Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
قوله تعالى : كتاب أنزلناه إليك مبارك . سورة ص .
﴿ المسألة الأولى﴾ احتج الجبانى بهذه الآية على أنه تعالى لا يجوز أن يكون خالقاً لأعمال
العباد قال لأنها مشتملة على الكفر والفسق وكلها أباطيل. فلما بين تعالى أنه ( ما خلق السموات
والأرض وما بينهما باطلا) دل هذا على أنه تعالى لم يخلق أعمال العباد. ومثله قوله تعالى (وما خلقنا
السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق) وعند المجبرة أنه خلق الكافر لأجل أن يكفر والكفر
باطل، و قد خلق الباطل ، ثم أ کد تعالىذلك بأن قال (ذلك ظن الذین کفروا) أی کل من قال بهذا
القول فهو كافر ، فهذا تصريح بأن مذهب المجبرة عين الكفر، واحتج أصحابنا رحمهم الله بأن هذه
الآية تدل على كونه تعالى خالقاً لأعمال العباد فقالوا هذه الآية تدل على كونه تعالى خالفاً لكل ما بين
السموات والأرض، وأعمال العباد حاصلة بين السماء والأرض، فوجب أن يكون اللّه تعالى خالقاً لها .
المسألة الثانية﴾ هذه الآية دالة على صحة القول بالحشر والنشر والقيامة ، وذلك لأنه تعالى
خلق الخلق فى هذا العالم ، فإما أن يقال إنه خلفهم للاضرار أو للانفاع أولا للانفاع ولا للاضرار
والأول باطل لأن ذلك لا يليق بالرحيم الكريم، والثالث أيضاً باطل لأن هذه الحالة حاصلة حين
كانوا معدومين، فلم يبق إلا أن يقال إنه خلقهم للانفاع، فنقول وذلك الإنفاع، إما أن يكون فى
حياة الدنيا أو فى حياة الآخرة، والأول باطل لأن منافع الدنيا قليلة ومضارها كثيرة، وتحمل
المضار الكثيرة للمنفعة القليلة لا يليق بالحكمة، ولما بطل هذا القسم ثبت القول بوجود حياة
أخرى بعد هذه الحياة الدنيوية ، وذلك هو القول بالحشر والنشر والقيامة، واعلم أن هذا الدليل
يمكن تقريره من وجوه كثيرة، وقد لخصناها فى أول سورة يونس بالاستقصاء، فلا سبيل إلى
التكرير فثبت بما ذكرنا أنه تعالى ( ما خلق السماء والأرض وما بينهما باطلا) وإذا لم يكن
خلقهما باطلا كان القول بالحشر والنشر لازماً، وأن كل من أنكر القول بالحشر والنشر كان شاكا
فى حكمة الله فى خلق السماء والأرض، وهذا هو المراد من قوله (ذلك ظن الذين كفروا فويل
للذين كفروا من النار ) ولما بين اللّه تعالى على سبيل الإجمال أن إنكار الحشر والنشر يوجب
الشك فى حكمة الله تعالى بين ذلك على سبيل التفصيل ، فقال (أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات
كالمفسدين فى الأرض أم نجعل المتقين كالفجار ) وتقريره أنا نرى فى الدنيا من أطاع الله واحترز
عن معصيته فى الفقر والزمانة وأنواع البلاء، ونرى الكفرة والفساق فى الراحة والغبطة ، فلو لم
يكن حشر ونشر ومعاد حينئذ يكون حال المطيع أدون من حال العاصى، وذلك لا ياق بحكمة
الحكيم الرحيم، وإذا كان ذلك قادحاً فى الحكمة، ثبت أن إنكار الحشرو النشر يوجب إنكار حكمة الله.
ثم قال تعالى ( كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب) وفيه مسائل:
المسألة الأولى ) قالت المعتزلة دلت الآية على أنه تعالى إنما أنزل هذا القرآن لأجل الخير
والرحمة والهداية، وهذا يفيد أمرين ( أحدهما) أن أفعال اللّه معللة برعاية المصالح (والثانى) أنه
تعالى أراد الإيمان والخير والطاعة من الكل بخلاف قول من يقول إنه أراد الكفر من الكافر.

٢٠٢
قوله تعالى : كتاب أنزلناه إليك مبارك . سورة ص .
المسألة الثانية﴾ فى تقرير نظم هذه الآيات فنقول، لسائل أن يسأل فيقول إنه تعالى
حكى فى أول السورة عن المستهزئين من الكفار. أنهم بالغوا فى إنكار البعث والقيامة،
وقالوا (ربنا مجمل لنا قطنا قبل يوم الحساب) ولما حكى الله تعالى عنهم ذلك لم يذكر الجواب،
بل قال (اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود) ومعلوم أنه لا تعلق لذكر داود عليه السلام
بأن القول بالقيامة حق ، ثم إنه تعالى أطنب فى شرح قصة داود، ثم أتبعه بقوله ( وما خلقها
السماء والأرض) ومعلوم أنه لا تعلق لمسألة إثبات حكمة الله بقصة داود، ثم لما ذكر إثبات
حكمة الله وفرع عليه إثبات أن القول بالحشر والفشر حق ، ذكر بعده أن القرآن كتاب شريف
فاضل كثير النفع والخير ، ولا تعلق لهذا الفصل بالكلمات المتقدمة، وإذا كان كذلك كانت
هذه الفصول فصولا متباينة لا تعلق للبعض منها بالبعض، فكيف يليق بهذا الموضع وصف القرآن
بكونه كتاباً شريفاً فاضلا؟ هذا تمام السؤال (والجواب) أن نقول: أن العقلاء قالوامن ابلى بخصم
جاهل مصر متعصب، ورآه قد خاض فى ذلك التعصب والإصرار ، وجب عليه أن يقطع الكلام
معه فى تلك المسألة ، لأنه كلما كان خوضه فى تقريره أكثر كانت نفرته عن القبول أشد، فالطريق
حينئذ أن يقطع الكلام معه فى تلك المسألة، وأن يخوض فى كلام آخر أجنبى عن المسألة
الأولى بالكلية ويطنب فى ذلك الكلام الأجنبى، بحيث ينسى ذلك المتعصب تلك المسألة الأولى،
فإذا اشتغل خاطره بهذا الكلام الأجنبى ونسى المسألة الأولى، حينئذ يدرج فى أثناء الكلام فى
هذا الفصل الأجنبى مقدمة مناسبة لذلك المطلوب الأول ، فإن ذلك المتعصب يسلم هذه المقدمة ،
فإذا سلمها ، فيئذ يتمسك بها فى إثبات المطلوب الأول، وحينئذ يصير ذلك الخصم المتعصب
منقطعاً مفحما، إذا عرفت هذا فنقول إن الكفار بلغوا فى إنكار الحشر والنشر والقيامة إلى حيث
قالوا على سبيل الإستهزاء ( ربنا مجل لنا قطنا قبل يوم الحساب) فقال يا محمد اقطع الكلام معهم
فى هذه المسألة، واشرع فى كلام آخر أجنى بالكلية عن هذه المسألة، وهى قصة داود عليه
السلام، فإن من المعلوم أنه لا تعلق لهذه القصة بمسألة الحشر والنشر، ثم إنه تعالى أطنب فى
شرح تلك القصة ، ثم قال فى آخر القصة ( باداود إنا جعلناك خليفة فى الأرض فاحكم بين الناس
بالحق) وكل من سمع هذا قال نعم ما فعل حيث أمره بالحكم بالحق، ثم كأنه تعالى قال: وأنا
لا آمرك بالجق فقط، بل أنا مع انى رب العالمين لا أفعل إلا بالحق ولا أفضى بالباطل، فههنا
الخصم يقول نعم ما فعل حيث لم يقض إلا بالحق، فعند هذا يقال لما سلبت أن حكم الله يجب
أن يكون بالحق لا بالباطل، لزمك أن تسلم صحة القول بالحشر والنشر، لأنه لو لم يحصل ذلك لزم
أن يكون الكافر راجحاً على المسلم فى إيصال الخيرات إليه، وذلك عند الحكمة وعين الباطل،
فبهذا الطريق اللطيف أورد الله تعالى الإلزام القاطع على منكرى الحشر والنشر إيراداً لا يمكنهم
الخلاص عنه، فصار ذلك الخصم الذى بلغ فى إنكار المعاد إلى حد الاستهزاء مقحما ملزماً بهذا

