Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١
قوله تعالى : إنما يخشى الله من عبادة العلماء. سورة فاطر.
إِنَّمَا يَحْثَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَتُؤْاْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورُ ﴾
ألوانها دلائل .
المسألة الرابعة ﴾ مختلف ألوانها، الظاهر أن الاختلاف راجع إلى كل لون، أى بيض
مختلف ألوانها ، وحمر مختلف ألوانها، لأن الأبيض قد يكون على لون الجص، وقد يكون على لون
التراب الأبيض دون بياض الجص ، وكذلك الأحمر، ولو كان المراد أن البيض والحمر مختلف
الألوان لكان مجرد تأكيد والأول أولى، وعلى هذا فنقول لم يذكر مختلف ألوانها بعد البيض
والحمر والسود، بل ذكره بعد البيض والحمر وأخر السود الغرابيب، لأن الأسود لما ذكره مع
المؤكد وهو الغرابيب يكون بالغاً غاية السواد فلا يكون فيه اختلاف .
المسألة الخامسة) قيل بأن الغربيب مؤكد للأسود، يقال أسود غربيب والمؤكد لايجىء
إلا متأخراً فكيف جاء غرابيب سود؟ نقول قال الزمخشرى : غرابيب مؤكد لذى لون مقدر فى
الكلام كأنه تعالى قال سواد غرابيب ، ثم أعاد السود مرة أخرى وفيه فائدة وهى زيادة التأكيد
لأنه تعالى ذكره مضمراً ومظهراً، ومنهم من قال هو على التقديم والتأخير ، ثم قال تعالى ( ومن
الناس والدواب والأنعام) استدلالا آخر على قدرته وإرادته، وكأن الله تعالى قسم دلائل الخلق
فى العالم الذى نخن فيه وهو عالم المركبات قسمين : حيوان وغير حيوان، وغير الحيوان إما نبات
وإما معدن، والنبات أشرف، وأشار إليه بقوله ( فأخرجنا به ثمرات ) ثم ذكر المعدن بقوله
(ومن الجبال) ثم ذكر الحيوان وبدأ بالأشرف منها وهو الانسان فقال (ومن الناس ) ثم
ذكر الدواب ، لأن منافعها فى حياتها والأنعام منفعتها فى الأكل منها، أو لأن الدابة فى العرف
تطلق على الفرس وهو بعد الانسان أشرف من غيره، وقوله (مختلف ألوانه ) القول فيه كما أنها
فى أنفسها دلائل، كذلك فى اختلافها دلائل. وأما قوله (مختلف ألوانه) فذكر لكون الإنسان
من حملة المذكورين، وكون التذكير أعلى وأولى.
قوله تعالى: ﴿ إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور ﴾
الخشية بقدر معرفة المخشى ، والعالم يعرف الله فيخافه ويرجوه. وهذا دليل على أن العالم أعلى
درجة من العابد، لأن الله تعالى قال (إن أكرمكم عند الله أتقا كم) فبين أن الكرامة بقدر التقوى،
والتقوى بقدر العلم . فالكرامة بقدر العلم لا بقدر العمل ، نعم العالم إذا ترك العمل قدح ذلك فى
علبه ، فان من يراه يقول: لو علم لعمل . ثم قال تعالى (إن الله عزيز غفور) ذكر ما يوجب
الخوف والرجاء، فكونه عزيزاً ذا انتقام يوجب الخوف التام، وكونه غفوراً لما دون ذلك
يوجب الرجاء البالغ. وقراءة من قرأ بنصب العلماء ورفع الله، معناها إنما يعظم ويبجل.
٢٢
٠٤
قوله تعالى : إن الذين يتلون كتاب الله. سورة فاطر.
إِنَّ الَّذِينَ يَثْلُونَ كِتَدْبَ الهِ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْتَدُهُمْ سِرًّا
وَعَلَائِيَّةٌ يَرْجُونَ تَرَةً أَنْ تَبُورَ (*) لِيُوَفِيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ
إِنُّ غَفُورٌ شَكُورُ (﴾ وَالَّذِىّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَبِ هُوَ الْحَقُّ
قوله تعالى : ﴿ إن الذين يتلون كتاب الله
لما بين العلماء بالله وخشيتهم وكرامتهم يسبب خشيتهم ذكر العالمين بكتاب الله العاملين بما
فيه. وقوله ( يتلون كتاب الله) إشارة إلى الذكر.
قوله تعالى: ﴿وأقاموا الصلاة) إشارة إلى العمل البدنى.
وقوله ﴿وأنفقوا مما رزقناهم) إشارة إلى العمل المالى، وفى الآيتين حكمة بالغة، فقوله
إنما يخشى الله إشارة إلى عمل القلب، وقوله (إن الذين يتلون) إشارة إلى عمل اللسان. وقوله
( وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم) إشارة إلى عمل الجوارح، ثم إن هذه الأشياء الثلاثة
متعلقة بجانب تعظيم الله والشفقة على خلقه، لأنا بينا أن من يعظم ملكاً إذا رأى عبداً من عباده
فى حاجة يلزمه قضاء حاجته وإن تهاون فيه يخل بالتعظيم ، وإلى هذا أشار بقوله : عبدى مرضت
فما عدتنی، فیقول العبد: کیف تمرض وأنت رب العالمين ، فيقول الله مرض عبدی فلان وما
زرته ولو زرته لوجدتنى عنده ، يعنى التعظيم متعلق بالشفقة حيث لا شفقة على خلق الله لا تعظيم
لجانب الله .
قوله تعالى: ﴿سراً وعلانية﴾ حث على الإنفاق كيفما يتهيأً، فإن تهيأ سراً فذاك ونعم وإلا
فعلانية ولا يمنعه ظنه أن يكون رياء، فان ترك الخير مخافة أن يقال فيه إنه مراء عين الرياء ويمكن
أن يكون المراد بقوله (سراً) أى صدقة (وعلانية) أى زكاة . فان الإعلان. بالزكاة كالإعلان
بالفرض وهو مستحب .
قوله تعالى: ﴿يرجون تجارة لن تبور﴾ إشارة إلى الإخلاص، أى ينفقون لا ليقال إنه
كريم ولا لشىء من الأشياء غير وجه اللّه، فان غير الله بائر والتاجر فيه تجارته بائرة.
قوله تعالى: ﴿ ليوفيهم أجورهم﴾ أى مايتوقعونه ولو كان أمراً بالغ الغاية ( ويزيدهم من
فضله) أى يعطيهم ما لم يخطر ببالهم عند العمل، ويحتمل أن يكون يزيدهم النظر إليه كما جاء فى
تفسير الزيادة ﴿ إنه غفور) عند إعطاء الأجور (شكور) عند إعطاء الزيادة.
قوله تعالى: ﴿ والذى أوحينا إليك من الكتاب هو الحق ﴾.
لما بين الأصل الأول وهو وجود الله الواحد بأنواع الدلائل من قوله (والله الذى أرسل
.
:
:
٢٣
قوله تعالى : مصدقاً لما بين ايديهم. سورة فاطر.
ج
مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ
الرياح، وقوله (والله خلقكم) وقوله ( ألم تر أن الله أنزل) ذكر الأصل الثانى وهو الرسالة،
فقال ( والذى أوحينا إليك من الكتاب هو الحق ) وأيضاً كأنه قد ذكر أن الذين يتلون كتاب
الله يوفيهم اللّه فقال ( والذى أوحينا إليك من الكتاب هو الحق) تقريراً لما بين من الأجر
والثواب فى تلاوة كتاب الله فانه حق وصدق فتاليه محق ومحقق وفى تفسيرها مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ قوله (من الكتاب) يحتمل أن يكون لابتداء الغاية كما يقال أرسل إلى
كتاب من الأمير أو الوالى وعلى هذا فالكتاب يمكن أن يكون المراد منه اللوح المحفوظ يعنى الذى
أو حينا من اللوح المحفوظ إليك حق، ويمكن أن يكون المراد هو القرآن يعنى الإرشاد والتبيين الذى
أوحينا إليك من القرآن ويحتمل أن يكون للبيان كما يقال أرسل إلى فلان من الثياب والقماش جملة.
المسألة الثانية) قوله ( هو الحق) آ كد من قول القائل الذى أوحينا إليك حق من
وجهين (أحدهما ) أن تعريف الخبر يدل على أن الأمر فى غاية الظهور لأن الخبر فى الأكثر
يكون نكرة، لأن الإخبار فى الغالب يكون إعلاما بثبوت أمر لا معرفة للسامع به لأمر يعرفه
السامع كقولنا زيد قام فان السامع ينبغى أن يكون عارفاً بزيد ولا يعلم قيامه فيخبر به ، فاذا كان
الخبر أيضاً معلوماً فيكون الاخبار للتنبيه فيعرفان باللام كقولنا زيد العالم فى هذه المدينة إذا كان
علمه مشهوراً .
