Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
قوله تعالى : أتدعون بعلا . سورة الصَّافات .
اعلم أن هذه القصة الرابعة من القصص المذكورة فى هذه السورة وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ ابن عامر (وإن إلياس) بغير همزة على وصل الألف والباقون بالهمزة
وقطع الألف، قال أبو بكر بن مهران: من ذكر عند الوصل الألف فقد أخطأ ، وكان أهل الشام
ينكرونه ولا يعرفونه، قال الواحدى وله وجهان (أحدهما) أنه حذف الهمزة من إلياس حذفاً،
كما حذفها ابن كثير من قوله (إنها لإحدى الكبر) وكقول الشاعر:
ويلها فى هواء الجو طالبة
والآخر أنه جعل الهمزة التى تصحب اللام للتعريف كقوله ( واليسع).
﴿ المسألة الثانية) فى إلياس قولان: يروى عن ابن مسعود أنه قرأ وإن إدريس، وقال إن
إلياس هو إدريس، وهذا قول عكرمة، وأما أكثر المفسرين فهم منتون على أنه نبي من أنبياء
بنى إسرائيل وهو إلياس بن ياسين من ولد هرون أخى موسى عليهم السلام، ثم قال تعالى (إذ قال
لقومه ألا تتقون) والتقدير اذكر يا محمد لقومك ( إذ قال لقومه ألا تتقون) أى ألا تخافون الله،
وقال الكلى ألا تخافون عبادة غير الله. واعلم أنه لما خوفهم أولا على سبيل الإجمال ذكر ما هو
السبب لذلك الخوف فقال (أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين) وفيه أبحاث:
﴿ الأول ) فى بعل قولان (أحدهما) أنه اسم علم لصنم كان لهم کمناة و هبل، وقيل كان من
ذهب، وكان طوله عشرين ذراعاً وله أربعة أوجه ، وفتنوا به وعظموه، حتى عينوا له أربعمائة
سادن وجعلوهم أنبياء، وكان الشيطان يدخل فى جوف بعل ويتكلم بشريعة الضلالة ، والسدنة
يحفظونها ويعلمونها الناس وهم أهل بعلبك من بلاد الشام، وبه سميت مدينتهم بعلبك. واعلم أن
قولهم بعل إسم لصنم من أصنامهم لا بأس به، وأما قولهم إن الشيطان كان يدخل فى جوف بعلبك
ويتكلم بشريعة الضلالة ، فهذا مشكل لأنا إن جوزنا هذا كان ذلك قادحاً فى كثير من المعجزات،
لأنه نقل فى معجزات النبى مُؤثّ كلام الذئب معه وكلام الجمل معه وحنين الجذع، ولو جوزنا أن
يدخل الشيطان فى جوف جسم ويتكلم، حينئذ يكون هذا الاحتمال قائماً فى الذئب والجمل والجذع،
وذلك يقدح فى كون هذه الأشياء معجزات (القول الثانى) أن البعل هو الرب بلغة اليمن ، يقال
من بعل هذه الدار، أى من ربها ، وسمى الزوج بعلا لهذا المعنى، قال تعالى (وبعولتهن أحق بردهن)
وقال تعالى (وهذا بعلى شيخاً) فعلى هذا التقدير المعنى، أتعبدون بعض البعول وتتركون عبادة الله.
(البحث الثانى) المعتزلة احتجوا بهذه الآية على كون العبد خالقاً لأفعال نفسه، فقالوا
لو لم يكن غير الله خالقاً لما جاز وصف اللّه بأنه أحسن الخالقين، والكلام فيه قد تقدم فى قوله
تعالى ( فتبارك الله أحسن الخالقين).
﴿ البحث الثالث) كان الملقب بالرشيد الكاتب يقول لو قيل: أتدعون بعلا وتدعون أحسن
الخالقين. أوهم أنه أحسن، لأنه كان قد تحصل فيه رعاية معنى التحسين ( وجوابه ) أن فصاحة
الفخر الرازي - ج ٢٦ م ١١

١٦٢
قوله تعالى : إنا كذلك نجزي المحسنين . سورة الصَّافات .
إِلَّا غُوزَا فِى
لإ
وَإِنَّ كُلُوَطَالَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (﴾ إِذْ نَجَّيْنَهُ وَأَهْلَهُ ◌ٍأَجْمَعِينَ (3)
وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُونَ عَلَيْهِمْ تُصْبِحِينَ
١٢٠٦
ثُمَّ دَمَرْ نَا الْآَخَرِينَ
الْغَبِرِينَ
وَبِأَلَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ
القرآن ليست لأجل رعاية هذه التكاليف ، بل لأجل قوة المعانى وجزالة الألفاظ . وأعلم أنه لما عابهم
على عبادة غير الله صرح بالتوحيد ونفى الشركاء، فقال (التهربكم ورب آبائكم الأولين) وفيه مباحث.
﴿ الأول ) أنا ذكرنا فى هذا الكتاب أن حدوث الأشخاص البشرية كيف يدل على وجود
الصانع المختار ، وكيف يدل على وحدته وبراءته عن الأضداد والأنداد ، فلا فائدة فى الإعادة.
﴿ البحث الثانى) قرأ حمزة والكسائى وحفص عن عاصم (الله ربكم ورب آبائكم) كلها
بالنصب على البدل من قوله (أحسن الخالقين ) والباقون بالرفع على الاستئناف، والأول
اختيار أبى حاتم وأبى عبيد، ونقل صاحب الكشاف أن حمزة إذا وصل نصب، وإذا وقف رفع،
ولما حكى اللّه عنه أنه قرر مع قومه التوحيد قال ( فكذبوه فانهم لمحضرون) أى محضرون النار
غداً، وقد ذكرنا الكلام فيه عند قوله ( لكنت من المحضرين ) ثم قال تعالى ( إلا عباد الله
المخلصين) وذلك لأن قومه ما كذبوه بكلیتهم ، بل كان فيهم من قبل ذلك التوحيد فلهذا قال تعالى
( إلا عباد الله المخلصين ) يعنى الذين أتوا بالتوحيد الخالص فانهم لا يحضرون ثم قال(وتركنا
عليه فى الآخرين سلام على إل ياسين) قرأ نافع وابن عامر ويعقوب آل ياسين على إضافة لفظ
آل إلى لفظ ياسين والباقون بكسر الألف وجزم اللام موصولة بياسين، أما القراءة الأولى ففيها
وجوه: (الأول) وهو الأقرب أنا ذ کرنا أنه إلياس بن یاسین فكان الياس آل ياسين (الثانى)
آل ياسين آل محمد رقم (والثالث) أن ياسين اسم القرآن، كأنه قيل سلام الله على من آمن بكتاب
الله الذى هو ياسين، والوجه هو الأول لأنه أليق بياق الكلام، وأما القراءة الثانية فقيها وجوه
( الأول) قال الزجاج يقال ميكال وميكائيل وميكالين، فكذا ههنا إلياس وإلياسين (والثانى)
قال الفراء هو جمع وأراد به إلياس وأتباعه من المؤمنين، كقولهم المهلبون والسعدون قال:
أنا ابن سعد أكرم السعدينا
﴿ قصة لوظ عليه السلام﴾
ثم قال تعالى (إنا كذلك نجزى المحسنين، إنه من عبادنا المؤمنين) وقد سبق تفسيره والله أعلم،
قوله تعالى: ﴿وإن لوطاً لمن المرسلين، إذ نجيناه وأهله أجمعين، إلا مجوزاً فى الغابرين، ثم دهرنا
الآخرين، وإنكم لتمرون عليهم مصبحين، وبالليل أفلا تعقلون }
:

١٦٣
قوله تعالى : وإن يونس لمن المرسلين . سورة الصَّافات .
وَإِنَّ ◌ُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴿ إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤) فَسَاهَمَ فَكَانَ
مِنَ الْمُدْخَضِينَ (3»
فَاَ لْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مَلِيمٌ
ر٠۶ ٪
١٤٢
فَلَوْلاً أَنَّهُ كَانَ مِنَ
الْمُسَبِحِينَ ﴿ لَلَبِثَ فِ بَطْنِهِ إِلَى يَوْمٍ يُبْعُونَ (9) فَنَذْنَهُ بِآلْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمُ
٤٠٠٠
٠٠/٤٠
: وَأَرْسَنَهُ إِلَى مِأنَّهِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ
مِّن يَقْطِينٍ.
وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةَ
١٤٥
١٤٧
فَثَامَنُواْ لَمَتَّعْنَدُهُمْ إِلَى حِينٍ
١٤٨
هذا هو القصة الخامسة ، وإنه تعالى إنما ذكر هذه القصة ليعتبر بها مشر كو العرب ، فإن الذين
كفروا من قومه هلكوا والذين آمنوا نجوا ، وقد تقدم شرح هذه القصة، وقد نبههم بقوله تعالى
(وإنكم لتمرون عليهم مصبحين، وبالليل) وذلك لأن القوم كانوا يسافرون إلى الشام والمسافر فى
أكثر الأمر إنما يمشى فى الليل وفى أول النهار ، فلهذا السبب عين تعالى هذين الوقتين.
ثم قال تعالى (أفلا تعقلون) يعنى أليس فيكم عقول تعتبرون بها، والله أعلم.
: قصة يونس عليه السلام ﴾
قوله تعالى: ﴿وإن يونس لمن المرسلين، إذ أبق إلى الفلك المشحون، فساهم فكان من المدحضين ،
فالتقمه الحوت وهو مليم . فلولا أنه كان من المسبحين ، للبث فى بطنه إلى يوم يبعثون ، فنبذناه بالعراء
وهو سقيم. وأنبتناعليه شجرة من يقطين، وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون، فآمنو افتعناهم إلى حين ﴾
إعلم أن هذا هو القصة السادسة وهو آخر القصص المذكورة فى هذه السورة، وإنما صارت
هذه القصة خاتمة للقصص ، لأجل أنه لما لم يصبر على أذى قومه وأبق إلى الفلك وقع فى تلك
الشدائد فيصير هذا سبباً لتصبر النبى زلت على أذى قومه .
أما قوله ( وإن يونس لمن المرسلين ، إذ أبق إلى الفلك المشحون ) ففيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى ﴾. قال صاحب الكشاف قرىء يونس بضم النون وكسرها .
المسألة الثانية) دلت هذه الآية على أن هذه الواقعة إنما وقعت ليونس عليه السلام بعدأن
صار رسولا ، لأن قوله (وإن يونس لمن المرسلين، إذ أبق إلى الفلك) معناه أنه كان من المرسلين
حينما أبق إلى الفلك، ويمكن أن يقال إنه جاء فى كثير من الروايات أنه أرسله ملك زمانه إلى
أولئك القوم ليدعوهم إلى اللّه، ثم أبق والتقمه الحوت فعندذلك أرسله الله تعالى، والحاصل أن قوله
( لمن المرسلين) لايدل على أنه كان فى ذلك الوقت مرسلا من عند الله تعالى، ويمكن أن يجاب بأنه
سبحانه وتعالى ذكر هذا الوصف فى معرض تعظيمه، ولن يفيد هذه الفائدة إلا إذا كان المراد من