٢٠٣
قوله تعالى : ووهبنا لداود سليمان نعم العبد ، سورة ص .
وَوَهَبْنَالَِاُدَ سُلَيْمَنَ نِعُمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابُ (﴾ إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِىِ
الصَّفِنَتُ الْجِبَادُ (﴾ فَقَالَ إِّ أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَبْرِ عَن ذِكْرٍ رَبِ خَّى
تَرَتْ بِلْجَابِ (﴿ رُدُّوهَا عَلَىَّ فَطَفِقَ مَسْمَا بِالسّوقِ وَالْأَعْنَاقِ
الطريق، ولما ذكر الله تعالى هذه الطريقة الدقيقة فى الإلزام فى القرآن، لا جرم وصف القرآن
بالكمال والفضل، فقال ( كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكروا أولوا الألباب)
فإن من لم يتدبر ولم يتأمل ولم يساءه التوفيق الإلهى لم يقف على هذه الأسرار العجيبة المذكورة
فى هذا القرآن العظيم ، حيث يراه فى ظاهر الحال مقروناً بسوء الترتيب ، وهو فى الحقيقة مشتمل
على أكمل جهات الترتيب ، فهذا ما حضرنا فى تفسير هذه الآيات ، وبالله التوفيق.
قوله تعالى: ﴿ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب، إذ عرض عليه بالعشى الصافنات
الجياد، فقال إنى أحببت حب الخير عن ذكر ربى حتى توارت بالحجاب، ردوها على فطفق
مسحاً بالسوق والأعناق:
واعلم أن هذا هو القصة الثانية وقوله ( نعم العبد ) فيه مباحث :
﴿ الأول) نقول المخصوص بالمدح فى (نعم العبد) محذوف، فقيل هو سليمان، وقيل داود،
والأول أولى لأنه أقرب المذكورين، ولأنه قال بعده ( إنه أواب) ولا يجوز أن يكون المراد
هو داود، لأن وصفه بهذا المعنى قد تقدم فى الآية المتقدمة حيث قال ( واذكر عندنا داود ذا
الأيد إنه أواب ) فلو قلنا لفظ الأواب ههنا أيضاً صفة داود لزم التكرار، ولو قلنا إنه صفة
لسليمان لزم كون الابن شبيهاً لأبيه فى صفات الكمال فى الفضيلة ، فكان هذا أولى.
﴿ البحث الثانى) أنه قال أولا ( نعم العبد) ثم قال بعده (إنه أواب) وهذه الكلمة للتعليل،
فهذا يدل على أنه إنما كان (نعم العبد) لأنه كان أوالاً، فيلزم أن كل من كان كثير الرجوع إلى الله
تعالى فى أكثر الأوقات وفى أكثر المهمات كان موصوفاً بأنه (نعم العبد) وهذا هو الحق الذى
لا شبهة فيه ، لأن كمال الإنسان فى أن يعرف الحق لذاته والخير لأجل العمل به، ورأس المعارف
ورئيسها معرفة الله تعالى، ورأس الطاعات ورئيسها الاعتراف بأنه لا يتم شىء من الخيرات إلا
بإعادة اللّه تعالى، ومن كان كذلك كان كثير الرجوع إلى الله تعالى فكان أواباً، فثبت أن كل من
کان أواباً وجب أن يكون ( نعم العبد).
أما قوله (إذ عرض عليه ) ففيه وجوه (الأول) التقدير ( نعم العبد) هو إذ كان من أعماله
أنه فعل كذا (الثانى) أنه ابتداء كلام. والتقدير اذكر يا محمد إذ عرض عليه كذا وكذا، والعشى

٢٠٤
قوله تعالى : إني أحييت حب الخير . سورة ص .
هو من حين العصر إلى آخر النهار عرض الخيل عليه لينظر إليها ويقف على كيفية أحوالها،
والصافنات الجياد الخيل وصفت بوصفين (أولهما) الصافئات، قال صاحب الصحاح: الصافن الذى
يصفن قدميه، وفى الحديث ((.كنا إذا صلينا خلفه فرفع رأسه من الركوع قمنا صفونا، أى ثنا
صافين أقدامنا، وأقول على كلا التقديرين فالصفون صفة دالة على فضيلة الفرس (والضفة الثانية)
الخيل فى هذه الآية الجياد، قال المبرد: والجياد جمع جواد وهو الشديد الجرى، كما أن الجواد
من الناس هو السريع البذل، فالمقصود وصفها بالفضيلة والكمال حالتى وقوفها وحركتها . أما
حال وقوفها فوصفها بالصفون ، وأما حال حر کتها فو صفها بالجودة ، یعنی أنها إذا وقفت كانت
ساكنة مطمئنة فى موافقها على أحسن الأشكال ، فإذا جرت كانت سراعاً فى جريها، فإذا طلبت
لحقت ، وإذا طلبت لم تلحق، ثم قال تعالى (قال إنى أحببت حب الخير عن ذكر ربى) وفى
تفسير هذه اللفظة وجوه ( الأول) أن يضمن أخيبت معنى فعل يتعدى بعن ، كأنه قيل أنبت
حب الخير عن ذكر ربى (والثانى) أن أحببت بمعنى ألزمت، والمعنى أنى ألزمت حب الخيل
عن ذكر ربى ، أى عن كتاب ربى وهو التوراة، لأن ارتباط الخيل كما أنه فى القرآن مدوح
فكذلك فى التوراة ممدوح (والثالث) أن الإنسان قد يحب شيئاً لكنه يحب أن لا يحبه كالمريض
الذى يشتهى مايزيد فى مرضه، والأب الذى يحب ولده الردىء، وأما من أحب شيئاً، وأحب
أن يحيه كان ذلك غاية المحبة فقوله أحببت حب الخير بمعنى أحببت حبى لهذه الخيل.
ثم قال (عن ذكر ربى) بمعنى أن هذه المحبة الشديدة إنما حصلت عن ذكر الله وأمره
لاعن الشهوة والهوى ، وهذا الوجه أظهر الوجوه .
ثم قال تعالى ( حتى توارت ) أقول الضمير فى قوله (حتى توارت)، وفى قوله ( ردوها )
يحتمل أن يكون كل واحد منهما عائداً إلى الشمس ، لأنه جرى ذكر ماله تعلق بها وهو العشى
ويحتمل أن يكون كل واحد منهما عائداً إلى الصافنات ، ويحتمل أن يكون الأول متعلقاً بالشمس
والثانى بالصافنات، ويحتمل أن يكون بالعكس من ذلك، فهذه احتمالات أربعة لامزيد عليها
(فالأول ) أن يعود الضميران معانى إلى الصافئات ، كأنه قال حتى توارت الصافنات بالحجاب
ودوا الصافنات على، والاحتمال (الثانى) أن يكون الضمير ان معاً عائدين إلى الشمس كأنه قال حتى
توارت الشمس بالحجاب ردوا الشمس، وروى أنه صلى الله عليه وسلم لما اشتغل بالخيل فائته
صلاة العصر، فسأل الله أن يرد الشمس فقوله (ردوها على) إشارة إلى طلب رد الشمس، وهذا
الاحتمال عندى بعيد والذى يدل عليه وجوه (الأول) أن الصافات مذكورة تصريحاً ، والشمس
غير مذكورة وعود الضمير إلى المذكور أولى من عوده إلى المقدر (الثانى) أنه قال (إنى
أحبت حب الخير عن ذكر ربى حتى توارت بالحجاب) وظاهر هذا اللفظ يدل على أن سليمان
عليه السلام كان يقول إنى أحببت حب الخير عن ذكر ربى . وكان يعيد هذه الكلمات إلى أن

٢٠٥
قوله تعالى : فطفق مسحاً بالسوق . سورة ص .
توارت بالحجاب ، فلو قلنا المراد حتى توارت الصافئات بالحجاب كان معناه أنه حين وقع بصره
عليها حال جربها كان يقول هذه الكلمة إلى أن غابت عن عينه وذلك مناسب ، ولو قلنا المراد
حتى توارت الشمس بالحجاب كان معناه أنه كان يعيد عين هذه الكلمة من وقت العصر إلى وقت
المغرب، وهذا فى غاية البعد ( الثالث ) أنا لو حكمنا بعود الضمير فى قوله حتى توارت إلى الشمس
وحملنا اللفظ على أنه ترك صلاة العصر كان هذا منافياً لقوله ( أحببت حب الخير عن ذكر ربى)
فان تلك المحبة لو كانت عن ذكر الله لما نسى الصلاة ولما ترك ذكر الله (الرابع) أنه بتقدير أنه
عليه السلام بقى مشغولا بتلك الخيل حتى غربت الشمس وفاتت صلاة العصر؟ ، فكان ذلك ذنباً
عظيما وجرماً قوياً، فالأليق بهذه الحالة التضرع والبكاء والمبالغة فى إظهار التوبة ، فأما أن يقول
على سبيل التهور والعظمة لإله العالم ورب العالمين ، ردوها على بمثل هذه الكلمة العارية عن كل
جهات الأدب عقيب ذلك الجرم العظيم ، فهذا لا يصدر عن أبعد الناس عن الخير، فكيف يجوز
إسناده إلى الرسول المطهر المكرم! (الخامس) أن القادر على تحريك الأفلاك والكواكب هو
اللّه تعالى فكان يجب أن يقول ردها على ولا يقول ردوها على، فان قالوا إنما ذكر صيغة الجمع
التنبيه على تعظيم المخاطب فنقول قوله (ردوها) لفظ مشعر بأعظم أنواع الإهانة فكيف يلبق
بهذا اللفظ رعاية التعظيم ( السادس) أن الشمس لو رجعت بعد الغروب لكان ذلك مشاهداً لكل
أهل الدنيا ولو كان الأمر كذلك لتوفرت الدواعى على نقله وإظهاره ، وحيث لم يقل أحد ذلك
علمنا فساده ( السابع ) أنه تعالى قال (إذ عرض بالعشى الصافنات الجياد ) ثم قال (حتى توارت
بالحجاب، وعود الضمير إلى أقرب المذكورين أولى، وأقرب المذكورين هو الصافنات الجياد ،
وأما العشى فأبعدهما فكان عود ذلك الضمير إلى الصافنات أولى، فثبت بما ذكرنا أن حمل قوله
( حتى توارت بالحجاب) على توارى الشمس وأن حمل قوله (ردوها على) على أن المراد منه
طلب أن يرد الله الشمس بعد غروبها كلام فى غاية البعد عن النظم .
ثم قال تعالى ( فطفق مسحاً بالسوق والأعناق ) أى نجعل سليمان عليه السلام يمسح. سوقها
وأعناقها، قال الأكثرون معناه أنه مسح السيف بسوقها وأعناقها أى قطعها، قالوا إنه عليه السلام
لما فانته صلاة العصر بسبت اشتغاله بالنظر إلى تلك الخيل استردها وعقر سوقها وأعناقها تقرباً
إلى الله تعالى، وعندى أن هذا أيضاً بعيد، ويدل عليه وجوه (الأول) أنه لو كان معنى مسح
السوق والأعناق قطعها لكان معنى قوله (وامسحوا برءوسكم وأرجلكم) قطعها، وهذا مما لا يقوله
عاقل بل لو قيل مسح رأسه بالسيف فربما فهم منه ضرب العنق، أما إذا لم يذكر لفظ السيف
لم يفهم البتة من المسح العقر والذيح (الثانى) القائلون بهذا القول جمعوا على سليمان عليه السلام
أنواعا من الأفعال المذمومة (فأولها ) ترك الصلاة ( وثانيها) أنه استولى عليه الاشتغال بحب
الدنيا إلى حيث نسى الصلاة، وقال صلى الله عليه وسلم ((حب الدنيا رأس كل خطيئة)) (وثالثها)

