلها ) يعنى أن جزاء السيئة له
حساب وتقدير ، لثلا يزيد على الاستحقاق، فأما جزاء العمل الصالح فيغير تقدير وحساب بل
ماشئت من الزيادة على الحق والكثرة والسعة ، وأقول هذا يدل على أن جانب الرحمة والفضل
راجح على جانب القهرو العقاب ، فإذا عارضنا عمومات الوعد بعمومات الوعيد ، وجب أن يكون
الترحيج بجانب عمومات الوعد وذلك يهدم قواعد المعتزلة ، ثم استأنف ذلك المؤمن ونادى فى
المرة الثالثة وقال ( ياقوم مالى أدعوكم إلى النجاة وتدعونى إلى النار) يعنى أنا أدعو كم إلى الإيمان
الذى يوجب النجاة وتدعونى إلى الكفر الذى يوجب النار ، فإن قيل لم كرر نداء قومه، ولم جاء
بالواو فى النداء الثالث دون الثانى ؟ قلنا أما تكرير النداء ففيه زيادة تنبيه لهم وإيقاظ من سنة
الغفلة، وإظهار أن له بهذا المهم مزيد اهتمام ، وعلى أولئك الأقوام فرط شفقة، وأما المجىء بالواو
العاطفة فلأن الثانى يقرب من أن يكون عين الأول ، لأن الثانى بيان الأول والبيان عين المبين ،
وأما الثالث فلأنه كلام مباين الأول والثانى لحسن إيراد الواو العاطفة فيه، ولما ذكر هذا المؤمن
إنه يدعوهم إلى النجاة وهم يدعونه إلى النار، فسر ذلك بأنهم يدعونه إلى الكفر بالله وإلى الشرك به،
أما الكفر بالله فلأن الأكثرين من قوم فرعون كانوا ينكرون وجود الإله ، ومنهم من كان يقر
بوجود الله إلا أنه كان يثبت عبادة الأصنام وقوله تعالى (وأشرك به ما ليس لى به علم) المراد بنفى
العلم نفى المعلوم ، كأنه قال وإشرك به ماليس باله وماليس باله كيف يعقل جعله شريكا للاله؟ ولما
بين أنهم يدعونه إلى الكفر والشرك بين أنه يدعوهم إلى الإيمان بالعزيز الغفار فقوله (العزيز) إشارة
إلى كونه كامل القدرة، وفيه تنبيه على أن الإله هو الذى يكون كامل القدرة، وأما فرعون فهو فى
غاية العجز فكيف يكون إلهاً ، وأما الأصنام فإنها أحجار منحوتة فكيف يعقل القول بكونها آلهة
وقوله (الغفار) إشارة إلى أنه لا يجب أن يكونوا آيين من رحمة الله بسبب إصرارهم على الكفر
مدة مديدة، فإن إله العالم وإن كان عزيزاً لا يغلب قادراً لا يغالب، لكنه غفار يغفر كفر سبعين سنة
بإيمان ساعة واحدة ، ثم قال ذلك المؤمن (لاجرم) والكلام فى تفسير لاجرم مر فى سورة هود
فى قوله ( لا جرم أنهم فى الآخرة هم الأخسرون) وقد أعاده صاحب الكشاف ههنا فقال
(لا جرم) مساقه على مذهب البصريين أن يجعل (لا) رداً لما دعاه إليه فومه و (جرم) فعل بمعنى حق
و (أنما) مع مافى حيزه فاعله أى حق ووجب بطلان دعوته أو بمعنى كسب من قوله تعالى (ولا
يجر منكم شنآنقوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا) أى كسب ذلك الدماء إليه بطلان دعوته
بمعنى أنه ماحصل من ذلك إلا ظهور بطلان دعوته، ويجوز أن يقال إن (لا جرم) نظيره لا بدفعل

٧٢
قوله تعالى : إنما تدعوني اليه . سورة غافر .
من الجرم وهو القطع كما أن بد فعل من التبديد وهو التفريق، وكما أن معنى لا بد أنك تفعل كذا
أنه لا بد لك من فعله، فكذلك (لا جرم أن لهم النار) أى لا قطع لذلك بمعنى أنهم أبداً يستحقون
النار لا انقطاع لاستحقاقهم ، ولا قطع لبطلان دعوة الأصنام، أى لا تزال باطلة لا ينقطع ذلك
فينقلب حقاً، وروى عن بعض العرب لا جرم أنه يفعل بضم الجيم وسكون الراء يزنة بد وفعل
اخوان كرشد ورشد وكعدم وعدم هذا كله ألفاظ صاحب الكشاف .
ثم قال (أنما تدعونى إليه ليس له دعوة فى الدنيا ولا فى الآخرة) والمراد أن الأوثان التى
تدعونى إلى عبادتها ليس لها دعوة فى الدنيا ولا فى الآخرة وفى تفسير هذه الدعوة احتمالان.