﴿ المسألة الثالثة﴾ قوله ﴿مصدقاً لما بين يديه) حال مؤكدة لكونه حقاً لأن الحق إذا
كان لاخلاف بينه وبين كتب الله يكون خالياً عن احتمال البطلان وفى قوله مصدقا تقرير لكونه
وحياً لأن النبى وُ لَّه لما لم يكن قارئاً كاتباً وأتى ببيان مافى كتب اللّه لا يكون ذلك إلا من الله
تعالى وجواب عن سؤال الكفار وهو أنهم كانوا يقولون بأن التوراة ورد فيها كذا والإنجيل
ذكر فيه كذا وكانوا يفترون من التثليث وغيره وكانوا يقولون بأن القرآن فيه خلاف ذلك فقال
التوراة والإنجيل لم يبق بهما وثوق بسبب تغيير كم فهذا القرآن ما ورد فيه إن کان فى التوراة فهو
حق وباق على مانزل ، وإن لم يكن فيه ويكون فيه خلافه فهو ليس من التوراة ، فالقرآن مصدق
للتوراة ( وفيه وجه آخر) وهو أن يقال إن هذا الوحى مصدق لما تقدم لأن الوحى لو لم يكن
وجوده لكذب موسى وعيسى عليهما السلام فى إنزال التوراة والإنجيل فإذا وجد الوحى ونزل
على محمد ويت علم جوازه وصدق به ما تقدم ، وعلى هذا ففيه لطيفة: وهى أنه تعالى جعل القرآن
مصدقاً لما مضى مع أن مامضى أيضاً مصدق له لأن الوحى إذا نزل على واحد جاز أن ينزل على
غيره وهو محمد رَّ ولم يجعل ما تقدم مصدقا للقرآن لأن القرآن كونه معجزة يكفى فى تصديقه بأنه
وحى ، وأما ما تقدم فلابد معه من معجزة تصدقه .
٢٤
قوله تعالى : إن الله بعباده خبير. سورة فاطر.
إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ، لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (يلهثُمْ أَوْرَتْنَا الْكِتَبَ الَّذِينَ آَصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنًَّ
◌ِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدْ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَهِ
﴿ المسألة الرابعة) قوله ﴿ إن الله بعباده لخبير بصير) فيه وجهان (أحدهما) أنه تقرير
لكونه هو الحق لأنه وحى من الله والله خبير عالم بالبواطن بصير عالم بالظواهر، فلا يكون باطلا
فى وحيه لا فى الباطن ولا فى الظاهر ( وثانيهما) أن يكون جواباً لما كانوا يقولونه إنه لم لم ينزل
على رجل عظيم؟ فيقال إن الله بعباده لخبير يعلم بواطنهم وبصير يرى ظواهرهم فاختار محمداً عليه
السلام ولم يختر غيره فهو أصلح من الكل .
قوله تعالى: ﴿ ثم أورثنا الكتاب الذين أصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم
سابق بالخيرات بإذن الله ﴾ اتفق أكثر المفسرين على أن المراد من الكتاب القرآن وعلى هذا فالذين
اصطفيناهم الذين أخذوا بالكتاب وهم المؤمنون والظالم والمقتصد والسابق كلهم منهم ويدل عليه
قوله تعالى ( جنات عدن يدخلونها) أخبر بدخولهم الجنة وكلمة (ثم أور ثنا) أيضاً تدل عليه لأن
الإيراث إذا كان بعد الايحاء ولا كتاب بعد القرآن فهو الموروث والايراث المراد منه الاعطاء
بعد ذهاب من كان بيده المعطى، ويحتمل أن يقال المراد من الكتاب هو جنس الكتاب كما فى قوله
تعالى ( جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر وبالكتاب المنير) والمعنى على هذا: إنا أعطينا الكتاب
الذين اصطفينا وهم الأنبياء ويدل عليه أن لفظ المصطفى على الأنبياء اطلاقه كثير ولا كذلك على
غيرهم ولأن قوله (من عبادنا) دل على أن العباد أكابر مكرمون بالاضافة إليه، ثم إن المصطفين منهم
أشرف منهم ولا يليق بمن يكون أشرف من الشرفاء أن يكون ظلماً مع أن لفظ الظالم أطلقه الله فى
كثير من المواضع على الكافر وسمى الشرك ظلاً، وعلى الوجه الأول الظاهر بين هناه آتينا القرآن لمن
آمن بمحمد وأخذوه منه وافترقوا (فمنهم ظالم) وهو المسىء (ومنهم مقتصد) وهو الذى خلط عملا صالحاً
وآخر سيئاً (ومنهم سابق بالخيرات) وهو الذى أخلص العمل لله وجرده عن السيئات ، فان قال قائل
كيف قال فى حق من ذكر فى حقه أنه من عباده وأنه مصطفى إنه ظالم؟ مع أن الظالم يطلق على الكافر فى
كثير من المواضع ، فنقول المؤمن عند المعصية يضع نفسه فى غير موضعها فهو ظالم لنفسه حال
المعصية وإليه الإشارة بقوله { التى (( لا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن)) ويصحح هذا قول عمر
رضى الله عنه عن النبي ◌ُوافل ( ظالمنا مغفور له)) وقال آدم عليه السلام مع كونه مصطفى (ربنا ظلمنا
أنفسنا) وأما الكافر فيضع قلبه الذى به اعتبار الجسد فى غير موضعه فهو ظالم على الاطلاق،
وأما قلب المؤمن فمطمئن بالإيمان لا يضعه فى غير التفكر فى آلاء الله ولا يضع فيه غير محبة
الله، وفى المراتب الثلاث أقوال كثيرة (أحدها) الظالم هو الراجح السيئات والمقتصد هو الذى
.
٢٥
قوله تعالى : ذلك هو الفضل الكبير . سورة فاطر .
ذَالِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ
تساوت سيئاته وحسناته والسابق هو الذى ترجحت حسناته ( ثانيها ) الظالم هو الذى ظاهره
خبر من باطنه ، والمقتصد من تساوى ظاهره وباطنه، والسابق من باطنه خير ( ثالثها ) الظالم هو
الموحد بلسانه الذى تخالفه جوارحه، والمقتصد هو الموحد الذى يمنع جوارحه من المخالفة
بالتكليف ، والسابق هو الموحد الذى ينسيه التوحيد عن التوحيد ( ورابعها ) الظالم صاحب
الكبيرة ، والمقتصد صاحب الصغيرة، والسابق المعصوم ( خامسها ) الظالم التالى للقرآن غير
العالم به والعامل بموجبه، والمقتصد التالى العالم، والسابق التالى العالم العامل (سادسها)
الظالم الجاهل والمقتصد المتعلم والسابق العالم ( سابعها ) الظالم أصحاب المشأمة ، والمقتصد
أصحاب الميمنة ، والسابق السابقون المقربون (ثامنها ) الظالم الذى يحاسب فيدخل النار ،
والمقتصد الذى يحاسب فيدخل الجنة ، والسابق الذى يدخل الجنة من غير حساب (تاسعها ) الظالم
المصر على المعصية، والمقتصد هو النادم والتائب ، والسابق هو المقبول التوبة (عاشرها) الظالم الذى
أخذ القرآن ولم يعمل ، به والمقتصد الذى عمل به ، والسابق الذى أخذه وعمل به وبين الناس العمل
به فعملوا به بقوله فهو كامل ومكمل ، والمقتصد كامل والظالم ناقص ، والمختار هو أن الظالم من خالف
فترك أوامر الله وارتكب مناهيه فانه واضع للشىء فى غير موضعه ، والمقتصد هو المجتهد فى ترك
المخالفة وإن لم يوفق لذلك وندر منه ذنب وصدرعنه إثم فانه اقتصد واجتهد وقصد الحق والسابق
هو الذى لم يخالف بتوفيق الله ويدل عليه قوله تعالى (باذن الله) أى اجتهد ووفق لما اجتهد فيه
وفيما اجتهد فهو سابق بالخير يقع فى قلبه فيسبق إليه قبل تسويل النفس والمقتصد يقع فى قلبه
فتردده النفس، والظالم تغلبه النفس، ونقول بعبارة أخرى من غلبته النفس الأمارة وأمرته
فأطاعها ظالم ومن جاهد نفسه فغلب تارة وغلب أخرى فهو المقصد ومن قهر نفسه فهو السابق
وقوله ( ذلك هو الفضل الكبير ) يحتمل وجوهاً (أحدها) التوفيق المدلول عليه بقوله ( باذن
الله ذلك هو الفضل الكبير)، ( ثانيها) السبق بالخيرات هو الفضل الكبير (ثالثها) الإيراث
فضل كبير هذا على الوجه المشهور من التفسير، أما الوجه الآخر وهو أن يقال (ثم أورثنا الكتاب)
أى جنس، الكتاب ، كما قال تعالى ( جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر وبالكتاب المنير) يرد عليه
أسئلة (أحدها) ثم التراخى وإيتاء الكتاب بعد الإيحاء إلى محمد صلى الله عليه وسلم لم يكن فما
المراد بكلمة ثم ؟ نقول معناه إن الله خبير بصير خبرهم وأبصرهم ثم أورثهم الكتاب كأنه
قال تعالى إنا علينا البواطن وأبصرنا الظواهر فاصطفينا عباداً (ثم أور ثناهم الكتاب)، (تانيها )
كيف يكون من الأنبياء ظالم لنفسه؟ نقول منهم غير راجع إلى الأنبياء المصطفين، بل المعنى إن الذى
أوحينا إليك هو الحق وأنت المصطفى كما اصطفينا رسلا وآتيناهم كتباً، ومنهم أى من قومك
٢٦
قوله تعالى : جنات عدن يدخلونها . سورة فاطر .