٢٠٦
قوله تعالى : فطفق مسحاً بالسوق . سورة ص .
أنه بعد الإتيان بهذا الذنب العظيم لم يشتغل بالتوبة والإنابة البتة (ورابعها) أنه خاطب رب
العالمين بقوله ( ردوها على) وهذه كلمة لا يذكرها الرجل الحصيف إلا مع الخادم الخسيس،
(وخامسها) أنه أتبع هذه المعاصى بعقر الخيل فى سوقها وأعناقها، وروى عن النبى صلى الله
عليه وسلم أنه (( نهى عن ذبح الحيوان إلا لمأ كله))، فهذه أنواع من الكبائر نسبوها إلى
سليمان عليه السلام مع أن لفظ القرآن لم يدل على شىء منها (وسادسها ) أن هذه القصص إنما
ذكرها الله تعالى عقيب قوله (وقالوا ربنا جل لنا قطنا قبل يوم الحساب) وأن الكفار لما بلغوا
فى السفاهة إلى هذا الحد قال الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم أصبر يا محمد على سفاهتهم
( واذكر عبدنا داود) وذكر قصة داود، ثم ذكر عقيبها قصة سليمان ، وكان التقدير أنه تعالى قال
لمحمد عليه السلام أصبر يا محمد على ما يقولون واذكر عبدنا سليمان، وهذا الكلام إنما يكون لائقاً
لو قلنا إن سليمان عليه السلام أتى فى هذه القصة بالأعمال الفاضلة والأخلاق الحميدة، وصبر على
طاعة الله، وأعرض عن الشهوات واللذات، فأما لو كان المقصود من قصة سلمان عليه السلام
فى هذا الموضع أنه أقدم على الكبائر العظيمة والذنوب الجسيمة لم يكن ذكر هذه القصة لائقاً
بهذا الموضع، فثبت أن كتاب الله تعالى ينادى على هذه الأقوال الفاسدة بالرد والإفساد
والإبطال بل التفسير المطابق للحق لألفاظ القرآن والصواب أن نقول إن رباط الخيل كان مندوباً
إليه فى دينهم كما أنه كذلك فى دين محمد مهر الهي ثم إن سليمان عليه السلام احتاج إلى الغزو تجلس
وأمر بإ حضار الخيل وأمر بإجرائها وذكر أنى لا أحبها لأجل الدنيا ونصيب النفس، وإنما
أحبها لأمر الله وطلب تقوية دينه وهو المراد من قوله عن ذكر ربى، ثم إنه عليه السلام أمر
بإعدائها وتسييرها حتى توارت بالحجاب أى غابت عن بصره، ثم أمر الرائضين بأن يردوا تلك
الخيل إليه فلما عادت إليه طفق يمسح سوقها وأعناقها، والغرض من ذلك المسح أمور (الأول)
تشريفاً لها وإبانة لعزتها لكونها من أعظم الأعوان فى دفع العدو (الثانى) أنه أراد أن يظهر أنه
فى ضبط السياسة والملك يتضع إلى حيث يباشر أكثر الأمور بنفسه (الثالث) أنه كان أعلم
باحوال الخيل وأمراضها وعيوبها، فكان يمتحنها ويمسح سوقها وأعناقها حتى يعلم هل فيها ما يدل
على المرض، فهذا التفسير الذى ذكرناه ينطبق عليه لفظ القرآن انطابقاً مطابقاً موافقاً، ولا يلزمنا
نسبة شىء من تلك المنكرات والمحذورات ، وأقول أنا شديد التغجب من الناس كيف قبلوا هذه
الوجوه السخيفة مع أن العقل والنقل يردها ، وليس لهم فى إثياتها شبهة فضلا عن حجة ، فإن قيل
فالجمهور فسروا الآية بذلك الوجه ، فما قولك فيه؟ فنقول لنا ههنا مقامان:
( المقام الأول ) أن ندعى أن لفظ الآية لا يدل على شىء من تلك الوجوه التى يذكرونها،
وقد ظهر والحمد لله أن الأمر كما ذكرناه، وظهوره لا يرتاب العاقل فيه .
﴿ المقام الثانى) أن يقال هب أن لفظ الآية لا يدل عليه إلا أنه كلام ذكره الناس، فما قولك

٢٠٧
قوله تعالى : ولقد فتنا سلمان . سورة ص .
قَالَ رَبِّ أَغْفِرِ لِ
٣٤
وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِهِ، جَسَدًا مُمَّ أَنَابَ (
وَهَبْ لِ مُلْكَالَّا يَنْبَغِىِ لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِىّ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّبُ (﴾ فَسَخْنَا لَهُ اَرِيحَ
تَخْرِى بِأَمْرِهِ رُخَاءٌ حَيْثُ أَصَابَ (﴾ وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصِ ﴿ وَانَرِينَ
مُقَرِّينَ فِ الأَصْفَادِ (٨َ هَذَا عَطَا ؤُنَا فَامْتُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٦) وَإِنَّ
لَهُوْ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَعَابٍ
٤٠
فيه وجوابنا أن الدلالة الكثيرة قامت على عصمة الأنبياء عليهم السلام، ولم يدل دليل على صحة
هذه الحكايات ورواية الآحاد لا تصلح معارضة الدلائل القوية، فكيف الحكايات عن أقوام
لا يبالى بهم ولا يلتفت إلى أقوالهم ، والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿ ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسداً ثم أناب ، قال رب اغفرلى وهب لى
ملكا لا ينبغى لأحد من بعدى إنك أنت الوهاب ، فسخرنا له الريح تجرى بأمرهرخاء حيث أصاب،
والشياطين كل بناء وغواص، وآخرين مقرنين فى الأصفاد ، هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير
حساب، وإن له عندنا لزلفی و حسن مآب
اعلم أن هذه الآية شرح واقعة ثانية لسليمان عليه السلام واختلفوا فى المراد من قوله (ولقد
فتنا سليمان) ولأهل الحشو والرواية فيه قول، ولأهل العلم والتحقيق قول آخر، أما قول أهل
الحشو فذكروا فيه حكايات :
﴿ الأولى) قالوا إن سليمان بلغه خبر مدينة فى البحر خرج إليها بجنوده تحمله الريح فأخذها
وقتل ملكها، وأخذ بنتاً له اسمها جرادة من أحسن الناس وجهاً فاصطفاها لنفسه وأسلمت فأحبها
وكانت تبكى أبداً على أبيها فأمر سليمان الشيطان فمثل لها صورة أبيها فكتها مثل كسوته وكانت
تذهب إلى تلك الصورة بكرة وعشياً مع جواريها يسجدن لها ، فأخبر آصف سليمان بذلك فكسر
الصورة وعاقب المرأة، ثم خرج وحده إلى فلاة وفرش الرماد جلس عليه تائباً إلى الله تعالى، وكانت
له أم ولد يقال لها أمينة إذا دخل للطهارة أو لإصابة امرأة وضع خاتمه عندها وكان ملكه فى خاتمه
فوضعه عندها يوماً ، فأتاها الشيطان صاحب البحر على صورة سليمان. وقال يا أمينة خاتمى فتختم
به وجلس على كرسى سليمان فأتى عليه الطير والجن والإنس ، وتغيرت هيئه سليمان فأن أمينة لطلب
الخاتم فأنكرته وطردته. فعرف أن الخطيئة قدأدر كته فكان يدور على البيوت بتكفف وإذا قال

