Indexed OCR Text

Pages 1-20

تَفْسِيْرُ الفَخْرِ الزَّازِى
الشََّهُ بالتفسير الكبيرِ وَمَفَاتِح الغَيب
للإمَام محمد الزَّزى فخر الدين ابن العلّا مِ خَيَا والدين عمر
الشَّهِ بخطِ الرَّى نَفَعَ اللّه بالمسلمين
٠ ٦٠٤ هـ
٥٤٤
تمتاز هذه الطبعة بفهرس لآيات الأحكام
الجُعُ السَّالِقِ العِرِ
دار الفكر
للطبَاعَة وَالنشْر وَالتوزيع

حقوق الطبع محفوظة للناشر
الطبعة الأولى ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م
دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع: لبنان - بيروت - حارة حريك شارع عبد النور
هاتف ٢٧٣٦٥٠ - ٢٧٣٤٨٧ ص . ب ٧٠٦١ برقیا فیکسي

الجزء
قوله تعالى : قل يا عبادي الذين أسرفوا . سورة الزمر .
٣
بِسـ
﴿إِلّهِالرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَ أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْتَطُوْ مِن رَّحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ
الُنُوبَ حِيعًا إِنُّهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ وَأَبِيُوْ إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلُوْلَهُ، مِنْ قَبْلِ
أَن يَأْتِكُ الْعَذَابُ ثُمَ لَ تُصَرُونَ ﴾ وَّبِعُواْ أَحْمَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَّبِّكُمْ مِنْ
قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُ الْعَذَابُ بَغْتَةُ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (﴿ أَن تَقُولَ نَفْسُ يَحَسْرَى عَلَى
مَا فَرَّطَّتُ فِى جَنْبِ اللّهِ وَ إِن كُنتُ لَمِنَ السَِّخِرِ ينَ (٦﴾ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّ هَدَمَنِىِ
لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (® أَوْ تَقُولَ حِينَ تَىَ الْعَذَابَ لَوْ أَنَّلِ كَرَّةً فَأْكُونَ مِنَ
الْمُحْسِنِينَ (﴿ بَلَ قَدْ جَاءَتْكَ ءَايَتِ فَكَذَّبْتَ بِهَا وَأَسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ
الْكُفْرِين ٥٦
قوله تعالى : ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب
جميعاً إنه هو الغفور الرحيم، وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون،
واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون، أن تقول
نفس يا حسرتى على ما فرطت فى جنب الله وإن كنت لمن الساحرين، أو تقول لو أن الله هدانى
لكنت من المتقين، أو تقول حين ترى العذاب لو أن لى كرة فأ كون من المحسنين، بلى قد جاءتك
آیاتی فكذبت بها واستكبرت و کنت من الكافرين ﴾.
اعلم أنه تعالى لما أطنب فى الوعيد أردفه بشرح كمال رحمته وفضله وإحسانه فى حق العبيد
وفيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى يعفو عن الكبائر ، فقالوا : إنا بينا
فى هذا الكتاب أن عرف القرآن جار بتخصيص اسم العباد بالمؤمنين (١) قال تعالى (وعباد الرحمن
(١) الصواب أن يقال «بتخصيص اسم العباد بالمؤمنين إذا أضيف إلى الله تعالى، كما فى الآية والآتين التين استشهد بها،
وإلا فان هذا يعارضه قول الله تعالى ( ياحسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به ويستهزئون) فالذين يستهزئون برسل الله
ليوا بمؤمنين والذين يتحسر عليهم لم يذكروا فى معرض التعظيم وإنما ذكروا فى الذم والإهانة كما هو صريح الآية ولوصح ذلك لم
بهنج إلى نعت العباد ووصفهم بصفات تقتضى المدح أو القدح، فلفط العباد يشمل المؤمن والكافر، ولذا خاصة بالصفة .

٤
قوله تعالى: قل يا عبادي الذين أسرفوا. سورة الزمر. إلى ال الشفتان
الذين يمشون على الأرض هوناً) وقال (عيناً يشرب بها عباد الله) ولأن لفظ العباد مذكور فى
معرض التعظيم ، فوجب أن لا يقع إلا على المؤمنين ، إذا ثبت هذا ظهر أن قوله (يا عبادى)
مختص بالمؤمنين، ولأن المؤمن هو الذى يعترف بكونه عبد الله، أما المشركون فإنهم يسمون
أنفسهم بعبد اللات والعزى وعبد المسيح . فثبت أن قوله (باعبادى) لا يليق إلا بالمؤمنين ، إذا
ثبت هذا فنقول إنه تعالى قال ( الذين أسرفوا على أنفسهم) وهذا عام فى حق جميع المسرفين.
ثم قال تعالى ( إن الله يغفر الذنوب جميعاً) وهذ يقتضى كونه غافراً لجميع الذنوب الصادرة
عن المؤمنين، وذلك هو المقصود فان قيل هذه الآية لا يمكن إجراؤها على ظاهرها ، وإلا لزم
القطع بكون الذنوب مغفورة قطعاً، وأنتم لا تقولون به، فما هو مدلول هذه الآية لا تقولون به ،
والذى تقولون به لا تدل عليه هذه الآية، فسقط الاستدلال، وأيضاً إنه تعالى قال عقيب هذه
الآية (وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون) إلى قوله ( بغتة
وأنتم لا تشعرون) ولو كان المراد من أول الآية أنه تعالى غفر جميع الذنوب قطعاً لما أمر عقيبه
بالتوبة ، ولما خوفهم بنزول العذاب عليهم من حيث لا يشعرون ، وأيضاً قال ( أن تقول نفس
يا حسرتا على مافرطت فى جنب الله) ولو كانت الذنوب كلها مغفورة، فأى حاجة به إلى أن يقول
(يا حسرتا على مافرطت فى جنب الله) ؟ وأيضاً فلو كان المراد ما يدل عليه ظاهر لفظ الآية لكان
ذلك إغراء بالمعاصى وإطلاقاً فى الإقدام عليها، وذلك لا يليق بحكمة الله، وإذا ثبت هذا وجب أن
يحمل على أن يقال المراد منه التنبيه على أنه لا يجوز أن يظن العاصى أنه لا مخلص له من العذاب
البتة ، فان من اعتقد ذلك فهو قانط من رحمة الله، إذ لا أحد من العصاة المذنبين إلا ومتى تاب زال
عقابه وصار من أهل المغفرة والرحمة ، فمعنى قوله (إن الله يغفر الذنوب جميعاً) أى بالتوبة والإنابة.
(والجواب) قوله الآية تقتضى كون كل الذنوب مغفورة قطعاً وأنتم لا تقولون به ، قلنابل نحن نقول
به ونذهب إليه ، وذلك لأن صيغة يغفر صيغة المضارع، وهى للاستقبال، وعندنا أن الله تعالى
يخرج من النار من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله، وعلى هذا التقدير فصاحب الكبيرة مغفور
له قطعاً ، إما قبل الدخول فى نار جهنم ، وإما بعد الدخول فيها ، فثبت أن ما يدل عليه ظاهر الآية
فهو عين مذهبنا .
أما قوله لو صارت الذنوب بأسرها مغفورة لما أمر بالتوبة ، فالجواب أن عندنا التوبة واجبة
وخوف العقاب قائم، فإنا لا نقطع بازالة العقاب بالكلية ، بل نقول لعله يعفو مطلقاً، ولعله يعذب
بالنار مدة ثم يعفو بعد ذلك، وبهذا الحرف يخرج الجواب عن بقية الأسئلة والله أعلم.
المسألة الثانية) اعلم أن هذه الآية تدل على الرحمة من وجوه: (الأول) أنه سمى