١٦٤
قوله تعالى : فكان من المدحضين . سورة الصافات .
قوله ( لمن المرسلين ) أنه من المرسلين عند الله تعالى.
﴿ المسألة الثالثة ﴾ أبق من إباق العبد وهو هربه من سيده، ثم اختلف المفسرون فقال بعضهم
إنه أبق من اللّه تعالى، وهذا بعيد لأن ذلك لا يقال إلا فيمن يتعمد مخالفة ربه، وذلك لا يجوز على
الأنبياء واختلفوا فما لأجله صار مخطئاً، فقيل لأنه أمر بالخروج إلى بنى اسرائيل فلم يقبل ذلك
التكليف وخرج مغاضباً لربه، وهذا بعيد سواء أمره الله تعالى بذلك بوحى أو بلسان نى آخر،
وقيل إن ذنبه أنه ترك دعاء قومه ، ولم يصبر عليهم. وهذا أيضاً بعيد لأن الله تعالى لما أمره بهذا
العمل فلا يجوز أن یترکه، والأقرب فیه و جهان: (الأول) أن ذنبه كان لآن الله تعالى وعده
إنزال الإهلاك بقومه الذين كذبوه فظن أنه نازل لامحالة، فلأجل هذا الظن لم يصبر على دعائهم،
فكان الواجب عليه أن يستمر على الدعاء لجواز أن لا يهلكهم الله بالعذاب وإن أنزله، وهذا هو
الأقرب لأنه إقدام على أمر ظهرت أماراته فلا يكون تعمداً للمعصية ، وإن كان الا ولى فى مثل.
هذا الباب أن لا يعمل فيه بالظن ثم انكشف ليونس من بعد أنه أخطأ فى ذلك الظن، لأجل أنه
ظهر الإيمان منهم قمعنى قوله ( إذ أبق الى الفلك) ما ذكرناه ( الوجه الثانى) أن يونس كان وعد
قومه بالعذاب فلما تأخر عنهم العذاب خرج كالمستور عنهم فقصد البحر وركب السفينة ، فذلك
هو قوله ( إذ أبق إلى الفلك) وتمام الكلام فى مشكلات هذه الآية ذكرناه فى قوله تعالى (وذا النون
إذ ذهب مغاضباً فظن أن لن نقدر عليه) وقوله ( الى الفلك المشحون) مفسر فى سورة يونس
والسفينة إذا كان فيها الحمل الكثير والناس يقال إنها مشحونة، ثم قال تعالى (فسام ) المساهمة
هى المقارعة ، يقال أسهم القوم اذا اقترعوا، قال المبرد وانما أخذ من السهام التى تجال
القرعة ( فكان من المدحضين ) أى المغلوبين يقال أدحض الله حجته فدحضت أى أزالها فزالت
وأصل الكلمة من الدحض الذى هو الزلق ، يقال دحضت رجل البعير اذا زلقت، وذكر ابن
عباس فى قصة يونس عليه السلام أنه كان يسكن مع قومه فلسطين فغزاهم ملك وسبي منهم تسعة
أسباط ونصفاً وبقى سبطان ونصف، وكان اللّه تعالى أوحى إلى بنى اسرائيل إذا أسركم عدوكم
أو أصابتكم مصيبة فادعونى أستجب لكم، فلما نسوا ذلك وأسروا أوحى الله تعالى بعد حين الى
نى من أنيلتهم أن اذهب إلى ملك هؤلا. الاقوام وقل له حتى يبعث الى بنى اسرائيل نياً، فاختار
يونس عليه السلام لقوته وأمانته ، قال يونس الله أمرك بهذا قال لا ولكن أمرت أن أبعث قوياً
أميناًوأنت كذلك، فقال يونس وفى بنى اسرائيل من هو أقوى منى فلم لا تبعثه، فأح الملك عليه فغضب
يونس منه وخرج حتى أتى بحر الروم ووجد سفينة مشحونة حملوهفيها، فلما دخلت لجة البحر أشرفت
على الغرق، فقال الملاحون إن فيكم عاصياً وإلا لم يحصل فى السفينة مانراه من غير ريح ولا سبب ظاهر، وقال
التجار قد جربنا مثل هذا فإذا رأيناه نقترع، فمن خرج سهمه نغرقه، فلأن يغرق واحدخير من غرق الكل.
تخرج سهم يونس، فقال التجار نحن أولى بالمعصية من فى الله، ثم عادوا ثانياًوثالثاً يقترعون فيخرج سهم

١٦٥
قوله تعالى : فنبذناه بالعراء . سورة الصَّافات .
يونس ، فقال يا هؤلاء أنا العاصى وتلفف فى كساء ورمى بنفسه فابتلعته السمكة فأوحى الله تعالى
إلى الحوت ((لا تكسر منه عظماً ولا تقطع له وصلا)) ثم إن السمكة أخرجته إلى نيل مصر ثم إلى
بحر فارس ثم إلى بحر البطائح ثم دجلة فصعدت به ورمته بأرض نصيبين بالعراء، وهو كالفرخ
المنتوف لاشعر ولالحم، فأنبت اللّه عليه شجرة من يقطين، فكان يستظل بها ويأكل من ثمرها حتى
تشدد، ثم إن الأرض أكلتها نفرت من أصلها مخزن يونس لذلك حزناً شديداً ، فقال يارب كنت
أستظل تحت هذه الشجرة من الشمس والريح وأمص من ثمرها وقد سقطت، فقيل له يا يونس
تحزن على شجرة أنبقت فى ساعة واقتلعت فى ساعة ولا تحزن على مائة ألف أو يزيدون تركنهم!
انطلق إليهم ، والله أعلم بحقيقة الواقعة.
ثم قال تعالى (فالتقمه الحوت وهو مليم) يقال التقمه والتهمه والكل بمعنى واحد، وقوله تعالى
( وهو مليم) يقال ألام إذا أتى بما يلام عليه، فالمليم المستحق للوم الآتى بما يلام عليه.
ثم قال تعالى ( فلولا أنه كان من المسبحين ، للبث فى بطنه إلى يوم يبعثون) وفى تفسير كونه
من المسبحين قولان (الأول ) أن المراد منه ما حكى الله تعالى عنه فى آية أخرى أنه كان يقول
فى تلك الظلمات لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين (الثانى) أنه لولا أنه كان قبل
أن التقمة الحوت من المسبحين يعنى المصلين وكان فى أكثر الأوقات مواظباً على ذكر الله وطاعته
لبث فى بطن ذلك الحوت ، وكان بطنه قبراً له إلى يوم البعث، قال بعضهم اذكروا الله فى الرخاء
يذكركم فى الشدة، فان يونس عليه السلام كان عبداً صالحاً ذاكرالله تعالى، فلما وقع فى بطن
الحوت قال اللّه تعالى فلولا أنه كان من المسبحين للبث فى بطنه إلى يوم يبعثون، وإن فرعون كان
عبداً طاغياً ناسياً ، فلما أدركه الغرق قال ( آمنت أنه لا إله إلا الذى آمنت به بنو إسرائيل) قال
الله تعالى (آلآن وقد عصيت قبل) واختلفوا فى أنه كم لبث فى بطن الحوت، ولفظ القرآن
لا يدل عليه . قال الحسن لم يلبث إلا قليلا وأخرج من بطنه بعد الوقت الذى التقمه، وعن مقاتل .
ابن حيان ثلاثة أيام وعن عطاء سبعة أيام وعن الضحاك عشرين يوماً وقيل شهراً ولا أدرى بأى
دليل عينوا هذه المقادير ، وعن أبى هريرة عن النبى ◌َيتم أنه قال (( سبح يونس فى بطن الحوت
فيسمعت الملائكة تسبيحه فقالوا ربنا إنا نسمع صوتاً ضعيفاً بأرض غريبة، فقال ذاك عبدى يونس
عصانى خبسته فى بطن الحوت فى البحر ، فقالوا العبد الصالح الذی کان یصعد إليك منه فی کل یوم
وليلة عمل صالح؟ قال نعم، فشفعوا له فأمر الحوت فقذفه فى الساحل ، فذاك هو قوله ( فنبذناه
بالعراء) وفيه مباحث:
﴿ الأول) العراء المكان الخالى قال أبو عبيدة إنما قيل له العراء لأنه لا شجرفيه ولاشىء يغطيه.
﴿ الثانى) أنه تعالى قال (فنبذناه بالعراء) فأضاف ذلك النبذ إلى نفسه، والنبذ إنما حصل
بفعل الحوت ، وهذا يدل على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى.