﴿ الأول) أن المعنى ما تدعونى إلى عبادته ليس له دعوة إلى نفسه لأنها جمادات والجمادات
لا تدعو أحداً إلى عبادة نفسها وقوله ( فى الآخرة) يعنى أنه تعالى إذا قلبها حيواناً فى الآخرة فإنها
تتبرأ من هؤلاء العابدين .
﴿ والاحتمال الثانى) أن يكون قوله (ليس له دعوة فى الدنيا ولا فى الآخرة) معناه ليس له
استجابة دعوة فى الدنيا ولا فى الآخرة ، فسميت استجابة الدعوة بالدعوة إطلاقاً لاسم أحد
المتضايفين على الآخر، كقوله (وجزاء سيئة سيئة مثلها) ثم قال (وأن مردنا إلى الله) فبين أن هذه
الأصنام لافائدة فيها البتة، ومع ذلك فإن مردنا إلى الله العالم بكل المعلومات القادر على كل الممكنات
الغنى عن كل الحاجات الذى لا يبدل القول لديه وما هو بظلام للعبيد، فأى عاقل يجوز له عقله أن
يشتغل بعبادة تلك الأشياء الباطلة وأن يعرض عن عبادة هذا الإله الذى لابد وأن يكون مرده إليه؟
وقوله (وأن المسرفين هم أصحاب النار) قال قتادة يعنى المشركين وقال مجاهد السفا كين الدماء والصحيح
أنهم أسرفوا فى معصية اللّه بالكمية والكيفية، أما الكمية فالدوام وأما الكيفة فبالعود والإصرار،
ولما بالغ مؤمن آل فرعون فى هذه البيانات ختم كلامه بخاتمة لطيفة فقال (فستذكرون ما أقول
لكم) وهذا كلام مبهم يوجب التخويف ويحتمل أن يكون المراد أن هذا الذكر يحصل فى الدنيا.
وهو وقت الموت، وأن يكون فى القيامة وقت مشاهدة الأهوال وبالجملة فهو تحذير شديد، ثم قال
( وأفوض أمرى إلى الله) وهذا كلام من هدد بأمر يخافه فكانهم خوفوه بالقتل وهو أيضاً خوفهم
بقوله (فستذ کرون ما أقول لكم) ثم عول فی دفع تخويفهم و کیدم ومكرم على فضل الله تعالى.
فقال ( وأفرض أمرى إلى الله) وهو إنما تعلم هذه الطريقه من موسى عليه السلام، فان فرعون
لما خرفه بالقتل رجع موسی فی دفع ذلك الشرالى الله حیث قال (إنی عذت بربی وربكم من كل
متكبر لا يؤمن بيوم الحساب) فتح نافعٍ وأبو عمرو الياء من (أمرى ) والباقون بالإسكان.
ثم قال ( إن الله بصير بالعباد) أى عالم بأحوالهم وبمقادير حاجاتهم، وتمسك أصحابنا بقوله
تعالى ( وأفوض أمرى إلى اللّه) على أن الكل من اللّه، وقالوا إن المعتزلة الذين قالوا إن الخير

٧٣
قوله تعالى : فوقاه الله سيئات ما مكروا . سورة غافر .
النَّارُ
٤٥
فَوَقَتْهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَامَكَرُواْ وَحَاقَ بِثَالِ فِرْعَوْنَ سُوَءُ الْعَذَابِ
يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوا وَعَثِيَّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُواْءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ
اَلْعَذَابِ (٨٢) وَإِذْ يَجُونَ فِ النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَتَوْلِلَّذِينَ أَسْتَكْبُوَ إِنَّا كُ لَكُمْ
تَبَعَا فَهَلْ أَبُعْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ ﴾ قَالَ الَّذِينَ أَسْتَعْبُواْ إِنَّا كُلُّ فِيهَا إِنَّ
اللَّهَ قَدْ حَكَّرَ بَيْنَ الْعِبَادِ (﴾ وَقَالَ الَّذِينَ فِ النَّارِ لِخَزَةِ جَهَنََّ أَدْعُواْ رَبَّكُمْ
◌ُحَقِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (﴾ قَالُواْ أَوَ لَرْتَكُ تَأْتِبِكُمْ رُسُلُحُ بِالْبَغِنَتِ قَالُواْ
بَّ قَالُوا فَادْعُواْ وَمَا دُعَتَوْ اْلْكَمِ ينَ إِلَّ فِي ضَلٍ
والشر يحصل بقدرتهم قد فوضوا أمر أنفسهم إليهم وما فوضرها إلى اللّه، والمعتزلة تمسكوا هذه
الآية فقالوا إن قوله ( أفوض) اعتراف بكونه فاعلا مستقلا بالفعل، والمباحث المذكورة فى قوله
( أعوذ بالله) عائدة بتمامها فى هذا الموضع. وههنا آخر كلام مؤمن آل فرعون والله الهادى.