٥
قوله تعالى : لا تقنطوا من رحمة الله . سورة الزمر .
المذنب بالعبد والعبودية مفسرة بالحاجة والذلة والمسكنة ، واللائق بالرحيم الكريم إفاضة الخير
والرحمة على المسكين المحتاج ( الثانى) أنه تعالى أضافهم إلى نفسه بياء الإضافة فقال ( ياعبادي الذين
أسرفوا) وشرف الإضافة إليه يفيد الأمن من العذاب (الثالث) أنه تعالى قال (أسرفوا على
أنفسهم) ومعناه أن ضرر تلك الذنوب ماعاد إليه بل هو عائد اليهم ، فيكفيهم من تلك الذنوب عود
مضارها إليهم، ولا حاجه إلى إلحاق ضرر آخر بهم ( الرابع ) أنه قال ( لا تقنطوا من رحمة الله)
نهاهم عن القنوط فيكون هذا أمراً بالرجاء والكريم إذا أمر بالرجاء فلا يليق به إلا الكرم (الخامس)
أنه تعالى قال أولا ( ياعبادى) وكان الأليق أن يقول لا تقنطوا من رحتى لكنه ترك هذا اللفظ
وقال ( لا تقنطوا من رحمة الله) لأن قولنا اللّه أعظم أسماء الله وأجلها، فالرحمة المضافة إليه يجب
أن تكون أعظم أنواع الرحمة والفضل (السادس) أنه لما قال (لا تقنطوا من رحمة الله ) كان
الواجب أن يقول إنه يغفر الذنوب جميعاً. ولكنه لم يقل ذلك ، بل أعاد اسم الله وقرن به لفظة
إن المفيدة لأعظم وجوه التأكيد ، وكل ذلك يدل على المبالغة فى الوعد بالرحمن (السابع) أنه
لو قال ( يغفر الذنوب) لكان المقصود حاصلا لكنه أردفه باللفظ الدال على التأكيد فقال جميعاً
وهذا أيضاً من المؤكدات ( الثامن) أنه وصف نفسه بكونه غفوراً، ولفظ الغفور يفيد المبالغة
(التاسع) أنه وصف نفسه بكونه رحيما والرحمة تفيد فائدة على المغفرة فكان قوله (إنه هو
الغفور) إشارة إلى إزالة موجبات العقاب، وقوله (الرحيم) إشارة إلى تحصيل موجبات الرحمة.
والثواب (العاشر) أن قوله (إنه هو الغفور الرحيم) يفيد الحصر، ومعناه أنه لا غفور ولا رحيم
إلا هو ، وذلك يفيد الكمال فى وصفه سبحانه بالغفران والرحمة ، فهذه الوجوه العشرة مجموعة فى
هذه الآية ، وهى بأسرها دالة على كمال الرحمة والغفران ، ونسأل الله تعالى الفوز بها والنجاة من
العقاب بفضله ورحمته .
﴿ المسألة الثالثة) ذكروا فى سبب النزول وجوها ، قيل أنها نزلت فى أهل مكة فانهم قالوا
بزعم محمد أن من عبد الأوثان وقتل النفس لم يغفر له، وقد عبدنا وقتلنا فكيف نسلم؟ وقيل نزات
فى وحشى قاتل حمزة لما أراد أن يسلم وخاف أن لا تقبل توبته ، فلما نزلت الآية أسلم ، فقيل
لرسول الله صلى الله عليه وسلم هذه له خاصة أم للمسلمين عامة ؟ فقال بل للمسلمين عامة وقيل نزلت
فى أناس أصابوا ذنوباً عظاماً فى الجاهلية ، فلما جاء الإسلام أشفقوا لا يقبل الله توبتهم ، وقيل
نزلت فى عياش ابن أبى ربيعة والوليد بن الوليد ونفر من المسلمين أسلموا ثم فتنوا فافتقنوا وكان
المسلمون یقولون فهم لا يقبل الله منهم تو بتهم فنزلت هذه الآيات فكتبها عمر ، وبعث بها إليهم
فأسلموا وهاجروا، واعلم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فنزول هذه الآيات فى هذه
الوقائع لا يمنع من عمومها .
المسألة الرابعة﴾ قرأ نافع وابن كثير وابن عامر وعاصم (ياعبادى) بفتح الياء والباقون

٦
قوله تعالى : أن تقول نفس يا حسرتى . سورة الزمر .
وعاصم فى بعض الروايات بعير فتح وكلهم يقفون عليه باثبات الياء لأنها ثابتة فى المصحف، إلا فى
بعض رواية أبى بكر عن عاصم أنه يقف بغير ياء، وقرأ أبو عمرو والكسائى تقنطوا بكسر النون
- والباقون بفتحها وهما لعتان، قال صاحب الكشاف، وفى قراءة ابن عباس،وبن مسعود (يغفر
الذنوب جميعاً لمن يشاء).
ثم قال تعالى ( وأنیوا إلى ربكم ) قال صاحب الکشاف أی وتوبوا إليه وأسلموا له أى
وأخلصوا له العمل ، وإنما ذكر الإنابة على أثر المغفرة لتلا يطمع طامع فى حصولها بغير توبة
والدلالة على أنها شرط فيها لازم لا تحصل بدونه ، وأقول هذا الكلام ضعيف جداً لأن عندنا
التوبة عن المعاصى واجبة فلم يلزم من ورود الأمر بها طعن فى الوعد بالمغفرة، فإن قالوا لو كان
الوعد بالمغفرة حاصلا قطعاًلما احتيج إلى التوبة ، لأن التوبة إنما تراد لإسقاط العقاب، فاذا سقط
العقاب بعفو الله عنه فلا حاجة إلى التوبة. فنقول هذا ضعيف لأن مذهبنا أنه تعالى وإن كان يغفر
الذنوب قطعاً ويعفو عنها قطعاً إلا أن هذا العفو والغفران يقع على وجهين تارة يقع ابتداء وقارة
يعذب مدة فى النارثم يخرجه من النار ويعفر عنه، ففائدة التوبة إزالة هذا العقاب ، فثبت أن الذنى
قاله صاحب الكشاف ضعيف ولا فائدة فيه .
ثم قال ( واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم) واعلم أنه تعالى لما وعد بالمغفرة أمر بعد
هذا الوعد بأشياء ( فالأول) أمر بالإنابة وهو قوله تعالى (وأنيبوا إلى ربكم) و (الثانى) أمر
بمتابعة الأحسن، وفى المراد بهذا الأحسن وجوه (الأول) أنه القرآن ومعناه واتبعوا القرآن
والدليل عليه قوله تعالى ( الله نزل أحسن الحديث كتاباً) (الثانى) قال الحسن معناه ، والتزموا
طاعة الله واجتنبوا معصية الله، فإن الذى أنول على ثلاثة أوجه، ذكر القبيح ليجتنب عنه ،
والأدون لئلا يرغب فيه، والأحسن ليتقوى به ويقبع (الثالث) المراد بالأحسن الناسخ دون
المنوخ لأن الناسخ أحسن من المنسوخ ، لقوله تعالى ( مانفسخ من آية أو نفسها نأت بخير منها
أو مثلها) ولأن الله تعالى لما نسخ حكما وأثبت حكما آخر كان اعتمادنا على المنسوخ.
ثم قال ( من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون) والمراد منه التهديد والتخويف.
والمعنى أنه يفجأ العذاب وأنتم غافلون عنه، واعلم أنه تعالى لما خوفهم بالعذاب بين تعالى أن
بتقدير نزول العذاب عليهم ماذا يقولون حكى الله تعالى عنهم ثلاثة أنواع من الكلمات (فالأول)
قوله تعالى ( أن تقول نفس يا حسرتا على مافرطت فى جنب الله وإن كنت لمن الساخرين) وفيه
مسائل :
{ المسألة الأولى﴾ قوله (أن تقول) مفعول له أى كرامة أن تقول ( باحسرتا على ما فرطت
فی جنب اله) وأما تنکیر لفظ النفس ففیه وجهان (الأول) يجوز أن تزاد نفس متازة من
سائر النفوس لأجل اختصاصها بمزيد إضرار بما لاينفى رغبتها فى المعاصى ( والثانى) يجوز أن