٢٠٨
قوله تعالى : ولقد فتنا سليمان . سورة ص .
أنا سليمان حثوا عليه النواب وسبوه، ثم أحذ يخدم السما كين ينقل لهم السمك فيعطونه كل يوم
سمكتين فمكث على هذه الحالة أربعين يوماً عدد ما عبد الوثن فى بيته، فانكر آصف وعظماء نى
إسرائيل حكم الشيطان وسأل آصف نساء سليمان، فقلن ما يدع امرأة منا فى دمها ولا يغتسل من.
جنابة ، وقيل بل نفذ حكمه فى كل شىء إلا فيهن ، ثم طار الشيطان وقذف الخاتم فى البحر فابتلعته
سمكة ووقعت السمكة فى يد سليمان فبقر بطها فإذا هو بالخاتم فتختم به ووقع ساجداً فقه، ورجع
إليه ملكه وأخذ ذلك الشيطان وأدخله فى صخرة وألقاها فى البحر .
﴿ والرواية الثانية) للحشوية أن تلك المرأة لما أقدمت على عبادة تلك الصورة افتتن سليمان
وكان يسقط الخاتم من يده ولا يتماسك فيها، فقال له آسف إنك لمفتون بذنبك فتب إلى الله .
﴿ والرواية الثالثة) لهم قالوا إن سليمان قال لبعض الشياطين كيف تفتنون الناس؟ فقال
أرنى خانمك أخبرك فلما أعطاه إياه نبذه فى البحر فذهب ملكه وقعد هذا الشيطان على كرسيه ،
ثم ذكر الحكاية إلى آخرها .
إذا عرفت هذه الروايات فهؤلاء قالوا المراد من قوله (ولقد فتنا سليمان) أن الله تعالى ابتلاه
وقوله ( وألقينا على كرسيه جسداً ) هو جلوس ذلك الشيطان على كرسيه .
﴿ والرواية الرابعة) أنه كان سبب فتنته احتجابه عن الناس ثلاثة أيام فسلب ملكه وألقى
على سريره شيطان عقوبة له .
واعلم أن أهل التحقيق استبعدوا هذا الكلام من وجوه (الأول ) أن الشيطان لو قدر على
أن يتشبه بالصورة والخلقة بالأنبياء، حينئذ لا يبقى اعتماد على شىء من الشرائع. فلعل هؤلاء الذين
رآهم الناس فى صورة محمد وعيسى وموسى عليهم السلام ما كانوا أولئك بل كانوا شياطين قشبهوا
بهم فى الصورة لأجل الإغواء والإضلال ، ومعلوم أن ذلك يبطل الدين بالكلية (الثانى) أن الشيطان
لو قدر على أن يعامل فى الله سليمان بمثل هذه المعاملة لوجب أن يقدر على مثلها مع جميع العلماء
والزهاد ، وحينئذ وجب أنيقتلهم وأن بمزق تصانيفهم و أن يخرب ديارهم ، ولما بطل ذلك فى حق
آحاد العلماء فلأن يبطل مثله فى حق أكابر الأنبياء أولى (والثالث) كيف يليق بحكمة الله وإحسانه
أن يسلط الشيطان على أزواج سليمان؟ ولا شك أنه قبيح (الرابع) لو قلنا إن سليمان أذن لتلك
المرأة فى عبادة تلك الصورة فهذا كفر منه، وإن لم يأذن فيه البتة فالذنب على تلك المرأة، فكيف
يؤاخذ الله سليمان بفعل لم يصدر عنه؟ فأما الوجوه التى ذكرها أهل التحقيق فى هذا الباب فأشياء:
(الاول) أن فتنة سليمان أنه ولد له ابن فقالت الشياطين إن عاش صار مسلطاً علينا مثل أبيه
فسبيلنا أن نقتله فعلم سليمان ذلك فكان يربيه فى السحاب فبينما هو مشتغل بعهماته إذا ألق ذلك الولد
ميتاً علی کرسیه فتنبه على خطيئته فى أنه لم يتوكل فیه على الله فاستغفر ربه وأناب (الثانى) روى عن
النبى مرتفع أنه قال ((قال سليمان لأطوفى الليلة على سبعين امرأة كل واحدة تأتى بفارس يجاهد فى

قوله تعالى : قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغى . سورة ص . ٢٠٩
سبيل الله ولم يقل إن شاء الله، فطاف عليهن فلم تحمل إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل نجىء به
على كرسيه فوضع فى حجره، فوالذي نفسي بيده لو قال إن شاء اللّه لجاهدوا كلهم فى سبيل الله
فرساناً أجمعون)) فذلك قوله ( ولقد فتنا سليمان ) ( الثالث) قوله ( ولقدفتنا سليمان) بسببمرض
شديد ألقاه الله عليه، (وألقينا على كرسيه) منه (جسداً) وذلك اشدة المرض. والعرب تقول فى الضعيف
إنه لحم على وضم وجسم بلاروح ( ثم أناب ) أى رجع إلى حال الصحة ، فاللفظ محتمل لهذه الوجوه
ولا حاجة البتة إلى حمله على تلك الوجوه الركيكة ( الرابع) أقول لا يبعد أيضاً أن يقال إنه ابتلاه
اللّه تعالى بتسليط خوف أو توقع بلاء من بعض الجهات عليه، وصار بسبب قوة ذلك الخوف
كالجسد الضعيف الملقى على ذلك الكرسى، ثم إنه أزال اللّه عنه ذلك الخوف، وأعاده إلى ما كان
عليه من القوة وطيب القلب.
أما قوله تعالى ( قال رب اغفر لى) فاعلم أن الذين حملوا الكلام المتقدم على صدور الزلة منه
تمسكوا بهذه الآية، فإنه لولا تقدم الذنب لما طلب المغفرة، ويمكن أن يجاب عنه بأن الإنسان
لا ينفك البتة عن ترك الأفضل والأولى، وحينئذ يحتاج إلى طلب المغفرة لآن حسنات الأبرار
سيئات المقربين، ولأنهم أبداً فى مقام هضم النفس، وإظهار الذلة والخضوع، كما قال ومحطات ((إنى
لأستغفر الله فى اليوم والليلة سبعين مرة)) ولا يبعد أن يكون المراد من هذه الكلمة هذا المعنى
والله أعلم .
ثم قال تعالى (وهب لى ملكا لا ينبغى لأحد من بعدى ) دلت هذه الآية على أنه يجب تقديم
مهم الدين على مهم الدنيا ، لأن سليمان طلب المغفرة أولا ثم بعده طلب المملكة، وأيضاً الآية تدل
على أن طلب المغفرة من الله تعالى سبب لانفتاح أبواب الخيرات فى الدنيا ، لأن سليمان طلب
المغفرة أولا ثم توسل به إلى طلب المملكة، ونوح عليه السلام هكذا فعل أيضاً لأنه تعالى حكى
عنه أنه قال ( فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفاراً، يرسل السماء عليكم مدراراً، ويمددكم بأموال
وبنين) وقال لمحمد برؤيتيمٍ (وامر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقاً محن نرزفك ) فإن
قيل قوله عليه السلام ( ملكا لا ينبغى لأحد من بعدى) مشعر بالحسد، والجواب عنه أن القائلين
بأن الشيطان استولى على مملكته قالوا معنى قوله لا ينبغى لأحد من بعدى ، هو أن يعطيه الله ملكا
لا تقدر الشياطين أن يقوموا مقامه البتة ، فأما المنكرون لذلك فقد أجابوا عنه من وجوه (الأول)
أن الملك هو القدرة فكان المراد أقدرنى على أشياء لا يقدر عليها غيرى البتة ، ليصير اقتدارى عليها
معجزة تدل على صحة نبوتى ورسالتى . والدليل على صحة هذا الكلام أنه تعالى قال (عقيبه فخرنا له
الريح تجرى بأمره رخاء حيث أصاب) فكون الريح جارياً بأمره قدرة عجيبة وملك عجيب، ولاشك
أنه معجزة دالة على نبوته فكان قوله ( هب لى ملكا لا ينبغى لأحد من بعدى) هو هذا المعنى لأن
شرط المعجزة أن لا يقدر غيره على معارضتها ، فقوله ( لا ينبغى لأحد من بعدى ) يعنى لا يقدر
الفخر الرازي - ج ٢٦ م ١٤

٢١٠
قوله تعالى : فسخرنا له الربح تجري بأمره . سورة ص .
أحد على معارضته ( والوجه الثانى ) فى الجواب أنه عليه السلام لما مرض ثم عاد إلى الصحة
عرف أن خيرات الدنيا صائرة إلى الغير بإرث أو بسبب آخر، فسأل ربه ملكا لا يمكن أن ينتقل
منه إلى غيره، وذلك الذى سأله بقوله ( ملكا لا ينبغى لأحد من بعدى ) أى ملكا لا يمكن أن
ينتقل عنى إلى غيرى ( الوجه الثالث ) فى الجواب أن الاحتراز عن طيبات الدنيا مع القدرة عليها
أشق من الاحتراز عنها حال عدم القدرة عليها، فكأنه قال: يا إلهى أعطنى مملكة فائقة على مالك البشر
بالكلية ، حتى أحترز عنها مع القدرة عليها ليصير ثوابى أكمل وأفضل ( الوجه الرابع ) من الناس
من يقول إن الاحتراز عن لذات الدنيا عسر صعب ، لأن هذه الذات حاضرة وسعادات الآخرة
تسيئة ، والنقد يصعب بيعه بالفسيئة، فقال سلمان أعطنى يارب ملكة تكون أعظم المالك الممكنة
للبشر ، حتى أتى أبقى مع تلك القدرة الكاملة فى غاية الإحتراز عنها ليظهر للخلق أن حصول الدنيا
لا يمنع من خدمة المولى (الوجه الخامس) أن من لم يقدر على الدنيا يبقى ملتفت القلب إليها فيظن
أن فيها سعادات عظيمة وخيرات نافعة ، فقال سليمان يارب العزة أعطنى أعظم المالك حتى يقف
الناس على كمال حالها ، فيفئذ يظهر للعقل أنه ليس فيها فائدة وحينئذ يعرض القلب عنها ولا يلتفت
إليها، وأشتغل بالعبودية ساكن النفس غير مشغول القلب بعلائق الدنيا، ثم قال (فسخرنا له الريح
تجرى بأمره رخاء حيث أصاب) رخاء أى رخوة لينة وهى من الرخلوة والريح إذا كانت لينة
لا تزعزع ولا تمتنع عليه كانت طيبة، فان قيل أليس أنه تعالى قال فى آية أخرى (ولسليمان الريح
عاضفة تجرى بأمره) قلنا الجواب من وجهين (الأول) لا منافاة بين الآيتين فان المراد أن تلك
الريح كانت فى قوة الرياح العاصفة إلا أنها لما جرت بأمره كانت لذيذة طيبة فكانت رخاء (والوجه
الثانى) من الجواب أن تلك الريح كانت لينة مرة وعاصفة أخرى ولا منافاة بين الأمرين وقوله تعالى
(حيث أصاب) أى قصد وأراد، وحكى الأصمعى عن العرب أنهم يقولون أصاب الصواب وأخطأ
الجواب .. وعن رؤبة أن رجلين من أهل اللغة قصداه ليسألاه عن هذه الكلمة خرج إليهما، فقال أين
تصيبان؟ فقالا هذا مطلوبنا. وبالجملة فالمقصود أنه تعالى جعل الريح مسخرة له حتى صارت تجرى بأمره
على وفق إرادته، ثم قال والشياطين كل بناء وغواص، قال صاحب الكشاف الشياطين عطف على
الريح وكل بناء بدل من الشیاطین وآخرین عطف على قوله ( کل بناء ) وهو بدل الکل من الکل کانوا
يبنون له ماشاء من الأ بنية ويغوصون له فيستخرجون اللؤلؤ، وقوله (مقرنين) بقال قرنهم فى الجبال
والتشديد للكثرة ( والأصفاد) الأغلال واحدها صفد والصفد العطية أيضاً، قال النابغة:
ولم أعرض أبيت اللعن بالصفد
فعلى هذا الصفد القيد فكل من شددته شداً وثيقاً فقد صفدته ، وكل من أعطيته
عطاء جزيلا فقد أضفدته ، وههنا بحث، وهو أن هذه الآيات دالة على أن الشياطين لها
قوة عظيمة ، وبسبب تلك القوة قدروا على بناء الأبنية القوية التى لا يقدر عليها البشر، وقدروا