◌َّْتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنِ ذَهَبٍ وَلُؤْلُوا وَلِبَاسُهُمْ فِهَا
حِر
ظالم كفر بك وبما أنزل إليك ومقتصد آمن بك ولم يأت بجميع ما أمرته به وسابق آمن وعمل
صالحاً ( وثالثها) قوله (جنات عدن يدخلونها) الداخلون هم المذكورون وعلى ما ذكر تم لا يكون
الظالم داخلا، نقول الداخلون هم السابقون، وأما المقتصد فأمره موقوف أو هو يدخل النار أولا
ثم يدخل الجنة والبيان لأول الأمر لالما بعده، ويدل عليه قوله ( يحلون فيها من أساور من
ذهب) وقوله (أذهب عنا الحزن).
ثم قال ﴿ جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤاً ولباسهم فيها حرير}
وفى الداخلين وجوه (أحدها) الأقسام الثلاثة وهى على قولنا أن الظالم والمقتصد والسابق
أقسام المؤمنين (والثانى) الذين يتلون كتاب الله (والثالث) هم السابقون وهو أقوى لقرب
ذكرهم ولأنه ذكر إكرامهم بقوله (يحلون) فالمكرم هو السابق وعلى هذا فيه أبحاث:
﴿ الأول) تقديم الفاعل على الفعل وتأخير المفعول عنه موافق لترتيب المعنى إذا كان
المفعول حقيقياً كقولنا ( ألقه خلق السموات) وقول القائل: زيد بنى الجدار فان الله موجود
قبل كل شىء، ثم له فعل هو الخلق، ثم حصل به المفعول وهو السموات، وكذلك زيد قبل
البناء ثم الجدار من بنائه، وإذا لم يكن المفعول حقيقياً كقولنا زيد دخل الدار وضرب عمراً فان
الدار فى الحقيقة ليس مفعولا للداخل وإنما فعل من أفعاله تحقق بالنسبة إلى الدار ، وكذلك عمرو
فعل من أفعال زيد تعلق به فسمى مفعولا لا يحصل هذا الترتيب، ولكن الأصل تقديم الفاعل
على المفعول ولهذا يعاد المفعول المقدم بالضمير تقول عمراً ضربه زيد فتوقعه بعد الفعل بالماء
العائدة إليه وحيقتذ يطول الكلام فلا يختاره الحكيم إلا لفائدة، فما الفائدة فى تقديم الجنات
على الفعل الذى هو الدخول وإعادة ذكر بالهاء فى يدخلونها ، وما الفرق بين هذا وبين قول القائل
يدخلون جنات عدن؟ نقول السامع إذا علم أن له مدخلا من المداخل وله دخول ولم يعلم عين
المدخل فاذا قيل له أنت تدخل فالى أن يسمع الدار أو السوق يبقى متعلق القلب بأنه فى أى المداخل
يكون، فإذا قيل له دار زيد تدخلها فبذكر الدار، يعلم مدخله وبما عنده من العلم السابق بأن له
دخولا يعلم الدخول فلا يبقى له توقف ولا سيما الجنة والنار، فان بين المدخلين بوناً بعيداً (الثانى)
قوله ( يحلون فيها) إشارة إلى سرعة الدخول فان التحلية لو وقعت خارجا لكان فيه تأخير
الدخول فقال ( يدخلونها) وفيها تقع تحليتهم (الثالث) قوله (من أساور) بجمع الجمع. فانه جمع
أسورة وهى جمع سوار، وقوله ( ولباسهم فيها حرير) ليس كذلك لأن الإكثار من اللباس
قوله تعالى : وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن . سورة فاطر . ٢٧
وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلَِّ الَّذِىّ أَذْهَبَ عَنَّ الْحَزَّنَّ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورُ (َ الَّذِىّ
أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ
-يدل على حاجة من دفع برد أو غيره والا كثار من الزينة لا يدل إلا على الغنى (الرابع) ذكر
الأساور من بين سائر الحلى فى كثير من المواضع منها قوله تعالى (وحلوا أساور من فضة) وذلك
لأن التحلى بمعنيين (أحدهما) إظهار كون المتحلى غير مبتذل فى الأشغال لأن التحلى لا يكون
حالة الطبخ والغسل (وثانيهما) إظهار الاستغناء عن الأشياء وإظهار القدرة على الأشياء وذلك لأن
التحلى إما باللآلى. والجواهر وإما بالذهب والفضة والتحلى بالجواهر واللآلى. يدل على أن المتحلى
لا يعجز عن الوصول إلى الأشياء الكبيرة عند الحاجة حيث يعجز عن الوصول إلى الأشياء
القليلة الوجود لا لحاجة ، والتحلى بالذهب والفضة يدل على أنه غير محتاج حاجة أصلية وإلا لصرف
الذهب والفضة إلى دفع الحاجة ، إذا عرفت هذا فنقول الأساور محلها الأيدى وأكثر الأعمال
باليد فانها للبطش، فإذا حليت بالأساور علم الفراغ والذهب واللؤلؤ إشارة إلى النوعين اللذين
منهما الحلى.
قوله تعالى: ﴿ وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور﴾.
فى الحزن أقوال كثيرة والأولى أن يقال المراد إذهاب كل حزن والألف واللام الجنس
واستغراقه وإذهاب الحزن بحصول كل ما ينبغى وبقائه دائما فان شيئاً منه لو لم يحصل لكان الحزن
موجوداً بسببه وإن حصل ولم يدم لكان الحزن غير ذاهب بعد بسبب زواله وخوف فواته ،
وقوله ( إن ربنا لغفور شكور) ذكر الله عنهم أموراً كلها تفيد الكرامة من الله (الأول ) الحمد فان
الحامد مثاب ( الثانى) قولهم ربنا فان الله لم يناد بهذا اللفظ إلا واستجاب لهم، اللهم إلا أن يكون
المنادى قد ضيع الوقت الواجب أو طلب مالا يجوز كالرد إلى الدنيا من الآخرة (الثالث ) قولهم
( غفور)، (الرابع) قولهم (شكور) والغفور إشارة إلى ما غفر لهم فى الآخرة بما وجد لهم
من الحمد فى الدنيا، والشكور إشارة إلى ما يعطيهم ويزيد لهم بسبب ما وجد لهم فى الآخرة من الحمد .
قوله تعالى : ﴿الذى أحلنا دار المقامة من فضله ﴾ أى دار الإقامة، لما ذكر الله سرورهم
وكرامتهم بتحليتهم وإدخالهم الجنات بين سرورهم ببقائهم فيها وأعلمهم بدوامها حيث قالوا (الذى
أحلنا دار المقامة ) أى الإقامة والمفعول ربما يجىء للمصدر من كل باب يقال ماله معقول أى عقل،
وقال تعالى ( مدخل صدق ) وقال تعالى (ومزقناهم كل يمزق) وكذلك مستخرج للاستخراج
وذلك لأن المصدر هو المفعول فى الحقيقة ، فإنه هو الذى فعل جاز إقامة المفعول مقامه وفى قوله
( دار المقامة ) إشارة إلى أن الدنيا منزلة ينزلها المكلف وير تحل عنها إلى منزلة القبور ومنها إلى منزلة
٢٨
قوله تعالى : لا يمسنا فيها نصب . سورة فاطر .
لَا يَسُّنَا فِيهَا نَصَبُ وَلَا يَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ ﴾ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا
يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلاَ يُحَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَاِهَا كَّلِكَ تَخْزِى كُلَّ كَفُورِه
٣٦
العرصة التى فيها الجمع ومنها التفريق. وقد تكون النار لبعضهم منزلة أخرى والجنة دار المقامة،
وكذلك النار لأهلها وقولهم ( من فضله ) أى بحكم وعده لا بايجاب من عنده.