قوله تعالى: ﴿فوقاه اللّه سيئات ما مكروا وخاق بآل فرعون سوء العذاب، النار يعرضون عليها
غدواً وعشياً ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ، وإذ يتحاجون فى النار فيقول
الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعاً فهل أنتم معنون عنا نصيباً من النار، قال الذين استكبروا
إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد ، وقال الذين فى النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوماً
من العذاب، قالوا أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات؟ قالوا بلى. قالوا: فادعوا وما دعاء الكافرين
إلا فى ضلال
أعلم أنه تعالى لما بين أن ذلك الرجل لم يقصر فى تقرير الدين الحق، وفى الذب عنه فالله تعالى
رد عنه كيد الكافرين وقصد القاصدين ، وقوله تعالى (فوقاه اللّه سيئات ما مكروا) يدل على أنه
لما صرح بتقرير الحق فقد قصدوه بنوع من أنواع السوء، قال مقاتل لماذكر هذه الكلمات قصدوا
قتله فهرب منهم إلى الجبل فطلبوه فلم يقدروا عليه، وقيل المراد بقوله (فوقاه اللّه سيئات ما مكروا)
أنهم قصدوا إدخاله فى الكفر وصرفه عن الإسلام (فرقاه الله) عن ذلك إلا أن الأول أولى لأن
قوله بعد ذلك (و حاق بآل فرعون سوء العذاب) لا یلیق إلا بالوجه الأول، وقوله تعالى( وحاق

٧٤
قوله تعالى : النار يعرضون عليها غدواً وعشياً . سورة غافر .
بآل فرعون) أى أحاط بهم ( سوم العذاب) أى غرقوا فى البحر، وقيل بل المراد منه النار
المذكورة فى قوله (النار يعرضون عليها) قال الزجاج (النار) بدل من قوله (سوء العذاب ) قال
وجائز أيضاً أن تكون مرتفعة على إضمار تفسير (سر. العذاب) كان قائلا قال: ماسوء العذاب؟
فقيل ( النار يعرضون عليها ) .
قرأ حمزة (حاق) بكسر الحاء وكذلك فى كل القرآن والباقون بالفتح أما قوله (النار يعرضون
عليها غدواً وعشياً ) ففيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ احتج أصحابنا بهذه الآية على إثبات عذاب القبر قالوا الآية تقتضى عرض
النار عليهم غدواً وعشياً ، وليس المراد منه يوم القيامة لأنه قال (ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل
فرعون أشد العذاب) ، وليس المراد منه أيضاً الدنيا لأن عرض النار عليهم غدواً وعشياً ما كان
حاصلا فى الدنيا، فثبت أن هذا العرض إنما حصل بعد الموت وقبل يوم القيامة، وذلك يدل على
إثبات عذاب القبر فى حق هؤلاء، وإذا ثبت فى حقهم ثبت فى حق غيرهم لأنه لا قائل بالفرق ، فان
قيل لم لا يجوز أن يكون المراد من عرض النار عليهم غدواً وعشياً عرض النصائح عليهم فى الدنيا؟
لأن أهل الدين إذا ذكروا لهم الترغيب والترهيب وخوفوهم بعذاب الله فقد عرضوا عليهم النار،
ثم تقول فى الآية ما يمنع من حمله على عذاب القبر وبيانه من وجهين: (الأول) أن ذلك العذاب
يجب أن يكون دائماً غير منقطع، وقوله ( يعرضون عليها غدواً وعشياً) يقتضى أن لا يحصل
ذلك العذاب إلا فى هذين الوقتين ، فثبت أن هذا لا يمكن حمله على عذاب القبر (الثانى) أن الغذوة
والعشية إنما يحصلان فى الدنيا، أما فى القبر فلا وجود لهما ، فثبت بهذين الوجهين أنه لا يمكن حمل
هذه الآية على عذاب القبر (والجواب) عن السؤال الأول أن فى الدنيا عرض عليهم كلمات تذكرهم
أمر النار ، لا أنه يعرض عليهم نفس النار ، فعلى قولهم يصير معنى الآية الكلمات المذكرة لأمر النار
كانت تعرض عليهم، وذلك يفضى إلى ترك ظاهر اللفظ والعدول إلى المجاز ، أما قوله الآية تدل
على حصول هذا العذاب فى هذين الوقتين وذلك لا يجوز، قلنا لم لايجوز أن يكتفى فى القبر بایسال
العذاب إليه فى هذين الوقتين ، ثم عند قيام القيامة يلق فى النار فيدوم عذابه بعدذلك، وأيضاً لا يمتنع
أن يكون ذكر الغدوة والعشية كناية عن الدوام كقوله (ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً) أما قوله
إنه ليس فى القبر والقيامة غدوة وعشية ، قلنا لم لا يجوز أن يقال إن عند حصول هذين الوقتين
لأهل الدنيا يعرض عليهم العذاب ؟ والله أعلم.