٢١١
قوله تعالى : واذكر عبدنا أيوب . سورة ص .
٤١
وَاذْ كُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهٍُ أَنِى مَسَِّىَ النَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ
٩٠٠٠٠٠
أَرْكُضْ بِرِجْلِكَ هَنْذَا مُعْتَسَلٌ بَارِدُ وَثَرَابٌ
وَوَهَبْنَا لَهُ - أَهْلَهُ، وَمِثْلَهُم
٤٢
مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِ كَ لِأُوْلِ الْأَلْبَِ (﴾ وَخُذْ بِبَلِكَ ضِغْتًا فَأَضْرِبِ بِّهِ
على الغوص فى البحار ، واحتاج سليمان عليه السلام إلى قيدهم، ولقائل أن يقول إن هذه الشياطين
إما أن تكون أجسادهم كثيفة أو لطيفة، فإن كان الأول وجب أن يراهم من كان صحيح الحاسة ،
إذ لو جاز أن لا نراهم مع كثافة أجسادهم، فليجز أن تكون بحضرتنا جبال عالية وأصوات هائلة
ولا نراها ولا نسمعها ، وذلك دخول فى السفسطة، وإن كان الثانى وهو أن أجسادهم ليست كثيفة،
مل لطيفة رقيقة ، فمثل هذا يمتنع أن يكون موصوفاً بالقوة الشديدة، وأيضاً لزم أن تتفرق أجسادهم
وأن تتمزقّ بسبب الرياح القوية وأن يموتوا فى الحال ، وذلك يمنع من وصفهم ببناء الأبنية
القوية، وأيضاً الجن والشياطين إن كانوا موصوفين بهذه القوة والشدة، فلم لا يقتلون العلماء
والزهاد فى زماننا؟ ولم لا يخربون ديار الناس؟ مع أن المسلمين مبالغون فى إظهار لعنهم وعداوتهم.
وحيث لم يحس شيء من ذلك، علمنا أن القول بإثبات الجن والشياطين ضعيف.
واعلم أن أصحابنا يحوزون أن تكون أجسامهم كثيفة مع أنا لا نراها ، وأيضاً لا يبعد أن
يقال أجسامهم لطيفة بمعنى عدم اللون ، ولكنها صلبة بمعنى أنها لا تقبل التفرق والتمزق. وأما
الجبائى فقد سلم أنها كانت كثيفة الأجسام ، وزعم أن الناس كانوا يشاهدونهم فى زمن سليمان.
ثم إنه لما توفى سليمان عليه السلام، أمات اللّه أولئك الجن والشياطين، وخلق نوعاً آخر من الجن
والشياطين تكون أجسامهم فى غاية الرقة ، ولا يكون لهم شىء من القوة، والموجود فى زماننا من
الجن والشياطين ليس إلا من هذا الجنس .
ثم قال تعالى (هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب) وفيه قولان (الأول) قال ابن عباس
رضى الله عنهما: أعط من شئت وامنع من شئت بغير حساب ، أى ليس عليك حرج فيما أعطيت
وفيما أمسكت ( الثانى) أن هذا فى أمر الشياطين خاصة، والمعنى هؤلاء الشياطين المسخرون
عطاؤنا فامنن على من شئت من الشياطين لحل عنه ، واحبس من شئت منهم فى العمل بغير حساب.
ولما ذكر الله تعالى ما أنعم به على سليمان فى الدنيا، أردفه بإنعامه عليه فى الآخرة. فقال (وإن
له عندنا لزلفى وحسن مآب ) وقد سبق تفسيره .
قوله تعالى: ﴿واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أنى مسنى الشيطان بنصب وعذاب ٠ اركض
برجلك هذا مغتسل بارد وشراب ، ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى لأولى الألباب،

٢١٢
قوله تعالى : وخذ بيدك ضغئاً . سورة ص .
وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُّ إِنَّهُ أَوَابٌ
ھے
٤٤
وخذ بيدك ضغئاً فاضرب به ولا تحنث إنا وجدناه صابراً نعم العبد إنه أواب )
اعلم أن هذا هو القصة الثالثة من القصص المذكورة فى هذه السورة ، واعلم أن داود وسليمان
كانا من أفاض الله عليه أصناف الآلا. والنعماء، وأيوب كان من خصه الله تعالى بأنواع البلاء،
والمقصود من جميع هذه القصص الاعتبار. كأن الله تعالى قال: يا محمد اصبر على سفاهة قومك
فإنه ما كان فى الدنيا أكثر نعمة ومالا وجاهاً من داود وسليمان عليهما السلام، وما كان أكثر
بلاء ومحنة من أيوب ، فتأمل فى أحوال هؤلاء لتعرف أن أحوال الدنيا لا تنتظم لأحد، وأن
العاقل لا بد له من الصبر على المكاره ، وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى ﴾ قال صاحب الكشاف : أیوب عطف بيان، وإذ بدل اشتمال منه ( أنى
مسنى) أى بأنى مسنى حكاية لكلامه الذى ناداه بسببه، ولو لم يحك لقال بأنه مسه لأنه غائب،
وقرى. (بنصب) بضم النون وفتحها مع سكون الصاد وفتحها وضمها، فالنصب والنصب، كالرشد
والرشد ، والعدم والعدم، والسقم والسقم، والنصب على أصل المصدر ، والنصب تثقيل نصب،
والمعنى واحد، وهو التعب والمشقة والعذاب والألم.
واعلم أنه كان قد حصل عنده نوعان من المكروه: الغم الشديد بسبب زوال الخيرات وحصول
المكروهات، والألم الشديد فى الجسم ولما حصل هذان النوعان لا جرم، ذكر الله تعالى
لفظين وهم) النصب والعذاب .
﴿ المسألة الثانية﴾ للناس فى هذا الموضع قولان (الأول) أن الآلام والأسقام الحاصلة فى
جسمه إنما حصلت بفعل الشيطان (الثانى) أنها إنما حصلت بفعل الله، والعذاب المضاف فى هذه
الآية إلى الشيطان هو عذاب الوسوسة ، وإلقاء الخواطر الفاسدة.
وأما القول الأول : فتقريره ما روى أن إبليس سأل ربه، فقال هل فى عبيدك من لو سلطتنى
عليه يمتنع منى؟ فقال الله: نعم عبدى أيوب، جمل يأتيه بوساوسه وهو يرى إبليس عياناً ولا يلتفت
إليه، فقال يارب إنه قد امتنع على فسلطنى على ماله، وكان يجيئه ويقول له: هلك من مالك كذا وكذا،
فيقول الله أعطى والله أخذ، ثم يحمد الله، فقال يارب إن أيوب لا يبالى بماله فسلطنى على ولده،
جاء وزلزل الدار فهلك أولاده بالكلية، فجاءه وأخبره به فلم يلتفت إليه، فقال يارب لا يبالى بماله
وولده فلطنى على جسده، فأذن فيه، فنفخ فى جلد أيوب، وحدثت أسقام عظيمة وآلام شديدة
فيه ، فمكث فى ذلك البلاء سنين، حتى صار بحيث استقذره أهل بلده، خرج إلى الصحراء وما كان
يقرب منه أحد ، فجاء الشيطان إلى امرأته، وقال لو أن زوجك استعان بى لخلصته من هذا البلاء،
فذكرت المرأة ذلك لزوجها، خلف بالله لئن عافاه الله ليجلدنها مائة جلدة، وعند هذه الواقعة قال