٧
قوله تعالى : إن كنت لمن الساخرين . سورة الزمر .
يراد به الكثرة، وذلك لأنه ثبت فى علم أصول الفقة أن الحكم المذكور عقيب وصف يناسبه يفيد
الظن بأن ذلك الحكم معلل بذلك الوصف، فقوله (يا حسر تا) يدل على غاية الأسف ونهاية الحزن
وأنه مذكور عقيب قوله تعالى (على مافرطت فى جنب اللّه) والتفريط فى طاعة الله تعالى يناسب
شدة الحسرة وهذا يقتضى حصول تلك الحسرة عند حصول هذا التفريط ، وذلك يفيد العموم
بهذا الطريق .
﴿ المسألة الثانية) القائلون بائيات الأعضاء لله تعالى استدلوا على إثبات الجنب بهذه الآية،
واعلم أن دلائلنا على نفى الأعضاء قد كثرت ، فلا فائدة فى الإعادة ، ونقول بتقدير أن يكون المراد
من هذا الجنب عضواً مخصوصاً لله تعالى، فإنه يمتنع وقوع التفريط فيه، فثبت أنه لابد من المصير
إلى التأويل وللمفسرين فيه عبارات ، قال ابن عباس يريد ضيعت من ثواب الله، وقال مقاتل
ضيعت من ذكر الله ، وقال مجاهد فى أمر الله ، وقال الحسن فى طاعة الله، وقال سعيد بن جبير
فى حق الله. واعلم أن الإكثار من هذه العبارات لا يفيد شرح الصدور وشفاء الغليل، فنقول :
الجنب سمى جنباً لأنه جانب من جوانب ذلك الشىء والشىء الذى يكون من لوازم الشىء وتوابعه
يكون كأنه جند من جنوده وجانب من جوانبه فلا حصلت هذه المشابهة بين الجنب الذى هو
العضو وبين ما يكون لازماً للشىء وتابعاً له ، لاجرم حسن إطلاق لفظ الجنب على الحق والأمر
والطاعة قال الشاعر :
أما تتقين اللّه جنب واءق له كبد حرا عليك تقطع
المسألة الثالثة﴾ قال صاحب الكشاف قرى. (ياحسرتى) على الأصل و(يا حسر تاى) على
الجمع بين العوض والمعوض عنه .
:
أما قوله تعالى (وإن كنت لمن الساخرين) أى أنه ما كان مكتفياً بذلك النقصير بل كان من
المستهزئن بالدين، قال قتادة لم يكفه أن ضيع طاعة الله حتى سخر من أهلها، ومحل وإن كنت
نصب على الحال كأنه قال ( فرطت فى جنب اللّه) وأنا ساخر أى فرطت فى حال سخريتى.
( النوع الثانى ) من الكلمات التى حكاها اللّه تعالى عن أهل العذاب أنهم يذكرونه بد نزول
العذاب عليهم قوله ( أو تقول لو أن الله هدانى لكنت من المتقين).
﴿ النوع الثالث ) قوله ( أو تقول حين ترى العذاب لو أن لى كرة فأكون من المحسنين)
وحاصل الكلام أن هذا المقصر أتى بثلاثة أشياء ( أولها ) الحسرة على التفريط فى الطاعة (وثانيها)
التعلل بفقد الهداية ( وثالثها ) بتمنى الرجعة ، ثم أجاب اللّه تعالى عن كلامهم بأن قال التعلل بفقد
الهداية باطل، لأن الهداية كانت حاضرة والأعذار زائلة، وهو المراد بقوله ( بلى قد جاءتك آياتى
فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين) وههنا مسائل :
المسألة الأولى﴾ قال الزجاج بلى جواب النفى وليس فى الكلام لفظ الننى إلا أنه حصل

٨
قوله تعالى : بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها . سورة الزمر .
فيه معنى النفي، لأن معنى قوله (لو أن الله هدانى) أنه ما هدانى، فلا جرام حسن ذكر لفظة (منى)
بعده .
﴿ المسألة الثانية﴾ قال الواحدى رحمه الله: القراءة المشهورة واقعة على التذکیر فی قوله ( بلى
قد جاءتك آياتى فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين) لأن النفس تقع على الذكر
والأنثى لفوطب المذكر، وروى الربيع بن أنس عن أم سلمة أن النبى صلى الله علية وسلم كان يقرأ
علی التأنيث ، قال أبو عبيد لو صح هذا عن النبى صلى الله عليه وسلم لكان حجة لا يجوز لأحد تر کها
ولكنه ليس بمسند، لأن الربيع لم يدرك أم سلمة، وأما وجه التأنيث فهو أنه ذكر النفس، ولفظ
النفس ورد فى القرآن فى أكثر الأمن على التأنيث بقوله (ولت لى نفسى، وإن النفس الأمارة
بالسوء، ويا أيتها النفس المطمئنة) .
المسألة الثالثة﴾ قال القاضى هذه الآيات دائه على صحة القول بالقدر من وجوه (الأول)
أنه لا يقال : فلان أسرف على نفسه على وجه الذم إلا لما يكون من قبله ، وذلك يدل على أن
أفعال العباد تحصل من قبلهم لا من قبل اللّه تعالى، (وثانيها) أن طلب الغفران والرجاء فى ذلك
أو اليأس لا يحسن إلا إذا كان الفعل فعل العبد، ( وثالثها) إضافة الإنابة والإسلام إليه من قبل
أن يأتيه العذاب وذلك لا يكون إلا مع تمكنه من محاولتهما قبل نزول العذاب، ومذهبهم أن
الكافر لم يتمكن قط من ذلك ( ورابعها) قوله تعالى (واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم)
وذلك لا يتم إلا بما هو المختار للاتباع (وخامسها) ذمه لهم على أنهم لا يشعرون بما يوجب العذاب
وذلك لا يصح إلا مع التمكن من الفعل، (وسادسها) قولهم ( يا حسرتى على ما فرطت فى جنب
الله) ولا يتحر المره على أمر سبق منه إلا وكان يصح منه أن يفعله، (وسابعها) قوله تعالى (على
مافرطت فى جنب الله) ومن لا يقدر على الإيمان كما يقول القوم ولا يكون الإيمان من فعله
لا يكون مفرطاً، (وثامنها) ذمه لهم بأنهم من الساخرين، وذلك لا يتم إلا أن تكون السخرية
فعلهم وكان يصح منهم أن لا يفعلوه، (وتاسعها) قوله (لو أن اللّه هدائى) أی مکنی (لكنت
من أستقين) وعلى هذا قولهم إذا لم يقدر على التقوى فكيف يصح ذلك منه، ( وعاشرها) قوله
(لو أن لى كرة مأكون من المحسنين) وعلى قولهم لو رده الله أبداً كرة بعد کرة، وليس فيه إلا
قدرة الكفر لم يصح أن يكون محسناً، (والحادى عشر) قوله تعالى موجخاً لهم ( بلىّ قد جاءتك
آياتى فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين) فبين تعالى أن الحية عليهم الله لا أن الحجة
لحم على الله، ولو أن الأمر كما قالوا لكان لهم أن يقولوا: قد جاءتنا الآيات ولكنك خلقت فينا
التكذيب بها ولم تقدرنا على التصديق بها. (والثانى عشر) أنه تعالى وصفهم بالتكذيب والاستكبار
والكفر على وجه الذم ولو لم تكن هذه الأشياء أفعالا لحم لما صح الكلام، (والجواب)
عنه أن هذه الوجوه معارضة، بما أن القرآن مملوء من أن الله تعالى يضل ويمنع ويصدر منه اللين