المسألة الثانية﴾ قرأ نافع وحمزة والكسائى وحفص عن عاصم (أدخلوا آل فرعون) أى
يقال لخزنة جهنم: أدخلوهم فى أشد العذاب، والباقون ادخلوا على معنى أنه يقال لهؤلاء الكفار:
أدخلوا أشد العذاب، والقراءة الأولى اختيار أبى عبيدة، واحتج عليها بقوله تعالى (يعرضون)
فهذا يفعل بهم فكذلك (أدخلوا) وأما وجه القرأة الثانية فقوله (ادخلوا أبواب جهنم)، وههنا
آخر الكلام فى قصة مؤمن آل فرعون.

٧٥
قوله تعالى : وما دعاء الكافرين إلا فى ضلال . سورة غافر .
واعلم أن الكلام فى تلك القصة لما انجر إلى شرخ أحوال النار ، لاجرم ذكر الله عقيها
قصة المناظرات التى تجرى بين الرؤساء والأتباع من أهل النار فقال ( وإذ يتحاجون فى النار)
والمعنى اذكر يا محمد لقومك (إذ يتحاجون) أى يحاجج بعضهم بعضاً، ثم شرح خصومتهم
وذلك أن الضعفاء يقولون الرؤساء ( إنا كنا لكم تبعاً) فى الدنيا ، قال صاحب الكشاف تبعاً
كـدم فى جمع عادم أو ذوى تبع أى أتباع أو وصفا بالمصدر (فهل أنتم معنون عنا نصيباً من
النار) أى فهل تقدرون على أن تدفعوا أيها الرؤساء عنانصياً من العذاب، واعلم أن
أولئك الأتباع يعلمون أن أولشك الرؤساء لا قدرة لهم على ذلك التخفيف ، وإنما مقصودهم
من هذا الكلام المبالغة فى تخجيل أولئك الرؤساء وإيلام قلوبهم، لأنهم هم الذين سعوا فى إيقاع
هؤلاء الأتباع فى أنواع الضلالات فعند هذا يقول الرؤساء ( إنا كل فيها) يعنى أن كلنا واقعون
فى هذا العذاب ، فلو قدرت على إزالة العذاب عنك لدفعته عن نفسى، ثم يقولون (إن الله قد حكم
بين العباد) يعنى يوصل إلى كل أحد مقدار حقه من النعيم أو من العذاب، ثم عند هذا يحصل اليأس
للأتباع من المتبوعين فيرجعون إلى خزنة جهنم ويقولون لهم (ادعوا ربكم يخفف عنا يوماً من
العذاب) فإن قيل لم لم يقل: وقال الذين فى النار لخزنتها بل قال (وقال الذين فى النار الخزنة جهنم)؟
قلنا فيه وجهان (الأول ) أن يكون المقصود من ذكر جهنم التهويل والتفظيع ( والثانى) أن
يكون جهنم اسما لموضع هو أبعد النار قعراً، من قولهم بتر جهنام أى بعيدة القعر، وفيها أعظم
أقسام الكفار عقوبة وخزنة ذلك الموضع تكون أعظم خزنة جهنم عند الله درجة ، فإذا عرف
الكفار أن الأمر كذلك استغاثوا بهم، فأولئك الملائكة يقولون لهم (أو لم تك تأتيكم رسلكم
بالبينات ) والمقصود أن قبل إرسال الرسل كان للقوم أن يقولوا إنه (ما جاءنا من بشير ولا نذير)
أما بعد مجىء الرسل فلم يبق عذر ولا علة كما قال تعالى ( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا)
وهذه الآية تدل على أن الواجب لا يتحقق إلا بعد مجىء الشرع، ثم إن أولئك الملائكة يقولون
للكفار ادعوا أنتم فإنا لا نجترى. على ذلك ولا نشفع إلا بشرطين (أحدهما) كون المشفوع له
مؤمناً (والثانى) حصول الإذن فى الشفاعة ولم يوجد واحد من هذين الشرطين فإقدامنا على هذه
الشفاعة ممتنع لكن ادعوا أنتم، وليس قولهم فادعوالرجاء المنفعة، ولكن الدلالة على الخيبة ، فان
الملك المقرب إذا لم يسمع دعاؤه فكيف يسمع دعاء الكفار، ثم يصرحون لهم بأنه لا أثر لدعاتهم
فيقولون ( وما دعاء الكافرين إلا فى ضلال) فإن قيل إن الحاجة على الله محال ، وإذا كان
كذلك امتنع أن يقال: إنه تأذى من هؤلاء المجرمين بسبب جرمهم ، وإذا كان التأذى محمالا عليه
كانت شهوة الانتقام ممتنعة فى حقه ، إذا ثبت هذا فنقول إيصال هذه المضار العظيمة إلى أولئك
الكفار إضرار لا منفعة فيه إلى الله تعالى ولا لأحد من العبيد، فهو إضرار خال عن جميع
الجهات المنتفعة فكيف يليق بالرحيم الكريم أن يبقى على ذلك الإيلام أبد الآباد ودهر الداهرين،

٧٦
قوله تعالى : إنا لننصر رسلنا . سورة غافر .
إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَءَ امَنُواْ فِى الْحَوَةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَنْهَدُ (#) يَوْمَ لَا
يَنْفَعُ الظَّالِنَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ الَّعْنَةُ وَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ﴾ وَلَقَدْ ءَاتَيْنًا
(*) هُدًى وَذِكَلِأُوْلِ
مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِيّ إِسْرَآءِيلَ الْكِنَبَ
الْأَلْبَبِ ﴿ فَأَصْبِرُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَّ وَاسْتَغْفِرْ لَِنْبِكَ وَسَبِّحْ مَحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِىّ
وَالْإِبْگرِ
من غيرأن يرحم حاجتهم ومن غير أن يسمع دعاءهم ومن غير أن يلتفت إلى تضرعهم وانكسارهم،
ولو أن أقصى الناس قلباً فعل مثل هذا التعذيب ببعض عبيده لدعاء كرمه ورحمته إلى العفو عنه مع
أن هذا السيد فى محل النفع والضرر والحاجة ، فأكرم الأكرمين كيف يليق به هذا الإضرار؟
قلنا أفعال الله لا تعلل و (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون) فلما جاء الحكم الحق به. فى الكتاب
الحق وجب الإقرار به والله أعلم بالصواب.
قوله تعالى: ﴿ إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا فى الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ، يوم لا ينفع
الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار ، ولقد آتينا موسى الهدى وأورثنا بنى إسرائيل
الكتاب ، هدى وذكرى لأولى الألباب ، فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد
ربك بالعشى والإبكار ﴾ .
اعلم أن فى كيفية النظم وجوهاً (الأول) أنه تعالى لما ذكر وقاية الله موسى صلوات الله عليه
وذلك المؤمن من مكر فرعون بين فى هذه الآية أنه ينصر رسله والذين آمنوا معه (الثانى) لما بين من
قبل مايقع بين أهل النار من التخاصم وأنهم عند الفزع إلى خزنة جهنم يقولون (ألم تك تأتيكم رسلكم
بالبينات) أتبع ذلك بذكر الرسل وأنه ينصرهم فى الدنيا والآخرة (والثالث) وهو الأقرب عندى
أن الكلام فى أول السورة إنما وقع من قوله (ما يجادل فى آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك
تقابهم فى البلاد) وامتدالكلام فى الرد على أولئك المجادلين وعلى أن الحقين أبداً كانو مشغولين بدفع
كيد المبطلين، وكل ذلك إنما ذكره الله تعالى تسلية للرسول ومطلع وتصبيراً له على تحمل أذى قومه،
ولما بلغ الكلام فى تقرير المطلوب إلى الغاية القصوى وعد تعالى رسوله مح ال بأن ينصره
على أعدائه فى الحياة الدنيا وفى الآخرة فقال (إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا) الآية، أما فى الدنيا
فهو المراد بقوله ( فى الحياة الدنيا)، وأما فى الآخرة فهو المراد بقوله (ويوم يقوم الأشهاد)

٧٧
قوله تعالى : إنا لننصر رسلنا . سورة غافر .
فاصل الكلام أنه تعالى وعد بأنه ينصر الأنبياء والرسل، وينصر الذين ينصرونهم نصرة يظهر
أثرها فى الدنيا وفي الآخرة .