٢١٣
قوله تعالى : إنى مَسَّنى الشيطان . سورة ص .
(إنى مسنى الشيطان بنصب وعذاب) فأجاب الله دعاءه وأوحى إليه ( أن اركض برجلك)
فأظهر الله من تحت رجله عيناً باردة طبية فاغتسل منها ، فأذهب اللّه عنه كل داء فى ظاهره وباطنه ،
ورد عليه أهله وماله .
والقول الثانى: أن الشيطان لا قدرة له البتة على إيقاع الناس فى الأمراض والآلام، والدليل
عليه وجوه (الأول) أنا لو جوزيا حصول الموت والحياة والصحة والمرض من الشيطان ، فلعل
الواحد منا إنما وجد الحياة بفعل الشيطان، ولعل كل ما حصل عندنا من الخيرات والسعادات،
فقد حصل بفعل الشيطان، وحينئذ لا يكون لنا سبيل إلى أن نعرف أن معطى الحياة والموت
والصحة والسقم، هو اللّه تعالى (الثانى) أن الشيطان لو قدر على ذلك فلم لا يسعى فى قتل
الأنبياء والأولياء، ولم لا يخرب دورهم، ولم لا يقتل أولادهم ( الثالث) أنه تعالى حكى عن
الشيطان أنه قال ( وما كان لى عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لى ) فصرح بأنه لا قدرة
له فى حق البشر إلا على إلقاء الوساوس والخواطر الساسدة، وذلك يدل على قول من يقول إن
الشيطان هو الذى ألقاه فى تلك الأمراض والآفات . فإن قال قائل: لم لا يجوز أن يقال إن الفاعل
لهذه الأحوال هو اللّه تعالى لكن على وفق التماس الشيطان؟ فلنا فاذا كان لابد من الاعتراف
بأن خالق تلك الآلام والأسقام هو الله تعالى، فأى فائدة فى جعل الشيطان واسطة فى ذلك؟ بل
الحق أن المراد من قوله ( إنى منى الشيطان بنصب وعذاب) أنه بسبب إلقاء الوساوس الفاسدة
والخواطر الباطنة كان يلقيه فى أنواع العذاب والعناء، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا فى أن تلك
الوساوس كيف كانت وذكروا فيه وجوهاً (الأول) أن علته كانت شديدة الألم. ثم طالت
مدة تلك العلة واستقذره الناس ونفروا عن مجاورته ، ولم بيق له شىء من الأموال البتة. وامرأته
كانت تخدم الناس وتحصل له قدر القوت، ثم بلغت نفرة الناس عنه إلى أن منعوا امرأنه من
الدخول عليهم ومن الاشتغال بخدمتهم ، والشيطان كان يذكره النعم التى كانت والآفات التى حصلت،
وكان يحتال فى دفع تلك الوساوس، فلما قويت تلك الوساوس فى قلبه خاف وتضرع إلى الله ، وقال
(إنى مسنى الشيطان بنصب وعذاب) لأنه كلما كانت تلك الخواطر أكثر كان ألم قلبه منها أشد.
(الثانى) أنها لما طالت مدة المرض جاءه الشيطان وكان يقنطه من ربه ويزين له أن يجزع
تخاف من تأكد خاطر القنوط فى قلبه فتضرع إلى الله تعالى وقال ( إنى مسنى الشيطان)،
( الثالث ) قيل إن الشيطان لما قال لامرأته لو أطاعنى زوجك أزلت عنه هذه الآفات فذكرت
المرأة له ذلك، فغلب على ظنه أن الشيطان طمع فى دينه فشق ذلك عليه فتضرع إلى الله تعالى
وقال (إنى مسنى الشيطان بنصب وعذاب). (الرابع) روى عن النبى صلى الله عليه وسلم ((أنه بقى
أبوب فى البلاء ثمان عشرة سنة حتى رفضه القريب والبعيد إلا رجلين ، ثم قال أحدهما لصاحبه
لقد أذنب أيوب ذنباً ما أتى به أحد من العالمين، ولولاه ما وقع فى مثل هذا البلاء، فذكروا ذلك

٢١٤
قوله تعالى : أركض برجلك الموزة ص .
لأيوب عليه السلام، فقال لا أدرى ما تقولان غير أن الله يعلم أنى كنت أمر على الرجلين يتنازعان
فيذكران الله تعالى فأرجع إلى بيتى فأنفر عنهما كراهية أن يذكر الله تعالى إلا فى الحق)) (الخامس)
قيل إن امرأته كانت تخدم الناس فتأخذ منهم قدر القوت وتجى. به إلى أيوب ، فاتفق أنهم
ما استخدموها البتة وطلب بعض النساء منها قطع إحدى ذؤابتيها على أن تعطيها قدر القوت ففعلت ،
ثم فى اليوم الثانى ففعلت مثل ذلك فلم يبق لها ذؤابة. وكان أيوب عليه السلام إذا أراد أن يتحرك
على فراشه تعلق بتلك الذؤابة ، فلما لم يجد الذؤابة وقعت الخواطر المؤذية فى قلبه واشتد غمه ، فعند
ذلك قال (إنى مسنى الشيطان بنصب وعذاب)، (السادس ) قال فى بعض الأيام يارب لقد
علمت ما اجتمع على أمران إلا آثرت طاعتك، ولما أعطيتنى المال كنت للأرامل قيماء ولابن
السبيل معيناً ، واليتامى أباً ! فنودى من غمامة يا أيوب ممن كان ذلك التوفيق؟ فأخذ أيوب التراب
ووضعه على رأسه ، وقال منك يارب ثم خاف من الخاطر الأول فقال ( منى الشيطان بنصب
وعذاب) وقد ذكروا أقوالا أخرى، والله أعلم بحقيقة الحال، وسمعت بعض اليهود يقول إن
لموسى بن عمران عليه السلام كتاباً مفرداً فى واقعة أيوب، وحاصل ذلك الكتاب أن أبوب
كان رجلا كثير الطاعة للّه تعالى مواظباً على العبادة، مبالغاً فى التعظيم لأمر الله تعالى والشفقة
على خلق اللّه ، ثم إنه وقع فى البلاء الشديد والعناء العظيم، فهل كان ذلك لحكمة أم لا ؟ فان كان
ذلك لحكمة فمن المعلوم أنه ما أتى بجرم فى الزمان السابق حتى يجعل ذلك العذاب فى مقابلة ذلك
الجرم ، وإن كان ذلك لكثرة الثواب فالإله الحكيم الرحيم قادر على إيصال كل خير ومنفعة إليه
من غير توسط تلك الآلام الطويلة والأسقام الكريهة. وحينئذ لا يبقى فى تلك الأمراض
والآفات فائدة، وهذه كلمات ظاهرة جلية وهى دالة على أن أفعال ذى الجلال منزهة عن التعليل
بالمصالح والمفاسد، والحق الصريح ( أنه لا يسأل عما يفعل وهم يسألون).
المسألة الثالثة ﴾ لفظ الآية يدل على أن ذلك النصب والعذاب إنما حصل من الشيطان
ثم ذلك العذاب على القول الأول عبارة عما حصل فى بدنه من الأمراض، وعلى القول الثانى
عبارة عن الأحزان الحاصلة فى قلبه بسبب إلقاء الوساوس ، وعلى التقديرين فيلزم إثبات الفعل
للشيطان ، وأجاب أصحابنا رحمهم الله بأنا لا نتكر إثبات الفعل للشيطان لكنا نقول فعل العبد
مخلوق للّه تعالى على التفصيل المعلوم .
أما قوله تعالى (أركض برجلك ) فالمعنى أنه لما شكى من الشيطان ، فكانه سأل ربه أن يزيل
عنه تلك البلية فأجابه الله إليه بأن قال له ( أركض برجلك) والركض هو الدفع القوى بالرجل ،
ومنه ركضك الفرس، والتقدير قلنا له أركض برجلك ، قيل إنه ضرب برجله تلك الأرض
فنبعت عين فقيل ( هذا مغتسل بارد وشراب) أى هذا ماء تغتسل به فيبرأ باطنك ، وظاهر الفظ
يدل على أنه نبعت له عين واحدة من الماء اغتسل فيه وشرب منه. والمفسرون قالوا نبعت له