٩
قوله تعالى: وينجي الله الذين اتقوا . سورة الزمر .
وَيَوْمَ الْقِيََّةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى الَّهِ وُجُوهُهُم مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِىِ جَهَّمَ مَنْوَى
لِلْمُتَكَّبِينَ ﴾ وَيُحِّى اللهُالَّذِينَ أَتَّقَوْ بِمَغَازَتِهِمْ لَا يَسُهُمُ السُّوَءُ وَلَ هُمْ يَحْزَنُونَ
ردود ٩٠/٠٤
والقسوة والاستدراج، ولما كان هذا التفسير مملوءاً منه لم يكن إلى الإعادة حاجة.
قوله تعالى: ﴿ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة إليس فى جهنم مثوى
للتكبرين، وينجى الله الذين اتقو بمفازتهم لا يمسهم السوء ولاهم يحزنون﴾.
اعلم أن هذا نوع آخر من تقرير الوعيد والوعد ، أما الوعيد فقوله تعالى ( ويوم القيامة ترى
الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة) وفيه بحثان: (أحدهما) أن هذا التكذيب كيف هو ؟
والثانى أن هذا السواد كيف هو ؟
﴿ البحث الأول ) عن حقيقة هذا التكذيب، فنقول: المشهور أن الكذب هو الإخبار عن
الشىء على خلاف ماهو عليه، ومنهم من قال هذا القدر لا يكون كذباً بل الشرط فى كونه كذباً
أن يقصد الإتيان بخبر يخالف المخبر عنه، إذا عرفت هذا الأصل فنذكر أقوال الناس فى هذه الآية :
قال الكعبى : ويرد الجبر بأن هذه الآية وردت عقيب قوله (لو أن الله هدانى) يعنى أنه ماهدانى
بل أضلى ، هلما حكى اللّه عن الكفار ثم ذكر عقيبه (ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة)
وجب أن يكون هذا عائداً إلى ذلك الكلام المتقدم، ثم روى عن الحسن عن النبى صلى الله عليه وسلم
أنه قال (« ما بال أقوام يصلون وبقرأون القرآن، يزعمون أن الله كتب الذنوب على العباد ، وهم
كذبة على الله، والله مسود وجوههم)) واعلم أن أصحابنا قالوا آخر الآية يدل على فساد هذا التأويل
لأنه تعالى قال فى آخر الآية ( أليس فى جهنم مثوى للمتكبرين) وهذا يدل على أن أولئك الذين
صارت وجوههم مسودة أقوام متكبرون ، والتكبر لا يليق بمن يقول أنا لا أقدر على الخلق والإعادة
والإيجاد ، وإنما القادر عليه هو الله سبحانه وتعالى، أما الذين يقولون إن الله يريد شيئاً وأنا أريد
بضده، فيحصل مرادى ولا يحصل مراد الله، فالتكبر بهذا القائل أليق، فثبت أن هذا التأويل
الذى ذكروه فاسد ، ومن الناس من قال إن هذا الوعيد مختص باليهود والنصارى، ومنهم من قال
إنه مختص بمشركى العرب، قال القاضى يجب حمل الآية على الكل من المشبهة والمجبرة وكذلك كل من
وصف الله بما لا يليق به نفياً وإثباتاً، فأضاف إليه ما يجب تنزيهه عنه أو نزهه عما يجب أن يضاف
إليه. فالكل منهم داخلون تحت هذه الآية، لأنهم كلهم كذبوا على الله، فتخصيص الآية بالمجبرة
والمشبهة أو اليهود والنصارى لا يجوز، واعلم أنا لو أجرينا هذه الآية على عمومها كما ذكره القاضى

١٠
قوله تعالى : ويوم القيامة ترى الذين كذبوا . سورة الزمر .
لزمه تکفیرالأمة ، لأنك لاتری فرقة من فرق الأمة إلا وقد حصل بينهم اختلاف شديد فى صفات
الله تعالى، ألا ترى أنه حصل الاختلاف بين أبى هاشم وأهل السنة فى مسائل كثيرة من صفات
اللّه تعالى، ويلزم على قانون قول القاضى تكفيرأحدهما، فثبت أنه يجب أن يحمل الكذب المذكور
فى الآية على ما إذا قصد الإخبار عن الشىء مع أنه يعلم أنه كاذب فيما يقول، ومثال هذا كفار
قريش فإنهم كانوا يصفون تلك الأصنام بالإلهية مع أنهم كانوا يعلمون بالضرورة أنها جمادات ،
وكانوا يقولون إن الله تعالى حرم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، مع أنهم كانوا ينكرون القول
بأن الله حرم كذا وأباح كذا ، وكان قائله عالماً بأنه كذب وإذا كان كذلك فإلحاق مثل هذا الوعيد
بهذا الجاهل الكذاب الضال المضل [يكون] مناسباً، أما من لم يقصد إلا الحق والصدق لكنه
أخطأ يبعد إلحاق هذا الوعيد به .
﴿ البحث الثانى) الكلام فى كيفية السواد الحاصل فى وجوههم، والأقرب أنه سواء مخالف
لسائر أنواع السواد، وهو سواد يدل على الجهل باللّه والكذب على الله، وأقول إن الجهل ظلمة ،
والظلمة تتخيل كأنها سواد فسواد قلوبهم أوجب سواد وجوههم، وتحت هذا الكلام أسرار عميقة
من مباحث أحوال القيامة ، فلما ذكر الله هذا الوعيد أردفه بالوعد فقال ( وينجى الله الذين اتقوا
بمفازتهم) الآية ، قال القاضى المراد به من اتقى كل الكبائر إذ لا يوصف بالاتقاء المطلق إلا من كان
هذا حاله ، فيقال له: أمرك مجيب جداً فإنك قلت لما تقدم قوله تعالى (لو أن الله هدانى لكنت.
من المتقين) وجب أن يحمل قوله (ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة) على
الذين قالوا (لو أن الله هدانى) فعلى هذا القانون لما تقدم قوله ( ويوم القيامة ترى الذين كذبوا
على الله وجوههم مسودة) .
ثم قال تعالى بعده ( وينجى الله الذين اتقوا بمفازتهم ) وجب أن يكون المراد هم الذين اتقوا
ذلك الكذب، فهذا يقتضى أن كل من لم يتصف بذلك الكذب أنه يدخل تحت ذلك الوعد المذكور
بقوله ( وينجى الله الذين اتقوا بمفازتهم) وأن يكون قولك ( الذين اتقو) المراد منه من أنقى كل
الكبائر فاسداً، فثبت أن التعصب يحمل الرجل العاقل على الكلمات المتناقضة، بل الحق أن تقول
المتق هو الآتى بالاتقاء. والآنى بالاتقاء فى صورة واحدة آت بمسمى الاتقاء ، وبهذا الحرف قلنا
الأمر المطلق لا يفيد التكرار ، ثم ذلك الاتقاء غير مذكور بعينه فى هذه اللفظة فوجب حمله على
الاتقاء عن الشىء الذى سبق ذكره وهذا هو الكذب على الله تعالى، فثبت أن ظاهر الآية يقتضى
أن من اتقى عن تلك الصفة وجب دخوله تحت هذا الوعد الكريم .
ثم قال تعالى ( بمفازتهم) وفيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ قرأحمزة والكسائى وأبو بكر عن عاصم بمفازاتهم على الجمع، والباقون
بمفازتهم على التوحيد، وحكى الواحدى عن الفراء أنه قال: كلاهما صواب، إذ يقال فى الكلام

١١
قوله تعالى : الله خالق كل شيء . سورة الزمر .
اللهُ تَخَلِقُ كُلٍ شَىْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَكِلّ ◌َه لَهُ مَقَلِيُ السَّعَلَتِ وَالْأَرْضِ
وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَايَتِ الِّ أَوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ (﴾ قُلْ أَفَغَيْرَ الهِ تَأْمُوَنِّ أَعْبُدُ
أَيُّهَا الْجَهِلُونَ ﴿ وَلَقَدْ أُوِىَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَبِنْ أَثْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ
عَلُكَ وَلَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِينَ ﴿ بَلِ اللَّهَ فَأَعْبُدْ وَكُن مِّنَ الشَّئِكِينَ (٦﴾
قد تبين أمر القوم وأمور القوم ، قال أبو على الفارسى: الإفراد للمصدر ووجه الجمع أن المصادر
قد تجمع إذا اختلفت أجناسها، كقوله تعالى (وتظنون بالله الظنونا) ولا شك أن لكل متق نوعا
آخر عن المفازة .
المسألة الثانية ﴾ المفازة مفعلة من الفوز وهو السعادة، فكان المعنى أن النجاة فى القيامة
حصلت بسبب فوزهم فى الدنيا بالطاعات والخيرات ، فعبر عن الفوز بأوقاتها ومواضعها.
ثم قال ( لا يمسهم السوء ولاهم يحزنون) والمراد أنه كالتفسير لتلك النجاة، كأنه قيل كيف
ينجيهم؟ فقيل ( لا يمسهم السوء ولاهم يحزنون) وهذه كلمة جامعة لأنه إذا علم أنه لا يمسه السوء
كان فارغ البال بحسب الحال عما وقع فى قلبه بسبب فوات الماضى، فحينئذ يظهر أنه سلم عن كل
الآفات، ونسأل الله الفوز بهذه الدرجات بمنه وكرمه .
﴿ المسألة الثالثة) دلت الآية على أن المؤمنين لا ينالهم الخوف والرعب فى القيامة، وتأكد
هذا بقوله ( لا يحزنهم الفزع الأكبر).
قوله تعالى: ﴿ الله خالق كل شىء وهو على كل شىء وكيل، له مقاليد السموات والأرض
والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون، قل أفغير الله تأمرونى أعبد أيها الجاهلون، ولقد
أوحى إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين، بل الله فاعبد
وكن من الشاكرين؟
واعلم أنه لما أطال الكلام فى شرح الوعد والوعيد عاد إلى دلائل الإلهية والتوحيد ، وفى
الآية مسائل :
المسألة الأولى﴾ قد ذكرنا فى سورة الأنعام أن أصحابنا تمسكوا بقوله تعالى (الله خالق
كل شىء) على أن أعمال العباد مخلوقة لله تعالى، وأطنبنا هناك فى الأسئلة والأجوبه، فلا فائدة ههنا