قوله تعالى : ﴿ لا يمسا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب﴾ اللغوب الإعياء والنصب هو
السبب للاعيا" فإن قال قائل إذا بين أنه ( لا يمسهم فيها نصب) علم أنه ( لا يمسهم فيها لغوب) ولا
ينفى المتكلم الحكيم السبب، ثم ينفى مسببه بحرف العطف فلا يقول القائل لا أكلت ولا شبعت
أو لا قمت ولا مشيث والعكس كثير فإنه يقال لا شبعت ولا أكلت لما أن نفى الشبع لا يلزمه
إنتفاء الأكل وسياق ما تقرر أن يقال لا يمسنا فيها إعياء ولا مشقة، فنقول ما قال الله فى غاية
الجلالة وكلام اللّه أجل وبيانه أجمل، ووجهه هو أنه تعالى بين مخالفة الجنة لدار الدنيا فإن الدنيا
أما كنها على قسمين: (أحدهما) موضع نمس فيه المشاق والمتاعب كالبرارى والصحارى
والطرقات والأراضى ( والآخر) موضع يظهر فيه الإعياء كالبيوت والمنازل التى فى الأسفار من
من الخانات فان من يكون فى مباشرة شغل لا يظهر عليه الاعياء إلا بعد ما يستريح فقال تعالى
( لا يمسنا فيها نصب) أى ليست الجنة كالمواضع التى فى الدنيا مظان المتاعب بل هى أفضل من
المواضع التى هى مواضع مرجع العى، فقال (ولا يمسنا فيها لغوب) أى، لا نخرج منها إلى مواضع
تتعب ونرجع إليها فيمسنا فيها الاعياء وقرى. (لغوب) بفتح اللام والترتيب على هذه القراءة
ظاهر كأنه قال لا تتعب ولا يمسنا ما يصلح لذلك، وهذا لأن القوى السوى إذا قال ما تعبت اليوم
لايفهم من كلامه أنه ما عمل شيئاً لجواز أنه عمل عملا لم يكن بالنسبة إليه متعباً لقوته ، فإذا قال
ما مسنى ما يصلح أن يكون متعباً يفهم أنه لم يعمل شيئاً لأن نفس العمل قد يصلح أن يكون متعباً
الضعيف أو متعباً بسبب كثرته، واللغوب هو ما يلغب منه وقيل النصب التعب المعرض، وعلى
هذا فسن الترتيب ظاهر كأنه قال لا يمسنا مرض ولا دون ذلك وهو الذى يعيا منه مباشره.
قوله تعالى: ﴿والذين كفروا لهم نار جهنم﴾ عطف على قوله (إن الذين يتلون كتاب الله)
وما بينهما كلام يتعلق بالذين يتلون كتاب الله علىمابينا و قوله ( جناتعدن يدخلونها) قد ذكرنا
أنه على بعض الأقوال راجع إلى (الذين يتلون كتاب الله).
قوله تعالى: ﴿ لا يقضى عليهم فيموتوا﴾ أى لا يستريحون بالموت بل العذاب دائم.
قوله تعالى : ﴿ ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزی کل کفور﴾ أى النار وفيه لطائف
٢٩
قوله تعالى : وهم يصطرخون فيها . سورة فاطر .
وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِهَا رَبَّنَاً أُخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَلِمًا غَيْرَ الَّذِى كُنَّا نَعْمَلٌ أَوَلّْ
(الأولى) أن العذاب فى الدنيا إن دام كثيراً يقتل فان لم يقتل يعتاده البدن ويصير مزاجا فاسداً
متمكنا لايحس به المعذب ، فقال عذاب نار الآخرة ليس كعذاب الدنيا، إما أن يفنى، وإما أن
يألفه البدن بل هو فى كل زمان شديد والمعذب فيه دائم (الثانية) راعى الترتيب على أحسن وجه
وذلك لأن الترتيب أن لا ينقطع العذاب، ولا يفتر فقال لا ينقطع ولا بأقوى الأسباب وهو
الموت حتى يتمنون الموت ولا يجابون كما قال تعالى ( ونادوا يامالك ليقض علينا ربك) أى بالموت
( الثالثة ) فى المعذبين اكتفى بأنه لا ينقص عذابهم، ولم يقل نزيدهم عذاباً. وفى المثابين ذكر
الزيادة بقوله ( ويزيدهم من فضله) ثم لما بين أن عذابهم لايخفف.
قال تعالى ﴿وهم يصطرخون فيها﴾ أى لا يخفف وإن اصطرخوا واضطربوا لا يخفف اللّه من
عنده إنعاماً إلى أن يطلبوه بل يطلبون ولا يجدون والاصطراخ من الصراخ والصراخ صوت المعذب
وقوله تعالى ﴿ ربنا أخرجنا) أى صراخهم بهذا أى يقولون (ربنا أخرجنا). لأن صراخهم
كلام وفيه إشارة إلى أن إيلامهم تعذيب لا تأديب، وذلك لأن المؤدب إذا قال لمؤدبه: لا أُرجع
إلى مافعلت و بئسما فعلت یتر که، وأما المعذب فلا وتر تيبه حسن و ذلك لأنه لما بين أنه لا يخفف
عنهم بالكلية ولا يعفو عنهم بين أنه لا يقبل منهم وعداً وهذا لأن المحبوس يصبر لعله يخرج من غير
سؤال فاذا طال لبثه تطلب الاخراج من غير قطيعة على نفسه فإن لم يقده يقطع على نفسه قطيعة
ويقول أخرجنى أفعل كذا وكذا.
واعلم أن الله تعالى قد بین أن منیکون فى الدنیا ضالا فهو فىالآخرة ضال كما قال تعالى (ومن
كان فى هذه أعمى فهو فى الآخرة أعمى) ثم إنهم لم يعلموا أن العود إلى الدنيا بعيد محال بحكم الإخبار.
وعلى هذا قالوا ﴿نعمل صالحاً﴾ جازمين من غير استعانة بالله ولامثنوية فيه، ولم يقولوا إن
الأمر بيد الله، فقال الله لهم إذا كان اعتماد كم على أنفسكم فقد عمرنا كم مقداراً يمكن التذكر فيه
والإتيان بالإيمان والإقبال على الأعمال.
وقولهم ﴿غير الذى كنا نعمل﴾ إشارة إلى ظهور فساد عملهم لهم وكان اللّه تعالى كما لم يهدم
فى الدنيا لم يهدهم فى الآخرة، فما قالوا ربنا زدت للمحسنين حسنات بفضلك لا بعملهم ونحن أحوج
إلى تخفيف العذاب منهم إلى تضعيف الثواب فافعل بنا ما أنت أهله نظراً إلى فضلك ولا تفعل بنا
ما نحن أهله نظراً إلى عدلك وانظر إلى مغفرتك الهاطلة ولا تنظر إلى معذرتنا الباطلة، وكما هدى الله
المؤمن فى الدنيا هداه فى العقى حتى دعاه بأقرب دعاء إلى الاجابة وأثنى عليه بأطيب ثناء عند الإنابة
فقالوا الحمد لله وقالوا ربنا غفور اعترافا بتقصيرهم شكور إقراراً بوصول مالم يخطر ببالهم إليهم
وقالوا (أحلنا دار المقامة من فضله) أى لاعمل لنا بالنسبة إلى نعم الله وهم قالوا (أخرجنا نعمل صالحاً
٣٠
قوله تعالى : أولم نعمركم ما يتذكر فيه . سورة فاطر .
تُعَمِرَّكُم مَّا يَتَذَ ◌ُّفِيهِ مَن ◌َذَكَّرَ وَجَاءَ كُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُواْلَمَا لِلَّلِينَ مِن نَّصِيرٍ
◌ِ إِنَّالَّهَ عَلِمُ غَيْبٍ السَّمَنَتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ
إغماضاً فى حق تعظيمه وإعراضاً عن الاعتراف بعجزهم عن الإتيان بما يناسب عظمته، ثم إنه
تعالى بين أنه آتاهم ما يتعلق بقبول المحل من العمر الطويل وما يتعلق بالفاعل فى المحل ، فان النبى
زل كفاعل الخير فيهم ومظهر السعادا .
قوله تعالى: ﴿ أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير ﴾
فإن المانع إما أن يكون فيهم حيث لم يتمكنوا من النظر فيما أنزل الله. وإما أن يكون فى
مر شدهم حيث لم يتل عليهم ما يرشدهم .
قوله تعالى: ﴿فذوقوا فما للظالمين من نصير) وقوله (فذوقوا) إشارة إلى الدوام وهو
أمر إهانة ، فما للظالمين الذين وضعوا أعمالهم وأقوالهم فى غير موضعها وأنوا بالمعذرة فى غير
وقتها من نصير فى وقت الحاجة ينصرهم ، قال بعض الحكماء قوله (فما للظالمين من نصير) وقوله
( وما للظالمين من أنصار) يحتمل أن يكون المراد من الظالم الجاهل جهلا مركباً، وهو الذى
يعتقد الباطل حقاً فى الدنيا ( وما له من نصير) أى من علم ينفعه فى الآخرة، والذى يدل عليه
هو أن الله تعالى سمى البرهان سلطاناً، كما قال تعالى (فأتوا بسلطان ) والسلطان أقوى ناصر إذ
هو القوة أو الولاية وكلاهما ينصر والحق التعميم، لأن الله لا ينصره وليس غيره نصيراً فالهم
من نصير أصلا، ويمكن أن يقال إن الله تعالى قال فى آل عمران ( وما للظالمين من أنصار) وقال
(فمن يهدى من أضل الله وما لهم من ناصرين) وقال ههنا (فما للظالمين من نصير) أى هذا وقت
كونهم واقعين فى النار، فقد أيس كل منهم من كثير من كانوا يتوقعون منهم النصرة ولم يبق إلا
توقعهم من اللّه فقال ( ما لكم من نصير ) أصلا، وهناك كان الأمر محكمياً فى الدنيا أو فى أوائل
الحشر، فنفى ما كانوا يتوقعون منهم النصرة وهم آلهتهم .