واعلم أن نصرة اللّه المحمقين تحصل بوجوه (أحدها) النصرة بالحجة، وقد سمى الله الحجة
سلطاناً فى غير موضع، وهذه النصرة عامة للمحقين أجمع، ونعم ماسمى الله هذه النصرة سلطاناً لأن
السلطنة فى الدنيا قد تبطل ، وقد تتبدل بالفقر والذلة والحاجة والفتور، أما السلطنة الحاصلة بالحجة
فإنها تبقى أبد الآباد ويمتنع تطرق الخلل والفتور إليها (وثانيها) أنهم منصورون بالمدح والتعظيم،
فان الظلمة وإن قهروا شخصاً من المحقين إلا أنهم لا يقدرون على إسقاط مدحه عن ألسنة الناس
(وثالثها ) أنهم منصورون بسبب أن بواطنهم ملوءة من أنوار الحجة وقوة اليقين ، فإنهم إنما
ينظرون إلى الظلمة والجمال كما تنظر ملائكة السموات إلى أخس الأشياء (ورابعها) أن المبطلين
وإن كان يتفق لهم أن يحصل لهم استيلاء على المحقين ، ففى الغالب أن ذلك لا يدوم بل يكشف
للناس أن ذلك كان أمراً وقع على خلاف الواجب ونقيض الحق (وخامسها) أن المحق أن اتفق
له أن وقع فى نوع من أنواع المحذور فذلك يكون سبباً لمزيد ثوابه وتعظيم درجاته (وسادسها)
أن الظلمة والمبطلين كما يموتون تموت آثارهم ولا يبقى لهم فى الدنيا أثر ولا خبر. وأما المحقون
فإن آثارهم باقية على وجه الدهر والناس بهم يقتدون فى أعمال البر والخير ونحنهم يتركون فهذا
كله أنواع نصرة الله للحقين فى الدنيا (وسابعها) أنه تعالى قد ينتقم الأنبياء والأولياء بعد
موتهم، كما نصر يحيى بن زكريا فإنه لما قتل قتل به سبعون ألفاً، وأما نصرته تعالى إياهم فى الآخرة
فذلك بإعلاء درجاتهم فى مراتب الثواب وكونهم مصاحبين لأنبياء الله، كما قال (فأولئك مع الذين
أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً).
واعلم أن فى قوله (إنا لننصر رسلنا) إلى قوله ( ويوم يقوم الأشهاد) دقيقة معتبرة وهى
أن السلطان العظيم إذا خص بعض خواصه بالإكرام العظيم والتشريف الكامل عند حضور
الجمع العظيم من أهل المشرق والمغرب كان ذلك ألذ وأبهج فقوله ( إنا لننصر رسلنا - إلى - يوم
يقوم الأشهاد) المقصود منه هذه الدقيقة ، واختلفوا فى المراد بالأشهاد ، والظاهر أن المراد كل
من يشهد بأعمال العباد يوم القيامة من ملك وفى ومؤمن، أما الملائكة فهم الكرام الكاتبون
يشهدون بما شاهدوا ، وأما الآنبیا، فقال تعالى ( فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك
على هؤلاء شهيداً) وقال تعالى ( وكذلك جعلنا كم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون
الرسول عليكم شهيداً) قال المبرد بجوز أن يكون واحد الأشهاد شاهداً كا طيار وطائر وأصحاب
وصاحب، ويجوز أن يكون واحد الأشهاد شهيداً كأشراف وشريف وأيتام ويقيم .
ثم قال تعالى ( يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار) قرأ ابن كثير
١٠
وأبو عمرو وابن عامر لا تنفع بالتاء التأنيث المعذرة والباقون بالياء كأنه أريد الاعتذار

٧٨
قوله تعالى : وأورثنا بني إسرائيل الكتاب . سورة غافر .
واعلم أن المقصود أيضاً من هذا شرح تعظيم ثواب أهل الثواب، وذلك لأنه تعالى بين أنه
ينصرم فی یوم يجتمع فيه الأولون والآخرون، فالهم فى على الدرجات فى ذلك اليوم ماذكرناه
وأما حال أعدائهم فهو أنه حصلت لهم أمور ثلاثة (أحدها) أنه لا ينفعهم شىء من المعاذير البتة
(وثانيها) أن (لهم اللعنة) وهذا يفيد الحصر يعنى اللعنة مقصورة عليهم وهى الإهانة والإذلال
(وثالثها) سوء الدار وهو العقاب الشديد فهذا اليوم إذا كان الأعداء واقعين فى هذه المراتب الثلاثة
من الوحشة والبلية ، ثم إنه خص الأنبياء والأولياء بأنواع التشريفات الواقعة فى الجمع الأعظم
فهنا يظهر أن سرور المؤمن كم يكون ، وأن غموم الكافرين إلى أين تبلغ . فإن قيل قوله ( يوم
لا ينفع الظالمين معذرتهم) يدل على أنهم يذكرون الأعذار إلا أن تلك الأعذار لا تنفعهم فكيف
الجمع بين هذا وبين قوله ( ولا يؤذن لهم فيعتذرون) قلنا قوله ( لا تنفع الظالمين ممذرتهم) لا يدل
على أنهم ذكروا الأعذار ، بل ليس فيه إلا أنه ليس عندهم عذر مقبول نافع ، وهذا القدر لا يدل
على أنهم ذكروه أم لا . وأيضاً فيقال يوم القيامة يوم طويل فيعتذرون فى وقت ولا يعتذرون فى
وقت آخر، ولما بين الله تعالى أنه ينصر الأنبياء والمؤمنين فى الدنيا والآخرة ذكر نوعاً من أنواع
تلك النصرة فى الدنيا فقال (ولقد آتينا موسى الهدى) ويجوز أن يكون المراد من الهدى ما آتاه الله
من العلوم الكثيرة النافعة فى الدنيا والآخرة ، ويجوز أن يكون المراد تلك الدلائل القاهرة التى
أوردها على فرعون واتباعه وكادهم بها، ويجوز أن يكون المراد هو النبوة التى هى أعظم المناصب
الإنسانية، ويجوز أن يكون المراد إنزال التوراة عليه.