١٦٦
قوله تعالى : فأستفتهم ألربك البنات - سورة الصَّافات .
فَاسْتَفْتِهِمْ أَبِّكَ الْبَنَاتُ وَهُمُ الْبَنُونَ (٤) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَبِكَةَ إِنَّئًا وَهُمْ
ثم قال تعالى (وهو سقيم) قيل المراد أنه بلى لحمه وصار ضعيفاً كالطفل المولود كالفرخ
الممعط الذى ليس عليه ريش ، وقال مجاهد سقيم أى سليب .
ثم قال تعالى (وأنبتنا عليه شجرة من يقطين) ظاهر اللفظ يدل على أن الحوت لما نبذه فى
العراء فالله تعالى أنبت عليه شجرة من يقطين وذلك المعجز له، قال المبرد والزجاج كل شجر لا يقوم
على ساق وإنما يمتد على وجه الأرض فهو يقطين ، نحو الدباء والحتظل والبطيخ، قال الزجاج
أحسب اشتقاقها من قطن بالمكان إذا أقام به وهذا الشجر ورقه كله على وجه الأرض فلذلك قيل
له اليقطين، روى الفراء أنه قيل عند ابن عباس هو ورق القرع، فقال ومن جعل القرع من بين
الشجر يقطيناً كل ورقة اتسعت وسترت فهى يقطين، قال الواحدى رحمه الله والآية تقتضى شيئين
لم يذكرهما المفسرون (أحدهما) أن هذا اليقطين لم يكن قبل فأنبته الله لأجله (والآخر ) أن
اليقطين كان معروشاً ليحصل له ظل ، لأنه لو كان منبسطاً على الأرض لم يمكن أن يستظل به
ثم قال تعالى ( وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون) وفيه مباحث:
﴿إلأول) يحتمل أن يكون المراد وأرسلناه قبل أن يلتقمه الحوت وعلى هذا الإرسال وإن
ذكر بعد الالتقام، فالمراد به التقديم والواو معناها الجمع، ويحتمل أن يكون المراد به الإرسال بعد
الالتقام، عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال كانت رسالة يونس عليه السلام بعد مانبذه الحوت،
وعلى هذا التقدير يجوز أن يكون أرسل إلى قوم آخرين سوى القوم الأول، ويجوز أن يكون
أرسل إلى الأولين ثانياً بشريعة فآمنوا بها.
﴿ البحث الثانى) ظاهر قوله (أو يزيدون) يوجب الشك وذلك على الله تعالى محال ونظيره
قوله تعالى (عذراً أو نذراً) وقوله تعالى (لعله يتذكر أو يخشى) وقوله تعالى (لعلهم يتقون أو
يحدث لهم ذكرا) وقوله تعالى ( وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب) وقوله تعالى
(فكان قاب قوسين أو أدنى) وأجابوا عنه من وجوه كثيرة والأصح منها وجه واحد وهو أن
يكون المعنى أو يزيدون فى تقديرلم بمعنى أنهم إذا رآهم الرائى قال هؤلاء مائة ألف أويزيدون على
المائة، وهذا هو الجواب عن كل ما يشبه هذا .
ثم قال تعالى ( فآمنوا فتعناهم إلى حين) والمعنى أن أولئك الأقوام لما آمنوا أزال الله
الخوف عنهم وآمنهم من العذاب ومتعهم الله إلى حين ، أى إلى الوقت الذى جعله الله أجلا لشكل
واحد منهم .
قوله تعالى: ﴿فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون، أم خلقنا الملائكة إناثاً وم شاهدون،

١٦٧
قوله تعالى : فأستفتهم ألربك البنات . سورة الصَّافات .
شَهِدُونَ (٥) أَلَآ إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (3) وَلَ اللَّهُ وَ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ (3) أَصْطَفَى
مَالَكُمْ كَيْفَ تَحْكُونَ (8) أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (َ، أَمْ لَكُمْ
١٥٣
الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ
سُلْطَانٌ مُبِينُ (ثَه فَأْتُواْ بِكِتَبِكُمْ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ﴾ وَجَعَلُواْبَيْنَهُ، وَبَيْنَ الْجِنَّةِ
تَسَبَّأَ وَلَقَدْ عَلِيَتِ الْخِنَّهُ لَهُمْ لَمُحْضَرُونَ (٥) سُبْحَنَ اللَّهِعَمَّا يَصِفُونَ (3).
إلَّ
عِبَادَ اللهِالْمُخْلِصِينَ
ألا إنهم من إفكهم ليقولون، ولد الله وإنهم لكاذبون ، أصطفى البنات على البنين، ما لكم كيف
تحكمون ، أفلا تذكرون ، أم لكم سلطان مبين، فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين ، وجعلوا بينه
وبين الجنة نسباً ، ولقد علمت الجنة أنهم لمحضرون ، سبحان الله عمايصفون، إلا عباد الله المخلصين﴾
وفيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ اعلم أنه تعالى لما ذكر أقاصيص الأنبياء عليهم السلام عاد إلى شرح
مذاهب المشركين وبيان قبحها وسخافتها، ومن جملة أقوالهم الباطلة أنهم أثبتوا الأولاد لله سبحانه
وتعالى، ثم زعموا أنها من جنس الإناث لا من جنس الذكور فقال ( فاستفتهم ألربك البنات
ولهم البنون ) وهذا معطوف على قوله فى أول السورة ( فاستفتهم أهم أشد خلفاً أمن خلقنا )
وذلك لأنه تعالى أمر رسوله صلى الله عليه وسلم باستفتاء قريش عن وجه إنكار البعث أولا ثم
ساق الكلام موصولا بعضه ببعض إلى أن أمره بأن يستفتيهم فى أنهم لم أثبتوا لله سبحانه البنات
ولأنفسهم البنين ، ونقل الواحدى عن المفسرين أنهم قالوا إن قريشاً وأجناس العرب جهينة وبنى
سلمة وخزاعة وبنى مليح قالوا الملائكة بنات الله، واعلم أن هذا الكلام يشتمل على أمرين:
(أحدهما ) إثبات البنات لله وذلك باطل لأن العرب كانوا يستنكفون من البنت، والشىء الذى
يستنكف المخلوق مته كيف يمكن إثباته للخالق ( والثانى) إثبات أن الملائكة إناث: وهذا
أيضاً باطل لأن طريق العلم إما الحس وإما الخبر وإما النظر ، أما الحس فمفقودههنا لأنهم ماشهدوا
كيفية تخليق اللّه الملائكة وهو المراد من قوله (أم خلقنا الملائكة إناثاً وهم شاهدون )
وأما الخبر فمنقود أيضاً لأن الخبر إنما يفيد العلم إذا علم كونه صدقا قطعاً وهؤلاء الذين يخبرون
عن هذا الحكم كذابون أفاكون، لم يدل على صدقهم لادلالة ولا أمارة، وهو المراد من قوله
( ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله وإنهم لكاذبون) واما النظر فمفقود وبيانه من وجهين