قوله تعالى: ﴿ إن الله عالم غيب السموات والأرض إنه عليم بذات الصدور
تقريراً لدوامهم فى العذاب، وذلك من حيث إن الله تعالى لما قال (وجزاء سيئة سيئة مثلها)
ولا يزاد عليها، فلو قال قائل: الكافر ما كفر بالله إلا أياماً معدودة، فكان ينبغى أن لا يعذب
إلا مثل تلك الأيام ، فقال تعالى إن الله لا يخفى عليه غيب السموات فلا يخفى عليه ما فى الصدور،
وكان يعلم من الكافر أن فى قلبه تمكن الكفر بحيث لو دام إلى الأبد لما أطاع الله ولا عبده.
وفى قوله تعالى ( بذات الصدور) مسألة قد ذكرناها مرة ونعيدها أخرى ، وهى أن لقائل
أن يقول الصدور هى ذات اعتقادات وظنون، فكيف سمى الله الاعتقادات بذات الصدور؟
٣١
قوله تعالى هو الذي جعلكم خلائف في الأرض . سورة فاطر .
ج
هُوَ الَّذِى جَعَلَكُمْ خَيْفَ فِ الْأَرْضِ فَنَ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ، وَلَا يَزِيدُ
الْكَثِفِرِ ينَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبِهِمْ إِلَّ مَقْنَاً وَلَيَزِيدُ الْكَفِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا
٣٠
قُلْ أَ يُمْ ثُرَكَاءَ كُ الَّذِينَ قَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ أَرُونِى مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ
الْأَرْضِ أَمْ نَهُمْ شَرْكٌ فِ السَّمَنَوَتِ أُمْ ءَ الَّذَهُمْ كِتَبًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ بَلْ
إِن يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضَهُم بَعْضًا إِلَّ غُرورًا
ويقرر السؤال قولهم أرض ذات أشجار وذات جنى إذا كان فيها ذلك، فكذلك الصدر فيه اعتقاد
فهو ذو اعتقاد ، فيقال له لما كان اعتبار الصدر بما فيه صار ما فيه كالسا كن المالك حيث لا يقال
الدار ذات زید ، ويصح أن يقال زید ذو دار ومال وإن كان هو فيها .
قوله تعالى: ﴿ هو الذى جعلكم خلاف فى الأرض﴾
تقريراً لقطع حجتهم فانهم لما قالوا (ربنا أخرجنا نعمل صالحاً) وقال تعالى (أو لم نعمركم
ما يتذكر ) إشارة إلى أن التمكين والإمهال مدة يمكن فيها المعرفة قد حصل وما آمنتم وزاد عليه
بقوله (وجاءكم النذير ) أى آتيناكم عقولا ، وأرسلنا إليكم من يؤيد المعقول بالدليل المنقول زاد
على ذلك بقوله تعالى ( هو الذى جعلكم خلائف فى الأرض) أى نبهكم بمن مضى وحال من انقضى
فانكم لو لم يحصل لكم علم بأن من كذب الرسل أهلك لكان عناد كم أخفى وفساد كم أخف، لكن
أمهلتم وعمر تم وأمر تم على لسان الرسل بما أمرتم وجعلتم خلائف فى الأرض، أى خليفة بعد
خليفة تعلمون حال الماضين وتصبحون بحالهم راضين ( فمن كفر ) بعد هذاكله ﴿ فعليه كفره
ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتاً ﴾ لأن الكافر السابق كان مقوتاً كالعبد الذى لا يخدم
سيده واللاحق الذى أنذره الرسول ولم ينتبه أمقت كالعبد الذى ينصحه الناصح ويأمره بخدمة
سيده ويعده ويوعده ولا ينفعه النصح ولا يسعده والتالى لهم الذى رأى عذاب من تقدم ولم
يخش عذابه أمقت الكل .
قوله تعالى: ﴿ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خساراً ﴾ أى الكفر لا ينفع عند الله حيث
لا يزيد إلا المقت ، ولا ينفعهم فى أنفسهم حيث لا يفيدهم إلا الخسارة ، فإن العمر كرأس مال
من اشترى به رضا الله رمح، ومن اشترى به سخطه خسر .
قوله تعالى: ﴿ قل أرأيتم شركاء كم الذين تدعون من دون الله أرونى ماذا خلقوا من الأرض أم
لهم شرك فى السموات أم آتيناهم كتاباً فهم على بينة منه بل إن يعد الظالمون بعضهم بعضاً إلا غروراً ﴾
٣٢
قوله تعالى : إن الله يمسك السموات والأرض . سورة فاطر .
إِنَّ اللَّه ◌ُمْسِكُ السَّمَنَوْتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولًا وَلَيْنِ زَالَتَآَ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ
أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنُّ كَانَ حَلِيمً غَفُورًا (!
٤١
تقريراً للتوحيد وإبطالاللاشراك، وقوله (أرأيتم) المراد منه أخبرونى، لأن الاستفهام يستدعى
جواباً ، يقول القائل أرأيت ماذا فعل زيد؟ فيقول السامع باع أو اشترى، ولولا تضمنه معنى
أخبرنی وإلا لما كان الجواب إلا قوله لا أو نعم، وقوله ( شرکاء کم) إنما أضاف الشركاء إليهم
من حيث إن الأصنام فى الحقيقة لم تكن شركاء لله، وإنما هم جعلوها شركاء، فقال شركاء كم ، أى
الشركاء بجعلكم ويحتمل أن يقال شركاءكم ، أى شركاءكم فى النار لقوله ( إنكم وما تعبدون من
دون الله حصب جهنم) وهو قريب، ويحتمل أن يقال هو بعيد لاتفاق المفسرين على الأول
وقوله (أروفى) بدل عن (أرأيتم) لأن كليهما يفيد معنى أخبرونى، ويحتمل أن يقال قوله (أرأيتم)
استفهام حقيقى و (أرونى) أمر تعجيز للتبين، فلما قال (أرأيتم) يعنى أعلمتم هذه التى تدعونها
كما هى وعلى ما هى عليه من العجز أو تتوهمون فيها قدرة، فإن كنتم تعلمونها عاجزة فكيف
تعبدونها؟ وإن كان وقع لكم أن لها قدرة فأرونى قدرتها فى أى شىء هى، أهى فى الأرض: كما قال
بعضهم : إن الله إله السماء وهؤلاء آلهة الأرض، وهم الذين قالوا أمور الأرض من الكواكب
والأصنام صورها؟ أم هى فى السموات، كما قال بعضهم: إن السماء خلقت باستعانة الملائكة
والملائكة شركاء فى خلق السموات، وهذه الأصنام صورها؟ أم قدرتها فى الشفاعة لكم، كما قال
بعضهم إن الملائكة ماخلقوا شيئاً ولكنهم مقربون عند الله فنعبدها ليشفعوا لنا، فهل معهم كتاب
من اللّه فيه إذنه لهم بالشفاعة؟ وقوله (أم آتيناهم كتابا) فى العائد إليه الضمير وجهان (أحدهما) أنه
عائد إلى الشركاء، أى هل أتينا الشركاء كتاباً (وثانيهما) أنه عائد إلى المشركين، أى هل آتينا المشركين
كتاباً وعلى الأول فمعناه ماذكرنا، أى هل مع ما جعل شريكا كتاب من الله فيه أن له شفاعة عند الله،
فإن أحداً لا يشفع عنده إلا بإذنه ، وعلى الثانى معناه أن عبادة هؤلاء إما بالعقل ولا عقل لمن يعبد من
لم يخلق من الأرض جزءاً من الأجزاء ولا فى السماء شيئاً من الأشياء، وإما بالنقل ونحن ما آتينا
المشركين كتاباً فيه أمرنا بالسجود لهؤلاء ولو أمرنا لجاز كما أمرنا بالسجود لآدم وإلى جهة الكعبة، فهذه
العبادة لاعقلية ولا نقلية فوعد بعضهم بعضاً ليس إلا غروراً غرهم الشيطان وزين لهم عبادة الأصنام.
ثم لما بين أنه لا خلق للأصنام ولا قدرة لها ولا على جزء من الأجزاء بين أن الله قدير
بقوله ( إن اللّه يمسك السموات والأرض أن تزولا وان زالتا ان أمسكهما من أحد من بعده
إنه كان حليما غفوراً ﴾ ويحتمل أن يقال لما بين شركهم قال مقتضى شركهم زوال السموات
والأرض كما قال تعالى ( تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً أن دعوا
٣٣
قوله تعالى : واقسموا بالله جهد ايمانهم . سورة فاطر .