قوله تعالى: ﴿وأورثنا بنى إسرائيل الكتاب هدى وذكرى لأولى الألباب ﴾ يجوز أن يكون
المراد منه أنه تعالى لما أنزل التوراة على موسى بقى ذلك العلم فيهم وتوارثوه خلفاً عن سلف، وبحوز
أن يكون المراد سائر الكتاب التى أنزلها الله عليهم وهى كتب أنبياء بنى إسرائيل التوراة والزبور
والإيجيل، والفرق بين الهدى والذكرى أن الهدى ما يكون دليلا على الشىء وليس من شرطه
أن يذكر شيئاً آخر كان معلوماً ثم صار منسياً، وأما الذكرى فهى الذى يكون كذلك فكتب أنياء
اللّه مشتملة على هذين القسمين بعضها دلائل فى أنفسها ، وبعضها مذكرات لما ورد فى الكتب
الإلهية المتقدمة . ولما بين أن الله تعالى ينصر رسله وينصر المؤمنين فى الدنيا والآخرة وضرب
المثال فى ذلك بحال موسى وخاطب بعد ذلك محمداً فَ له فقال ( فاصبر إن وعد الله حق) فالله
ناصرك كما نصرهم ومنجز وعده فى حقك كماكان كذلك فى حقهم، ثم أمره بأن يقبل على طاعة الله
النافعة فى الدنيا والآخرة فإن من كان لله كان الله له.
واعلم أن مجامع الطاعات محصورة فى قسمين التوبة عما لا ينبغى ، والاشتغال بما ينبغى ،
والأول مقدم على الثانى بحسب الرتبة الذاتية فوجب أن يكون مقدماً عليه فى الذكر، أما التوبة
عما لا ينبغى فهو قوله ( واستغفر لذنبك) والطاعنون فى عصمة الأنبياء عليهم السلام يتمسكون به

٧٩
قوله تعالى : إِن الذين يجادلون في آيات الله . سورة غافر .
إِنَّ الَّذِينَ يُجَدِلُونَ فِىَّءَايَتِ اللهِبِغَيْرِسُلْطَرٍ أَتَهُمْ إِن فِي صُدُورِمْ إِلَّ كِبْرٌمَّا
هُم بِلِيهِ فَأَسْتَعِذْ بِلَّهِ إِنّهُهُوَ اَلَّمِيعُ اَلْبَصِيرُ أَ نَلْقُ السَّمَلُوَّتِ وَالْأَرْضِ
أَكْبَرَ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (ي﴾ وَمَا يَسْتَوِى الأَغَى
وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ وَلَا الْمُسِىّءُ قلِلًا مَّ تَتَذَ كُونَ (يَ إِنَّ
السَّاعَةٌ لآتِيَّةُ لََّرَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (
ونحن نحمله على التوبة عن ترك الأولى والأفضل ، أو على ما كان قد صدر عنهم قبل النبوة ، وقيل
أيضاً المقصود منه محض التعبد كما فى قوله (ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك) فإن إيتاء ذلك الشىء
واجب ثم إنه أمرنا بطلبه، وكقوله (رب أحكم بالحق) من أنا نعلم أنه لا يحكم إلا بالحق، وقيل
إضافة المصدر إلى الفاعل والمفعول فقوله ( واستغفر لذنبك) من باب إضافة المصدر إلى المفعول
أى واستغفر لذنب أمتك فى حقك، وأما الاشتغال بما ينبغى فهو قوله ( وسبح بحمد ربك بالعشى
والإبكار ) والتسبيح عبارة عن تنزيه الله عن كل ما لا يليق به، والعشى والإبكار ، قيل صلاة
العصر وصلاة الفجر، وقيل الإبكار ، عبارة عن أول النهار إلى النصف ، والعشى عبارة عن النصف
إلى آخر النهار ، فيدخل فيه كل الأوقات ، وقيل المراد طرفا النهار، كما قال (وأقم الصلاة طر فى النهار)
وبالجملة فالمراد منه الأمر بالمواظبة على ذكر الله، وأن لا يفتر اللسان عنه، وأن لا يغفل القلب
عنه، حتى يصير الإنسان بهذا السبب داخلا فى زمرة الملائكة، كما قال فى وصفهم (يسبحون الليل
والنهار لا يفترون ) والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿ إن الذين يجادلون فى آيات الله بغير سلطان أتاهم إن فى صدورهم إلا كبر مام
ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير، لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس. ولكن
أكثر الناس لا يعلمون، وما يستوى الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسىء
قليلا ما تتذكرون ، إن الساعة لآتية لا ريب فيها ولكن أكثر الناس لا يؤمنون
أعلم أنا بينا أن الكلام فى أول هذه السورة إنما ابتدى. رداً على الذين يجادلون فى آيات الله،
واتصل البعض بالبعض وامتد على الترتيب الذى لخصناه ، والفسق الذى كشفنا عنه إلى هذا

٨٠
قوله تعالى : إن الذين يجادلون في ايات الله . سورة غافر .