١٦٨
قوله تعالى : أصطفى البنات على البنين . سورة الصَّافات .
(الاول) أن دليل العقل يقتضى فساد هذا المذهب. لأن الله تعالى أكمل الموجودات، والأكمل
لا يليق به اصطفاء الأخس وهو المراد من قوله (أصطفى البنات على البنين، مالكم كيف تحكمون)
يعنى إسناد الأفضل إلى الأفضل أقرب عند العقل من إسناد الأخس إلى الأفضل ، فان كان حكم
العقل معتبراً فى هذا الباب كان قولكم باطلا ( والوجه الثانى) أن نترك الاستدلال على فساد
مذهبهم، بل نطالبهم بإثبات الدليل الدال على صحة مذهبهم. فاذا لم يجدوا ذلك الدليل فضده يظهر أنه
لم يوجد ما يدل على صحة قولهم وهذا هو المراد من قوله (أم لكم سلطان مبين. فأتوا بكنابكم إن
كنتم صادقين) فثبت بماذكرنا أن القول الذى ذهبو إليه لم يدل على صحته، لا الحس ولا الخبر
ولا النظر ، فكان المصير إليه باطلا قطعاً ، واعلم أنه تعالى لما طالبهم بما يدل على صحة مذهبهم دل
ذلك على أن التقليد باطل ، وأن الدين لا يصح إلا بالدليل.
﴿ المسألة الثانية) قوله (أصطفى البنات على البنين ) قراءة العامة بفتح الهمزة وقطعها من
(أصطفى) ثم بحذف ألف الوصل وهو استفهام توبيخ وتقريع، كقوله تعالى ( أم اتخذ ما يخلق
بنات) وقوله تعالى (أم له البنات ولكم البنون) وقوله تعالى (ألكم الذكر وله الأنثى) وكما أن
هذه المواضع كلها استفهام فكذلك فى هذه الآية، وقرأ نافع فى بعض الروايات ( لكاذبون
اصطفى) موصولة بغير استفهام، وإذا ابتدأ كسر الهمزة على وجه الخبر والتقدير اصطفى البنات
فى زعمهم كقوله ( ذق إنك أنت العزيز الكريم) فى زعمه واعتقاده.
ثم قال تعالى (وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً) واختلفوا فى المراد بالجنة على وجوه (الأول) قال
مقاتل أثبتوا نسباً بين اللّه تعالى وبين الملائكة حين زعموا أمهم بنات اللّه، وعلى هذا القول فالجنة هم
الملائكة سموا جناً لاجتنانهم عن الأبصار أو لأنهم خزان الجنة ، وأقول هذا القول عندى مشكل،
لأنه تعالى أبطل قولهم الملائكة بنات اللّه، ثم عنطف عليه قوله (وجعلوابينه وبين الجنة نسباً) والعطف
يقتضى كون المعطوف مغايراً للمعطوف عليه، فوجب أن يكون المراد من هذه الآية غير ما تقدم
(الثانى) قال مجاهد قالت كفار قريش الملائكة بنات اللّه. فقال لهم أبوبكر الصديق فمن أمهاتهم؟
قالوأسروات الجن ، وهذا أيضاً عندى بعيدلأن المصاهرة لاتسمى نسباً (والثالث) روينا فى تفسير
قوله تعالى ( وجعلوا لله شركاء الجن) أن قوماً من الزنادقة يقولون اللّه وإبليس أخوان فالله الخير
الكريم وإبليس هو الأخ الشرير الخسيس، فقوله تعالى (وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً) المراد منه
هذا المذهب ، وعندى أن هذا القول أقرب الأقاويل. وهو مذهب المجوس القائلين بيزدان واهر من(١)
ثم قال تعالى (ولقد علمت الجنة أنهم لمحضرون) أى قد علمت الجنة أن الذين قالوا هذا القول
محضرون النار ويعذبون وقيل المراد ولقد علمت الجنة أنهم سيحضرون فى العذاب ، فعلى القول
الأول الضمير عائد إلى قائل هذا القول ، وعلى القول الثانى عائد إلى الجنة أنفسهم، ثم إنه تعالى
(١) يزدان وإهرمن أى الشر والخير أو النور والظلمة وهذا المذهب هو المذهب المعروف بمذهب المانوية نسبة إلى مما في؛
:

١٦٩
قوله تعالى : فانكم وما تعبدون . سورة الصَّافات .
فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (٦) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَتِنِينَ (﴾ إِلَّ مَنْ هَوَ صَالِ الْجَحِيمِ
وَإِنَّا لَنَحْنُ
١٦٥
وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّآَفُّونَ
مِنَّا إِلَّا لَهُ, مَقَامُ مَعْلُوم (3)
وَمَا
الْمُسَبِّحُونَ ﴿ وَإِن كَانُوْ لَقُولُونَ ﴿﴾ لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينُّ
١٦٨
فَكَفَرُواْ بِهِ، فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ
لَكُنَّا عِبَادَ اللهِ الْمُخْلِصِينَ ﴿ـ
نزه نفسه عما قالوا من الكذب فقال ( سبحان الله عما يصفون، إلا عباد الله المخلصين ) وفى هذا
الاستثناء وجوه ، قيل استثناء من المحضرين ، يعنى أنهم ناجون، وقيل هو استثناء من قوله تعالى
( وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً ) وقيل هو استثناء منقطع من المحضرين، ومعناه ولكن المخلصين
برآء من أن يصفوه بذلك، والمخلص بكسر اللام من أخلص العبادة والاعتقاد لله وبفتحها من
أخلصه الله بلطفه والله أعلم .
قوله تعالى: ﴿ فإنكم وما تعبدون، ما أنتم عليه بفاتنين، إلا من هو صال الجحيم، وما منا إلا
له مقام معلوم، وإنا لنحن الصافون ، وإنا لنحن المسبحون ، وإن كانوا ليقولون. لوأن عندنا
ذكراً من الأولين، لكنا عباد الله المخلصين، فكفروا به فسوف يعلمون ﴾ فيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ أعلم أنه تعالى لما ذكر الدلائل على فساد مذهب الكفار أتبعه بما نبه
به على أن هؤلاء الكفار لا يقدرون على حمل أحد على الضلال إلا إذا كان قد سبق حكم الله فى
حقه بالعذاب والوقوع فى النار، وذكر صاحب الكشاف فى قوله ( فانكم وما تعبدون، ما أنتم
عليه بفاتنين ) قولين (الأول) الضمير فى (عليه) لله عز وجل معناه فانكم ومعبوديكم ما أنتم وهم
جميعاً بفاتنين على اللّه إلا أصحاب النار الذين سبق فى علم الله كونهم من أهل النار، فان قيل كيف
يفتنونهم على اللّه؟ قلنا يفتنونهم عليه بإغوائهم من قولك فتن فلان على فلان امرأته كما تقول
أقسدها عليه: (والوجه الثانى) أن تكون الواو فى قوله ( وما تعبدون) بمعنى مع كما فى قولهم
كل رجل وضيعته ، فكما جاز السكوت على كل رجل وضيعته، فكذلك جاز أن يسكت على قوله
(فانكم وما تعبدون) لأن قوله ( وما تعبدون) ساد مسد الخبر، لأن معناه فانكم مع ما تعبدون،
والمعنى فانكم مع آلهتكم أى فانكم قر ناؤهم وأصحابهم لا تتركون عبادتها، ثم قال تعالى (ما أنتم عليه)
أى على ما تعبدون (بفاتنين) باعثين أو حاملين على طريق الفتنة والإضلال (إلا من هو صال الجحيم)
مثلكم. وقرأ الحسن ( صال الججيم) بضم اللام ووجهه أن يكون جمعاً وسقوط واوه لالتقاء

١٧٠
قوله تعالى : فانكم وما تعبدون ما أنتم . سورة الصَّافات .
الساكنين، فإن قيل كيف يستقيم الجمع مع قوله ( من هو) قلنا (من) موحد اللفظ مجموع المعنى
حمل هو على لفظه والصالون على معناه .
﴿ المسألة الثانية﴾ احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه لا تأثير لإغواء الشيطان ووسوسته،
وإنما المؤثر قضاء الله تعالى وتقديره، لأن قوله تعالى (فإنكم وما تعبدون ما أنتم عليه بفانتين)
تسريخ بأنه لا تأثير لقولهم ولا تأثير لأحوال معبوديهم فى وقوع الفتنة والضلال، وقوله تعالى
(إلا من هو صال الجحيم) يعنى إلا من كان كذلك فى حكم الله وتقديره، وذلك تصريح بأن المقتضى
لوقوع هذه الحوادث حكم الله تعالى، وكان عمر بن عبد العزيز يحتج بهذه الآية فى إثبات هذا
المطلوب ، قال الجبائى المراد أن الذين عبدوا الملائكة يزعمون أنهم بنات الله لا يكفرون أحداً
إلامن ثبت فى معلوم الله أنه سيكفر ، فدل هذا على أن من ضل بدعاء الشيطان لم يكن ليؤمن بالله
لو منع اللّه الشيطان من دعائه وإلا كان يمنع الشيطان، فصح بهذا أن كل من يعصى لم يكن ليصلح
عنه شىء من الأفعال (والجولب) حاصل هذا الكلام أنه لا تأثير لإغواء شياطين الإنس والجن.
وهذا لانزاع فيه إلا أن وجه الاستدلال أنه تعالى بين أنه لا تأثير لكلامهم فى وقوع الفتنة ، ثم
استثنى منه ما فى قوله تعالى (إلا من هو صال الجحيم ) فوجب أن يكون المراد من وقوع الفتنة
هو كونه محكوماً عليه بأنه صال الجحيم ، وذلك تصريح بأن حكم الله بالسعادة والشقاوة هو الذى
يؤثر فى حصول الشقاوة والسعادة . واعلم أن أصحابنا قرروا هذه الحجة بالحديث المشهور وهو أنه
حج آدم موسى ، قال القاضى هذا الحديث لم يقبله علماء التوحيد، لأنه يوجب أن لا يلام أحد على
شىء من الذنوب، لأنه إن كان آدم لا يجوزلموسى أن يلومه على عمل كتبه الله عليه قبل أن يخلقه،
فكذلك كل مذنب . فان صحت هذه الحجة لآدم عليه السلام، فلماذا قال موسى عليه السلام فى
الوكزة هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين؟ ولماذا قال فلن أكون ظهيراً للمجرمين؟ ولماذا
لام فرعون وجنوده على أمر كتبه الله عليهم؟ ومن عجيب أمرم أنهم يكفرون القدرية، وهذا
الحديث يوجب أن آدم كان قدرياً، فلزمهم أن يكفروه، وكيف مجوز مع قول آدم وحواء عليهما
السلام (ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين) أن يحتج على موسى
بأنه لا لوم عليه، وقد كتب عليه ذلك قبل أن يخلقه، هذا جملة كلام القاضى فيقال له هب أنك
لا تقبل ذلك الخبر، فهل ترد هذه لآاية أم لا، فإنا بينا أن صريح هذه الآية يدل على أنه لا تأثير
للوساوس فى هذا الباب، فإن الكل يحصل بحكمة اللّه تعالى، والذى يدك عليه وجوه (الأول) أن
الكافر إن ضل بسبب وسوسة الشيطان فضلال الشيطان إن كان بسبب شيطان آخر لزم تسلسل
الشياطين وهو محال، وإن انتهى إلى ضلال لم يحصل بسبب وسوسة متقدمة فهو المطلوب (الثانى)
أن كل أحد يريد أن يحصل لنفسه الاعتقاد الخو والدين الصدق، حصول ضده يدل على أن ذلك
ليس منه (الثالث ) أن الأفعال موقوفة على الدواعى وحصول الدواعى بخلق الله، فيكون الكل
:

١٧١
قوله تعالى : ولقد سبقت كلمتنا . سورة الصَّافات .
) إِنّهَمْ لَهُمَ الْمَنْصُورُ ونَ (*) وَ إِنَّ
=« درور
وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلَمَتْنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ
جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴿ فَوَلَّ عَنْهُمْ خَّى حِينٍ (٣) وَأَبْصِرُهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ
من اللّه تعالى (الرابع) أنه تعالى لما اقتضت حكمته شيئاً، وعلم وقوعه، فلو لم يقع ذلك الشىء تلزم
انقلاب ذلك الحكم كذباً وانقلاب ذلك العلم جهلا وهو محال، وأما الآيات التى تمسنك بها القاضى
فهى معارضة بالآيات الدالة على أن الكل من اللّه والقرآن كالبحر المملوء من هذه الآيات فتبقى
الدلائل العقلية التى ذكرناها سليمة ، والله أعلم.
ثم قال تعالى ؟( وما منا إلا له مقام معلوم) فالجمهور على أنهم الملائكة، وصفوا أنفسهم
بالمبالغة فى العبودية ، فانهم يصطفون للصلاة والتسبيح ، والغرض منه التنبيه على فساد قول
من يقول إنهم أولاد اللّه وذلك لأن مبالغتهم فى العبودية تدل على اعترافهم بالعبوديه، واعلم أن
هذه الآية تدل على ثلاثة أنواع من صفات الملائكة (فأولها) قوله تعالى ( ومامنا إلا له مقام
معلوم) وهذا يدل على أن لكل واحد منهم مرتبة لا يتجاوزها ودرجة لا يتعدى عنها ، وتلك
الدرجات إشارة إلى درجاتهم فى التصرف فى أجسام هذا العالم وإلى درجاتهم فى معرفة الله تعالى
أما درجاتهم فى التصرفات والأفعال فهى قوله ( وإنا لنحن الصافون ) والمراد كونهم صافين فى
أداء الطاعات ومنازل الخدمة والعبودية، وأما درجاتهم فى المعارف فهى قوله تعالى ( وإنا نحن
المسبحون) والقسمیح تنزيه الله عما لا يليق به .
واعلم أن قوله ( وإنا لنحن الصافون، وإنا لنحن المسبحون) يفيد الحصر ومعناه أنهم م
الصافون فى مواقف العبودية لا غيرهم وأنهم ثم المسبحون لا غير هم ، وذلك يدل على أن طاعات البشر
ومعارفهم بالنسبة إلى طاعات الملائكة وإلى معارفهم كالعدم، حتى يصح هذا الحصر. وبالجملة فهذه
الألفاظ الثلاثة تدل على أسرار عجيبة من صفات الملائكة فكيف يجوز مع هذا الحصر أن يقال
البشر تقرب درجته من الملك فضلا عن أن يقال هل هو أفضل منه أم لا .
وأما قوله ( وإن كانوا ليقولون لو أن عندنا ذكراً من الأولين لكنا عباد الله المخلصين)
فالمعنى أن مشركى قريش وغيرهم كانوا يقولون (لو أن عندنا ذكراً) أى كتاباً من كتب الأولين
الذين نزل عليهم التوراة والإنجيل لأخلصنا العبادة لله، ولما كذبنا كما كذبوا. ثم جاءهم الذكر الذى
هوسيد الأذكار والكتاب المهيمن على كل الكتب ، وهو القرآن فكفروا به. ونظير هذه الآية
قوله تعالى ( فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفوراً) ثم قال تعالى (فسوف يعلمون ) أى فسوف
يعلمون عاقبة هذا الكفر والتكذيب.
قوله تعالى: ﴿ولقد سبقت كلمتنالعبادنا المرسلين، إنهم لهم المنصورون، وإن جندنا لهم الغالبون،

١٧٢
قوله تعالى : أفبعذابنا يستعجلونك . سورة الصَّفات .
أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ
١٧٥
ـي فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَآءَ صَبَاحُ الْمُنْذَّرِينَ (0)
١٧٦
وَوَلَّ عَنْهُمْ خَّى حِينٍ ﴾ وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (َ سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِ الْعِزَةِ
◌َمَّا يَصِفُونَ (١٨) وَسَلَهُ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (٨) وَاَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِنّ ◌َ﴾
فتول عنهم حتى حين ، وأبصرهم فسوف يبصرون أفبعذابنا يستعجلون ، فإذا نزل بساحتهم فاء
صباح المنذرين ، وتول عنهم حتى حين ، وأبصر فسوف يبصرون ، سبحان ربك رب العزة عما
يصفون، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين
اعلم أنه تعالى لما هدد الكفار بقوله تعالى (فسوف يعلمون) أى عاقبة كفرهم أردفه بما يقوى
قلب الرسول صلى الله عليه وسلم فقال (ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين، إنهم لهم المنصورون،
وإن جندنا لهم الغالبون) فبين أن وعده بنصرته قد تقدم والدليل عليه قوله تعالى کتب الله لأ غلبن
أنا ورسلى، وأيضاً أن الخير مقضى بالذات والشر مقضى بالعرض ، وما بالذات أقوى مما بالعرض،
وأما النصرة والغلبة فقد تكون بقوة الحجة، وقد تكون بالدولة والاستيلاء، وقد تكون بالدوام
والثبات فالمؤمن وإن صار مغلوباً فى بعض الأوقات بسبب ضعف أحوال الدنيا فهو الغالب ، ولا يلزم
على هذه الآية أن يقال: فقد قتل بعض الأنبياء وقد هزم كثير من المؤمنين، ثم قال تعالى لرسوله
وقد أخبره بما تقدم (فتول عنهم حتى حين) والمراد ترك مقاتلتهم والثقة بما وعدناهم إلى حين
يتمتعون، ثم تحل بهم الحسرة والندامة، واختلف المفسرون فقيل المراد إلى يوم بدر، وقيل
إلى فتح مكة، وقيل إلى يوم القيامة ، ثم قال ( وأبصرم فسوف يبصرون) والمعنى فأبصرهم وما
يقضى عليهم من القتل والأسر فى الدنيا والعذاب فى الآخرة، فسوف يبصرونك مع ما قدر لك
من النصرة والتأييد فى الدنياوالثواب العظيم فى الآخرة، والمراد من الأمر المشاهد بأبصارهم على الحال
المنتظرة الموعودة الدلالة على أنها كائنة واقعة لا محالة، وأن كينونتها قريبة كأنها قدام ناظريك ،
وقوله (فسوف يبصرون) للتهديد والوعيد، ثم قال (أفبعذابنا يستعجلون) والمعنى أن الرسول
عليه السلام كان يهددهم بالعذاب ، وما رأوا شيئاً فكانوا يستعجلون نزول ذلك العذاب على
سبيل الاستهزاء، فبين تعالى أن ذلك الاستعجال جهل ، لأن لكل شىء من أفعال الله تعالى وقتاً
معيناً لا يتقدم ولا يتأخر، فكأن طلب حدوثه قبل مجىء ذلك الوقت جهلا، ثم قال تعالى فى صفة
العذاب الذى يستعجلونه ( فإذا نزل بساحتهم ) أى هذا العذاب (فساء صباح المنذرين) وإنما وقع
:

١٧٣
قوله تعالى : والحمد لله رب العالمين . سورة الصَّافات .
هذا التعبير عن هذه المعانى كأنهم كانوا يقدمون على العادة فى وقت الصباح، جعل ذكر ذلك
الوقت، كناية عن ذلك العمل ، ثم أعاد تعالى قوله (فتول عنهم حتى حين، وأبصر فسوف يبصرون)
فقيل المراد من هذه الكلمة فيما تقدم أحوال الدنيا، وفى هذه الكلمة أحوال القيامة ، وعلى هذا
التقدير فالتكرير زائل ، وقيل إن المراد من التكرير المبالغة فى التهديد والتهويل، ثم إنه تعالى ختم
السورة بخاتمة شريفة جامعة لكل المطالب العالية ، وذلك لأن أهم المهمات للعاقل معرفة أحوال
ثلاثة ( فأولها ) معرفة إله العالم بقدر الطاقة البشرية، وأقصى ما يمكن عرفانه من صفات الله تعالى
ثلاثة أنواع ( أحدما) تعزيهه وتقديسه عن كل ما لا يليق بصفات الإلهية ، وهو لفظة سبحان
(وثانيها) وصفه بكل ما يليق بصفات الإلهية وهو قوله (رب العزة) فإن الربوبية إشارة إلى
التربية وهى دالة على كمال الحكمة ، والرحمة والعزة إشارة إلى كمال القدرة (وثالثها) كونه منزهاً فى
الإلهية عن الشريك والنظير، وقوله (رب العزة) يدل على أنه القادر على جميع الحوادث، لأن
الألف واللام فى قوله (العزة) تفيد الاستغراق، وإذا كان الكل ملكا له وملكا له لم يبق لغيره
شىء، فثبت أن قوله (سبحان ربك رب العزة عما يصفون ) كلمة محتوية على أقصى الدرجات
وأكمل النهايات فى معرفة إله العالم ( والمهم الثانى) من مهمات العاقل أن يعرف أنه كيف ينبغى
أن يعامل نفسه ويعامل الخلق فى هذه الحياة الدنيوية ..
واعلم أن أ کثر الخلق ناقصون ولا بد لهم من مکمل یکلهم ، ومرشد برشدهم ، وهاد يهديهم،
وما ذاك إلا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وبديهة الفطرة شاهدة بأنه يجب على الناقص الاقتداء
بالكامل ، فنبه على هذا الحرف بقوله ( وسلام على المرسلين ) لأن هذا اللفظ يدل على أنهم فى
الكمال اللائق بالبشر فاقوا غيرهم ، ولا جرم يجب على كل من سواهم الاقتداء بهم (والمهم الثالث)
من مهمات العاقل أن يعرف أنه كيف يكون حاله بعد الموت .
واعلم أن معرفة هذه الحالة قبل الموت صعبة، فالإعتماد فيها على حرف واحد، وهو أنه إله
العالم غنى رحيم، والغنى الرحيم لا يعذب، فنبه على هذا الحرف بقوله (والحمد لله رب العالمين)
وذلك لأن استحقاق الحمد لا يحصل إلا بالإنعام العظيم، فبين بهذا كونه منعما، وظاهر كونه غنياً
عن العالمين ، ومن هذا وصفه كان الغالب منه هو الرحمة والفضل والكرم ، فكان هذا الحرف
منبهاً على سلامة الحال بعد الموت ، فظهر بما ذكرنا أن هذه الخاتمة كالصدفة المحتوية على درر
أشرف من درارى الكواكب ، ونسأل الله سبحانه وتعالى حسن الخاتمة والعافية فى الدنيا والآخرة.
ثم تفسير هذه السورة ضحوة يوم الجمعة السابع عشر من ذى القعدة سنة ثلاث وستمائة والحمد
لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد وآ له وصحبه وأزواجه وذرياته أجمعين.