وَأَقْسَمُواْ بِلهِ جَهْدَ أَيَْنِهِمْ لَيْن ◌َجَاءُهُمْ نَذِيْرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمِّمِ
فَلَّ ◌َُّهُمْ نَذِيرٌ مَّزَادَهُمْإلَّا نُفُورًا } أَسْتِكَارًا فِ الْأَرْضِ وَمَكَ السٍَِّ وَلَ يُِ
الْمَكُ السَِّّ إِلَّ ◌ِهْلِ
للرحمن ولداً) ويدل على هذا قوله تعالى فى آخر الآية ( إنه كان حليما غفورا) كان حليما ما ترك
تعذيبهم إلا حلاً منه وإلا كانوا يستحقون إسقاط السماء وانطباق الأرض عليهم وإنما أخر
إزالة السموات إلى قيام الساعة حلاً، وتحتمل الآية وجهاً ( ثالثاً) وهو أن يكون ذلك من باب
التسليم وإثبات المطلوب على تقدير التسليم أيضاً كانه تعالى قال شركاؤكم ما خلقوا من الأرض شيئاً
ولا فى السماء جزءاً ولا قدروا على الشفاعة، فلا عبادة لهم. وهب أنهم فعلوا شيئاً من الأشياء فهل
يقدرون على إمساك السموات والأرض؟ ولا يمكنهم القول بأنهم يقدرون لأنهم ما كانوا يقولون
به، كما قال تعالى عنهم ( ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله) ويؤيد هذا قوله
( ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد بعده) فاذا تبين أن لا معبود إلا اللّه من حيث إن غيره لم يخلق
من الأشياء وإن قال الكافر بأن غيره خلق فما خلق مثل ما خلق فلا شريك له إنه كان حليما
غفوراً، حليما حيث لم يعجل فى اهلاكهم بعد إصرارهم على إشراكهم وغفوراً يغفر لمن تاب
ويرحمه وإن استحق العقاب .
قوله تعالى: ﴿ وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم،
فلما جاءهم نذير مازادهم إلا نفوراً، استكباراً فى الأرض ومكر السى ولا يحيق المكر السى
إلا بأهله ﴾ .
لما بين إنكارهم للتوحيد ذكر تكذيبهم الرسول ومبالغتهم فيه حيث إنهم كانوا يقسمون
على أنهم لا يكذبون الرسل إذا تبين لهم كونهم رسلا وقالوا إنما نكذب بمحمد برللم لكونه
كاذباً، ولو تبين لنا كونه رسولا لآمنا كما قال تعالى عنهم (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم
آية ليؤمنن بها) وهذا مبالغة منهم فى التكذيب، كما أن من ينكردين إنسان قد يقول والله لوعلمت
أن له شيئاً على لقضيته وزدت له ، إظهاراً لكونه مطالباً بالباطل ، فكذلك ههنا عاندوا وقالواوالله
لو جاءنا رسول لكنا أهدى الأمم فلما جاءهم نذير أى محمد عهّ اله جاءهم أى صح مجيؤه لهم بالبينة
ما زادهم إلا نفورا، فإنهم قبل الرسالة كانوا كافرين بالله وبعدها صاروا كافرين بالله ورسوله
ولأنهم قبل الرسالة ما كانوا معذبين كما صاروا ، بعد الرسالة وقال بعض المفسرين إن أهل مكة
كانوا يلعنون اليهود والنصارى على أنهم كذبوا برسلهم لما جاءوهم وقالوا لوجاءنا رسول لأطعناه
الفخر الرازي - ج ٢٦ م ٣
٣٤
قوله تعالى : استكبار في الأرض . سورة فاطر .
واتبعناه ، وهذا فيه اشكال من حيث إن المشركين كانوا منكرين الرسالة والحشر مطلقاً، فكيف
كانوا يعترفون بالرسل، فمن أين عرفوا أن اليهود كذبوا وماجاءهم كتاب ولولا كتاب الله وبيان
رسوله من أين كان يعلم المشركون أنهم صدقوا شيئاً وكذبوا فى شىء؟ بل المراد ماذكرناأنهم كانوا
يقولون نحن لو جاءنا رسول لا ننكره وإنما تنكر كون محمد رسولا من حيث إنه كاذب ولوصح
كونه رسولا لآمنا وقوله (فلما جاءهم) أى فلما صح لهم مجيؤه بالمعجزة ، وفى قوله (أهدى) وجهان
(أحدهما) أن يكون المراد أهدى ما نحن عليه وعلى هذا فقوله (من إحدى الأمم) النبيين كما يقول
القائل زيد من المسلمين ويدل على هذا قوله تعالى (فلما جاءهم نذير مازادهم إلا نفورا) أى صاروا
أضل مما كانوا وكانوا يقولون نكون أهدى (وثانيهما) أن يكون المراد أن نكون أهدى من
إحدى الأمم كما يقول القائل زيد أولى من عمرو، وفى الأمم وجهان (أحدهما) أن يكون المراد
العموم أى أهدى من أى إحدى الأمم وفيه تعريض ( وثانيهما ) أن يكون المراد تعريف العهد
أی أمة محمد وموسى وعیسی و من کان فى زمانهم .
قوله تعالى: ﴿ استكباراً فى الأرض﴾ ونصبه يحتمل ثلاثة أوجه (أحدها) أن يكون حالا
أى مستكبرين فى الأرض ( وثانيها) أن يكون مفعولا له أى للاستكبار (وثالثها) أن يكون بدلا
عن النفور وقوله ( ومكر السيء) إضافة الجنس إلى نوعه كما يقال علم الفقه وحرفة الحدادة
وتحقيقه أن يقال معناه ومكروا مكراً سيئاً ثم عرف لظهور مكرهم، ثم ترك التعريف باللام
وأضيف إلى السيء لكون السوء فيه أبين الأمور، ويحتمل أن يقال بأن المكر يستعمل استعمال
العمل كما ذكرنا فى قوله تعالى (والذين يمكرون السيئات) أى، يعملون السيئات، ومكرهم السى"،
وهو جميع ما كان يصدرمنهم من القصد إلى الإيذاء ومنع الناس من الدخول فى الايمان واظهار
الانكار، ثم قال ( ولا يحيق المكر السىء إلا بأهله) أى لا يحيط إلا بفاعله وفى قوله (ولا يحيق)
وقوله ( إلا بأهله ) فوائد، أما فى قوله ( يحيق) فهى أنها تنى عن الإحاطة التى هى فوق اللحوق
وفيه من التحذير ما ليس فى قوله ولا يلحق أو ولا يصل، وأما فى قوله (بأهله ) ففيه ماليس
فى قول القائل ولا يحيق المكر السىء إلا بالماكر، كى لا يأمن المسئ" فإن من أساء ومكره سى آخر
قد يلحقه جزاء على سيئه، وأما إذا لم يكن سيئاً فلا يكون أهلا فيأمن المكر السى"، وأما فى النفى
والإثبات فائدته الحصر بخلاف ما يقول القائل المكر السى يحيق بأهله، فلا ينى عن عدم الحيق
بغير أهله، فإن قال قائل كثيراً مانرى أن الماكر يمكر ويفيده المكر ويغلب الخصم بالمكر والآية
تدل على عدم ذلك، فنقول الجواب عنه من وجوه (أحدها) أن المكر المذكور فى الآية هو المكر
الذى مكروه مع النبى مؤلف من العزم على القتل والإخراج ولم يحق إلا بهم، حيث قتلوا يوم بدر
وغيره ( وثانيها) هو أن نقول المكر السى عام وهو الأصح فان النبى عليه السلام نهى عن المكر
وأخبر عن النبى ◌َّتم أنه قال ((لاتمكروا ولا تعينوا ما كراً فان الله يقول ولا يحيق المكر السى)
:
٣٥
قوله تعالى : فهل ينظرون إلا سنة الأولين . سورة فاطر .
فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّ سُنَتَ الأَوَّلِينَّ فَلَن ◌َجِدَ لِسُنَّتِ الَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ
لِسُنَتِ اللَّهِ تَحِيلًا
إلا بأهله )) وعلى هذا فذلك الرجل الممكور به [لا] يكون أهلا فلا يرد نقضاً (وثالثها) أن الأمور
يعواقبها، ومن مكر به غيره ونفذ فيه المكر عاجلا فى الظاهر ففى الحقيقة هو الفائز والماكر هو
الهالك وذلك مثل راحة الكافر ومشقة المسلم فى الدنيا ، ويبين هذا المعنى قوله تعالى ( فهل ينظرون
إلا سنة الأولين) يعنى إذا كان لمكرهم فى الحال رواج فالعاقبة للتقوى والأمور بخواتيمها،
فيهلكون كما هلك الأولون .