١٢
قوله تعالى : وهو على كل شيء وكيل . سورة الزمر .
فى الإعادة ، إلا أن الكمى ذكر ههناكلمات فتذكرها ونجيب عنها، فقال إن الله تعالى مدح
نفسه بقوله (الله خالق كل شىء) وليس من المدح أن يخلق الكفر والقبائح فلا يصح أن يحتج
المخالف به، وأيضاً فلم یکن فى صدر هذه الأمة خلاف فى أعمال العباد ، بل كان الخلاف بينهم
وبين المجوس والزنادقه فى خلق الأمراض والسباع والهوام ، فأراد الله تعالى أن يبين أنها جمع
من خلقه ، وأيضاً لفظه (كل) قد لا توجب العموم لقوله تعالى (وأوتيت من كل شىء) ( قدمر
كل شىء) وأيضاً لو كانت أعمال العباد من خلق الله لما ضافها إليهم بقوله ( كفاراً حسداً من
عند أنفسهم) ولما صح قوله (ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله) ولما صح قوله
( وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا) فهذا جملة ما ذكره الكعبى فى تفسيره، وقال
الجبائى : الله خالق كل شىء سوى أفعال خلقه التى صح فيها الأمر والنهى واستحقوا بها الثواب
والعقاب ، ولو كانت أفعالهم خلفاً لله تعالى ماجاز ذلك فيه كما لا يجوز مثله فى ألوانهم وصورهم ،
وقال أبو مسلم: الخلق هو التقدير لا الإيجاد، فإذا أخبر الله عن عباده أنهم يفعلون الفعل الفلانى
فقد قدر ذلك الفعل ، فيصح أن يقال إنه تعالى خلقه وإن لم يكن موجداً له.
واعلم أن الجواب عن هذه الوجوه قد ذكر ناه بالاستقصاء فى سورة الأنعام، فمن أراد الوقوف
عليه فليطالع هذا الموضع من هذا الكتاب، والله أعلم .
أما قوله تعالى ( وهو على كل شى. وكيل) فالمعنى أن الأشياء كلها موكولة إليه فهو القائم
بحفظها وتدبيرها من غير منازع ولا مشارك، وهذا أيضاً يدل على أن فعل العيد مخلوق اللّه تعالى،
لأن فعل العبد لو وقع بتخليق العبد لكان ذلك الفعل غير موكول إلى الله تعالى، فلم يكن الله تعالى
و کیلا عليه ، وذلك ینافى غموم الآية .
ثم قال تعالى ( له مقاليد السموات والأرض) والمعنى أنه سبحانه مالك أمرها وحافظها وهو
من باب الكناية، لأن حافظ الخزائن ومدبر أمرها هو الذى بيده مقاليدها، ومنه قولهم: فلان
ألقيت مقاليد الملك إليه وهىء المفاتيح، قال صاحب الكشاف: ولا واحد لها من لفظها، وقيل
مقليد ومقاليد، وقيل مقلاد ومقاليد مثل مفتاح ومفاتيح، وقيل إقليد وأقاليد) قال صاحب
الكشاف: والكلمة أصلها فارسية ، إلا أن القوم لما عربوها صارت عربية،
واعلم أن الكلام فى تفسير قوله (له مقاليد السموات والأرض ) قريب من الكلام فى
قوله تعالى (وعنده مفاتح الغيب ) وقد سبق الاستقصاء هناك، قيل سأل عثمان رسول الله مَطام
عن تفسير قوله (له مقاليد السموات والأرض) فقال «ياعثمان ما سألنى عنها أحد قبلك، تفسيرها
لا إله إلا الله والله أكبر، سبحان الله وبحمده، أستغفر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله ، هو
الأول والآخر والظاهر والباطن بيده الخير، يحي ويميت وهو على كل شىء قدير)» هكذا نقله
صاحب الكشاف.

١٣
قوله تعالى : والذين كفروا بآيات الله . سورة الزمر .
قوله تعالى: ﴿والذين كفر بآيات الله ألتك هم الخاسرون﴾ وفيه مسألتان:
المسألة الأولى﴾ صريح الآية يقتضى أنه لاخاسر إلا كافر، وهذا يدل على أن كل من لم
یکن کافزاً فإنه لابد وأن يحصل له حظ من رحمة الله .
﴿ المسألة الثانية﴾ أور صاحب الكشاف سوالا، وهو أنه بم اتصل قوله (والذين كفروا)؟
وأجاب عنه بأنه اتصل بقوله مالى (وينجى الله الذين اتقوا) أى ينجى الله المتقين بمفازتهم
(والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون) واعترض ما بينهما أنه خالق للأشياء كلها ، وإن
(له مقاليد السموات والأرض) وأقول هذا عندى ضعيف من وجهين (الأول ) أن وقوع
الفاصل الكبير بين المعطوف والمعطوف عليه بعيد (الثانى) أن قوله ( وينجى الله الذين اتقوا
بمفازتهم) جملة فعلية، وقوله ( والذين كفروا بآيات الله هم الخاسرون) جملة إسمية، وعطف الجملة
الأسمية على الجملة الفعلية لا يجوز، بل الأقرب عندى أن يقال إنه لما وصف الله تعالى نفسه
بالصفات الإلهية والجلالية، وهو كونه خالقاً الأشياء كلها ، وكونه مالكا لمقاليد السموات
والأرض بأسرها، قال بعده: (والذين كفروا) بهذه الآيات الظاهرة الباهرة (أولئك هم الخاسرون).
ثم قال تعالى ( قل أفغير الله تأمرونى أعبد أيها الجاهلون) وفيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ قرأ ابن عامر تأمرونى بونين ساكنة الياء وكذلك هى فى مصاحف
الشام، قال الواحدى وهو الأصل ، وقرأ ابن كثير تأمرونى بنون مشددة على إسكان الأولى
وإدغامها فى الثانية، وقرأ نافع تأمرونى بنون واحدة خفيفة ، على حذف إحدى النونين والباقون
بنون واحدة مكسورة مشددة .
المسألة الثانية﴾ (أفغير الله) منصوب بأعبد وتأمرونى اعتراض، ومعناه: أفغير اللّه أعبد
بأمركم؟ وذلك حين قال له المشركون أسلم ببعض آلهتنا ونؤمن بإلهك ، وأقول نظير هذه
الآية ، قوله تعالى ( قل أغير اللّه أتخذ ولياً فاطر السموات والأرض) وقد ذكرنا فى تلك الآية
وجه الحكمة فى تقديم الفعل .
المسألة الثالثة﴾ إنما وصفهم بالجهل لأنه تقدم وصف الإله بكونه خالقاً للأشياء وبكون
مالكا لمقاليد السموات والأرض، وظاهر كون هذه الأصنام جمادات أنها لا تضر ولا تنفع ،
ومن أعرض عن عبادة الإله الموصوف بتلك الصفات الشريفة المقدسة ، واشتغل بعبادة هذه
الأجسام الخسيسة ، فقد بلغ فى الجهل مبلغاً لامزيد عليه ، فلهذا السبب قال ( أيها الجاهلون) ولا
شك أن وصفهم بهذا الأمر لائق بهذا الموضع.
قوله تعالى: ﴿ولقد أوحى إليك وإلى الذين من قبلك لتن أشركت ليحبطن عملك، ولتكونن
من الخاسرين﴾ أعلم إن الكلام التام مع الدلائل القوية، والجواب عن الشبهات فى مسألة الإحباط
قد ذكرناه فى سورة البقرة فلا نعيده، قال صاحب الكشاف قرى. ( ليحبطن عملك) على