٢١٥
قوله تعالى : إنا وجدناه صابراً . سورة ص .
عينان فاغتسل من إحداهما وشرب من الأخرى، فذهب الداء من ظاهره ومن باطنه بإذن الله،
وقيل ضرب برجله اليمنى فنبعت عين حارة فاغتسل منها ثم باليسرى فنبعت عين باردة فشرب منها
ثم قال تعالى ( ووهبنا له أهله) فقد قيل هم عين أهله وزيادة مثلهم، وقيل غيرهم مثلهم ،
(والأول) أولى لأنه هو الظاهر فلا يجوز العدول عنه من غير ضرورة، ثم اختلفوا فقال بعضهم
معناه أزلنا عنهم القم فعادوا أصحا، وقال بعضهم بل حضروا عنده بعد أن غابوا عنه واجتمعوا
بعد أن تفرقوا وقال بعضهم بل تمكن منهم وتمكنوا منه فيما يتصل بالعشرة وبالخدمة .
أما قوله ( ومثلهم معهم ) فالأقرب أنه تعالى متعه بصحته وبماله وقواه حتى كثر نسله وصار
أهله ضعف ما كان وأضعاف ذلك، وقال الحسن رحمه الله: المراد بهبة الأهل أنه تعالى أحياه
بعد أن هلكوا .
ثم قال (رحمة منا ) أى إنما فعلنا كل هذه الأفعال على سبيل الفضل والرحمة ، لا على سبيل
اللزوم .
ثم قال (وذكرى لأ ولى الألباب) يعنى ساطنا البلاء عليه أولا فصبر ثم أزلنا عنه البلاء
وأوصلناه إلى الآلاء والنعماء، تنبيهاً لأ ولى الألباب على أن من صبر ظفر، والمقصود منه
التنبيه على ماوقع ابتداء الكلام به وهو قوله لمحمد (اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود)
وقالت المعتزلة قوله تعالى (رحمة مناوذكرى لأولى الألباب ) يعنى إنما فعلناها لهذه الأغراض
والمقاصد، وذلك يدل على أن أفعال الله وأحكامه معللة بالأغراض والمصالح والكلام فى هذا الباب
قد مر غير مرة .
أما قوله تعالى ( وخذ بيدك ضغئاً ) فهو معطوف على اركض والضغث الحزمة الصغيرة من
حشيش أو ريحان أو غير ذلك. واعلم أن هذا الكلام يدل على تقدم يمين منه ، وفى الخبر أنه
حلف على أهله، ثم اختلفوا فى السبب الذى لأجله حلف عليها، ويبعد ما قيل إنها رغبته فى طاعة
الشيطان ، ويبعد أيضاً ما روى أنها قطعت الذوائب عن رأسها لأن المضطر إلى الطعام يباح له
ذلك بل الأقرب أنها خائفته فى بعض المهمات ، وذلك أنها ذهبت فى بعض المهمات فأبطأت حلف
فى مرضه ليضر بنها مائة إذا برىء، ولما كانت حسنة الخدمة له لا جرم حلل الله يمينه بأهون شى.
عليه وعليها، وهذه الرخصة باقية، وعن النبى مؤتم أنه أتى بمجدم خبث بأمة فقال «خذوا عشكالا
فيه مائة شمراخ فاضربوه به ضربة » .
ثم قال تعالى ( إنا وجدناه صابراً) فان قيل كيف وجده صابراً وقد شكى إليه، والجواب
من وجوه: (الأول) أنه شكى من الشيطان إليه وماشكى منه إلى أحد (الثانى) أن الألم حين كان
على الجسد لم يذكر شيئاً فلمنا عظمت الوساوس خاف على القلب والدين فتضرع ( الثالث ) أن
الشيطان عدو. والشكاية من العدو إلى الحبيب لا تقدح فى الصبر، ثم قال ( نعم العبد إنه أواب )

٢١٦
قوله تعالى : واذكر عبادنا إبراهيم واسحق ويعقوب . سورة ص .
وَأَذْكُرْ عِبَدَنَآ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِ الْأَيْدِى وَالْأَبْصَرِ ﴾ إِنََّ
أَخْلَصْنَهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَىَ الدَّارِ ﴾ وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ اْلْأُخْبَارِ
٤٧
وَأَذْكُرْ إِسَْمْعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلُّ مِّنَ آلْأَخْيَارِ.
٤٨
وهذا يدل على أن تشريف نعم العبد، إنما حصل لكونه أواباً، وسمعت بعضهم قال لما نزل قوله
تعالى (نعم العبد ) فى حق سليمان عليه السلام تارة، وفى حق أيوب عليه السلام أخرى عظم الغم
فى قلوب أمة محمد ◌ِّم، وقالوا إن قوله تعالى (نعم العبد) فى حق سليمان تشريف عظيم، فإن احتجنا
إلى اتفاق مملكة مثل مملكة سليمان حتى بجد هذا التشريف لم نقدر عليه، وإن احتجنا إلى تحمل
بلاء مثل أيوب لم نقدر عليه. فكيف السبيل إلى تحصيله. فأنزل الله تعالى قوله (نعم المولى ونعم
النصير) والمراد أنك إن لم تكن ( نعم العبد) فأنا ( نعم المولى) وإن كان منك الفضول، فمى
الفضل، وإن كان منك التقصير، فمتى الرحمة والتيسير .
قوله تعالى: ﴿واذكر عبادنا إبراهيم وإسحق ويعقوب أولى الأيدى والأبصار، إنا أخلصناهم
بخالصة ذكرى الدار، وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار، واذكر اسمعيل وإليسع وذا الكفل
وكل من الأخيار ﴾ فى الآية مسائل :
[ المسألة الأولى﴾ قرأ ابن كثير (عبدنا) على الواحد وهى قراة ابن عباس، ويقول إن
قوله (عبدنا ) تشريف عظيم ، فوجب أن يكون هذا التشريف مخصوصاً بأعظم الناس المذكورين
فى هذه الاية وهو إبراهيم وقرأ الباقون (عبادنا) قالوا لأن غير إبراهيم من الأنبياء قد أجرى
عليه هذا الوصف نجاء فى عيسى ( إن هو إلا عبد أنعمنا عليه) وفى أيوب ( نعم العبد ) وفى نوح
( إنه كان عبداً شكوراً) فمن قرأ عبدنا جعل ابراهيم وحده عطف بيان له، ثم عطف ذريته على
عبدنا وهى إسحق ويعقوب، ومن قرأ عبادنا جعل ابراهيم واسحق ويعقوب عطف بيان لعبادنا.
المسألة الثانية) تقدير الآية كأنه تعالى قال ( فاصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود)
إلى أن قال ( واذكر عبدنا إبراهيم) أى واذكر يا محمد صبر إبراهيم حين ألقى فى النار ، وصبر
إسحق للذبح، وصبر يعقوب حين فقد ولده وذهب بصره. ثم قال (أولى الأيدى والأبصار).
واعلم أن اليد آلة لا كثر الاعمال والبصر آلة لأقوى الإدراكات ، فمن التعبير عن العمل باليد
وعن الإدراك بالبصر. إذا عرفت هذا فنقول النفس الناطقة الإنسانية لها قوتان عاملة وعالمة ،
أما القوة العاملة فأشرف ما يصدر عنها طاعة الله، وأما القوة العالمة فأشرف ما يصدر عنها معرفة

٢١٧
قوله تعالى : هذا ذكر وإن للمتقين لحسن ماب . سورة ص .
◌َّتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً فَهُمُ
٤٩
مَعَابِ
هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ
الْأَبْوَبُ ® مُتَكِينَ فِهَ يَدْعُونَ فِيهَا بِفَلِكِهَةٍ كَثِرَةٍ وَرَابٍ لَّهُ وَعِندَهُمْ
٥٢
﴿ إِنَّ هَذَا
هَذَ مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ
قَصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابَ
الله، وما سوى هذين القسمين من الاعمال والمعارف فكالعبث والباطل، فقوله (أولى الأيدى
والأبصار ) إشارة إلى هاتين الحالتين .
قوله تعالى: ﴿إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار﴾ وفيه مسألتان :
﴿ المسألة الأولى﴾ قوله ( بخالصة) قرىء بالتنوين والإضافة فمن نون كار التقدير (أخلصناهم)
أى جعلناهم خالصين لنا بسبب خصلة خالصة لا شوب فيها وهى ذكرى الدار ، ومن قرأ بالإضافة
فالمعنى بما خلص من ذكرى الدار، يعنى أن ذكرى الدار قد تكون لله وقد تكون لغير الله،
فالمعنى إنا أخلصناهم بسبب ما خلص من هذا الذكر.
﴿ المسألة الثانية﴾ فى ذكرى الدار وجوه: ( الاولى) المراد أنهم استغرقوا فى ذكرى الدار
الآخرة وبلغوا فى هذا الذكر إلى حيث نسوا الدنيا ( الثانى) المراد حصول الذكر الجليل الرفيع
لهم فى الدار الآخرة ( الثالث) المراد أنه تعالى أبقى لهم الذكر الجميل فى الدنيا وقبل دعاءهم فى قوله
( واجعل لى لسان صدق فى الآخرين ).
ثم قال تعالى ( وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار ) أى المختارين من أبناء جنسهم والأخيار
جمع خير أو خير على التخفيف كاموات فى جمع ميت أو ميت ، واحتج العلماء بهذه الآية فى إثبات
عصمة الأنبياء قالوا لأنه تعالى حكم عليهم بكونهم أخياراً على الإطلاق ، وهذا يعم حصول الخيرية
فى جميع الأفعال والصفات بدليل صحة الاستثناء وبدليل دفع الإجمال .
ثم قال ( واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الأخيار) وهم قوم آخرون من
الأنبياء تحملوا الشدائد فى دين الله، وقد ذكرنا الكلام فى شرح هذه الأسماء وفى صفات هؤلاء
الأنبياء فى سورة الأنبياء وفى سورة الأنعام ، فلافائدة فى الإعادة، وههنا آخر الكلام فى قصص
الأنبياء فى هذه السورة .
قوله تعالى: ﴿هذا ذكروإن للمتقين لحسن مآب، جنات عدن مفتحة لهم الأبواب ، متکثین فيها
يدعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب، وعندهم قاصرات الطرف أتراب ، هذا ما توعدون ليوم الحساب،