قوله تعالى : ﴿ فهل ينظرون إلا سنة الأولين﴾ أى ليس لهم بعد هذا إلا انتظار الإهلاك
وهو سنة الأولين وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ الإهلاك ليس سنة الأولين إنما هو سنة الله بالأولين، فنقول الجواب
عنه من وجهين (أحدهما ) أن المصدر الذى هو المفعول المطلق يضاف إلى الفاعل والمفعول
لتعلقه بهما من وجه دون وجه فيقال فيما إذا ضرب زيد عمراً عجبت من ضرب عمرو كيف
ضرب مع ماله من العزم والقوة وتعجبت من ضرب زيد كيف ضرب مع ماله من العلم والحكمة
فكذلك سنة الله بهم أضافها إليهم لأنها سنة سنت بهم وأضافها إلى نفسه بعدها بقوله :
﴿ فلن تجد لسنة الله تبديلا) لأنها سنة من سنن الله، إذا علمت هذا فنقول أضافها فى الأول
إليهم حيث قال ( سنة الأولين) لأن سنة الله الإهلاك بالاشراك والاكرام على الاسلام فلا
يعلم أنهم ينتظرون أيهما فاذا قال سنة الأولين تميزت وفى الثانى أضافها إلى الله، لأنها لما علمت
فالاضافة إلى الله تعظمها وتبين أنها أمر واقع ليس لها من دافع (وثانيهما) أن المراد من سنة
الأولين استمرارهم على الانكار واستكبارهم عن الاقرار، وسنة اللّه استئصالهم باصرارهم فكلانه قال
أنتم تريدون الإتيان بسنة الأولين واللّه يأتى بسنة لا تبديل لها ولا تحويل عن مستحقها.
﴿ المسألة الثانية) التبديل تحويل فا الحكمة فى التكرار؟ نقول بقوله (فلن تجد لسنت الله
تبديلا) حصل العلم بأن العذاب لا تبديل له بغيره، وبقوله (ولن تجد لسنة الله تحويلا) حصل العلم
بأن العذاب مع أنه لا تبديل له بالثواب لا يتحول عن مستحقه إلى غيره فيتم تهديد المسى ..
المسألة الثالثة ﴾ المخاطب بقوله (فلن تجد ) يحتمل وجهين وقد تقدم مراراً (أحدهما)
أن يكون عاما كأنه قال فلن تجد أيها السامع لسنة الله تبديلا (والثانى) أن يكون مع محمد صلى الله
عليه وسلم وعلى هذا فكانه قال سنة الله أنه لا يهلك ما بقى فى القوم من كتب اللّه إيمانه، فاذا
٣٦
قوله تعالى : أولم يسيروا في الأرض . سورة فاطر .
أَوَلّمْ يَسِرُواْ فِ الْأَرْضِ فَيَنْظُرُواْ ◌َيْفَ كَانَ عَثِقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُواْ
أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ الَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَىْءٍ فِ السَّعَلَتِ وَلَ فِ الْأَرْضِ إِنَّهُ
كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا
آمن من فى علم الله أنه يؤمن يهلك الباقين كما قال نوح (إنك إن تذرهم) أى تمهل الأمر وجاء
وقت سنتك .
قوله تعالى: ﴿ أو لم يسيروا فى الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم. وكانوا
أشد منهم قوة ﴾.
لما ذكر أن للأولين سنة وهى الاهلاك نبههم بتذكير حال الأولين فإنهم كانوا مارين على
ديارهم رائين لآثارهم وأملهم كان فوق أملهم وعملهم كان دون عملهم ، أما الأول فلطول أعمارهم
وشدة اقتدارهم، وأما عملهم فلأنهم لم يكذبوا مثل محمد ولا محمداً وأنتم يا أهل مكة كذبتم محمداً
ومن تقدمه ، وقوله تعالى ( وكانوا أشد منهم قوة ) قد ذكرناه فى سورة الروم ، بقى فيه أبحاث :
﴿الأول) قال هناك (كانوا أشد) من غير واو، وقال ههنا بالواو فما الفرق؟ نقول قول
القائل: أما رأيت زيداً كيف أكرمنى وأعظم منك، يفيد أن القائل يخبره بأن زيداً أعظم، وإذا
قال أما رأيته كيف أكرمنى هو أعظم منك يفيد أنه تقرر أن كلا المعنيين حاصل عند السامع كأنه
رآه أكرمه ورآه أكبر منه ولا شك أن هذه العبارة الأخيرة تفيد كون الأمر الثانى فى الظهور
مثل الأول بحيث لا يحتاج إلى إعلام من المتكلم ولا إخبار ، إذا علمت هذا فنقول المذكور ههنا
كونهم أشد منهم قوة لا غير ، ولعل ذلك كان ظاهراً عندهم فقال بالواو أى نظركم كما
يقع على عاقبة أمرهم يقع على قوتهم ، وأما هناك فالمذكور أشياء كثيرة فأنه قال (كانوا أشد
منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها) وفى موضع آخر قال ( أفلم يسيروا فى الأرض فينظروا
كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثاراً فى الأرض ) ولعل علمهم لم
يحصل بإثارتهم الأرض أو بكثرتهم ولكن نفس القوة ورجحانهم فيما عليهم كان معلوماً عندهم
فإن كل طائفة تعتقد فيمن تقدمهم أنهم أقوى منهم ولا نزاع فيه .
قوله تعالى: ﴿ وما كان الله ليعجزه من شىء فى السموات ولا فى الأرض إنه كان عليما قديراً﴾
يحتمل وجهين ( أحدهما ) أن يكون بياناً لهم أى أن الأولين مع شدة قوتهم ما أعجزوا الله
وما فاتوه فهم أولى بأن لا يعجزوه ( والثانى) أن يكون قطعاً لأطماع الجهال فان قائلا لو قال هب
أن الأولين كانوا أشد قوة وأطول أعماراً لكنا نستخرج بذكائنا ما يزيد على قواهم ونستعين
٠٠
٠
٣٧
قوله تعالى : ولو يؤاخذ الناس بظلمهم . سورة فاطر .
وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا تَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَآَنَّةٍ وَلَكِنِ يُؤَنُِّهُمْ إِلَّ
أَجَلٍ مُسَمَّىٌّ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّ كَانَ بِعِبَادِهِ، بَصِيرًا.
٤٥
بأمور أرضية لها خواص أو كواكب سماوية لها آثار فقال تعالى ( وما كان الله ليعجزه من شىء
فى السموات ولا فى الأرض إنه كان عليما) بأفعالهم وأقوالهم (قديراً) على إهلاكهم واستتصالهم.
قوله تعالى: ﴿ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ولكن يؤخرهم
إلى أجل مسمى فاذا جاء أجلهم فان الله كان بعباده بصيراً﴾ .
لما خوف اللّه المكذبين بمن مضى وكانوا من شدة عنادهم وفساد اعتقادهم يستعجلون
بالعذاب ويقولون عمل لنا عذابنا فقال الله: للعذاب أجل والله لا يؤاخذ الله الناس بنفس الظلم فان
الإنسان ظلوم جهول ، وإنما يؤاخذ بالاصرار وحصول يأس الناس عن إيمانهم ووجود الايمان
ممن كتب الله إيمانه فاذا لم يبق فيهم من يؤمن يهلك المكذبين ولو آخذهم بنفس الظلم لكان كل
يوم إهلاك وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى) إذا كان الله يؤاخذ الناس بما كسبوا فما بال الدواب بهلكون؟ نقول
الجواب من وجوه (أحدها ) أن خلق الدواب نعمة فاذا كفر الناس يزيل الله النعم والدواب
أقرب النعم لأن المفرد أولا ثم المركب والمركب إما أن يكون معدنياً وإما أن يكون نامياً والنامى
إما أن يكون حيواناً وإما أن يكون نباتاً ، والحيوان إما إنسان وإما غير إنسان فالدواب أعلى
درجات المخلوقات فى عالم العناصر للانسان (الثانى) هو أن ذلك بيان لشدة العذاب وعمومه فان
بقاء الأشياء بالانسان كما أن بقاء الإنسان بالاشياء وذلك لأن الانسان يدبر الأشياء ويصلحها
فتبقى الأشياءثم ينتفع بها الانسان فيبقى الإنسان فاذا كان الهلاك عاماً لا يبقى من الانسان من يعمر
فلا تبقى الأبنية والزروع فلا تبقى الحيوانات الأهلية لأن بقاءها بحفظ الانسان إياها عن التلف
والهلاك بالسقى والعلف (الثالث) هو أن إنزال المطرهو إنعام من اللّه فى حق العباد فإذا لم يستحقوا
الإنعام قطعت الأمطار عنهم فيظهر الجفاف على وجه الأرض فتموت جميع الحيوانات وقوله تعالى
(ماترك على ظهرها من دابه) (الوجه الثالث) لأن بسبب انقطاع الأمطار تموت حيوانات البر ، أما
حيوانات البحر فتعيش بماء البحار .
المسألة الثانية) قوله تعالى (على ظهرها) كناية عن الأرض وهى غير مذكورة فكيف
علم؟ نقول ما تقدم وما تأخر ، أما ما تقدم فقوله ( وما كان الله ليعجزه من شىء فى السموات
ولا فى الأرض ) فهو أقرب المذكورات الصالحة لعود الهاء إليها ، وأما ما تأخر فقوله (من دابة)
لأن الدواب على ظهر الأرض، فان قيل كيف يقال لما عليه الخلق من الأرض وجه الأرض
٣٨
قوله تعالى : فإذا جاء أجلهم . سورة فاطر .