١٤
قوله تعالى : وما قدروا الله حق قدره . سورة الزمر .
وَمَا قَدَرُواْاللّهَحَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جميعًا قَبْضَتُهُ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَّمَوْتُ
مَطْوِّتٌ بِمِينِهِ، سُبْحَانَهُ، وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (﴾ وَنُفِخَ فِى الْصُورٍ فَصَعِقَ
البناء للمفعول وقرى بالياء والنون أى: ليحبطن الله أو الشرك وفى الآية سؤالات:
( السؤال الأول) كيف أوحى إليه وإلى من قبله حال شركه على التعيين ؟ و (الجواب)
تقدير الآية: أوحى إليك لئن أشركت ليحبطن عملك، وإلى الذين من قبلك مثله أو أوحى إليك
وإلى كل واحد منهم لئن أشركت ، كما تقول كسانا حلة أى كل واحد منا.
﴿ السؤال الثانى﴾ ما الفرق بين اللامين؟ (الجواب) الأولى موطئة القسم المحذوف والثانية
لام الجواب.
﴿السؤال الثالث) كيف صح هذا الكلام مع علم الله تعالى أن رسله لا يشركون ولا تخبط
أعمالهم؟ و (الجواب) أن قوله (لئن أشركت ليحبطن عملك) قضية شرطية والقضية الشرطية
لا يلزم من صدقها صدق جزأيها ألا ترى أن قولك لوكانت الخمسة زوجاً لكانت منقسمة بمتساويين
قضية صادقة مع أن كل واحد من جزأيها غير صادق ، قال الله تعالى (لو كان فيهما آلهة إلا الله
أفسدتا) ولم يلزم من هذا صدق القول بأن فيهما آلهة وبأنهما قد فدتا.
﴿ السؤال الرابع) ما معنى قوله (ولتكونن من الخاسرين)؟ و(الجواب) كما أن طاعات
الأنبياء والرسل أفضل من طاعات غيرهم ، فكذلك القبائح التى تصدر عنهم فإنها بتقدير الصدور
تكون أقبح لقوله تعالى ( إِذاً لأذقناك ضعف الحياة وضعف المات) مكان المعنى ضعف الشرك
الحاصل منه، وبتقدير حصوله منه يكون تأثيره فى جانب غضب الله أقوى وأعظم.
واعلم أنه تعالى لما قدم هذه المقدملت ذكر ماهو المقصود فقال ( بل الله فاعبد و کن من
الشاكرين)، والمقصود منه ما أمروه به من الإسلام ببعض آلهتهم، كأنه قال إنكم تأمروتى بأن
لا أعبد إلا غير الله لأن قوله ( قل أفغير اللّه تأمرونى أعبد) يفيد أنهم عينوا عليه عبادة غير الله،
فقال الله إنهم بئسما قالوا ولكن أنت على الهند معها قالوا ، فلا تعبد إلا الله، وذلك لآن قوله ( بل
الله فاعبد) يفيد الحصر. ثم قال ( وكن من الشاكرين) على ماهداك إلى أنه لا يجوز إلا عبادة
الإله القارى عن الإطلاق العليم الحكيم ، وعلى ما أرشدك إلى أنه يجب الإعراض عن عبادة كل
ماسوى الله .
قوله تعالى: ﴿وما قدروا الله حق قدرة والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسموات مطويات
بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون ، ونفخ فى الصور فصعق من فى السموات ومن فى الأرض

١٥
قوله تعالى : وما قدروا الله حق قدره . سورة الزمر .
مَنْ فِ السَّمََّتِ وَمَنْ فِ اَلْأَرْضِ إلَّا مَنْ شَآءَ الهُثُمَ نُفِيخَ فِيهِ أَنْرَى فَإذَا هُمْ
وَأَثْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِهَا وَوُضِعَ الْكِتَبُ وَِأىَّ
قِيَامٌ يَنْظُرُونَ
بِالنَِّنَ وَالشُّهَدَآءِ وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ بِلَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلُونَ (8﴾ وَوُفِيَتْ كُلُّ نَفْسٍ
مَّ عِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ
٧٠
إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون، وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع
الكتاب وجىء بالنبيين والشهداء وقضى بينهم بالحق وهم لا يظلمون ، ووفيت كل نفس ما عملت
وهو أعلم بما يفعلون﴾.
واعلم أنه تعالى لما حكى عن المشركين أنهم أمروا الرسول بعبادة الأصنام. ثم إنه تعالى أقام
الدلائل على فساد قولهم وأمر الرسول بأن يعبد الله ولا يعبد شيئاً آخر سواه، بين أهم لو عرفوا
الله حق معرفته لما جعلوا هذه الأشياء الخسيسة مشاكة له المعبودية، فقال ( وما قدروا الله حق
قدره ) وفى الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ احتج بعض الناس بهذه الآية على أن الخلق لا يعرفون حقيقة الله، قالوا
لأن قوله (وما قدروا الله حق قدره) يفيد هذا المعنى إلا أما ذكرنا أن هذا صفة حال الكفار فلا
يلزم من وصف الكفار بانهم ماقدروا الله حق قدره وصف المؤمنين بذلك ، فسقط هذا الكلام .
المسألة الثانية﴾ قوله ( وما قدروا الله حق قدره) أى ما عظموه حق تعظيمه، وهذه الآية
مذكورة فى سور ثلاث ، فى سورة الأنعام ، وفى سورة الحج، وفى هذه السورة.
واعلم أنه تعالى لما بين أنهم ماعظموه تعظيما لائقاً به أردفه بما يدل على كمال عظمته ونهاية
جلالته ، فقال (والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه) قال القفال
( وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة) كقول القائل وما قدرتنى حق
قدرى وأما الذى فعلت كذا وكذا ، أى لما عرفت أن حالى وصفتى هذا الذى ذكرت، فوجب
أن لاتحطنى عن قدرى ومنزلتى، ونظيره قوله تعالى ( كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحيا كم)
أى كيف تكفرون بمن هذا وصفه وحال ملكه فكذا ههنا، والمعنى (وما قدروا الله حق قدره)
إذ زعموا أن له شركاء وأنه لا يقدر على إحياء الموتى مع أن الأرض والسموات فى قبضته وقدرته ،
قال صاحب الكشاف الغرض من هذا الكلام إذا أخذته كما هو بحملته ومجموعه تصوير عظمته

١٦
قوله تعالى : وما قدروا الله حق قدره . سورة الزمر .
والتوقيف على كنه جلاله من غير ذهاب بالقبضة ولا بالمين إلى جهة حقيقة أو مجاز ، وكذلكماروى
أن يهودياً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا أبا القاسم إن الله يمسك السموات
يوم القيامة على إصبع والأرضين على إصبع والجبال على إضبع والشجر على إصبع والثرى على
أصبع وسائر الخلق على أصبع ثم يهزهن فيقول أنا الملك ! فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم
تعجباً بما قال، قال صاحب الكشاف وإنما ضحك أفصح العرب لأنه لم يفهم منه إلا ما يفهمه
علما. البيان من غیر تصور إمساك ولا إصبع ولا هز ولا شىء من ذلك، ولکن فهمه وقع أول
كل شىء وآخره على الزبدة والخلاصة، التى هى الدلاء لى القدرة الباهرة، وأن الأفعال العظام التى
تحير فيها الأوهام ولا تكتبها الأذهان هيئة عليه. قال ولانرى باباً فى علم البيان أدق ولا ألطف
من هذا الباب ، فيقال له هل تسلم أن الأصل فى الكلام حمله على الحقيقه ، وأنه إنما يعدل عن
الحقيقة إلى الحجاز عند قيام الدلالة على أن حمله على حقيقته متع ، حينئذ يجب حمله على المجاز ، فإن
أنكر هذا الأصل فيمنذ يخرج القرآن بالكلية عن أن يكون حجة ، فإن لكل أحد أن يقول المقصود
من الآية الفلانية كذا وكذا فأنا أحمل الآية على ذلك المقصود، ولا ألتفت إلى الظواهر ، مثاله من
تمسك بالآيات الواردة فى ثواب أهل الجنة وعقاب أهل النار ، قال المقصود بيان سعادات المطيعين
وشقاوة المذنبين ، وأنا أحمل هذه الآيات على هذا المقصود ولا أثبت الأكل والشرب ولا سائر
الأحوال الجسمانية ، ومن تمسك بالآيات الواردة فى إثبات وجوب الصلاة فقال المقصود منه
إيجاب تنوير القلب بذكر الله، فأنا أكتفي بهذا القدر ولا أوجب هذه الأعمال المخصوصة، وإذا
عرفت الكلام فى هذين المثالين فقس عليه سائر المسائل الأصولية والفروعية، وحينئذ يخرج القرآن
عن أن يكون حجة فى المسائل الأصولية والفروعية، وذلك باطل قطعاً، وأما إن سلم أن الأصل
فى علم القرآن أن يعتقد أن الأصل فى الكلام حمله على حقيقته ، فان قام دليل منفصل على أنه
يتعذر حمله على حقيقته، فينئذ يتعين صرفه إلى مجازه، فإن حصلت هناك مجازات لم يتعين صرفه إلى
مجاز معين إلا إذا كان الدليل يوجب ذلك التعيين ، فنقول ههنا لفظ القبضة ولفظ المين حقيقة فى
الجارحة المخصوصة، ولا يمكنك أن تصرف ظاهر الكلام عن هذا المعنى إلا إذا أقمت الدلالة على
أن حمل هذه الألفاظ على ظواهرها ممتنع حينئذ يجب حملها على المجازات ، ثم تبين بالدليل أن
المعنى الفلافى يصح جعله مجازاً عن تلك الحقيقة ، ثم تبين بالدليل أن هذا المجاز أولى من غيره ،
وإذا ثبقت هذه المقدمات وترتيبها على هذا الوجه فهذا هو الطريق الصحيح الذى عليه تمويل أهل
التحقيق فأنت ما أتيت فى هذا الباب بطريقة جديدة وكلام غريب ، بل هو عين ماذكره أهل
التحقيق، فثبت أن الفرح الذى أظهره من أنه اهتدى إلى الطريق الذى لم يعرفم غيره طريق فاسد،
دال على قلة وقوفه على المعانى، ولنرجع إلى الطرق الحقبقى فنقول لاشك أن لفظ القبضة والمين
مشعر بهذه الأعضاء والجوارح، إلا أن الدلائل العقلية قامت على امضاع ثبوت الأعضاء والجوارح