١٧٤
( سورة ص )
(٣٨) سُؤْرَة صِنَكِيَّة
وَأَنَجَائِهَا شَانِ وَشَانُونَ
بِسْـ
ج
صَ وَالْقُرْءَانِ ذِى الذِّكْرِ ﴿ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِى عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (*) كَمْ أَمْلََْ
مِن قَبْلِهِم مِّن قَرٍْ فَنَادَواْ وَلَاتَ حِينَ مَّنَاصٍ(
باسم الله الرحمن الرحيم
وص والقرآن ذى الذكر ، بل الذين كفروا فى عزة وشقاق، كم أهلكنا من قبلهم من
قرن فنادوا ولات حين مناص ﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى ) الكلام المستقصى فى أمثال هذه الفوائح مذكور فى أول سورة البقرة
ولا بأس بإعادة بعض الوجوه (فالأول) أنه مفتاح أسماء الله تعالى التى أولها صاد، كقولنا صادق
الوعد ، صانع المصنوعات، صمد (والثانى) معناه صدق محمد فى كل ما أخبر به عن اللّه (الثالث) معناه
صد الكفار عن قبول هذا الدين ، كما قال تعالى (الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله) (الرابع)
معناه أن القرآن مركب من هذه الحروف وأنتم قادرون عليها ولستم قادرين على معارضة القرآن،
فدل ذلك على أن القرآن معجز (الخامس) أن يكون صاد بكسر الدال من المصادة وهى المعارضة
ومنها الصدى وهو ما يعارض صوتك فى الأماكن الخالية من الأجسام الصلبة ، ومعناه عارض
القرآن بعملك فاعمل بأوامره وانته عن نواهيه (السادس) أنه اسم السورة والتقدير هذه صاد ،
فإن قيل ههنا إشكالان (أحدهما) أن قوله (والقرآن ذى الذكر) قسم وأين المقسم عليه؟ (والثانى)
أن كلمة (بل) تقتضى رفع حكم ثبت قبلها، وإثبات حكم بعدها يناقض الحكم السابق، فأين هذا
المعنى ههنا؟ (والجواب) عن الأول من وجوه (الأول) أن يكون معنى صاد، بمعنى صدق محمد ثبت ،
فيكون صاد هو المقسم عليه، وقوله (والقرآن ذى الذكر) هو القسم (الثانى) أن يكون المقسم عليه
محذوفاً، والتقدير سورة (ص والقرآن ذى الذكر) أنه لكلام معجز، لأنا بينا أن قوله (ص) تنبيه
على التحدى (والثالث) أن يكون صاد اسماً للسورة، ويكون التقدير هذه ص والقرآن ذى الذكر،
ولما كان المشهور أن محمداً عليه السلام يدعى فى هذه السورة كونها معجزة، كان قوله هذه (ص)
جارياً مجرى قوله: هذه هى السورة المعجزة، ونظيره قولك هذا حاتم والله، أى هذا هو المشهور

١٧٥
قوله تعالى : بل الذين كفروا . سورة ص .
بالسخاء (والجواب) عن السؤال الثانى أن الحكم المذكور قبل كلمة (بل(١)) أما ماذكره المفسر كون
محمد صادقاً فى تبليغ الرسالة أو كون القرآن أو هذه السورة معجزة والحكم المذكور بعد كلمة (بل)
ههنا هو المنازعة والمشاقة فى كونه كذلك فصل المطلوب، والله أعلم .
﴿ المسألة الثانية) قرأ الحسن صاد بكسر الدال لأجل التقاء الساكنين، وقرأ عيسى بن عمر
ينصب صاد ونون وبحذف حرف القسم وإيصال فعله كقولهم اللّه لأفعلن، وأكثر القراء على
الجزم لأن الأسماء الغارية عن العوامل تذكر موقوفة الأواخر.
﴿ المسألة الثالثة﴾ فى قوله ذى الذكر وجهان (الأول) المراد ذى الشرف، قال تعالى (وإنه
الذكر لك ولقومك) وقال تعالى ( لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم) ومجاز هذا من قولهم لفلان
ذكر فى الناس ، كما يقولون له صيت (الثانى) ذى البيانين أى فيه قصص الأولين والآخرين، وفيه
بيان العلوم الأصلية والفرعية ومجازه من قوله ( ولقد يسريا القرآن للذكر فهل من مذكر).
﴿ المسألة الرابعة) قالت المعتزلة القرآن ذى الذكر والذكر محدث (بيان الأول) قوله
تعالى ( وإنه لذكر لك ولقومك، وهذا ذكر مبارك، والقرآن ذى الذكر، إن هو إلا ذكروقرآن
مبين) و ( بيان الثانى) قوله ( مايأتيهم من ذكر من ربهم محدث) وقوله (ما يأتيهم من ذكر من
الرحمن محدث ) (والجواب) أنا نصرف دليلكم إلى الحروف والأصوات وهى محدثة.
أما قوله ( بل الذين كفروا ) فالمراد منه الكفار من رؤساء قريش الذين يجوز على مثلهم
الإجماع على الحسد والتكبر عن الإنقياد إلى الحق ، والعزة ههنا التعظيم وما يعتقده الإنسان فى
نفسه من الأحوال التى تمنعه من متابعة الغير لقوله تعالى ( وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة
بالإثم ) والشقاق هو إظهار المخالفة على جهة المساواة للمخالف أو على جهة الفضيلة عليه، وهو
مأخوذ من الشق كأنه يرتفع عن أن يلزمه الانقياد له بل يجعل نفسه فى شق وخصمه فى شق،
فيريد أن يكون فى شقة نفسه ولا يجرى عليه حكم خصمه ، ومثله المعاداة وهو أن يكون
أحدهما فى عدوة والآخر فى عدوة ، وهى جانب الوادى ، وكذلك المحادة أن يكون هذا فى
حد غير حد الآخر ، ويقال انحرف فلان عن فلان وجانب فلان فلاناً أى صار منه على حرف
وفى جانب غير جانبه والله أعلم، ثم إنه تعالى لما وصفهم بالعزة والشقاق خوفهم فقال (كم
أهلكنا قبلهم من قرن فنادوا) والمعنى أنهم نادوا عند نزول العذاب فى الدنيا ولم يذكر بأى شىء
نادوا، وفيه وجره (الأول) وهو الأظهر أنهم نادوا بالاستغاثة لأن نداء من نزل به العذاب ليس
إلا بالاستغاثة ( الثانى) نادوا بالإيمان والتوبة عند معاينة العذاب (الثالث) نادوا أى رفعوا.
أصواتهم، يقال فلان أندی صوتاً من فلان أی ارفع صوناً ، ثم قال ( ولات حين مناص) يعنى
(١) الحكم الذى قبل كلمة (بل) هو وصف القرآن بأنه تذكير لهم بوجوب التوحيد والايمان بالله ورسله واليوم الآخر وكل ما
تفيده كلمه ذى الذكر وهذا هو الحكم المتبادر من ظاهر الآية ، وبهذا يكون للاضراب بيل معنى ويجرى الكلام على الأساليب
العربية. فهو قبيل الاستنتاج والاعتماد على ماجاء بعدزبل) من الآيات والاضراب لا يكون عن حكم لم يذكر .