.٢١٨
قوله تعالى : إن هذا لرزقنا ماله من نفاد . سورة ص .
٥٤
لِزْقُنَا مَالَهُو مِن نَفَادٍ
إن هذا لرزقنا ماله من نفاد
إعلم أن فى قوله (ذكر) وجهين ( الأول ) أنه تعالى إنما شرح ذكر أحوال هؤلاء الأنبياء
عليهم السلام لأجل أن يصبر محمد عليه السلام على تحمل سفاهة قومه فلما تم بيان هذا الطريق
وأراد أن يذكر عقيبه طريقاً آخريوجب الصبر على سفاهة الجهال، وأراد أن يميز أحد البابين عن
الآخر، لا جرم قال (هذا ذكر)، ثم شرع فى تقرير الباب الثانى فقال (وإن للمتقين) كما أن المصنف
إذا تم كلاماً قال هذاباب، ثم شرع فى باب آخر ، وإذا فرغ الكاتب من فصل من كتابه وأراد الشروع
فى آخر قال هذا وقد كان كيت وكيت، والدليل عليه أنما لما أتم ذكر أهل الجنة وأراد أن يزدفه
بذكر أهل النار قال (هذا وإن للطاغين) (الوجه الثانى) فى التأويل، أن المراد هذا شرف وذكر
جميل لهؤلاء الأنبياء عليهم السلام يذكرون به أبداً، والأول هو الصحيح.
أما قوله ( وإن للمتقين لحسن مآب ).
فاعلم أنه تعالى لما حكى عن كفار قريش سفاهتهم على النبى ربيع بأن وصفوه بأنه ساخر
كذاب، وقالوا له على سبيل الاستهزاء (ربنا جل لنا قطنا) فعند هذا أمر محمداً بالصبر على تلك
السفاهة، وبين أن ذلك الصبر لازم من وجهين ( الأول ) أنه تعالى لما بين أن الأنبياء المتقدمين
صبروا على المكاره والشدائد، فيجب عليك أن تقتدى بهم فى هذا المعنى (الثانى) أنه تعالى بين فى
هذه الآية أن من أطاع الله كان له من الثواب كذا وكذا، ومن خالفه كان له من العقاب كذا
وكذا ، وكل ذلك يوجب الصبر على تكاليف الله تعالى، وهذا نظم حسن وترتيب لطيف.
أما قوله تعالى (وإن للمتقين لحسن مآب) المآب، المرجع. واحتج القائلون بقدم الأرواح
بهذه الآية، وبكل آية تشتمل على لفظ الرجوع ووجه الاستدلال، أن لفظ الرجوع إنما يصدق
لو كانت هذه الأرواح موجودة قبل الأجساد، وكانت فى حضرة جلال الله ثم تعلقت بالأبدان،
فعند انفصالها عن الابدان يسمى ذلك رجوعاً (وجوابه) أن هذا إن دل فإنما يدل على أن
الأرواح كانت . وجودة قبل الأبدان، ولا يدل على قدم الأرواح.
ثم قال تعالى ( جنات عدن) وهو بدل من قوله (لحسن مآب) ثم قال (مفتحة لهم الأبواب)
وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ ذكروا فى تأويل هذا اللفظ وجوهاً (الأول) قال الفراء: معناه مفتحة
لهم أبوابها، والعرب تجعل الألف واللام خلفاً من الإضافة، تقول العرب: مروت برخل حسن
الوجه، فالألف واللام فى الوجه بدل من الإضافة (والثانى) قال الزجاج: المعنى (مفتحة لهم
الأبواب) منها (الثالث) قال صاحب الكشاف: (الأبواب) بدل من الضمير، وتقديره مفتحة

٢١٩
قوله تعالى : حتى إذا جاؤ وها . سورة ص .
هى الأبواب، كقولك ضرب زيد اليد والرجل ، وهو من بدل الاشتمال ..
المسألة الثانية﴾ قرى. ( جنات عدن) مفتحة بالرفع على تقدير أن يكون قوله ( جنات
عدن) مبتدأ ومفتحة خبره، وكلاهما خبر مبتدأ محذوف. أى هو (جنات عدن مفتحة لهم).
المسألة الثالثة) اعلم أنه تعالى وصف من أحوال أهل الجنة فى هذه الآية أشياء (الأول)
أحوال مساكنهم، فقوله (جنات عدن) يدل على أمرين (أحدهما) كونها جنات وبساتين
( والثانى) كونها دائمة آمنة من الانقضاء.
وفى قوله (مفتحة لهم الأبواب) وجوه (الأول) أن يكون المعنى أن الملائكة الموكلين بالجنان
إذا رأوا صاحب الجنة فتحوا له أبوابها وحيوه بالسلام، فيدخل كذلك محفوفاً بالملائكة على أعز
حال وأجمل هيئة، قال تعالى ( حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم
فادخلوها خالدين )، (الثانى) أن تلك الأبواب كلما أرادوا انفتاحها انفتحت لهم، وكلما أرادوا
انغلاقها انغلقت لهم (الثالث) المراد من هذا الفتح، وصف تلك المساكن بالسعة ، ومسافرة العيون
فيها ، ومشاهدة الأحوال اللذيذة الطيبة .
ثم قال تعالى ( متکتین فیها ) يدعون فيها ، وفيه مباحث :
﴿ الأول) أنه تعالى ذكر فى هذه الآية كونهم متكتين فى الجنة، وذكر فى سائر الآيات
كيفية ذلك الاتكاء، فقال فى آية ( على الأرائك متكنون) وقال فى آية أخرى ( متكئين على
رفرف خضر ).
﴿ البحث الثانى) قوله (متكتين فيها) حال قدمت على العامل فيها وهو قوله (يدعون فيها)
والمعنى يدعون فى الجنات (متكئين فيها) ثم قال (بفاكهة كثيرة وشراب) والمعنى بألوان الفاكية
وألوان الشراب، والتقدير بفاكهة كثيرة وشراب كثير، والسبب فى ذكر هذا المعنى أن ديار
العرب حارة قليلة الفواكه والأشربة ، فرغبهم الله تعالى فيه .
ولما بين تعالى أمر المسكن وأمر المأكول والمشروب ذكر عقيبه أمر المنكوح، فقال
(وعندهم قاصرات الطرف) وقد سبق تفسيره فى سورة والصافات، وبالجملة فالمعنى (كونهن
:قاصرات الطرف) عن غيرهم مقصورات القلب على محبتهم ، وقوله (أتراب) أى على سن واحد،
ويحتمل كون الجوارى أتراباً. ويحتمل كونهن أتراباً للأزواج، قال القفال: والسبب فى اعتبار
هذه الصفة ، أنهن لما تشابهن فى الصفة والسن والحلية كان الميل إليهن على السوية، وذلك يقتضى
عدم الغيرة .
ثم قال تعالى (هذا ماتوعدون ليوم الحساب) يعنى أن الله تعالى وعد المتقين بالثواب
الموصوف بهذه الصفة ، ثم إنه تعالى أخبر عن دوام هذا الثواب فقال ( إن هذا لرزقنا ماله من
نفاد ) .

١٢٢٠
قوله تعالى : هذا وإن للطاغين لشر مآب ، سورة ص .
جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ آلْمِهَادُ
هَدَذَا وَإِنَّلِلطَِّينَ لَشَرَّمَثَابٍ
هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حِيْمٌ وَغَّاقٌ (َ﴾ وَعُ مِن شَكْلِةَ أَزْوَجُ ◌ّ هَذَا فَوْجٌ
مُقْتِمُ مَّعَلَّ لَا مَرْحَبَّ بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُواْالنَّارِ ﴿ قَالُواْبَلَّ أَنْتُمْ لَ مَرْحَبَا بِكٌ
أَنُمُ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَتْسَ الْقَرَارُ (﴾ قَالُواْ رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا
مِنَ الْأَثْرَارِ
وَقَالُواْ مَالَنَا لَانَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعْدَّهُم
٦١
ضِعْفًا فِى النَّارِ (
أُتَّخَذْنَهُمْ ◌ِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصِرُ ﴾ إِنَّ ذَلِكَ لَحَقُّ تَخَاصُمُ أَهْلِ الَّارِ
٦٤
قوله تعالى: ﴿هذا وإن للطاغين لشر مآب، جهنم يصلونها فبئس المهاد ، هذا فليذوقوه حميم
وغساق، وآخر من شكله أزواج، هذا فوج مقتحم معكم لا مرحباً بهم إنهم صالوا النار، قالوا
بل أنتم لا مرحباً بكم أنتم قدمتموه لنا فبئس القرار، قالوا ربنا من قدم لنا هذا فزده عذاباً ضعفاً
فى النار، وقالوا ما لنا لا نرى رجالا كنا فعدهم من الأشرار، أخذناهم نخرياً أم زاغت عنهم
الأبصار ، إن ذلك لحق تخاصم أهل النار
اعلم أنه تعالى لما وصف ثواب المتقين، وصف بعده عقاب الطاغمين، ليكون الوعيد مذكوراً
عقيب الوعد ، والترهيب عقيب الترغيب .
واعلم أنه تعالى ذكر من أحوال أهل النار أنواعاً (فالأول.) مرجعهم ومآبهم، فقال ( هذا
وإن للطاغين لشر مآب ) وهذا فى مقابلة قوله ( وإن للمتقين لحسن مآب) فبين تعالى أن حال
الطاغين مضاد لحال المتقين ، واختلفوا فى المراد بالطاغين ، فأكثر المفسرين حملوه على الكفار،
وقال الجبائى: إنه محمول على أصحاب الكبائر سواء كانوا كفاراً أو لم يكونوا كذلك، واحتج
الأولون بوجوه (الأول) أن قوله ( لشر مآب) يقتضى أن يكون مآبهم شراً من مآب غيرهم،
وذلك لا يليق إلا بالكفار (الثانى) أنه تعالى حكى عنهم أنهم قالوا (اتخذناهم سخرياً) وذلك
لا يليق إلا بالكفار، لأن الفاسق لا يتخذ المؤمن سخرياً (الثالث) أنه اسم ذم، والاسم المطلق
محمول على الكامل ، والكامل فى الطغيان هو الكافر ، واحتج الجبائى على صحة قوله بقوله تعالى