١٧
قوله تعالى : والسموات مطويات . سورة الزمر .
الله تعالى، فوجب حمل هذه الأعضاء على وجوه المجاز، فنقول إنه يقال فلان فى قبضة فلان إذا كان
تحت تدبيره وتسخيره. قال تعالى (إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم) والمراد منه كونه مملوكا
له ، ويقال هذه الدار فى يد فلان، وفلان صاحب اليد، والمراد من الكل القدرة ، والفقهاء يقولون
فى الشروط وقبض فلان كذا وصار فى قبضته ، ولا يربدون إلا خلوص ملكه، وإذا ثبت تعذر
حمل هذه الألفاظ على حقائقها وجب حملها على جازاتها صوناً لهذه النصوص عن التعطيل، فهذا هو
الكلام الحقيقى فى هذا الباب ، ولنا كتاب مفرد فى إثبات تنزيه الله تعالى عن الجسمية والمكان ،
سميناه بتأسيس التقديس ، من أراد الإطناب فى هذا الباب فليرجع إليه .
﴿ المسألة الثالثة﴾ فى تفسير ألفاظ الآية قوله (والأرض) المراد منه الأرضون السبع ،
ويدل عليه وجوه (الأول) قوله (جميعاً) فان هذا التأكيد لا يحسن إدخاله إلا على الجمع ونظيره
قوله (كل الطعام ) وقوله تعالى (أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء) وقوله تعالى
(والنخل باسقات) وقوله تعالى ( إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات) فإن
هذه الألفاظ الملحة باللفظ المفرد تدل على أن المراد منه الجمع فكذا ههنا ( والثانى) أنه قال
بعده (والسموات مطويات) فوجب أن يكون المراد بالأرض الأرضون (الثالث) أن الموضع
موضع تعظيم وتفخيم فهذا مقتضى المبالغة، وأما القبضة فهى المرة الواحدة من القبض ، قال تعالى
(فقبضت قبضة من أثر الرسول) والقبضة بالضم المقدار المقبوض بالكف، ويقال أيضاً أعطنى
قبضة من كذا، يريدمعنى القبضة تسمية بالمصدر، والمعنى والأرضون جميعاً قبضته أى ذوات قبضته
يقبضهن قبضة واحد من قبضاته ، يعنى أن الأرضين مع مالها من العظمة والبسطة لا يبلغن إلاقبضة
واحدة من قبضاته ، أما إذا أريد معنى القبضة، فظاهر لأن المعنى أن الأرضين بحملتها مقدار ما
يقبضه بكف واحدة فإن قيل ما وجه قراءة من قرأقبضته بالنصب ، قلنا جعل القبضة ظرفاً(١) وقوله
(مطويات) من الطى الذى هو ضد النشر كما قال تعالى (يوم نطوى السماء كعلى السجل) وعادة
طاوى السجل أن يطريه بيمينه، ثم قال صاحب الکشاف : وقيل قبضته ملكه ويمينه قدرته ، وقيل
مطويات بيمينه أى مفنيات بقسمه لأنه أقسم أن يقبضها ، ولما ذكر هذه الوجوه عاد إلى القول
الأول بأنها وجوه ركيكة، وأن حمل هذا الكلام على محض التمثيل أولى، وبالغ فى تقرير هذا
الكلام فأطنب ، وأقول إن حال هذا الرجل فى إقدامه على تحسين طريقته، وتقبيح طريقة القدماء
عجيب جداً، فإنه إن كان مذهبه أنه يجوز ترك الظاهر اللفظ، والمصير إلى المجاز من غير دليل فهذا
طعن فى القرآن وإخراج له عن أن يكون حجة فى شىء ، وإن كان مذهبه أن الأصل فى الكلام
الحقيقة ، وأنه لا يجوز العدول عند إلا لدليل منفل، فهذا هو الطريقة التى أُطبق عليها جمهور
المتقدمين، فأين الكلام الذى يزعم أنه علمه؟ وأين العلم الذى لم يعرفه غيره؟ مع أنه وقع فى التأويلات
(١) يريد أنه منصوب نزع على الخافض والتقدير، فى قبعنته)).
الفخر الرازي - ج ٢٧ م ٢

١٨
قوله تعالى : والارض جميعاً قبضته . سورة الزمر .
العسر والكلمات الركيكة، فإن قالوا المراد أنه لما دل الدليل على أنه ليس المراد من لفظ القبضة
والمين هذه الأعضاء ، وجب علينا أن نكتفي بهذا القدر ولا نشتغل بتعيين المراد، بل نفوض
علمه إلى الله تعالى، فنقول هذا هو طريق الموحدين الذين يقولون إنا نعلم ليس مراد الله من هذه
الألفاظ هذه الأعضاء، فأما تعيين المراد، فإنا تفرض ذلك العلم إلى الله تعالى، وهذا هو طريقة
السلف المعرضين عن التأويلات ، فثبت أن هذه التأويلات التى أتى بها هذا الرجل ليس تحتها شى.
من الفائدة أصلا، والله أعلم .
واعلم أنه تعالى لما بين عظمته من الوجه الذى تقدم قال ( سبحانه وتعالى عما يشركون) يعنى
أن هذا القادر القاهر العظيم الذى حارت العقول والألباب فى وصف عظمته تنزه وتقدس عر أن
تجـ ل الأصنام شركاء له فى المعبودية، فإن قيل السؤال على هذا الكلام من وجوه (الأول ) أن
العرش أعظم من السموات السبع والأرضين السبع، ثم إنه قال فى صفة العرش (ويحمل عرش
ربك فوقهم يومئذ ثمانية) وإذا وصف الملائكة بكونهم حاملين العرش العظيم ، فكيف يجوز
تقدير عظمة الله بكونه حاملا السموات والأرض؟
٢٫٠٠٠٠١
﴿ السؤال الثانى) أن قوله (والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه).
شرح حالة لا تحصل إلا فى يوم القيامة ، والقوم ما شاهدوا ذلك ، فإن كان هذا الخطاب مع
المصدقين للأنبياء فهم يكونون معترفين بأنه لا يجوز القول بججل الأصنام شركاء لله تعالى، فلا فائدة
فى إيراد هذه الحجة عليهم ، وإن كان هذا الخطاب مع المكذبين بالنبوة وهم ينكرون قوله
(والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة ) فكيف يمكن الاستدلال به على إبطال القول بالشرك؟.
﴿ السؤال الثالث ) حاصل القول فى القبضة واليمين هو القدرة الكاملة الوافية بحفظ هذه
الأجسام العظيمة، وكما أن حفظها وإمساكها يوم القيامة ليس إلا بقدرة الله فكذاك الآن، فا
الفائدة فى تخصيص هذه الأحوال بيوم القيامة؟ .
﴿ الجواب عن الأول ) أن مراقب التعظيم كثيرة فأولها تقرير عظمة الله بكونه قادراً على
حفظ هذه الأجسام العظيمة ، ثم بعد تقرير عظمته بكونه قادراً على إمساك أولئك الملائكة الذين
يحملون العرش .
﴿ الجواب عن الثانى) أن المقصود أن الحق سبحانه هو المتولى لإبقاء السموات والأرضين
على وجوه العمارة فى هذا الوقت ، وهو المتولى لتخريها وإفنائها فى يوم القيامة فذلك يدل على
حصول قديرة تامة على الإيجاد والإعدام، وتنبيه أيضاً على كونه غنياً على الإطلاق ، فإنه يدل على أنه
إذا حاول تخريب الأرض فكأنه يقبض قبضة صغيرة ويريدافنا.ها ، وذلك يدل على كمال الاستغناء.
﴿ الجواب عن الثالث ) أنه إنما خصص تلك بيوم القيامة ليدل على أنه كما ظهر كمال قدرته
فى الإيجاد عند عمارة الدنيا، فكذلك ظهر كمال قدرته عند خراب الدنيا والله أعلم.