الموضع، ثم إنه تعالى به فى هذه الآية على الداعية التى تحمل أولئك الكفار على تلك المجادلة ،
فقال ( إن الذين يجادلون فى آيات الله بغير سلطان) إنما يحملهم على هذا الجدال الباطل كبر فى
صدرهم. فذلك الكبر هو الذى يحملهم على هذا الجدال الباطل ، وذلك الكبر هو أنهم لو سلموا
نيوتك لزمهم أن يكونوا تحت يدك وأمرك ونهيك ، لأن النبوة تحتها كل ملك ورياسة وفى
صدورهم كبر لا يرضون أن يكونوا فى خدمتك ، فهذا هو الذى يحملهم على هذه المجادلات الباطلة
والمخاصمات الفاسدة .
ثم قال تعالى (ما هم ببالغيه ) يعنى أنهم يريدون أن لا يكونوا تحت يدك ولا يصلون إلى هذا
المراد، بل لابد وأن يصيروا تحت أمرك ونهيك ، ثم قال (فاستعذ بالله) أى فالتجىء إليه من
كيد من يجادلك (إنه هو السميع) بما يقولون، أو تقول (البصير) بما تعمل ويعملون ، فهو يجعلك
نافذ الحكم عليهم ويصونك عن مكرهم و كيدهم .
واعلم أنه تعالى لما وصف جدالهم فى آيات الله بأنه بغير سلطان ولا حجة ذكر لهذا مثالا ،
فقال لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس ، والقادر على الأكبر قادر على الأصغر
لا محالة ، وتقرير هذا الكلام أن الاستدلال بالشىء على غيره على ثلاثة أقسام (أحدما) أن يقال
لما قدر على الأضعف وجب أن يقدر على الأفوى وهذا فاسد (وثانيها) أن يقال لما قدر على الشى.
قدر على مثله، فهذا استدلال حق لما ثبت فى العقول أن حكم الشىء حكم مثله ( وثالثها) أن يقال
لما قدر على الأقوى الأكمل فبأن يقدر على الأقل الأرذل كان أولى ، وهذا الاستدلال فى غاية
الصحة والقوة ولا يرتاب فيه عاقل البتة، ثم إن هؤلاء القوم يسلمون أن خالق السموات والأرض
هو الله سبحانه وتعالى، ويعلمون بالضرورة أن ( خلق السموات والأرض أكبر من خلق
الناس) وكان من حقهم أن يقروا بأن القادر على خلق السموات والأرض يكون قادراً على إعادة
الإنسان الذى خلقه أولا ، فهذا برهان جلى فى إفادة هذا المطلوب، ثم إن هذا البرهان على قوته
صار بحيث لا يعرفه أكثر الناس، والمراد منهم الذين ينكرون الحشر والنشر، فظهر بهذا المثال
أن هؤلاء الكفار بمادلون فى آيات الله بغير سلطان ولا حجة، بل بمجرد الحسد والجهل والكبر
والتعصب، ولما بين اللّه تعالى أن الجدال المقرون بالكبر والحسد والجهل كيف يكون، وأن
الجدال المقرون بالحجة والبرهان كيف يكون ، فبه تعالى على الفرق بين البابين بذكر المثال فقال
( وما يستوى الأعمى والبصير) يعنى وما يستوى المستدل والجاهل المقلد، ثم قال ( والذين آمنوا
وعملوا الصالحات ولا المسىء) فالمراد بالأول التفاوت بين العالم والجاهل، والمراد بالثانى التفاوت
بين الآتى بالأعمال الصالحة وبين الآتى بالأعمال الفاسدة الباطلة، ثم قال (قليلا ما تتذكرون) يعنى
أنهم وإن كانوا يعلمون أن العلم خير من الجهل، وأن العمل الصالح خير من العمل الفاسدة، إلا
أنه قليلا ما تتذكرون فى النوع المعين من الاعتقاد أنه علم أو جهل، والنوع المعين من العمل أنه عمل