١٧٦
قوله تعالى : وعجبوا ان جاءهم منذر منهم . سورة ص .
وَهُوَاْ أَن جَاءَهُمْ مُنذِرٌ مِنْهُمْ وَقَلَ الْكَفِرُونَ هَذَا سَِرْ كَذَابٌ (*) أَجَعَلَ
اَلْكَلِمَةَ إِلَّهَا وَإِدًا إِنَّ هَذَا لَشَىْءٌ مُجَابٌ (٤) وَأَنْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ آَمَنُواْ
وَأَصْبِرُواْ عَّءَ الِكُمَّ إِنَّ هَذَا لَشَىْءٌ يُرَادُ (يَ مَاسَمِعْنَا بِهَذَا فِ الْمِلَّةِ الْآَخِرَةِ
إِنْ هَذَآ إِلَّ أَخْتِلَقُّ ﴾
ولم يكن ذلك الوقت وقت فرار من العذاب وهو كقوله (فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا) وقال
(حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون) والجوار رفع الصوت بالتضرع والاستغاثة
وكقوله (آلآن وقد عصيت قبل) وقوله (فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا) بقى ههنا أبحاث:
﴿ البحث الأول ) فى تحقيق الكلام فى لفظ (لات) زعم الخلیل و سپیویه آن لات هی لا
المشبهة بليس زيدت عليها تاء التأنيث كما زيدت على رب وثم للتأكيد، وبسبب هذه الزيادة حدثت
لها أحكام جديدة ، منها أنها لا تدخل إلا على الأحيان، ومنها أن لا يبرز إلا أحد جزميها، إما الاسم
وإما الخبر ويمتنع بروزهما جميعاً، وقال الأخفش إنها لا النافية للجنس زيدت عليها التاء وخصت
بنى الأحيان (وحين مناص) منصوب بها كأنك قلت ولات حين مناص لهم ويزتفع بالإبتداء أى
ولات حين مناص كان لهم .
﴿ البحث الثانى) الجمهور يقفون على التاء من قوله ( ولات) والكسائى يقف عليها بالها.
كما يقف على الأسماء المؤنثة، قال صاحب الكشاف: وأما قول أبى عبيدة التاء داخلة على الحين
فلا وجه له، واستشهاده بأن التاء ملتزقة بحين فى مصحف عثمان فضعيف فكم وقعت فى المصحف
أشياء خارجة عن قياس الخط .
﴿ البحث الثالث ) المناص المنجا والغوث، يقال ناصه ينوصه إذا أغائه، واستناص طلب
المناص، والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب، أجعل الآلهه
إلهاً واحداً إن هذا لشىء جاب، وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا الشى.
يراد، ماسمعنا بهذا فى الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق﴾.
أعلم أنه تعالى لما حكى عن الكفار كونهم فى عزة وشقاق أردفه بشرح كلماتهم الفاسدة فقال
(وحجبوا أن جاءهم منذر منم) فى قوله (منهم) وجهان ( الأول) أنهم قالوا إن محمداً مساو لنا فى
الخلفة الظاهرة والأخلاق الباطة والنسب والشكل والصورة ، فكيف يعقل أن يختص من بيتنا
بهذا الإصب العالى والدرجات الرفيعة ( والثانى) أن الغرض من هذه الكلمة التنبيه على كمال

١٧٧
قوله تعالى : وقال الكافرون هذا ساحر . سورة ص .
جهالتهم، وذلك لأنه جاءهم رجل يدعوهم إلى التوحيد وتعظيم الملائكة والترغيب فى الآخرة ،
والتنفير عن الدنيا، ثم إن هذا الرجل من أقاربهم يعلمون أنه كان بعيداً من الكذب والتهمة ؛ وكل
ذلك مما يوجب الاعتراف بتصديقه، ثم إن هؤلاء الأقوام لحماقتهم يتعجبون من قوله ، ونظيره
قوله ( أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون ) فقال ( وعجبوا أن جاءهم منذر منهم ) ومعناه أن
محمداً كان من رهطهم وعشيرتهم وكان مساوياً لهم فى الأسباب الدنيوية فاستنكفوا من الدخول
تحت طاعته ومن الانقياد لتكاليفه، ويعجبوا أن يختص هو من بينهم برسالة الله وأن يتميز عنهم
بهذه الخاصية الشريفة ، وبالجملة فما كان لهذا التعجب سبب إلا الحسد.
ثم قال تعالى ( وقال الكافرون هذا ساحر كذاب) وإنما لم يقل وقالوا بل قال ( وقال
الكافرون ) إظهاراً للتعجب ودلالة على أن هذا القول لا يصدر إلا عن الكفر التام ، فإن الساحر
هو الذى يمنع من طاعة الله ويدعو إلى طاعة الشيطان وهو عندكم بالعكس من ذلك والكذاب
هو الذى يخبر عن الشىء لا على ماهو عليه وهو يخبر عن وجود الصانع القديم الحكيم العليم وعن
الحشر والنشر وسائر الأشياء التى تثبت بدلائل العقول صحتها فكيف يكون كذاباً، ثم إنه تعالى
حكى جميع ما عولوا عليه فى إثبات كونه كاذباً وهى ثلاثة أشياء (أحدها) ما يتعلق بالإلهيات
( وثانيها) ما يتعلق بالنبوات (وثالثها) ما يتعلق بالمعاد ، أما الشبهة المتعلقة بالإلهيات فهى قولهم
(أجعل الآلهة إلها واحداًإن هذا الشىء عجاب) روى أنه لما أسلم عمر فرح به المسلمون فرحاً شديداً
وشق ذلك على قريش فاجتمع خمسة وعشرون نفساً من صناديدهم ومشوا إلى أبى طالب وقالوا
أنت شيخنا وكبيرنا وقد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء يعنون المسلمين فتناك لتقضى بيننا وبين ابن
أخيك فاستحضر أبو طالب رسول اللّه مَّ اله وقال يا ابن أخى هؤلاء قومك يسألونك السؤال
فلا تمل كل الميل على قومك، فقال ◌ِ ليتم ماذا يسألوننى، قالوا ارفضنا وارفض ذكر آلهتنا وندعك
وإلهك، فقال ◌ِ يتم أرأيتم إن أعطيتكم ماسألتم أتعطونى أنتم كلمة واحدة تملكون بها العرب وقدين
لكم العجم ؟ قالوا نعم، قال تقولوا لا إله إلا الله، فقاموا وقالوا (أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا
لشيء عجاب) أى بليغ فى التعجب وأقول منشأ التعجب من وجهين (الأول) هو أن القوم ما كانوا
من أصحاب النظر والاستدلال بل كانت أوهامهم تابعة للمحسوسات فلما وجدوا فى الشاهد أن
.الفاعل الواحد لاتفى قدرته وعمله بحفظ الخلق العظيم قاسوا الغائب على الشاهد ، فقالوا لا بد فى
حفظ هذا العالم الكثير من آلهة كثيرة يتكفل كل واحد منهم بحفظ نوع آخر ( الوجه الثانى)
أن أسلافهم لكثرتهم وقوة عقولهم كانوا مطبقين على الشرك ، فقالوا من العجب العجيب أن يكون
أولئك الأقوام على كثرتهم وقوة عقولهم كانوا جاهلين مبطلين ، وهذا الإنسان الواحديكون محقاً
صادقاً، وأقول لعمرى لوسلمنا إجراء حكم الشاهد على الغائب من غير دليل وحجة، لكانت الشبهة
الأولى لازمة، ولما توافقنا على فسادها علمنا أن إجراء حكم الشاهد على الغائب فاسد قطعاً. وإذا
بطلت هذه القاعدة فقد بطل أصل كلام المشبهة فى الذات وكلام المشبهة فى الأفعال ، أما المشبهة
الفخر الرازي - ج ٢٦ م ١٢

١٧٨
قوله تعالى: ما سمعنا بهذا في المله الآخرة. سورة ص.
فى الذات فهو أنهم يقولون لما كان كل موجود فى الشاهد يجب أن يكون جسمها ومختصاً
بحيز وجب فى الغائب أن يكون كذلك، وأما المشبهة فى الأفعال فهم المعتزلة الذين يقولون إن
"الأمر الفلانى قبيح منا، فوجب أن يكون قبيحاً من الله، فثبت بما ذكرنا أنه إن صح كلام هؤلاء
المشبهة فى الذات وفى الأفعال لزم القطع بصحة شبهة هؤلاء المشركين، وحيث توافقنا على فسادها
علمنا أن عمدة كلام المجسمة وكلام المعتزلة باطل فاسد. وأما الشبهة الثانية فلعمرى لو كان التقليد
حقاً لكانت هذه الشبهة لازمة وحيث كانت فاسدة علمنا أن التقليد باطل بقى ههنا أبحاث :.
﴿ البحث الأولى ) أن العجاب هو العجيب إلا أنه أبلغ من العجيب كقولهم طويل وطوال
وعريض وعراض وكبير وكبار وقد يشدد للبالغة كقوله تعالى (ومكروا مكرأً كباراً).
( الثانى) قال صاحب الكشاف قرى. عجاب بالتخفيف والتشديد فقال والتشديد أبلغ من
التخفيف كقوله تعالى ( مكراً كباراً).
ثم قال تعالى ( وأنطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم) قد ذكرنا أن الملأ عبارة
عن القوم الذين إذا حضروا فى المجلس فانه تمتلىء القلوب والعيون من مهابتهم وعظمتهم، وقوله
(منهم) أى من قريش انطلقوا عن مجلس أبى طالب، بعد ما بكتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم
بالجواب العتيد قائلين بعضهم لبعض ( أن امشوا واصبروا على آلهتكم) وفيه مباحث:
﴿ البحث الأول) القراءة المشهورة أن امشوا وقرأ ابن أبى عبلة امشوا بحذف أن قال
صاحب الكشاف أن بمعنى أى لأن المنطلقين عن مجلس التقاول لا بدلهم من أن يتكلموا
ويتفاوضوا فيما يجرى فى المجلس المتقدم ، فكان انطلاقهم مضمناً معنى القول، وعن ابن عباس:
وانطلق الملأ منهم يمشون .
﴿البحث الثانى) معنى أن امشوا أنه قال بعضهم لبعض امشوا واصبروا، فلا حيلة لمكم فى
دفع أمر محمد، إن هذا لشىء يراد، وفيه ثلاثة أوجه (أحدها) ظهور دين محمد صلى الله عليه وسلم
ليس له سبب ظاهر يثبت أن تزايد ظهوره ليس إلا لأن الله يريده، وما أراد الله كونه فلادافع له
( وثانيها) أن الأمر كشىء من نوائب الدهر فلا انفكاك لنا منه ( وثالثها) أن دينكم لشىء يراد
أى يطلب ليؤخذ منكم، قال القفال هذه كلمة تذكر التهديد والتخويف وكان معناها أنه ليس غرض
محمد من هذا القول تقرير الدين، وإنما غرضه أن يستولى علينا فيحكم فى أموالنا وأولادنا بما يريد.
ثم قال (ما سمعنا بهذا فى الملة الآخرة)) والملة الآخرة هى ملة النصارى فقالوا إن هذا التوحيد
الذى أتى به محمد ربيع ما سمعناه فى دين النصارى، أو يكون المراد بالملة الآخرة ملة قريش التى
أدركوا آباءهم عليها، ثم قالوا إن هذا إلا اختلاق) افتعال وكذب، وحاصل الكلام من هذا الوجه
أنهم قالوا نحن ما سمعنا عن أسلافنا القول بالتوحيد، فوجب أن يكون باطلا، ولو كان القول بالتقليد
حقاً لكان كلام هؤلاء المشركين حقاً ، وحيث كان باطلا علمنا أن القول بالتقليد باطل.