١٩
قوله تعالى : ثم نفخ فيه أخرى . سورة الزمر .
واعلم أنه تعالى لما قدر كمال عظمته بما سبق ذكره أردفه بذكر طريقة أخرى تدل أيضاً على
كمال قدرته وعظمته ، وذلك شرح مقدمات يوم القيامة لأن نفخ الصور يكون قبل ذلك اليوم ،
فقال (ونفح فى الصور فصعق من فى السموات ومن فى الأرض إلا من شاء الله، ثم نفخ فيه أخرى
فإذا هم قيام ينظرون) واختلفوا فى الصعقة، منهم من قال إنها غير الموت بدليل قوله تعالى فى
موسى عليه السلام (وخر موسى صعقاً) مع أنه لم يمت، فهذا هو النفخ الذى يورث الفزع الشديد ،
وعلى هذا التقدير فالمراد من نفخ الصعقة ومن نفخ الفزع واحد، وهو المذكور فى سورة النمل فى
قوله ( ويوم ينفخ فى الصور ففزع من فى السماوات ومن فى الأرض) وعلى هذا القول فنفخ
الصور ليس إلا مرتين .
( والقول الثاني) أن الصعقة عبارة عن الموت والقائلون بهذا القول قالوا إنهم يموتون من
الفزع وشدة الصوت ، وعلى هذا التقدير فالنفخة تحصل ثلاث مرات (أولها) نفخة الفزع وهى
المذكورة فى سورة العمل ( والثانية ) نفخة الصعق (والثالثة ) نفخة القيام وهما مذكورتان فى هذه
السورة .
وأما قوله ( إلا من شاء اللّه) ففيه وجوه (الأول) قال ابن عباس رضى الله عنهما: عند نفخة
الصعق يموت من فى السموات ومن فى الأرض إلا جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت
ثم يميت الله ميكائيل وإسرافيل ويبقى جبريل وملك الموت ثم يميت جبريل.
( والقول الثانى ) أنهم هم الشهداء لقوله تعالى ( بل أحياء عند ربهم برزقون) وعن أبى هريرة
رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ((هم الشهداء متقلدون أسيافهم حول العرش)).
(القول الثالث) قال جابر هذا المستشى هو موسى عليه السلام لأنه صعق مرة فلا يصعق ثانياً.
(القول الرابع) أنهم الحور العين وسكان العرش والكرسى.
(والقول الخامس) قال قتادة الله أعلم بأنهم من هم، وليس فى القرآن والأخبار ما يدل على
أهم من م .
قوله تعالى: ﴿ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون ) وفيه أبحاث:
﴿ الأول) لفظ القرآن دل على أن هذه النفخة متأخرة عن النفخة الأولى، لأن لفظ (ثم)
يفيد التراحى، قال الحسن رحمه الله للقرآن دل على أن هذه النفخة الأولى، وروى عن النبى صلى
الله عليه وسلم ((أن بينهما أربعين)) ولا أدرى أربعون يوماً أو شهراً أو أربعون سنة أو أربعون
ألف سنة .
( الثانى) قوله (أخرى) تقدير الكلام ونفخ فى الصور نفخة واحدة ثم نفخ فيه نفخة
أحرى، وإنما حسن الحذف لدلالة أخرى عليها ولكونها معلومة،
( الثالث) قوله (فإذا هم قيام) يعنى قياءهم من القبور يحصل عقيب هذه النفخة الأخيرة

٢٠
قوله تعالى : واشرقت الأرض . سورة الزمر .
فى الحال من غير تراخ لأن الفاء فى قوله (فإذاهم) تدل على التعقيب.
﴿ الرابع) قوله ( ينظرون) وفيه وجهان (الأول) بنظرون يقلبون أبصارهم فى الجهات
نظر المبهوت إذا فاجأه خطب عظيم ( والثانى) ينظرون ماذا يفعل بهم ، ويجوز أن يكون القيام
بمعنى الوقوف والخمود فى مكان لأجل استيلاء الحيرة والدهشة عليهم.
٠٠
ولما بين الله تعالى هاتين النفختين قال (وأشرقت الأرض بنور ربها) وفيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ هذه الأرض المذكورة ليست هى هذه الأرض التى يقعد عليها الآن بدليل
قوله تعالى ( يوم تبدل الأرض غير الأرض ) وبدليل قوله تعالى (وحملت الأرض والجبال فد كتا
دكة واحدة ) بل هى أرض أخرى يخلقها اللّه تعالى لحفل يوم القيامة.
﴿ المسألة الثانية) قالت المجسمة: إن الله تعالى نور محض، فإذا حضر الله فى تلك الأرض
لأجل القضاء بين عباده أشرقت تلك الأرض بنور الله، وأكدوا هذا بقوله تعالى ( الله نور
السموات والأرض).
واعلم أن الجواب عن هذه الشبهة من وجوه (الأول ) أنا بينا فى تفسير قوله تعالى (الله نور
السموات والأرض) أنه لا يجوز أن يكون الله سبحانه وتعالى نوراً بمعنى كونه من جنس هذه
الأنوار المشاهدة، وبينا أنه لما تعذر حمل الكلام على الحقيقة وجب حمل لفظ النور ههنا على
العدل، فنحتاج ههنا إلى بيان أن لفظ النور قد يستعمل فى هذا المعنى ، ثم إلى بيان أن المراد من
لفظ النور ههنا ليس إلا هذا المعنى، أما بيان الاستعمال فهو أن الناس يقولون الملك العادل
أشرقت الآفاق بعدلك، وأضاءت الدنيا بقسطك، كما يقولون أظلمت البلاد بجورك، وقال مج ئخ
(( الظلم ظلمات يوم القيامة)) وأما بيان أن المراد من النور ههنا العدل فقط أنه قال (وجى بالنبيين
والشهداء) ومعلوم أن المجى بالشهداء ليس إلا لإظهار العدل، وأيضاً قال فى آخر الآية (وهم
لا يظلمون ) فدل هذا على أن المراد من ذلك النور إزالة ذلك الظلم ، فكأنه تعالى فتح هذه الآية
بإثبات العدل وختمها بنفى الظلم ( والوجه الثانى) فى الجواب عن الشبهة المذكورة أن قوله تعالى
(وأشرقت الأرض بنور ربها) يدل على أنه يحصل هناك نور مضاف إلى الله تعالى، ولا يلزم
كون ذلك صفة ذات الله تعالی ،لا نه یکفی فی صدق الإضافة أدنی سبب ، فلما كانذلك النور من
خلق الله وشرفه بأن أضافه إلى نفسه كان ذلك النور أوراقه، كقوله: بيت الله، وناقة الله وهذا
الجواب أقوى من الأول، لأن فى هذا الجواب لا يحتاج إلى ترك الحقيقة والذهاب إلى الجاز.
(والوجه الثالث ) أنه قد يقال فلان رب هذه الأرض ورب هذه الدار ورب هذه الجارية، ولا
يبعد أن يكون رب هذه الأرض ملكا من الملوك، وعلى هذا التقدير فلا يمتنع كونه نوراً.
المسألة الثالثة ﴾ أنه تعالى ذكر فى هذه الآية من أحوال ذلك اليوم أشياء: (أولما) قوله
(وأشرقت الأرض بنور ربها) وقد سبق الكلام فيه (وثانيها) قوله (ووضع الكتاب)