وظهر الأرض، مع أن الوجه مقابل الظهر كالمضاد؟ نقول من حيث إن الأرض كالدابة الحاملة
للأثقال والحمل يكون على الظهر يقال له ظهر الأرض، ومن حيث إن ذلك هو المقابل للخلق
المواجه لهم يقال له وجهها ، على أن الظهر فى مقابلة البطن والظهر والظاهر من باب والبطن والباطن
من باب ، فوجه الأرض ظهر لأنه هو الظاهر وغيره منها باطن وبطن.
﴿ المسألة الثالثة﴾ فى قوله تعالى ( ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى) وجوه: (أحدها) إلى
يوم القيامة وهو مسمى مذكور فى كثير من المواضع ( ثانيها) يوم لا يوجد فى الخلق من يؤمن
على ما تقدم ( ثالثها ) لكل أمة أجل ولكل أجل كتاب وأجل قوم محمد مر تم أيام القتل والأسر
کیوم بدر وغيره .
المسألة الرابعة) قوله تعالى ( فاذا جاء أجلهم، فان الله كان بعباده بصيراً) تسلية للمؤمنين
للمؤمنين، وذلك لأنه تعالى لما قال (ما ترك على ظهرها من دابة) وقال (لا تصين الذين ظلموا
منكم خاصة) قال فاذا جاء الهلاك فالله بالعباد بصير، إما أن ينجيهم أو يكون توفيهم تقريباً من الله
لا تعذيباً، لا يقال قد ذكرت أن الله لا يؤاخذ بمجرد الظلم، وإنما يؤاخذ حين يجتمع الناس على
الضلال ونقول بأنه تعالى عند الإهلاك يهلك المؤمن فكيف هذا، نقول قد ذكرنا أن الإماتة
والإفناء إن كان للتعذيب فهو مؤاخذة بالذنب وإهلاك، وإن كان لإيصال الثواب فليس بإهلاك
ولا بمؤاخذة ، والله لا يؤاخذ الناس إلا عند عموم الكفر، وقوله ( بصير ) اللفظ أتم فى القسلية
من العليم وغيره لأن البصير بالشىء الناظر إليه أولى بالإنجاء من العالم بحالة دون أن يراه والله أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
٢٦
سورة يس
(٣٦) سُورَة بِسْمَكِيَّة
وَآيَاتِهَا ثَلاثُ وَسَانُونَ
3
بِسْـ
وَالْقُرْءَ انِ الْحَكِيمِ
يس ®
-
بسم الله الرحمن الرحيم
ريس والقرآن الحكيم﴾ قد ذكرنا كلاماً كلياً فى حروف التهجى فى سورة العنكبوت
وذكرنا أن فى كل سورة بدأ الله فيها بحروف التهجى كان فى أوائلها الذكر أو الكتاب أو القرآن
ولنذكرههنا أبحاثاً :
﴿ البحث الأول ) هو أن فى ذكر هذه الحروف فى أوائل السور أموراً تدل على أنها غير
خالية عن الحكمة ولكن علم الانسان لا يصل إليها بعينها فنقول ما هو الكلى من الحكمة فيها،
أما بيان أن فيها ما يدل على الحكمة فهو أن الله تعالى ذكر من الحروف نصفها وهى أربعة عشر
حرفاً وهى نصف ثمانية وعشرين حرفاً، وهى جميع الحروف التى فى لسان العرب على قولنا
الهمزة ألف متحركة، ثم إنه تعالى قسم الحروف ثلاثة أقسام تسعة أحرف من الألف إلى الذال
وتسعة أحرف أخر فى آخر الحروف من الفاء إلى الياء وعشرة من الوسط من الراء إلى الغين ،
وذكر من القسم الأول حرفين هما الألف والحاء وترك سبعة وترك من القسم الآخر حرفين هما
الفاء والواو وذكر سبعة ، ولم يترك من القسم الأول من حروف الحلق والصدر إلا واحداً لم
يذكره وهو الخاء، ولم يذكر من القسم الآخر من حروف الشفة إلا واحداً لم يتركه وهو الميم،
والعشر الأواسط ذكر منها حرفاً وترك حرفاً فذكر الراء وترك الزاى وذكر السين وترك الشين
وذكر الصاد وترك الضاد وذكر الطاء وترك الظاء وذكر العين وترك الغين ، وليس هذا أمراً يقع
اتفاقا بل هو ترتيب مقصود فهو لحكمة ، وأما أن عينها غير معلومة فظاهر وهب أن واحداً يدعى
فيه شيئاً فماذا يقول فى كون بعض السور مفتتحة بحرف كسورة ن . و ق . و ص. وبعضها
بحرفين كسورة حم. ويس. وطس. وطه. وبعضها بثلاثة أحرف كسورة الم. وطسم، والر.
وبعضها بأربعة كسورتى المر. والمص. وبعضها بخمسة أحرف كسورتى حمعسق. وكهيعص.
وهب أن قائلا يقول إن هذا إشارة إلى أن الكلام ، إما حرف، وإما فعل ، وإما اسم ، والحرف
كثيراً ماجاء على حرف كواو العطف وفاء التعقيب وهمزة الاستفهام وكاف التشبيه وباء الالصاق
٤٠
قوله تعالى : إنك لمن المرسلين . سورة يس .
إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ
وغيرها وجاء على حرفين كمن للتبعيض وأو للتخيير وأم للاستفهام المتوسط وأن للشرط وغيرها
والاسم والفعل والحرف جاء على ثلاثة أحرف كإلى وعلى فى الحرف وإلى وعلى فى الاسم وألا يألو
وعلا يعلو فى الفعل، والاسم والفعل جاء على أربعة، والاسم خاصة جاء على ثلاثة وأربعة وخمسة
كفجل وسحل وجردحل فما جاء فى القرآن إشارة إلى أن تركيب العربية من هذه الحروف على
هذه الوجوه ، فماذا يقول هذا القائل فى تخصيص بعض السور بالحرف الواحد والبعض بأكثر
فلا يعلم تمام السر إلا الله ومن أعلمه الله به، إذا علمت هذا فنقول اعلم أن العبادة منها قلبية، ومنها
لسانية، ومنها جارحية ، وكل واحدة منها قسمان قسم عقل معناه وحقيقته وقسم لم يعلم ، أما القلبية
مع أنها أبعد عن الشك والجهل ففيها مالم يعلم دليله عقلا، وإنما وجب الإيمان به والاعتقاد
سمعاً كالصراط الذى [هو]أرق من الشعرة وأحد من السيف ويمر عليه المؤمن والموقف كالبرق الخاطف
والميزان الذى توزن به الأعمال التى لا ثقل لها فى نظر الناظر وكيفيات الجنة والنار فان هذه الأشياء
وجودها لم يعلم بدليل عقلى، وإنما المعلوم بالعقل إمكانها ووقوعها معلوم مقطوع به بالسمع ومنها ما علم
كالتوحيد والنبوة وقدرة الله وصدق الرسول، وكذلك فى العبادات الجارحية ما علم معناه ومالم معلم
كمقاذير النصب وعدد الركعات ، وقد ذكرنا الحكمة فيه وهى أن العبد إذا أتى بما أمربه من غير أن يعلم
مافيه من الفائدة لا يكون إلا آتياً بمحض العبادة بخلاف ما لوعلم الفائدة فربما يأتى به للفائدة
وإن لم يؤمن كما لو قال السيد لعبده انقل هذه الحجارة من ههنا ولم يعلمه بمنا فى النقل فنقلها ولو
قال انقلها فان تحتها كنزاً هو لك ينقلها وإن لم يؤمن، إذا علم هذا فكذلك فى العبادات اللسانية
الذكرية وجب أن يكون منها ما لا يفهم معناه حتى إذا تكلم به العبد علم منه أنه لا يقصد غير الانقياد
لأمر المعبود الآمر الناهى فإذا قال ( حم، يس، الم، طسّ) علم أنه لم يذكر ذلك لمعنى يفهمه أو
يفهمه فهو يتلفظ به إقامة لما أمر به .
﴿ البحث الثانى ) قيل فى خصوص يس إنه كلام هو نداء معناه يا إنسان، وتقريره هو أن
تصغير إنسان أنيسين فكانه حذف الصدر منه وأخذ العجز وقال ( يس ) أى أنيسين، وعلى هذا
يحتمل أن يكون الخطاب مع محمد عَ لّ ويدل عليه قوله تعالى بعده ( إنك لمن المرسلين).
﴿ البحث الثالث) قرى يس إما بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف هو قوله هذه كأنه قال
هذه يس، وإما بالضم على نداء المفرد أو على أنه مبنى حيث، وقرى يس إما بالنصب على معنى اقل
يس وإما بالفتح كأين وكيف، وقرى يس بالكسر كبير لإسكان الياء وكسرة ما قبلها ولا يجوز
أن يقال بالجر لأن إضمار الجار غير جائز وليس فيه حرف قسم ظاهر وقوله تعالى (والقرآن
الحكيم) أى ذى الحكمة كعيشة راضية أى ذات رضا أو على أنه ناطق بالحكمة فهو كالحى المتكلم .
قوله تعالى: ﴿إنك لمن المرسلين﴾ مقسم عليه وفيه مسائل:
٠ ٠٠٠
٠
.
.