١٧٩
قوله تعالى : أأنزل عليه الذكر في بيننا . سورة ص .
أَهُنزِلَ عَلَيْهِ الَّكُمِنْ بَغِنًا بَلْ مُمْ فِ شَةٍ مِّنْ ذِكْرِىَّ بَل لَّمَّايَذُوقُواْ عَذَابٍ
تَ أَمْ عِندَهُمْنَيْنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيِ الْوَهَّابِ ﴾ أَمْ نَهُ مُّكُ السَّمَوَّتِ
وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَّا فَلْيَتَقُواْ فِ الْأَسْبَابِ (﴾ جُنْدٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّنَ
الْأُخْزَابِ
قوله تعالى : ﴿ أأنزل عليه الذكر من بيننا بل هم فى شك من ذكرى بل لما يذوقوا عذاب ، أم
عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب، أم لهم ملك السموات والأرض وما بينهما فليرتقوا فى
الأسباب ، جند ماهنالك مهزوم من الأحزاب ﴾.
اعلم أن هذا هو الشبهة الثالثة لأولئك الكفار وهى الشبهة المتعلقة بالنبوات وهى قولهم إن
محمداً لما كان مساوياً لغيره فى الذات والصفات والخلقة الظاهرة والأخلاق الباطنة فكيف يعقل
أن يختص هو بهذه الدرجة العالية والمنزلة الشريفة؟ وهو المراد من قولهم (أأنزل عليه الذكر من
بيننا) فانه استفهام على سبيل الإنكار ، وحكى الله تعالى عن قوم صالح أنهم قالوا مثل هذا القول
فقالوا (أألقى الذكر عليه من بيننا بل هو كذاب أشر) وحكى الله تعالى عن قوم محمد عَّ الذي أيضاً
أنهم قالوا ( لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ) وتمام الكلام فى تقرير هذه
الشبهة: أنهم قالوا النبوة أشرف المراتب، فوجب أن لا تحصل إلا لأشرف الناس ومحمدليس أشرف
الناس، فوجب أن لاتحصل له والنبوة، والمقدمتان الأوليان حقيتان لكن الثالثة كاذبة وسبب رواج
هذا التغليط عليهم أنهم ظنوا أن الشرف لا يحصل إلا بالمال والأعوان وذلك باطل ، فان
مراتب السعادة ثلاثة أعلاها هى النفسانية وأوسطها هى البدنية وأدونها هى الخارجية
وهى المال والجاه، فالقوم عكسوا القضية وظنوا بأخس المراتب أشر فها فلما وجدوا المال والجاه
عند غيره أكثر ظنوا أن غيره أشرف منه ، فيفئذ انعقد هذا القياس الفاسد فى أفكارهم ، ثم إنه
تعالی أجاب عن هذه الشبهة من وجوه (الأول ) قوله تعالى( بل هم فی شك من ذکری بل لما
يذوقوا عذاب) وفيه وجهان (أحدهما) أن قوله (بل هم فى شك من ذكرى) أى من الدلائل
التى لو نظروا فيها لزال هذا الشك عنهم وذلك لأن كل ما ذكروه من الشبهات فهى كلمات ضعيفة
وأما الدلائل التى تدل بنفسها على صحة نبوته ، فهى دلائل قاطعة فلو تأملوا حق التأمل فى الكلام
لوقفوا على ضعف الشبهات التى تمسكوا بها فى إبطال النبوة ، ولعرفوا صحة الدلائل الدالة على صحة
نبوته ، حیث لم يعرفوا ذلك كان لأجل أنهم تركوا النظر والاستدلال، فأما قوله تعالى (بل !)

١٨٠
قوله تعالى : جند ما هنالك مهزوم . سورة ص .
يذوقوا عذاب) فوقعه من هذا الكلام أنه تعالى يقول هؤلاء إنما تركوا النظر والاستدلال
لأنى لم أذقهم عذابى، ولو ذاقوه لم يقع منهم إلا الإقبال على أداء المأمورات والانتهاء عن المنهيات
(وثانيها) أن يكون المراد من قوله ( بل هم فى شك سن ذكرى هو أن النبى صلى الله عليه وسلم
كان يخوفهم من عذاب الله لو أصروا على الكفر، ثم إنهم أصروا على الكفر، ولم ينزل عليهم
العذاب، فصار ذلك سبباً لشكهم فى صدقه ، وقالوا (اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر
علينا حجارة من السماء ) فقال ( بل هم فى شك من ذكرى ) معناه ماذكرناه، وقوله تعالى ( بل
لما يذوقوا عذاب) معناه أن ذلك الشك إنما حصل يسبب عدم نزول العذاب ( والوجه
الثانى ) من الوجوه التى ذكرها الله تعالى فى الجواب عن تلك الشبهة قوله تعالى (أم عندهم خزائن
رحمة ربك العزيز الوهاب) وتقرير هذا الجواب أن منصب النبوة منصب عظيم ودرجة عالية
والقادر على هبتها يجب أن يكون عزيزاً أى كامل القدرة ووهابً أى عظيم الجود وذلك هو الله
سبحانه وتعالى ، وإذا كان هو تعالى كامل القدرة وكامل الجود، لم يتوقف كونه واهباً لهذه النعمة
على كون الموهوب منه غنياً أو فقيراً، ولم يختلف ذلك أيضاً بسبب أن أعداءه يحبونه أو يكرهونه
( والوجه الثالث) فى الجواب عن هذه الشبهة قوله تعالى (أم لهم ملك السموات والأرض وما
بينهما فليرتقوا فى الأسباب) واعلم أنه يجب أن يكون المراد من هذا الكلام مغايراً للمراد من
قوله (أم عندهم خزائن رحمة ربك) والفرق أن خزائن الله تعالى غير متناهية كما قال ( وإن من
شىء إلا عندنا خزائنه) ومن جملة تلك الخزائن هو هذه السموات والأرض، فلما ذكرنا الخزائن
أولا على عمومها أردفها بذكر ( ملك السموات والأرض وما بينهما) يعنى أن هذه الأشياء
أحد أنواع خزائن الله ، فاذا كنتم عاجزين عن هذا القسم، فبأن تكونوا عاجزين عن كل خزائن
الله كان أولى، فهذا ما أمكنى ذكره فى الفرق بين الكلامين، أما قوله تعالى ( فلير تقوا فى
الأسباب) فالمعنى أنهم أن ادعوا أن لهم ملك السموات والأرض فعند هذا يقال لهم ارتقوا فى
الأسباب واصعدوا فى المعارج التى يتوصل بها إلى العرش حتى يرتقوا عليه ويدبروا أمر العالم
وملكوت الله وينزلوا الوحى على من يختارون، واعلم أن حكماء الاسلام استدلوا بقوله ( فلير تقوا
فى الأسباب) على أن الأجرام الفلكية وما أودع الله فيها من القوى والخواص أسباب لحوادث
العالم السفلى لأن الله تعالى سمى الفلكيات أسباباً وذلك يدل على ماقلناه والله أعلم، أما قوله تعالى
( جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب) ففيه مقامان من البحث (أحدهما ) فى تفسير هذه
الألفاظ (والثانى) فى كيفية تعلقها بما قبلها (أما المقام الأول) فقوله (جند) مبتدأ وما للايهام
كقوله جئت لأمرما، وعندى طعام ما ، و(من الأحزاب) صفة لجند و (مهزوم) خبر المبتدأ
وأما قوله ( هنالك) فيجوز أن يكون صفة لجند أى جند ثابت هنالك، ويجوز أن يكون متعلقاً
بمهزوم معناه أن الجند من الأحزاب مهزوم هنالك، أى فى ذلك الموضع الذى كانوا يذكرون
: